ذخيرة العقبى في شرح العروة الوثقى - ج6

- الشيخ علي الصافي الگلپايگاني المزيد...
458 /
57

و إن كان النظر في الجوار من باب العسر و الحرج عن الاجتناب، فدليل العسر و الحرج لا يقتضي إلّا رفع الحكم الثابت في مورد هما، لا حلية التصرف في مال الغير مطلقا.

*** [مسئلة 8: الحياض الواقعة في المساجد و المدارس إذا لم يعلم كيفية وقفها]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 8: الحياض الواقعة في المساجد و المدارس إذا لم يعلم كيفية وقفها من اختصاصها بمن يصلى فيها أو الطلاب الساكنين فيها أو عدم اختصاصها لا يجوز لغيرهم الوضوء منها إلّا مع جريان العادة بوضوء كل من يريد مع عدم منع من أحد فانّ ذلك يكشف عن عموم الاذن، و كذا الحال في غير المساجد و المدارس كالخانات و نحوها.

(1)

أقول: اعلم أنّ كيفية وقف الحياض الواقعة في المساجد و المدارس و غيرهما تارة يكون معلومة من حيث الاختصاص بطائفة خاصة و عدم اختصاصها، فلا إشكال في عدم الجواز في صورة الاختصاص لغير المخصوصين، و الجواز في صورة عدم الاختصاص.

و تارة لا يعلم كيفية الوقف من حيث اختصاصها ببعض دون بعض و عدم اختصاصها، و في هذه الصورة ليس الكلام في صورة إذن المتولى لأنّ أمرها بيده فهو المالك إلّا إذا علم كون إذنه على خلاف الواقع، بل الكلام في غير صورة إذن المتولى و الكلام في هذه الصورة مرة فى فرض جريان العادة بالوضوء منها ممن‌

58

يكون له المبالات و الاعتناء بموازين الشرعية مع عدم منع أحد من الوضوء منها فيجوز الوضوء في هذه الصورة لأنّ هذا كاشف عن عموم الاذن.

و اخرى لا يكون كذلك، فهل يجوز الوضوء من الحياض الواقعة فيها أو لا؟

و‌

ما يمكن أن يتمسك به على عدم الجواز امور:

الأوّل: ما رواه محمد بن الحسن و على بن محمد جميعا عن سهل

عن أحمد بن المثنّى عن محمد بن زيد الطبرى قال: كتب رجل من تجار فارس من بعض موالى أبي الحسن الرضا (عليه السلام) يسأله الاذن في الخمس، فكتب إليه: بسم اللّه الرحمن الرحيم إنّ اللّه واسع، كريم ضمن على العمل الثواب و على الضيق الهمّ، لا يحل مال إلّا من وجه أحلّه اللّه، إنّ الخمس عوننا على ديننا و على عيالنا و على موالينا (أموالنا) و ما نبذله و نشترى من أعراضنا ممن نخاف سطوته فلا تزووه عنّا، و لا تحرموا أنفسكم دعانا ما قدرتم عليه، فإنّ إخراجه مفتاح رزقكم، و تمحيص ذنوبكم و ما تمهدون لانفسكم ليوم فاقتكم، و المسلم من يفى للّه بما عهد إليه، و ليس المسلم من أجاب باللسان و خالف بالقلب و السلام (1).

فهذه الرواية تدلّ على عدم حلّية مال إلّا من حيث أحلّه اللّه، فلا بد في جواز التصرف في الأموال الغير المتعلقة للشخص من كشف كونه مما أحلّه اللّه، فلا يجوز فيما لا يعلم ذلك، فلا يجوز الوضوء من الحياض الواقعة في المساجد و غيرها إلا إذا عرف حليّته، و مع الشك فى ذلك لا يجوز التصرف.

و فيه- مضافا إلى ضعف سند الرواية من حيث احمد بن المثنى الّذي هو غير مذكور في الرجال و من حيث كون محمد بن زيد الطبرى مجهولا كما قيل إن لم نقل في‌

____________

(1) الرواية 2 من الباب 3 من ابواب الانفال و ما يختص بالامام من الوسائل.

59

سهل لما قيل من الأمر في سهل سهل-

أنّ الرواية تكون في مقام بيان الحكم الواقعى، و هو عدم حلية الأشياء واقعا إلّا من وجه أحلّه اللّه.

و هذا لا ينافى مع كون الحكم الظاهرى فيما جهل حليته و حرمته من باب الشك في أنّه مما أحلّه اللّه أم لا هو الحلية، فما يأتي بالنظر عدم كون الرواية منافية مع أصالة حلية الأشياء عند الشك حتى في الأموال، فالتمسك بالرواية على كون الأصل في الأموال في صورة الشك في الحلية هو الحرمة لا وجه له.

و أمّا التمسك برواية سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (في حديث) إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم قال: من كانت عنده أمانة فيؤدها إلى من ائتمنه عليها، فإنّه لا يحلّ دم امرئ مسلم و لا ماله إلا بطيبة نفس منه (1).

و ما رواها في تحف العقول عن رسول الله (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم قال في خطبة الوداع: أيّها الناس إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ، و لا يحل لمؤمن مال أخيه إلّا عن طيب نفس منه (2).

و ما رواه أبو الحسين محمد بن جعفر الاسدى قال: كان فيما ورد على الشيخ أبي جعفر محمد بن عثمان العمرى (قدس اللّه روحه) في جواب مسائلى إلى صاحب الدار (عليه السلام) و أمّا ما سألت عنه من أمر من يستحلّ ما في يده من أموالنا (إلى أن قال) و أمّا ما سألت عنه من أمر الضياع التى لناحيتنا هل يجوز القيام بعمارتها و أداء الخراج منها، و صرف ما يفضل من دخلها إلى الناحية احتسابا للأجر و تقربا إليكم فلا يحلّ لأحد أن يتصرف في مال غيره بغير إذنه، فكيف يحلّ ذلك في مالنا الخ (3).

____________

(1) الرواية 1 من الباب 3 من ابواب مكان المصلى من الوسائل.

(2) الرواية 3 من الباب 3 من ابواب مكان المصلى من الوسائل.

(3) الرواية 6 من الباب 3 من ابواب الانفال و ما يختص بالامام من الوسائل.

60

فلا وجه له لأنّه بعد فرض كون المسجد و المدرسة و غيرها وقفا، فلا يكون مال أحد، فيكون مورد الوقف خارجا عن مورد الروايات و مما بينا ظهر لك عدم صحة الاستدلال باستصحاب جواز التصرف قبل الوقف لو كان جائز التصرف، لأنّه بالوقف خرج عن ملكية المالك، فلا معنى لاستصحاب جواز السابق الّذي كان متفرعا على ملكه.

الثاني: ما رواه محمد بن على بن الحسين

باسناده على محمد بن الحسن الصفار أنّه كتب إلى أبي محمد الحسن بن على (عليهما السلام) في الوقف و ما روى فيه (الوقوف و ما روى فيها) عن آبائه (عليهم السلام)، فوقّع (عليه السلام): الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها إنشاء اللّه (1) (و كذا ما رواها محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى قال: كتب بعض أصحابنا إلى أبى محمد (عليه السلام) فى الوقوف و ما روى فيها، فوقّع (عليه السلام): الوقوف على حسب ما يقفها أهلها إن شاء اللّه).

و لا يبعد كون الروايتين رواية واحدة و على كل حال يدّعى أن المستفاد منهما توقف جواز التصرف في الوقف على أن يكون على طبق ما أوقفه أهله، فلا بدّ من فهم كون التصرف في حدود ما أوقفه أهله، فمع الشك في كونه مواقفا له أولا لا يجوز التصرف.

و فيه أنّ مقتضى الخبرين كون التصرفات جائزة على حسب ما يوقفه الواقف فإن كان الوقف بنحو العموم لكان الوضوء جائزا، و إن كان بنحو خاص- مثل كونه لأشخاص خاصة، مثلا ساكنى المدرسة- لا يجوز الوضوء، و مع الشك لا يمكن التمسك بالعموم الوارد في الخبرين لكونه من قبيل التمسك بالعام في الشبهة المصداقية من العام، و لا يكون العام حجة فيها مسلّما.

____________

(1) الرواية 1 من الباب 2 من ابواب الوقوف و الصدقات من الوسائل.

61

الثالث: الاستصحاب بمعنى استصحاب عدم جعل الوقف بنحو العموم،

و أثره عدم حلية الوضوء لمن شك في جوازه.

و فيه أنّ هذا الاستصحاب معارض باستصحاب عدم جعل الوقف بنحو الخاص و لاشخاص مخصوصين، و أثره حلية تصرف العموم بالوضوء في الحياض الواقعة في المساجد و غيرها.

فتلخص أنّه فيما لا يعلم كيفية الوقف لا دليل على عدم جواز الوضوء لأصالة الحلّية.

نعم إذا كانت هذه التصرفات مزاحمة لحق الموقوف عليهم الثابت اختصاصه بهم، أو لهم الاولوية بحسب الوقف، لا يجوز ذلك لعدم جواز مزاحمتهم بحسب الوقف و إنّ الوقوف على حسب ما يوقفها أهلها.

*** [مسئلة 9: إذا شق نهر أو قنات من غير إذن مالكه]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 9: إذا شق نهر أو قنات من غير إذن مالكه لا يجوز الوضوء بالماء الّذي فى الشق و إن كان المكان مباحا أو مملوكا له، بل يشكل إذا أخذ الماء من ذلك الشق و توضأ في مكان آخر و أن كان له أن يأخذ من أصل النهر أو القناة.

(1)

أقول: لعدم وجود السيرة على جواز الوضوء كما عرفت في المسألة 7.

***

62

[مسئلة 10: إذا غيّر مجرى نهر من غير إذن مالكه]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 10: إذا غيّر مجرى نهر من غير إذن مالكه و إن لم يغصب الماء، ففي بقاء حق الاستعمال الّذي كان سابقا من الوضوء و الشرب من ذلك الماء لغير الغاصب إشكال، و إن كان لا يبعد بقاء هذا بالنسبة إلى مكان التغيير و أمّا ما قبله و ما بعده فلا إشكال.

(1)

أقول: المفروض في المسألة صورتان:

الاولى: ما إذا غيّر مجرى نهر بغير إذن مالكه و إن لم يغصب الماء فيقع الكلام في جواز الوضوء من مكان التغيير.

قد يقال: بجواز الوضوء في هذا الصورة من باب أنّه لا وجه لعدم الجواز إلّا توهم عدم كونه من موارد السيرة، و الحال أن تغيير المجرى من دون غصب الماء لا يخرج المورد عما قامت السيرة القطعية على جوازه.

و فيه أنّ المقدار المسلّم من السيرة هو جواز الوضوء من الأنهار الكبار إذا كانت بالوضع الّذي أراد ملّاكها و لم يبلغ بها يد الغصب و العدوان، و أمّا في مورد تغيير المجرى عدوانا ما قامت السيرة على الجواز، و لا أقلّ من الشك فلا يبعد عدم الجواز في هذه الصورة.

الثانية: الصورة الاولى بحالها لكن يقع الكلام في جواز الوضوء ممّا قبل مكان التغيير أو ما بعده و عدم جوازه، و في هذه الصورة يمكن القول بالجواز، لأنّ التصرف بالوضوء أو الشرب من هذا الماء في هذا المكان من المجرى كان جائزا للسيرة و تصرف الغاصب في بعض الآخر من المجرى لا يوجب ارتفاع السيرة في ما قبل‌

63

مورد تغيير المجرى أو ما بعده.

