ذخيرة العقبى في شرح العروة الوثقى - ج6

- الشيخ علي الصافي الگلپايگاني المزيد...
458 /
107

و بمخالفته مع القاعدة فى التيمم حيث إنّه يتعين التيمم مع الوجع الشديد و بأنّ حمله على تعمد الجنابة مع الوجع الشديد المسقط للمباشرة فى الغسل بعيد جدا و عروض الاحتلام له مناف لما عليه المذهب من عدم عروضه لهم (عليهم السلام)، و احتمال كونه بوجه آخر كضعف الاعصاب و نحوه بعيد، مضافا إلى أنّه فى مورد الغسل فيحتاج إسراء الحكم إلى الوضوء إلى عدم القول بالفصل، و هو فى معنى الاجماع، و قد عرفت المناقشة فى الاستدلال به فى المقام.

و أمّا الخبر التيمم فلقوة احتمال أن يكون قوله (عليه السلام) (ألا يمموه) بمعنى أمر المجدور، بالتيمم لا توليتهم له مضافا إلى جواز الاستنابة فى التيمم بمكان كونه آخر مراتب الطهارة، و مما لا بدل له لا يدل على الجواز فى الوضوء لأنّ له البدل.

أقول: ما قال فى الاجماع، فنحن قلنا بأنه صحّ احتمال كون نظر المجمعين مع اتفاقهم إلى بعض الادلة، فلا يكشف إجماع تعبدى، و أمّا ما قال فى قاعدة الميسور فالمأمور به إن كان الطهارة، فيمكن أن يقال بعدم كونها مورد قاعده الميسور، لكن من المعلوم أنّ المأمور به الغسلتان و المسحتان و إن كانا هما محصّل الطهارة، نعم كما قلنا لا وجه للتمسك بقاعدة الميسور للاشكال فى نفس القاعدة.

و أمّا ما قال فى الخبرين، فما قال فى الخبر الاول فنقول: أمّا ما توهم من معارضته مع خبر محمد بن مسلم، فمنشأ التعارض يكون من باب أنّ المستفاد من خبر عبد الله بن سليمان هو تولى غسله (عليه السلام) غيره، و من خبر محمد بن مسلم أنّ المعصوم (عليه السلام) اغتسل بنفسه مع كون المفروض فى كل منهما ابتلائه بالمرض فيتعارضان.

ففيه أنّ مورد رواية محمد بن مسلم لم يكن المرض بحدّ لا يمكن له تولّى غسله بنفسه، بل يمكن له ذلك، و أنّه اغتسل بنفسه (عليه السلام)، و أمّا مورد خبر عبد اللّه بن سليمان‌

108

كون المرض شديدا، و لهذا قال (كان وجعا شديد الوجع) فهو لا يتمكن من تولى نفسه (عليه السلام) للغسل و لهذا أمر أن يغسلوه، فلا تعارض بينهما.

و أمّا ما قال من أنّه وجب فى الوجع الشديد التيمم، فنقول: ما تمسك به من رواية محمد بن مسلم مناف مع كون الواجب مع المرض التيمم، و مثل الروايتين بعض الروايات يدل على وجوب الغسل حتى مع العلم بالضرر، و لا بد من توجيه هذه الأخبار بنحو لا ينافى مع عدم جواز الاضرار بالنفس أو ردّ علمها إلى أهله.

و أمّا ما قال فى الجواب عن الخبر الثانى أعنى: خبر ابن مسكين، من أنّه يحتمل أن يكون المراد أمرهم المجدور بالتيمم لا مباشرة الغير له.

ففيه أنّه خلاف ظاهر الرواية لأنّ قوله (عليه السلام) (ألا يمموا) ظاهر بل صريح فى التوبيخ على تركهم تيممه لا تركهم الأمر بالتيمم، فافهم.

المسألة الرابعة: لو أمكن جعل يد المتوضى العاجز آلة لاجراء الماء

على مواضع غسل الوضوء بأن يصب المباشر الماء على يد المتوضى و يجريه على مواضع غسله، بيده هل يجب ذلك أو لا؟

أقول: بعد ما عرفت من أنّ الواجب أوّلا مباشرة المتوضى الوضوء بنفسه و يسقط للعجز عنه، فكلما يمكن للمتوضى المباشرة يجب عليه، كما ذكر المؤلف (رحمه اللّه) فى ذيل هذه المسألة فعلى هذا وجه وجوب صبّ الماء على يد المتوضى و إجراء المتولى يد المتوضى على مواضع الغسل، هو كون صب الماء على اليد من المقدمات القريبة التي يعدّ من الوضوء عرفا، فبعد إمكان صب الماء من يد المتوضى على محل الغسل و إن كان ذلك بمباشرة الغير يكون ذلك واجبا.

و أمّا وجه عدم الوجوب هو عدم كون صبّ الماء من الوضوء، بل هو من‌

109

مقدماته، و لهذا قلنا بعدم مانع من استعانة الغير فيه، و بعد عدم كونه من أجزاء الوضوء فلا وجه لوجوب مباشرة المتوضى حتى مع الامكان.

و الحق ذلك فلا يجب صبّ الماء على يد المتوضى، ثم إجراء المباشر الماء المصبوب باعانة يد المتوضى على مواضع الوضوء.

المسألة الخامسة: هل يجب كون المسح بيد المتوضى

مع الامكان دون يد المتولى و إن كان إمرار يده على الممسوح بيد المباشر أم لا؟

الأقوى وجوب ذلك مع الامكان، لأنّه بعد ما كان الواجب المسح باليدين، بمعنى أنّ الواجب في المسح، و هو إمرار الماسح على الممسوح، أن يكون الماسح يدى المتوضى على تفصيل مرّ في محلّه، فمع الامكان يجب حفظ الشرط، فلا بدّ من أن يأخذ المعين يد المتوضى و يمسح بيده الممسوح، و هو مقدم الرأس و ظهر الرجلين بنحو الّذي ذكرنا في محله.

المسألة السادسة: لو لم يمكن إمرار يد المتوضى على الممسوح

و لو باعانة المباشر يجب أخذ البلة و الرطوبة من يد المتوضى و المسح بها على مواضع المسح و ذلك لوجوب كون المسح ببلة الوضوء و نداوته.

المسألة السابعة: لو كان المتوضى متمكنا عن مباشرة بعض أفعال الوضوء

بنفسه دون بعض، يجب عليه المباشرة في كلّ ما تمكن منه من الأفعال.

و وجهه واضح، لأنّ هذا مقتضى وجوب المباشرة، و يسقط ما لا يقدر عليه و لا يسقط وجوب ما قدر عليه من المباشرة.

***

110

[العاشر: الترتيب]

قوله (رحمه اللّه)

العاشر: الترتيب بتقديم الوجه ثم اليد اليمنى ثم اليد اليسرى ثم مسح الرأس ثم الرجلين.

و لا يجب الترتيب بين أجزاء كل عضو.

نعم يجب مراعاة الأعلى فالأعلى كما مرّ، و لو أخلّ بالترتيب و لو جهلا أو نسيانا بطل إذا تذكر بعد الفراغ و فوات الموالات، و كذا إن تذكر في الاثناء لكن كانت نيته فاسدة حيث نوى الوضوء على هذا الوجه.

و إن لم تكن نيته فاسدة فيعود على ما يحصل به الترتيب.

و لا فرق في وجوب الترتيب بين الوضوء الترتيبى و الارتماسى.

(1)

أقول: في المسألة مسائل:

المسألة الاولى: في وجوب الترتيب بتقديم الوجه،

ثم اليد اليمنى، ثم اليد اليسرى، ثم مسح الرأس، ثم الرجلين.

و هذا الحكم مما لا إشكال فيه في الجملة.

أما فتوى فللاجماع عليه كما حكي عن الخلاف و الانتصار و الغنية و السرائر و غيرها.

و أمّا نصا فلدلالة قوله تعالى إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ

111

وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ (1) بالنحو المذكور عن بحر العلوم (قدس سره) من أنّ الفصيح لا يذكر امورا على الترتيب إلّا من باب اعتبار الترتيب و إن لم يكن التعبير بلفظة (ثم) فاللّه تعالى كلامه أفصح الكلام لم يجز أن يذكر الترتيب المذكور فى الآية إلّا لدلالة الترتيب مضافا إلى استفادة ذلك من بعض الروايات الّذي قال فيه (ابدأ بما بدء اللّه) فما بدء اللّه فى الآية دليل على تقديمه هذا بالنسبة الى الآية.

و الروايات منها ما رواها زرارة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام) (عليهم السلام) تابع بين الوضوء كما قال اللّه عزّ و جل ابدأ بالوجه، ثم باليدين، ثم امسح الرأس و الرجلين، و لا تقدمنّ شيئا بين يدى شي‌ء تخالف ما أمرت به، فإن غسلت الذراع قبل الوجه فابدأ بالوجه و أعد على الذراع، و إن مسحت الرجل قبل الرأس فامسح على الرأس قبل الرجل، ثم أعد على الرجل ابدأ بما بدء اللّه عزّ و جلّ به (2).

و منها ما رواها أيضا زرارة قال: سئل أحدهما (عليهما السلام) عن رجل بدء بيده قبل وجهه، و برجليه قبل يديه، قال: يبدأ بما بدء اللّه به و ليعد ما كان (3).

و منها ما رواها منصور قال سألت أبا عبد اللّه عمن نسى أن يمسح رأسه حتى قام في الصلاة قال: ينصرف و يمسح رأسه و رجليه. (4)

و منها ما رواها على بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن رجل توضأ فغسل يساره قبل يمينه كيف يصنع؟ قال: يعيد الوضوء من حيث أخطأ‌

____________

(1) سورة المائدة، الآية 6.

(2) الرواية 1 من الباب 34 من ابواب الوضوء من الوسائل.

(3) الرواية 1 من الباب 35 من ابواب الوضوء من الوسائل.

(4) الرواية 3 من الباب 35 من ابواب الوضوء من الوسائل.

112

يغسل يمينه، ثم يساره، ثم يمسح رأسه و رجليه. (1)

و غيرها لعله نذكره في بعض المسائل الآتية إنشاء اللّه.

المسألة الثانية: ما نتعرض هنا وجوب الترتيب بين الأعضاء

فيقدم غسل الوجه على اليد اليمنى و اليمنى على اليسرى و اليسرى على مسح الرأس و مسح الرأس على الرجلين، و لا ربط له بالترتيب بين أجزاء كل عضو، و قد قدمنا في طى غسل الوجه و اليدين وجوب كون الغسل من الأعلى إلى الأسفل عرفا.

المسألة الثالثة: لو أخلّ بالترتيب

و فرض إمكان تحصيله بما لا يوجب تحصيل الترتيب إخلاله بشي‌ء آخر يجب مراعاته من الموالات أو النية، مثل ما إذا كان قبل فوت الموالاة و لم يأت بما أخل فيه الترتيب بقصد التشريع.

فهل يصح الاكتفاء بالاتيان بما يحصل به الترتيب و لا يحتاج إلى استيناف الوضوء مطلقا سواء كان الاخلال عن عمد أو كان عن سهو كما نسب إلى المشهور أو يقال بوجوب الاعادة في صورة العمد و لو لم يفت المولاة كما حكي عن التحرير.

أو يقال بوجوب الاعادة على الناسى مطلقا و لو مع عدم الجفاف كما حكي عن التذكرة.

وجه القول الاول: الروايات الثلاثة المتقدمة في المسألة الاولى.

و ما رواها منصور بن حازم عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) في حديث تقديم السعى على الطواف قال: ألا ترى إنك إذا غسلت شما لك قبل يمينك كان عليك أن تعيد على شمالك (2).

____________

(1) الرواية 15 من الباب 35 من ابواب الوضوء من الوسائل.

(2) الرواية 6 من الباب 35 من ابواب الوضوء من الوسائل.

113

و غيرها كمرسلة الفقيه. (1)

وجه القول الثاني: ما رواها أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال إن نسيت فغسلت ذراعيك قبل وجهك فأعد غسل وجهك، ثم اغسل ذراعيك بعد الوجه، فإن بدأت بذراعك الا يسر قبل الأيمن فأعد على غسل الأيمن، ثم اغسل اليسار و إن نسيت مسح رأسك حتى تغسل رجليك فامسح رأسك ثم اغسل رجليك (2).

