ذخيرة العقبى في شرح العروة الوثقى - ج6

- الشيخ علي الصافي الگلپايگاني المزيد...
458 /
157

و إن يخلل بالنية بين الفراغ عن جزء و قبل الشروع في جزء آخر.

و امّا دعوى (1) أنّ الوضوء ليس فعلا واحدا مستمرا، بل أفعالا متعددة، فلا تصر نية الخلاف، أو التردد بين فعل و فعل آخر.

و امّا دعوى (2) أن الوضوء و إن كان شيئا واحدا ذا أجزاء و شرائط، لكن الواجب نفس الأجزاء بالاسر، لا أن يكون الواجب الأجزاء مع الجزء الآخر الصورى المعبّر عنه بالهيئة الاجتماعية، أو الهيئة الاتصالية.

فبعد كون الواجب نفس الأجزاء و هى الغسلتان و المسحتان، فالمعتبر وجود النية فيها و لا يضرّ نيّة الخلاف و التردد الواقع بين الغسلات و المسحات إذا عاد إلى نيّته فيما بقى من أجزاء الوضوء.

أقول: يمكن أن يقال: بأنه بعد ما لا إشكال في اعتبار الموالاة في الوضوء فالمستفاد من اشتراطها كون الوضوء بأجزائه شيا واحدا، فلا بدّ من توالى بعض أجزائه ببعض، و أنّ المعتبر فيه جهة اتصال ينافيها فقد الموالاة، و اعتبار الموالاة فيه يكون لأجل دخل الهيئة الاتصالية.

و الشاهد على ذلك ما فى رواية أبي يصير المتقدمة في بحث اشتراط الموالاة من ذكر العلة لاعتبار الموالاة المعبّر عنها بعدم يبوسة الأجزاء السابقة بقوله (عليه السلام) (فإنّ الوضوء لا يبعّض) فإن المستفاد من هذه هو أنّ اعتبار عدم الجفاف يكون لأجل أنّ الوضوء ليس قابلا للتبعيض، و هذا ليس إلّا بمعنى أن الوضوء شي‌ء واحد من أوّله الى آخره، و لا يتحقق وحدته إلّا باتصال الجزء المتأخر بالجزء المتقدم و معنى ذلك‌

____________

(1) العلامة الآملى، المصباح الهدى ج 3، ص 432 نقلا فى كتابه ربما ينسب القول بالبطلان الى بعض.

(2) العلامة الآملى المصباح الهدى، ج 3، ص 433.

158

ليس إلّا اعتبار هيئة اتصاليه فيه.

و فيه أن غاية ما يستفاد من اعتبار الموالاة و الرواية المذكورة هو أن الوضوء شي‌ء واحد و مركّب فارد، ذو الاجزاء و الشرائط و يعتبر فيه النية، و مقتضى اعتبار النية وجودها في تمام أجزائه، فما دام لم يثبت أن له جزءا صوريا غير الأجزاء و هو الهيئة الاتصالية، فلا يمكن إثبات وجوب بقاء النية في الآنات و الازمنة المتخللة بين الأجزاء حتى يضرّنيه الخلاف، أو التردد في هذه الآنات، فلا وجه لكون نيّة الخلاف أو التردد بعد فعل بعض الأجزاء و قبل الشروع فيما بعده من الأجزاء مبطلة للوضوء إذ عاد إلى نيته حال إتيان بعض الأجزاء الباقية.

المورد الثاني: فيما إذا أتى ببعض أجزاء الوضوء، ثم نوى الخلاف،

أو تردد في النية و اتى بعض أجزاء الوضوء في حال نية الخلاف أو التردد.

فتارة يكتفى بهذا الجزء الذي أتى به حال الاخلال بالنية، أو التردد، و لم يعده بعد الرجوع إلى النية الاولى، فلا إشكال في بطلان الوضوء، لأنّه أتى بجزء منه بلا نية.

و تارة يأتي به بعد الرجوع إلى النية الأوّل فله فرضان:

الفرض الأوّل: أن لا يخلّ بشرط آخر مثل الموالاة، ففي هذا الفرض لا يبطل، الوضوء لأنّه أتى به مع النية و لم يقع شي‌ء آخر يوجب بطلان الوضوء.

الفرض الثاني: أن يصير سببا للاخلال بشرط آخر مثل الموالاة، فيبطل الوضوء لفقد شرط الموالاة.

الأمر السابع: هل يجب في النية نية الوجوب و صفا أو غاية أم لا؟

و معنى نية الوجوب و صفا هو أن ينوى الوضوء الواجب، أو الوضوء المستحب.

159

و معنى نية الوجوب غاية هو أن ينوى الوضوء لوجوبه أو لاستحبابه.

و الظاهر عدم وجوب نيتهما، أمّا عقلا فلعدم دخل قصدهما في صدق الاطاعة، و أمّا شرعا فلعدم الدليل عليه، و بعد كون نظر العقل في باب الاطاعة و المعصية متبعا لو لم يرد تصرف سعة أو ضيقا من الشارع، فيكفى عدم ورود الدليل من الشارع فلا يجب نيتهما.

بل يمكن التمسك على عدم اعتبار نيتهما بالإطلاق المقامى، لأنّه بعد عدم حكم العقل بدخل نيتهما فى الاطاعة و كونهما مغفولا عنهما عند العامة، فلو كانت نيتهما معتبرة عند الشارع كان عليه البيان، فمن عدم بيانه نكشف عدم اعتبارهما.

و قد نسب إلى المشهور من القدماء اعتبار قصد الوجوب و الندب و صفا و غاية، و استندوا على اعتبارهما ببعض الامور فنذكرها لك.

منها أن الفعل الذي يكون قابلا للتعنون بعناوين متعددة و وجوه مختلفة لا يصير معنونا بواحد منها و لا وجه من هذه الوجوه إلّا بمعيّن و هو النية و إلّا يلزم الترجيح من غير مرجح.

و الوضوء كذلك لقابلية الوضوء لان يقع معنونا بعنوان الوجوب و معنونا بعنوان الندب حيث يكون قابلا لأن يقع من هذا المكلف و لو فى غير هذا الوقت على وجه الندب و وقوعه في هذا الوقت على وجه الوجوب، فلا بدّ من قصد الوجوب كى يصير معنونا بعنوان الوضوء الواجب.

و فيه أولا مقتضى هذا الدليل على تقدير تماميته هو كفاية قصد واحد من الوجوب و صفا، او غاية لأنّ باحدهما يحصل التعيين، فاذا قصد الوضوء الواجب يتعين و لا حاجة إلى قصد الوضوء لوجوبه، فلا يصح الاستدلال بهذا الوجه لوجوب‌

160

قصد كل من الوجوب و صفا و غاية.

و ثانيا مقتضى هذا الدليل على تقدير تماميته لزوم تعيين الوضوء القابل لتعنونه بأكثر من عنوان واحد بمعين، و لا يستفاد من هذا الدليل كون المعيّن هو قصد الوجوب و صفا و غاية فقط، بل يكتفى بتعيينه بمعين آخر أيضا، مثلا يقصد الوضوء للصلاة الحاضر وقتها.

و ثالثا ليس الكلام في اعتبار قصد الوجوب و صفا أو غاية لاحتياج المأمور به إلى التعيين، بل الكلام في اعتبار قصد هما بنفسهما مع قطع النظر عن لزوم التعيين.

و منها ان امتثال المأمور به لا يحصل الّا باتيانه بالنحو المطلوب، و هو لا يتحقق إلّا باتيان الواجب بقصد وجوبه و المندوب بقصد ندبه.

و وجهه أن تشريع فرد من الطبيعة واجبا و فرد منه مستحبا و فرد منه حراما ليس إلّا لاجل خصوصية أو خصوصيات يعلمها الشارع، مثلا جعل الصلاة للمكلف واجبا و للصبى مستحبا بناء على مشروعية عبادته و للحائض و النفساء حراما ليس إلّا لخصوصية أو خصوصيات، فمجرد تصور المأمور به مثلا الصلاة حين إتيانه لا يمتاز هذا الفرد من الفرد المستحبّ أو الفرد الحرام الا بقصد الوجوب أو الندب، فلا بدّ من قصد الوجوب و صفا و غاية.

و فيه انّ هذا الوجه إذا تأملت فيه ليس غير الوجه الأوّل، و هو لزوم تعيين المأمور به لأنّه لو سلّم ما قيل، فغايته لزوم القصد لأن يمتاز عما عداه، فالجواب ما قلنا عن الوجه الأوّل.

و منها أصالة الاشتغال لأنّه بعد اشتغال اليقينى بالوضوء و معلومية اشتراطه بالنيّة، فنشك في أنّه هل يتحقق الامتثال بدون قصد الوجوب و صفا و غاية أم‌

161

لا، فيحكم العقل بوجوب قصد هما لأن الاشتغال اليقينى يقتضي البراءة اليقينة.

و فيه أنّه كما عرفت لا يحكم العقل بدخل قصد الوجوب أو الندب في تحقق الاطاعة و انّه تحصل الاطاعة و إن لم يقصدهما، و لم يرد من الشرع دليل على اعتباره بل مقتضى الاطلاق المقامى عدم اعتباره، فلا يبقى شك في اعتباره حتى يتوهم كون المرجع أصالة الاشتغال.

و لو انتهى الأمر إلى الاصل العملى فالاصل هو البراءة، لأنّ الشك من الاقل و الاكثر الارتباطيين.

[لا يجب نية الوجوب و الندب]

قال المؤلف (رحمه اللّه)

و لا يجب نية الوجوب و الندب لا و صفا و لا غاية و لا نية وجه الوجوب و الندب بأن يقول أتوضأ الوضوء الواجب أو المندوب أو لوجوبه أو ندبه أو أتوضأ لما فيه من المصلحة الخ.

(1)

و هل غرضه انّه لا يجب نية وجه الوجوب و الندب تخييرا بينه و بين قصد الوجوب أو الندب و صفا و غاية لأنّ قوله‌

بأن يقول: أتوضأ الوضوء الواجب أو المندوب أو لوجوبه و ندبه) فرد من فردى التخيير، و قوله (أو أتوضأ لما فيه المصلحة) فرد آخر من فردى التخيير.

أو يكون غرضه من العطف بيان انّه لا يجب نية وجه الوجوب كما لا يجب نية أصل الوجوب و صفا و غاية الذي قد بينه قبل ذلك، ثم بعد ذلك بيّن كيفية نية أصل الوجوب و صفا و غاية بقوله (أن يقول: أتوضأ الوضوء الواجب أو المندوب) و هو بيان نية الوجوب و الندب و صفا (أو لوجوبه أو ندبه) و هو بيان نية الوجوب و الندب غاية (أو أتوضأ لما فيه من المصلحة) و هو بيان نية وجه الوجوب و الظاهر هذا.

162

و على كل حال يقع الكلام في اعتبار نية وجه الوجوب.

فنقول بعونه تعالى: اختلف في أن الاوامر و النواهى هل تكون تابعة للمصالح و المفاسد أم لا، فذهبت الاشاعرة إلى عدم التبعية للمصالح و المفاسد.

و ذهبت العدلية إلى تبعيّة الأوامر و النواهى للمصالح و المفاسد، و هم بين من يقول بتبعيّتها للمصالح و المفاسد في المأمور به و هم الاكثر، و بين من يقول بكفاية تبعيتها للمصالح و المفاسد في نفس الأمر و إن لم يكن في المأمور به ملاك و هو قول نادر.

إذا عرفت ذلك نقول: بأنه على القول الأول و هو قول الاشاعرة لا يكون وجه الوجوب أو الندب إلّا الأمر لان الأمر لا يتتبع ملاكا أصلا.

و أمّا على القول الثاني و هو قول العدلية فوجه الوجوب هو المصلحة الكامنة في الفعل المأمور به الموجبة لايجاب المأمور به كما قال المشهور من العدلية، أو في الأمر كما عليه نادر منهم.

ثم بعد ما عرفت ما هو المراد من وجه الوجوب عند العدلية يقع الكلام في مقامين:

المقام الأوّل: في أنّه هل يصح الاكتفاء بقصد وجه الوجوب أو الندب

في نية العبادة، مثلا يقصد إتيان الوضوء لوجود المصلحة فيه، أم لا؟

و له صورتان:

الصورة الاولى: صورة وجود الأمر الفعلى المتعلق بالمأمور به، مثل ما كان إذا وقت الصلاة فالأمر الفعلى المنجّز متعلق بها.