*** [مسئلة 11: إذا علم أن حوض المسجد وقف على المصلين فيه]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 11: إذا علم أن حوض المسجد وقف على المصلين فيه لا يجوز الوضوء منه بقصد الصلاة في مكان آخر و لو توضأ بقصد الصلاة فيه ثمّ بدا له أن يصلّي في مكان آخر أو لم يتمكن من ذلك فالظاهر عدم بطلان وضوئه، بل هو معلوم في الصورة الثانية كما، أنّه يصح لو توضأ غفلة أو باعتقاد عدم الاشتراط، و لا يجب عليه أن يصلّى فيه و إن كان أحوط، بل لا يترك في صورة التوضؤ بقصد الصلاة فيه و التمكن منها.

(1)

أقول: في المسألة مسائل:

المسألة الاولى: إذا علم أنّ حوض المسجد وقف على المصلين فيه

لا يجوز الوضوء منه بقصد الصلاة في مكان آخر و لا يصح وضوئه، و كذا إذا توضأ و قصد عدم الصلاة في المسجد سواء قصد الصلاة في مكان آخر أو لا، و كذا إذا توضأ و قصد غاية اخرى من غايات الوضوء، ففى كل الصور لا يجوز الوضوء.

أمّا عدم لجواز تكليفا بمعنى كونه حراما، فلأنّ الوضوء على الفرض تصرف في الوقف على خلاف ما أوقفه واقفه، فيكون حراما.

و أمّا الحرمة الوضعية أعنى بطلان الوضوء، فلما عرفت من عدم صلاحية فعله لان يتقرب به مع علمه باختصاص الحوض بمن يصلّى في المسجد بحسب وقفه‌

64

فيفسد وضوئه.

المسألة الثانية: ما إذا توضأ بقصد الصلاة في المسجد

ثم بدا له أن يصلّى في مكان آخر، فالظاهر صحة وضوئه و عدم بطلانه، و صحة الصلاة الواقعة معه في مكان آخر.

أمّا صحة وضوئه فلكون فعله مقرّبا، و يصح أن يتقرب به، و قد وقع مع قصد التقرب فوقع صحيحا.

و أمّا صحة الصلاة الواقعة معه فلأنّ شرط الصلاة الطّهارة، و على الفرض حصلت الطّهارة بالوضوء، و وقعت الصلاة مع الطّهارة.

(ثم إنّ دخل قصد الصلاة فى الوضوء ليس من باب القول بالمقدمة الموصلة حتى يتوهم أنّه على القول بها لا يصح الوضوء و لا يصح الصلاة الواقعة معه فى غير المسجد، بل يكون من باب أنّه بعد انحصار وقف الحوض بخصوص المصلين يكون التصرف لغيرهم غصبا، فلا بد من قصد الوضوء للصلاة فى المسجد حتى يصح الوضوء و يكون مقرّبا، لأنّه على القول بالمقدمة الموصلة تكون المقدمة واجبة بقيد الايصال، أو إذا اراد الايصال، أو مع قصد الايصال بذى المقدمة، سواء كان ايجاد المقدمة بغصب أو مباح، فهو غير مربوط بالمقام).

المسألة الثالثة: إذا توضأ بقصد الصلاة في المسجد،

ثم بعد الوضوء لم يتمكن من الصلاة فيه، فالظاهر صحة وضوئه و عدم بطلانه لعين ما قلنا في الصورة الثانية و الظاهر عدم الفرق بين الصورة الثانية و الثالثة.

فما قاله المؤلف (رحمه اللّه) (فالظاهر عدم بطلان وضوئه، بل هو معلوم في الصورة الثانية) و نظره الفرق بين الصورتين من حيث استظهار البطلان بأنّه في الاولى ظاهر‌

65

و فى الثانية معلوم.

لا وجه له لأنّ كليهما مثلان من حيث صحة الوضوء بنظر الدليل.

المسألة الرابعة: إذا توضأ من الحوض الوقف المختص بالمصلين في المسجد

من لا يريد الصلاة في المسجد غفلة عن اختصاص ماء الحوض بمصلى المسجد، أو باعتقاد عدم اشتراط كون المتوضى يصلّى في المسجد، ثم بعد الوضوء التفت إلى ذلك، فهل يصح صلاته مع هذا الوضوء في غير هذا المسجد أو لا؟

الظاهر كون هذه المسألة مثل سابقها في الحكم لأنّ وضوئه وقع لأجل غفلته عن الاشتراط أو اعتقاده عدم الاشتراط صحيحا، فلا مانع من الصلاة معه فى غير هذا المسجد و يصحّ صلاته.

بل يمكن أن يقال: بأنّ هذه الصورة أولى بالصحة من الصورتين السابقتين لأنّ في هذه الصورة لا يكون النهى عن الغصب فعليا لأجل غفلته، أو اعتقاده عدم الاشتراط، بخلاف الصورتين السابقتين لكون النهى عن التصرف فعليا.

*** [مسئلة 12: إذا كان الماء في الحوض و ارضه و اطرافه مباحا]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 12: إذا كان الماء في الحوض و ارضه و اطرافه مباحا لكن في بعض اطرافه نصب آجر أو حجر غصبى يشكل الوضوء منه مثل الآنية إذا كان طرف منها غصبا.

(1)

أقول: بعد ما يكون المنهى عنه التصرف في الغصب، ففي كل مورد يصدق عرفا أنّ الوضوء تصرف في المغصوب لا يصحّ الوضوء، و أمّا إذا لم يصدق التصرف‌

66

فيصح الوضوء.

و ليس مجرد نصب آجر أو حجر في بعض أطراف الحوض مطلقا موجبا لكون الوضوء من الحوض غير جائز، بل يدور مدار صدق التصرف و عدمه.

*** [مسئلة 13: الوضوء في المكان المباح مع كون فضائه غصبيا]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 13: الوضوء في المكان المباح مع كون فضائه غصبيا مشكل بل لا يصح لأنّ حركات يده تصرف في مال الغير.

(1)

أقول: قد عرفت في طى الشرط الرابع في المسألة الثالثة التي انعقدناها ها أنّه قد يقال بعدم اشتراط إباحة الفضاء في الوضوء.

إمّا بدعوى أن مجرد حركة اليد في الفضاء ليس تصرفا في فضاء الغير.

و قلنا في جوابه بأنّ حركة اليد في فضاء الغير يعدّ تصرفا فيه.

و إمّا بدعوى أنّ التصرف في الفضاء غير متحد مع الوضوء، لأنّ حقيقة الوضوء هي الغسل و المسح، و الغسل عبارة عن جريان الماء على المحلّ و هو غير متحد مع التصرف في الفضاء.

نعم في خصوص المسح إن كان الفضاء منحصرا بالمغضوب يحرم المسح لكونه مقدمة منحصرة للمسح من باب أنّ حقيقة المسح إمرار الماسح على الممسوح، و هو محتاج إلى الفضاء، فلا يكون المسح مأمورا به، و لا فيه ملاك الأمر.

67

و قلنا في جوابه بأنّ الغسل عبارة عن إجراء الماء على المحلّ و إجراء الماء على محل الوضوء متحد مع الفضاء المغصوب.

فتكون النتيجة اشتراط إباحة الفضاء الّذي يقع فيه الوضوء.

*** [مسئلة 14: إذا كان الوضوء مستلزما لتحريك شي‌ء مغصوب]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 14: إذا كان الوضوء مستلزما لتحريك شي‌ء مغصوب فهو باطل.

(1)

أقول: للمسألة صورتان:

لأنّه تارة يكون تحريك المغصوب بالوضوء من باب المقارنات الاتفاقيّة بدون كون الوضوء سببا، ففي هذه الصورة لا وجه لبطلان الوضوء.

لعدم كون الوضوء متحدا معه بحيث يقال بالحمل الشائع: إنّ الفعل الواحد وضوء و غصب، و لا من باب كون الوضوء مقدمة له.

و تارة يكون الوضوء سببا لتحريك المغصوب فيكون الوضوء مقدمة له، و في هذه الصورة مرة يكون الوضوء مقدمة منحصرة له، فيبطل الوضوء لكونه علة للحرام، و ليس في الموارد أمر بالوضوء و لا ملاك المحبوبية له، فلا يقع متصفا بالصحة كما قلنا في اشتراط كون مصب ماء الوضوء مباحا.

و اخرى لا يكون الوضوء مقدمة منحصرة لتحريك المغصوب، فكما عرفت يصح الوضوء و إن لم يكن مأمورا به لوجود الملاك و هو كاف.

***

68

[مسئلة 15: الوضوء تحت الخيمة المغصوبة]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 15: الوضوء تحت الخيمة المغصوبة إن عدّ تصرفا فيها كما في حال الحرّ و البرد المحتاج إليها باطل.

(1)

أقول: المستفاد من كلام المؤلف (رحمه اللّه) دوران بطلان الوضوء و عدمه مدار عدّه تصرّفا في الخيمة المغصوبة و عدمه، فيظهر منه أنّ مجرد الانتفاع عن الخيمة المغصوبة يكون موجبا لبطلان الوضوء و هل يكون مطلق الانتفاع بمال الغير حراما أم لا، فهو ساكت عنه.

فبناء عليه ما ينبغى أن يتكلم فيه موضعان:

الموضع الأوّل: في أن حرمة مال الغير هل يكون بالتصرف فيه،

و بعبارة بعض بالاستيلاء على مال الغير، مثل أن يأخذ ملك الغير عنده و يتصرف فيه ما شاء.

أو يكون بمجرد الانتفاع بمال الغير و إن لم يكن تصرفا، مثل الاستظلال بجدار الغير أو الاستضاءة بمصباح الغير، فهو انتفاع عن مال الغير لكن لا يكون تصرفا في ماله، و لا استيلاء عليه.

قد يقال: بأنّه يظهر من الروايات الثلاثة- التى ذكرناها في طى المسألة 8 المستدل بها على عدم جواز الوضوء من الحياض الواقعة في المساجد و غيرها إذا لم يعلم كيفية وقفها من حيث اختصاصها بطائفة خاصة و عدم اختصاصها- أنّ المحرم هو التصرف في مال الغير، و ليس مجرد الانتفاع فيما لا يكون تصرفا في المال عرفا حراما لأنّ بعضها نص في عدم حليّة التصرف في مال الغير مثل التوقيع الشريف لأنّ فيه قال روحى فداه: (فلا يحلّ أن يتصرف فى مال غيره).

69

و بعضها ظاهر في ذلك مثل رواية سماعة (لا يحلّ دم امر سلم و لا ماله إلّا بطيبة نفس منه).

و المروى عن تحف العقول (و لا يحلّ لمؤمن مال أخيه إلّا عن طيب نفس منه).

و قد يقال: إنّ الظاهر من عدم حلية مال الغير بغير إذنه هو التصرف فيما له من التصرف في ماله بمقتضى سلطنة التي يكون للمالك عليه، فيشمل المال الأعيان و المنافع، فكما لا يجوز التصرف في عين مال الغير لا يجوز التصرف في منفعة من منافع الغير لأنّها أيضا مال عند العرف.

فتلخص أنّ الحرمة المتعلقة بمال الغير تدور مدار صدق التصرف، فكلّ ما يكون عند العرف تصرفا في مال الغير يكون محرّما.

و من يقول بأن الاستيلاء على المال محرم إن أراد ذلك لأنّه مع التصرف يصدق الاستيلاء فهو، و إن أراد معنى آخر فلم أر لاعتباره في صدق الحرمة وجها.

كما أنّه يظهر أنّ مجرد الانتفاع عن مال الغير فيما لا يكون تصرّفا فيه لا يكون محرما لعدم الدليل عليه، مضافا إلى أنّ الضرورة بخلافه في بعض الموارد، فلا يعدّ الاستظلال بجدار الغير تصرفا في مال الغير، هذا كله في الموضع الأوّل.

الموضع الثاني: يقع الكلام في أنّ الوضوء تحت الخيمة المغصوبة مع عدم كون المكان غصبا،

من باب أنّه يعدّ تصرفا في الخيمة يكون الوضوء حراما و باطلا، أو من باب أنّه تصرف في منافع الخيمة، و التصرف في المنافع مثل التصرف في العين حرام، لكونه تصرفا في مال الغير، و باطل لكون وضوئه متحدا مع الغصب، فليس وضوئه قابلا لان يتقرّب به فيبطل وضوئه.