بدعوى أن مفهوم قوله (عليه السلام) (إن نسيت فغسلت ذراعيك قبل وجهك فأعد غسل وجهك) و كذا قوله (فإن بدأت بذراعك الايسر قبل الأيمن فأعد على غسل الأيمن) هو أنّه إن لم تنس فلا تعد غسل وجهك و غسل الأيمن، و في هذا الفرض إما أن لا يجب اعادة غسلهما و يصح مع فقد الترتيب و مع عدم رعاية الترتيب فهو خلاف الاجماع، أو يكون الوضوء باطلا فيجب إعادة الوضوء فتكون النتيجة وجوب إعادة الوضوء في صورة العمد و لو لم يفت الموالاة.

و إمّا بدعوى أنّ الموالاة المعتبرة في الوضوء تحصل حال الاختيار بالمتابعة في الأفعال و تحصل حال الاضطرار بمراعات عدم الجفاف.

و في صورة كون الاخلال بالترتيب عمديا لا تحصل المتابعة في الأفعال فلا تكفى الاعادة بما يحصل به الترتيب فيكون الوضوء باطلا في صورة العمد لا خلا له بالموالاة.

و فيه أمّا رواية أبي بصير فحيث تكون الجملة الشرطية فيها من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع فلا مفهوم لها، و إن فرض له مفهوم فمفهوم قوله (عليه السلام) (ان نسيت‌

____________

(1) الرواية 10 من الباب 35 من ابواب الوضوء من الوسائل.

(2) الرواية 8 من الباب 35 من ابواب الوضوء من الوسائل.

114

فغسلت ذراعيك قبل وجهك فاعد غسل وجهك) هو أنّه إن لم تنس و لم تغسل ذراعيك قبل وجهك فلا تعد غسل وجهك و هو المطلوب إذ لم يخالف الترتيب.

و أمّا دعوى منافاته مع الموالاة المعتبرة.

ففيه أنّه لو تمّ ما قال و كان اعادة ما خالف الترتيب منافيا مع الموالاة المعتبرة فتكون الصورة خارجة عن فرض المسألة لأنّ مفروض المسألة وجوب اعادة ما خالف الترتيب إذا لم يكن منافيا مع شرط آخر مثل شرطية الموالاة أو النية.

وجه القول الثالث يمكن أن يكون ما رواها على قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل بدء بالمروة قبل الصفا، قال: يعيد ألا ترى لو بدء بشماله قبل يمينه في الوضوء أراد أن يعيد الوضوء (1).

بدعوى أن ظاهر الرواية صورة النسيان لبعد الاقدام العمدى على ترك الترتيب و إطلاقها من حيث فوت الموالاة و عدمها و دلالتها على وجوب اعادة الوضوء فتصير دليلا على القول الثالث، و هو وجوب إعادة الوضوء لترك الترتيب و إن لم يخلّ بالموالاة.

و فيه أولا من المحتمل قريبا كون مورد الرواية صورة فوت الموالاة.

و ثانيا على فرض إطلاقها حتى لصورة عدم فوت الموالاة بعد دلالة الأخبار المتقدمة على عدم وجوب إعادة الوضوء، و كفاية إعادة ما يحفظ به الترتيب فقط لا بدّ من حمل (يعيد) في هذه الرواية على الاستحباب، أو يحمل الطائفة الاولى على صورة عدم فقد الموالاة و هذه الرواية على صوره فقد الموالاة، فتكون النتيجة إتيان ما يحصل به الترتيب مع عدم فوت الموالاة، و إعادة الوضوء مع فقد الموالاة‌

____________

(1) الرواية 13 من الباب 35 من أبواب الوضوء من الوسائل.

115

فتلخص أن الأقوى هو القول الأوّل.

المسألة الرابعة: لو أخلّ بالترتيب

سواء كان عن عمد أو عن جهل أو عن نسيان و تذكر بعد الفراغ عن الوضوء، مع فقد الموالاة يجب إعادة الوضوء، و لا يكتفى باتيان ما يحصل به الترتيب.

و وجهه فقد الموالاة المعتبرة كما يأتي إن شاء اللّه، و لدلالة رواية على المتقدمة على ذلك، لأنّ المتيقن منها صورة فقد الموالاة أو يحمل عليه جمعا كما عرفت.

نعم لو جمع بينها و بين الروايات المذكورة في المسألة الرابعة بحمل (يعيد) في هذه الرواية على الاستحباب فلا تدلّ على وجوب الاعادة حتى في صورة فقد الموالاة.

المسألة الخامسة: إذا أخلّ بالترتيب و لم يخلّ بالموالات

لكن أتى على خلاف الترتيب تشريعا، فكما قال المؤلف (رحمه اللّه) له صورتان:

الصورة الاولى: ما يكون ناويا للوضوء

الذي يأتي به على خلاف الترتيب الواقعى، فيكون في مقام الامتثال بالجزء للأمر التشريعى لا الأمر الواقعى المتعلق بالوضوء، ففي هذه الصورة حيث أنّه نوى الوضوء بهذا الوجه يكون تشريعا و يبطل الوضوء.

الصورة الثانية: ما إذا كان ناويا في وضوئه للأمر الواقعى،

لكن أتى بهذا الجزء على خلاف الترتيب بالأمر التشريعى في مقدار هذا الجزء و بالنسبة إليه، ففي هذه الصورة و إن كان يبطل الجزء للتشريع فيه، لكن لا يبطل الوضوء لعدم فساد نية الوضوء فيجب عليه الاعادة بمقدار يحفظ معه الترتيب.

المسألة السادسة: فيما تجب إعادة الفعل الذي أتى به على خلاف الترتيب

116

هل يكتفى باعادة ما أتاه على خلاف الترتيب فقط، أو يجب إعادة ما أتاه مؤخرا على خلاف الترتيب أيضا أوّلا، ثم اتيان ما قدّمه على خلاف الترتيب، مثلا إذا غسل اليسرى قبل اليمنى على خلاف الترتيب ثم غسل اليمنى بعده هل يكتفى باعادة غسل اليسرى فقط، أو يجب أوّلا غسل اليمنى ثم غسل اليسرى، لأنّ غسل اليمنى أوّلا وقع على خلاف ترتيبه لأنّ حقه كان التقديم.

الأقوى الأوّل كما نسب إلى المشهور، ففي المثال يأتي بالغسل اليسرى فقط و يحفظ به الترتيب، لدلالة بعض الأخبار على وجوب هذا فقط، مثل الرواية منصور بن الحازم المتقدمة في المسألة الثالثة، لأنّ فيها قال: (ألا ترى إنّك إذا غسلت شمالك قبل يمينك كان عليك أن تعيد على شمالك (1).

و ما رواها ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا بدأت بيسارك قبل يمينك و مسحت رأسك و رجليك، ثم استيقنت بعد أنّك بدأت بها، غسلت يسارك ثم مسحت رأسك و رجليك (2) و وجه الدلالة واضح.

وجه الاحتمال الثاني المحكى عن الصدوقين (رحمه اللّه) و المفيد (رحمه اللّه) و غيرهم أمران:

الأوّل بعض الأخبار (ذكرناه في المسألة الثالثة) منه ما رواها أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إن نسيت فغسلت ذراعيك قبل وجهك فأعد غسل وجهك، ثم اغسل ذراعيك بعد الوجه، فإن بدأت بذراعك الأسير قبل الأيمن فأعد على غسل الأيمن، ثم اغسل اليسار، و إن نسيت مسح رأسك حتى تغسل رجليك فامسح رأسك، ثم اغسل رجليك (3).

____________

(1) الرواية 6 من الباب 35 من ابواب الوضوء من الوسائل.

(2) الرواية 14 من الباب 35 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(3) الرواية 8 من الباب 35 من ابواب الوضوء من الوسائل.

117

و منه ما ذكرناه فى المسألة الاولى و هو ما رواها علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليهم السلام) قال: سألته عن رجل توضأ و غسل يساره قبل يمينه كيف يصنع؟ قال يعيد الوضوء من حيث أخطأ يغسل يمينه، ثم يساره، ثم يمسح رأسه و رجليه (1).

و فيه أنّه يمكن الجمع بين ما دلّ على وجوب إتيان المتقدم، ثم المتأخر، و بين ما دلّ على الاكتفاء بإتيان خصوص المتأخر ترتيبا الذي قدم على المتقدم ترتيبا، بحمل الطائفة الثانية، و هي رواية أبو بصير و على بن جعفر (عليه السلام)، على الاستحباب لنصوصية الطائفة الاولى، و هي رواية منصور بن الحازم و ابن أبي يعفور، على كفاية إعادة ما قدّمه مع كون حقه التأخير، مثلا لو قدّم غسل اليد اليسرى على اليمنى يكفى غسل اليسرى و ما بعدها، و لا يجب غسل اليد اليمنى الّذي غسله بعد اليسرى ثانيا.

و يمكن حمل الطائفة الاولى على صورة الاخلال بالترتيب باتيان المؤخر قبل المقدم و اتيان المقدم ترتيبا بعد المؤخر؟، مثلا مسح رجليه قبل مسح الرأس، ثم مسح الرأس، ففي هذه الصورة يكتفى بمسح رجليه فقط.

و حمل الطائفة الثانية على صورة إخلاله بالترتيب و باتيان المتأخر، و لكن لم يأت بالمتقدم ترتيبا بعده، مثلا أتى بمسح الرجلين قبل مسح الرأس و لم يأت بعده بمسح الرأس، ففي هذه الصورة أمر بوجوب إتيان مسح الرأس ثم مسح الرجل، لأنّه لم يأت بمسح الرأس أصلا، فبذلك يجمع بين الطائفتين من الأخبار.

و أمّا حمل الطائفة الاولى على صورة كون منشأ فقد الترتيب هو النسيان و الطائفة الثانية على صورة العمد، لا وجه له لكون رواية أبي بصير من الطائفة الثانية‌

____________

(1) الرواية 15 من الباب 35 من ابواب الوضوء من الوسائل.

118

واردة في صورة النسيان.

و أمّا القول بأنه لو لم يمكن الجمع الدلالى بين الطائفتين و كانتا من المتعارضين.

فيقال بأنّه لا يكون مقتضى الحجية موجودا في الطائفة الثانية لا عراض المشهور عنها لافتائهم على طبق الطائفة الاولى فتسقط الطائفة الثانية عن الحجية.

ففيه أوّلا مجرّد موافقة الفتوى لا تدلّ على الاعراض لامكان جمعهم بين الطائفتين بما قلنا.

و ثانيا مع ما حكى من الصدوقين (رحمه اللّه) و المفيد (رحمه اللّه) و غيرهم العمل على طبق الطائفة الثانية كيف يثبت الشهرة فضلا عن إعراض المشهور من القدماء (رضوان اللّه عليهم).

و إن كان النظر إلى الشهرة عند المتأخرين (رضوان اللّه تعالى عليهم) فلا تكون شهرتهم مرجحا و لا موهنا.

الأمر الثاني: أن وجوب إعادة ما قدم من الأعضاء مع كون حقه التأخير ليس إلّا من باب تحصيل صفة التأخر، فكما أنّ اتصاف المتأخر بوصف التقدم يوجب إعادته لحصول وصف التأخر كذلك يجب إعادة ما حقه التقدم بعد اتصافه بالتأخر حتى تحصل له صفة التقدم، مثلا إذا قدّم اليد اليسرى على اليمنى فكما اتصفت اليسرى بالتقدم مع وجوب اتصافه بالتأخر، و لهذا تجب إدعاتها كذلك اتصفت اليمنى بالتأخر مع أن حقها التقدم، فتجب إدعاتها لتحصيل وصف التقدم و فيه أوّلا أنّ الترتيب شرط فى الجزء الآخر فيعتبر وجوده بعد الجزء السابق، و ثانيا بعد إتيان الجزء الآخر ثانيا لحصول الترتيب يصير الجزء السابق متصفا بالتقدم لتأخر الجزء اللاحق عنه، و ثالثا بعد دلالة النص على كفايته يكون ما قيل من الأمر‌

119

الثانى استدلالا على مدعاه اجتهادا فى مقابل النص.

المسألة السابعة: لا فرق في شرطية الترتيب بين تمام العضو و بعضه،

فمن ترك شيئا مثلا من وجهه و دخل في غسل ذراعه، يجب عليه غسل الجزء المتروك غسله، ثم إتيان ما بقى من وضوئه على الترتيب المعتبر بشرط عدم فوت الموالاة، و عدم الاخلال بالنية كما مر بيانه في البعض المسائل السابقة في هذه المسألة.

فما حكي عن ابن الجنيد من أنه إذا كان المنسى لمعة دون سعة الدرهم يكفى بلّه من غير إعادة ما بعده من الأعضاء لم نجد مدركا لمدعاه.

