ذخيرة العقبى في شرح العروة الوثقى - ج6

- الشيخ علي الصافي الگلپايگاني المزيد...
458 /
257

و الشك في المقدم منهما).

أقول: إذا عرض الشك من جهة تعاقب حالتى الحدث و الطّهارة و الشك في المقدم منهما ثم نسيه فأيضا مثل الصورتين من حيث عدم جريان استصحاب الحدث أو الطّهارة و من حيث عدم جريان قاعدة الفراغ لعدم كون الشك حادثا بعد الصلاة و من حيث أن مقتضى قاعدة الاشتغال وجوب إعادة الصلاة التي صليها حال نسيانه الشك و اليقين، أو القضاء.

*** [مسئلة 39: إذا كان متوضئا و توضأ للتجديد]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 39: إذا كان متوضئا و توضأ للتجديد و صلّى ثم تيقن بطلان أحد الوضوءين و لم يعلم أيّهما لا إشكال في صحة صلاته و لا يجب عليه الوضوء للصلوات الآتية أيضا بناء على ما هو الحق من أن التجديدى إذا صادف الحدث صحّ، و أمّا إذا صلّى بعد كل من الوضوءين ثم تيقن بطلان أحدهما، فالصلاة الثانية صحيحة، و أمّا الاولى فالأحوط إعادتها و إن كان لا يبعد جريان قاعدة الفراغ فيها.

(1)

أقول: الكلام يقع في موردين:

المورد الأوّل: في أنه إذا كان متوضئا و توضأ للتجديد

و صلى ثم يتقن بطلان احد الوضوءين و لا يعلم بأن الباطل أىّ منهما تصحّ صلاته و لا يجب الوضوء للصلوات الآتية.

258

فإن قلنا بأن الوضوء سواء كان رافعا للحدث أو غير رافع له، مثل ما إذا كان للتجديد ليس إلّا حقيقة واحدة، فاذا صادف مع الحدث يرفعه و إن لم يصادف فلا.

فتارة لا يكون قصد التجديد على نحو التقييد كما نقول بيانه في صورة قصد التقييد، فصحة صلاته في الفرض واضح لأنّ كل واحد منهما وقع صحيحا في الواقع فقد رفع به الحدث، فالصلاة تقع صحيحة و لا يجب الوضوء للصلوات الآتية لكونه مع الطّهارة على الفرض، لأنّ واحدا من الوضوءين وقع صحيحا فرفع به الحدث و صار مع الطّهارة.

و أمّا إن قلنا بأن الوضوء الرافع للحدث و وضوء الغير الرافع واحد، لكن يكون قصد التجديد بعنوان التقييد بحيث يقصد أن الوضوء المقيد بكونه تجديدا آت به و إلا فلا، ففي هذه الصورة بعد كون الوضوء الواقع بقصد التجديد بنحو التقييد بمعنى قصد التجديد و لو كان رافعا للحدث لم يأت به، فلا يصير هذا الوضوء رافعا للحدث حتى يقال: بأن الوضوء الباطل إن كان الوضوء الأوّل فلا يرفع به الحدث فقد رفع الحدث بالوضوء الثاني.

فهل: يقال بأنه بعد علمه الاجمالى ببطلان أحد الوضوءين، و الحال أن الثاني منها لا يرفع الحدث، لا يعلم بارتفاع الحدث و استصحاب الحدث السابق على الوضوءين محكّم، فلا يعلم بوقوع صلاته مع الطّهارة، بل بمقتضى هذا الاستصحاب محكوم بعدم الطّهارة، فصلاته وقعت بلا طهارة ظاهرا فتبطل صلاته.

أو يقال: بصحة الصلاة حتى في هذه الصورة و وقوعها مع الطّهارة بمقتضى جريان قاعدة الفراغ في الوضوء الأوّل و هو الوضوء الغير التجديدى.

بيانه إمّا أن يقال بأنه في العلم الاجمالى إذا كان إجراء الاصل في أحد طرفى العلم الاجمالى بلا اثر عملى له، فيكون إجراء الاصل في الطرف الآخر بلا معارض،

259

فيقال في المقام: بأنه لا مجال لاجراء قاعدة الفراغ في الوضوء التجديدى لعدم أثر عملى له فيكون إجراء قاعدة الفراغ في الوضوء الأوّل بلا مانع.

هذا إن كان وجه عدم إجراء الاصل في أطراف العلم الاجمالى تعارض الأصلين، أو الأصول فصحّ ما قلت من أنّه مع عدم اجراء قاعدة الفراع في الوضوء التجديدى لا مانع من إجرائها في الوضوء الغير التجديدى من الوضوءين.

لكن على ما قلت في العلم الاجمالى من أن منشأ عدم جريان الاصل في أطرافه هو نفس العلم، فلا يتم ما قلت هنا من إجراء قاعدة الفراغ في الوضوء الأوّل الغير التجديدى، لأنّ نفس العلم الاجمالى ببطلان أحد الوضوءين يمنع عن اجراء قاعدة الفراغ في الوضوء الغير التحديدى.

نعم إن فرض عدم الاثر الشرعى المترتب على إجراء قاعدة الفراغ في الوضوء التجديدى فلا، لعدم اثر شرعى لا جرائها، فيكون الاصل فى طرف الوضوء الاول بلا معارض، فيجرى و نتيجته صحة الوضوء الاول، فاذا صح صحت الصلاة الواقعة بعده، فينبغى التكلم فى أنّه هل يكون اثر شرعى لاجراء القاعدة فى الوضوء التجديدى أم لا؟ أقول: لا يبعد عدم اجراء القاعدة فى الوضوء التجديدى لعدم اثر شرعى، فلا يمكن الحكم بصحته.

و ما قاله بعض (1) الشراح من شمول إطلاق دليل القاعدة للمورد ففيه ان اجراء الاصول مع اطلاق دليلها محتاج إلى الاثر الشرعى لمنع التنزيل بدون الاثر الشرعى، و لو شك فى صحة الوضوء التجديدى و عدمها لا يمكن الحكم بمشروعية الوضوء الآخر بعنوان التجديد، و ببركة قاعده الفراغ يصح أن يقال بعدم‌

____________

(1) العلامة الآملي فى مصباح الهدى ص 505، ج 3.

260

مشروعيته، فهذا الاثر الشرعى.

ففيه أنّ مشروعية الوضوء الآخر بعنوان التجديد و عدمها ليس اثر عدم صحة الوضوء التجديدى الاول و صحته نظير وجوب الإعادة، فإنه ليس أثر صحة الصلاة و عدمها بل اثر بقاء الامر الاوّل و بعد عدم الاثر الشرعى لقاعده الفراغ فى الوضوء التجديدى تجرى قاعده الفراغ فى الوضوء الاول بلا معارض فتصح الصلاة.

و إما أن يقال بأن نفس العلم مانع عن جريان الأصل في أطراف العلم الاجمالى، و لكن يكون ذلك في فرض تنجز العلم، و أمّا مع عدمه فلا.

و تنجز العلم يكون فيما إذا صار العلم بحيث يكون في كل طرف من الاطراف يصلح له البعث و الزجر، أما فيما لا يكون كذلك فلا يكون العلم منجزا، و لذا لو كان بعض الاطراف خارجا عن محل الابتلاء فلا يتنجز العلم و مع عدم صحة البعث أو الزجر في بعض الاطرف لا يكون العلم منجزا مثل ما نحن فيه: لأنّ الوضوء التجديدى مستحب و لا يصح البعث و الزجر، فلا يكون العلم الاجمالى منجزا على كل تقدير، فلا مانع من إجراء قاعدة الفراغ في الوضوء الغير التجديدى، و أثره صحة الصلاة الواقعة بعد هذا الوضوء بعد فرض عدم تنجز العلم الاجمالى، مضافا إلى أنّه يقال لو فرض القول بتنجز العلم الاجمالى فى المورد، و فرض القول بتعارض الاصلين بالنسبة إلى الوضوءين و سقوطهما بالتعارض، يمكن أن يقال: باجراء قاعدة الفراغ فى نفس الصلاة كما يقال فى الملاقى بالكسر لبعض الاطراف فى الشبهة المحصورة من أنّ الاصل فى الاطراف يسقط بالتعارض، و يكون الاصل فى الملاقى بالكسر بلا معارض.

فتلخص أنّ الصلاة الواقعة بعد الوضوءين صحيح‌

261

و اما وجوب الوضوء للصلوات الآتية و عدمه فنقول لا يجب الوضوء على كل الحالات المتقدمة للصلوات الآتية الّا على القول بتنجز العلم الاجمالى و عدم إجراء الاصل و هى قاعده الفراغ فى الوضوء الاولىّ و تساقط الاصول فى الطرفين بالتعارض و الالتزام بصحة الصلاة لاجل قاعدة الفراغ فى الصلاة لا فى الوضوء الّا على القول بكون قاعدة الفراغ من الامارات لا من الاصول.

المورد الثاني: فيما إذا صلى بعد كل من الوضوءين

ثم يتقن بطلان أحدهما فهل تصح الصلاة الثانية فقط و لا تصح الصلاة الاولى، أو تصح كل منهما أولا تصح كل منهما.

اعلم أن الصلاتين الواقعتين بعد الوضوءين، إحداهما بعد الوضوء الأوّل و ثانيهما بعد الوضوء الثانى، تارة لا تكونان مترتبتين مثل ما كانت الصلاة الاولى فائتة و الثانية حاضرة و لم نقل بالترتيب بين الفائتة و الحاضرة، و تارة يكون الترتيب بينهما مثل كون الصلاة الواقعة بعد الوضوء الاول صلاة الظهر و الصلاة الواقعة بعد الوضوء الثانى صلاة العصر.

امّا إذا لم يكن بين الصلاتين ترتيب فنقول: قد ظهر مما قلنا في المورد الأوّل من صحة الصلاة الواقعة بعد الوضوءين، صحة الصلاة الثانية في هذا الفرض بعين ما قلنا في المورد الأوّل فلا حاجة الى اعادة وجهها.

و أمّا إذا كانت الصلاة الثانية مترتبة على الاولى بحسب وضعها الشرعى مثلا توضأ الوضوء الأوّل فصلى الظهر ثم توضأ الوضوء الثاني و صلى العصر، و قلنا بعدم صحة اللاحقة إذا كان اتيانها باعتقاده اتيان السابقة و إلّا لو قلنا بصحة اللاحقة المترتبة على السابقة فيما اعتقد اتيان السابقة فاتى باللاحقة فحكم الصلاة المترتبة حكم غيرها فيما نحن فيه، فهل تكون الصلاة الثانية أعنى: العصر محكومة بالصحة‌

262

مثل الفرض الأوّل، أو لا يكون كذلك، بل في هذا الفرض يقطع ببطلان صلاة العصر لا لبطلان نفسها لوقوعها بعد الوضوءين فكانت مع الطّهارة مسلما، بل من باب انّه بعد فساد الصلاة الاولى الواقعة بعد الوضوء الأوّل و هي الظهر تبطل العصر لفقدها الترتيب المعتبر فيه.

أقول: إن قلنا ببطلان الصلاة الاولى الواقعة بعد الوضوء الأوّل ففيما كانت الصلاة الثانية مما اعتبر فيها كونها مترتبة على الاولى مثل العصر بالنسبة إلى الظهر و العشاء بالنسبة إلى المغرب تبطل الصلاة الثانية و إن وقعت بعد الوضوء الثاني الواجدة للطهارة.

و أمّا لو لم نقل ببطلان الصلاة الاولى و إن وقعت بعد الوضوء الأوّل المعلوم إجمالا أمّا بطلانه أو بطلان الوضوء الثاني فلا وجه لبطلان الصلاة الثانية الواقعة بعد الوضوء الثاني التجديدى، فينبغى عطف عنان الكلام إلى بيان حكم الصلاة الاولى.

فنقول بعونه تعالى: أما الكلام في صحة الصلاة الاولى الواقعة بعد الوضوء الأوّل و فسادها.

فقد يقال بفسادها من باب العلم الاجمالى ببطلان الوضوء الأوّل أو الوضوء الثاني، فحيث إنّه يعلم إجمالا ببطلان احد الوضوءين و من المحتمل كون الباطل هو الوضوء الأوّل فلا تصح الصلاة الواقعة بعده لكون الواجب عليه الصلاة مع الطّهارة إمّا لاستصحاب الحدث او لقاعدة الاشتغال باختلاف الموارد كما مر تفصيله في طى المسألة 36 بالمناسبة.