أولا يعدّ تصرفا لا فى الخيمة و لا في منافع الخيمة، أو يفصّل بين زمان الحرّ أو البرد، فيقال، الوضوء تحتها تصرف كما عن المؤلف (رحمه اللّه)، و بين غير هذا الزمان، فيقال:

70

ليس الوضوء تصرفا في الخيمة.

قد يقال بالثانى لأنّ الوضوء تحت الخيمة المغصوبة لا يعدّ عند العرف تصرفا لا في الخيمة و لا في منافعها.

أمّا في نفس الخيمة فلأنّ من تمكن تحت الخيمة يتصرف في أرض الخيمة و فضائها، و لا يتصرف في نفس الخيمة و لا استيلاء له عليها، نعم ينتفع بها، و لا دليل على حرمة الانتفاع بمال الغير.

و أمّا منافع الخيمة فالاستيلاء و التصرف في المنافع يحصل بتبع الاستيلاء و التصرف في العين، و بعد عدم كون الوضوء تحت الخيمة، و هي العين، تصرفا في الخيمة فلا يكون تصرفا في منافع الخيمة أيضا.

و مما مرّ يظهر عدم الفرق بين حال البرد و الحرّ و بين غير هذا الحالين لأنّه في كل من الفرضين لا يكون الوضوء تصرفا.

نعم يكون انتفاعا من الخيمة، و مجرد الانتفاع لا يعد تصرفا، و لا استيفاء منفعة من منافعها.

أقول: و عندى فيما قاله نظر إذ مرة نحن نقول: بعدم فرض تصرف عرفى للخيمة أصلا فيمكن الالتزام بما قاله من عدم كون الوضوء تصرفا.

و لكن كيف يمكن القول به إذ الخيمة مثل ساير الأعيان تكون معدة للاستفادة و التصرف فيها، فاذا غصبها غاصب فقد غصب مالا، و غصبه بأنّ يتصرف فيها تصرفا يكون من شأنها، و شأن التصرف في الخيمة ليس إلّا بالتمكن تحته و المعاملة معها معاملة البيت، فلو وقع الغاصب تحتها يعدّ عرفا متصرفا في الخيمة، فعلى هذا يكون الوضوء من التصرفات، فيكون حراما و يوجب بطلان الوضوء، هذا ما يأتي عاجلا بنظرى القاصر.

71

و ليس ذلك مجرد الانتفاع، بل يعدّ تصرفا، و لهذا لا فرق بين حال الحرّ و البرد و بين غيره في كون الوضوء و الأفعال الواقعة تحتها تصرفا في الخيمة، فتلخص أنّ القول ببطلان الوضوء يكون أرجح.

*** [مسئلة 16: إذا تعدّى الماء المباح عن المكان المغصوب إلى المكان المباح]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 16: إذا تعدّى الماء المباح عن المكان المغصوب إلى المكان المباح لا إشكال في جواز الوضوء منه.

(1)

أقول: إذ لا وجه لعدم الجواز، فهو ماء مباح يجوز الوضوء منه و إن تعد بنفسه عن المكان المغصوب إلى المكان المباح.

*** [مسئلة 17: إذا اجتمع ماء مباح كالجارى من المطر في ملك الغير]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 17: إذا اجتمع ماء مباح كالجارى من المطر في ملك الغير إن قصد المالك تملّكه كان له و إلّا كان باقيا على أباحته، فلو أخذه غيره و تملّكه ملك، إلّا أنّه عصى من حيث التصرف في ملك الغير، و كذا الحال في غير الماء من المباحات مثل الصيد و ما اطارته الريح من النباتات.

(2)

أقول: أمّا فيما إذا اجتمع الماء المباح كالجارى من المطر في ملك شخص، فهل يكون الماء لمالك الملك إذا قصد تملّكه أم لا؟

72

اعلم أنّ له صورتين:

الاولى: أن يجعل ملكه

لأن يصير وعاء الماء و هيأه له بوضع حوض و مصنعة اخرى و قصد تملك الماء، فلا إشكال في صيرورته ملكا له، لأنّ حيازة الماء المباح تحصل بذلك، مثل جعل الشبكة بقصد اصطياد الصيد لحصول الحيازة بالفعل الاختيارى، و هو ما صنعه لان يقع ماء الغيث فيه مع قصده الحيازة.

الثانية: أن لا يصنع شيئا و لا يصدر منه فعل اختيارى للحيازة،

بل اجتمع الماء النازل من السماء في ملكه فقصد حيازته، فهل يحصل بذلك الحيازة، و يخرج بمجرد ذلك هذا الماء عن الحكم الأوّلى الذي يكون له من أنّ الناس أو المسلمين فيه شرع سواء أو لا؟

قد يقال (1) بكفاية ذلك في صدق الحيازة تبعا لظاهر كلام المؤلف (رحمه اللّه) بدعوى أنّ الحيازة في المقام يحصل باجتماع الماء في ملكه، فلا يبقى لتملكه إلّا قصده، فاذا حصل القصد تحقق الملك.

و فيه: أنّ الحيازة لا بد فيها من فعل اختيارى من المحيز مع قصده من هذا الفعل الاختياري الحيازة عرفا و لا يكفى مجرد القصد، و العجب من القائل من أنّه قال: و ليس حصول الملك بقصد التملك فقط حتى يقال بعدم كفايته في صدق الحيازة.

وجه العجب أنّه مع فرض عدم صدور شي‌ء للحيازة منه إلّا القصد، فهل القول بحصول الحيازة ليس معناه حصولها بمجرد القصد.

نعم ربّما يقال بصيرورته ملكا له بتبع ملكه و لو بلا قصد، و لكن هذا مشكل في مثل الماء الوارد على الارض، و ليس مثل الماء النابع في ملك الشخص أو العشب النابت في ملكه فعلى هذا يبقى الماء على إباحته إلّا أن يفعل المالك بعد ذلك فعلا‌

____________

(1) التنقيح، ج 4، ص 399.

73

يوجب حصول الحيازة مع قصد الحيازة.

أو يأخذه غيره و تملكه، لأنّه قابل للحيازة فيصير بالحيازة ملكا للغير، و إن كان عاصيا من حيث تصرفه في ملك الغير إذا كان تصرفه بغير إذنه.

و كذا الحال في غير الماء من المباحات، فتحصل حيازتها بفعل يصدق معه الحيازة بقصد الحيازة، مثل وضع الشبكة للصيد بقصد الاصطياد، و كذا فيما أطارته الريح فى ملكه بأخذها بقصد الحيازة، و أمّا مجرد وقوعها في ملكه فحصول الحيازة بمجرده مشكل و إن قصد الحيازة.

*** [مسئلة 18: إذا دخل المكان الغصبى غفلة و في حال الخروج توضأ]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 18: إذا دخل المكان الغصبى غفلة و في حال الخروج توضأ بحيث لا ينافى فوريته فالظاهر صحته لعدم حرمته حينئذ، و كذا إذا دخل عصيانا ثم تاب و خرج بقصد التخلص من الغصب، و إن لم يتب و لم يكن بقصد التخلص ففى صحة وضوئه حال الخروج إشكال.

(1)

أقول: في المسألة مسائل:

اعلم أنّ المراد بالمكان كما عرفت سابقا هو الفضاء بالتفصيل المتقدم ذكره بناء على كون إباحة الفضاء شرطا كما اخترنا و بيّنا وجهه.

الاولى: ما إذا دخل الشخص المكان المغصوب لا بسوء اختياره،

مثل ما إذا كان دخوله غفلة و في حال الخروج توضأ و لا يستلزم وضوئه تصرفا زائدا، فلا‌

74

إشكال في صحة وضوئه، لأنّه على الفرض لم يكن دخوله منهيا عنه، فلا يكون خروجه منهيا بالنهى الفعلى و لا معاقبا عليه بالنهى السابق، و يجب عليه الخروج بمعنى عدم جواز التصرف في المغضوب بالبقاء فيه، و لا يكون وضوئه مستلزما للتصرف الزائد على مقدار الخروج، فلا مانع من اتصاف الوضوء بالصحة.

الثانية: ما إذا دخل بسوء اختياره و كان عاصيا بالدخول،

لكن تاب و كان خروجه للتخلص عن التصرف الزائد في الغصب، و في حال الخروج توضأ، و لا يكون وضوئه مستلزما للتصرف الزائد، فيصح وضوئه لأنّه بعد فرض التوبة لا يكون معاقبا و عاصيا للنهى السابق لأنّ التوبة أزالت أثر النهى و هو العقاب، و كون خروجه بقصد التخلص، فلا يكون خروجه منهيا بالنهى الفعلى و لا معاقبا عليه بالنهى السابق، فلا مانع من صحة عبادته وضوءا كانت أو غيرها.

الثالثة: ما إذا دخل المكان المغصوب بسوء اختياره عصيانا و لم يتب،

و لم يكن خروجه بقصد التخلص عن الغصب و توضأ حال الخروج مع فرض عدم كون وضوئه مستلزما لتصرف زائد، فهل يصح وضوئه أو لا؟

وجه الصحة عدم حرمة الخروج بالنهى الفعلى و لا كونه معاقبا بالنهى السابق و اتصافه بالوجوب الفعلى لكون الخروج واجبا.

وجه فساد الوضوء أنّه و إن لم يكن الخروج منهيا بالنهى الفعلى، و لكن يكون معاقبا عليه و عاصيا بالنهى السابق و مبغوضا عليه، و على الفرض لم يتب حتى تؤثر فى رفع عقاب النهى السابق و مبغوضية فعله‌

و عدم اتصافه بالوجوب الفعلى أمّا أوّلا فلأنّه على التحقيق لا يكون الخروج واجبا حتى للتخلص، بل المحرم هو التصرف في مال الغير مطلقا، حتى لو لم يكن في البين عنوان الدخول و البقاء و الخروج، فيكون بهذه العناوين التصرف مورد النهى.

75

بل كما عرفت عن الأدلّة ليس المنهى إلّا التصرف في مال الغير، فكلما يكون تصرفا في مال الغير فهو محرّم، فالبقاء حرام لأنّه تصرف، و يجب الخروج بحكم العقل كى لا يتصرف تصرفا زائدا إلّا أن يكون التخلص واجبا بالوجوب الشرعى.

و أمّا ثانيا في فرض كون التخلص واجبا لا يكون على الفرض خروجه بقصد التخلص، فلا يكون واجبا، فلا يصح الوضوء في هذه الصورة.

الرابعة: ما إذا دخل عصيانا و بسوء اختياره، ثم تاب

و كان خروجه بعد التوبة، لكن لا بقصد التخلص، فهل يصح وضوئه حين الخروج مع عدم استلزامه تصرفا زائدا أو لا؟

الحق صحة وضوئه لأنّه على الفرض لا يكون الخروج منهيا بالنهى الفعلى و لا يكون معاقبا عليه و مبغوضا لأنّه تاب، و الخروج لا يوجب التصرف، فلا يكون الفعل مبغوضا، فيصح أن يتقرب به فيصح وضوئه.

الصورة الخامسة ما إذا دخل عصيانا و بسوء الاختيار و بعد الدخول لم يتب و لكن يكون خروجه بقصد التخلص عن الحرام، و يتوضأ حين الخروج و ليس وضوئه مستلزما لتصرف زائد، فهل يصح وضوئه أولا؟

الحق عدم صحة وضوئه لأنّه و إن لم يكن الخروج منهيا بالنهى الفعلى، لكن يكون معاقبا بالنهى السابق و مبغوضا عليه، و لم يتب على الفرض حتى تزيل المبغوضية.

و لا يكون التخلص واجبا لما قلنا من عدم كون التخلص واجبا بالوجوب الشرعى حتى يقال: إنّ طرّ و عنوان آخر و هو التخلص المأمور به يوجب رفع المبغوضية و صيرورة الفعل أعنى: الخروج حسنا.

