ذخيرة العقبى في شرح العروة الوثقى - ج6

- الشيخ علي الصافي الگلپايگاني المزيد...
458 /
307

و كذا إذا علم بوجود الحاجب المعلوم أو المشكوك حجبه و شك في كونه موجودا حال الوضوء أو طرأ بعده فأنه يبنى على الصحة، إلّا إذا علم أنه في حال الوضوء لم يكن ملتفتا إليه فإنّ الأحوط بل الأقوى الاعادة حينئذ.

(1)

أقول: في المسألة مسائل:

المسألة الاولى: إذا شك في وجود الحاجب و عدمه،

و قد مضى بعض الكلام فيه في المسألة التاسعة من المسائل المتعلقة بأفعال الوضوء، و نقول هنا أيضا إن شاء اللّه.

إذا شك في وجود الحاجب يجب الفحص حتى يحصل اليقين، أو الاطمينان بعدمه أو الظن المعتبر.

أمّا وجه وجوب الفحص فلأنّه بعد اشتغال اليقينى بالغسل و المسح في الوضوء على البشرة، أو ما بحكمها مثل ظاهر اللحية فيجب عليه تحصيل البراءة اليقينية، و لا تحصل إلّا بالفحص.

و وجه وجوب الفحص إلى حصول اليقين فلوجوب حصول اليقين بالبراءة.

و وجه كفاية الاطمينان لأنّه بحكم اليقين.

و وجه كفاية الظن المعتبر فلانه يقوم بدليل اعتباره مقام العلم.

و أمّا ما قيل من عدم وجوب الفحص مع الشك في وجود الحاجب و عدمه، إما للسيرة و إمّا للخبر الوارد في الحيض، فقد بينا جوابهما في المسألة التاسعة من أفعال الوضوء فراجع.

308

و لا يكتفى مطلق الظن في عدم وجود الحاجب و إن كان ظاهر كلام المؤلف (رحمه اللّه) كفايته لعدم اعتبار مطلق الظن.

و لا فرق فيما قلنا من وجوب الفحص عن الحاجب حتى حصل اليقين أو الاطمينان أو الظن المعتبر بعدمه بين أن يكون الحاجب مسبوقا بالوجود و بين عدم كونه مسبوق الوجود و إن فصّل المؤلف (رحمه اللّه) من كفاية مطلق الظن في الثاني و عدمه في الأوّل، و وجهه بنظره وجود السيرة على كفاية مطلق الظن في الثاني لا الأوّل.

و لكن قد عرفت في المسألة التاسعة من المسائل المتعلقة بأفعال الوضوء أن السيرة إن كانت ففي مورد اطمينان بعدم الحاجب لا مطلقا حتى فيما لا يحصل الاطمينان بعدمه، فيجب الفحص في كل من الصورتين حتى يحصل العلم أو الاطمينان أو الظن المعتبر على عدمه.

المسألة الثانية: إذا شك بعد الفراغ من الوضوء في وجود الحاجب حال الوضوء و عدمه

لا يعتنى بالشك، و يبنى على عدمه لقاعدة الفراغ، لأنّه يشك في الحقيقة في ترك الجزء و عدمه أو في الصحة و عدمها، فتجرى قاعدة الفراغ.

المسألة الثالثة: إذا كان متيقنا في وجود الحاجب سابقا

و لكن بعد الفراغ من الوضوء يشك في أنّه أزاله أو أوصل الماء تحت أم لا لا يعتنى بالشك و يبنى على الصحة لقاعدة الفراغ.

المسألة الرابعة: ما إذا كان الحاجب مما قد يصل الماء تحته

و قد لا يصل تحته و يعلم أنّه لم يكن ملتفتا إليه حين الغسل لكن شك في أنّه وصل الماء تحته من باب الاتفاق أم لا، فهل لا يعتنى بالشك أو يعتنى به وجهان:

و وجه عدم الاعتناء شمول قاعدة الفراغ للمورد لاطلاق دليلها.

309

وجه الاعتناء بالشك أن مقتضى العلة المذكورة في بعض روايات الباب كون الحكم بالصحة من باب أذكرية الشخص حين العمل، و في المقام يعلم بعدم كونه متذكرا لعلمه بعدم التفاته إلى المشكوك حين العمل.

أقول: قد بينّا في رسالتنا في قاعدة التجاوز و الفراغ في الفراغ الثالث أنّه بناء على كون قاعدة الفراغ قاعدة مستقلة عقلائية‌

أوّلا بناء العقلاء في مورد يكون الشخص عالما بكيفية عمل و يريد إتيانه و لا يتركه بالنحو المطلوب إلّا من باب النسيان و الغفلة، و لا يكون بنائهم على الصحة فيما يعلم بما عمله، و لكن يشك في أنّه بما عمله حصل ما هو المطلوب من باب الاتفاق أولا.

و ثانيا على فرض تحقق بناء العقلاء في المورد أيضا بعد ما ردع الشارع عن طريقتهم بقوله (عليه السلام) (لأنّه حين ما يتوضأ أذكر منه حين يشك) أو يستفاد من مجموع أخبار الباب أن مصب القاعدة هو ما كان منشأ الترك على فرض تركه هو الذهول و الغفلة.