الصورة الثانية: في الاكتفاء به مع عدم وجود الأمر الفعلى المنجّز مثل ما إذا‌

163

كان الواجب مبتلى بالضد الأهم مثلا يكون وقت الصلاة و تجب ازالة النجاسة عن المسجد أيضا، فمع كون وجوب الإزالة أهمّ لا يكون الأمر الفعلى بالصلاة لأن الأمر بالشي‌ء لو لم يقتض النهى عن ضده يقتضي عدم الأمر بضده.

اما الكلام في الصورة الاولى

فمجمل القول فيه أن الداعى إلى الفعل تارة يكون نفس المصلحة الكامنة في الفعل بدون توسيط أمر المولى و إطاعته فلا ينبغى الاشكال في عدم كفايته لعدم كون صدور الفعل بداعى اطاعة اللّه تعالى.

و تارة يكون الداعى إلى الفعل المصلحة الكامنة فيه لكن بتوسيط أمر المولى و اطاعته أو لمحبوبيته في نظر المولى، فلا ينبغى الاشكال في كفايته في صدق الاطاعة عند العقلاء، كما قلنا في الاطاعة بداعى الفوز بالجنان أو الفرار من النيران.

اما الكلام في الصورة الثانية

و هي ما اذا لم يكن امر فعلى منجز متعلقا بالفعل مثل صورة ابتلاء الواجب المهم بالضد الأهم، فهل يكتفى في صدق الاطاعة اتيان الفعل بداعى وجه وجوبه أم لا؟ فنقول: بأنه تارة يكون الداعى نفس المصلحة الكامنة بدون توسيط المحبوبية التى للمولى على الفعل باعتبار هذه المصلحة، فلا إشكال في عدم الاكتفاء في مقام النية بهذا القصد في مقام الاطاعة، لأنّه لا يقصد اللّه تعالى أصلا، بل أتى بالفعل للمصلحة التي فيه.

و تارة يحصل للعبد باعتبار محبوبية المصلحة و فضلها عند المولى الداعى إلى حفظ هذه المصلحة المحبوبة له لأجل أحد الدواعى الكافية في مقام الاطاعة، مثل أهلية اللّه تعالى، أو حبه لجنابه، أو للتقرب بساحة قدسه‌

فلو أتى بهذا الداعى يكون كافيا في مقام الاطاعة عند العقلاء مسلّما، بل ربّما يكون العبد الآتى بفعل يحفظ به مصالح المولى للتقرب به يكون أفضل عند العقلاء من العبد المقتصر فقط باطاعة أو امر المولى و نواهيه.

164

المقام الثاني: يقع الكلام في وجوب قصد وجه الوجوب في النية و عدمه

و احتمال دخله في النية، إمّا بالوجوب التخييرى بين قصد وجه الوجوب و بين قصد الوجوب و صفا أو غاية، و إمّا بوجوب قصد وجه الوجوب في النية تعيينا.

و قد استدل على اعتباره بأن الواجبات الشرعية الطاف في الواجبات العقلية بمعنى كون الواجبات الشرعية مقرّبة للعبد بالواجبات العقلية.

إمّا بمعنى أن الواجبات النقلية مقدمات لحصول الواجبات العقلية، فما وجبت الواجبات الشرعية إلّا لأجل التوصل بالواجبات العقلية، ففي الحقيقة ما هو المأمور به هو الواجب العقلى و الواجب الشرعى محصّله، مثلا ما هو الواجب في الأمر بالصلاة هو ترك الفحشاء و المنكر و هو الواجب العقلى، و الصلاة مقدمة لحصوله أعنى: الواجب الشرعى، و تكون كما قيل نسبة الصلاة إلى ترك الفحشاء و المنكر نسبة الالقاء في النار بالنسبة إلى الاحراق.

و إمّا بمعنى أن الواجبات الشرعية موجبة لاستعداد النفس و تهيؤها لان تصدر منها الواجبات العقلية مثل شكر المنعم و غيره، فلو لا هذه الواجبات الشرعيّة لم تستعد النفس لأن يصدر منها الواجبات العقلية.

فعلى الاحتمال الأوّل تكون الواجبات الشرعية محصّلة للواجبات العقلية بحيث إذا أتى بها تحصل الواجبات العقلية.

و أمّا على الاحتمال الثاني يكون الغرض من الواجبات الشرعية الواجبات العقلية، و بعبارة اخرى الواجبات العقلية علة غائية للواجبات الشرعية.

و لا يبعد كون المراد من أن الواجبات الشرعية ألطافا في الواجبات العقلية هو الاحتمال الثاني لأنّ الواجب العقلى لا يكون نظير المسببات التي ترتب على‌

165

الواجبات النقلية ترتب المسببات بالأسباب بل الواجب العقلى يكون الملاك و الغرض من الواجب الشرعى.

و على كل حال يقال بعد كون الواجبات الشرعية الطافا فى الواجبات العقلية فيكون امتثال الأمر المتعلق بالواجب الشرعى و اطاعته متوقفا على نية اتيان متعلقه، أعنى: المأمور به بداعى وجه وجوبه و هو المصلحة القائمة بفعله التى تكون الواجب العقلى، هذا حاصل الاستدلال.

و فيه انّه بعد قبول كون الواجبات الشرعية الطافا في الواجبات العقلية فلم كان المعتبر في النية قصد وجه الوجوب أعنى: الواجب العقلى، لأنّ احتمال دخل قصده في نية العبادة إمّا لتوهم كون هذه المصلحة من الأمور القصدية التى لا يتحقق إلّا بالقصد فمن المعلوم عدم كونها كذلك، بل على الاحتمال الأوّل من الاحتمالين المتقدمين في معنى كون الواجبات الشرعية الطافا في الواجبات العقلية تكون النسبه بينهما النسبة بين السبب و المسبب كالالقاء بالنسبة إلى الاحراق فيحصل الاحراق بالالقاء سواء قصده بالالقاء أو لم يقصده.

و على الاحتمال الثاني منها يكون الواجب العقلى بمنزلة الغرض و الغاية للواجب الشرعى، فهو يحصل باتيان الواجب الشرعى على الوجه المعتبر فيه سواء قصد الغاية أم لم يقصدها.

و إمّا لتوهم دخل قصدها في صدق الاطاعة.

فهو ممنوع لعدم دخله لا عقلا لعدم حكم العقل بدخله في صدق الاطاعة و لا شرعا لعدم دليل عليه، بل الاطلاق المقامى يقتضي عدم دخله، إذ مع عدم حكم العقل به و مغفولية اعتباره عند العامّة، فإن كان قصد وجه الوجوب دخيلا في العبادة كان على الشارع البيان، فمن عدم بيانه نكشف عدم اعتباره.

166

مضافا إلى انه لو فرض دخل قصد الملاك و وجه الوجوب في امتثال الأمر لا يتعين قصده بالخصوص في تحقق الاطاعة و الامتثال، بل يحصل ذلك بقصد امتثال الأمر الّذي كان معلول هذا الملاك كفاية داعى معلول الملاك عن نفس الملاك، فافهم.

الأمر التاسع: لو نوى الوجوب في موضع الندب أو بالعكس،

صحت العبادة مطلقا حتى فيما كان على وجه التقييد أو التشريع، أو لا تصح مطلقا حتى فيما كان على غير وجه التقييد أو التشريع.

أو التفصيل بين ما لا يكون على وجه التقييد فتصح العبادة، و تفسد العبادة إذا كان على وجه التقيد، أو التفصيل بين ما لا يكون على وجه التقيد و التشريع تصح العبادة، و بين ما يكون على وجه التقييد أو التشريع على كلام يأتي في تشريعه فلا تصح العبادة.

الحق هو الاحتمال الثالث، فنقول بعونه تعالى: لو نوى الوجوب في موضع الندب أو بالعكس فللمسألة صورتان:

الصورة الأوّل: ما إذا كان المكلف قاصدا لاتيان المأمور به الواقعى

و امتثال أمره الواقعى المتعلق به، و يكون توصيف المأمور به الواقعى، أو الامر الواقعى في مقام النية بالوجوب أو الندب مثلا، إمّا لاعتقاده بأن المأمور به الواقعى المتعلق به الأمر الواقعى هو الوجوب، فبان كونه ندبيا، أو هو الندب فبان كونه وجوبيا.

و إمّا أن يكون توصيفه بالوجوب أو الندب بعنوان التشريع، بأن يلتزم في قلبه بكون المأمور به الواقعى المتعلق به الأمر الواقعى وجوبيا مع كونه عالما بأنه ندبى، أو التزم بكونه ندبيا مع علمه بكونه وجوبيا فلهذه الصورة فرضان:

الفرض الأوّل: ما يعتقد كون المأمور به الواقعى المتعلق به الأمر الواقعى‌

167

متصفا بالوجوب مثلا و الحال أنّه متصف بالندب، فهو مع قصده الامتثال الأمر الواقعى يوصف هذا الأمر الواقعى بالوجوب في مقام النية مع كونه واقعا متصفا بالندب.

ففي هذا الفرض يصح ما اتى من العبادة مع هذا القصد، لأنّ المحتاج إليه في نية العبادة ليس إلّا القصد باتيان ما تعلق به الأمر و كونه بداعى التقرب، غاية الأمر توصيفه بخلاف ما هو موصوف به يكون من باب الخطاء في التطبيق، و هو لا يضرّ بنيته، و هذا معنى الانحلال في الداعى ينسب إلى الشيخ المحقق صاحب حاشية المعالم (رحمه اللّه) لأنّ الداعى إلى اتيان الفعل هو الأمر بوصف كونه وجوبيا بدون تقيد اعتبار الامر بهذا الوصف، فالداعى منحل إلى أمرين: الأمر و وصفه بالوجوب فيؤخذ بداعى أمره و يلغى وصفه لكونه من باب الخطاء في التطبيق.

الفرض الثاني: ما يكون المكلف مريدا لامتثال الأمر الواقعى المتعلق بالمأمور به الواقعى و يعلم أنّ الأمر المتعلق به مثلا متصفا بوصف كونه أمرا وجوبيا فيعزم عمدا تشريعا على قصد توصيفه بالندب، فيقصد امتثال الأمر الواقعى لكن بوصف كونه ندبيا أو بالعكس، فيقصد الأمر الواقع المتصف بكونه ندبيا بوصف كونه وجوبيا.

و بعبارة اخرى يكون تشريعة في الوصف لا فى الموصوف، فهل تصح العبادة في هذا الفرض أولا؟

وجه عدم الصحة كونه تشريعا و مع كونه تشريعا يكون منهيا عنه و النهى في العبادة يوجب فسادها.

و لكن الأقوى الصحة في هذا الفرض لأنّه بعد عدم كون التشريع في الموصوف، و هو الأمر الواقعى المتعلق بالمأمور به الواقعى، فلا يكون الموصوف‌

168

منهيا عنه فلا وجه لفساده.

و الوصف، و هو كون هذا الأمر الواقعى متصف بالوجوب و هو عالم به و يقصده ندبيا، و إن كان منهيا عنه للتشريع فيه، لكن لا يسرى نهيه و قبحه إلى الموصوف فالموصوف يقع صحيحا.

الصورة الثانية: ما يكون نية الوجوب في مورد الندب أو بالعكس على وجه التقييد

بأن يقصد الأمر المتعلق بالمأمور به وجوبا بحيث يكون الموصوف مع وصفه شيئا واحدا في نظره بخلاف الصورة الاولى لأنّه في الصورة الاولى تعلق قصده بالموصوف، و هو الأمر المتعلق بالمأمور به الواقعى مستقلا، و تعلّق قصد منه بكون هذا الأمر الواقعى وجوبيا.

و لكن في هذه الصورة تعلق القصد بمجموع القيد و المقيّد بحيث يكون تارة على وجه لا يتعلق قصده بالموصوف إلّا من باب اتصافه بصفة الوجوب، فلا يتعلّق قصده بامتثال المأمور به الفعلى: و لا الأمر الفعلى المتعلق به، بل القصد تعلق بما اعتقده من باب الجهل المركب، أو التشريع من الوجوب أو الندب، ففي هذه الصورة تبطل العبادة سواء كان قصده كذلك من باب جهل المركب و اعتقاده ما نواه، أو من باب التشريع.

لان ما تعلق به القصد لا يكون متعلقا بامتثال المأمور به الفعلى، و لا الأمر الفعلى المتوجه إلى المأمور به الفعلى، فتختل نيته فيبطل عمله خصوصا إذا كان بحيث لو لم تكن العبادة بالوصف الذي قصده لم يقصده أصلا، فالبطلان أوضح لعدم كونه قاصدا لامتثال ما تعلق به إرادة الآمر، و عدم صدور القصد إلى امتثال الأمر الواقعى منه.