نعم روى روايتان يمكن أن يستدل بهما على عدم وجوب رعاية الترتيب إن كان المتروك بعض العضو بل يكفى بلّ العضو المتروك غسله من بعض جسده.

أمّا الروايتان:

أوّلها: مرسلة الصدوق (رحمه اللّه) قال: سئل أبو الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) عن الرجل يبقى من وجهه إذا توضأ موضع لم يصبه الماء، فقال: يجزيه أن يبلّه من بعض جسده (1).

ثانيها: ما رواها في عيون الأخبار عن أبيه عن سعد بن عبد اللّه عن (احمد بن محمد عن سهل عن أبيه) قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل و ذكر مثله (2).

فى العيون حدثنا ابى رضى قال حدثنا (سعد بن عبد اللّه قال حدثنا احمد بن محمد بن عيسى عن محمد عيسى عن محمد بن سهل عن أبيه قال) سلت الرضا (عليه السلام) و ذكر مثله (3).

____________

(1) الرواية 1 من الباب 43 من ابواب الوضوء من الوسائل.

(2) رواها فى الوسائل فى ذيل الرواية 1 من الباب 43 من ابواب الوضوء.

(3) الرواية 19 من الباب 27 من ابواب الترتيب الموالات فى الوضوء، ج 2 ص 331 من

120

و فيه أنّ الرواية الاولى مرسلة و الثانية ضعيفة لأنّ سهل مجهول مضافا إلى أنّهما معرض عنهما لعدم عمل الاصحاب بهما.

و قول ابن الجنيد لم يكن على طبق الخبرين، لأنّ مقتضاهما الاطلاق في الجزء المتروك سواء كان بقدر الدرهم أو الأقل أو الأكثر و مقتضى قول ابن الجنيد هو كفاية بلّ الجزء إذا كان لمعة دون سعة الدرهم.

فلا فرق كما قلنا في مخالفة الترتيب بين تمام العضو و بعضه في وجوب رعاية الترتيب.

المسألة الثامنة: لا فرق في وجوب الترتيب بين الوضوء الترتيبى و الارتماسى

(بعد عدم الاشكال في الارتماسى من جهة اخرى مثل لزوم كون المسح بماء جديد في بعض صوره و مرّ الكلام فيه) لاطلاق الأدلّة.

*** [الحادى عشر: الموالاة]

قوله (رحمه اللّه)

الحادى عشر: الموالاة بمعنى عدم جفاف الأعضاء السابقة قبل الشروع في اللاحقة، فلو جفّ تمام ما سبق بطل.

بل لو جفّ العضو السابق على العضو الذي يريد أن يشرع فيه الأحوط الاستيناف و إن بقيت الرطوبة في العضو السابق على السابق.

و اعتبار عدم الجفاف إنمّا هو إذا كان الجفاف من جهة الفصل بين الاعضاء أو طول الزمان، و أمّا إذا تابع في الإفعال و حصل

____________

جامع الاحاديث الشيعة.

121

الجفاف من جهة حرارة بدنه، أو حرارة الهواء، أو غير ذلك فلا بطلان.

فالشرط في الحقيقة أحد الأمرين من التتابع العرفى و عدم الجفاف.

و ذهب بعض العلماء إلى وجوب الموالاة بمعنى التتابع و إن كان لا يبطل الوضوء بتركه إذا حصلت الموالاة بمعنى عدم الجفاف.

ثم إنّه لا يلزم بقاء الرطوبة في تمام العضو السابق بل يكفى بقائها في الجملة و لو في بعض أجزاء ذلك العضو.

(1)

أقول: امّا التكلم فيما هو المراد من الموالاة لغة و عرفا فمما لا ثمرة له، لأنّ (الموالاة) لا تكون بهذه الهيئة و هيأتها الاخرى مذكورة فى نصّ و لا في معقد إجماع حتى نحتاج إلى ما هو موضوع له اللغوى أو العرفى.

إذا عرفت ذلك نقول: إن الاحتمالات بل الأقوال فيما هو المراد من الموالاة في الوضوء كثيرة نذكر إنشاء اللّه الأقوال و ما يمكن أن يكون وجها و دليلا له، و ما‌

ينبغى أن نختار من الأقوال:

القول الأوّل: [الموالاة في الوضوء تحصل بأن يغسل و يمسح قبل أن يجفّ جميع ما تقدمه]

ما ينسب إلى الأشهر بل إلى المشهور من الفقهاء (رضوان اللّه عليهم)، و هو أن الموالاة في الوضوء تحصل بأن يغسل و يمسح قبل أن يجفّ جميع ما تقدمه، فلو أخّر المتوضى الغسل أو المسح إلى أن جفّ بلل الأعضاء المتقدمة عليه جفافا كان ناشيا عن التأخير لا عن سبب آخر بطل وضوئه.

و اعلم أن البطلان في هذه الصورة مسلم لا تفاق كل الأقوال في بطلانه في‌

122

هذه الصورة.

أما وجه هذا القول فقد ذكر له بعض طوائف من الأخبار، مضافا إلى دعوى الاجماع الاولى ما يدل على بطلان الوضوء و وجوب إعادته للاخلال بالموالاة:

منها ما رواها أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا توضأت بعض وضوئك فعرضت لك حاجة حتى يبس وضوئك، فأعد وضوئك فإنّ الوضوء لا يبعّض (1).

فإنها تدلّ على عدم جواز الفصل بين الوضوء حتى يبس ما تقدم من أعضاء الوضوء، و كان سبب اليبوسة التأخير لا أمرا آخر، و أنّ ترك الموالاة يوجب بطلان الوضوء و لزوم إعادته، لا أن يكون الفصل سببا لفعل حرام حتى يكون محرّما بالحرمة التكليفية فقط، أو الحرمة التكليفية و الوضعية كليهما، بل مقتضاها هو الحرمة الوضعية، و هو بطلان الوضوء و وجوب الاعادة.

و منها ما رواها معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ربّما توضأت فنفد الماء فدعوت الجارية فأبطأت عليّ بالماء فيجفّ وضوئى، فقال أعد (2).

أقول: و هذه الرواية لا تدلّ إلّا على وجوب الاعادة فيما جف الوضوء.

و أمّا عدم وجوب الاعادة فيما لم يجفّ، فلا تدلّ عليه لعدم مفهوم لها، فعلى هذا لا تدلّ على القول المشهور و هو عدم وجوب الاعادة إذا لم يجفّ و إن لم يبق التوالى العرفى، لأنّ الرواية ساكتة عن صورة عدم تجفيف المواضع المتقدمة من الوضوء.

الطائفة الثانية: ما ورد فيمن نسى مسح رأسه حتّى جفت الرطوبة من أعضاء‌

____________

(1) الرواية 2 من الباب 33 من ابواب الوضوء من الوسائل.

(2) الرواية 3 من الباب 33 من ابواب الوضوء من الوسائل.

123

وضوئه بوجوب إعادة الوضوء.

و منها ما رواها مالك بن أعين عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: من نسى مسح رأسه، ثم ذكر أنّه لم يمسح رأسه، فإن كان في لحيته بلل فلياخذ منه و ليمسح رأسه، و إن لم يكن في لحيته بلل فلينصرف و ليعد الوضوء (1).

و منها مرسلة الصدوق (رحمه اللّه) قال: قال الصادق (عليه السلام) إن نسيت مسح رأسك فامسح عليه و على رجليك من بلة وضوئك، فإن لم يكن بقى في يدك من نداوة وضوئك شي‌ء فخذ ما بقى منه في لحيتك و امسح به رأسك و رجليك، و إن لم يكن لك لحية فخذ من حاجبيك و اشفار عينيك و امسح به رأسك و رجليك، فإن لم يبق من بلة وضوئك شي‌ء أعدت الوضوء (2).

وجه الدلالة أن عدم الموالاة صار سببا لعدم بقاء الرطوبة و البلة و لهذا اوجب (عليه السلام) إعادة الوضوء، فالروايتان دليلان على اعتبار الموالاة بالمعنى المتقدم.

و فيه أن الظاهر من الروايتين كون وجوب الاعادة من باب عدم بقاء الرطوبة و تعذر المسح بنداوة الوضوء، لا من باب الاخلال بالموالاة.

الطائفة الثالثة: ما دل على لزوم اتباع الوضوء بعضه بعضا.

منها ما رواها الحلبى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال اتبع وضوئك بعضه بعضا (3).

و منها ما رواها حكم بن حكيم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل نسى‌

____________

(1) الرواية 7 من الباب 21 من ابواب الوضوء من الوسائل.

(2) الرواية 8 من الباب 21 من ابواب الوضوء من الوسائل.

(3) الرواية 1 من الباب 33 من ابواب الوضوء من الوسائل.

124

من الوضوء الذراع و الرأس، قال: يعيد الوضوء، إن الوضوء يتبع بعضه بعضا (1).

وجه الاستدلال هو انّه معنى اتباع بعض الوضوء ببعضه هو الموالاة.

و فيه أن الظاهر كون المراد من الأمر باتباع الوضوء بعضه ببعض هو الترتيب أمّا أوّلا فإن رواية الحلبى لها صدر يدل على أن المراد من اتباع الوضوء في ذيلها هو الترتيب.

لأنّ صدرها هكذا (الحلبى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا نسى الرجل أن يغسل يمينه فغسل شماله و مسح رأسه و رجليه، و ذكر بعد ذلك غسل يمينه و شماله و مسح رأسه و رجليه، و إن كان إنّما نسى شماله فليغسل الشمال و لا يعيد على ما كان توضأ و قال اتبع وضوئك بعضه بعضا (2).

و أمّا ثانيا فلأنّ رواية زرارة التي ذكرناها في المسألة الاولى من المسائل المتعلقة بالترتيب، تدلّ على أنّ المراد من الاتباع هو الترتيب لأن فيها قال (عليه السلام) (تابع بين الوضوء كما قال للّه عز و جل ابدأ بالوجه، ثم باليدين، ثم امسح الرأس و الرجلين و لا تقد منّ شيئا بين يدى شي‌ء الخ) (3).

و أمّا ثالثا على فرض دلالة الخبرين على أنّ المراد من الاتباع هو الموالاة يدلّان على وجوب الموالاة، و أما على قول المشهور فى الموالاة و هى كونها عبارة عن عدم جفاف الأجزاء السابقة جميعا فلا يدلّان عليه لدلالتهما على فرض كون‌

____________

(1) الرواية 6 من الباب 33 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) الرواية 12 من الباب 27 من أبواب الوضوء من كتاب جامع احاديث الشيعة ج 2، و الرواية 9 من الباب 35 من ابواب الوضوء من الوسائل.

(3) الرواية 2 من الباب 27 من ابواب الوضوء من كتاب جامع احاديث الشيعة ج 2 و الرواية 1 من الباب 34 من ابواب الوضوء من الوسائل.

125

التتابع الموالاة على نفس الموالاة فى الأجزاء، و أمّا الموالاة بالمعنى المنسوب الى المشهور أو غير قولهم من الأقوال الاخر فى الموالاة فلا.

فتلخص أن الطائفة الثانية و الثالثة و إن لم تدلّ على القول المشهور، و لكن في دلالة الطائفة الاولى غنى و كفاية.

لكن هنا كلام في أنّ نظر المشهور في الموالاة من تفسيرها بالغسل و مسح كل عضو قبل جفاف جميع ما تقدمه، إن كان إلى أنّ بطلان الوضوء يكون في صورة تأخير العضو اللاحق تأخيرا يوجب جفاف جميع الأعضاء السابقة حتى إذا كان الجفاف لأجل علة خارجية مثل حرارة الهواء، و عدم البطلان في غير هذه الصورة مطلقا سواء يحصل التتابع العرفى أم لا.

فاستفادة مختارهم من الخبرين المذكورين بعنوان الطائفة الاولى، و هو خبر أبي بصير و معاوية بن عمّار، مشكل بل على خلاف ظهورهما لأنّ مقتضاهما كون الجفاف مستندا إلى ترك المتابعة و عدم حصول التتابع العرفى.

إذ قوله (عليه السلام) في رواية أبي بصير (إذا توضأت بعض وضوئك فعرضت لك حاجة حتى يبس وضوئك فاعد وضوئك الخ).

و كذا رواية معاوية بن عمار حيث يكون قوله سؤالا (ربما توضأت فنفذ الماء فدعوت الجارية فأبطأت عليّ الماء، فيجفّ وضوئى، فقال (عليه السلام): أعده) هو كون التأخير لأجل عروض الحاجة كما في الرواية الاولى و إبطاء الجارية عن عرض الماء عليه كما في الثانية صار سببا لجفاف الوضوء.