و لكن أقول: بأنه على القول بكون نفس العلم الاجمالى مانعا عن اجراء الأصول في الاطراف فهو مختص بما يكون منجزا بحيث يصح البعث و الزجر عنه في كل طرف من الاطراف، و بعد كون أحد طرفى العلم الوضوء التجديدى، فالعلم‌

263

الاجمالى لا يصير منجزا لعدم البعث و الزجر نحوه، مثلا إذا كان عالما اجمالا بطلان صلاة واجبة أو بطلان صلاة مستحبة، فلا يكون هذا العلم منجّزا بالنسبة إلى الاطراف فلا يقتضي هذا وجوب شي‌ء، فكذلك بعد كون أحد طرفى العلم الوضوء التجديدى فلا يكون العلم منجّزا، فلا يقتضي وجوب إعادة الوضوء الأوّل الواقع لرفع الحدث بمقتضى العلم.

و بعد عدم تنجز العلم و وصول النوبة إلى الاصل، فكما قلنا في المورد الأوّل بعد كون إجراء قاعدة الفراغ بالنسبة إلى الوضوء التجديدى بلا أثر شرعى، فلا تجرى فيه فتكون قاعدة الفراغ بالنسبة إلى الوضوء الأوّل بلا معارض فيصح الوضوء بقاعدة الفراغ و تصح الصلاة الواقعة بعده.

كما أن بناء على أن عدم جريان الاصل في أطراف العلم الاجمالى يكون لاجل التعارض فمع عدم التعارض كما عرفت يجرى الأصل و هو قاعدة الفراغ بالنسبة الى الوضوء الأوّل فالصلاة الواقعة بعدها محكومة بالصحة.

و أمّا ان قلنا بتنجز العلم الاجمالى أو قلنا بتعارض الاصل في الوضوءين و فرض تساقط الاصل فيهما بالتعارض، لا مجال للتمسك بقاعدة الفراغ بالنسبة إلى نفس الصلاة الاولى، لأنّ قاعدة الفراغ فيها معارضة مع قاعدة الفراغ فى الصلاة الثانية فتتساقطان بالتعارض بخلاف المورد الاولى فإن فيه لم يأت على الفرض إلّا صلاة واحدة و بعد وقوع التعارض فى الاصلين أعنى: جريان قاعدة الفراغ في الوضوء التجديدى و جريان قاعدة الفراغ في الوضوء الأوّل فلا مجال للقول بصحة الوضوء الأوّل لقاعدة الفراغ لأنّه على القول بتنجز العلم الاجمالى و جريان الاصلين فى الوضوءين و تساقطهما بالتعارض يقال بصحة الصلاة الواقعة بعد‌

264

الوضوءين لقاعدة الفراغ الجارية في نفس الصلاة و يجب الوضوء للصلوات الآتية إلّا على القول بامارية قاعدة الفراغ فيثبت بها لوازمها و هي كونها مع الطّهارة.

و أمّا في المورد الثاني فحيث أنّه صلى صلاتين فلو لم يجر الاصل فرضا في الوضوء الأوّل بناء على تعارض الاصل في كل وضو مع الاصل فى الوضوء الاخر و تساقطهما فلا مجال لاجراء الأصل أعنى: قاعدة الفراغ فى الصلاة الاولى لتعارضها مع قاعدة الفراغ فى الصلاة الثانية.

فهذا هو الفرق بين المورد الاول و هو ما صلى صلوه واحدة بعد الوضوءين، فانه على فرض تنجز العلم الاجمالى و تساقط الأصل فى الوضوءين تجرى قاعدة الفراغ فى الصلاة، بخلاف المورد الثانى و هو ما صلى بعد كل من الوضوءين صلاة، فلا تجرى قاعدة الفراغ فى الصلاة الاولى لتعارضها مع قاعدة الفراغ فى الصلاة الثانية.

*** [مسئلة 40: إذا توضأ وضوءين و صلّى بعدهما ثم علم بحدوث حدث بعد أحدهما]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 40: إذا توضأ وضوءين و صلّى بعدهما ثم علم بحدوث حدث بعد أحدهما، يجب الوضوء للصلاة الآتية لأنّه يرجع إلى العلم بوضوء و حدث و الشك في المتأخر منهما، و أمّا صلاته فيمكن الحكم بصحتها من باب قاعدة الفراغ بل هو الأظهر.

(1)

أقول: بعد كون الوضوء الثاني تجديديا لعدم فرض صحة الثاني إلا بقصد التجديد، في المسألة كلام من حيث وجوب الوضوء للصلاة الآتية و عدمه إذا توضأ‌

265

وضوءين و صلى بعدهما ثم علم بحدوث حدث بعد أحدهما.

فنقول بعونه تعالى: إنّه على الفرض يكون من صغريات استصحاب تأخر الحادث مع كون تاريخ حدوثهما مجهولا أو تاريخ أحدهما مجهولا على مختارنا فقد عرفت في طى المسألة 37 وجوب الوضوء في الفرض.

و كلام من حيث صحة صلاته الواقعة بعد الوضوءين مع العلم الاجمالى بحدوث حدث بعد أحدهما، فيقال: بعد عدم إجراء الاصل في مجهولى التاريخ إمّا لعدم مجال لجريانه، أو لسقوطه بالتعارض، و قد مر تفصيله في المسألة 37 فيحكم بكونه محدثا و يجب عليه الوضوء، لكن لا مانع من إجراء قاعدة الفراغ في الصلاة الواقعة بعد الوضوءين، فيحكم بصحتها لأجل قاعدة الفراغ الجارية في نفس الصلاة.

*** [مسئلة 41: إذا توضأ وضوءين و صلّى بعد كل واحد صلاة]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 41: إذا توضأ وضوءين و صلّى بعد كل واحد صلاة ثم علم حدوث حدث بعد أحدهما يجب الوضوء للصلوات الآتية و إعادة الصلاتين السابقتين إن كانتا مختلفتين في العدد و إلّا يكفى صلاة واحدة بقصد ما في الذمة جهرا إذا كانتا جهريتين و إخفاتا إذا كانتا إخفاتيتين، و مخيرا بين الجهر و الاخفات إذا كانتا مختلفتين، و الأحوط في هذه الصورة إعادة كلتيهما.

(1)

أقول: الكلام يقع في موارد:

المورد الأوّل: في وجوب الوضوء للصلوات الآتية

فيما إذا توضأ و صلى ثم‌

266

توضأ و صلّى صلاة اخرى، ثم علم إجمالا بحدوث حدث إمّا بعد الوضوء الأوّل و قبل الصلاة الاولى و إمّا بحدوثه بعد الوضوء الثاني قبل الصلاة الثانية، فحيث إنّه يعلم على هذا بحدوث الحدث و حدوث الوضوء، و يشك في المتأخر منهما لأنّه لا يعلم بأن الحدث هل حدث بعد الوضوء الأوّل حتى يكون مقدما على الوضوء الثاني، فيكون الوضوء مؤخّرا، أو أن الحدث حدث بعد الوضوء الثاني حتى يكون الحدث مؤخّرا، فيعلم بحدوث كل من الوضوء و الحدث، لكن يكون شاكا في المتأخر منهما، فيكون من صغريات الشك في تأخر الحادث، و قد أمضينا الكلام فيه في طى المسألة 37، و قلنا: إنّه يجب عليه الوضوء للصلوات الآتية سواء كانا مجهولى التاريخ، أو كان الوضوء معلوم التاريخ و الحدث مجهول التاريخ أو العكس على مختارنا.

المورد الثاني: في حكم الصلاتين الواقعتين بعد الوضوءين

في مفروض الكلام من حيث الصحة و الفساد.

أما قاعدة الفراغ فلا مجال لأن يقال بصحة احدى الصلاتين لأجلها، لأنّ قاعدة الفراغ في كل منهما متعارضة مع قاعدة الفراغ في الاخرى، أو لان إجراء كل منها يضاد مع العلم الاجمالى، و إجراء أحدهما دون الآخر ترجيح بلا مرجح أو يضاد مع العلم الاجمالى بناء على كون نفس العلم مانعا من جريان الأصل على فرض تنجزه.

و أمّا استصحاب الطّهارة فقد يقال: بأنّ هذا الاستصحاب في كل منهما معارض مع الآخر لأنّه كما يصح استصحاب الطّهارة بعد الوضوء الأوّل إلى تمامية الصلاة الاولى يصح استصحاب الطّهارة بعد الوضوء الثاني إلى تمام الصلاة الثانية فالاستصحابان متعارضان، فلا يجرى استصحاب الطّهارة إمّا لتعارضهما، أو لكونه مضادا مع العلم الاجمالى، أو لكونه موجبا للمخالفة القطعية مع العلم الاجمالى.

267

و قد يقال بأنه بعد كون حدوث الحدث و الوضوء معلوما و الشك في المتأخر منهما، فيكون التعارض بين استصحاب الحدث و الوضوء الثاني، لأنّ الوضوء الأوّل مقطوع الارتفاع بالحدث سواء كان هذا الحدث حادثا بعد الوضوء الأوّل أو بعد الوضوء الثاني، و بعد كون التعارض بين استصحاب الحدث و بين الوضوء الثاني فلا مانع من استصحاب الطّهارة الحاصلة بالوضوء الأوّل إلى ما بعد الفراغ من الصلاة الاولى، فيستصحب الوضوء إلى الفراغ من الصلاة الاولى، و تكون النتيجة صحة الصلاة الاولى.

و هذا هو الحق في المقام خلافا لما اختاره المؤلف (رحمه اللّه) من إعادة الصلاتين إذا كانتا مختلفتين في العدد إلى آخر ما قاله (رحمه اللّه).

فعلى ما قلنا لا يجب إلّا إعادة خصوص الصلاة الثانية من الصلاتين إمّا لاجل استصحاب الحدث، أو لقاعدة الاشتغال و عدم جريان قاعدة الفراغ بالنسبة إليها مضى وجهه في المسألة 37.

إلّا أن ما يدعى من الاجماع على وجوب إعادة الصلاتين و عدم خلاف ظاهر يقال: بأنّ الواجب إعادة الصلاتين لكن يمكن كون وجه اتفاقهم بعض الوجوه الغير التمام عندنا لا إجماع تعبدى كاشف عن قول المعصوم (عليه السلام) أو نص، لكن الاحوط استحبابا إعادة الصلاتين.

المورد الثالث: لو فرض اختيار ما قاله المؤلف (رحمه اللّه)

من وجوب إعادة الصلاتين لعدم امكان القول بصحة كل من الصلاتين و لا واحدة منها بمقتضى قاعدة الفراغ أو استصحاب الطّهارة يأتي الكلام في هذا المورد و هو في كيفية إعادة الصلاتين.

(و أمّا بناء على ما اخترنا من صحة الصلاة الاولى فلا يأتي هذا البحث‌

268

اصلا) فنقول على ما اختاره المؤلف (رحمه اللّه) في المقام.

إن كانت الصلاتان مختلفتين من حيث العدد مثلا كانت الاولى المغرب و الثانية العشاء، يجب إتيان صلاتين مغرب و عشاء.

و إن كانتا متفقتين من حيث العدد و متفقين من حيث الجهر و الاخفات مثلا كانت الاولى الصلاة الظهر و الثانية الصلاة العصر، فهل يكتفى بصلاة واحدة بقصد ما في الذمة، لأنّه في الواقع لا تبطل إلّا واحدة من الصلاتين، لأنّ الحدث إن حدث بعد الوضوء الاول فالصلاة الاولى باطلة، و لكن الصلاة الثانية الواقعة بعد الوضوء الثاني صحيحة لكونها مع الطّهارة.

و إن حدث بعد الوضوء الثاني فالصلاة الثانية و إن كانت باطلة، لكن الصلاة الاولى الواقعة بعد الوضوء الأوّل صحيحة لكونها مع الطهارة، فمع علمه ببطلان إحدى الصلاتين يعلم صحة الأخرى منهما فليس على عهدته إلّا صلاة واحدة.

أو لا يكتفى بصلاة واحدة بل لا بدّ من إتيان الصلاتين، لأنّ كل عنوان من العنوانين لا يتحقق في الخارج إلّا بالقصد، و بعبارة اخرى كان من جملة العناوين القصدية كالظهرية و العصرية، و الأدائية و القضائية لا بدّ من قصدها في مقام النية، فلا يكتفى في المقام إتيان صلاة بقصد ما في الذمة، بل لا بدّ فيما كانت الصلاة الاولى ظهرا و الثانية عصرا و لا يدرى أيّهما وقعت بلا طهارة من إتيان أربع ركعات بقصد الظهر احتياطا و أربع ركعات بعنوان العصر احتياطا.

أقول: أوّلا ما ذكرنا من أن العناوين القصدية لا بدّ في تحققها في الخارج من قصدها صحيح، لكن لا يلزم قصدها تفصيلا بل يكفى قصدها اجمالا، لعدم اعتبار أزيد من ذلك عند العقل في مقام صدق الاطاعة، فلو كان ما في ذمته صلاة واحدة مثلا صلاة ظهر، فلو قصد ما في ذمته فعلا كفى في تحقق العنوان و يحصل الامتثال،

269

فعلى هذا تقضى القاعدة كفاية أربع ركعات بقصد ما في الذمة في المثال.