***

169

[مسئلة 28: لا يجب في الوضوء قصد رفع الحدث أو الاستباحة]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 28: لا يجب في الوضوء قصد رفع الحدث أو الاستباحة على الاقوى، و لا قصد الغاية التى امر لاجلها بالوضوء، و كذا لا يجب قصد الموجب من بول أو نوم كما مر.

نعم قصد الغاية معتبر في تحقق الامتثال بمعنى أنّه لو قصدها يكون ممتثلا للامر الآتى من جهتها و إن لم يقصدها يكون أداء للمأمور به لا امتثالا، فالمقصود من عدم اعتبار قصد الغاية عدم اعتباره في الصحة و إن كان معتبرا في تحقق الامتثال.

نعم قد يكون الأداء موقوفا على الامتثال فحينئذ لا يحصل الأداء أيضا كما لو نذر أن يتوضأ لغاية معينة فتوضأ و لم يقصدها، فإنّه لا يكون ممتثلا للأمر النذرى، و لا يكون أداء للمأمور به بالأمر النذرى أيضا و إن كان وضوئه صحيحا، لأنّ ادائه فرع قصده، نعم هو أداء للمأمور به بالامرى الوضوئي.

(1)

أقول: يقع الكلام في أمور:

الأمر الأوّل: في أنه هل يعتبر قصد رفع الحدث أو الاستباحة تعيينا،

بمعنى اعتبار قصد كل من رفع الحدث و الاستباحة معينا كما حكي عن الكافى و الغنية و غيرهما.

أو يكتفى بنية أحدهما تخييرا كما حكي عن المبسوط و السرائر و التحرير و غيرها.

170

أو يجب قصد الاستباحة كما حكي عن السيد (رحمه اللّه) تعيينا.

أو يجب قصد رفع الحدث تعيينا كما حكي عن الشيخ (رحمه اللّه) في بعض كتبه.

أو لا يجب قصد أحدهما في النية لا تعيينا و لا تخييرا كما هو المنسوب إلى المشهور بين المتأخرين، ففي المسألة احتمالات بل أقوال.

استدل على القول بوجوب قصد كل منهما تعيينا.

امّا لوجوب قصد رفع الحدث تعيينا بأمور:

الأوّل: أنّه بعد كون تشريع الوضوء لرفع الحدث،

فلا بدّ في مقام اتيانه من قصد رفع الحدث حتى تصير الإرادة الفاعلية مطابقة مع الإرادة الآمريّة.

و فيه أنّ كون تشريع الوضوء لرفع الحدث لا يقتضي ايجاده بقصد رفع الحدث لعدم كون قصد رفع الحدث دخيلا في ماهية الوضوء، و لا دخيلا في عباديته و لو كان علة التشريع رفع الحدث، فليس قصد رفع الحدث دخيلا في امتثال الأمر المتعلق بالوضوء و اطاعته.

الثاني: انّه بعد كون الوضوء مشتركا بين ما هو رافع للحدث،

مثل الوضوء المحدث، و بين غيره كالوضوء التجديدى، فيجب تمييز كل منهما عن الاخر بالقصد.

و فيه أوّلا أن الوضوء الرافع للحدث ليس نوعا من الوضوء في قبال الوضوء الغير الرافع للحدث حتى يكونين قسمين و نوعين من الوضوء، فيحتاج تعيين كل منهما و تمييزه عن الآخر بالقصد في النية.

بل الوضوء نوع واحد، غاية الأمر إن صادف المحل القابل لرفع الحدث يصير رافعا كما في المحدث بالحدث الاصغر، و إلّا فلا.

و ثانيا على فرض كونهما حقيقتين و نوعين مختلفين فكما يمكن تعيينه بقصد‌

171

كونه رافعا عن غير الرافع، كذلك يمكن تميزه بغير ذلك، مثلا ينوى الوضوء الواجب فيما يتوضأ لغاية واجبة في قبال الوضوء المستحب و هو الوضوء التجديدى، كما يمكن غيره بقصد الاستباحة، فلا يجب قصد رفع الحدث تعيينا كما هو المدعى، فلا يقتضي هذا الدليل وجوب قصد رفع الحدث تعيينا.

الثالث: بعض ما دلّ من النصوص على (إنّ لكل امرئ ما نوى)

و (إنّما الاعمال بالنيات) (1) بدعوى أن مفادهما أنّ الاثر المرغوب من العمل يتوقف على نيته فرفع الحدث و هو الاثر المرغوب على الوضوء يترتب بقصده.

و فيه أنّه كما بينّا في الأمر الثاني من الأمور المتعلقة بالنية أن هذه الأخبار تكون في مقام بيان الاخلاص في العمل و التوحيد في العبادة، كما يظهر من بعض رواياته و ليست مربوطة بالمقام.

و أمّا لوجوب قصد الاستباحة تعيينا

فقد استدل عليه أو يمكن الاستدلال عليه بوجوه:

الوجه الاول و الثانى و الثالث:

الوجوه الثلاثة المتقدمة؛ بأن يقال بعد كون تشريع الوضوء لأجل استباحة الصلاة، فلا بد من قصده حتى يكون الإرادة الفاعلية مطابقة للارادة الآمريّة، هذا هو الوجه الأوّل.

و يقال بأن الوضوء بعد كون نوع منه يوجب استباحة الدخول في الصلاة و نوع منه لا يفيد ذلك مثل وضوء الحائض فلا بدّ من قصد استباحة الصلاة، هذا هو‌

____________

(1) و قد ذكرنا الروايات الواردة بالمضمونين المذكورين في الأمر الثاني من الأمور المتعلقة بالشرط الثانى عشر و هو النية فراجع.

172

الوجه الثاني.

أو يقال بأنّ (انّما الاعمال بالنيات) أو (لكل امرئ ما نوى) فلا بدّ في حصول الاستباحة من نيّتها، هذا هو الوجه الثالث.

و قد عرفت جواب الوجوه الثلاثة مما بيّنا في جواب الوجوه الثلاثة المستدل بها على وجوب قصد رفع الحدث.

الوجه الرابع: قوله تعالى

إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ الخ (1).

وجه الاستدلال أنّه يستفاد من الآية أن وجوب الوضوء يكون لاجل الصلاة، و ليس كون وجوبه لأجلها إلّا لاجل استباحة دخول الصلاة به، فيستفاد كون استباحته للصلاة عنوانا للمأمور به و هو الوضوء، و هذا مثل أن يقول المولى: إذا لقيت العدوّ فخذ سلاحك، الظاهر في أن وجوب أخذ السلاح يكون لأجل لقاء العدوّ، فيصير عنوانا للمأمور به، و بعد كون استباحة الوضوء للصلاة عنوانا له، فيجب قصدها حين اتيانه.

و فيه أولا أن محل الكلام إن كان في اعتبار قصد الاستباحة للصلاة و عدمه لخصوص الوضوء للصلاة، فصح الاستدلال بالآية لانها على تقدير دلالتها كما توهم المستدل تدلّ على اعتبار ذلك في الوضوء الواقع للصلاة، لدلالتها على فرض المستدل على قصد استباحة الصلاة في خصوص الوضوء الذي يقع للصلاة.

و أمّا اعتبار قصد الاستباحة مطلقا حتى فيما يتوضأ مثلا لقراءة القرآن استحبابا، أو لمس آياته وجوبا، فلا تدلّ الآية على اعتبار قصد استباحة القراءة أو مس آية القرآن في صحة الوضوء الواقع لاحدهما.

____________

(1) سورة المائدة، الآية 6.

173

و ثانيا أن الآية لا تدلّ إلّا على وجوب الوضوء لا قامة الصلاة و مقتضاها هو اشتراط الصلاة به، و أمّا كون الاستباحة الحاصلة من الوضوء عنوانا للوضوء بحيث كان الواجب قصد هذا العنوان فلا يستفاد منها، بل الاستباحة أو رفع الحدث أمران مترتبان على الوضوء سواء قصدهما أو لم يقصد هما.

نعم فيما كان المأمور به امرا قصديّا الّذي لا يتحقق مصداقه في الخارج إلّا بالقصد يجب قصده كالقيام الواجب لاكرام شخص مثلا، فإن القيام لا يصير منطبق عنوان كونه إكراما إلّا بالقصد.

و رفع الحدث أو الاستباحة و إن كانا من الأمور القصدية الّتي كان الواجب قصده على تقدير تعلق الوجوب بهما، لكن كما قلنا لا دليل على اعتبار قصدهما في الوضوء و ان كانا يترتبان على الوضوء في بعض الموارد.

و استدل على وجوب قصد رفع الحدث أو الاستباحة، تخييرا،

بدعوى الملازمة بين رفع الحدث و بين الاستباحة، فيكتفى قصد أحدهما عن الآخر.

فيه أوّلا انّه لا ملازمة واقعا بين رفع الحدث و بين الاستباحة لإمكان حصول أحدهما مع عدم حصول الآخر، لإمكان حصول الاستباحة مع عدم حصول رفع الحدث في مثل وضوء المسلوس و المبطون و المستحاضة لأنّ فيها و إن كان يتحقق بالوضوء استباحة الصلاة لكن لا يرفع به الحدث.

كما يمكن عكسه بحصول رفع الحدث مع عدم حصول الاستباحة كما في وضوء الحائض بعد حصول النقاء لأنّ وضوء المرأة و غسلها بعد النقاء رافع للحدث الأكبر و لا يستباح بالوضوء قبل الغسل الصلاة.

و ثانيا لو سلّمنا وجود الملازمة بينهما واقعا لكن الملازمة الواقعية لا تقتضى‌

174

وجود الملازمة بينهما في مقام القصد حتى يكتفى بقصد أحدهما عن الآخر، لإمكان علم المكلف باشتراط الوضوء في الصلاة، و لا يعلم بكون الوضوء رافعا للحدث فيعلم بكونه مبيحا فيقصده، و لا يعلم بكونه رافعا فلا يقصده، فلا يكتفى بقصد أحدهما عن الآخر.

و ثالثا أن ما قيل من الاكتفاء بقصد أحدهما عن الآخر إن كان النظر إلى أنّه بعد وجوب قصد هما يكتفى بقصد أحدهما عن الآخر فنقول: بأنه بعد ما قلنا من عدم وجود دليل على اعتبار قصدهما في النية، فلا تصل النوبة بما قيل أصلا لأنّه لا يجب قصد هما، و مع عدم وجوب قصدهما لا يبقى مجال لأن نبحث في أنّه هل يجب ذلك تعيينا أو تخييرا.

و مما مر منا من عدم دليل على وجوب قصد كل منهما، و لا أحدهما تعيينا و لا على وجوب قصدهما تخييرا، يظهر لك أن الحق هو عدم وجوب قصدهما لا تعيينا و لا تخييرا، و لو شككنا فى وجوب قصدهما فمقتضى القاعدة البراءة.

بل يمكن التمسك على عدم وجوب قصدهما بالإطلاق المقامى، فلا تصل النوبة بالأصل العملى، لأنّه بعد عدم حكم العقل بوجوب قصدهما، و كون ذلك مغفولا عنه عند العامة، فلو كان واجبا عند الشارع كان عليه البيان و إلّا لأخلّ بغرضه، و حيث إنّ الاخلال بالغرض قبيح لا يصدر من الشارع، فمن عدم بيان وجوبه من الشارع نكشف عدم وجوبه، و هذا معنى الاطلاق المقامى.

الأمر الثاني: هل يجب قصد الغاية التي امر لأجلها بالوضوء أم لا؟

اعلم انّه‌

ينبغى التكلم في الموردين.

المورد الأوّل: في أنّه هل يجب قصد الغاية التى امر لأجلها بالوضوء‌

175

في الجملة سواء كان بقصد خصوص الغاية، أو بما يشير إليها أو لا؟

المورد الثاني: في أنّه بعد فرض وجوب قصدها فيه هل الواجب قصد الغاية بخصوصها، أو لا يجب ذلك، بل كما يكتفى بقصدها يكتفى بقصد ما يشير إليها فنقول بعونه تعالى:

أما الكلام في المورد الأوّل،

فتارة يقال باستحباب الوضوء و مطلوبيته بنفسه، و لو لم يقصد به أحد من الغايات الواجبة أو المستحبة حتى الكون على الطّهارة.

و بعبارة اخرى يقال: باستحباب نفس الغسلتين و المسحتين، فلا إشكال في صحته و لو لم يقصد به غاية من غاياته الواجبة أو المستحبة.