و أمّا بناء على عدم كونها قاعدة عقلائية، و كونها قاعدة مستفادة من الأخبار سواء كانت هي و قاعدة التجاوز قاعدة واحدة، أو كانتا قاعدتين مستقلتين.

فنقول: أولا مقتضى ما في رواية بكير بن أعين من قوله (عليه السلام) (هو حين ما يتوضأ أذكر منه حين يشك) كون علة عدم الاعتناء بالشك أذكرية الشخص و عدم غفلته حين العمل و أمّا إذا كان ملتفتا حال العمل لكن لا يدرى حصول المطلوب اتفاقا بما عمله أولا فخارج عن موضوع العلة المذكورة.

و ثانيا أن ظاهر أخبار الباب مع قطع النظر عن العلة المذكورة كما قلنا هو كون مورد القاعدة صورة كون الترك على الفرض من باب الذهول و الغفلة.

310

و أمّا ما إذا كان عالما بما عمله و لكن شكه يكون مع باب انّه هل تحقق اتيان الجزء أو الشرط فيما فعله اتفاقا أم لا، فلا يكون مورد القاعدة، فافهم فإن اشكل في حجيّة رواية بكير بن أعين لضعف سندها من باب كونها مضمرة يكفى ما قلنا لعدم شمول القاعدة للمورد.

المسألة الخامسة: إذا علم بوجود الحاجب المعلوم

أو المشكوك حجبه و شك في كونه موجودا حال الوضوء أو طرأ بعده فله صورتان:

الصورة الاولى: ما إذا احتمل التفاته به حال الوضوء، و أنّه لو تركه لا يكون إلّا من باب الغفلة، فالوضوء محكوم بالصحة لقاعدة الفراغ.

الصورة الثانية: ما إذا يعلم أنّه لا يكون ملتفتا به حال الوضوء فالأقوى عدم جريان قاعدة الفراغ للعلة المذكورة في رواية بكير من أعين (هو حين ما يتوضأ أذكر) و الاشكال بضعف سندها بالاضمار مندفع بانجبارها بعمل الأصحاب.

و أمّا لما قلنا من أن ظاهر أخبار الباب كون مورد قاعدة الفراغ ما كان بانيا على اتيان المركب المأمور به على النحو الموظّف و لا يكون سبب الترك إلّا الغفلة و الذهول، و لو لا الغفلة و الذهول يأتي به على وجهه، لا ما إذا كان عالما بما فعله و أنه لو اتى بالمشكوك أتى به قهرا و اتفاقا، فمن يعلم بعدم التفاته حين العمل فليس تركه مستندا إلى الغفلة، بل يستند إلى عدم الالتفات فلا يشمله أخبار الباب.

و أمّا ما قال بعض (1) الشراح في وجه شمول قاعدة الفراغ لصورة العلم بعدم الالتفات حال العمل، كما قال به في المسألة الحادية عشرة من فصل الماء المشكوك و بيّنا الاشكال فيه، بأن مقتضى ما رواه الحسين بن أبي العلاء (قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الخاتم إذا اغتسلت، قال: حوّله من مكانه، و قال: في الوضوء تدره‌

____________

(1) المستمسك، ج 2، ص 525.

311

فإن نسيت حتى تقوم في الصلاة فلا آمرك أن تعيد الصلاة) (1) هو عدم وجوب اعادة الصلاة و هو مفاد قاعدة الفراغ مع أنّ موردها العلم بعدم التفاته حين العمل.

ففيه أوّلا أن موردها نسيان تحويل الخاتم و إدارته فيكون قوله (عليه السلام) بعدم الأمر باعادة الصلاة من باب أنّه ترك وصول الماء تحت الخاتم نسيانا من باب عدم تحويله أو إدارته، فعدم وجوب الاعادة كان لأجل نسيانه.

و بعبارة اخرى عدم كون وصول الماء جزءا حال النسيان، و هذا الاحتمال و إن كان بعيدا من باب كون شرطية الطّهارة الحدثية مطلقة، لكن يمكن كون جزئية وصول الماء بالبشرة الواقعة تحت الخاتم جزءا ذكريا، فلا يكون جزءا حال النسيان، فيكون الوضوء و الغسل مع فقد هذا الجزء نسيانا صحيحين، فيصحان مع تركه نسيانا، و بعد عدم جزئيته حال النسيان حصلت الطّهارة، فالصلاة واجدة للطهارة فلا يجب إعادتها.

و حيث إنّ الالتزام بكون جزئية وصول الماء بالبشرة مطلقا، و ما في تحت الخاتم ذكريا مشكل لا بد إمّا من حملها على غير ذلك او ترك العمل بها.

و ثانيا على فرض كون عدم وجوب الاعادة من باب عدم الاعتناء بالشك الحاصل له من عدم إدارة الخاتم و تحويله من وصول الماء إلى البشرة الواقعة تحت الخاتم أم لا، لأنّه يحتمل وصول الماء بها اتفاقا فقال (عليه السلام): لا يعتنى بهذا الشك.