و ثانيا يمكن التمسك بكفاية إتيان أربع ركعات بقصد ما في الذمة بما رواها علي بن أسباط عن غير واحد من أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: من نسى من صلاة يومه واحدة و لم يدر اىّ صلاة هي صلّى ركعتين و ثلاثا و أربعا (1).

و ما رواه احمد بن أبي عبد اللّه البرقى في المحاسن عن أبيه عن العباس بن معروف و عن علي بن مهزيار عن الحسين بن سعيد يرفع الحديث قال: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل نسى من الصلوات لا يدرى أيّتها هي، قال: يصلى ثلاثة و أربعة و ركعتين، فإن كانت الظهر أو العصر او العشاء فقد صلّى أربعا و إن كانت المغرب أو الغداة فقد صلّى (2).

و موردها و إن كان النسيان لكن تطمئن النفس بعدم خصوصية للنسيان خصوصا ما في ذيل الرواية الثانية (فإن كانت الظهر أو العصر أو العشاء كان قد صلى) يكون تقريبا ذكر علة لكفاية اتيان أربع ركعات على من عليه صلاة أربع ركعات لا يدرى الظهر أو العصر أو العشاء.

و لذا لو علم أن صلاة مرددة بين الظهر و العصر ينسيها و لا يدرى أيا منهما لا يشك أحد في أنّه يكتفى باتيان صلاة واحدة بمقتضى الروايتين و لو لم يكن مورد الرواية، لأنّ مورد الرواية من نسى صلاة مرددة بين الصلوات الخمس اليومية.

نعم يمكن الاشكال في سند الروايتين لأنّ الاولى مضمرة لعدم معلومية غير واحد من أصحابنا، و الثانية مرفوعة، إلّا أن يقال بانجبار ضعفهما بعمل المشهور.

____________

(1) الرواية 1 من الباب 11 من ابواب قضاء الصلوات من الوسائل.

(2) الرواية 2 من الباب 11 من ابواب قضاء الصلوات من الوسائل.

270

لا يقال: إن المشهور و إن عملوا بهما لكن بعضهم كالشيخ و القاضى و ابن زهرة و الحلى و ابن سعيد على المحكى عنهم (رضوان اللّه تعالى عليهم) اختصوا بخصوص موردهما و لم يتخطوا عن المورد، فعلى هذا الشهرة الفتوائية الجابرة تكون في خصوص مورد النصّين، و هو نسيان صلاة يومه أو صلاة من الصلوات، و أمّا مثل مورد الكلام، فلا يكون فتوى المشهور على طبقهما.

لأنا نقول: إن عمل المشهور بالرواية و استناد هم بها يوجب جبر ضعف سند الرواية، و بعد جبر ضعف سند الرواية ما نستفيد منها حجة لنا و إن لم يقل به المشهور.

و إن كانتا متفقتين من حيث العدد و مختلفتين من حيث الجهر و الاخفات مثلا في مسئلتنا توضأ وضوءا و صلّى بعده صلاة جهرية ثم توضأ وضوء و صلى بعده صلاة اخفاتية ثم علم إجمالا بحدوث حدث إمّا بعد الوضوء الأوّل و إمّا بعد الوضوء الثاني.

فهل يكتفى في مقام الاعادة بصلاة واحدة مخيرا فيها بين الجهر و الاخفات أو لا يكتفى بصلاة واحدة، بل لا بد من إتيان صلاة جهرا و صلاة اخرى اخفاتا.

و الكلام في ذلك تارة يقع فيما يقتضيه النص، و تارة فيما هو مقتضى القاعدة.

أما ما يقتضيه النص فقد عرفت دلالة الروايتين المتقدمتين على أنّه إن كانت على ذمته صلاة لا يدرى أنّها الظهر أو العصر أو العشاء يكفى في براءة ذمته اتيان صلاة واحدة أربع ركعات.

و أمّا بمقتضى القاعدة فيجب إتيان الصلاتين بمقتضى العلم الاجمالى بفساد أحدهما فيما كانتا مختلفتين من حيث العدد، أو من حيث الجهر و الاخفات لأنّه بعد‌

271

فرض العلم الاجمالى بفساد أحدهما، و سقوط قاعدة الفراغ في الصلاتين و استصحاب الطّهارة في الوضوءين بالتعارض، و فرض وجوب الجهر في الجهرية و الاخفات في الاخفاتية و مشكوكية ما هو الباطل بين الجهرية و الاخفاتية، يجب إتيان صلاة جهرا و اتيان صلاة اخفاتا.

إلّا أن يدعى أن ما يدل من النصوص على وجوب الجهر في الجهرية و وجوب الاخفات في الاخفاتية ليس له إطلاق يشمل حتى مثل ما نحن فيه المشكوك كون ما في الذمة من الجهرية أو الاخفاتية، و لكن القول بذلك مشكل لاطلاق أدلته.

فعلى هذا إن قيل بحجية الروايتين و شمولهما للمورد، فيكفى صلاة واحدة مخيرا فيها بين الجهر و الاخفات.

و إن لم نقل بها فالأحوط وجوبا اتيان الصلاتين واحدة جهرا و واحدة إخفاتا.

لا لوجوب قصد خصوص الظهرية و العصرية، أو الاداء و القضاء تفصيلا في مقام النية لما عرفت من كفاية قصدهما إجمالا، بل من باب أن إطلاق دليل الجهر في الجهرية و الاخفات في الاخفاتية ربّما يشمل المورد، و ربما لا يشمل بدعوى عدم إطلاق له يشمل المورد، و لأجل احتمال عدم الاطلاق قلنا: إن الأحوط وجوبا اتيان صلاة جهرا و اتيان صلاة اخرى إخفاتا.

و لا فرق في الاكتفاء بإتيان صلاة في مقام براءة الذمة بين ما يكون الصلاتين المعلوم إجمالا وقوع الحدث قبل إحداهما أداءين أو قضائيين، أو أحدهما أدائيه و الاخرى قضائية لعدم تمامية ما ذكروه من التفصيل بين ما يكون إحداهما أدائيا و الاخرى قضائيا.

272

هذا كله على تقدير وجوب اتيان الصلاتين في مفروض المسألة.

و أمّا بناء على ما قلنا من أن الواجب إعادة خصوص الصلاة الثانية بعد الوضوء الثاني فلا مجال لهذه الابحاث، لأن الصلاة الثانية إن كانت جهرية يعيدها جهرا و إن كانت اخفاتية يعيدها إخفاتا، فافهم.

*** [مسأله 42: إذا صلّى بعد كل من الوضوءين نافلة]

قوله (رحمه اللّه)

مسأله 42: إذا صلّى بعد كل من الوضوءين نافلة ثم علم حدوث حدث بعد أحدهما فالحال على منوال الواجبين، لكن هنا يستحب الاعادة إذا الفرض كونهما نافلة، و أمّا إذا كان في الصورة المفروضة إحدى الصلاتين واجبة و الاخرى نافلة فيمكن أن يقال بجريان قاعدة الفراغ في الواجبة و عدم معارضتها بجريانها في النافلة أيضا، لأنّه لا يلزم من إجرائهما فيهما طرح تكليف منجز، إلّا أن الاقوى عدم جريانها للعلم الاجمالى، فيجب إعادة الواجبة و يستحب إعادة النافلة.

(1)

أقول: الكلام يقع في مقامين:

المقام الأوّل: في أنه إذا توضأ وضوء ثم أتى بعده نافلة

ثم توضأ وضوء آخر و أتى بنافلة اخرى، ثم علم حدوث حدث بعد أحد الوضوءين.

فهنا كلام في أنّه هل يجب عليه الوضوء فعلا للصلوات الآتية أولا، فنقول:

حيث إنّه كما عرفت في المسألة السابقة يجب عليه الوضوء لما قلنا في المسألة 37 من‌

273

كون المسألة من صغريات مسئلة تأخر الحادث، و لا فرق كما عرفت بين كونهما مجهولى التاريخ أو أحدهما معلوم التاريخ.

و كلام في أنّه هل يستحب إعادة الصلاتين النافلتين كما اختاره المؤلف رحمه الله في المقام و أوجب إعادة الفريضتين في المسألة السابقة، غاية الأمر هنا يستحب الاعادة أو لا؟

أقول: أما بناء على ما قلنا في المسألة السابقة من كون استصحاب الوضوء الأوّل إلى تمام الصلاة الاولى بلا معارض، لأنّ التعارض بين استصحاب الحدث و بين الوضوء الثاني للعلم بحدوثهما و الشك في المتأخر منهما، فاستصحاب الوضوء الأوّل الى ما بعد الصلاة الاولى جار بلا معارض.

ففي هذه المسألة نقول: بأن النافلة الاولى محكومة بالصحة لاستصحاب الوضوء الأوّل إلى فعل النافلة الاولى.

نعم بعد علمه بحدوث الحدث يعلم بارتفاع الوضوء الأوّل، لكن حيث يحتمل حدوثه بعد الوضوء الثاني فاستصحابه قبل ذلك لا مانع منه.

و أمّا الصلاة النافلة الثانية، فهل يقال: بأنه بعد ما يكون مقتضى العلم بحدوث الحدث مع الشك في تأخره عن الوضوء و تقدمه محكوما بالحدث و وجوب الوضوء إمّا لاجل استصحاب الحدث أو لأجل توقف الصلوات الآتية على الطّهارة و لم يحرزها على ما مرّ في المسألة 37، فصلاته محكومة بعدم واجديتها لشرط الطّهارة، فيكون مثل من لم يصل النافلة و يستحب له اتيانها،

أو يقال: بأن مقتضى القاعدة إجراء قاعدة الفراغ فى كل الصلاتين لعدم تنجز العلم الاجمالى في المقام، فمقتضى قاعدة الفراغ صحة النافلة الثانية لعدم مانع من‌

274

جريان قاعدة الفراغ، إلا أن يدعى عدم جريان قاعدة الفراغ فى النافلة بدعوى انحصار موردها بالتكليف الالزامى، و لكن لا يبعد عدم الاختصاص لاطلاق بعض أخبار الباب و التعليل المذكور فى بعضها‌

و وجه عدم تنجز العلم الاجمالى هو أنّ معنى التنجز صحة البعث و الزجر فى كل طرف من أطراف العلم الاجمالى، و مع كون الصلاتين نافلة، و العلم الاجمالى ببطلان احدهما للعلم الاجمالى بطرو حدث قبل احدهما، فلا يكون العلم الاجمالى سببا للبعث نحو الطرفين، فلا مانع من قاعدة الفراغ فى كل من الطرفين.

اقول امّا أوّلا بعد ما قلنا من أنّ المانع من إجراء الاصل فى أطراف العلم الاجمالى هو نفس العلم لتضاد الاصل المخالف للعلم فى الاطراف مع العلم، ففى المقام يكون التعبد ببطلان احدى النافلتين تضاد مع التعبد بصحتهما، فلا مجال لاجراء قاعدة الفراغ فى الطرفين.

و امّا ثانيا بعد ما اخترنا من كون استصحاب الطهارة بعد الوضوء الاول بلا معارض إلى تمام النافلة الاولى، و أنّ العلم الحاصل بوقوع الحدث و الوضوء و الشك فى تأخر كل منهما عن الآخر يوجب كونه محكوما بالحدث، فالشك فى صحة النافلة الثانية و فسادها مسبب عن كونه محدثا أولا، و بعد كونه محدثا بالحدث فلا مجال للأصل المسببى و هو قاعدة الفراغ فى النافلة الثانية، بل هى محكومة بالفساد.

و أمّا بناء على ما اختاره المؤلف (رحمه اللّه) في المسألة السابقة من وجوب إعادة الصلاتين كما بينّا شرحه فقد يقال: بعدم إجراء قاعدة الفراغ في النافلة و انحصارها بمورد التكليف الالزامى، فلا مجال لاجراء قاعدة الفراغ في الصلاتين بمقتضى هذه القاعدة و إن لم يكن مانع من حيث العلم الاجمالى، و نتيجته أنّ المكلف فى الفرض يكون مثل من لم يصل النافلتين، لأنّه فى المسألة السابقة على هذا المبنى تقتضى‌

275

قاعدة الاشتغال إعادة الصلاتين، و فى هذه المسألة حيث يكون طرفى العلم بالنافلة لا مجال لاجراء قاعدة الاشتغال لعدم اشتغال الذمة بالنافلة، بل يكون بعد عدم اجراء قاعدة الفراغ فى النافلتين حاله حال من لم يأت بالنافلتين فيستحب له إتيانهما.