و تارة يقال بعدم استحباب نفس الغسلتين و المسحتين إذا لم يقصد بهما غاية من الغايات، فلا إشكال في اعتبار قصد الغاية في الوضوء.

إذا عرفت ذلك نقول: بأنه بعد عدم الدليل على استحباب الوضوء بنفسه إذا لم يقصد غاية من غاياته الواجبة أو المستحبة مثل الكون على الطّهارة، بل يكون مستحبا في خصوص صورة وقوعه بداعى أحد غاياته و إن كانت الكون على الطّهارة، لا فيما لا يقصد فيه غاية من غاياته، فلا بد من قصد الغاية التى امر لأجل وجوبها أو استحبابها بالوضوء.

فما قال المؤلف (رحمه اللّه) من عدم اعتبار قصد الغاية في الوضوء يكون من باب ذهابه إلى استحبابه النفسى حتى فيما لم يقصد غاية من غاياته.

و الحق خلافه، و ما قلنا من وجوب قصد الغاية في نية الوضوء يكون من باب عدم استحباب الوضوء بنفسه كما عرفت، و أمّا في العبادات التى دل الدليل على وجوبه بنفسه و لو لم يقصد غاية كالصلاة، فلا يجب قصد الغاية.

176

و أمّا الكلام في المورد الثاني

و هو أنّه بعد اعتبار قصد الغايه في الوضوء، هل يجب قصدها بخصوصها مثلا يقصد الوضوء لصلاة أو لحصول الطّهارة، أو يكفى و لو بقصد ما يشير إليها و غير منفك عنها، مثلا يقصد في الوضوء للصلاة الأمر الغيرى المتعلق بالوضوء من باب أن قصد الأمر الغيرى المترشح من الأمر بالصلاة لا ينفك عن قصد امتثال الأمر المتعلق بهذا الغير و هو الصلاة، فمن يقصد الوضوء المتعلق به الأمر الغيرى المترشح من الأمر بالصلاة فقصده غير منفك عن قصد الغاية و هي الصلاة، لا يبعد كفايته لأنّ بهذا القصد يشير إلى الغاية التى وجب الوضوء لاجلها أو صار مستحبا لأنّ قصد ما يشير إليها غير منفك عن قصدها.

الأمر الثالث: هل يجب قصد موجب الوضوء من البول و الغائط و النوم

و غيرها أو لا يجب ذلك.

أقول: قد مر في طى المسألة 4 من الفصل المنعقد لبعض الوضوءات المستحبة، عدم وجوب قصد موجب الوضوء لعدم دليل على اعتباره، لا عقلا لعدم حكم العقل به في مقام الاطاعة و لا شرعا لعدم ورود دليل عليه، بل مقتضى الاطلاق المقامى عدم وجوبه شرعا لأنّه مع عدم حكم العقل و كونه مما يغفل عنه العامة، فلو كان واجبا كان على الشارع البيان و إلّا لأخل بغرضه و هو قبيح لا يصدر من الحكيم، فمن عدم بيان اعتباره نكشف عدم اعتباره.

الأمر الرابع: [عدم اتصاف الوضوء بالصحة و الاداء]

بعد ما قال المؤلف (رحمه اللّه) بعدم وجوب قصد الغاية التي امر لاجلها بالوضوء، و قد بينا الكلام فيه في الأمر الثاني و أنّ الحق وجوب قصدها لعدم كون الوضوء بنفسه مستحبا.

و أن المؤلف (رحمه اللّه) يقول: بعدم وجوب قصد الغاية من باب ذهابه إلى استحبابه النفسى.

177

قال: (نعم قصد الغاية معتبر في تحقق الامتثال بمعنى أنّه لو قصدها يكون ممتثلا للامر الآتى من جبهتها و إن لم يقصدها يكون اداء للمأمور به لا امتثالا الخ).

أقول: اعلم انّ سقوط الامر المتعلق بشي‌ء و إن كان بحسب مقام الثبوت، يحصل بأمور:

الأوّل: بالامتثال، و هو فيما يؤتى بالمأمور به بداعى التقرب و اطاعة أمر المولى سواء كان تعبّديا أو كان توصليّا، لأنّ التوصلىّ و إن لم يتوقف صحته على قصد التقرب لكن لو قصد به التقرب، يعدّ ممتثلا للأمر.

الثاني: باداء المأمور به و اتيانه و لو لم يكن امتثالا للامر، مثل ما يكون الأمر توصليّا يؤتى بالمأمور به بدون قصد التقرب، مثلا امر بغسل الثوب فيغسل المكلف الثوب بدون قصد التقرب فيسقط أمره بادائه.

الثالث: بذهاب موضوع الأمر مثل ما امر بغسل ميت فاكله السبع فيسقط الأمر بالغسل، لكن لا بامتثاله و لا بادائه بل بذهاب موضوعه.

الرابع: بذهاب ملاكه كما في غسل الميت مثلا فاذا غسله بعض المكلفين يسقط الامر عن الآخرين، لكن لا بامتثال بامره و لا باداء المأمور به و لا بذهاب موضوعه بل بذهاب ملاكه.

فسقوط الامر و إن كان يتصور على الانحاء الأربعة، لكن نقول في المقام: بأنه بعد ما بيّنا فى الأمر الثاني من أنّه لا دليل على استحباب نفس الوضوء، أعنى:

الغسلتين و المسحتين، بل استحبا به أو وجوبه يكون فى ما يقصد به أحدا لغايات المستحبة أو الواجبة، فلو توضأ و لم يقصد احدا من الغايات فكما لا يكون امتثالا للامر لا يكون أداء لها أيضا.

178

فما قاله المؤلف (رحمه اللّه) من عدم اعتبار قصد الغاية في صحة الوضوء لا فى امتثال أمره غير تمام، لأنّه كما عرفت لو لم يقصد الغاية لا يكون امتثالا و لا صحيحا، و يكون بعين ما قاله (رحمه اللّه) بعد ذلك:

(نعم قد يكون الاداء موقوفا على الامتثال فحينئذ لا يحصل الاداء أيضا كما لو نذر أن يتوضأ لغاية معينة فتوضأ و لم يقصدها فإنّه لا يكون ممتثلا للأمر النذرى، و لا يكون اداء للمأمور به بالأمر النذرى أيضا).

و السر في عدم اتصاف الوضوء بالاداء و الصحة، كما لا يتصف بكونه امتثالا، في كل من الفرضين- أعنى: فرض الوضوء مع عدم قصد احد غايات الوضوء، و فرض نذر الوضوء لغاية و اتيانه الوضوء بدون قصد الغاية المنذورة هو عدم قصد الغاية في كل من الفرضين مع فرض اعتبار قصدها.

و ما قال (رحمه اللّه) بعد ذلك من صحة الوضوء في فرض نذره لغاية معينة مع عدم قصد هذه الغاية أيضا غير تمام، لما قلنا من عدم دليل على استحباب الوضوء إذا لم يقصد به غاية من غاياته الواجبة أو المستحبة، فافهم.

*** [الثالث عشر الخلوص]

قوله (رحمه اللّه)

الثالث عشر الخلوص، فلو ضمّ إليه الرياء بطل، سواء كانت القربة مستقلة و الرياء تبعا، أو بالعكس، أو كان كلاهما مستقلّا، و سواء كان الرياء في أصل العمل أو في كيفياته، أو في أجزائه.

بل و لو كان جزءا مستحبا على الأقوى.

179

و سواء نوى الرياء من أوّل العمل، أو نوى في الأثناء.

و سواء تاب منه أم لا، فالرياء في العمل بأىّ وجه كان مبطل له لقوله تعالى على ما في الأخبار (أنا خير شريك، من عمل لى و لغيرى تركته لغيرى) هذا و لكن إبطاله إنّما هو إذا كان جزءا من الداعى على العمل و لو على وجه التبعية.

و أمّا إذا لم يكن كذلك، بل كان مجرد خطور فى القلب من دون أن يكون جزءا من الداعى فلا يكون مبطلا.

و إذا شك حين العمل في أن داعيه محض القربة أو مركب منها و من الرياء فالعمل باطل لعدم إحراز الخلوص الّذي هو الشرط في الصحة.

و أمّا العجب فالمتأخر منه لا يبطل العمل، و كذا المقارن و إن كان الأحوط فيه الاعادة.

و أمّا السمعة فإن كانت داعية على العمل، أو كانت جزءا من الداعى بطل و إلّا فلا كما في الرياء.

فإذا كان الداعى له على العمل هو القربة إلّا أنّه يفرح إذا اطلع عليه الناس من غير أن يكون داخلا في قصده لا يكون باطلا.

لكن ينبغى للانسان أن يكون ملتفتا فإن الشيطان غرور و عدو مبين.

و أمّا سائر الضمائم فإن كانت راجحة كما إذا كان قصده في الوضوء القربة و تعليم الغير.

180

فإن كان داعى القربة مستقلا و الضميمة تبعا، أو كانا مستقلين صحّ.

و إن كانت القربة تبعا، أو كان الداعى هو المجموع منهما بطل.

و إن كانت مباحة فالأقوى أنّها أيضا كذلك كضم التبرد إلى القربة.

لكن الأحوط في صورة استقلالهما أيضا الاعادة.

و إن كانت محرّمة غير الرياء و السمعة فهى في الابطال مثل الرياء لأنّ الفعل يصير محرما فيكون باطلا، نعم الفرق بينها و بين الرياء أنّه لو لم يكن داعيه في ابتداء العمل إلّا القربة لكن حصل له في الأثناء في جزء من الأجزاء يختص البطلان بذلك الجزء، فلو عدل عن قصده و أعاده من دون فوات الموالاة صحّ.

و كذا لو كان ذلك الجزء مستحبا و إن لم يتداركه بخلاف الرياء على ما عرفت فإنّ حاله حال الحدث في الابطال.

(1)

أقول: الكلام في المسألة يكون في اشتراط الخلوص في العبادة و بطلان العبادة بالرياء و العجب و السمعة و عدمه، فالكلام يقع في مطالب:

المطلب الأوّل: في وجوب الاخلاص في العبادة و عدمه،

و‌

قبل الورود في المطلب نذكر بعض الآيات المربوطة و بعض الأخبار تيمنا

يفيدك إنشاء اللّه في المباحث المربوطة بالمطالب التي نتعرض في طى الشرط الثالث عشر.

181

أمّا الآيات فعلى قسمين:

قسم منها يدلّ على وجوب الاخلاص في العبادة.

مثل قوله تعالى قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللّٰهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ (1).

و مثل قوله تعالى وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ (2) و غير ذلك.

و قسم منها ما يدلّ على ذم الرياء.

مثل قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تُبْطِلُوا صَدَقٰاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذىٰ كَالَّذِي يُنْفِقُ مٰالَهُ رِئٰاءَ النّٰاسِ الخ (3).

و مثل قوله تعالى (4) فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلٰاتِهِمْ سٰاهُونَ الَّذِينَ هُمْ يُرٰاؤُنَ وَ يَمْنَعُونَ الْمٰاعُونَ.

و الانصاف دلالة الآتين الاولتين على اعتبار الخلوص في العبادة، فكلما كان من العبادة غير واجد له، فهو على غير وجه ما أمر اللّه به.

و امّا الآية الثالثة فما يأتي بالنظر- و إن لم أر بعد من يستدلّ بها على بطلان العبادة إذا كانت رياء- لكن دلالتها ظاهرة في بطلان العمل الريائى، لأنّ الآية و إن كانت في خصوص الانفاق، لكن لا فرق بينه و بين ساير العبادات.

و أما الآية الرابعة فلا تعرض فيها لبطلان العبادة الريائية.

____________

(1) سورة الزمر، الآية 11.

(2) سورة البيّنة، الآية 5.

(3) سورة البقرة، الآية 264.

(4) سورة الماعون، الآية 4- 5- 6- 7.

182

و أمّا الأخبار نذكر بعضها تيمّنا.

الرواية الاولى: ما رواها مسعدة بن زياد

عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) أن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم سئل فيما النجاة غدا، فقال: إنّما النجاة في أن لا تخادع اللّه فيخدعكم فإنّه من يخادع اللّه يخدعه و يخلع منه الايمان و نفسه يخدع لو يشعر، قيل له: فكيف يخادع اللّه؟ قال: يعمل بما أمره اللّه ثم يريد به غيره، فاتقوا اللّه في الرياء فإنّه الشرك باللّه إنّ المرائى يدعى يوم القيامة بأربعة أسماء: يا كافر، يا فاجر، يا غادر، يا خاسر حبط عملك و بطل أجرك فلا خلاص لك اليوم، فالتمس اجرك ممن كنت تعمل له (1).