فمن هنا نكشف أنّ الميزان هو التوالى، فلو أتى بالأفعال متتابعة صح وضوئه جفّ أو لم يجفّ، و يكفى ذلك في حفظ الموالاة، و تذهب هذه المتابعة بجفاف الاعضاء‌

126

لأنّه مع جفاف تمام الأعضاء بحسب متعارف الهواء، كما لا يبعد كونه ظاهر الروايتين، لا تبقى المتابعة العرفية و توالى الأفعال.

و هل يكون نظر المشهور هذا أو كلماتهم محمولة على ذلك أم لا؟

و على كل حال أمكن حمل كلام المشهور على ما قلنا أو لم يمكن، نقول: بعد عدم تحقق إجماع على كون الصحة و بطلان الوضوء مدار نفس عدم جفاف الأعضاء المتقدم على العضو الذي حصل الشك في وقوع جفافها، و كذلك عدم تحقق الشهرة عليه.

نقول: بأنّ المستفاد من الخبرين هو موجبية الجفاف لبطلان الوضوء إذا كان سببه تأخير التتابع لا مطلقا فندور في الصحة و البطلان مدار التوالى و التتابع و عدمه.

نعم مع عدم جهة خارجية في البين يكون الجفاف كاشفا عن فقد التوالى و التتابع.

القول الثاني: هو التفصيل بين حالتى الاختيار و الاضطرار في الموالاة

فيقال: بأنّ الموالاة في حال الاختيار عبارة عن المتابعة بين الأعضاء بأن يشتغل في كل عضو لاحق بغير فصل عرفى بينه و بين العضو السابق عليه، و الموالاة المعتبرة حال الاضطرار عبارة عن عدم جفاف السابق قبل الشروع في اللاحق، و هذا القول محكى عن المبسوط و الخلاف و المعتبر.

و يستدلّ على اعتبار المتابعة حال الاختيار بقوله تعالى (إِذٰا قُمْتُمْ (1) إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ الخ) بدعوى أن الفاء تدلّ على التعقيب بالاتصال، فيعتبر وقوع أفعال الوضوء متعاقبة بعضها ببعض.

____________

(1) سورة مائدة، الآية 6.

127

و بما روى زرارة قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): تابع بين الوضوء كما قال اللّه عزّ و جلّ ابدأ بالوجه، ثم باليدين، ثم امسح الرأس و الرجلين، و لا تقدمنّ شيئا بين يدى شي‌ء الخ) ذكرنا الرواية في المسألة الاولى من المسائل الراجعة إلى شرط الترتيب (1) بدعوى أنّ المتابعة المأمور بها في التتابع في الأفعال و تواصلها.

و بما روى أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إن نسيت غسل وجهك فغسلت ذراعيك قبل وجهك فاعد غسل وجهك، ثم اغسل ذراعيك بعد الوجه، فإن بدأت بذراعك الأيسر قبل الأيمن فاعد على غسل الأيمن ثم اغسل اليسار و إن نسيت مسح رأسك حتى تغسل رجليك فامسح رأسك ثم اغسل رجليك (2).

بدعوى انّه لو لم تجب المتابعة لما أمر باعادة غسل الوجه.

و يستدلّ على كون المتابعة المعتبرة حال الاضطرار عدم جفاف السابق قبل الشروع في اللاحق، بالروايتين المتقدمتين رواية (3) أبي بصير و معاوية بن عمار (4) الواردتين في صورة عروض الحاجة بين الوضوء أو نفاد الماء و كليهما حال الاضطرار فعلّق وجوب الاعادة بصورة جفاف الوضوء.

و فيه أمّا ما تمسك به على اعتبار المتابعة في الموالاة في حال الاختيار بقوله تعالى إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ فالفاء و إن كانت للاتصال تدلّ على أنّ حين التهيؤ للصلاة فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ اى توضئوا و لا ربط لها بالاتصال و التتابع بين أعضاء الوضوء.

____________

(1) رواية 1 من باب 34 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) الرواية 8 من الباب 35 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(3) رواية 2 من الباب 33 من ابواب الوضوء من الوسائل.

(4) رواية 3 من باب 21 من ابواب الوضوء من وسائل.

128

و امّا روايتا زرارة و أبي بصير ففيهما أنّه قد عرفت عدم كونهما مربوطتين بالتتابع في الموالاة، بل كونهما متعرضتين لاعتبار الترتيب بين الأعضاء بالنحو الذي بينّا.

و أمّا ما تمسك به على كون الاعتبار بعدم الجفاف في الموالاة حال الاضطرار.

ففيه أوّلا أن مجرد كون المورد مورد عروض الحاجة أو نفاد الماء لا يوجب اختصاص الحكم بصورة عروض الحاجة، و ثانيا بعد كون الظاهر من الروايتين أن الجفاف حصل من التأخير، فما هو المعتبر هو التتابع العرفى، غاية الأمر حيث يحصل عدم التتابع بالجفاف أمر بالاعادة في صورة الجفاف، و بعد كون المعتبر في الموالاة التتابع العرفى فلا فرق فيه بين حالتى الاختيار و الاضطرار.

القول الثالث: أنّ الموالاة عبارة عن المتابعة و عدم الفصل بين الأعضاء

و الموالاة واجبة بهذا المعنى لكن وجوبه يكون بالوجوب التكليفى لا بالوجوب الوضعى، بمعنى اعتبارها في صحة الوضوء، بل الصحة منوطة بعدم الجفاف.

و يستدلّ عليه بظاهر بعض الأوامر الواردة بالغسل و المسح في الوضوء بعد كون الأمر ظاهرا في الفور، و بما في بعض الروايات التي ذكرناه أن الوضوء يتبع بعضه بعضا، لأنّ التتابع عبارة عن الموالاة.

و فيه أمّا ما ادعى من كون ظاهر الأوامر الفور.

ففيه انّه لو قلنا بأن ظاهر الأمر يقتضي الفورية لا يمكن أن نقول هنا، لأنّه إن كان الأمر بغسل الوجه و اليدين أو الأمر بالمسح للفور فلازمه القيام للوضوء فورا لأنّ الامر بغسل الوجه لو كان للفور معناه القيام به فورا، و الحال أنّه لا يمكن القول به بل أمر الوضوء يكون شرطيا وضعيا للصلاة أو لغاية اخرى واجبة، فالوجوب‌

129

التعبدى لا دليل له لأنّ الأمر بالوضوء أو الغسل أو المسح فيه هو الوجوب الشرطى فلو ترك يؤاخذ لترك مشروطه و هو الصلاة، لا لتركه الوضوء كما مر الكلام فيه في مقدمة الواجب.

و أمّا ما ورد من أن الوضوء يتبع بعضه بعضا فقد عرفت فى طى هذا المبحث و في مسئلة الترتيب أن النظر فيه بالترتيب المعتبر بين أعضاء الوضوء لا بالموالاة.

القول الرابع: [هو كفاية أحد الأمرين من المتابعة و عدم الجفاف]

و هو مختار المؤلف (رحمه اللّه) و جلّ المتأخرين و المحكى عن الصدوقين (رحمه اللّه) و هو كفاية أحد الأمرين من المتابعة و عدم الجفاف في صحة الوضوء فبطلان الوضوء يتوقف على فقد المتابعة و حصول جفاف الأعضاء السابقة.

و وجهه على ما أشار المؤلف (رحمه اللّه) هو أن المستفاد من رواية أبي بصير و معاوية بن عمار المتقدمتين هو أن الشرط في الوضوء عدم الجفاف الحاصل من عدم التأخير بمقدار يحصل به الجفاف.

فالمبطل هو الجفاف الحاصل عن التأخير، لا ترك المتابعة مطلقا و لو لم يحصل بتركها الجفاف، و لا بالجفاف مطلقا و لو لم يحصل من ترك المتابعة.

و لازم هذا القول صحة الوضوء عند متابعة أفعال الوضوء بعضها للبعض و إن حصل الجفاف، و صحة الوضوء عند عدم حصول الجفاف و لو مع عدم متابعة، الافعال فينحصر بطلان الوضوء بصورة حصول الجفاف الناشئ عن ترك المتابعة.

فمرجع هذا القول إلى كفاية التواصل بين اعضاء الوضوء بالمعنى الاعم الحاصل من تتابع نفس الأفعال بعضها بالبعض، و بتتابع أثرها و هو بقاء الرطوبة و عدم جفافها.

أقول: اعلم أن المدرك في الموالاة إن كان الاجماع، فترى أنّ كلماتهم من‌

130

حيث المراد من الموالاة تكون مختلفة، فلا يمكن استفادة أحد من الاقوال من الاجماع.

و إن كان النص، فالنص في المسألة، كما عرفت الاشكال في التمسك ببعض الروايات، ليس إلّا الخبرين خبر أبي بصير و خبر معاوية بن عمار.

أما خبر معاوية بن عمار فمفاده ليس إلا وجوب الاعادة في صورة نفاد الماء في اثناء الوضوء و يبوسة الوضوء، و لا مفهوم له يدل على عدم وجوب الاعادة في غير صورة جفاف الوضوء و يبوسته، لأنّ معاوية بن عمار قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ربّما توضأت فنفد الماء فدعوت الجارية فأبطأت عليّ بالماء فيجفّ وضوئى، فقال: اعد).

لأنّه (عليه السلام) فى مورد سؤال السائل (قال: أعد) فلا مفهوم له يدل على عدم وجوب الاعادة في صورة عدم الجفاف و إن أخلّ بالمتابعة العرفية، كما لا دلالة له على أنّ وجه وجوب الاعادة هو فوت الموالاة بمعنى المتابعة العرفية، أو هو مع جفاف الأعضاء.

نعم لا يدل على كون الجفاف بنفسه سببا لوجوب الإعادة، لأنّ مورد السؤال الجفاف المستند بعدم التتابع، هذا بالنسبة إلى هذا الخبر.

فيقى خبر أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذا توضأت بعض وضوئك فعرضت لك حاجة حتى يبس وضوئك فأعد وضوئك فإنّ الوضوء لا يبعّض).

و هو كما ترى منطوقه وجوب إعادة الوضوء إذا توضأ بعض الوضوء فعرضت له حاجة موجبة لأن يبس وضوئه، و مفهومه عدم وجوب الاعادة فيما توضأ و لم يعرض له حاجة يوجب يبوسة الوضوء، فالخبر بمنطوقه، مع قطع النظر‌

131

عن العلة المذكورة في ذيله، يدل على أنّ الجفاف المستند بترك المتابعة في أفعال الوضوء يوجب بطلان الوضوء، و بمفهومه يدلّ على أن الجفاف الغير المستند بترك المتابعة لا يوجب الإعادة، لأنّ مقتضى دخل عروض الحاجة في الجفاف هو عدم موجبة الجفاف بنفسه للاعادة.

فالرواية مع قطع النظر عن العلة المذكورة في ذيلها تدلّ إمّا على موجبية نفس الفصل بسبب عروض الحاجة لوجوب الاعادة لوضوح عدم خصوصية للجفاف بنفسه، بل الجفاف كاشف عن الفصل و فقد المتابعة العرفية.

و إمّا على كون الموجب للاعادة كل من عروض الحاجة أعنى: فقد المتابعة و الجفاف معا.

فعلى الأوّل ما هو السبب للاعادة فقد التتابع و الجفاف كاشفه، و يؤيد هذا الاحتمال، بل تدل عليه، العلة المذكورة في ذيل الرواية (فإنّ الوضوء لا يبعّض) فإنّ المستفاد من العلة هو ان الوضوء امر وحدانىّ ليس قابلا للتبعيض، فليس قابلا لان يفصل بين أجزائه بما يخل بوحدانيته، و ليس هذا الّا اعتبار التتابع فيه التتابع العرفى فلا تعارض على هذا بين الصدر و بين العلة أصلا.

و أظهر الاحتمالين بل الظاهر من الرواية هذا الاحتمال.

و أمّا على الثاني أعنى: احتمال كون السبب لوجوب الاعادة كل من فقد المتابعة الحاصلة من عروض الحاجة، و الجفاف فتكون النتيجة وجوب الاعادة مع تحقق كلا الشرطين: فقد التتابع و جفاف الاعضاء.

فاذا لم يحصلا لا تجب إعادة الوضوء سواء حصل واحد منهما أو لا فلو حصل الجفاف و لم يفقد التتابع يصح الوضوء و لا تجب اعادته كما أنّه لو فقد التتابع و لم‌

132

يحصل الجفاف يصح الوضوء و لا تجب إعادته.