و قد يقال بجريانها فيما يكون له أثر عملى مطلقا حتى في المورد التكليف الغير الإلزامي كما هو الظاهر كما اشرنا إليه، فلا مانع من إجرائها في النافلة، بناء على انحصار عدم جريان الاصل في الأطراف العلم الاجمالى بما إذا يوجب جريانه المخالفة العملية المستلزمة للترخيص في المعصية، و أمّا لو لم يوجب ذلك فلا مانع من جريان الاصل المخالف للعلم الاجمالى في أطرافه، و المورد يكون كذلك لأنّه بعد كون طرفى العلم النافلة، فلا يكون لاجراء الاصل المخالف للعلم مانع في أطرافه فعلى هذا تجرى القاعدة الفراغ في كل من النافلتين و يحكم بصحتهما و لا مجال للقول باستحباب إعادتهما.

أقول: حكم النافلتين من حيث الصحة و الفساد يختلف باختلاف المبانى.

فعلى قول من يقول بعدم إجراء قاعدة الفراغ فى غير التكاليف الالزامية لا مجال لقاعدة الفراغ في النافلتين و لو لم يكن علم إجمالى بالفساد في البين.

و على قول من يقول بتعميم دليل قاعدة الفراغ حتى بالنسبة إلى النوافل و التكاليف الغير الالزامى، فلا مانع من جريان قاعدة الفراغ في النافلتين مع قطع النظر عن العلم الاجمالى بفساد إحداهما للعلم الاجمالى بحدوث الحدث قبل إحداهما.

و على هذا تارة يقال: بأن وجه عدم إجراء الاصل في أطراف العلم الاجمالى هو لزوم التضاد بين المعلوم و مقتضى الأصل في الاطراف و لو لم يكن مقتضى العلم الاجمالى البعث الالزامى و الزجر الالزامى، و بعبارة اخرى و إن لم يستلزم مخالفته‌

276

الترخيص في المعصية ففي ما نحن فيه لا مجال لاجراء الأصل في الاطراف أعنى: في النافلتين.

و أمّا لو كان المانع من إجراء الاصل في أطراف العلم الاجمالى هو تعارض الأصلين فبناء على عدم جريان استصحاب الوضوء الأوّل إلى ما بعد النافلة الاولى و القول بتعارضه مع استصحاب الوضوء الثاني إلى ما بعد النافلة الثانية للعلم الاجمالى بانتقاض الحالة السابقة في أحدهما، فيقع التعارض بين قاعدة الفراغ في النافلة الاولى و قاعدة الفراغ في النافلة الثانية لأجل العلم الاجمالى بعدم كون واحدة منهما واجدة للطهارة الحديثة، فيكون حال من صلاهما حال من لم يصلهما من رأس فيستحب اتيانهما.

و لكن عرفت ان الحق استصحاب الوضوء الأوّل إلى ما بعد النافلة الاولى فلا تعارض بين استصحاب الوضوء الأوّل و الوضوء الثاني بل يستحب إعادة النافلة الثانية فقط.

و أمّا لو كان العلم الاجمالى منجزا إذا كان يوجب مخالفة العملية للتكليف الالزامى فلا مانع من إجراء قاعدة الفراغ في النافلتين لعدم علم إجمالى منجز في البين.

أقول: قد مرّ منّا أن الاقوى محكومية النافلة الاولى بالصحة لاستصحاب الوضوء بلا معارض و النافلة الثانية يستحب إتيانها لكونها بحكم من لم يأت بها بعد العلم بالحدث و الوضوء و الشك في المتأخر منهما بالتفصيل المتقدم ذكره كما قلنا فى المسألة السابقة بوجوب إعادة خصوص الفريضة الثانية.

و أمّا على قول من يقول بتعارض استصحاب الوضوء الأوّل مع استصحاب الوضوء الثاني كالمؤلف (رحمه اللّه) فهو يقول باستحباب إعادة كل من النافلتين لما قال في‌

277

المسألة السابقة بوجوب إعادة كل من الفريضتين.

و لكن لو كنا قائلين بوجوب إعادة كل من الصلاتين فيما لو توضأ و صلّى صلاة فريضة ثم توضأ و صلى فريضة اخرى ثم علم بحدوث الحدث بعد أحد من الوضوءين كما هو مفروض المسألة السابقة، مع ذلك لم نقل هنا أعنى: في هذه المسألة و هي ما إذا صلى بعد كل وضوء نافلة بتنجز العلم الاجمالى، لأن العلم الاجمالى المبحوث حرمة مخالفته و وجوب موافقته أو لا، هو فيما يكون أثر تنجزه البعث أو الزجر حتى يصح أن يقال بحكم العقل بحرمة مخالفته و وجوب موافقته.

و أمّا إذا كان العلم الاجمالى تعلق بما لا يقتضي تعلقه به تنجزه بحيث يحرم مخالفته و يجب موافقته مثل ما تعلق باستحباب أحد الشيئين فهو خارج عن محل الكلام، فتأمل.

المقام الثانى* * * فيما إذا كان في الصورة المفروضة إحدى الصلاتين واجبة و الاخرى نافلة.

فقد يقال بجريان قاعدة الفراغ في الواجبة و عدم معارضتها بجريانها في النافلة أيضا لأنّه لا يلزم من إجرائها فيها طرح تكليف منجز و هذا ما قاله المؤلف (رحمه اللّه) أوّلا.

و يظهر منه أن المانع من إجراء الاصل في أطراف العلم الاجمالى هو لزوم اجرائه لطرح تكليف منجز في البين، و معنى التكليف المنجز هو ما يكون بمرتبة البعث و الزجر نحوه، و حيث إنّ أحد طرفى العلم النافلة فلا يوجب إجراء قاعدة الفراغ في الصلاة الواجبة و النافلة طرح تكليف منجّز لعدم تنجز العلم مع كون أحد طرفيه النافلة التي لا يمكن البعث نحوها إن كانت هى المعلوم واقعا.

278

و قد يقال بعدم جريان قاعدة الفراغ للعلم الاجمالى فيجب إعادة الواجبة و يستحب إعادة النافلة هذا ما اختاره المؤلف (رحمه اللّه) ثانيا.

أقول: أما على ما قلنا في المسألة السابقة و ذكرنا في المقام الأوّل في هذه المسألة من أن الصلاة الاولى تتصف بالصحة من باب استصحاب الطهارة الحاصلة من الوضوء الأوّل إلى تمام الصلاة الاولى و التعارض يكون بين استصحاب الحدث و استصحاب الوضوء الثاني للعلم بحدوثهما و الشك في المتأخر منهما.

فنقول بعونه تعالى:

بأن الصلاة الاولى إن كانت فريضة فيحكم بصحتها لاستصحاب الطّهارة الحاصلة من الوضوء الأوّل إلى تمامية هذه الصلاة و لا يعارضه شي‌ء.

و أمّا الصلاة الثانية و هي النافلة فبعد كون المكلف عالما بالحدث و الوضوء و شاك في المتأخر منهما فلا يكون بعد هذا العلم متطهرا لا وجدانا و لا بمقتضى الامارة أو الأصل، لأنّه محكوم بالحدث بناء على جريان الاستصحاب في مجهول التاريخ أو فيما يكون أحد من الحدث أو الطّهارة مجهول التاريخ، و أمّا لعدم إحرازه الطّهارة المعتبرة في الصلاة و إن كانت مستحبة فيكون حاله حال من لم يأت بهذه النافلة فيستحب له إتيانها.

و أمّا ان كانت الصلاة الاولى نافلة و الثانية فريضة، فالاولى محكومة بالصحة لاستصحاب الطّهارة الحاصلة من الوضوء الأوّل بلا معارض، و الصلاة الثانية و هي الفريضة فمحكومة بالفساد و يجب إعادتها، لأنّه بعد العلم بالحدث و الطّهارة و الشك في المتأخر منهما محكوم بالحدث سواء كانا مجهولى التاريخ أو أحدهما مجهول التاريخ كما بينا في المسألة 33 و إمّا من باب استصحاب الحدث أو لقاعدة الاشتغال، و لا مجال لاجراء قاعدة الفراغ فى الصلاة الثانية فريضة كانت او‌

279

نافلة و ان قلنا بجريانها فى النوافل، لأنّه بعد كون منشأ الشك فى صحة الصلاة و عدمها كون الطهارة متأخرة أو الحدث مؤخرا و لا يحتمل تحصيل الطهارة بعد هذه الحالة قبل الصلاة الثانية، فلا مجال لقاعدة الفراغ لانه محكومة بتحصيل الطهارة للعلم الاجمالى.

و أمّا إذا لم يعلم أنّ أيّا من الصلاتين الاولى أو الثانية فريضة و أيا منهما نافلة فاستصحاب الطّهارة الحاصلة من الوضوء الأوّل لا يفيد في المقام لعدم معلومية كون الصلاة الاولى النافلة حتى تكون الثانية فريضة فيجب إتيانها، أو تكون الاولى فريضة واقعة مع الطّهارة حتى يستحب إتيان الثانية و هى النافلة.

فيعلم بفساد إحدى الصلاتين و صحة الاخرى كما كان الأمر قبل استصحاب الطّهارة الاولى.

و بعد العلم بانتقاض الحالة السابقة و حدوث كل من الحدث و الطّهارة و الشك في المتأخر منهما و أثر هذا العلم العلم بفساد إحدى الصلاتين.

فمن جهة الطّهارة و الحدث يكون محكوما بالحدث بناء على جريان الاستصحاب في مجهول التاريخ.

و تحصيل الطّهارة وجوبا أو استحبابا للغايات الواجبة أو المستحبة بناء على عدم جريان الأصل في مجهول التاريخ لأنّه بعد ما يعلم بحدوث الطّهارة و الحدث و عدم جريان الاستصحاب بالنسبة إليهما و لا أحدهما و اشتراط الغايات الواجبة فيها الطّهارة على الطّهارة وجوبا و اشتراط الغايات المستحبة فيها الطّهارة على الطّهارة استحبابا فعليه تحصيل الطّهارة وجوبا أو استحبابا.

و أمّا من جهة الصلاتين فنقول بعونه تعالى:

280

إنّه تارة يقال بأن الاصل لا يجرى في أطراف العلم الاجمالى فيما يوجب طرح تكليف منجّز، و يراد بالتكليف المنجّز ما يكون بمرتبة يصح البعث و الزجر الاكيد نحوه، لا مجرد التكليف و لو لم يكن البعث الأكيد و الزجر الاكيد المعبّر بالوجوب أو الحرمة، لان المستحب يكون متعلق التكليف و كذا الكراهة.

فبناء على هذا يقال في المقام بعدم مانع من إجراء قاعدة الفراغ بالنسبة إلى كل من الصلاتين لعدم كون إجرائها في الطرفين موجبا للطرح التكليف المنجّز بالمعنى الذي قلنا، لأنّ التكليف في العلم الاجمالى يكون منجّزا فيما يصح البعث أو الزجر المؤكد نحوه في أىّ طرف من اطرافه و مع فرض كون أحد طرفي العلم النافلة فلا يصح البعث الأكيد نحوه لعدم وجوبها فلا يكون التكليف منجزا على كل حال.

و تارة يقال بأن نفس العلم مانع عن إجراء الاصل في الأطراف فلا مجال لاجراء قاعدة الفراغ في الصلاتين فتكون النتيجة وجوب إعادة الفريضة و استحباب اعادة النافلة.

أقول: و إن كان المانع من جريان الأصل في أطراف العلم الاجمالى هو نفس العلم لا لاستلزامه المخالفة العملية و لا لتعارض الاصلين، و لكن مانعيته يكون في صورة تنجز العلم الاجمالى و معنى تنجزه صحة البعث و الزجر المؤكد نحو كل طرف من الاطراف و مع كون أحد الطرفين النافلة لا يكون التكليف المعلوم بالاجمال منجزا فلا مانع من إجراء الاصل.

نعم على قول من يقول: بأنّ العلم الاجمالى إذا تعلق بماله أثر عملى على كل حال و إن لم يكن الالزامى لا مجال لاجراء الاصل في اطرافه يقول في المقام: بعدم جريان قاعدة الفراغ لأن للعلم الاجمالى بفساد إحدى الصلاتين يكون أثر عملى في أىّ طرف كان و هو وجوب اتيان الفريضة و استحباب اتيان النافلة.

281

و لعل هذا كان نظر المؤلف (رحمه اللّه) من قوله بوجوب إعادة الواجبة و استحباب إعادة المستحبة.

*** [مسئلة 43: إذا كان متوضأ و حدث منه بعده صلاة]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 43: إذا كان متوضأ و حدث منه بعده صلاة و حدث و لا يعلم أيهما المقدّم، و أنّ المقدّم هى الصلاة حتى تكون صحيحة أو الحدث حتى تكون باطلة، الأقوى صحة الصلاة لقاعدة الفراغ خصوصا إذا كان تاريخ الصلاة معلوما لجريان استصحاب بقاء الطّهارة أيضا إلى ما بعد الصلاة.