الرواية الثانية: ما رواها محمد بن على الحلبى

عن زرارة و حمران عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لو أنّ عبدا عمل عملا يطلب به وجه اللّه و الدار الآخرة و أدخل فيه رضا أحد من الناس كان مشركا (2).

الرواية الثالثة: ما رواها جراح المدائنيّ

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه عزّ و جلّ (فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملا صالحا و لا يشرك بعبادة ربه أحدا) قال: الرجل يعمل شيئا من الثواب لا يطلب به وجه اللّه إنّما يطلب تزكية النفس يشتهى أن يسمع به الناس، فهذا الذي أشرك بعبادة ربّه، ثم قال: ما من عبد أسرّ خيرا فذهبت الأيام ابدا حتى يظهر اللّه له خيرا، و ما من عبد يسر شرا فذهبت الايام حتى يظهر اللّه له شرا (3).

الرواية الرابعة: ما رواها محمد بن عرفة

قال: قال لى الرضا (عليه السلام): ويحك يا ابن‌

____________

(1) الرواية 16 من الباب 11 من مقدمات العبادات من الوسائل.

(2) الرواية 11 من الباب 11 من مقدمات العبادات من الوسائل.

(3) الرواية 6 من الباب 12 من مقدمات العبادات من الوسائل.

183

عرفة، اعملوا لغير رياء و لا سمعة، فإنّه من عمل لغير اللّه و كلّه اللّه إلى ما عمل، ويحك ما عمل احد عملا الّا رداه اللّه به، ان خيرا فخيرا و ان شرّا فشرا (1).

الرواية الخامسة: ما رواه على بن سويد

عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن العجب الّذي يفسد العمل، فقال: العجب درجات: منها أن يزين للعبد سوء عمله فيراه حسنا فيعجبه و يحسب أنّه يحسن صنعا، و منها أن يؤمن العبد بربّه فيمنّ على اللّه عز و جلّ و للّه عليه فيه المنّ (2).

الرواية السادسة: ما رواها سعد بن طريف

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال فى حديث: ثلاث موبقات؛ شح مطاع، و هوى متبع، و إعجاب المرء بنفسه (3).

و غير ذلك راجع الأبواب المعدّة لذلك في أبواب مقدمات العبادات من الوسائل و في غير الوسائل من كتب الاخبار في الأبواب المعدّة له.

اذا عرفت ما ذكرنا من الآيات و الروايات نقول بعونه تعالى:

أما الكلام في المطلب الأوّل و هو وجوب الاخلاص في العبادة، فيدل عليه حكم العقل بوجوب إتيان العبادة بقصد العبودية، و لا تحصل العبودية إلّا بكون العمل العبادى محضا للّه تعالى لا يريد به غيره و لا يشرك فيه أحدا.

و حكم الشرع كما ظهر من الآيات الشريفة المتقدمة و من بعض الأخبار، فلا حاجة إلى إطناب الكلام في هذا المطلب أزيد من ذلك.

أما الكلام في المطلب الثاني

و هو أنّه هل يبطل العمل العبادى بالرياء أم لا؟

____________

(1) الرواية 8 من الباب 11 من ابواب مقدمة العبادات من الوسائل.

(2) الرواية 5 من الباب 23 من ابواب مقدمة العبادات من الوسائل.

(3) الرواية 13 من الباب 23 من ابواب مقدمة العبادات من الوسائل.

184

فيقع في امور:

الأمر الأوّل: [حكم صور تصور العبادة فى العبادة]

اعلم أن الرياء تارة يكون في نفس العبادة بأن يقصد بوضوئه الرياء مثلا.

و تارة يقع في جزء العبادة، مثل أن يقصد بغسل وجهه في الوضوء الرياء.

و فى كل منهما تارة يكون الداعى الرياء فقط، فلا يأتي بالعبادة للتقرب إلى اللّه بل يأتي به لمحض الرياء، و تارة يكون الرياء منضمة إلى قصد القربة و له فروض، لأنّه.

إمّا يكون باستقلال القربة و تبعية الرياء، بمعنى أن داعى القربة يكون بحيث لو كان منفردا كان باعثا إلى العمل، و الرياء كان بحيث لو كان منفردا لم يكن باعثا للعمل و لكن العمل فعلا صادر عنهما معا، غاية الأمر يكون الداعى على القربة استقلالا و على الرياء تبعا.

و إمّا يكون بعكس ذلك بأن يكون الداعى على الرياء استقلالا و على القربة تبعا.

و أمّا أن يكون الباعث إلى الفعل كلا منهما بحيث لا يكفى كل منهما وحده لداعويته للعمل، بل المجموع منهما صارد اعيا إلى العمل، فيكون كل منها جزء الداعى للعمل.

و إمّا أن يكون الداعى إلى الفعل كلا منهما مستقلا بحيث لو انفردا يكون كل منهما علة تامة لصدور العمل و كافيا للبعث نحوه، لكن حيث يستحيل ورود العلتين المستقلتين على المعلول الواحد صار كل منهما جزء العلة، و العمل مستندا إلى مجموعهما.

185

إذا عرفت هذه الصور نقول:

الصورة الاولى: ما كان الداعى الرياء في نفس العمل

و يكون الداعى محضا للرياء و لا يقصد القربة حتى تبعا، ففي هذه الصورة لا إشكال في بطلان العبادة لأمور:

الأوّل: الاجماع المستفيض،

بل لم يذكر الخلاف إلّا عن السيد (رحمه اللّه) و هو لا يضر بالاجماع لأنّه إن كان الاجماع حجة لما يقوله المتأخرون، و هو الحدس بقول الامام (عليه السلام) عن قول المجمعين، فهذا الحدس موجود و إن كان السيد (رحمه اللّه) على خلاف المجمعين.

و إن كان وجه حجية الاجماع ما قال سيدنا الاعظم آية اللّه البروجردي (قدس سرهم) و هو كون اتفاقهم كاشفا عن وجود نص معتبر عندهم، و بهذا الاعتبار كانت الشهرة من القدماء حجة عنده، فيكشف الاتفاق عن وجود النص، و لا يضرّ مخالفة السيد (قدس سرهم).

الثاني: بعد ما يحكم العقل و دل الدليل من الشرع كتابا و سنة

و قد بيّنا بعضه على وجوب الاخلاص في العبادة، و معنى الاخلاص هو كون العمل العبادى بداعيه و قصده ممحّضا للّه تعالى، فاذا أدخل فيه الإراءة على الغير يخرج العمل عن الخلوص المعتبر فيه، فيبطل العمل لعدم وجود ما يعتبر فيه.

الثالث: الذّم الوارد في القرآن الكريم على الرياء،

و ما في الأخبار من بيانات مختلفة المستفادة منها حرمة العمل الريائى، تلونا عليك بعض الآيات و الأخبار، مثل قوله تعالى لٰا تُبْطِلُوا صَدَقٰاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَ الْأَذىٰ كَالَّذِي يُنْفِقُ مٰالَهُ رِئٰاءَ النّٰاسِ.

فهو صريح فى بطلان الصدقة التى فيه المن و الاذى كالذى ينفق ماله رئاء‌

186

الناس و أنّ عمله باطل.

و على كل حال يظهر للمراجع فى ما ورد من الآيات و الروايات فى باب الرياء حرمته، و فساد العبادة بسببه، و يكفى فى بطلان العبادة فى هذه الصورة مجرد النهى المتعلق بالرياء، لأنّه على هذا يكون النهى متعلقا بالعبادة.

و بعد كون النهي متعلقا بالعبادة تكون العبادة فاسدة، لأنّ النهي عن العبادة يقتضي الفساد، فيبطل العمل العبادي إذا كان رياء.

فما حكي عن السيد (رحمه اللّه) من أن الرياء حرام و لكن لا يبطل به العبادة لا وجه له، أما ما يمكن أن يكون وجها لقول السيد (رحمه اللّه):

الأوّل: أن الرياء ايراء الغير و دخله في قصده في العمل، فلا يسرى إلى نفس العمل.

و فيه أن ظاهر الأخبار هو حرمة نفس العمل، و إيعاد النار عليه و كونه في سجين.

الثاني: أنّه على فرض كون المنهى نفس العمل، فيكون من صغريات اجتماع الأمر و النهي لأنّه المأمور به من باب كونه عبادة، و منهى عنه من باب كونه رياء.

و فيه أولا لا يكون فيما يكون قصده من عمله الرياء فقط العمل مأمورا به أصلا لأنّه إذا قصد التقرب يكون مأمورا به و الحال أنّه لا يقصد إلا الرياء فقط.

و ثانيا: بعد ما بينا في الأصول و الفقه مكررا من أنّه على القول بجواز اجتماع الأمر و النهي تبطل العبادة لعدم كونها مقرّبا فيبطل العبادة الريائى لعدم كونه مقرّبا للّه تعالى لعدم قابليته لان يتقرب بها مع قصد الرياء.

الثالث: أن ما يدلّ عليه الأخبار الواردة في الرياء هو عدم قبول العبادة‌

187

المنضمّة إليها الرياء، و عدم القبول لا ينافى الصحة و الاجزاء، لأنّه ربّما تكون عبادة مجزية أعنى: مسقطة للاعادة و القضاء، و مع ذلك لا يكون مورد القبول كما يستفاد من قوله تعالى إِنَّمٰا يَتَقَبَّلُ اللّٰهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ فلا إشكال في أنّه لا يتقبل عمل بلا تقوى مع كونه صحيحا مجزيا مسقطا للاعادة و القضاء.

أو ما ورد في عدم قبول صلاة شارب الخمر أربعين صباحا مع كون صلاته مجزية.

و فيه أن ظاهر الآية الشريفة، و الرواية، بل نصّهما هو عدم قبول العبادة، و هذا لا ينافى مع كون الظهور العرفى للأخبار الواردة في الرياء على بطلان العمل.

لأنّه إن كان اللفظ الوارد في اخبار الرياء القبول كان لهذا الدعوى مجال لكن ليس كذلك.

فدلالة الأخبار بظاهرها على بطلان العمل مما لا ينبغى الاشكال فيه.

هذا مضافا إلى ما بقى من الوجوه التي ذكرناها دليلا على بطلان العبادة الريائى.

الصورة الثانية: ما يكون الداعى على الرياء تبعا و الداعى على القربة استقلاليا

ففي هذه الصورة نقول:

إن كان الدليل الاجماع فربّما يقال بعدم تحققه في هذه الصورة.

و أمّا إن كان الدليل منافاة الرياء مع الاخلاص فيشمل المورد لأنّ الداعى الى الرياء و إن كان تبعيا لكن يكون جزء قصده في عمله، فلا يكون العمل ممحضا للّه فيكون فاقدا للاخلاص، فيبطل العمل لفقد شرطه.

و أمّا إن كان الدليل الآيات و الأخبار، فالمستفاد منها ترتب الآثار المذمومة‌

188

على العمل الذي اشرك فيه غير اللّه، و في هذه الصورة اشترك غير اللّه تعالى، بل الظاهر المتيقن من الأخبار صورة كون الداعى على العبادة الاخلاص و الرياء كليهما لا الصورة الاولى، و هى صورة اتيان العبادة بداعى الرياء فقط، فتلخص بطلان العمل في هذه الصورة.

[الصورة الثالثة]

و إذا أوضحنا لك بطلان العبادة في هذه الصورة، أعنى: الصورة الثانية، يظهر لك أن البطلان في باقى الصور أوضح و هو الصورة الثالثة، و هي ما كان داعى الرياء استقلاليّا و داعى القربة تبعيّا.

[الصورة الرابعة]

و كذا الصورة الرابعة و هي ما كان كل منها جزء الداعى بحيث لا يكون كل منهما منفردا قابلا للداعوية عند الفاعل.

[الصورة الخامسة]

و كذا الصورة الخامسة و هي ما كان كل منهما قابلا للداعوية مستقلا غاية الأمر صار كل واحد جزء الداعى لاجل استحاله ورود العلتين المستقلتين على المعلول الواحد.

لأنّه فيما كان داعى الرياء تبعيا إذا قلنا بشمول الدليل الدال على بطلان العبادة له و هو الصورة الثانية، ففيما كان داعى الرياء مستقلا و داعى القربة تبعيا، أو كانا جزئى الداعى كل واحد في عرض الآخر من حيث الاستقلال، و كذا فيما كان كل واحد منهما جزء الداعى لا بنحو الاستقلال، ففساد العبادة أوضح.