فلازم هذا الاحتمال تعارض الصدر مع العلة، لأنّه على هذا الاحتمال إذا فقد التتابع العرفى و لم يجف الأعضاء المتقدمة لا تجب الاعادة.

مع أن ظاهر العلة و هي (إنّ الوضوء لا يبعّض) هو بطلان الوضوء، لأنّه مع فقد التتابع العرفي فقد تبعّض الوضوء، و إن لم يجفّ الاعضاء السابقة.

فلا بد أمّا من الالتزام بأن دخل كل من الأمرين في وجوب الاعادة فقد التتابع و الجفاف، يكون من باب ملازمتهما غالبا بحسب المتعارف في الاشخاص و الأمكنة و الازمنة، فتكون النتيجة كفاية كل منهما في صورة انفكاكهما.

أو من الالتزام بأن ظهور الصدر أقوى من ظهور العلة، و هذا مما لا يمكن القول به، لأنّه مع الاحتمال الأوّل الذي قلنا في صدر الرواية و أنّه الا ظهر، كيف يقال بأقوائية ظهور الصدر في دخل كل من الأمرين عن ظهور العلة الدالة على كون الحكم بعدم وجوب الاعادة و الإعادة مدار التتابع و فقده.

فما يأتي بالنظر و إن لم يساعدنى أحد، هو أنّ الاقوى في المقام القول الخامس و هو مختارنا، و هو ما بينّا في مطاوى كلماتنا في توجيه القول الأوّل و في رد القول الرابع.

و هو أنّ الموالاة المعتبرة في الوضوء عبارة عن التتابع العرفى سواء حصل فقده بجفاف الأعضاء أو بالفصل و لو بغير الجفاف، و السر في ذلك كما ذكرنا في مطاوى كلماتنا أنه ليس الدليل على اشتراط الموالاة إلّا الخبرين المتقدمين.

واحد منها و هو خبر معاوية بن عمار، و لا يستفاد منه إلا وجوب اعادة الوضوء مع جفاف الاعضاء المستند جفافها إلى فقد التتابع، لأنّ مفروض سؤاله‌

133

نفاد الماء و إبطاء الجارية عن الاتيان بالماء صار سببا للجفاف، و لا تعرض فيه لكون منشأ وجوب الاعادة دخل الجفاف أو عدم دخله.

و لكن يستفاد منه عدم كون الجفاف بنفسه سببا للاعادة لان مفروض السؤال الجفاف المستند بفقد التتابع.

و يبقى الآخر و هو خبر أبو بصير و فيه شرط و جزاء و علة.

أما الشرط فهو إذا توضأت بعض وضوئك فعرضت لك حاجة حتى يبس وضوئك) و مفاد الشرط هو أنه إذا توضأ أحد و صار عروض الحاجة سببا ليبوسة الوضوء.

و الجزاء قوله (عليه السلام) (فأعد وضوئك) فتكون النتيجة أنه إذا توضأت بعض الوضوء و عرضت لك حاجة حتى صار عروض الحاجة موجبا للفصل و فقد التتابع بحيث يبس الوضوء أعد الوضوء.

و بعد مسلّميّة عدم كون الجفاف بنفسه سببا لوجوب الاعادة، لأنّه مخالف لظهور كل من الروايتين فى عدم كونه بنفسه سببا، بل إما كاشف عن السبب و هو فقد التتابع و إما جزء السبب بمعنى كون فقد التتابع مع الجفاف فيبقى احتمالان:

الاحتمال الأوّل: كون السبب نفس فقد التتابع العرفى، غاية الأمر ذكر كاشف له و هو أنّه لو حصل الفصل بمقدار يبس الوضوء، فيبوسة الوضوء و جفافه كاشف عن فقد التتابع المعتبر في الوضوء، لا لدخل الجفاف في الحكم بوجوب الاعادة، بل لكونه كاشفا عن فقد التتابع المعتبر في الوضوء.

و يؤيد هذا الاحتمال، بل يدلّ عليه العلة المذكورة في ذيل الرواية (فانّ الوضوء لا يبعّض) لأنّ ظاهر العلة أعنى: علة الحكم و هو وجوب الاعادة، عدم‌

134

قابلية الوضوء للتبعّض و صيرورة بعضه منفصلا عن بعض.

و بعبارة اخرى الوضوء امر وحدانى يضر الانفصال بوحدانيته فيخل بسبب الفصل و عدم التتابع العرفى، فلا بد من اعادته، فعلى هذا نقول: يساعد هذا الاحتمال و هو كون سبب الاعادة فقد التتابع العرفى مع العلة المذكورة و هي (إنّ الوضوء لا يبعّض).

الاحتمال الثاني: كون السبب لوجوب الاعادة كلا من فقد التتابع العرفى و الجفاف، فيكون كل منهما جزء السبب و ثمرته هو البطلان في صورة الجفاف الناشئ عن فقد التتابع، و صحة الوضوء مع فقد أحدهما أعنى: مع التتابع يصح الوضوء و إن جف الوضوء، و يصح مع عدم الجفاف و إن فقد التتابع.

و لكن يبعّد هذا الاحتمال ان على هذا مع بقاء الرطوبة و عدم الجفاف يصح الوضوء، فنقول: إنّ الجفاف الذي مع حصوله يبطل الوضوء إن كان مطلق الجفاف حتى ما إذا حصل لبعض الأسباب الغير المتعارفة كحرارة الهواء أو حرارة البدن، فلازمه عدم كون الجفاف المستند إلى عدم التوالى موجبا للابطال، و هو خلاف مفروض الرواية، و لم يقل به المشهور، و لا المؤلف (رحمه اللّه) و من يقول بقوله، و هو القول الرابع من الأقوال المتقدمة.

و إن كان المراد من الجفاف الموجب للبطلان خصوص الجفاف المستند إلى طول الزمان و الفصل المنافى مع التتابع، فيكون الجفاف دائما مسا و قامع فقد التتابع لأنّه على الفرض الجفاف المستند إلى فقد التتابع مبطل، فهو حاصل في طول فقد التتابع، و بعبارة اخرى يكون متأخرا عنه رتبة و زمانا، فنقول: بعد كون الجفاف الذي نقول بكونه جزء السبب دائما حاصلا في صورة فقد التتابع و في طوله، فلا فائدة لدخل فقد التتابع فيه فلا حاجة إلى ذكر قوله (فعرضت لك حاجة) لأن ذكر‌

135

اليبوسة مستغن عنه.

إن قلت: إن وجه ذكر مستند الجفاف و هو فقد التتابع بقوله (عليه السلام) (فعرضت لك جماعة) يكون لاجل بيان أن الجفاف مطلقا ليس منشأ البطلان حتى فى ما لا يكون مستندا إلى فقد التتابع بل الجفاف الخاص و هو المستند إلى فقد التتابع يوجب البطلان.

قلت: إنّه على هذا يظهر أن للجفاف ليس دخل في بطلان الوضوء و وجوب اعادته، بل ما هو السبب هو فقد التتابع، غاية الأمر يكون الجفاف كاشفا عنه، فتكون النتيجة أن السبب الوحيد في وجوب اعادة الوضوء فقد التتابع، فلا يدور حكم وجوب الاعادة مدار الجفاف، بل يدور مدار فقد التتابع العرفى.

و لعل هذا صار سببا لذهاب بعضهم إلى كفاية الجفاف التقديرى، لأنّ معنى الجفاف التقديرى عدم لزوم فعليته، فمن الفصل العرفى يستكشف الجفاف التقديرى و هذا شاهد على أن العبرة في البطلان عدم التتابع العرفى.

و لعل اكتفاء بعضهم بعدم لزوم جفاف تمام الاعضاء السابقة أو كفاية جفاف بعض المتقدم على العضو المتقدم هو هذا أعنى: حصول الفصل العرفى و فقد التتابع.

و إلّا لو جمدنا على اعتبار الجفاف بنفسه فلا بد من جفاف تمام ما تقدم على العضو اللاحق.

و أمّا إن كانت العبرة بفقد التتابع فربما يحصل بجفاف البعض كما يحصل تارة بجفاف تمام ما تقدم.

مضافا الى أن الالتزام بالخصوصية للجفاف و انّه متى لم يتحقق الجفاف لا يبطل الوضوء ينافي ظاهر العلة المذكورة في الرواية (فإن الوضوء لا يبعّض) لانها‌

136

كما قلنا تدلّ على اعتبار التتابع العرفى في الوضوء بحيث يوجب اخلاله تبعّض الوضوء.

و لا وجه لأن يقال بالتصرف فى ظهور العلة بظهور الصدر الدال على اعتبار الجفاف، لأنّ هذا يوجب رفع اليد عن عليّة العلة و ظهور الذيل في العليّة مما لا ينكر فلا بد من التصرف في الصدر.

و المتحصل من البحث هو أن الأقوى بالنظر عاجلا كون الموالاة المعتبرة في الوضوء عبارة عن فقد التتابع العرفى الحاصل تارة بجفاف الأعضاء السابقة و تارة بنفس الفصل العرفى و لو لم يجف الاعضاء السابقة بعضها أو جميعها.

و لكن حيث لم أر من يقول بمقالتنا نقول: بأن الأحوط في مقام العمل وجوبا هو أنّه مع حصول فقد التتابع العرفى و عدم حصول جفاف تمام الاعضاء عدم الاكتفاء بما بقى من أفعال الوضوء، بل الصبر الى أن يجفّ تمام الاعضاء، ثم اعادة الوضوء و في ضيق الوقت يتم وضوئه بهذا الحال ثم يتيمم.

ثم إنّه على ما استظهرنا من الدليل ليست العبرة دائما بجفاف تمام أعضاء الوضوء في صدق فوات الموالاة حتى نبحث في أنّه لو بقيت الرطوبة في بعض الاعضاء من الافعال السابقة لم تفت الموالاة.

بل العبرة ببقاء التتابع العرفى و فقده، فمع بقائه لم تفت الموالاة و يكون الجزء الباقى قابلا للحوق بالأجزاء السابقة و مع عدمه فلا، بل يجب اعادة الوضوء، فتأمل جيّدا.

***

137

[مسئلة 24: إذا توضأ و شرع في الصلاة ثم تذكّر أنّه ترك بعض المسحات أو تمامها]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 24: إذا توضأ و شرع في الصلاة ثم تذكّر أنّه ترك بعض المسحات أو تمامها بطلت صلاته و وضوئه أيضا إذا لم يبق الرطوبة في اعضائه، و إلّا أخذها و مسح بها و استأنف الصلاة.

(1)

أقول للمسألة صورتان:

الصورة الاولى: ما إذا توضأ و شرع في صلاته ثم تذكّر أنّه ترك بعض المسحات أو تمامها و لم تبق الرطوبة

في أعضائه، فلا إشكال في بطلان الوضوء لفقد الرطوبة في أعضائه و لا بدّ من كون المسح بنداوة الوضوء و مع جفاف الاعضاء لا يتمكن منه فيبطل وضوئه.

و أمّا بطلان صلاته لوقوعها في غير طهارة مضافا إلى دلالة بعض الأخبار بالخصوص على بطلان الصلاة فيما وقعت الصلاة بغير طهارة.

منها ما رواها الحلبى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا ذكرت و أنت في صلاتك أنّك قد تركت شيئا من وضوئك المفروض عليك فانصرف فأتمّ الّذي نسيته من وضوئك و اعد صلاتك (1) و غيرها راجع الباب المذكور فيه الرواية.

و إطلاق هذه الرواية و إن كان يقتضي وجوب إتمام الّذي نسيه من الوضوء سواء فاتت الموالاة أم لم تفت، لكن لا بدّ من تقيدها بما دل على شرطية الموالاة.

الصورة الثانية: ما إذا تذكر في الصلاة ترك بعض المسحات أو تمامها و بقيت الرطوبة في بعض أعضائه

فالكلام في موضعين:

____________

(1) الرواية 6 من الباب 3 من أبواب الوضوء من الوسائل.

138

الموضع الأوّل: في بطلان صلاته و وجوب استينافها

فنقول لا إشكال فى فسادها و وجوب استينافها لوقوع ما وقع منها بلا طهارة، و دلالة الرواية المتقدمة و غيرها على وجوب الانصراف عن الصلاة و استينافها بعد تحصيل الطّهارة المعتبرة.