(1)

أقول لا إشكال في صحة الصلاة في مفروض المسألة، و إنّما الكلام في وجهها، فنقول: هل يمكن التمسك لصحة الصلاة باستصحاب الطّهارة الحاصلة من الوضوء أم لا؟

الظاهر جريان استصحاب الطّهارة إلى فراغ الصلاة، لأنّه و إن كان المورد من صغريات تأخر الحادث للعلم بحدوث الصلاة و حدوث الحدث و يكون الشك في المتأخر منهما، لكن حيث يكون الاثر مترتبا على استصحاب الطّهارة إلى تمام الصلاة و هو صحة الصلاة بلا معارض يجرى استصحابه و نلتزم بصحة الصلاة.

و لا يعارضه استصحاب عدم حدوث الصلاة إلى آخر زمان الطّهارة لأنّه لا يثبت كون الصلاة حال الحدث أو بلا طهارة إلّا على القول بحجية الأصول المثبتة.

و هل يكون في جريان استصحاب الطّهارة إلى انقضاء الصلاة فرق بين كون‌

282

تاريخ حدوث كل من الصلاة و الحدث مجهولا، أو كون تاريخ الصلاة معلوما و تاريخ الحدث مجهولا أو العكس، أعنى: يكون تاريخ الحدث معلوما و تاريخ الصلاة مجهولا، أو لا فرق بين الصور في جريان الاستصحاب؟

الظاهر عدم الفرق بين الصور في جريان استصحاب الطّهارة إلى انقضاء الصلاة، و لا خصوصية في جريان استصحاب الطّهارة فيما إذا كان تاريخ الصلاة معلوما، كما زعم المؤلف (رحمه اللّه) لأنّه يجرى استصحابها فى جميع الصور.

و يمكن التمسك لصحة الصلاة بقاعدة الفراغ، لأنّ قاعدة الفراغ تقتضى صحة الصلاة، و مع جريان قاعدة الفراغ هل تصل النوبة باستصحاب الطّهارة، أو لا تصل النوبة به؟

لان قاعدة الفراغ حاكمة عليها، و مع وجود الأصل الحاكم لا تصل النوبة بالاصل المحكوم و إن كان موافقا للاصل الحاكم.

أقول: إن كان منشأ الشك في صحة الصلاة و فسادها منحصرا في أن الحدث (رحمه اللّه) كان متأخرا عن الصلاة أو متقدما عليها و لا يحتمل تحصيل الطّهارة بعد الحادثين، فيكون لجريان الاستصحاب مجال، لأنّ الشك في الصحة و الفساد يكون فيما قلنا و بعد جريان استصحاب الطّهارة يكون الصلاة واجدة للطهارة، و الشك في الفراغ عن الصلاة يرتفع باستصحاب الطّهارة.

فإن ابيت عن جريان استصحاب الحدث، فيكفى للحكم بصحة الصلاة قاعدة الفراغ، فلا إشكال في صحة الصلاة على كل حال في مفروض المسألة.

*** [مسئلة 44: إذا تيقّن بعد الفراغ عن الوضوء أنّه ترك جزأ منه]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 44: إذا تيقّن بعد الفراغ عن الوضوء أنّه ترك

283

جزأ منه و لا يدرى أنّه الجزء الوجوبى أو الجزء الاستحبابى فالظاهر الحكم بصحة وضوئه لقاعدة الفراغ، و لا تعارض بجريانها في الجزء الاستحبابى، لأنّه لا أثر لها بالنسبة إليه، و نظير ذلك ما إذا توضأ وضوءا لقراءة القرآن و توضأ في وقت آخر وضوء للصلاة الواجبة ثم علم ببطلان أحد الوضوءين، فإنّ مقتضى قاعدة الفراغ صحة الصلاة و لا تعارض بجريانها في القراءة أيضا لعدم أثر لها بالنسبة إليها.

(1)

أقول: أمّا الحكم بصحة الوضوء لقاعدة الفراغ فيما تيقن بعد الفراغ منه ترك جزء، لكن لا يدرى أنّه الجزء الواجب أو الجزء المستحب، فصحيح لأن الاصل يجرى فيما يكون له الاثر كالامارة لأنّ صحة التنزيل متوقف على الاثر الشرعى، فبعد كون الاثر مترتبا على خصوص الجزء الواجب لأنّه لو كان هو المتروك كان الوضوء باطلا.

و أمّا المتروك إن كان الجزء المستحب فتركه ليس بمبطل للوضوء لكون المفروض استحبابه فلا أثر لاجراء قاعدة الفراغ في الوضوء فيما إذا كان الشك في تركه فلا تجرى بالنسبة إليه، و تجرى بالنسبة إلى الجزء الواجب لان لاجرائها الاثر الشرعى و هو الحكم بصحة الوضوء.

ثم إن المؤلف (رحمه اللّه) قال و نظير ذلك ما إذا توضأ وضوء لقراءة القرآن و توضأ في وقت آخر وضوء للصلاة الواجبة ثم علم ببطلان أحد الوضوءين، فإن مقتضى قاعدة الفراغ صحة الصلاة و لا تعارض بجريانها في القراءة أيضا لعدم أثر لها بالنسبة إليها.

284

أقول: و مفروض كلامه لا بد و أن يكون فيما إذا حدث حدث بعد الوضوء الأوّل و قبل الوضوء الثاني و إلّا لو لم يحدث حدث بينهما فيعلم بصحة الصلاة الواقعة بعد الوضوء الثاني لأنّ مع العلم الاجمالى ببطلان أحد الوضوءين فإن كان الباطل هو الوضوء الأوّل فالوضوء الثاني وقع صحيحا فالصلاة الواقعة بعده محكومة بالصحة.

و إن كان الباطل هو الوضوء الثاني فأيضا وقعت صلاته مع الطّهارة لأنّه بعد الوضوء الواقع لغاية مستحبة و هي قراءة القرآن صار مع الطّهارة و لم يتخلل حدث بعده إلى أن صلى الصلاة بعد الوضوء الثاني، و لا يضر بطلان الوضوء الثاني بصحة الصلاة.

فإن كان نظره الى ما قلنا يصح أن يقع الكلام في أن قاعدة الفراغ تجرى في خصوص الوضوء الواقع للصلاة، أو تجي‌ء فيه و في الوضوء الواقع لقراءة القرآن فتتعارضان و تتساقطان بالتعارض، فيقال: بأنه نظير الفرع الأوّل تجرى قاعدة الفراغ في خصوص الصلاة، كما أنّه لا بد و أن يكون الفرض فيما إذا توضأ لقراءة القرآن و قرء القرآن بعد الوضوء الاول، ثم حدث، ثم توضأ للصلاة و صلى بعده، ثم حصل العلم الاجمالى ببطلان احد الوضوءين، لأنه لو لم يقرأ القرآن بعد الوضوء الاول إلى ما بعد الوضوء الثانى، فلا حاجة لقاعده الفراغ لأنّه مع الوضوء الثانى يعلم بصحة احد الوضوءين فيصح قراءة القرآن و الصلاة.

إذا عرفت أن مفروض الكلام فى تنظيره لا بدّ و أن يكون فيما إذا توضأ لقراءة القرآن و قرء القرآن ثم حدث حدث و توضأ وضوء آخرا للصلاة و صلى ثم بعد الفراغ من الصلاة علم اجمالا ببطلان أحد الوضوءين.

فنقول: كما قال المؤلف (رحمه اللّه) بجريان قاعدة الفراغ في الوضوء الواقع للصلاة، و لا تعارضها قاعدة الفراغ في الوضوء لقراءة القرآن لعدم جريانها في هذا الوضوء لعدم‌

285

أثر لصحته، إذ لا أثر لقراءة القرآن الواقعة بعد الوضوء الأوّل حتى تكون لقاعدة الفراغ في وضوئه لها أثر، فلا مجال لجريانها في الوضوء الواقع للقراءة.

*** [مسئلة 45: إذا تيقن ترك جزء أو شرط من أجزاء أو شرائط الوضوء]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 45: إذا تيقن ترك جزء أو شرط من أجزاء أو شرائط الوضوء، فإن لم تفت الموالاة رجع و تدارك و أتى بما بعده و أمّا إن شك في ذلك فإمّا أن يكون بعد الفراغ أو في الأثناء، فإن كان في الاثناء رجع و أتى به و بما بعده و إن كان الشك قبل مسح الرجل اليسرى في غسل الوجه مثلا أو في جزء منه، و إن كان بعد الفراغ في غير الجزء الاخير بنى على الصحة لقاعدة الفراغ، و كذا إن كان الشك في الجزء الاخير إن كان بعد الدخول في عمل آخر، أو كان بعد ما جلس طويلا، أو كان بعد القيام عن محل الوضوء، و إن كان قبل ذلك أتى به إن لم تفت الموالاة و إلّا استأنف.

(1)

أقول: في المسألة مسائل نتكلم فيها بعونه تعالى فنقول:

المسألة الاولى: إذا تيقن ترك جزء أو شرط من أجزاء أو من شرائط الوضوء

فله صورتان:

الاولى: صورة حصول اليقين بترك الجزء أو شرط الوضوء مع عدم فوت الموالاة.

و الثانية: صورة فوت الموالاة.

286

ففي الصورة الاولى يجب تدارك ما فات و اتى بما بعده من الأجزاء و الشرائط لحصول الترتيب، و في الصورة الثانية يجب إعادة الوضوء.

و هذا مقتضى شرطية الشرط و جزئية الجزء.

لأنّه معنى جزئية شي‌ء للمركب أو شرطيته انتفاء المركب بانتقاء جزئه أو شرطه.

و لهذا يكون صحة المركب مع فقد الجزء أو الشرط محتاجا إلى الدليل، مثل ما دل الدليل في بعض الأجزاء باغتفار تركه حال النسيان في بعض المركبات.

فالحكم أعنى: وجوب إتيان المتروك من الجزء أو الشرط في المأمور به يكون على القاعدة، غاية الأمر تارة لم تفت الموالاة فيجب الرجوع و تدارك ما فات، ثم اتيان ما بعده من الأجزاء و الشرائط لرعاية الترتيب المعتبر في الوضوء.

و تارة فاتت الموالاة

فلا يمكن تدارك نفس الجزء أو الشرط المتروك و ما بعده من الأجزاء و شرائط الوضوء، بل لا بدّ من إعادة الوضوء من رأس.

و مع ما عرفت من عدم الحاجة إلى الدليل، يستدلّ على الحكم المذكور ببعض الأخبار.

منها ما رواه زرارة قال سئل أحدهما (عليهما السلام) عن رجل بدأ بيده قبل وجهه و برجليه قبل يديه، قال: يبدأ بما بدأ اللّه به و ليعد ما كان (1).

و منها ما رواه منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يتوضأ فيبدأ بالشمال قبل اليمين، قال: يغسل اليمين و يعيد اليسار (2).

____________

(1) الرواية 1 من الباب 35 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) الرواية 2 من الباب 35 من ابواب الوضوء من الوسائل.

287

و منها ما رواه ابن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا بدأت بيسارك قبل يمينك و مسحت رأسك و رجليك ثم استيقنت بعد انك بدأت بها غسلت يسارك ثم مسحت رأسك و رجليك (1) و غير ذلك من الأخبار.

و دعوى الاجماع على الحكم المذكور و لم يحك الخلاف إلّا عن ابن جنيد.

المسألة الثانية: ما إذا شك في اتيان جزء من الوضوء أو شرط منه

و كان في أثناء الوضوء فله صورتان:

الصورة الاولى: ما إذا كان الشك في الجزء في أثناء الوضوء

فشك في ترك جزء منه، مثلا يكون مشتغلا بمسح الرأس فيشك في أنّه هل غسل وجهه أم لا، ففي هذه الصورة يجب إتيان المشكوك ثم اتيان ما بعده لرعاية الترتيب و إتمام الوضوء.

يدلّ عليه بعض النصوص، و هو ما رواه زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال إذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدرأ غسلت ذراعيك أم لا، فأعد عليهما و على جميع ما شككت فيه أنّك لم تغسله أو تمسحه مما سمّى اللّه ما دمت في حال الوضوء، فإذا قمت من الوضوء و فرغت منه و قد صرت في حال اخرى في الصلاة، أو في غيرها فشككت في بعض ما سمّى اللّه مما أوجب اللّه عليك فيه وضوئه، لا شي‌ء عليك فيه، فإن شككت في مسح رأسك فاصبت في لحيتك بللا فامسح بها عليه و على ظهر قد ميك، فإن لم تصب بللا فلا تنقض الوضوء بالشك و امض في صلاتك، و إن تيقّنت أنك لم تتم وضوئك فأعد على ما تركت يقينا حتى يأتي على الوضوء الحديث. (2)

و دلالتها على المطلوب واضحة، لكن تعارضها ما رواه عبد اللّه بن أبي يعفور‌

____________

(1) الرواية 14 من الباب 35 من أبواب الوضوء من الوسائل.