لما قلنا من عدم كون التخلص واجبا إلّا من باب كونه مقدمة لرفع التصرف‌

76

الزائد فيحكم العقل بوجوبه، و ليس فيه ملاك آخر، فالحق في هذه الصورة عدم صحة الوضوء.

*** [مسئلة 19: إذا وقع قليل من الماء المغصوب في حوض مباح]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 19: إذا وقع قليل من الماء المغصوب في حوض مباح فإن أمكن ردّه إلى مالكه و كان قابلا لذلك لم يجز التصرف فى ذلك الحوض، و إن لم يمكن ردّه يمكن أن يقال بجواز التصرف فيه لأنّ المغصوب محسوب تالفا، لكنه مشكل من دون رضى مالكه.

(1)

أقول: المفروض للمسألة صورتان:

الاولى: ما إذا وقع الماء المغصوب في الحوض المباح و يمكن ردّه إلى مالكه يجب ردّه، و لم يجز التصرف في الحوض قبل ردّ المغصوب.

الثانية: الصورة بحالها و لكن لا يمكن ردّه، فهل يكون بحكم التالف و انتقال ضمانه بالمثل أو القيمة، و يجوز التصرف فيه بدون رضى المالك.

أو لا يكون كذلك، بل هو باق على ملك مالكه و يصير شريكا في مجموع ماء الحوض بنسبة مائه من باب أن التلف يفرض في غير المتماثلاث و أمّا في المتماثلات فتكون الشركة و المختار الشركة.

***

77

[الشرط الخامس: أن لا يكون ظرف ماء الوضوء من أوانى الذهب او الفضة]

الشرط الخامس: أن لا يكون ظرف ماء الوضوء من أوانى الذهب او الفضة و إلّا بطل سواء اغترف منه أو أداره على أعضائه، و سواء انحصر فيه أم لا، و مع الانحصار يجب أن يفرغ مائه في ظرف آخر و يتوضأ به، و إن لم يمكن التفريغ إلّا بالتوضؤ يجوز ذلك حيث إنّ التفريغ واجب، و لو توضأ منه جهلا أو نسيانا أو غفلة صحّ كما في الآنية الغصبية، و المشكوك كونه منهما يجوز الوضوء منه كما يجوز ساير استعمالاته.

(1)

أقول: مرّ الكلام في الوضوء و الغسل من أو انى الذهب و الفضة في طى مسئلة 13 من المسائل المتعلقة بالأوانى فراجع، و نقول هنا بنحو الاختصار بعونه تعالى:

إنّ الوضوء أو الغسل من آنية الذهب و الفضة يفرض له صور، لأنّه تارة يمكن تفريغ الماء من آنيتهما في ظرف آخر، و تارة لا يمكن ذلك، و في كل منهما، مرة يكون الماء منحصرا بما في الآنية من أحدهما، و اخرى لا يكون منحصرا بما فيهما،

فالصور أربع، فنقول بعونه تعالى:

الصورة الاولى: و هى ما يمكن تفريغ الماء من الآنية

من الذهب أو الفضة في وعاء و ظرف آخر و لا يكون الماء منحصرا بما في الآنية، فالكلام يقع تارة في صحة الوضوء و عدمها، و تارة في جواز التفريغ و عدمه.

أما الكلام في صحة الوضوء و عدمها فلا إشكال في صحة الوضوء من الماء بعد تفريغه عن الآنية لواجدية الوضوء للشرائط و فاقديته للموانع، سواء كان الوضوء من الظرف المباح الواقع فيه ماء الآنية بالارتماس، أو بالاغتراف، أو‌

78

بالصب على مواضع الوضوء، و إن كان التفريغ من آنية الذهب و الفضة حراما في بعض الصور كما يأتي إنشاء اللّه.

و أمّا الكلام في جواز الافراغ و عدمه، فنقول بعونه تعالى: بأنّه كما بينّا في الأوانى بعد كون إبقاء الماء استعمالا لآنية الذهب و الفضة، فيكون الافراغ واجبا مقدمة إن كان ايقاع الماء في الانية بفعله و لو كان على غير وجه المحرم، مثل ما أوقع الماء فيها غفلة، و خصوصا إن كان ايقاعه بسوء اختياره و عصيانه، فيجب عليه الافراغ، نعم لو لم يجب عليه الافراغ مثل ما كان ايقاعه بفعل غيره، و قلنا بأنّ افراغ الماء عن آنيتهما نحو استعمال لهما يكون الافراغ حراما.

الصورة الثانية: الصورة الاولى بحالها و لكن يكون الماء منحصرا بما في الآنية.

فحكمها حكم الصورة السابقة من حيث صحة الوضوء بعد الافراغ و وقوع الماء في الظرف المباح من باب أنه بعد الا فراغ يكون واجد الماء، فيصح وضوئه لكون فعله مقربا إلّا أن يقال: إنّ حكمها حكم الصورة الثالثة من أنّه بعد كون المقدمة منحصرة لا يكون امر و لا ملاكه فى الوضوء فيبطل الوضوء.

و كذا من حيث جواز الافراغ و عدمه.

الصورة الثالثة: ما إذا لا يمكن إفراغ الماء من آنيتهما في ظرف آخر

و كان الماء منحصرا بما في الآنية، فهل يجوز الوضوء من هذا الماء أم لا؟

الأقوى بطلان الوضوء فى هذه الصورة سواء كان بالارتماس في الآنية أو بالاغتراف عنها بيده و صبه بواسطة يده على مواضع الوضوء أو بصب الماء بسبب الآنية على محل الوضوء و مواضعه.

79

لأنّه بعد كون مقدمة الوضوء منحصرة، لانحصارها بما في الآنية منهما، يكون فاقد الماء، فينتقل تكليفة إلى التيمم، و ليس امر متعلقا بالوضوء و لا فيه ملاك الأمر، فلا يكون الوضوء مقربا.

نعم، فيما إذا كان تخلص الآنية من الذهب و الفضة عن الماء واجبا مثل ما إذا كان ابقاء الماء فبها بفعله كما بينا فى الصورة الاولى، و كان إبقاء الماء فيها استعمالا لها، و لا يمكن إفراغ منها إلّا بالاغتراف و لو تدريجا، أو بصب الماء منها على مواضع الوضوء، بل و إن لم يمكن الّا بالرمس فيها و الوضوء ارتماسا، يصح الوضوء حتى فى صورة الانحصار.

و قد يقال بصحة الوضوء في هذه الصورة و إن كان الاغتراف حراما من باب الترتب كما في النتقيح (1) بدعوى كون الترتب على القاعدة. (فيمكن تصحيح العبادة بالترتب حتى مع عدم كشف الملاك خلافا للعلامة النائينى (قدس سره) استاد العلامة الخوئى الّذي يكون التنقيح من تقريراته، و نحن حيث يكون لنا الاشكال فى أصل صحة الترتب لم نتعرض له).

الصورة الرابعة: الصورة الثالثة بحالها

و لكن لا يكون الماء منحصرا بما في آنية الذهب و الفضة و في هذه الصورة نقول بعونه تعالى:

أما الوضوء بنحو الارتماس في آنية أحدهما فباطل لكونه من صغريات اجتماع الأمر و النهى، و لا يكون الفعل قابلا لأن يتقرب به، فلا يقع صحيحا إلّا فيما إذا كان تفريغ الماء واجبا و لم يمكن إلّا بالوضوء فيها ارتماسا.

و أمّا بنحو الاغتراف فيصحّ الوضوء سواء كان إفراغ الماء واجبا أو حراما،

____________

(1) التنقيح، ج 3، ص 337.

80

و سواء كان بالاغتراف الدفعى أو التدريجى، لأنّ الاغتراف لا يكون محرما كما عرفت في الصورة الاولى في بعض الصور.

و إن كان محرّما كما يفرض في بعض الصور فحيث لا يكون الغسل و المسح الوضوئي متحدا مع الاغتراف، فلا يكون الوضوء باطلا من حيث كونه صغرى الاجتماع.

و حيث إنّ الاغتراف عن الآنية و إن كان مقدمة للوضوء لكن ليس مقدمة منحصرة فلا يوجب حرمة المقدمة إلّا عدم اتصافه بالوجوب المقدمى للوضوء، لكن الأمر بذى المقدمة و هو الوضوء باق بحاله، فيقع الوضوء صحيحا و إن أتى به المكلف في ضمن المقدمة المحرمة.

و أمّا بنحو الصب عن الآنية منهما في مواضع الوضوء فحيث إنّ الوضوء غير متحدّ مع الحرام و صب الماء مقدمة للغسل لا نفس الغسل لأنّه يصبّ الماء على المحل ثم يغسل به مواضع الوضوء، فلا يكون الوضوء باطلا و إن كان تفريغ الآنية حراما فى بعض الصور كما أنه يكون واجبا فى بعض صور غصبيتها.

ثم إنّه كلما قلنا من الصور فى الوضوء من الماء المغصوب يجرى فيما كان الوضوء من الآنية المصنوعة من الذهب و الفضّة، فاذا كان عالما فقد عرفت حكم الوضوء من حيث الصحة و الفساد و قلنا بالفساد، و أمّا إن كان الوضوء عنهما جهلا بالموضوع أو نسيانا أو غفلة أو جهلا بالحكم إذا كان عن قصور صح وضوئه، ثم إنّه يجوز الوضوء فى الآنية المشكوكة من الذهب و الفضّة أو عن غيرهما كما يجوز غير الوضوء من ساير الاستعمالات.

***

81

[مسئلة 20: إذا توضأ من آنية باعتقاد غصبيته]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 20: إذا توضأ من آنية باعتقاد غصبيته، أو كونها من الذهب أو الفضة ثم تبيّن عدم كونها كذلك، ففي صحة الوضوء إشكال، و لا يبعد الصحة إذا حصل منه قصد القربة.

(1)

أقول: بعد ما لا إشكال فى أنّ صحة العبادة تتوقف على كون العمل قربيا يصح أن يتقرب به و أن يكون الفاعل ممن يتمشى منه قصد القربة، فعلى هذا نقول في فرض المسألة: من أن الوضوء و إن كان واقعا مما يمكن التقرب به، و لكن الفاعل باعتقاده غصبية الآنية أو كونها من الذهب أو الفضة فيعتقد كون استعمالها بالوضوء مبعّدا للمولى، فلا يمكن منه قصد التقرب و لا تتمشّى منه قصد القربة، و لو فرض تمشى قصد القربة فيصح الوضوء، فما قال المؤلف (قدس سره) من الاشكال الشامل لصورة عدم تمشى قصد القربة فى غير محله، لأنّه فى هذا الفرض يكون الوضوء باطلا بلا إشكال.

و اعلم أنّ مفروض الكلام فيما يكون الوضوء من الآنية حراما إن كانت مغصوبة، أو من الذهب أو الفضة، و قد مضى تفصيله فراجع.

*** [الشرط السادس: أن لا يكون ماء الوضوء مستعملا في رفع الخبث]

الشرط السادس: أن لا يكون ماء الوضوء مستعملا في رفع الخبث و لو كان طاهرا مثل ماء الاستنجاء مع الشرائط المقدمة، و لا فرق بين الوضوء الواجب و المستحب على الأقوى حتى مثل وضوء الحائض، و أمّا المستعمل في رفع الحدث الأصغر فلا

82

إشكال في جواز التوضؤ منه، و الأقوى جوازه من المستعمل في رفع الحدث الأكبر و إن كان الأحوط تركه مع وجود ماء آخر، و أمّا المستعمل في الأغسال المندوبة فلا إشكال فيه أيضا.