الموضع الثاني: في الوضوء و أنّه هل يكفى أخذ البلة من بعض مواضع وضوئه

و المسح بهذه البلة و يصحّ وضوئه أو يجب إعادة الوضوء من رأس فيما فقد التتابع العرفى و إن لم يجفّ تمام أعضائه السابقة من وضوئه؟

أقول: أمّا على قول من يقول بأن الموالاة المعتبرة في الوضوء عبارة عن عدم جفاف الاعضاء السابقة قبل الشروع في اللاحقة، فعلى الفرض حيث تكون النداوة باقية لم تفت الموالاة و يمسح بنداوة الوضوء و يصح وضوئه.

و أمّا على ما قوينا من أن الموالاة المعتبرة هو فقد التتابع العرفى فلا بدّ من ملاحظة ذلك.

فإن فقد التتابع بطل الوضوء سواء جفّت أعضاء وضوئها أو لم تجفّ، و إن لم يفقد التتابع العرفى يمسح بنداوة وضوئه و يصح وضوئه.

و حيث قلنا في مقام العمل بالاحتياط فلا بدّ في الفرض على تقدير فقد التتابع العرفى من الصبر إلى أن يجفّ تمام أعضاء الوضوء ثم يعيد الوضوء، و مع ضيق الوقت عن الصبر يمسح بالنداوة الموجودة، ثم يتيمم و يصلّى.

*** [مسئلة 25: إذا مشى بعد الغسلات خطوات ثم أتى بالمسحات]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 25: إذا مشى بعد الغسلات خطوات ثم أتى

139

بالمسحات لا بأس، و كذا قبل تمام الغسلات إذا أتى بما بقى، و يجوز التوضى ماشيا.

(1)

أقول: بعد ما فسّر المؤلف (رحمه اللّه) الموالاة بعدم جفاف جميع الأعضاء السابقة قبل الشروع في اللاحقة، فالعبرة في صحة الوضوء بعدم الجفاف المستند إلى عدم الفصل الطويل و بطلانه بالجفاف المستند إلى الفصل الطويل، فلا بأس بالمشي خطوة أو خطوات بين الغسلات أو بين المسحات، و في أىّ حال من أحوال الوضوء إذا لم يجف الأعضاء السابقة بطول المشي لعدم اخلال المشى بالموالاة.

و إن كان الشك في جواز المشي و عدمه من جهة احتمال شرطية السكون أو مانعية المشى، فبعد عدم الدليل عليها يكون مع الشك مجرى أصالة البراءة.

*** [مسئلة 26: إذا ترك الموالاة نسيانا بطل وضوئه]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 26: إذا ترك الموالاة نسيانا بطل وضوئه مع فرض عدم التتابع العرفى أيضا، و كذا لو اعتقد عدم الجفاف ثم تبين الخلاف.

(2)

أقول: كان نظر المؤلف (رحمه اللّه) إلى أنّه لو ترك الموالاة بمعنى عدم الجفاف بالموالاة بطل وضوئه مع عدم التتابع العرفى، فتعبيره نفس عدم الجفاف بالموالاة مع كونها بنظره، على ما عرفت في بيان معنى الموالاة المعتبرة في الوضوء، أنها عدم الجفاف المستند جفافه إلى الفصل الطويل مخالف مع ما اختاره في معنى الموالاة‌

140

و على كل حال مع فرض الجفاف و عدم التتابع العرفى يبطل الوضوء سواء يقال بكون الموالاة الجفاف المستند بعدم الفصل الطويل كما هو مختاره أو كانت الموالاة التتابع العرفى على ما فهمنا من الدليل، لفقد الشرط، و الشرط ليس شرطا علميا حتى يقال: بأن فقده حال النسيان لا يضر بالمشروط.

و كذا لو اعتقد عدم الجفاف ثم تبيّن خلافه، فبناء على كون الميزان حصول الجفاف، فقد حصل ترك الموالاة فيبطل وضوئه.

نعم على ما اخترناه نقول: بأنه في الفرض لو فقد التتابع و اعتقد وجوده ثم تبين فقده، أو في فرض اعتقاده عدم الجفاف تبين الجفاف لو أخل بالتتابع العرفى يبطل الوضوء و إلّا فلا.

*** [مسئلة 27: إذا جفّ الوجه حين الشروع في اليد لكن بقيت الرطوبة في مسترسل اللحية]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 27: إذا جفّ الوجه حين الشروع في اليد لكن بقيت الرطوبة في مسترسل اللحية أو الأطراف الخارجة عن الحدّ ففي كفايتها إشكال.

(1)

أقول: قد مر في المسألة 25 المتعلقة بالمسح و كونه بنداوة الوضوء بأن الأحوط بل الأقوى عدم جواز الأخذ من مسترسل اللحية.

ففي المقام نقول: بعد كون مترسل اللحية و كذا الأطراف الخارجة عن الحد غير داخل في ما يجب غسله من الوجه فى الوضوء، فمع جفاف الوجه على تقدير كون الجفاف الأجزاء السابقة مخلا بالموالاة، فقد أخل بالموالاة و يجب اعادة الوضوء.

141

نعم بناء على كون المخل بالموالاة فقد التتابع العرفى فإن فقد التتابع العرفى بطل الوضوء و الّا فلا.

و لكن يمكن أن يقال: بأنّه مع جفاف الأعضاء حيث يكون مستندا إلى الفصل فيخلّ بالموالاة و إن كانت الموالاة عبارة عن التتابع العرفي.

*** [الثاني عشر: النية]

قوله (رحمه اللّه)

الثاني عشر: النية، و هى القصد إلى الفعل مع كون الداعى أمر اللّه تعالى، إمّا لأنّه أهل للطاعة و هو أعلى الوجوه، أو لدخول الجنة و الفرار من النار و هو ادناها و ما بينهما متوسطات و لا يلزم التلفظ بالنية، بل و لا اخطارها بالبال، بل يكفى وجود الداعى في القلب بحيث لو سئل عن شغله يقول أتوضأ مثلا و أما لو كان غافلا بحيث لو سئل بقى متحيّرا فلا يكفى و إن كان مسبوقا بالعزم و القصد حين المقدمات، و يجب استمرار النية إلى آخر العمل، فلو نوى الخلاف أو تردّد و أتى ببعض الأفعال بطل إلّا أن يعود إلى النية الاولى قبل فوات الموالاة، و لا يجب نيّة الوجوب و الندب لا وصفا و لا غاية، و لا نيّة وجه الوجوب و الندب بأن يقول:

أتوضأ الوضوء الواجب أو المندوب، أو لوجوبه أو ندبه، أو أتوضأ لما فيه من المصلحة، بل يكفى قصد القربة و اتيانه لداعى اللّه، بل لو نوى أحدهما في موضع الآخر كفى إن لم يكن على وجه التشريع أو التقييد، فلو اعتقد دخول الوقت فنوى الوجوب وصفا أو غاية ثم تبيّن عدم دخوله صحّ إذا لم يكن على وجه

142

التقييد و إلّا بطل كأن يقول: أتوضأ لوجوبه و إلّا فلا أتوضأ.

(1)

أقول: و التكلم في هذه المسألة يقع في طى امور:

الأمر الأوّل: في أنّ النيّة جزء للوضوء

و كذا لسائر العبادات أو شرط له الظاهر كونها شرطا، لأنّ الجزء يتحقق منه و من غيره الكل، فالمؤلف من الأجزاء و هو المركب، يكون عبادة لا بد فى حصولها من القصد و إتيانه بداعى الأمر فهى، أمر خارج عن العبادة تعتبر فيها، و على كل حال لا ثمرة فى البحث عن كون النية جزء أو شرطا ثمرة عمليّة، و معنى شرطيتها ليس الّا انّ صيرورة الفعل العبادى فعلا اختياريا يستند إليه و صادرا منه بعنوان العبادية تحتاج إلى النية، أعنى: القصد يعنى إتيان الفعل بداعى الأمر.

الأمر الثاني: قال المؤلف (رحمه اللّه): النية

و هي القصد إلى الفعل مع كون الداعى أمر اللّه تعالى، فللكلام جزان الأول القصد إلى الفعل، و الثاني كون هذا القصد و داعيه أمر اللّه تعالى.

أمّا اعتبار القصد إلى الفعل فلا إشكال فيه لأنّه بعد ما لا يعنون العنوان القصدى بعنوانه في الخارج إلّا بالقصد، فلا بدّ لصيرورة الفعل معنونا بالعنوان من القصد.

حيث إنّه بعد قابلية الفعل لأن يكون منطبق عنوانين أو عناوين فتعنونه بأحد من العناوين يحتاج إلى القصد، مثلا إذا كان القيام، و هو فعل من الأفعال، قابلا لانطباقه بعنوان التعظيم و قابلا لانطباقه بعنوان الاستراحة، لا يعنون باحد العنوانين إلّا بالقصد، فلا بد من وقوعه منطبق أحدهما من قصد أحدهما، و غسل الوجه‌

143

و اليدين في الوضوء، و كذا المسح فيه قابلا لكونه للوضوء و قابلا لكونه للتبريد، أو لدفع الوسخ و التطهير، فلا بدّ في كونه وضوءا من قصد الوضوء فيه.

و مما قلنا من أنّ القصد معتبر فى الامور التى تقع بالعنوان المقصود بالقصد و معنونا بعنوانه، يظهر بأنّ ما فى مصباح (1) الفقيه من التمسك بما رواه (2) حريز عن زرارة و محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) (قال: إنّما الوضوء حدّ من حدود اللّه ليعلم اللّه من يطيعه و من يعصيه، و إنّ المؤمن لا ينجّسه شي‌ء، إنّما يكفيه مثل الدهن) لا يدل على اعتبار قصد التقرب، لأنّ ما يستفاد من الرواية هو أنّ الوضوء مأمور به و ربما يحصل به إطاعة اللّه و هو وسيلة الامتحان لمن يطيعه و من يعصيه، و هذا لا يدل على أنّ الا طاعة فى الوضوء لا يحصل بمجرد إيقاع المأمور به، أو يحصل بايقاعه مع قصد الأمر، و أنّ امتثاله هل يحصل بحصول المامور به كيف اتفق، أو لا يحصل امتثاله إلّا بقصد الأمر، و لو فرض دخل القصد فى تعنون عنوان الغسلتين و المسحتين بتعنون الوضوء، فهو من باب كون القصد سببا لتعنونه، و هذا القصد غير قصد التقرب لإمكان قصد الوضوء و قصد إتيانه، لكن لا بداعى الأمر و التقرب‌

و مما مرّ يظهر أنّ اعتبار بعض الخصوصيات فى النية مثل الظهريّة و العصريّة مثلا فى نية الصلاة يكون من باب ما قلنا من احتياج تحقق الوضوء القصدية فى الخارج إلى القصد كما يأتى إنشاء اللّه فى محلّه.

و أمّا كون القصد و الداعى أمر اللّه تعالى فلأنّ الوضوء عبادة و يعتبر في العبادة قصد الأمر، و كون الداعى أمر اللّه تعالى، و قد‌

ذكر في وجه عبادية الوضوء وجوه:

____________

(1) مصباح الفقيه، ج 2، ص 126.

(2) الرواية 1 من الباب 52 من ابواب الوضوء من الوسائل.

144

الوجه الأوّل: و هو العمدة، بل هو الدليل التّام، الاجماع

على كون الوضوء عبادة، بل عدّ بعض كون ذلك من ضروريات المذهب.

الوجه الثاني: بعض الآيات

مثل قوله تعالى: يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّٰهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ. (1)

وجه الاستدلال أن الآية تدل على وجوب اطاعة اللّه، و هى لا تحصل الّا باتيان المأمور به بداعى امره.

و فيه انّ الامر فى الآية ارشاديّا، فيرشد إلى ما يحكم به العقل من وجوب اطاعة اللّه و رسوله و اولى الامر، مضافا الى انه إن كان الامر فى الآية مولويّا ليس مفاده الّا اطاعة امرهم فى مقابل المعصية، فإن كان الامر تعبديّا فاطاعته اتيانه مع قصد الامر، و إن كان توسليا فاطاعته تحصل باتيان المأمور به فقط فلا يمكن إثبات تعبدية الامر من الآية الشريفة.

و مثل قوله تعالى: وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفٰاءَ وَ يُقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ يُؤْتُوا الزَّكٰاةَ وَ ذٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ (2).

وجه الاستدلال أنّ مفاد الآية، و اللّه أعلم، هو انّ الناس ما امروا إلّا لغاية، و هي عبادة اللّه في حال يخلصون له القصد فيكون (لام) في قوله (ليعبدوا) للغاية، و المراد بقوله (الدين) النيّة.