(2) الرواية 1 من الباب 42 من ابواب الوضوء من الوسائل.

288

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا شككت في شي‌ء من الوضوء و قد دخلت في غيره، فليس شكك بشي‌ء، إنّما الشك إذا كنت في شي‌ء لم تجزه (1).

لأنّ الظاهر منها إرجاع ضمير في (غيره) إلى (شي‌ء) لا إلى (الوضوء) فيكون مفادها أنه إذا وقع الشك في شي‌ء من الأشياء المعتبرة في الوضوء و قد دخل في غير هذا الشي‌ء ليس الشك بشي‌ء، إنّما الشك في شي‌ء لم تجزه، فلو شك مثلا في غسل الوجه و هو شي‌ء من الوضوء و قد دخل في غسل اليد اليمنى فلا يعتنى بهذا الشك‌

فتعارض هذه الرواية مع رواية زرارة لأنّ مفادها عدم الاعتناء بالشك و مفاد رواية زرارة هو الاعتناء بالشك.

إن قلت: كما يحتمل كون مرجع ضمير في (غيره) من جملة (و قد دخلت في غيره) هو (شي‌ء) في جملة (إذا شككت في شي‌ء من الوضوء) يحتمل كون مرجعه (الوضوء في الجملة المذكورة أعنى (إذا شككت في شي‌ء من الوضوء) فيكون مفادها أنه إذا شككت في شي‌ء من الوضوء و قد دخلت في غير الوضوء، فليس شكك بشي‌ء فلا تعارض هذه الرواية مع رواية زرارة.

قلت: إن الرواية و إن كانت ذا احتمالين احتمال إرجاع ضمير (غيره) إلى (شي‌ء) و احتمال ارجاعه إلى (من الوضوء) لكن الظاهر هو الاحتمال الاول، لأنّ (شي‌ء) يكون متبوعا و (الوضوء) يكون تابعا لكونه بيانا للشي‌ء، و الظاهر إرجاع الضمير إلى المتبوع.

أو يقال: بأن الظاهر من الرواية كون ما خرج منه و دخل في غيره هو عين ما تعلق به الشك، و بعبارة اخرى ما تعلق به الشك و خرج منه لا يعتنى، به فحيث إن‌

____________

(1) الرواية 2 من الباب باب 42 من ابواب الوضوء من الوسائل.

289

المفروض في الرواية كون ما تعلق به الشك (شي‌ء من الوضوء) لا أصل الوضوء فالظاهر كون الدخول في غير هذا الشي‌ء يكون سببا لعدم الاعتناء بالشك، فلهذا يكون المرجع هو (شي‌ء) لا (الوضوء).

و على هذا بعد كون مفاد الرواية الاولى الاعتناء بالشك قبل تمام الوضوء، و عدم الاعتناء بالشك في فعل من أفعاله إذا كان بعد الوضوء، و مفاد الرواية الثانية هو عدم الاعتناء بالشك بمجرد التجاوز عن الجزء المشكوك و إن كان في أثناء الوضوء، يقع بينهما التعارض.

و حيث يمكن الجمع العرفى بينهما بحمل الأمر باعادة الجزء المشكوك إذا كان في أثناء الوضوء في صورة تجاوز عن الجزء المشكوك و عدم إتمام الوضوء على الاستحباب بقرينة الرواية الثانية الدالة على عدم وجوب الاعتناء بالشك بمجرد التجاوز عن الجزء المشكوك و الدخول في غيره.

و بعد كون هذا مقتضى الجمع العرفى، فتكون النتيجة عدم وجوب إعادة الجزء المشكوك إذا دخل في غيره، فلا دليل يدل على وجوب الاعتناء بالشك في جزء الوضوء في أثنائه مع التجاوز عنه.

أقول: و حيث ان الاجماع قائم على ما ترى في كلماتهم على وجوب اعادة المشكوك إذا كان الشخص مشتغلا بالوضوء و غير فارغ عنه صاروا بسدد بعض التوجيهات في الرواية الثانية، و عمدتها هو إرجاع ضمير (غيره) إلى (الوضوء) لأنّه بعد ما عرفت من الاحتمالين في الرواية (احدها ارجاع ضمير غيره إلى قوله (شي‌ء) و اثره هو عدم الاعتناء بالشك في الجزء بمجرد التجاوز و إن كان في أثناء الوضوء و لم يحصل الفراغ منه.

و الثاني إرجاع ضمير (غيره) إلى (الوضوء) و أثره عدم الاعتناء بالشك إذا‌

290

دخل في غير الوضوء.

و بعد كون كل منهما محتمل، فلا وجه لتقديم الاحتمال الأوّل على الثاني لو لم نقل بتقديم الاحتمال الثاني على الأوّل، فتكون الرواية مجملة فلا ظهور لها في أمر تعارض الرواية الاولى الدالة على وجوب الاعتناء بالشك ما دام يكون في الوضوء.

و إن أبيت عن ذلك يقال: بعد الاجماع القائم على وجوب الاعتناء بالشك و اتيان المشكوك و ما بعده إذا كان الشك حال الوضوء فوجّه الرواية الثانية بما قلنا.

أقول: و أمّا ما يخطر ببالى القاصر عاجلا و إن لم أر من يقول به هو أن يقال مقتضى ما نص في الرواية الاولى به، أعنى: رواية زرارة في قوله (إذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر اغسلت ذراعيك أم لا فاعد عليهما و على جميع ما شككت فيه انّك لم تغسله أو تمسحه مما سمى اللّه ما دمت في حال الوضوء، فاذا قمت من الوضوء و فرغت منه و قد صرت في حال اخرى في الصلاة أو في غيرها فشككت في بعض ما سمّى اللّه مما أوجب اللّه عليك فيه وضوئه لا شي‌ء عليك فيه) هو وجوب اعادة المشكوك فيما كان في أثناء الوضوء و عدم الاعتناء فيما قام من الوضوء و فرغ منه و بعبارة اخرى المستفاد منها التفصيل بين الشك في الجزء من الوضوء في أثناء الوضوء و بين الشك بعد الفراغ منه.

و مقتضى إطلاق الرواية الثانية أعنى: رواية ابن أبي يعفور في قوله (إذا شككت في شي‌ء من الوضوء و قد دخلت في غيره فليس شكك بشي‌ء) على فرض ارجاع ضمير في (غيره) إلى (شي‌ء) في قوله (في شي‌ء من الوضوء).

و قوله (إنّما الشك في شي‌ء لم تجزه) بناء على حمل الشي‌ء على مطلق الشي‌ء بقرينة صدر الرواية على الفرض المذكور في مرجع ضمير (غيره).

291

هو أن الشك إذا وقع في شي‌ء من أجزاء الوضوء أو شرائطه فليس شكك بشي‌ء سواء كان هذا الشك في أثناء الوضوء، أو كان بعد الفراغ من الوضوء، فللشك فردان: فرد في أثناء الوضوء، و فرد بعد الفراغ من الوضوء كما أن قوله (انما الشك في شي‌ء لم تجزه) له مفهوم و هو أن الشك و عدم الاعتناء يكون فيما تجاوز عن الشي‌ء سواء كان مع تجاوزه حال الاشتغال بالوضوء أو بعد الفراغ عن الوضوء فلمفهومه فردان:

فرد حدوث الشك بعد التجاوز عن المشكوك مع كونه حال الوضوء مثل ما شك في جزء منه و الحال أنّه مشغول بالجزء الآخر من الوضوء.

و فرد حدوث الشك بعد الفراغ من الوضوء فيشك مثلا بعد الفراغ في أنّه هل هو غسل وجهه في وضوئه أم لا.

إذا عرفت مفاد الروايتين نقول: بأن مقتضى حمل الظاهر على النص التصرف في إطلاق الرواية الثانية و تقييدها بقرينة النص من الرواية الاولى بصورة كون الشك في الجزء أو الشرط من الوضوء بعد الفراغ.

و هذا جمع عرفى لا غبار فيه، و كون النتيجة عدم جريان قاعدة التجاوز في الوضوء فإن شك في جزء من أجزائه و لم يفرغ منه يجب إتيانه و إتيان كلّ ما يترتب عليه من الاجزاء رعاية للترتيب المعتبر لو لم تفت الموالاة، و مع فوتها يجب إعادة الوضوء و الحمد للّه و الصلاة و السلام على محمد و آله.

الصورة الثانية: ما إذا شك في اتيان شرط من شرائط الوضوء

قبل الفراغ من الوضوء، فهل يكون حاله حال الشك في الجزء من أنّه حتى كان في أثناء الوضوء يعتنى بالشك أو لا؟

292

الحق كون الشرط بحكم الجزء: لا لأنّ قوله (عليه السلام) في رواية زرارة المتقدمة في الصورة الاولى (إذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر أ غسلت ذراعيك أم لا فأعد عليهما و على جميع ما شككت فيه أنّك لم تغسله أو تمسحه الخ) يدل عليه، لأنّه بعد بيان وجوب غسل الذراعين إذا لم يدر أنّه غسلهما أم لا و إن قال بالنحو الكلى (و على جميع ما شككت فيه) لكن قوله (أنّك لم تغسله أو تمسحه) يدل على عمومية الحكم لجميع الأجزاء و أمّا الشرائط فلا يدل عليه.

بل إلحاق الشرط بالجزء أوّلا من باب أنّه بعد شرطية الوضوء للصلاة و الاشتغال اليقينى به يجب إتيانه مع ما يعتبر فيه شطرا أو شرطا، فمع الشك في ايجاد شرطه يجب إعادة الشرط بالكيفية المعهودة ثم إتيان ما بعده من الأجزاء و الشرائط للوضوء لتحصيل البراءة اليقينة.

و ثانيا قوله (عليه السلام) في رواية ابن أبي يعفور المتقدمة في الصورة الاولى حيث حيث قال (عليه السلام) (إذا شككت في شي‌ء من الوضوء و قد دخلت في غيره فليس شكك بشي‌ء، إنما الشك إذا كنت في شي‌ء لم تجزه) بعد حمل إطلاقها على ما بيّنا على صورة دخوله في غير الوضوء بقرينة رواية زرارة المتقدمة في الصورة الاولى، فيكون المراد منها عدم الاعتناء بالشك في شي‌ء من الوضوء بعد الفراغ من الوضوء، سواء كان هذا الشي‌ء المشكوك جزء أو شرطا، بل الاعتناء و اتيان المشكوك يكون في شي‌ء لم تجز منه سواء كان هذا الشي‌ء جزءا أو شرطا للوضوء لأنّ الشي‌ء اعم من الجزء و الشرط.

فتلخص بأنه إن كان الشك في الشرط حاصلا في أثناء الوضوء يجب أن يأتي به و لو باتيان مشروطه واجدا للشرط، ثم اتيان ما بعده من الاجزاء و الشرائط حفظا للترتيب المعتبر في الوضوء.

293

ثم إنّه لا فرق فيما قلنا من وجوب الاعتناء بالشك إذا كان في أثناء الوضوء بين أن يكون المشكوك تمام الجزء، مثلا شك في غسل وجهه و قد دخل في غسل اليد، أو كان الشك في جزء الجزء، مثلا يغسل يده فيشك في أنّه هل غسل جبهته أولا، فيجب العود و غسله و غسل كلّ ما يغسل بعده بمقتضى الترتيب المعتبر لاطلاق رواية زرارة المتقدمة.

و أيضا ما دام مشتغلا بالوضوء حتى بالجزء الاخير منه و هو مسح الرجل اليسرى منه يكون الشك في حال الوضوء فيشمله إطلاق رواية زرارة.

المسألة الثالثة: إذا شك في جزء من الوضوء أو شرطه

و قد فرغ من الوضوء فالكلام يقع في موارد إنشاء اللّه:

المورد الأوّل: ما إذا كان الشك بعد الفراغ من الوضوء مع كون الشك في غير الجزء الأخير منه،

مثلا شك بعد الفراغ في أنّه غسل يده اليمنى أو لا، فلا إشكال في أنّه لا يعتنى، بالشك و الوضوء محكوم بالصحة لقاعدة الفراغ المستفادة من بعض الأخبار.

منها ما (ذكرناها في المسألة السابقة) و هى ما رواها زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر أ غسلت ذراعيك أم لا، فأعد عليهما و على جميع ما شككت فيه أنّه لم تغسله أو تمسحه مما سمّى اللّه ما دمت في حال الوضوء، فاذا قمت من الوضوء و فرغت منه و قد صرت في حال اخرى في الصلاة أو غيرها فشككت في بعض ما سمّى اللّه مما أوجب اللّه عليك فيه وضوئه لا شي‌ء عليك فيه الحديث (1).