و المراد من المستعمل في رفع الأكبر هو الماء الجارى على البدن للاغتسال إذا اجتمع في مكان، و أمّا ما ينصبّ من اليد أو الظرف حين الاغتراف أو حين إرادة الاجراء على البدن من دون أن يصل إلى البدن فليس من المستعمل، و كذا ما يبقى في الاناء و كذا القطرات الواقعة في الاناء و لو من البدن.

و لو توضأ من المستعمل في الخبث جهلا أو نسيانا بطل، و لو توضأ من المستعمل في رفع الأكبر احتاط بالاعادة.

(1)

أقول: تقدم الكلام في المسألة في فصل الماء المستعمل، و نقول هنا بنحو الاختصار: إنّ الكلام يقع في مقامين:

[المقام] الأوّل: فى جواز الوضوء بالماء المستعمل و عدمه

فنقول بعونه تعالى:

أما الماء المستعمل في رفع الخبث و إن كان طاهرا مثل ماء الاستنجاء مع شرائطه، فهل يجوز الوضوء منه أم لا؟

اعلم أنّ الكلام يقع تارة في المستعمل في رفع الخبث غير ماء الاستنجاء، و تارة في ماء الاستنجاء.

أما الكلام في ماء الاستنجاء فإن التزمنا بنجاسة ماء الغسالة فلا إشكال في عدم جواز الوضوء منه لاشتراط طهارة ماء الوضوء، و أمّا لو التزمنا بطهارته،

83

كما لا يبعد ذلك، فمنشأ القول بعدم جواز الوضوء منه ليس إلّا الاجماع المدعى على عدم كونه رافعا للحدث.

و أمّا ما رواها عبد اللّه سنان عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا بأس بأن يتوضأ بالماء المستعمل، فقال: الماء الّذي يغسّل به الثوب، أو يغتسل به الرجل من الجنابة لا يجوز أن يتوضأ منه و أشباهه، و أمّا الّذي يتوضأ الرجل به فيغسل به وجهه و يده في شي‌ء نظيف، فلا بأس أن يأخذه غيره و يتوضأ به (1).

المدّعى دلالة منطوقها على عدم جواز استعمال الماء المستعمل في الحدث، لأنّ مفروض الرواية هو الماء الّذي يغسّل به الثوب أو يغتسل به الرجل من الجنابة لا يجوز أن يتوضأ، فيقال: كما تدلّ الرواية على ذلك نقول: بعدم الجواز في الماء المستعمل في الاستنجاء لعدم الفرق بينهما، لأنّ كلا منهما استعمال الماء في إزالة الخبث.

ففيه أوّلا إنّ الرواية ضعيفة السند، و ثانيا لو أغمضا عن ذلك كما قلنا يحتمل أن تكون خصوصية للجنب ليست فى الاستنجاء كما يكون بعض الخصوصيات فى الماء المستعمل فى الاستنجاء، فالقول بكونه مثله قياس مع الفارق.

و ثالثا يمكن كون منشأ عدم جواز رفع الحدث بالماء المستعمل فى رفع الحدث الأكبر أو في رفع الخبث، ابتلاء الماء بنجاسة البدن، و كذا الثوب و لأجل النجاسة لم يجز رفع الحدث به.

و بعد عدم وجود دليل غير بعض الاجماعات المنقولة القابلة للخدشة و لا يعتنى به كما حكي عن صاحب الجواهر (رحمه اللّه) لعدم وجود إجماع كاشف عن قول المعصوم، أو وجود نص معتبر، لا يمكن الافتاء بعدم الجواز، بل نقول: بأنّ الأحوط‌

____________

(1) الرواية 13 من الباب 9 من ابواب الماء المضاف.

84

وجوبا عدم جواز الوضوء منه.

و أمّا المستعمل في الخبث غير ماء الاستنجاء فعلى القول بنجاسته لا إشكال في عدم جواز الوضوء منه.

و أمّا على القول بعدم نجاسته فما يمكن أن يكون وجها لعدم الجواز هو الاجماع و رواية عبد اللّه بن سنان و قد عرفت الخدشة في كل منهما.

فكما قلنا في المستعمل في الاستنجاء إنّ الأحوط عدم جواز الوضوء نقول فيه.

و أمّا وجه عدم الفرق في عدم جواز الوضوء بالمستعمل في الخبث بين الوضوء الواجب و المستحب حتى مثل وضوء الحائض فلشمول الدليل لكل منهما.

و على ما قلنا الأحوط عدم الجواز.

و أمّا الوضوء مع الماء المستعمل في رفع الحدث الأصغر فيجوز، لأنّه ماء طاهر فلا مانع من التوضى.

و أمّا الماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر ففي جواز الوضوء منه و عدمه قولان:

القول الثاني منسوب إلى جمع من القدماء (رضوان اللّه عليهم).

و القول الأوّل منسوب إلى جلّ المتأخرين و إلى السيد (رحمه اللّه) من القدماء (رضوان اللّه تعالى عليهم).

و قد بينا في الماء المستعمل ما يمكن أن يستدلّ به على عدم الجواز من الأخبار، و قلنا بعدم تمامية الاستدلال بها و قد ذكر بعض الأخبار يدل على الجواز، و بعد عدم الدليل على عدم الجواز يكون الماء طاهرا و لا مانع من الوضوء منه.

85

و لو شككنا في الجواز و عدمه فيكون الشك فى الشرطية، و يكون مورد أصالة البراءة، نعم باعتبار دعوى شهرة القدماء على عدم الجواز ينبغى الاحتياط بترك الوضوء منه، نعم لو صار الماء نجسا لملاقاته مع بدن الغاسل أو غيره فلا يجوز الوضوء لنجاسة الماء.

و أمّا الماء المستعمل في الاغسال المندوبة فلا دليل على عدم جوازه، فهو ماء طاهر يجوز الوضوء منه.

المقام الثاني: يقع الكلام فيما هو المراد من الماء المستعمل

في رفع الحدث الأكبر.

و المراد به هو الماء الجارى على البدن للاغتسال المجتمع في مكان، فيقال به الماء المستعمل في الحدث الأكبر.

و أمّا ما ينصب من اليد أو الظرف حين الاغتراف أو حين إرادة الاجراء على البدن من دون أن يصل إلى البدن فليس من المستعمل، كذا ما يبقى في الاناء، و كذا القطرات الواقعة في الاناء و لو من البدن.

و لو توضأ من المستعمل في الخبث جهلا أو نسيانا بطل من باب إطلاق الدليل، و هو الاجماع أو رواية عبد اللّه بن سنان، و قد عرفت أن الأحوط عدم جواز الوضوء منه، فلو توضأ فالاحوط عدم الاكتفاء به.

و لو توضأ من المستعمل في رفع الحدث الأكبر جهلا أو نسيانا فكما عرفت ينبغى الاحتياط بعدم الاكتفاء بالوضوء به.

***

86

[السابع أن لا يكون مانع من استعمال الماء]

قوله (رحمه اللّه)

السابع أن لا يكون مانع من استعمال الماء من مرض أو خوف عطش أو نحو ذلك و إلّا فهو مأمور بالتيمم، و لو توضأ و الحال هذه بطل، و لو كان جاهلا بالضرر صحّ و إن كان متحقّقا في الواقع، و الأحوط الاعادة أو التيمم.

(1)

أقول: يأتي الكلام في المسألة في مبحث التيمم إنشاء اللّه و مجمل القول فيها أنّه مع الضرر حيث يكون الوضوء ضرريّا و يحرم الضرر، فمع حرمة الضرر لا يصير الوضوء مقرّبا لعدم قابليته للتقرب به، و هذا بخلاف الحرج فإنّ لسان (لا حرج) حيث يكون لسان الامتنان فلا يرفع إلّا الوجوب، أعنى: التكليف، و أمّا ملاكه فباق، و ليس جعل النفس فى الحرج حراما في مورد الحرج بخلاف الضرر، فإنّ الاضرار بالنفس حرام فلهذا لا يقبل الوضوء لأن يتقرب به.

و لا فرق بين صورة العلم بالضرر أو الظن أو الاحتمال العقلائي لأنّ في كل منها يحرم الاقدام.

كما لا فرق بين القول بكون المحرّم هو الضرر الواقعى، و العلم و الظن و احتماله العقلائى طريق إليه، أو يقال: بأنّ موضوع الحرمة ليس واقع الضرر، بل العلم أو الظن أو الاحتمال للضرر موضوع للحرمة، لأنّ في كلى الفرضين مع العلم أو أحد أخويه يكون النهى فعليا، فمع النهى لا يكون الوضوء قابلا لأن يتقرب به.

و أمّا الخوف سواء كان الخوف من استعماله لنفسه أو الخوف لنفس محترمة غير نفسه او لغير بالنفس مثل تلف المال فمع حرمة الاضرار بالنفس و وجوب حفظ النفس أو المال أو الطرف لا يصح الوضوء لعدم كون الوضوء مقرّبا بناء على استفادة حرمة الوضوء من دليله و أمّا إن كان المستفاد عدم وجوب‌

87

الوضوء، مثل ما إذا كان دليله لا حرج، فلو توضأ يقع صحيحا، أو كان عدم وجوب الوضوء من باب المزاحمة مع الواجب الأهم و قلنا بأنّ الأمر بالشي‌ء لا يقتضي النهى عن ضدّه فلو توضأ يكون صحيحا.

و العطش كذلك، أعنى: لا يصح الوضوء مع الخوف على العطش، كما يظهر من بعض الأخبار الأمر بالتيمم معه، فمعه لا يكون وضوئه مقرّبا لو كان له ملاك المحبوبية حتى في هذا الحال.

و لو لم نقل ببقاء الملاك مع الخوف و العطش فلا يصح الوضوء لعدم وجود ملاك المحبوبية فيه.

أمّا إن كان الشخص جاهلا بالضرر و إن كان الضرر متحققا في الواقع صح الوضوء لأنّه بعد كون سبب عدم قابلية الوضوء لأن يتقرب به هو النهى عن الضرر أو وجوب حفظ النفس، فمع الجهل بالضرر لا يكون النهى فعليّا فيقع الوضوء صحيحا لأنّه قصد التقرب به و يصح التقرب به و إن كان الأحوط إعادة الوضوء أو فعل العبادة مع التيمم فيما يكون تكليفه التيمم من باب احتمال عدم وجود الملاك للوضوء في هذا الحال، أو أنّ الاحتياط حسن في كل حال.

*** [الثامن: أن يكون الوقت واسعا للوضوء و الصلاة]

قوله (رحمه اللّه)

الثامن: أن يكون الوقت واسعا للوضوء و الصلاة بحيث لم يلزم من التوضؤ وقوع صلاته و لو ركعة منها خارج الوقت و إلّا وجب التيمم إلّا أن يكون التيمم أيضا كذلك بأن يكون زمانه بقدر زمان الوضوء أو أكثر، إذ حينئذ يتعين الوضوء، و لو

88

توضأ في الصورة الاولى بطل إن كان قصده امتثال الأمر المتعلق به من حيث هذه الصلاة على نحو التقييد، نعم لو توضأ لغاية اخرى أو بقصد القربة صح، و كذا لو قصد ذلك الأمر بنحو الداعى لا التقييد.

(1)

أقول: بعد ما لا إشكال في وجوب الوضوء فى فرض التمكن من إتيان تمام الصلاة فى الوقت مع الوضوء‌

يقع الكلام في موردين:

المورد الأوّل فيما يلزم من التوضؤ وقوع تمام الصلاة في خارج الوقت،

أو لا يتمكن مع الوضوء من إيقاع ركعة واحدة من الصلاة في الوقت و إن كان متمكنا من إتيان بعض من الركعة الواحدة فى الوقت.

المورد الثاني ما يلزم من التوضؤ وقوع تمام الصلاة في خارج الوقت،

لكن يمكن إتيان ركعة منها أو أزيد من الركعة في الوقت.