الصورة السادسة:

ما كان الرياء في جزء العمل و له فرضان:

الأوّل: أن يكون الرياء في الجزء الواجب.

و الثاني: أن يكون في الجزء المستحب.

أما فيما كان في الجزء الواجب فنقول: إن الكلام تارة يكون فيما يكتفى بالجزء‌

189

الآتى به رياء، مثل ما غسل يده في الوضوء رياء و لم يعده بداعي القربة بعد ذلك، و أتى بباقى اعضاء وضوئه حتى جفّ مواضع وضوئه ففي هذا الفرض لا ينبغى الاشكال في بطلان وضوئه و فساده، لأنّه أتى بجزء الوضوء رياء و الحال أنّه يفسد الجزء مسلّما لو لم نقل بكونه مبطلا لكل المركب، و لم يعد الجزء صحيحا و بفساد الجزء و عدم إعادته فسد الكل لفواته بفوات الجزء بعد فوت الموالاة و عدم قابلية إعادة الجزء، فالوضوء صار فاسدا، فلا بدّ من إعادته إن كان الجزء واجبا.

و تارة لا يكتفى به، مثلا غسل يده في الوضوء رياء، ثم يريد إعادة غسل اليد و إتمام الوضوء، فهل يصح وضوئه مع إعادة الجزء الماتي به رياء، أو يبطل الوضوء بمجرد إتيان الجزء رياء.

أقول: و قبل الشروع في بيان ما هو الحق في المقام ينبغى التوجه إلى شي‌ء، و هو أنّ الكلام في بطلان العمل المركب بالرياء في جزئه و عدمه يكون في أن نفس الرياء هل يوجب البطلان بحيث لو لم تكن خصوصية اخرى في البين موجبة لبطلان العبادة يوجب الرياء البطلان أم لا؟

فبناء عليه إذا كان اتيان الجزء رياء موجبا للزيادة في الصلاة لو تدارك الجزء فتبطل الصلاة للزيادة العمدية، مثلا لو أتى بسجدة واحدة رياء فلو اكتفى بهذه السجدة تبطل الصلاة للزيادة و النقيصة العمدية، الزيادة لما اتى بالسجدة رياء و النقيصة لعدم الاتيان بالسجدة الواجبة، و لو أتى بها ثانيا تبطل الصلاة للزيادة العمدية لكون السجدة الاولى زائدة، فهو خارج عن محل الكلام.

كما أنّه ربّما يبطل العمل لاعتبار الهيئة الاتصالية فيه يوجب إتيان الجزء رياء لقطع هذه الهيئة الاتصالية كما في الصلاة بناء على أن التعبير بالقاطع بالنسبة إلى بعض المنافيات يدلّ على اعتبار هيئة اتصالية يوجب فعل النافي قطعها، و هذا‌

190

خارج عن محل الكلام.

إذا عرفت ذلك يقع الكلام في أن الرياء في الجزء الواجب يوجب بطلان الكل بحيث لو أتى بالجزء ثانيا بقصد القربة مع ساير الأجزاء لا يصح الكل أم لا (و هذا بعد مفروغية بطلان نفس الجزء الواقع رياء) مثلا لو غسل في الوضوء يده اليمنى رياء يبطل هذا الجزء و لا يكتفى به، فهل يبطل بسببه الوضوء أيضا و لو اعاد غسل اليد اليمنى أو لا يبطل الوضوء؟

فلو اعاد الجزء الّذي اتى به رياء على الترتيب المعهود مع ساير أجزاء الوضوء قبل فوات الموالات صح وضوئه أولا؟

وجه عدم البطلان أن الجزء الواقع رياء يفسد للرياء، و لكن فساد الجزء لا يوجب فساد المركب، بل لو أتى بالجزء على الوجه القربى مع ساير الاجزاء يقع المركب صحيحا إذا المركب لا يحتاج إلّا إلى الجزء بالنحو المعهود و هو أتى به، و وقوع الرياء في الجزء لا يوجب إلّا عدم قابلية الجزء لأن يصير جزء للمركب، فالمركب محتاج إلى الجزء و هو باعادة الجزء أتى بالجزء المحتاج إليه المركب، فيقع المركب صحيحا لايجاده مع ما هو معتبر فيه.

وجه بطلان المركب ببطلان الجزء الواقع رياء هو أنّ المركب بأجزائه و شرائطه يعدّ فعلا فاردا و عملا واحدا، فالوضوء و إن كان مركب عن الغسلتين و المستحيين، و كل من أجزائه شي‌ء بحيال الآخر، و لكن مع هذا يعدّ الوضوء عملا واحدا عند العرف.

و مقتضى بعض الآيات و الروايات الواردة في الرياء هو فساد العمل إذا ادخل فيه رضى الغير، فمن أتى جزء من العمل رياء فقد أدخل في عمله رضى الغير فعلى هذا يكون الرياء في الجزء كالرياء في الكل و نفس العمل.

191

نعم بناء على عدم دلالة الروايات الواردة في الرياء على بطلان العمل و إن كان يدل على حرمته يشكل الحكم بفساد الكل بفساد الجزء بسبب الرياء، و لكن قد عرفت دلالتها على الفساد.

و أمّا إذا كان الجزء مستحبا فحكمه حكم الجزء الواجب.

فإن قلنا بأن المستفاد من الأخبار الواردة في الباب هو فساد العمل الذي أدخل فيه الرياء فاذا أتى بالجزء المستحب في العمل المركب من الأجزاء رياء يصدق عرفا أنّه أدخل في عمله رضى غيره و إن لم يكن الجزء المستحب حقيقة جزء ماهية المركب، بل المركب العبادى ظرف له لأنّه يعدّ المركب باجزائه الواجبة و المستحبة عملا واحدا عرفا، و قد عرفت أن المستفاد منها الفساد كالحرمة.

ثم إنّ حكم الرياء في الجزء بناء على القول بفساد الجزء العبادي بسببه من حيث الاقسام المذكورة في حكم الرياء في نفس العمل من حيث استقلالية قصد الرياء، و تبعيته، و كونه جزء الداعى في قبال داعى القربة، و كونه مستقلا في قبال استقلال داعى القربة، فيكون كل منهما جزء العلة، يكون حكم الرياء في نفس العمل فكما قلنا بفساد العمل بأقسامه كذلك نقول بفساد الجزء بأقسام اختلاف الداعى.

و في كل مورد يكون الجزء محكوما بالفساد من جهة الرياء يأتي النزاع في أن فساد الجزء يوجب فساد الكل أم لا، و قد بينا الكلام فيه.

الصورة السابعة: أن يكون الرياء في كيفية العبادة

و هو يتصور على نحوين لأنّ هذه الكيفية تارة تكون متحدة مع العبادة في الخارج مثل الصلاة في المسجد، أو في اوّل الوقت فهو يرائى في ايقاع الصلاة في المسجد أو في اوّل الوقت.

و تارة لا تكون الكيفية متحدة مع العبادة في الخارج، بل يكون من المقارنات‌

192

الاتفاقية لها، مثل ما إذا صلى أحد و ينظر حال الصلاة إلى صبى لإراءته بأنه مواظب للصبى، أو ينظر حال الصلاة إلى متاع صديقه لإراءته بأنّه مواظب لمتاعه.

أما النحو الأوّل فتارة تكون الكيفية متعلقة للأمر، و تارة لا يكون متعلقة للامر، مثل أن يصلى في دار زيد للرياء، فكان ريائه في إيقاع صلاته في دار زيد و الصلاة في دار زيد لا تكون متعلقه للامر.

و في الفرض الأوّل تارة يكون الأمر، المتعلق بالكيفية تعبديّا مثل الأمر بالصلاة في المسجد، و يقصد الرياء بايقاع صلاته فى المسجد.

و تارة يكون توصليّا، مثل أن يقصد الرياء بالستر في الصلاة الذي يكون الأمر المتعلق بالستر توصليّا.

فنقول: أمّا فيما كانت الكيفية متعلقة للامر التعبدى فلا إشكال في فساد العبادة لأنّ بعد حرمة الكيفية من باب وقوعها رياء و هي متحدة مع الصلاة فتصير العبادة باطلة و إن قيل بجواز اجتماع الأمر و النهى، لعدم كون هذا الفعل قابلا لأن يتقرب به.

مضافا بأنه يصدق انّه أدخل في عمله رضى الغير المستفاد من أخبار الرياء بطلانه.

و أمّا إذا كانت الكيفية مأمورا بها بالأمر التوصلى ففي بطلان العبادة بالكيفية الريائية إشكال.

وجه الاشكال هو أن غاية ما يستفاد من الآيات أو الاخبار هو كون الرياء مفسدا للعبادة، و أمّا إذا لم يكن الفعل عبادة و إن كان المأمور به بالامر التوصلى فلا يكون مفسدا، بل لا دليل على حرمته، فإذا لم تكن الكيفية محرمة و فاسدة فلا وجه لبطلان العبادة المتكيفة بالكيفية الخاصة رياء.

193

أقول: بعد دلالة بعض الأخبار الواردة في الرياء بحرمة عمل ادخل فيه رضى الغير أعنى: الرياء و بطلان العمل، فالعمل و إن كان واجبا بالوجوب التوصلى، بل و لو لم يكن بواجب أصلا و لكن يصدق عرفا انه ادخل فى العمل الواقع فيه كيفية ريائية انه ادخل الغير فى عمله فيكون حراما و مبطلا.

و من هنا يعرف الاشكال في بطلان العبادة إذا قصد الرياء بالكيفية المتحدة مع العبادة و لا تكون هذه الكيفية متعلقة الأمر لا للامر التعبدى و لا التوصلى، بل الاشكال فيه أوضح من الصورة السابقة لأنّ في السابقة كانت الكيفية متعلقة للامر و ان كان أمره توصليا و فى هذه الصورة ليست متعلقة الأمر اصلا لا التعبدى و لا التوصلى، فلا وجه لبطلان العبادة أصلا، مثلا أتى بالصلاة في دار زيد و قصد من إيقاعها في داره الرياء لأنّه لا دليل على حرمته رأسا و إن كان هذا القصد مذموما اخلاقا لوجود صفة فيه يطلب المنزلة عند قلوب الناس باراءة أعمال الخير، لأنّ بعض الآيات الواردة و كذلك الأخبار لا إطلاق لها يشمل هذا المورد.

نعم لو قلنا بإطلاق الأدلّة حتى لما لا يكون العمل عباديّا و كون ايجاد الكيفية رياء حرام تبطل العبادة المكيفة بها لاتحادها معها، و مع الاتحاد تبطل العبادة حتى على القول بجواز اجتماع الأمر و النهى لعدم كون العبادة مقربة مع اتحادها مع الحرام.

أقول: و لكن قلنا في الصورة السابقة يكفى في بطلان العبادة وقوع كيفية و لو لم تكن واجبة رياء مع اتحادها مع العمل لأنّه يصدق عرفا أنّه ادخل رضى الغير في عمله لوقوع العمل بالكليفية المتحدة معه رياء فيكون العمل حراما و باطلا.

و أمّا النحو الثاني و هو أن لا تكون الكيفية الواقعة معها العبادة متحدة مع العبادة بل كانت من المقارنات لها مثل الرياء حال الصلاة في النظر إلى متاع الغير فهو يرائى في ذلك بأن ينظر حال الصلاة إلى متاع صديقه للا لإراءته بأنه في مقام‌

194

حفظ المتاع، فلا إشكال في عدم فساد العبادة بهذا النحو من الكيفية، لأنّه أوّلا لا يكون هذا الرياء حراما لعدم دليل عليه، و ثانيا على فرض حرمته لا توجب حرمته فساد العبادة المقارنة لها لعدم اتحاد العبادة مع هذه الكيفية.

الأمر الثاني: الرياء تارة يكون من اوّل العمل

، مثل أن يقصد من اوّل الصلاة الرياء، و تارة يكون في أثناء العمل، مثل أن يصلى ركعة من صلاته قربة إلى اللّه تعالى ثم يبدو له ان يأتي باقى الافعال منها رياء فهل البطلان مختص بالفرض الأوّل أو يعمّ الفرض الأوّل و الثاني؟

أما في الفرض الأوّل فلا إشكال في بطلان العبادة لان هذا مورد المتيقن من الأدلّة.

و أمّا في الفرض الثاني فتارة يكون الكلام فيما يقصد الرياء فى الاثناء بما بقى من العبادة و يكتفى بما أتى رياء مثل ان يأتي ما بقى من الركعات رياء و يكتفى به بدون أن يعيد ما وقع رياء من الأفعال و الأجزاء، فلا إشكال في بطلان العبادة لفقد الاخلاص المعتبر في بعض العبادة و لشمول النصوص له.