____________

(1) الرواية 1 من الباب 42 من ابواب الوضوء من الوسائل.

294

و هي تدلّ على جريان قاعدة الفراغ في الوضوء كما تدلّ على عدم جريان قاعدة التجاوز فيه.

و منها ما رواه عبد اللّه بن أبي يعفور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا شككت في شي‌ء لم تجزه (1).

و دلالتها على قاعدة الفراغ إمّا بارجاع ضمير في (غيره) إلى (الوضوء) لا إلى (شي‌ء) في قوله (شي‌ء من الوضوء) و إمّا بما قلنا في المسألة السابقة بتقييد إطلاقها الشامل لكل من حالتى الوضوء و بعد الفراغ منه على خصوص الفراغ من الوضوء بقرينة رواية زرارة المتقدمة.

و منها ما رواها ابن أبي عمير عن محمد بن مسلم قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

رجل شك في الوضوء بعد ما فرغ من الصلاة، قال: يمضى على صلاته و لا يعيد (2).

قال سيدنا الاعظم آيت اللّه البروجردي (قدس سرهم) لقد سقطت الواسطة بين ابن أبي عمير و بين محمد بن مسلم من سند الرواية لأنّه لا يمكن أن يروى ابن أبي عمير بحسب طبقته عن محمد بن مسلم بلا واسطة.

و منها ما رواه ابن بكير عن محمد بن مسلم قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول:

كلما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكرا فامضه و لا إعادة عليك فيه (3).

بناء على كون موردها الشك لا النسيان، و بناء على كون (من) في قوله (من صلاتك و طهورك) بيانية لا التبعيضية لأنّه إن كانت تبعيضية يناسب مفادها مع‌

____________

(1) الرواية 2 من الباب 42 من ابواب الوضوء من الوسائل.

(2) الرواية 5 من الباب 42 من ابواب الوضوء من الوسائل.

(3) الرواية 6 من الباب 42 من ابواب الوضوء من الوسائل.

295

قاعدة التجاوز.

و منها ما رواها بكير بن أعين قال: قلت له: الرجل يشك بعد ما يتوضأ، قال:

هو حين يتوضأ أذكر منه حين يشك (1).

و الرواية مضمرة لعدم ذكر من قال له بكير بن أعين و سئل عنه.

أقول: و بعد المراجعة في روايات الباب يظهر أنّ حكم هذا المورد يستفاد من أخبار الباب، و كون هذا مورد قاعدة الفراغ في باب الوضوء، لأنّه قد حصل الفراغ.

المورد الثاني: و هو ما كان الشك في الجزء الأخير من الوضوء

فحكمه يستفاد من أخبار الباب و أنّه مع تحقق الفراغ لا يعتنى بالشك، و بعد ذلك يقع الكلام فيما يحصل الفراغ به من الوضوء فنقول:

المورد الثالث: يقع الكلام فيما يتحقق به الفراغ

من الوضوء.

فهل يتحقق الفراغ منه بالفراغ عن الجزء الأخير منه و إن لم يشتغل بفعل آخر و إن لم يقع حتى السكوت بعده و إن كان الشك في نفس الجزء الأخير.

أو لا يتحقق الفراغ الموضوع لقاعدة الفراغ إلّا بعد الدخول في فعل آخر من الصلاة و غيرها أو السكوت الطويل بعده.

أو يفرّق بين ما إذا كان الشك في غير الجزء الأخير، فيكفى مجرد الفراغ عن الوضوء و بين الجزء الأخير، فيحصل الفراغ بالدخول في عمل آخر، أو السكوت الطويل، أو القيام عن محل الوضوء.

أقول: بعد فرض عدم جريان قاعدة التجاوز في الوضوء لا يكون فرق بين كون الشك في الجزء الغير الأخير منه و بين كونه في جزئه الأخير، لأنّ مورد قاعدة‌

____________

(1) الرواية 7 من الباب 42 من ابواب الوضوء من الوسائل.

296

الفراغ يكون بعد الفراغ من المركب المأمور به و هو الوضوء.

إذا عرفت ذلك فنقول: قد يقال: إنّ بعض الروايات المذكورة المربوطة بالباب و هو الرابعة و الخامسة يكون مطلقة، و الثالثة منها وردت في مورد الفراغ من الوضوء و دخوله في الصلاة فلا إطلاق لها، و الرواية الاولى و هي رواية زرارة، و الثانية و هي رواية ابن يعفور يكون مفادهما هو اعتبار الدخول في الغير فتكونان مقيّدتين، فلا بدّ من حمل المطلق على المقيد و تكون النتيجة اعتبار الدخول في الغير.

و لكن نقول: إن الرواية الرابعة و الخامسة مطلقة، و الرواية الثالثة لا إطلاق لها من حيث ما يتحقق به الفراغ، لأنّ سؤاله يكون عن مورد خاص و هو فراغه عن الوضوء و دخوله في الصلاة، و أجاب (عليه السلام) بعدم الاعتناء بالشك.

و أمّا الرواية الثانية فمع قطع النظر عن الاشكال فيها من حيث كونها موردا لقاعدة التجاوز أو الفراغ، و ما قلنا من توجيه فيها بحيث يكون موردها قاعدة الفراغ، فنقول: بناء على كونها واردة في قاعدة التجاوز فغير مربوطة بمقامنا و هو قاعدة الفراغ.

و أمّا بناء على حملها على قاعدة الفراغ بالتوجيه الذي قلنا، فصدرها و هو قوله (إذا شككت في شي‌ء من الوضوء و قد دخلت في غيره فليس شكك بشي‌ء) و إن كان بعد تقييدها برواية زرارة في حد ذاتها هو كون الشك بعد الفراغ من وضوئه و دخوله في غير الوضوء.

لكن بعد قوله (عليه السلام) في ذيلها (إنّما الشك في شي‌ء لم تجزه) و مفهومه هو عدم الشك و عدم الاعتناء به إذا جاز عنه، فبمجرد الجواز عنه لا يعتنى بالشك و المراد من التجاوز عن الشي‌ء كما بينا في رسالتنا في قاعدة الفراغ هو التجاوز بحسب الاعتقاد، نفهم أن الميزان هو التجاوز.

297

و اما الرواية الاولى، فقوله (عليه السلام) (إذا كنت قاعدا على وضوئك فلم تدر أ غسلت ذراعيك أم لا فاعد عليهما و على جميع ما شككت فيه انّه لم تغسله أو تمسحة مما سمى اللّه ما دمت في حال الوضوء) يدل على لزوم الاعادة و الاعتناء بالشك ما دام الشخص قاعدا على الوضوء و يكون في حال الوضوء.

و قوله (عليه السلام) بعد ذلك (فإذا قمت من الوضوء و فرغت منه و قد صرت في حال اخرى في الصلاة أو غيرها فشككت في بعض ما سمى اللّه مما اوجب اللّه عليك فيه وضوئه لا شي‌ء عليك فيه) يكون مفهوم القضية الاولى صار مذكورا بصورة المنطوق.

و على هذا نقول: بأن مفاد الجملة الاولى وجوب الاعادة و الاعتناء بالشك ما دام هو قاعد على الوضوء و في حاله.

و الجملة الثانية و هي ما قلنا إنّها بحسب الظاهر مفهوم الجملة الاولى مذكورة بصورة المنطوق، ففيها احتمالان:

الاحتمال الأوّل: أنها متعرضة لحال القيام عن الوضوء و دخوله في غير الوضوء،

و ساكتة عن صورة قيامه عن الوضوء و عدم دخوله في غير الوضوء فتكون النتيجة اعتبار الدخول في الغير.

لكن لازم هذا الاحتمال عدم تعرض الرواية لصورة الخروج عن الوضوء و عدم دخوله في الغير، و هذا خلاف الظاهر لأنّه على هذا لا تكون هذه الصورة لا من حال الوضوء لفراغه عنه باتمام وضوئه باعتقاده إذا كان في غير حال الوضوء و لو كان هذا الحال القيام عنه أو السكوت الطويل بعده، و لا من حال غير الوضوء الداخل في فعل آخر كالصلاة و غيرها، و بعد كون هذا الاحتمال خلاف الظاهر يبقى الاحتمال الآخر.

298

الاحتمال الثاني: أن تكون الجملة الاولى متعرضة لحال القيام عن الوضوء

أعنى: الخروج و الفراغ عنه سواء دخل في فعل آخر أولا، و لا يكون قوله (فإذا قمت من الوضوء و فرغت منه و قد صرت في حال اخرى الخ) في مقام بيان دخل كل من القيام عن الوضوء و الفراغ منه و الدخول في حال اخرى إلّا لبيان أمر واحد و هو عدم كونه في حال الوضوء، لأنّه مع القيام عن الوضوء و الفراغ عنه و صيرورته في حال آخر خارج عن حال الوضوء المستفاد من منطوق الجملة الاولى فمنطوق الجملة الثانية هو في الحقيقة مفهوم الجملة الاولى لا غير.

فتكون النتيجة هو أنّه إن كان الشك في اثناء الوضوء في شي‌ء منه يجب اعادة هذا الشي‌ء و ما بعده (الا إذا كان الاعادة مخلة للموالاة المعتبرة في الوضوء، فإنه يجب اعادة الوضوء).

و إن كان الشك في شي‌ء منه بعد الفراغ عن الوضوء لا يجب عليه شي‌ء و لا يعتنى به، فعلى هذا يكون مفاد رواية زرارة و مفاد بعض الأخبار المتقدمة التي جعل موضوع عدم الاعتناء الفراغ من الوضوء أو التجاوز عنه واحدا.

غاية الأمر إن كان مسح رجله اليسرى و إن لم يقم عن الوضوء و حتى لم يفصل بشي‌ء من السكوت فيقال عرفا: إنّه خرج عن حال الوضوء و فرغ عنه عرفا فلا بد من أن لا يعتنى بشكه إذا كان شكه في غير الجزء الأخير لصدق الفراغ و الانصراف و تصدق انّه جاز عنه باعتقاده فيصدق التجاوز أن اعتبر التجاوز.

و إن كان شكه في خصوص الجزء الأخير و لم يقم عنه و لم يفصل بشي‌ء حتى السكوت الطويل لم يحصل الفراغ و التجاوز البنائى و الاعتقادى و لهذا يعتنى بشكه.

كما انّه لو اشتغل بعمل آخر، بل لو قام عن الوضوء و لو لم يشتغل بفعل آخر، بل و إن حصل السكوت الطويل فقط يعدّ عرفا أنّه في غير حال الوضوء، فلا يعتنى‌

299

بالشك و إن كان المشكوك الجزء الأخير من أجزاء الوضوء.

و كما قلنا في الفراغ من الصلاة فنقول أيضا: إنّه إذا كان في حال الصلاة فليس الشك شكا بعد الفراغ و إن كان مورد قاعدة التجاوز لكون الشك بعد التجاوز فيما كان متجاوزا عن الجزء، فإذا كان في جلوس التشهد و السلام و كان شكه في جزء الأخير و لم يتخلل بفعل آخر حتى السكوت الطويل فليس مورد قاعدة الفراغ و لا مورد قاعدة التجاوز لعدم دخوله في غيره من الأجزاء.

و أمّا إن كان الشك في غير جزء الأخير و هو في حال التشهد و لم يدخل في فعل آخر حتى التعقيب و لم يتخلل السكوت الطويل لا يكون مورد قاعدة الفراغ لعدم تحقق الانصراف و المضى من الصلاة، فيكون مورد قاعدة التجاوز‌

فتلخص من كل ما ذكرنا تمامية ما قاله المؤلف (رحمه اللّه) في هذا المقام و الحمد للّه و الصلاة و السلام على رسوله و آله.

*** [مسئلة 46: لا اعتبار بشك كثير الشك]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 46: لا اعتبار بشك كثير الشك سواء كان فى الأجزاء أو فى الشرائط أو الموانع.

(1) أقول: أما من حيث الفتوى و إن حكي عن الجواهر دعوى عدم وجدان الخلاف فيه لكن لم يقم إجماع عليه.

و أمّا دعوى لزوم الاعتناء بالشك مع كثرته موجب للعسر و الحرج، فنقول:

إن كان يوجب ذلك في بعض الموارد و يقتضي بعدم الاعتناء فيه لا في كل مورد‌

300

يكثر الشك.

و أمّا دعوى أن الوضوء من توابع الصلاة، فيجرى فيه حكم متبوعه، فبعد عدم الاعتبار بشك كثير الشك فى الصلاة لا اعتبار بشك كثير الشك في الوضوء‌

ففيه انّ الوضوء عبادة مستقلة أوّلا و إن كان من توابع الصلاة، و ثانيا لو فرض كونه من توابع الصلاة فلا دليل على جريان كل حكم من أحكام الصلاة فيه.