و في كل منهما تارة يكون متمكنا من إدراك الصلاة في الوقت مع التيمم، و تارة لا يكون كذلك، بل كما لا يتمكن من إتيان تمام الصلاة في الوقت كما في المورد الأوّل و إتيان ركعة منها كما في المورد الثاني مع الوضوء كذلك لا يتمكن مع التيمم.

و بعبارة اخرى يكون الوقت الّذي يصرف للوضوء بقدر الوقت الّذي يصرف للتيمم، أو يكون وقت التيمم اكثر فنقول بعونه تعالى:

أمّا فيما يكون الوقت المصروف للوضوء بمقدار الوقت المصروف في التيمم، أو أقل فلا ينبغى الاشكال في وجوب الوضوء و عدم انتقال التكليف إلى التيمم لأنّ ما أوجب انتقال التكليف من الوضوء إلى بدله، و هو التيمم، ليس إلّا أهمية الوقت،

89

و بعد عدم إمكان حفظه الوقت حتى بالتيمم لكون زمانه بقدر زمان الوضوء فلا وجه لسقوط وجوب الوضوء فيجب الوضوء.

و لا إشكال في وجوب التيمم فيما يكون الاتيان بالوضوء مستلزما لوقوع تمام الصلاة في خارج الوقت، و لكن مع التيمم يتمكن من تمام الصلاة أو ركعة تامة منها أقلا في الوقت، لأنّه بعد الدوران بين الوقت و بين الوضوء يكون حفظ الوقت مقدما.

إمّا لأنّ الوضوء له البدل، و هو التيمم، و الوقت لا بدل له، و مع الدوران بين الواجب الّذي لا بدل له و بين ماله البدل، يجب تقديم ما لا بدل له، لأنّه في صورة تزاحم الواجبين يكون التقديم لما لا بدل له كما عن بعض.

و إمّا لأنّا نعلم أهمية الوقت بالنسبة إلى الوضوء، فيحكم العقل في مقام تزاحمهما بتقديم الوقت و الاكتفاء عن الوضوء ببدله و هو التيمم، و يظهر وجه أهميته من جعل التيمم، فإنّ جعل التيمم لفاقد الماء يكون لأن يتمكن من الصلاة في وقتها كما يظهر ذلك من الآيتين الشريفتين الواردتين في التيمم، و هذه الأهميّة صارت موجبة لجعل التيمم، فليس الوقت و الوضوء على هذا من قبيل الواجبين المتزاحمين لأنّ أهمية حفظ الوقت صارت ملاكا لعدم المصلحة فى الوضوء فى ضيق الوقت، و كون المصلحة فى التيمم، و لهذا لو توضأ بقصد الصلاة فى ضيق الوقت يكون صلاته باطلا لعدم أمر بالصلاة فى هذا الحال مع الوضوء، و لا ملاك للأمر، فالوجه فى وجوب التيمم و فى عدم الاكتفاء بالوضوء فى الفرض، هو هذا الوجه.

و أمّا فيما لا يتمكن مع الوضوء من إدراك تمام الصلاة في وقتها، و لكن يتمكن من إتيان ركعة تامّة منها أقلا في وقتها، و لكن لو تيمم يتمكن مع التيمم من إدراك تمام الصلاة في وقتها، فهل يتوضأ و يأتي ركعة من الصلاة في الوقت و ما بقيها في خارج الوقت، أو يجب التيمم و اتيان تمام الصلاة في الوقت؟

90

أقول: بعد ما نعلم أهمّية الوقت بالنسبة إلى الوضوء، و هذه الأهمية تكون لمجموع الصلاة بمعنى أهمية وقوع كل جزء جزء منها في الوقت بالنسبة إلى الوضوء فلا بدّ من حفظ الأهمية.

لأنّ هذه الأهمية أوجبت جعل التيمم و عدم جعل الوضوء، فلا يكون الوضوء مطلوبا مع إمكان حفظ وقت الصلاة بالنسبة إلى تمام الصلاة، فيجب التيمم في الفرض و الصلاة في الوقت.

إن قلت: إنّ المروى أنّ من أدرك ركعة في الوقت فقد أدرك الوقت كله، و مفاده التوسعة في الوقت، فمع الوضوء و إدراك ركعة أدرك الوقت، فلا بدّ من حفظ كل من الواجبين الوقت و الوضوء لإمكان جمعهما.

قلت: إنّ لسان (من أدرك) هو جعل الوقت الاضطرارى في صوره فوت الوقت لا جواز تفويت الوقت عمدا، فعلى هذا مع فرض إمكان حفظ الوقت لمجموع الصلاة مع الطّهارة الترابية لا يجوز تفويت الوقت بالوضوء لادراك ركعة من الصلاة.

كما انّه لو توضأ في الصورة التي يجب عليه التيمم، فتارة يقصد بوضوئه وضوء هذه الصلاة التي ضاق وقتها بقصد التقييد فلا يصح الوضوء لما قلنا من عدم كون الوضوء متعلق الأمر في هذا الحال، و لا فيه ملاك الأمر، لعدم أمر بالوضوء من قبل هذه الصلاة و لا ملاك امر فيه، و على الفرض لم يقصد غاية اخرى فيبطل وضوئه.

و تارة يقصد بوضوئه وضوء هذه الصلاة التى ضاق وقتها، لكن لا بنحو التقييد بل بنحو الداعى.

و تارة يقصد غاية اخرى من غايات الوضوء و يتوضأ بقصدها، فيصح‌

91

وضوئه لأنّه و إن كان في الحال مأمورا بالتيمم لأجل الصلاة، و هو ضد الوضوء، لكن لا يوجب هذا فساد الوضوء لعدم كون الأمر بالشي‌ء مقتضيا للنهى عن الضد.

و تارة يتوضأ بقصد القربة و لم يقصد غاية من الغايات حتى الكون على الطهارة فأيضا لا يصح وضوئه، لعدم دليل على استحباب الوضوء بنفسه حتى بدون قصد غاية من غاياته الواجبة أو المستحبة.

*** [مسئلة 21: في صورة كون استعمال الماء مضرّا]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 21: في صورة كون استعمال الماء مضرّا لو صبّ الماء على ذلك المحل الذي يتضرر به و وقع في الضرر، ثم توضأ صحّ إذا لم يكن الوضوء موجبا لزيادته، لكنه عصى بفعله الأوّل.

(1)

أقول: للمسألة صورتان:

الاولى: أن يصب الماء على المحل، ثم بعده يصبّ الماء مرّة اخرى و يتوضأ، و لا يكون صبّ الماء للوضوء مضرّا له فصح وضوئه، لأنّ وضوئه ليس بضررى، و لا موجبا لزيادة الضرر على الفرض.

الثانية: أن يتوضأ بالماء الّذي صبّ على المحلّ و كان يتضرّر به، فهل يجوز الوضوء من هذا الماء المصبوب الضررى أم لا؟

أقول: قد مرّ منّا فى الآنية المغصوبة و فى آنية الذهب و الفضة فى الوضوء منهما بأنّه فى هذه الصورة إن كان الماء منحصرا بما صبّ على محل الوضوء فلا يصحّ‌

92

الوضوء، و إذا كان غير منحصر به يصحّ الوضوء، و قد مضى وجهه فراجع فكذلك فى المقام.

و أمّا عصيانه فللإضرار بنفسه بصبّ الماء على المحل الّذي يتضرر به.

*** [التاسع: المباشرة في أفعال الوضوء في حال الاختيار]

قوله (رحمه اللّه)

التاسع: المباشرة في أفعال الوضوء في حال الاختيار، فلو باشرها الغير أو أعانه في الغسل أو المسح بطل.

و أمّا المقدمات للأفعال فهى أقسام:

أحدها: المقدمات البعيدة كإتيان الماء أو تسخينه أو نحو ذلك، و هذه لا مانع من تصدى الغير لها.

الثاني: المقدمات القريبة مثل صبّ الماء في كفّه، و في هذه يكره مباشرة الغير.

الثالث: مثل صبّ الماء على أعضائه مع كونه هو المباشر لاجرائه و غسل أعضائه، و في هذه الصورة و إن كان لا يخلو تصدى الغير عن إشكال إلّا أنّ الظاهر صحته، فينحصر البطلان فيما لو باشر الغير غسله أو أعانه على المباشرة بأن يكون الاجراء و الغسل منهما معا.

(1)

أقول:

الكلام يقع في مقامين:

93

(1)

الأوّل: في وجوب مباشرة نفس المتوضّئ أفعال الوضوء،

و عدم جواز تولية غيره عنه، فنقول بعونه تعالى:

يستدلّ عليه بأمور:

الأوّل: دعوى الاجماع على عدم جواز التولية

في الوضوء حتى قيل أنّ نقل الاجماع عليه مستفيض، و لم يحك الخلاف إلّا عن ابن جنيد.

الثاني: ظهور الأدلّة الدالة على وجوب الوضوء من القرآن و الأخبار على وجوب المباشرة،

لأنّ ظاهر الأمر بالغسل أو المسح أو الوضوء ظاهر في وجوب المباشرة، و قيام المكلف بنفسه على إتيانه.

و هذا الظهور يكون في كل من الأوامر المتعلقة بالأشخاص إلّا أن يكون في البين بعض القرائن الداخلية، مثل ما إذا طلب عن المكلف ما لا يمكن صدوره منه بالمباشرة، مثلا قال المولى (ابن مسجدا) لمن لا يقدر على بنائه إلّا بالتسبيب لا بالمباشرة.

أو بعض القرائن الخارجية على عدم اعتبار المباشرة، كما إذا علم من الخارج أنّ المطلوب من الأمر ليس إلّا وجود المطلوب في الخارج كيفما اتفق، و من أىّ شخص اتفق، مثل الأمر بغسل الثوب عن الخبث.

الثالث: قوله تعالى فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صٰالِحاً وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (1).

بضم ما ورد في تفسيره في بعض الأخبار المستفاد منه أنّ تولية الغير في الوضوء من الشرك (ذكرناه في مكروهات الوضوء و نذكره هنا تتميما للفائده).

منها ما رواها الحسن بن علي الوشاء قال: دخلت على الرضا (عليه السلام) و بين يديه‌

____________

(1) سورة كهف، الآية 110.

94

إبريق يريد أن يتهيّأ منه للصلاة، فدنوت منه لأصبّ عليه فأبى ذلك، فقال: (عليه السلام) مه يا حسن، فقلت له: لم تنهانى أن أصبّ على يديك تكره أن اوجر؟ قال توجر أنت و اوزر أنا، فقلت: فكيف ذلك؟ فقال: أ ما سمعت اللّه عزّ و جلّ يقول: فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صٰالِحاً وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً و ها أنا ذا أتوضأ للصلاة، و هي العبادة فأكره أن يشركنى فيها أحد (1).

وجه الاستدلال عدم تجويز الرضا (عليه السلام) تولية الحسن صبّ ماء وضوئه لكونه من الشرك في العبادة، و بعد عدم تجويزه صب الماء على يده للوضوء و الحال أنّه من مقدمة الوضوء، فتولية الغير الوضوء غير جائز بطريق الأولى، و بعد كونه من الشرك فى العبادة، فيكون الوضوء باطلا لعدم كونه مقرّبا.

و فيه أنّ صبّ الماء من المقدمات و إن كان اتيان الغير بعض المقدمات من الشرك فكان للازم القول بعدم جواز تولية الغير مطلق المقدمات حتى البعيدة و لا يمكن الالتزام به، مثلا وضع الماء في الابريق، أو في الحوض لأن يتوضأ الشخص.

فنقول: بأنّ الرواية محمولة على الكراهة بدليل أن تولية الحسن لصب الماء إن كان حراما فكيف هو يوجر بفعله و الحال أنّه (عليه السلام) قال (توجر انت) فهذا شاهد على حصول حزازه للمباشرة و هو الكراهة لا الحرمة.