و تارة لا يكتفى به بل يعيد ما أتى من الأجزاء رياء، فحكمه حكم الرياء في جزء العبادة، و قد مرّ الكلام فيه في الصورة السادسة من الأمر الأوّل.

الأمر الثالث: هل يكون فرق فى الرياء المبطل بين ما لم يتب عن فعله المحرم،

أعنى: ريائه فيكون مبطلا، و بين ما تاب بعد الرياء فلا يبطل العمل، أو لا فرق بينهما في البطلان؟

أقول: اعلم أن ما يكون أثر التوبة هو غفران الذنب و محوه، و لا يصحّ بالتوبة العمل الباطل، فبعد بطلان العبادة بالرياء على التفصيل الذي عرفت في المسائل‌

195

السابقة سواء تاب أم لم يتب لا ينقلب الفعل عما هو عليه من البطلان و لا يصحّ بالتوبة، بل يغفر ذنب المرائى بسبب التوبة الواقعة بشرائطها.

الأمر الرابع: قد عرفت بطلان العبادة إذا كان يقصد بها الرياء

و دخل الرياء في الداعى على العمل على أىّ وجه كان، من كون الرياء تمام الداعى، أو جزء الداعى، و كونه جزء الداعى سواء كان الداعى على الرياء استقلاليّا و القربة تبعيّا، أو بالعكس، أو كان كل منها جزء الداعى إمّا من باب عدم كون كل من الرياء و القربة كاف للداعوية على العمل، و لكن كل منهما يكون كافيا لذلك، أو من باب كفاية كل منهما للداعوية المستقلة، لكن صارا جزئى الداعى من باب استحالة ورود العلّتين المستقلّتين على المعلول الواحد.

إنّما الكلام فيما لم يكن هو الداعى و لا جزء الداعى، بل كان مجرد خطور في القلب فهل يوجب بطلان العمل أيضا أم لا؟

وجه البطلان توهم دلالة بعض الأخبار عليه.

منها الرواية الثانية من الروايات التي قد منا ذكرها و فيها قال (عليه السلام) (أو أدخل فيه رضى أحد من الناس كان مشركا). (1)

بدعوى أن مجرد حديث النفس و الخطور في القلب يوجب تاكد الداعى إلى الفعل، فيصدق بذلك انّه أدخل في عمله رضى غيره.

و فيه أنّه من الواضح أن خطور القلب غير الإرادة و القصد، بل ربّما لا يكون الحبّ على الفعل مع خطوره في القلب فلا يصدق بمجرد خطوره فى القلب انّه أدخل رضى الغير في عمله.

____________

(1) الرواية 11 من الباب 11 من ابواب مقدمة العبادات من الوسائل.

196

و منها الرواية التي رواها السكونى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

ثلاث علامات للمرائي ينشطه إذا رأى الناس، و يكسل إذا كان وحده، و يحب أن يحمد في جميع اموره (1).

بدعوى دلالتها على أن مجرد النشاط لما يراه الناس و الكسالة إذا كان وحده و حبه لان يحمد الذي جعلها من علامات المرائى، هو من فعل القلب و الحالات العارضة له بدون القصد و الداعى إلى الفعل، فيكفى مجرد خطور القلب لتحقق موضوع الرياء و بطلان العبادة بسببه.

و فيه أن الرواية تدلّ على أن علامة المرائى هذه الأمور، و أمّا متى يكون المرائى مرائيا فلا تدلّ عليه.

بل يمكن أن يقال أن المستفاد من الرواية هو كون الرياء العمل بداعى الإراءة لأنّ المرائى ينشط بأن يراه الناس فرياؤه يكون بداعى إراءتهم لأنّ المقصود الغائى إذا كان ارائة الناس فيقصد من عمله ارائة الناس كى يصل بغرضه.

و على كل حال لا دلالة للروايتين على كون مجرد خطور القلب رياء حتى يكون مفسدا للعمل.

بل المستفاد من بعض الروايات أن حب ظهور عمله الخير و سروره بذلك إذا لم يكن فعله الخير بداعى هذا الظهور لا يكون حراما.

كما في رواية زرارة عن أبي جعفر (عليهما السلام) قال: سألته عن الرجل يعمل الشي‌ء من الخير فيراه إنسان فيسرّه ذلك، قال: لا بأس، ما من أحد الّا و هو يحب أن يظهر‌

____________

(1) الرواية 1 من الباب 13 من ابواب مقدمة العبادات من الوسائل.

197

له في الناس الخير إذا لم يكن صنع ذلك لذلك (1).

الأمر الخامس: إذا شك حين العمل في أن داعيه محض القربة أو مركب

منها و من الرياء فالعمل باطل، لأنّه بعد ما يكون شرط صحة العبادة الخلوص فيكون الشك من الشك في الامتثال بعد اليقين بالاشتغال، فمقتضى الاشتغال اليقينى تحصيل البراءة اليقينة.

هذا تمام الكلام في الرياء و الحمد للّه و الصلاة و السلام على محمد و آله.

المطلب الثالث في العجب،

و الكلام فيه يقع في مقامات:

الأوّل: في حقيقته و ماهيته.

الثاني: في أنّه حرام أم لا.

الثالث: انّه على تقدير حرمته يفسد العبادة أم لا.

امّا الكلام في المقام الأوّل [فى حقيقة العجب]

فنقول بعونه تعالى:

قال في مجمع البحرين (2) بعد ذكر حديث يذكر فيه العجب (قال بعض الشارحين: لا ريب أن من عمل أعمالا صالحة من صيام الأيام و قيام الليالى و نحو ذلك يحصل له ابتهاج، فإن كان من حيث كونها عطية من اللّه تعالى و نعمة منه عليه و كان مع ذلك خائفا من نقصها مشفقا من زوالها طالبا من اللّه الازدياد منها لم يكن ذلك الابتهاج عجبا.

و إن كان من حيث كونها صفته و مضافة إليه فاستعظمها و ركن إليها و راى نفسه خارجا عن حد التقصير بها و صار كأنّه يمنّ على اللّه تعالى بسببها فذلك هو‌

____________

(1) الرواية 1 من الباب 15 من ابواب مقدمة العبادات من الوسائل.

(2) مجمع البحرين، ص 122.

198

العجب المهلك الخ).

و حكى في مصباح (1) الفقيه أن العجب على ما ذكره بعض علماء الأخلاق إعظام النعمة و الركون إليها مع نسيان إضافتها إلى المنعم.

و حكي عن بعضهم انّه إعظام النعمة و الركون إليها مع اضافتها إلى المنعم.

أقول: ما يمكن استفادته من بعض روايات الباب في معنى العجب هو أن العجب إعظام النعمة و الركون إليها و التجاوز في عبادته حد التقصير الذي لا بدّ للعبد من الاعتراف به (لأنّه كلما بلغ في مقام العبادة فمع ذلك قاصر عن الحد اللازم في العبادة) و أمّا دخل نسيان إضافة النعمة إلى المنعم، أو اعتبار اضافتها إلى المنعم فلا يستفاد من اخبار الباب بمعنى عدم تعرض في الأخبار لحيث نسيانه إضافة النعمة أو تذكره إضافة النعمة إلى المنعم.

بل يحصل العجب بمجرد إعظام النعمة و الركون إليها و تجاوزه عن حد التقصير الذي يكون العبد واقع فيه و إن بلغ في العبادة ما بلغ راجع أخبار الباب.

أما المقام الثاني و هو أن العجب حرام أم لا،

بعد مفروغية كونه من الصفات الذميمة و صاحبه مبتلى بابتلاء شديد هالك موبق.

اعلم أن العجب تارة يكون في غير العبادات مثل العجب بالعلم أو المال او الجاه أو الاولاد.

فنقول: إن المراجع في بعض الآيات المفسرة بالعجب مثل الآيتين المتقدم ذكرهما في أوّل البحث و في روايات الباب لا يرى تعرضا للعجب في غير العبادة أصلا فضلا عن حرمته غير الآية الاولى من الآيتين المتقدمتين في صدر البحث‌

____________

(1) مصباح الفقيه، ج 2، ص 235.

199

و هى قوله تعالى وَ دَخَلَ جَنَّتَهُ وَ هُوَ ظٰالِمٌ لِنَفْسِهِ قٰالَ مٰا أَظُنُّ أَنْ تَبِيدَ هٰذِهِ أَبَداً (1) فإنها إن كانت متعرضة للعجب و انّه اعجبه خبته فالعجب فيها يكون لغير الأمر العبادى و لكن لا تدلّ الآية على حرمته فلا دليل على حرمة، العجب في غير العبادة.

و تارة يكون العجب في العبادة، فهل يكون حراما أم لا؟ اعلم أن المستفاد من كلام بعض الفقهاء هو انا لم نجد فيما نراجع به من الآيات و الأخبار الواردة في مذمة العجب ما يدلّ على حرمته، لأنّ مجرّد الذم و كونه من الاخلاق الذميمة لا يدلّ على حرمته.

أقول: أوّلا إن لسان الأخبار الواردة في العجب تقريبا يكون مثل لسان الاخبار الواردة في الرياء، فكما انكم قلتم بأنه مما ورد فيه من الذم و الآثار الموبقة عليه نفهم حرمته كذلك في العجب.

نعم لو استشكلنا في دلالة تلك الأخبار على الرياء و قلنا بكفاية ما بقى من الأدلّة على حرمته يكون للاشكال في المقام مجال.

و ثانيا يمكن استفادة الحرمة مما رواه يونس عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم في حديث: قال موسى بن عمران (عليه السلام) لا بليس: أخبرنى بالذنب الذي إذا أذنبه ابن آدم استحوذت عليه، قال: إذا أعجبته نفسه و استكثر عمله و صغر فى عينه ذنبه، و قال: قال اللّه عزّ و جل لداود: يا داود بشر المذنبين و أنذر الصديقين، قال: كيف ابشر المذنبين و أنذر الصديقين؟ قال: يا داود بشر المذنبين إنّى أقبل التوبة و اعفو عن الذنب، و أنذر الصديقين أن لا يعجبوا بأعمالهم فإنّه ليس عبد نصبه للحساب إلّا هلك (2).

____________

(1) سورة كهف، الآية 35.

(2) الرواية 3 من الباب 23 من أبواب مقدمة العبادات من الوسائل.

200

بأن يقال: إنّ قوله تعالى و أنذر الصديقين أن لا يعجبوا يدل على كون العجب منهيا عنه.

هذا ما خطر ببالى و إن لم يتفطن به أحد، و على هذا لا فرق في حرمته بين ما كان العجب حال العبادة أو بعدها.

لكن يمكن الاشكال من باب ضعف سند الرواية لعدم معلومية بعض اصحابه الذي يروى عنه يونس و إن قيل بكون مرسلات يونس بحكم المسندات.

فعلى هذا القول بحرمة العجب في العبادة لو لم يكن أقوى فلا اقل من كونه أحوط.

المقام الثالث: في أن العجب يفسد العمل العبادى أم لا؟

فنقول بعونه تعالى:

إنّ العجب تارة يكون بعد العمل، و تارة يكون حال العمل.

امّا إذا كان العجب بعد الفراغ عن العمل العبادى فلا وجه لفساد العبادة به لأنّه لا يوجب انقلاب ما وقع عليه العبادة من الصحة، و لا دليل يدل عليه.

و أمّا إذا كان العجب حال العبادة و مقارن لها من أول العبادة أو في أثنائها، فلا يوجد في الأخبار على ما تصفحت بقدر استعدادى القاصر ما يدل على فساد العبادة به إلّا ما رواه علي بن سويد عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن العجب الذي يفسد العمل، فقال: العجب درجات: منها أن يزين للعبد سوء عمله فيراه حسنا فيعجبه و يحسب أنّه يحسن صنعا، و منها أن يؤمن العبد بربه فيمنّ على اللّه عزّ و جل و للّه عليه فيه المنّ. (1)

وجه الدلالة كون سؤال السائل عن العجب الذي يفسد العمل، و المعصوم (عليه السلام)

____________

(1) الرواية 5 من الباب 23 من أبواب مقدمة العبادة من الوسائل.

201

ذكر قسمين منه فى الجواب، فبعد كون سؤاله عما يفسد به العمل، فمن المعلوم أن قسمين من العجب الذين ذكرهما (عليه السلام) يفسدان العمل.