و فيه أنّه قد فسّر، كما عن بعض المفسرين، الآية بالتوحيد أى: لم يأمرهم إلّا ليعبدوا اللّه وحده لا يشركون بعبادته: مضافا إلى ان الظاهر ان كلمة (لام) في قولة‌

____________

(1) سورة نساء، الآية 59.

(2) سورة البينة، الآية 5.

145

تعالى (ليعبدوا) تكون بمعنى كى كما حكي مثل قوله تعالى إِنَّمٰا يُرِيدُ اللّٰهُ لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَ يُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيراً و غير ذلك، كما أن الظاهر من (الدين) هو ما يتدين به لا القصد، كما أن ظاهر الآية هو أنّ قوله تعالى وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ أمر الناس بالاصول، و قوله تعالى وَ يُقِيمُوا الصَّلٰاةَ الخ امرهم بالفروع.

و مع قطع النظر عما قلنا إن كان المراد من الآية الشريفة ما ادعى من الأمر بقصد التقرب في المأمور به يلزم تخصيص الأكثر لعدم وجوب قصد الأمر في أكثر الواجبات أعنى: التوسليات.

الوجه الثالث: بعض الروايات و هو طائفتان:

الطائفة الاولى: ما يدل على أنّه لا عمل إلّا بنيّة.

منها ما رواها أبو حمزة عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: لا عمل إلّا بنية (1).

و منها ما رواها أبو عثمان العبدى عن جعفر عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم: لا قول إلّا بعمل، و لا قول و لا عمل إلّا بنية، و لا قول و عمل و نية إلّا باصابة السنة (2).

و منها ما رواها أبو حمزة الثمالى عن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: لا حسب لقرشى و لا عربى إلّا بتواضع، و لا كرم إلّا بتقوى، و لا عمل إلّا بنية، و لا عبادة إلا بتفقه‌

____________

(1) الرواية 1 من الباب 5 من ابواب مقدمة العبادات من الوسائل.

(2) الرواية 2 من الباب مقدمة العبادات من الوسائل.

146

الحديث (1)، و لعلها متحدة مع الرواية الاولى، غاية الأمر ذكر في الاولى بعض الرواية‌

منها ما رواها علي بن حمزة عن أبيه عن الرضا عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم (لا حسب إلّا بالتواضع، و لا كرم إلّا بالتقوى، و لا عمل بنية (2).

الطائفة الثانية: ما يدل على أن الأعمال بالنيات.

منها ما رواها أبو المفضّل عن أحمد بن إسحاق بن العباس الموسوى عن أبيه عن اسماعيل بن محمد بن إسحاق بن محمد قال حدثني علي بن جعفر بن محمد و علي بن موسى بن جعفر هذا عن أخيه و هذا عن أبيه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم في حديث قال: إنّما الاعمال بالنيات، و لكل امرئ ما نوى، فمن غزى ابتغاء ما عند اللّه فقد وقع اجره على اللّه عزّ و جلّ، و من غزى يريد عرض الدنيا أو نوى عقالا لم يكن له إلّا ما نوى (3).

و منها ما رواها محمد بن الحسن الطوسى (رحمه اللّه) قال: روى عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم أنّه قال: انّما الاعمال بالنيات، قال: و روى أنّه قال: إنّما الأعمال بالنيات، و انما لامرئ ما نوى (4).

وجه الاستدلال هو دلالة الطائفة الاولى على أنّ العمل يصير عملا بالنية و المراد بالنية هو قصد الأمر، و دلالة الطائفة الثانية على أن الاثر المرغوب من الاعمال هو حصول الاطاعة، و ترتب الثواب على الاطاعة يحصل بالنية، و النية قصد الأمر.

____________

(1) رواية 3 من الباب 5 من ابواب مقدمة العبادات من الوسائل.

(2) الرواية 9 من الباب 5 من ابواب مقدمة العبادات من الوسائل.

(3) الرواية 10 من الباب 5 من ابواب مقدمة العبادات من الوسائل.

(4) الرواية 6 و 7 من الباب 5 من ابواب مقدمة العبادات من الوسائل.

147

و فيه أن هذه الأخبار تكون في مقام بيان اعتبار الاخلاص في العبادة و عدم الاثر لها مع عدمه من كونه للرياء و غير ذلك مما لا يكون ابتغاء وجه اللّه، فليست مربوطة بالمقام، و هو كون العمل عبادة محتاجا إلى قصد التقرب.

و إلّا لو كانت في مقام بيان اعتبار قصد التقرب في الأعمال فيلزم تخصيص الاكثر بالنسبة إلى عمومها، لأنّه على هذا مقتضى عمومها وجوب قصد التقرب في كل الاعمال، و الحال أن اكثر الاعمال الواجبة من التوصليات الغير المعتبرة فيها قصد التقرب، فيلزم التخصيص الاكثر المستهجن، فلا يمكن القول بعمومها فلا يتم الاستدلال بهذه الأخبار.

فالعمدة في كون الوضوء من العبادات هو الاجماع.

الأمر الثالث: أنّه بعد ما يكون الفعل الصادر من الفاعل

العاقل المختار لوجود الداعى إلى فعله، لعدم امكان صدور الفعل من العاقل المختار بلا داع من الدواعى، فاتيان الفعل العبادى من العبد و إن كان لأمر المولى، لكن يكون الداعى إلى إطاعة المولى مختلفا.

فقد يكون داعى العبد إلى امتثال مطلوب المولى نفس أهلية المولى للعبادة كما هو المنقول عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: (ما عبدتك خوفا من نارك، و لا طمعا في جنتك، و لكن وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك (1).

أو حبه لجنابه تعالى كما يستفاد مما رواها هارون بن خارجة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: العبادة (ان العبّاد) ثلاثة قوم عبد اللّه عزّ و جل خوفا فتلك عبادة‌

____________

(1) رواها مرسلا الكافى في باب نية العبادة من ابواب جنود الايمان في ذيل الرواية الاولى.

148

العبيد، و قوم عبدوا اللّه تبارك و تعالى طلب الثواب فتلك عبادة الأجراء، و قوم عبدوا اللّه عزّ و جلّ حبّا له فتلك عبادة الاحرار، و هي أفضل العبادة (1).

و ما رواها يونس بن ظبيان قال: قال الصادق جعفر محمد (عليهما السلام): إنّ الناس يعبدون اللّه عزّ و جلّ على ثلاثة أوجه: فطبقة يعبدونه رغبة في ثوابه فتلك عبادة الحرصاء و هو الطمع، و آخرون يعبدونه خوفا من النار فتلك عبادة العبيد و هي الرهبة، و لكنى أعبده حبّا له عزّ و جل فتلك عبادة الكرام و هو الآمن لقوله عزّ و جلّ وَ هُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ و لقوله عزّ و جلّ قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّٰهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّٰهُ وَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ فمن أحبّ اللّه عزّ و جلّ أحبه اللّه، و من أحبه اللّه كان من الآمنين (2).

أو شكرا للّه تعالى كما يستفاد مما روى السيد الرضى (رحمه اللّه) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انّه قال: إن قوما عبدوا اللّه رغبة فتلك عبادة التجار، و إن قوما عبدوا اللّه رهبة فتلك عبادة العبيد، و إن قوما عبدوا اللّه شكرا فتلك عبادة الاحرار (3).

أقول و قال المؤلف (رحمه اللّه): إنّ كون الداعى إلى اطاعة أمر اللّه تعالى هو كونه أهلا للعبادة هو أعلى الوجوه‌

و ما يمكن التمسك به المرسلة المذكورة المنسوبة إلى امير المؤمنين (عليه السلام) قال في ضمن كلامه (بل وجدتك أهلا للعبادة فعبدتك) و المستفاد منه كون عبادته له تعالى لأهلية جنابه للعبادة.

و المستفاد من رواية هارون و يونس المتقدمتين هو أن أفضل الوجوه في‌

____________

(1) الرواية 1 من الباب 9 من أبواب مقدمة العبادات من الوسائل.

(2) الرواية 2 من الباب 9 من أبواب مقدمة العبادات من الوسائل.

(3) الرواية 3 من الباب 9 من ابواب مقدمة العبادات من الوسائل.

149

العبادة كون الداعى حبّ اللّه تعالى لأن في الاولى قال (عليه السلام) (و قوم عبدوا اللّه عزّ و جلّ حبّا له فتلك عبادة الاحرار و هي أفضل العبادة.)

و قال في الثانية (و لكنى أعبده حبّا له عزّ و جل) و من المعلوم أن الصادق (عليه السلام) يأخذ بأفضل الوجوه.

و المستفاد من الرواية المذكورة في نهج البلاغة المتقدمة هو كون الداعى إلى اطاعة أمر المولى الشكر له أفضل الوجوه في العبادة لأنّ فيها قال (عليه السلام) (و إن قوما عبدوا اللّه شكرا فتلك عبادة الاحرار.)

فهل يكون منافات بين الروايات لأنّه من بعضها يستفاد كون افضل الدواعى العبادة لكونه تعالى اهلا للعبادة و من بعضها لحبه تعالى و من بعضها لشكره تعالى، أو لا منافاة بينها؟

أقول: أمّا بحسب ملاحظة حكم العقل فلا إشكال في كفاية كون الداعى واحدا من الأمور الثلاثة، و لا يبعد تساوى كون الداعى للاطاعة أهلية اللّه تعالى للعبادة مع كون الداعى حبّه عزّ و جلّ، بل كذا إذا كان الداعى شكره تعالى، لأنّ من يشكره يعلم أهليّته، و يمكن أن يقال: بكون داعى الشكر أنزل من كون الداعى أهليته او حبّه، و يأتى الكلام فيه عن قريب‌

و أمّا بمقتضى الاخبار المذكور فنقول بعونه تعالى: لا يبعد عدم المنافاة بينها، إذ من بلغ مقام معرفته بمقام يعرف أنّ اللّه تعالى أهلا للعبادة فيحبّه أيضا لأنّ أهليّته ليس إلّا لأنّه الجامع للصفات الجلالية و الجمالية و انّه المنعم على العباد، فكل ما يحبّه من الكمال فهو فيه فيحبه و يشكره، فإن قاله امير المؤمنين (عليه السلام) مع ماله من المعرفة باللّه تعالى حتى لو كشف الغطاء فرضا لم يزده يقينا، فهو يطيع اللّه بأفضل الدواعى، كما أنّه لو كان يعبده شكرا كان بأشرف الدواعى.

150

و إن كان جعفر الصادق (عليه السلام) يعبده حبّا له فهو بأشرف الدواعى، و بعبارة اخرى عباراتنا شتّى و حسنك واحد، و يدل عليه أنّ مقتضى رواية هارون بن خارجة كون العبادة بداعى الحب عباده الأحرار، كما أنّ مقتضى ما روى فى نهج البلاغة كون العبادة بداعى الشكر عباده الأحرار، و هذا شاهد على أنّ كلا من الداعيين بوزان واحد، لأن كلا منهما عبادة الاحرار.

و لكن يمكن أن يقال كما أشرنا إنّ الاطاعة بعنوان داعى الشكر أنزل مرتبة من كون الداعى أهلية أو حبّه، لأنّ من يأتي بداعى الشكر يلاحظ جهات من النعم التي أنعم اللّه تعالى عليه، فهو أنزل ممن لا يرى في إطاعته إلّا أهليته أو حبّه لجنابه.

أقول: كما يمكن أن يقال: إنّ الاطاعة بداعى الشكر يكون مشوبا بما يلاحظ العبد لنفسه من النعم الواصلة إليه، كذلك يمكن أن يكون الاطاعة بداعى أهليّته أو حبه مشوبا بذلك، لأنّ من وجوه أهليته و حبّه هو ما أبدعه فيه و أعطى به.

فالحق أنّ في كل منها ما هو الداعى هو اللّه تعالى، لا ما يرد عليه من الفيوضات و إن كان موردا للنعم و الفيوضات فلا فرق بين هذه الدواعى.

و على كل حال لا إشكال في كفاية كون الداعى إلى اطاعة أمر اللّه تعالى أحد هذه الأمور الثلاثة.

و إن أبيت عما قلنا من عدم منافاة بين الدواعى الثلاثة نقول: بأن الرواية الدالة على أن أفضل المراتب أهليته تعالى، و كذا الرواية الدالة على أن الأفضل داعى الشكر تكونان مرسلتين، فتبقى الروايتان الدالتان على كون أفضل الدواعى هو حبّ اللّه تعالى.