و منها مرسلة الصدوق (رحمه اللّه) قال: كان أمير المؤمنين (عليه السلام) إذا توضأ لم يدع أحدا يصبّ عليه الماء،: فقيل له: يا أمير المؤمنين لم لا تدعهم يصبّون عليك الماء؟ فقال: لا احبّ أن اشرك في صلاتي أحدا و قال اللّه تبارك و تعالى فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صٰالِحاً وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً (2) (و رواها في العلل مسند أو‌

____________

(1) الرواية 1 من الباب 47 من ابواب الوضوء من الوسائل.

(2) الرواية 2 من الباب 47 من ابواب الوضوء من الوسائل.

95

كذا الشيخ (رحمه اللّه)).

وجه الاستدلال كسابقها.

و فيه أنّ قوله (عليه السلام) (لا احبّ أن اشرك في صلاتي الخ) أقوى شاهد على كون التولية في المقدمات عن الغير يكون مكروها لا حراما بالحرمة التكليفية أو الوضعية.

و منها ما رواها السكونى عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) عن آبائه عن على (عليهم السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم: خصلتان لا أحبّ أن يشاركنى فيهما أحد: وضوئى فإنّه من صلاتى، و صدقتى فإنّها من يدى إلى يد السائل، فإنّها تقع في يد الرحمن (1).

و هذه الرواية ليست في مقام التمسك بالآية الشريفة و تفسيرها بأن تولية الغير في الوضوء شرك، بل يستدلّ بها على عدم جواز التولية، لأنّه صلى اللّه عليه و آله قال: (لا احبّ أن يشاركنى فيهما أحد وضوئى) الخ فلا يجوز التولية.

و فيه أولا أنّ قوله (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم (لا أحبّ) شاهد على كراهة التولية، و ثانيا بعد ما يجوز التولية في الصدقة و عدم وجوب المباشرة مسلما، كذلك في الوضوء، لأنّهما متحدان في الحكم على ما في الرواية، فهذا قرنية على كون الرواية محمولة على الكراهة، و ثالثا تدلّ الرواية على أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم لا يحب مشاركة أحد في وضوئه، و نحن نقول به لأنّ المشاركة في نفس الوضوء غير جائز لما قلنا في الوجه الاول و الثاني.

فعلى هذا تكون الرواية وجها ثالثا لعدم جواز المشاركة و تولية الغير فى نفس الوضوء، و هذا غير مربوط بما دلّ عليه رواية حسن بن على الوشاء و رواية‌

____________

(1) الرواية 4 من الباب 15 من ابواب الاستعانة فى الوضوء ج 2، ص 272 من جامع الاحاديث الشيعة رواها فى الوسائل فى باب 47 من ابواب الوضوء حديث 3.

96

الصدوق و رواية الارشاد، لأنّ هذه الاخبار يتوهم دلالتها على عدم جواز تولية الغير و مشاركته مع المتوضى حتى فى المقدمات، و قد بينا ما فيها، فإن تمت دلالة رواية السكونى و يحمل قوله صلى اللّه عليه و آله (لا احبّ) على حرمة المشاركة، و أغمضنا عن الجواب الاول و الثانى الذين أجبنا بهما عن الرواية، تدلّ الرواية على عدم جواز التولية و الاستعانة للغير فى الوضوء و هو المطلوب.

و منها ما رواها المفيد (رحمه اللّه) في الارشاد قال: دخل الرضا (عليه السلام) يوما و المأمون يتوضأ للصلاة و الغلام يصبّ على يده الماء، فقال: لا تشرك يا أمير المؤمنين بعبادة ربّك أحدا، فصرف المأمون الغلام و تولّى تمام وضوئه بنفسه (1).

وجه الاستدلال بها معلوم.

و فيه أن الرواية تكون مرسلة فتكون ضعيفة السند، و مع قطع النظر عن ذلك تحمل الرواية على الكراهة بقرينة ما بقى من الروايات المذكورة.

مضافا إلى أنّه يحتمل أن ما فى الرواية (و تولّى تمام وضوئه بنفسه) هو أن المأمون بعد نهى الامام (عليه السلام) تمّ ما بقى من وضوئه بنفسه، لا أنّه أعاد وضوئه من الاول، فعلى هذا تدلّ الرواية على الكراهة، لأنّه لو لم يكن مكروها كان المناسب أن يأمره (عليه السلام) باعادة الوضوء.

ثم لو أغمضا عن ذلك كله، و فرض دلالة هذه الأخبار على عدم جواز الاستعانة بالغير، و لكن ما رواها أبو عبيدة الحذاء قال: وضأت أبا جعفر (عليه السلام) بجمع و قد بال فنا ولته ماء فاستنجى ثم صببت عليه كفّا فغسل به وجهه (و كفّا غسل به‌

____________

(1) الرواية 4 من الباب 47 من ابواب الوضوء من الوسائل.

97

ذراعه الأيمن) و كفّا غسل به ذراعه الأسير، ثم مسح بفضله الندى رأسه و رجليه. (1)

و لم يكن في المطبوع بالطبع أمير بهادرى، على ما رايته، فقرة (و كفا غسل به ذراعه الأيمن) لكن بعد كون الفقرة موجودة في التهذيب و الاستبصار على نقل جامع أحاديث الشيعة فهذه الفقرة سقطت عن الرواية في الوسائل.

ثم إن كان الصادر عن الراوى هو (ثم صببت عليه كفّا) يجمع بين هذه الرواية و بين الروايات المتقدمة بحملها بقرينة هذه الرواية الدالة على الجواز على الكراهة، و أمّا إن كان ما رواه الراوي هو جملة (ثم أخذ كفا) يعنى: أخذ المعصوم (عليه السلام) كفا فغسل به وجهه، فلا يستفاد من الرواية جواز الاستعانة بالغير فى المقدمات القريبة مثل صبّ الماء على اليد لأن يتوضأ و المنقول فى جامع أحاديث الشيعة هو (ثم أخذ كفا) كما انّه بعد ذكر الرواية فى الوسائل المطبوع بطبع امير بهادرى قال: و رواه أيضا فى موضعين آخرين مثله متنا و سندا إلّا انه قال (ثم أخذ كفا) بدل (ثم صببت عليه كفا) فلا يمكن الاستشهاد بالرواية على جواز الاستعانة فى المقدمات إلا أن يقال إنّه تارة يروى فأخذ كفا و تارة ثم صببت عليه كفا و هو بعيد، مضافا بأنّ رواية حذاء على تقدير كون عبارتها (صببت) تدل على جواز الاستعانة لصبّ الماء على يد المتوضى لأن يغسل يده و هذه الروايات تدل على عدم جواز صبّ الماء بنفس محل الوضوء يعنى اليد فلا تعارض.

اعلم أنّه مع قطع النظر عما قلنا في الروايات الثلاثة التي جعل فيها الاستعانة في مقدمات العبادة من الشرك، فنقول: إن المراد من الشرك في قوله تعالى وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً هو الرياء مقابل الاخلاص في العبادة، و هو أن ينوى الفاعل غير اللّه في عمله.

____________

(1) الرواية 8 من الباب 15 من ابواب الوضوء من الوسائل.

98

كما يظهر من رواية جراح المدائنيّ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ فَمَنْ كٰانَ يَرْجُوا لِقٰاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صٰالِحاً وَ لٰا يُشْرِكْ بِعِبٰادَةِ رَبِّهِ أَحَداً قال:

الرجل يعمل شيا من الثواب لا يطلب به وجه اللّه، إنّما يطلب تزكيه النفس يشتهى أن يسمع به الناس، فهذا الذي أشرك بعبادة ربّه ثم قال: ما من عبد أسرّ خيرا فذهبت الأيّام أبدا حتى يظهر اللّه له خيرا، و ما من عبد يسرّ شرا فذهبت الأيام حتى يظهر اللّه له شرا (1).

و هو غير مربوط بالاستعانة بالغير في إتيان عمل للّه، ففي ما نحن فيه يكون الكلام فى من يتوضأ للّه و لا ينوى غير اللّه، و لكن يستعين بأحد لاتيان هذا العمل الآتى للّه.

نعم لقائل أن يقول، إنّه لا تعارض بين ما دل على كون الاستعانة بالغير في العبادة شرك و بين ما دل على كون العامل الّذي ينوى غير اللّه في عمله فعمله شرك لعدم مانع من كون كل منهما فردا من الشرك.

فالعمدة عدم دلالة الأخبار الثلاثة المتقدمة على كون تولية الغير من الشرك المحرّم مضافا إلى ضعف سند بعضها أو كلها، و مضافا إلى دعوى الاجماع على جواز الاستعانة في مقدمات الوضوء، فلو أعانه في الغسل أو المسح من الوضوء بطل وضوئه.

إذا عرفت ما فى المقام الأوّل من وجوب المباشرة في الوضوء، للاجماع و لظهور الأدلّة الآمرة بالوضوء أو بالغسل و المسح و لرواية السكونى على احتمال فلا يبقى إشكال في أصل المسألة إنشاء اللّه.

____________

(1) الرواية 6 من الباب 12 من ابواب مقدمه العبادات من الوسائل.

99

المقام الثاني هل يجوز التولية و الاستعانة بالغير في مقدمات الوضوء،

بعد مفروغية عدم جوازها في نفس الوضوء، أم لا؟ فنقول بعونه تعالى: قال المؤلف (رحمه اللّه):

أمّا‌

المقدمات للأفعال فهى أقسام:

القسم الأوّل المقدمات البعيدة

كإتيان الماء أو تسخية أو نحو ذلك، و هذه لا مانع من تصدى الغير لها، لعدم دليل على عدم الجواز.

و ما قاله بعض شراح (1) العروة من شمول الأخبار المتقدمة- المذكورة في المقام الأوّل المتمسك بها على عدم جواز الاستعانة بالغير للمورد- لدلالتها على حرمة الاستعانة مطلقا.

فيه أن مورد الروايات الثلاثة- أعنى: الحسن بن على الوشاء، و رواية الصدوق (رحمه اللّه)، و إرشاد- هو صورة صبّ الماء على يد المتوضى، و لا إطلاق لها يشمل حتى المقدمات البعيدة.

و دعوى عدم الفرق بين المقدمات دعوى في غير محلّها لامكان الخصوصية في المقدمة القربية، و هو صبّ الماء على يد المتوضى لأن يغسل محل الوضوء.

و أمّا رواية السكونى فهو على تقدير دلالتها على الحرمة تدلّ على حرمة الاستعانة في نفس الوضوء.

الثاني المقدمات القربية

مثل صبّ الماء في كف المتوضى قال المؤلف (رحمه اللّه): و في هذه يكره مباشرة الغير.

و وجه قوله بالكراهة كون هذا القسم مورد الأخبار المتقدمة المتمسك على عدم جواز الاستعانة، و بعد حمل هذه الأخبار على الكراهة يكون الاستعانة بهذا‌

____________

(1) المستمسك، ج 2، ص 447.

100

النحو مكروهة.

أقول: القول بالكراهة بعد الاغماض عن ضعف سند الأخبار، يمكن أن يقال من باب التسامح في أدلة السنن و المكروهات إن قلنا به.

الثالث مثل صب الماء على اعضائه مع كونه هو المباشر لا جرائه و غسل أعضائه.

قال المؤلف (رحمه اللّه): و في هذه الصورة و إن كان لا يخلو تصدى الغير عن إشكال إلّا أن الظاهر صحته.

أقول: إن قلنا بدلالة الأخبار المتقدمة على حرمة الاستعانة بإلقاء الماء و صبه على يد المتوضى لأن يتوضأ، ففي المقام نقول بالحرمة بالأولوية القطعية، و إن حملناها على الكراهة فلا إشكال في كراهة هذا القسم بالأدلة القطعية.

و أمّا مع قطع النظر عن هذه الأخبار فوجه الاشكال هو دعوى كون صب الماء على مواضع الوضوء من الوضوء عرفا، فيكون الاستعانة فيه استعانة في نفس الوضوء، و لهذا لا تجوز الاستعانة بل يبطل الوضوء.