فيبقى في المقام بعض الأخبار:

منها ما رواها عبد اللّه سنان قال ذكرت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) رجلا مبتلى بالوضوء و الصلاة و قلت: هو رجل عاقل، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): و أىّ عقل له و هو يطيع الشيطان، فقلت له: و كيف يطيع الشيطان؟ فقال: سله هذا الذي يأتيه من أىّ شي‌ء هو فإنّه يقول لك: من عمل الشيطان (1).

و الاستدلال بها مبنى على كون الابتلاء بالوضوء و الصلاة بكثرة الشك فيهما كالوسواسى، و يكون كل موارد كثرة الشك من جهة الابتلاء بوسوسة الشيطان و كلاهما ممنوعان، إذ ربما يكون مبتلى في وضوئه و صلاته من غير كثرة الشك.

كما أنّه ربّما يكون كثير الشك و لا يكون منشأه الابتلاء بوسوسة الشيطان.

نعم يستفاد من الرواية أن كل مورد يكون كثرة الشك من جهة الابتلاء بوسوسة الشيطان لا يعتنى بالشك.

و أمّا عدم الاعتناء بكثرة الشك مطلقا حتى فيما لا تكون لأجل الابتلاء بوسوسة الشيطان فلا يستفاد من الرواية.

____________

(1) الرواية 1 من الباب 10 من ابواب مقدمة العبادات من الوسائل.

301

و لا يصلح لمعارضتها ما رواه أبو يحيي الواسطى عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت: جعلت فداك أغسل وجهى ثم أغسل يدي و يشككنى الشيطان أني لم أغسل ذراعى و يدى، قال: إذا وجدت برد الماء على ذراعك فلا تعد (1) بدعوى أن مفهوم قوله (عليه السلام) (إذا وجدت برد الماء على ذراعك فلا تعد) يدل على وجوب الاعادة إذا لم يجد برد الماء على ذراعه.

فهي تعارض مع رواية عبد اللّه بن سنان و كل ما يكون بمضمونها الدالة على عدم وجوب الاعادة مطلقا سواء يجد برد الماء في المشكوك غسله أو مسحه أو لا، و بعد التعارض لا بدّ من تقييدها برواية أبي يحيى الواسطى، فتكون النتيجة عدم وجوب الإعادة في خصوص ما يجد برد الماء على عضو المشكوك غسله أو مسحه وجه عدم موجبيتها للمعارضة أوّلا يمكن كون مورد رواية أبي يحيى الوسواس، و كان (عليه السلام) في سدد دفع وسواسه بهذا الطريق في الجملة و التنبيه عليه، فلا يكون مفهوم لها.

و ثانيا تكون رواية يحيى ضعيفة السند لعدم معلومية بعض الاصحاب الذي روى عنه يحيى هذه الرواية.

و منها ما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك، فإنه يوشك أن يدعك، إنّما هو من الشيطان (2).

و منها ما رواه حريز عن زرارة و أبي بصير جميعا قالا: قلنا له: الرجل يشك كثيرا في صلاته حتى لا يدرى كم صلى و لا ما بقى عليه، قال: يعيد، قلنا: فإنّه يكثر عليه ذلك كلما أعاد شك، قال: يمضى في شكه، ثم قال: لا تعوّدوا الخبيث من أنفسكم‌

____________

(1) الرواية 4 من الباب 42 من ابواب الوضوء من الوسائل.

(2) الرواية 1 من الباب 12 من ابواب الخلل من الوسائل.

302

نقض الصلاة فتطيعوه، فإن الشيطان خبيث معتاد لما عوّد، فليمض أحدكم في الوهم و لا يكثرن نقض الصلاة، فإنه إذا فعل ذلك مرات لم يعد إليه الشك، قال زرارة: ثم قال: إنّما يريد الخبيث أن يطاع، فإذا عصى لم يعد إلى أحدكم (1).

و الاستدلال بهما يتوقف على استفادة العلّية المطلقة حتى فيما لا يكون منشأ كثرة الشك من الشيطان و كلاهما محل منع.

لاحتمال كون ما ذكر في الروايتين من موجبية الاعتناء بالشك لتعود الشيطان حكمة لا علة.

و على فرض كونه علة يسرى الحكم إلى كل شك كثير يكون موجبا لا طاعة الشيطان و تعوده لا مطلق كثرة الشك حتى فيما لا يكون منشأه تعوّد الشيطان.

فتخلص أنّ ما ذكره المؤلف (رحمه اللّه) من عدم اعتبار شك كثير الشك في باب الوضوء تمام في خصوص ما كان منشأه الوسوسة الحاصلة من الشيطان، و كان الاعتناء سببا لا طاعته لا في غير هذا المورد.

*** [مسئلة 47: التيمّم الذي هو بدل عن الوضوء لا يلحقه حكمه]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 47: التيمّم الذي هو بدل عن الوضوء لا يلحقه حكمه في الاعتناء بالشك إذا كان في الأثناء و كذا الغسل و التيمم بدله، بل المناط فيها التجاوز عن محل المشكوك فيه و عدمه، فمع التجاوز تجرى قاعدة التجاوز و إن كان في الأثناء مثلا، إذا شك بعد

____________

(1) الرواية 2 من الباب 12 من ابواب الخلل من الوسائل.

303

الشروع في مسح الجبهة في أنّه ضرب بيديه على الأرض أم لا، يبنى على أنّه ضرب بهما، و كذا إذا شك بعد الشروع في الطرف الأيمن في الغسل أنّه غسل رأسه أم لا لا يعتنى به، لكن الأحوط الحاق المذكورات أيضا بالوضوء.

(1)

اقول: تارة يقال: باختصاص اعتبار قاعدة التجاوز بباب الصلاة فقط فمقتضى القاعدة هو الاعتناء بالشك و اتيان المشكوك و ما بعده إن لم تفت الموالاة إذا كان في أثناء التيمم أو الغسل و إن لم يكن في البين ما دل على الاعتناء بالشك في الوضوء إذا كان الشك في أثنائه في إتيان جزء أو شرط منه للاشتغال، و إن فاتت الموالاة يجب اعادة التيمم أو الغسل لقاعدة الاشتغال.

و تارة يقال: بجريان قاعدة التجاوز في كل مركب شك في بعض أجزائه أو شرائطه و لا انحصار لها بباب الصلاة، كما بيّنا وجهه تفصيلا في رسالتنا التي حرّرناها في قاعدة التجاوز و الفراغ.

فنقول: بأن الشك إذا كان في أثناء واحد من التيمم أو الغسل في اتيان بعض أجزائهما أو شرائطهما و عدمه فلا يعتنى بالشك لكون المورد مورد قاعدة التجاوز.

و ما قيل من وجوب الاعتناء فيهما من باب كون الغسل مثل الوضوء في كونه مطهّرا غاية الأمر الوضوء مطهّر للحدث الاصغر، و الغسل مطهّر للحدث الأكبر، و التيمم بدلهما فحكمه حكمهما، فكما يجب الاتيان بالمشكوك من الأجزاء و الشرائط إذا كان الشك في أثنائه كذلك في الغسل و التيمم.

ففيه أن هذا أشبه شي‌ء بالقياس فلا وجه للتعدى من الوضوء بهما.

304

نعم الأحوط استحبابا فيهما الاعادة و اتيان المشكوك فيما لم تفت الموالاة و إعادتها فيما فاتت الموالاة من باب دعوى الشهرة الفتوائية على إلحاقهما به في هذا الحكم، و إن كان قيام الشهرة عليه مورد الاشكال كما حكى عن صاحب الجواهر (رحمه اللّه).

*** [مسئلة 48: إذا علم بعد الفراغ من الوضوء أنّه مسح على الحائل]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 48: إذا علم بعد الفراغ من الوضوء أنّه مسح على الحائل، أو مسح في موضع الغسل، أو غسل في موضع المسح، و لكن شك في أنّه هل كان هناك مسوّغ لذلك من جبيرة، أو ضرورة، أو تقية أولا، بل فعل ذلك على غير الوجه الشرعى، الظاهر الصحة حملا للفعل على الصحة لقاعدة الفراغ أو غيرها، و كذا لو علم أنّه مسح بالماء الجديد و لم يعلم أنّه من جهة وجود المسوّغ أولا، و الأحوط الاعادة في الجميع.

(1)

أقول: منشأ الاشكال هو أن مفاد أدلة قاعدة الفراغ هل مختص بمن يعلم ما هو وظيفته و يشك في صحة ما هو الموظف و عدمها، مثلا يعلم أن وظيفته مسح الرأس، لكن بعد الفراغ عن الوضوء يشك في صحة الوضوء و عدمها من جهة شكه في أنّه مسح رأسه أم لا، ففى هذه الصورة تجرى قاعدة الفراغ بلا إشكال.

أو يعمّ هذه الصورة و من إذا يعلم بما عمله، لكن يشك في أن ما فعله كان وظيفته أم لا، مثلا يعلم أنّه مسح على الحائل، أو مسح في موضع الغسل، أو غسل في‌

305

موضع المسح، و لكن يشك في أنّه هل كان مسوّغ لما عمله من جبيرة أو ضرورة أو تقية حتى كان وضوئه صحيحا، أو لم يكن له مسوّغ حتى يكون وضوئه باطلا، فتجرى قاعدة الفراغ في هذه الصورة أم لا.

و بعبارة اخرى كما انّه في الصورة الاولى بعد علمه بالوظيفة يحتمل أن الذهول و الغفلة صار سببا لعدم العمل بوظيفته فصار الوضوء باطلا، فببركة قاعدة الفراغ يحكم بصحته، كذلك تشمل القاعدة ما إذا كان يحتمل أن الغفلة و الذهول صارا سببا للعمل بما عمل على خلاف الوظيفة، أو أنّه كانه حين العمل أذكر، فما عمل به كان هو وظيفته فقد عمل على طبق وظيفته مثل بعض الأمثلة المذكورة في المتن، فهل يحكم بصحته الوضوء بمقتضى قاعدة الفراغ أم لا؟

لا يبعد كون الظاهر من أخبار الباب هو الأوّل، بمعنى أن موردها ما لم يعلم بأنه أتى بما لا بدّ أن يؤتى به أو لم يأت به أصلا من باب عروض الغفلة.

و أمّا إذا يعلم بأنه أتى به، و لكن لا يدرى أن اتيانه كان من باب كونه حين العمل وظيفته فأتى به، أو لم يكن وظيفته، بل أتى به غفلة على خلاف الوظيفة، فلا يشمله أخبار الباب، و لهذا الأحوط بل الأقوى الإعادة في هذه الصورة.

*** [مسئلة 49: إذا تيقّن أنّه دخل في الوضوء و أتى ببعض أفعاله]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 49: إذا تيقّن أنّه دخل في الوضوء و أتى ببعض أفعاله، و لكن شك في أنّه أتمّه على الوجه الصحيح أولا، بل عدل عنه اختيارا أو اضطرارا، الظاهر عدم جريان قاعدة الفراغ فيجب الاتيان به، لأنّ مورد القاعدة ما إذا علم كونه بانيا على

306

إتمام العمل و عازما عليه إلّا أنّه شاك في اتيان الجزء الفلانى أم لا، و في المفروض لا يعلم ذلك، و بعبارة اخرى مورد القاعدة صورة احتمال عروض النسيان لا احتمال العدول عن القصد.

(1)

أقول: منشأه كما أشار إليه (رحمه اللّه) في المتن هو أن مورد قاعدة الفراغ ما إذا كان الشخص بانيا على إتيان العمل على الوجه المعتبر و عازما عليه، و يكون منشأ احتمال الترك عروض الغفلة و النسيان.

و أمّا إذا كان منشأ احتمال الترك هو العمد من باب طرو الاضطرار أو اختيارا فلا تشمله القاعدة فيجب الاعادة.

*** [مسئلة 50: إذا شك في وجود الحاجب و عدمه قبل الوضوء]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 50: إذا شك في وجود الحاجب و عدمه قبل الوضوء، أو في الاثناء وجب الفحص حتى يحصل اليقين أو الظن بعدمه إن لم يكن مسبوقا بالوجود، و إلّا وجب تحصيل اليقين و لا يكفى الظن، و إن شكّ بعد الفراغ في أنّه كان موجود أم لا بنى على عدمه و يصح وضوئه، و كذا إذا تيقن أنّه كان موجودا و شك في أنّه أزاله، أو أوصل الماء تحته أم لا، نعم في الحاجب الذي قد يصل الماء تحته و قد لا يصل إذا علم أنّه لم يكن ملتفتا إليه حين الغسل و لكن شك في أنّه وصل الماء تحته من باب الاتفاق أم لا، يشكل جريان قاعدة الفراغ فيه، فلا يترك الاحتياط بالاعادة،