و في دلالتها على الفساد مقابل صحة العمل و إجزائه إشكال، لأنّ مقتضى ظاهرا الرواية هو فساد العمل بالعجب سواء كان مقارنا للعمل أو متأخرا عنه، و هذا لا يناسب مع الفساد في قبال الصحة بمعنى الاجزاء و سقوط الاعادة و القضاء، لأنّ تأثير الفعل السوء المتأخر في بطلان العمل المقدم مع وقوعه صحيحا بعيد، فالمناسب كون الفساد فسادا في مقابل القبول بمعنى أنّ العجب يوجب عدم قبول العمل أو حبطه كما ذكر في أثر بعض المعاصى، فلا يستظهر من الرواية مع هذا الاحتمال كون مفادها بطلان العمل في مقابل صحته و إجزائه.

و في الرواية احتمال آخر و هو أن السائل و إن سئل عن العجب الذي يفسد العمل، لكن المعصوم (عليه السلام) لم يكن بسدد جوابه لبعض الجهات، أو لم يتم كلامه، أو تمّ و لم يذكره الراوي، كما أنّ كيفية بيانه (عليه السلام) شاهد على انّه إما لم يكن في مقام بيان ذلك و إمّا كان في مقام تمهيد المقدمة و بيان أقسام العجب، ثم بيان أنّه يفسد العمل أولا، و لم يتم الكلام.

مضافا إلى أن القسمين المذكورين في الرواية لا ينطبقان على العجب المصطلح لان مجرد السرور بالعمل الّذي هو القسم الأوّل من القسمين المذكورين في الرواية لا يكون عجبا كما يستفاد من بعض الأخبار، و إذا كان المنّ على اللّه بعمله فهو المدلّ و ليس بالعجب المصطلح.

لكن هذا مدفوع بأنه بعد ما جعل (عليه السلام) هذين القسمين من أفراد العجب فدعوى عدم كونهما عجبا اجتهاد في مقابل النص.

فالعمدة ما قلنا من أن المناسب حمل الفساد في الرواية على عدم قبول العمل‌

202

مع وجود صفة العجب في الشخص.

و لو التزمنا بحرمة العجب في العبادة هل يوجب حرمته بطلان العمل من باب كونه متحدا مع العمل أو لا يوجب بطلان العمل، لأنّه أمر قصدى لا يسرى إلى العمل و ليس من الرياء المستفاد من بعض الأخبار الواردة فيه كونه مريا إلى العمل و الأقوى الثاني و إن كان الأحوط إعادة العمل المقارن مع العجب استجابا.

المطلب الرابع: في السمعة،

و المراد من السمعة هو أن يقصد الشخص بعمله سماع الناس به طلبا لعظم رتبته عندهم، فعلى هذا تكون السمعة من أفراد الرياء لأنّ الرياء طلب المنزلة في قلوب الناس بايرائهم الاعمال الخير بالأعم من الاسماع و غيره، و السمعة يكون طلب ذلك بخصوص اسماعهم الأعمال الخير، فعلى هذا يكون حكمها في الحرمة و فساد العبادة بها حكم الرياء، و مجي‌ء الأقسام المتقدمة في الرياء فيها فلا نطيل بالاعادة.

مضافا إلى ورود الأمر بتخلية العبادة عنها بالخصوص، مثل ما رواه محمد بن عرفة قال: قال لى الرضا (عليه السلام): ويحك يا ابن عرفة اعملوا لغير رياء و لا سمعة، فانّه من عمل لغير اللّه و كلّه اللّه إلى ما عمل، ويحك ما عمل أحد عملا إلّا رداه اللّه به إن خيرا فخيرا و إن شرا فشرا (1).

و ما رواها ابن القداح عن أبي عبد اللّه عن ابيه (عليهما السلام) قال: قال علي (عليه السلام):

اخشوا اللّه خشية ليست بتعذير، و اعملوا للّه في غير رياء و لا سمعة فإنه من عمل لغير اللّه و كلّه اللّه إلى عمله يوم القيمة (2).

____________

(1) الرواية 8 من الباب 11 من ابواب مقدمة العبادات من الوسائل.

(2) الرواية 10 من الباب 11 من ابواب مقدمة العبادات من الوسائل.

203

فتخلص أن السمعة مثل الرياء إذا كانت الداعى للعبادة، أو جزء الداعى علي التفصيل المتقدم في الرياء.

و أمّا إذا لا يكون الداعى و قصد العبد في العبادة السمعة، و لا تكون جزء الداعى و لو تبعا، بل كان يفرح إذا اطلع عليه الناس من غير أن تكون داخلا في قصده لا تكون مبطلا للعبادة.

و يدل على ذلك ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يعمل الشي‌ء من الخير فيراه انسان فيسرّه ذلك، قال: لا بأس، ما من أحد الّا و هو يحب أن يظهر له في الناس الخير إذا لم يكن صنع ذلك لذلك (1).

فلا يكون مجرد السرور إذا لم يكن داعيا أو جزء الداعي للعبادة مبطلا للعبادة.

و لكن كما قال المؤلف (رحمه اللّه) ينبغى للانسان أن يكون ملتفتا فإنّ الشيطان غرور و عدوّ مبين.

المطلب الخامس: في ساير الضمائم و الكلام فيه يقع في مقامات.

و اعلم أن الضميمة تارة تكون في نفس العبادة مثل أن يقصد من نفس فعله الزكاة الاحسان على أحد، و تارة يكون في اختيار الفرد، مثل أن يكون قصده من أصل زكاة ماله أمر اللّه تعالى، لكن فى مقام اختيار الافراد يعطى زكاته بأحد اقربائه الفقير‌

ظاهر كلام المؤلف صورة الاولى، لكن نحن نذكر حكم كل من الصورتين إنشاء اللّه.

____________

(1) الرواية 1 من الباب 15 من ابواب مقدمة العبادات من الوسائل.

204

المقام الأوّل: في الضمائم الراجحة

كما إذا كان قصده في الوضوء القربة و تعليم الغير فله صورتان، و مفروض الكلام فيما تكون الضميمة الراجحة بما هى راجحة تمام الداعى أو جزء الداعى، لا بما هي مع قطع النظر عن رجحانها.

الصورة الاولى: ما إذا كان داعى القربة استقلاليّا و الضميمة الراجحة تبعا

بمعنى كون القربة بنفسها علة تامة للعمل كافية في صدور الفعل، و تكون الضميمة تبعا و إن كان الفعل عند اجتماعهما يسند إليهما.

فقد يقال بالصحة في هذه الصورة لأنّ ما يتوقف عليه صحة العبادة و المقدار الّذي قام عليه الاجماع على اعتباره في الوضوء و ساير العبادات هو صدور الفعل بداعى الأمر المستقل في البعث لو لا الضميمة، فاعتبار غير ذلك محتاج إلى الدليل و هو مفقود، و ما يكون عليه بناء العقلاء في مقام العبودية و كون الفعل عبادة و مظهرا من مظاهر العبودية كون أمر المولى في نظر العبد علة تامة للفعل، و أمّا انحصار العلة به بحيث لو فرض عدم الأمر لزم عدم الفعل من جهة عدم الداعى الأخرى للعبد فليس له مدخلية في العبودية.

هذا غاية ما يمكن أن يقال في مقام وجه الصحة في هذه الصورة.

أقول: إنّ المدعى للصحة تارة يدعى الصحة للاجماع على الصحة، فالعهدة على مدعيه لعدم ثبوت اجماع بحيث يكون معقد الاجماع صحة العبادة إذا كان داعى التقرب علة تامة في حد ذاته و إن كان الفعل فعلا مستندا إلى كل منهما.

و تارة يدعى الاجماع على أن القربة المعتبرة في العبادة و ما يتوقف عليه العبادة من كون الباعث على الفعل أمر المولى، هو مجرد قابلية هذا الداعى للفعل في حد ذاته و إن كان فعلا مستندا إليه و إلى غيره، فتحقق الاجماع التعبدى على ذلك غير معلوم.

205

بل إن قالوا بذلك قالوا من باب أنّهم عقلاء، فيقع الكلام في أن العقل الحاكم في باب الاطاعة و المعصية، و العقلاء بما هم عقلاء، يحكمون بكفاية ذلك في مقام الاطاعة، و أنّه مجرد قابلية كون داعى أمر المولى علة تامة للفعل بحيث لو لم يكن داع آخر راجحا أو مباحا في البين يكفى لداعوية امر المولى لاتيان الفعل.

و بعبارة اخرى ليس المعتبر في العبودية إلّا أن يصير العبد بحيث يكون تأثير أمر المولى في نفسه بالنسبة إلى متعلقاته كتأثير العلل التكوينية فى معلولاتها، و بعبارة ثالثة ليس فى الأدلة ما يدل على لزوم استقلال داعى الطاعة بعد وصوله بمرتبة يصلح لأن يكون مؤثرا فى نفسه و إن كان وجد فعلا داع آخر و لأجله يستند الفعل إليهما في مقام الاطاعة.

أو لا يكفى ذلك بل المعتبر أن يكون الفعل الصادر خارجا مستندا إلى داعى الأمر فقط لا إلى غيره بحيث لو كان هنا أمر آخر راجح و يأتي به لداعى اللّه، فيأتى الفعل بداعى كل من الأمرين و إن كان واحد منهما تبعا لا يصدق الامتثال للامر الذي يكون الداعى عليه استقلاليا، و لا امتثالا للأمر الداعى عليه تبعيا، لأنّ ما يقتضي امتثال كل من الأمرين عند العقل هو كون صدور الفعل ممحضا لا طاعة امر واحد منهما فقط، لا على اطاعة امره و على امر غيره و إن كان الداعى على أحدهما استقلاليا و على الآخر تبعيا.

اعلم انه لو قلنا بصحة العبادة في هذه الصورة فليس من باب عدم تعلق القصد بالشي‌ء التعبي لما قال (1) العلامة الهمدانى ره فى مبحث الوضوء بصحة العبادة إذا كانت الضميمة تبعيّا حتى فى الرياء بدعوى عدم كون المقصود التبعى مما تعلق به الداعى، بل ليس الا مجرد السرور و الشوق به، لأنّ ما قاله خارج عن محل الكلام إذ‌

____________

(1) مصباح الفقيه، ج 2، ص 226 و 248.

206

البحث يكون فى مورد يتعلق القصد بكل من الامرين، غاية الامر احدهما مقصود بالقصد الاستقلالى بحيث يكون فى حد ذاته علّة تامة لايجاد العمل، و أحدهما مقصود بالقصد التبعى بمعنى أنّه لو خلّى و طبعه لا يتعلق به القصد استقلالا، فافهم.

و هكذا إن قلنا بعدم صحة العبادة فى هذه الصورة و غيرها من الصور التي كانت الضميمة مع العبادة راجحة ليس من باب عدم وجود الاخلاص المعتبر في العبادة، لأنّه على الفرض بعد كون الضميمة راجحة يأتي بالفعل بكل من الداعيين للّه تعالى فيكون العمل واجدا للاخلاص المعتبر، و هو كونه للّه تعالى فقط لا للرياء أو لدواع آخر غير اللّه تعالى، نعم لو كان المراد من الاخلاص هو كون كل عمل بداعى أمر نفسه محضا لا يكون الاخلاص موجودا، و لكن المراد بالاخلاص كما يظهر من الآيات الكريمة و الروايات الشريفة هو خلوص العمل للّه و خلوه عن الرياء و الدواعى الآخر غير اللّه تعالى.

إذا عرفت ذلك نقول بعونه تعالى: إنّه كما نسب إلى جمع من فقهائنا (رضوان اللّه تعالى عليهم) خصوصا يظهر من جلّ المتأخرين منهم، بل يدعى عليه الاجماع، هو صحة العبادة في هذه الصورة، لأنّه بعد ما كان الداعى إلى اطاعة الأمر علة تامة في حدّ ذاته للفعل بحيث لو لم يكن هذا الداعى التبعى الراجح لكان كافيا للعلية، غاية الأمر اتفق داع آخر راجح بتبع الداعى التام على ايجاد الفعل، فالفعل يقع بداعى الأمر و واجدا للخلوص لعدم وجود داعى النفسانيّة فيه، فيحكم العقل بحصول الاطاعة في هذا الفرض و إن كان داع راجح صار سبب آكديّة القصد إلى العمل و اتيانه.

و لهذا لو كان الأمر من المولى متعلقا بالصدقة فصار أمر المولى علة تامة لصدور الصدقة منه بحيث لو لم يوجد داع آخر كان يتصدق لأمر المولى، و لكن‌