فالفرق بين القول بكون هذا القسم من المقدمة حراما أو مكروها مثل ساير المقدمات، و بين القول بكون هذا القسم غير جائز من باب كونه استعانة بنفس الوضوء هو أنّ الحكم فى الاول هو الحرمة التكليفية أو الكراهة، و فى الثانى هو الحرمة الوضعية و هى البطلان.

إذا عرفت ذلك نقول: إنّه لا وجه للقول بحرمة الاستعانة في هذا القسم من المقدمات من باب الأخبار المتقدمة لما قلنا من أنّ فيها الشاهد على الكراهة مضافا إلى ضعف سند بعضها أو كلها.

101

كما لا وجه لان يقال: بعدم جواز الاستعانة في هذا القسم من باب عدها استعانة بنفس الوضوء، لأنّه بعد كون الوضوء الغسلتين و المسحتين، و صبّ الماء على مواضع الوضوء خارج عنه، فلا يعدّ صبّ الماء على المواضع وضوءا حتى تعدّ الاستعانة بالصب استعانة بالوضوء.

نعم بعد دلالة الروايات المتقدمة على النهى عن الاستعانة بصب الماء على يد المتوضى، و لا أقلّ من حمل النهى على الكراهة، فنقول: ينبغى الاحتياط بترك الاستعانة بهذا النحو في الوضوء.

فتكون النتيجة أنّ بطلان الوضوء منحصر بما إذا باشر الغير غسله أو أعانه على المباشرة بأن يكون الاجراء و الغسل منهما معا، أو المسح من الغير أو منهما معا.

*** [مسئلة 22: إذا كان الماء جاريا من ميزاب أو نحوه فجعل وجهه أو يده تحته]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 22: إذا كان الماء جاريا من ميزاب أو نحوه فجعل وجهه أو يده تحته بحيث جرى الماء عليه بقصد الوضوء صحّ، و لا ينافي وجوب المباشرة، بل يمكن أن يقال: إذا كان شخص يصبّ الماء من مكان عال لا بقصد أن يتوضأ به أحد و جعل هو يده أو وجهه تحته صحّ أيضا، و لا يعدّ هذا من إعانة الغير أيضا.

(1)

أقول: للمسألة صورتان:

الصورة الاولى: ما إذا كان الماء جاريا من ميزاب أو نحوه

فجعل وجهه‌

102

و يده تحته بحيث جرى الماء عليه، و كان ذلك بقصد الوضوء، صحّ الوضوء لأنّه المباشر لوضوئه، و ليس شخص آخر يتولى وضوئه و لو بايجاد بعض مقدماته.

الصورة الثانية: ما يكون صبّ الماء من مكان عال مثلا من الميزاب بفعل الغير

لكن لا بقصد أن يتوضأ منه أحد، و يجعل المتوضى بقصد الوضوء وجهه و يده تحته هل يصحّ الوضوء أم لا؟

منشأ الاشكال في صحة الوضوء أحد الأمرين:

إمّا عدم صحة استناد فعل الصاب، و هو صب الماء، إلى المتوضى بمجرد قصد المتوضى من هذا الماء المصبوب على وجهه و يده الوضوء، و بعد عدم صحة الاستناد بالمتوضى فلا تحصل المباشرة المعتبرة.

و فيه أنّ الوضوء هو الغسلتان و المسحتان، و هو يتحقق من المتوضى بالمباشرة لأنّه يقع وجهه و يده بقصد الوضوء تحت الماء المصبوب، و لا يستند فعل الصاب إلى المتوضى بمجرد القصد بل المتوضى يقصد و يقع وجهه و يده تحت الماء، فليس مجرد القصد بل الفعل الّذي يكون وضوءا مستندا إلّا الى المتوضى يقصده و يقع وجهه و يده تحت الماء، فلا فرق بين الصورة الاولى و الثانية.

و إمّا من أنّه بعد كون الصّاب شخصا آخر يصدق التشريك، لأنّ الوضوء حصل بصب الصاب و بايقاع المتوضى عضوه تحت الماء بقصد الوضوء، و هذا معنى التشريك، فليس الوضوء بمباشرة نفس المتوضى بل باستعانة غيره.

و فيه أنّه كما قلنا في طى شرط المباشرة يكون صب الماء خارجا عن حقيقة الوضوء، بل هو من مقدماته، فلا تكون الاستعانة بالصب حتى مع القصد في صبّه الاستعانة بالوضوء موجبا لبطلان الوضوء لكونه من المقدمات، و غاية الأمر إذا كان‌

103

بقصد الاستعانة يكون مكروها و لا يبطل الوضوء، لأنّ الاستعانة و تولية الغير في نفس الوضوء يكون مبطلا، فافهم فتلخص صحة الوضوء في هذه الصورة.

*** [مسئلة 23: إذا لم يتمكن من المباشرة جاز أن يستنيب]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 23: إذا لم يتمكن من المباشرة جاز أن يستنيب بل وجب و إن توقف على الاجرة، فيغسل الغير أعضائه و ينوى هو الوضوء، و لو أمكن إجراء الغير الماء بيد المنوب عنه بأن يأخذ يده و يصب الماء فيها و يجريه بها، هل يجب أم لا؟

الأحوط ذلك و إن كان الاقوى عدم وجوبه، لأنّ مناط المباشرة في الاجراء و اليد آلة، و المفروض أنّ فعل الاجراء من النائب، نعم في المسح لا بدّ من كونه بيد المنوب عنه لا النائب، فيأخذ يده و يمسح بها رأسه، و رجليه و إن لم يمكن ذلك أخذ الرطوبة التي في يده و يمسح بها، و لو كان يقدر على المباشرة في بعض دون بعض بعّض.

(1)

أقول: في المسألة مسائل:

المسألة الاولى: إذا لم يتمكن المكلف من مباشرته

للوضوء جاز أن يستعين بالغير بل يجب ذلك و استدل عليه بأمور:

الأوّل الاجماع عليه كما حكي عن المنتهى، و الاتفاق من الفقهاء عليه كما حكي عن المعتبر.

104

أقول: و لا يبعد الاتفاق، و لكن الكلام في أنّ اتفاقهم كان من باب دلالة بعض الروايات كما نذكره إنشاء اللّه، أو كان إجماعا تعبّديا.

الثاني قاعدة الميسور فيقال: بعد عدم إمكان إتيان الوضوء بالمباشرة يسقط وجوب المباشرة، و يجب ما بقى من الأجزاء و شرائط الوضوء بالاستعانة بالغير لقاعدة الميسور.

و فيه أنّه كما بينّا في الاصول لا يمكن التعويل على هذه القاعدة لضعف مستندها و عدم دلالة بعضها.

الثالث بعض الروايات.

منها ما رواها هشام بن سالم عن سليمان بن خالد و عن حماد بن عيسى عن شعيب عن ابى بصير و عن فضالة عن حسين ابن عثمان عن ابن مسكان عن عبد اللّه بن سليمان جميعا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث أنّه كان وجعا شديد الوجع فأصابته جنابة و هو في مكان بارد قال: فدعوت الغلمة فقلت لهم: احملوني فاغسلوني فحملونى و وضعونى على خشبات، ثم صبّوا عليّ الماء فغسّلوني (1).

و الرواية و إن كانت واردة في الاستعانة بالغير في الغسل لكنه يدعى عدم الفرق بينهما.

أقول: و لا بدّ من حمل الرواية على صورة عدم الضرر بالغسل بقرينة بعض ما دل من الأخبار على وجوب التيمم مع الضرر بالنفس لمرض أو لزيادته، و يأتي الكلام إنشاء اللّه في التيمم.

و منها ما رواها ابن أبي عمير عن محمد بن مسكين و غيره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)

____________

(1) الرواية 1 من الباب 48 من ابواب الوضوء من الوسائل.

105

قال: قيل له: إنّ فلانا أصابته جنابة و هو مجدور فغسّلوه فمات، فقال: قتلوه ألّا سألوا ألّا يمموه إنّ شفاء العىّ السؤال (1).

و هذه الرواية و إن كانت دالة على جواز تولية الغير التيمم و الاستعانة به لكن يدعى عدم الفرق بينه و بين الوضوء.

فأصل الحكم في الجملة مما لا إشكال فيه من حيث جواز الاستعانة، بل وجوبها، لأنّ مقتضى الدليل في صورة العجز عن المباشرة هو وجوب تولية الغير.

المسألة الثانية: في كل مورد تجب الاستعانة للعجز عن المباشرة تجب الاستعانة

و إن توقفت على الاجرة لاطلاق الدليل، و هو معقد الاجماع إن كان الدليل الاجماع، و كذا إن كان الدليل قاعدة الميسور.

و أمّا إن كان الدليل الخبرين المتقدمين فاطلاقهما من هذا الحيث غير معلوم بل معلوم العدم.

المسألة الثالثة: فيما يباشر الغير الوضوء

سواء كان هذا الغير مباشرا بدون دخالة بعض أعضاء الذي يوضأه هذا الغير، أو كان بدخالة بعض أعضائه، مثل أن يصب الغير الماء في يد العاجز عن المباشرة، و يصب المعين و المباشر من يد العاجز على أعضاء العاجز- هل يجب نية الوضوء على المباشر للوضوء، أو على العاجز الّذي يوضأه المباشر المعين له.

أقول: بعد كون الواجب الوضوء على العاجز عن المباشرة، غاية الأمر لاجل عجزه سقط شرط المباشرة، فهو مكلف باتيان الفعل بتوسيط الغير، فالمأمور هو نفس الشخص العاجز عن المباشرة، و هو الّذي لا بدّ أن يأتي بالوضوء متقربا إلى اللّه،

____________

(1) الرواية 1 من الباب 5 من ابواب التيمم من الوسائل.

106

فيجب عليه النيّة و يكون الغير بمنزلة الآلة للفعل، مثل ما إذا كان مأمورا بعبادة لا بالمباشرة مثل بناء مسجد، فلا إشكال في وجوب النية على البانى لا على البناء و العملة.

و لا فرق فيما قلنا من وجوب النية على المكلف العاجز عن المباشرة، لا على المباشر و المعين، بين ما كان الدليل على جواز تولية الغير في صورة الاضطرار الاجماع، أو قاعدة الميسور، أو الخبرين المتقدمين، لأنّ كلا منها لا يقتضي إلزام عمل على المعين، بل مقتضاه سقوط شرطية المباشرة و إتيان الوضوء بلا مباشرة و بلا استعانة.

قال بعض (1) شرّاح العروة فى الجواب عن الوجوه الثلاثة: أمّا الاجماع فيمكن أن يكون مستند المجمعين أحد الوجوه المتمسك بها على هذا الحكم، و أمّا قاعده الميسور فلا يمكن الاستدلال بها فى المورد، لأنّ موردها كل مركب فقد بعض أجزائه و يعدّ الفاقد من مراتب الواجد، و فى المقام يكون المامور به هو المحصل من ذلك المركب، فعند انتفاء شي‌ء من الأجزاء و القيود يشكل جريان القاعدة لأنّ المأمور به هو الطهارة لا المركب، فمع انتفاء بعض القيود يشكل جريان القاعدة، و أمّا الخبرين، فالخبر الأوّل معارض مع رواية (2) محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل تصيبه الجنابة فى أرض باردة و لا يجد الماء، و عسى أن يكون الماء جامدا فقال: يغتسل على ما كان حدّثه رجل أنّه فعل ذلك فمرض شهرا من البرد، فقال: اغتسل على ما كان، فإنّه لا بدّ من الغسل، و ذكر أبو عبد اللّه (عليه السلام) أنّه اضطر إليه و هو مريض فأتوه به مسخنا فاغتسل و قال: لا بدّ من الغسل.

____________

(1) العلامة الآملى، فى مصباح الهدى، ج 3، ص 403.

(2) الرواية 4 من الباب 17 من ابواب التيمم من الوسائل.