و قد يكون الداعى إلى اطاعة أمره تعالى التقرب إلى جنابه، و من المعلوم انّه‌

151

ليس المراد من القرب القرب المكانى لاستحالة ذلك بل المقصود القرب المعنوى.

و قد يكون الداعى إلى إطاعة أمر المولى الشوق إلى الجنة أو الفرار من النّار و قد وقع الخلاف كما ترى في كلماتهم في الاكتفاء في مقام الاطاعة بأحد من الداعيين، أعنى: داعى الشوق إلى الجنة، و داعى الفرار من النار، و عدم الاكتفاء به.

فنقول: إنّه تارة يكون الداعى إلى الامتثال و اتيان المأمور به نفس أحدهما بدون توسيط طاعة اللّه تعالى، فلا ينبغى الاشكال في عدم الاكتفاء به، لأنّه لا يريد بعمله اطاعة اللّه تعالى، بل إمّا يريد الفوز الى الجنة، أو النجاة من النار.

و تارة يكون الداعى إلى امتثال امر المولى إطاعته كى يفوز بسبب اطاعته بالجنة، أو ينجى من النار، أو كل منهما، فلا ينبغى الاشكال في كفايته لأنّه يريد إطاعة المولى، و من اطاعة جنابه يطلب أحدهما، فإن كان داعيه احدهما يكون من باب أن إطاعة الأمر يوجب الوصول به، لا أنّه يطلبه حتى بدون توسيط الاطاعة، بل يطلبه بتوسيط اطاعة امره تعالى فلا إشكال في كفايته.

و وجه الكفاية أن ما يكون شرطا في العبادة ليس إلّا كون الداعى اطاعة أمر المولى و هو حاصل في المقام، و إن كان أثر الاطاعة الفوز بالجنان، أو النجاة من النار.

و الشاهد على عدم مضرّية النظر إلى أحدهما في طول الاطاعة ما ورد من الوعد و الوعيد في الآيات و الأخبار الكثيرة لترغيب الناس و تحذيرهم، و ليس ذكرها إلّا لايجاد الداعى للعبد على امتثال أوامر المولى و نواهيه.

و أيضا ما ورد في الروايات المتقدمة من تقسيم العبادة على ثلاثة أقسام: قسم للفوز بالجنان، و قسم للنجاة عن النار، و قسم لكون اللّه تعالى أهلا للعبادة، أو‌

152

لحبه، أو لشكره، و جعل القسم الثالث أفضل مراتب العبادة، فهو دليل على أن العبادة و الاطاعة إذا كانت بداعى الفوز بالجنان، أو النجاة من النار تكون فيها الفضل، و لو لم يكن الداعى من الاطاعة أحدهما كافيا كان المناسب أن يقول: بأنّ القسم الثالث فيه الفضل فقط، فكل ذلك شاهد على كفاية كون الداعى أحدهما بتوسيط اطاعة اللّه تعالى و ترتبها على الإطاعة.

الأمر الرابع: هل يجب التلفظ بالنية أو لا يحب ذلك؟

أقول: ما يرى من الأقوال فى المسألة ثلاثة: قول بعدم وجوبه و الالتزام باستحباب التلفظ بها، و قول باستحباب الاخطار على القلب، و قول بعدم الوجوب و لا استحباب التلفظ إلّا ما دل الدليل على استحبابه مثل استحبابه في أفعال الحج و لا كراهة التلفظ و لا حرمته إلّا ما يقال من أنّ الاحتياط ترك التلفظ فى الصلاة، و عدم جوازه فى خصوص صلاة الاحتياط، و يأتى الكلام فيه إنشاء اللّه فى الصلاة، و هذا القول، و هو القول بعدم وجوب التلفظ بالنية في الوضوء، و جواز التلفظ به، لعدم الدليل على وجوب التلفظ، و عدم الدليل على عدم جواز التلفظ بها من ناحية الشارع، فمع عدم حكم العقل و لا ورود النقل لو شك في اعتبار التلفظ في النية يكون مقتضى أصالة البراءة عدم وجوبه.

الأمر الخامس: هل يعتبر الاخطار بالبال في النية،

أو يكفى وجود الداعى في القلب.

اعلم أن الفعل الصادر من الفاعل المختار مسبوق بتصور الفعل و ملاحظة جهاته من المصالح و المفاسد، ثم بعد ذلك إذا يرى الشخص وجوب المصلحة فيه بلا مفسدة، أو كون مصلحته اقوى من مفسدته يحصل له الشوق المؤكّد إلى الفعل و يريده و يعزم على فعله.

153

و يظهر من بعض الكلمات أنّ من يقول بكون النية الاخطار بالبال يقول:

إنّ هذه الإرادة التفصيلية المخطورة بالبال هى النية، و معنى كون النية الاخطار بالبال هو هذا و معنى استدامة النية هو بقاء الإرادة الاجمالية الارتكازية من باب عدم إمكان حفظ الإرادة التفصيلية إلى آخر العمل.

و أن من يقول بكونها الداعى يريد من الداعى هو ما يبقى مركوزا في الذهن بعد الإرادة التفصيلية التي حصلت بعد تصور الشي‌ء و جهاته على أن يعمل العمل فمعنى استدامة النية على هذا هو بقاء هذا الداعى المركوز في الذهن إلى آخر العمل.

و يقال: إنّه على القول بكون النية الاخطار بالبال لا بدّ من وجود الإرادة التفصيلية حال الشروع في نفس العمل المخطورة بالبال.

و أمّا على القول بكونها الداعى فلا يلزم ذلك، بل يكفى الداعى الحاصل من الإرادة التفصيلية المخطورة بالبال حين الشروع ببعض مقدمات العمل؛

فعلى هذا يكون الفرق بين كون النية الاخطار بالبال و بين كونها الداعى هو أنّه على الأوّل لا بدّ من وجود الإرادة التفصيلية حين الشروع في نفس العمل، و بعد الشروع في العمل لا بدّ من بقاء الإرادة الاجمالية إلى آخر العمل.

و السر في كفاية بقاء الإرادة الاجمالية بقاء هو استحالة بقاء الاراده التفصيلية إلى آخر العمل، و هذا معنى كفاية الاستدامة الحكمية.

و أمّا على الثاني فيكفى وجود الداعى المنبعث عن الإرادة التفصيلية حال الشروع في بعض مقدمات العمل و لو لم تكن الإرادة التفصيلية موجودة حال الشروع في نفس العمل، و لزوم وجود بقاء هذا الداعى إلى آخر العمل، فعلى الثاني لا فرق بين حال الشروع في العمل و بين أثناء العمل إلى تمام العمل في لزوم كفاية‌

154

وجود الداعى و عدم لزوم الإرادة التفصيلية.

و ما بينا في مقام بيان المراد من الاخطار بالبال او الداعى هو المحكى عن الشيخ المرتضى (رحمه اللّه) و لا فائدۀ في البحث أزيد من ذلك في بيان حقيقة المراد من الاخطار أو الدعى، و أنّ ما نسب إلى المشهور من أن النية هو الإخطار بالبال صحيح أو لا.

بل ما ينبغى التكلم فيه هو البحث أوّلا عن النية بنظر العرف و العقلاء، و أنهم يعتبرون أىّ شي‌ء فيها، ثم البحث ثانيا في أنّ الشارع هل تصرف فيما هو نظر العقلاء في مقام النية التى دخيلة في صدق الاطاعة أم لا؟

فنقول بعونه تعالى: أما النية بنظر العرف و العقلاء في امورهم فليس إلّا ما يكون المحرك و الداعى الى الفعل بحيث لو سئل عنه لم أقدمت على هذا الفعل يقول:

الداع الكذائى، فمن يتصور مثلا اللحم، و يتصور وجود المصلحة في شرائه من السوق يحصل له الشوق إلى شرائه و هذا الداعى يوجب لأن يقوم بعد هذه الإرادة التفصيلية و يروح إلى السوق، و معنى كونه مريدا لشراء اللحم ليس إلّا وجود هذا الداعى بحيث لو سئل عنه: أين تروح؟

يقول: لشراء اللحم، و لا يصير معطّلا في الجواب، و إن لم يكن له حين شراء اللحم هذه الاراده التفصيلية، بل يكفى كونه مركوزا فى ذهنه، فيقال لهذا الشخص أنّه مريد لشراء اللحم، و انّ فعله كان مع النية، هذا حال العقلاء.

و كما هو حالهم يحكمون بأن النية اللازمة في صدق اطاعة الأمر ليست إلّا هذا، لعدم فرق عندهم بين العبادات و بين غيرها من الأفعال الاختيارية إلّا في احتياج العبادات إلى كون الداعى إطاعة امر اللّه تعالى، و أمّا فى كيفية صيرورة الفعل اختياريّا بالنية فلا فرق بين العبادات و غيرها؛

155

و بعد ما يحكم العقل و العقلاء بكفاية هذا المقدار تصل النوبة إلى ما قلنا ثانيا، و هو أنّه هل ورد تصرف من الشرع، تضييقا أو توسعة، أو لا؟

فالمراجع يرى عدم ورود تصرف في النية من قبل الشارع، فيكون حكم العقل في باب الاطاعة و المعصية لو لا تصرف الشرع متبعا، فتكون النتيجة كفاية الداعي في القلب بحيث لو سئل عن شغله يقول مثلا أتوضأ لوجود الإرادة الارتكازية موجودة له.

نعم لو لم تبق الإرادة الارتكازية أعنى: الداعى، بحيث لو سئل عن شغله يصير متحيرا، فلا يكفى و إن كان مسبوقا بالعزم و القصد حين الشروع في بعض مقدماته، لعدم صدق الاطاعة في هذه الصورة.

و مما مر من كفاية الداعى يظهر لك أن من يقول: بكون النية هي الاخطار بالبال و مع هذا يقول بكفاية الإرادة الاجمالية الارتكازية بقاء الذي عبّرنا عنها بالداعى شاهد على كفاية الداعى مطلقا، لعدم فرق بين حال الشروع و أثناء العمل عند العقلاء.

و ليس الاكتفاء بالداعى بقاء من باب استحالة الإرادة التفصيلية بقاء، بل يكون من باب كفاية الداعى و الإرادة الارتكازية مطلقا شروعا و بقاء في صدق النية المعتبرة في باب العبادة و الاطاعة.

الامر السادس: و يجب استمرار النية إلى آخر العمل

لأنّه بعد اعتبارها في العبادة فهى معتبرة في تمام العبادة و هذا في الجملة لا إشكال فيه.

كما لا كلام في بطلان الوضوء فيما نوى الخلاف في اثناء الوضوء او تردد و لم يعد الى النية الاولى حتى فقدت الموالاة المعتبرة فى الوضوء لأنّه على الفرض نوى‌

156

الخلاف او تردد و لم يرجع الى النيّة الاولى حتى فقدت الموالاة المعتبرة فالبطلان في هذه الصورة مسلم سواء نقول بمضرية نية الخلاف أو ترديده في النية و إن رجع الى النية الاولى أو لم نقل بها لان هذا الوضوء باطل مسلما و لا اقل من جهة فقد الموالاة المعتبرة فيه.

انما الكلام فيما نوى الخلاف اثناء الوضوء أو تردد ثمّ عاد إلى النية الاولى قبل فقد الموالاة فهل يصح وضوئه أو لا.

و الكلام فيه في موردين:

المورد الأوّل: ما نوى الخلاف في الاثناء أو تردد و بعد الاخلال بنيّته لم يأت جزء من الوضوء؛

و المورد الثاني: ما إذا أتى بجزء بعد نيّة الخلاف أو التردد.

أمّا الكلام في المورد الأوّل

فنقول:

إنّ الكلام ليس هنا في مطلق العبادات، و أنّه تبطل العبادة بنيّة الخلاف، أو التردد أم لا، حتى يقال: بأنه لا يمكن الالتزام بعدم مبطلية نيّة الخلاف في مطلق العبادات بل العبادة إن كانت أمرا واحدا مستمرا تبطل بنية الخلاف، أو التردد كالصوم، فإن نية الخلاف يبطله، بل الكلام يكون في المقام في خصوص الوضوء، فهل يبطل بنية الخلاف، أو التردد أم لا؟

أقول: ما يمكن أن يكون وجها لعدم بطلان الوضوء.

امّا دعوى (1) أنّ استمرار النية غير معتبر في الوضوء، بل غاية ما يجب هو وجود النية حين اتيان كل جزء جزء منه، فإذا أتى بكل جزء مع داعى القربة كفى‌

____________

(1) المستمسك، ج 2، ص 465.