فنقول: إنّ الأمر يدور بين أن يقال: بأنه على فرض كون ما بقى من أخبار قاعدة الفراغ مطلقا يشمل حتى صورة علمه بعدم الالتفات حال العمل، لكن بعد دلالة هذه الرواية على عدم الاعتناء بالشك بعد الفراغ فيما لا يكون ملتفتا حال‌

____________

(1) الرواية 2 من الباب 41 من أبواب الوضوء من الوسائل.

312

العمل نقول: بشمول القاعدة لهذا المورد، و لا فرق بين الوضوء و الغسل و بين غيرهما، فالنتيجة حجية القاعدة حتى في صورة العلم بعدم الالتفات حين العمل.

و بين أن يقال: بأنه نقتصر في هذا الحكم بخصوص المورد فنقول:

بحجية القاعدة في غير باب الوضوء و الغسل في خصوص ما يحتمل الالتفات حال العمل، و حجيتها في خصوص باب الوضوء و الغسل حتى فيما يكون عالما بعدم التفاته حال العمل لكون رواية الحسين المذكورة واردة في خصوص الوضوء و الغسل.

و إن كان الاحتمال الثاني لا يساعد مع كون قاعدة الفراغ قاعدة عقلائية كما اعترف به هذا القائل، بل يساعد مع الاحتمال الأوّل، و هو كون هذا الحكم أعنى:

شمولها لهذا المورد في كل باب لا في خصوص الوضوء و الغسل.

و على كل حال نقول: بأنه على هذا تكون هذه الرواية بظاهرها معارضة مع رواية بكير، لأنّ مقتضى العلة المذكورة في رواية بكير بن أعين هو الصحة فيما يحتمل تذكره حال العمل، و مقتضى رواية الحسين هو الصحة حتى في مورد يعلم عدم تذكره حال العمل.

فإن أمكن الجمع بينهما نقول به، و إلّا لا بدّ من معاملة الخبرين المتعارضين بينهما.

و في مقام الجمع نقول: ما يأتي بالنظر و لا يبعد هو أن يقال: إن الحكم بصحة الصلاة و عدم وجوب الاعادة في رواية الحسين بن أبي العلاء لأنّ الأمر بتحويل الخاتم أو إدارته في مقام الغسل و الوضوء يكون لأجل وصول الماء تحته، فيكون أمرا إرشاديّا لارشاده بهذه الكيفية باطاعة امر المولى المتعلق بغسل البشرة حتى‌

313

يحصل له اليقين باطاعته.

و أمّا قوله (عليه السلام) (فإن نسيت حتى تقوم في الصلاة فلا آمرك ان تعيد الصلاة) يكون من باب أنّه مع الحركات الحاصلة في ضمن الغسل من ناحية آلة الغسل، و هي اليد و نفس المغسول، يصل الماء تحت الخاتم، و لهذا لا يأمره بالاعادة.

فالأمر بالتحويل و الادارة يكون أمرا احتياطيا عقلائيا لحفظ ما هو الواجب عليه من غسل البشرة، و عدم وجوب الأمر بالاعادة يكون من باب حصول الواجب، و لو كان بدون التحويل و الادارة، كما في غالب الخواتم الغير الطبيعة لم يمنع من وصول الماء بالبشرة، فلا منافاة بين الأمر بهما و بين عدم وجوب الاعادة.

و بعد حمل رواية الحسين على ما قلنا يرفع التعارض لأنّ مفادها ليس أمرا يغاير مع رواية بكير حيث إن الحكم بالصحة في مورد العلم بعدم الالتفات في رواية الحسين يكون من باب حصول الغسل لا من باب قاعدة الفراغ، فتكون النتيجة حجية قاعدة الفراغ في خصوص ما كان يحتمل تذكره حال العمل كما هو مقتضى العلة المذكورة في رواية بكير، بل ساير الروايات أيضا، لأنّ ساير الروايات كما قلنا ظاهرها هو صورة احتمال تذكر الشخص حال العمل.

و ثالثا لان المحتمل فى رواية الحسين احتمال آخر و هو أن يكون السؤال عن حكم الخاتم حال الوضوء و الغسل فى نفسه، ليكون الامر بالتحوّل أو إدارته محمولا على الاستحباب كما أفتى به بعض الاصحاب و جعلوه من المستحبات، لا أن يكون الامر بالإعادة مع فرض شكه فى وصول الماء تحته و عدمه فالمراد، و اللّه اعلم، أنه سئل عن الخاتم نفسه فأمر بادارته و تحوّله في صورة نسيانهما اما من باب تخيّله أنّ الامر يقتضي الوجوب، فقوله بعدم الإعادة كاشف عن عدم وجوبهما، و إمّا من باب أنّه و إن فهم استحبابهما، لكن سئل عن صورة النسيان فاجاب بعدم لزوم‌

314

الإعادة، فافهم.

*** [مسئلة 51: إذا علم بوجود مانع و علم زمان حدوثه]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 51: إذا علم بوجود مانع و علم زمان حدوثه و شك في أنّ الوضوء كان قبل حدوثه أو بعده، ينبى على الصحة لقاعدة الفراغ، إلّا إذا علم عدم الالتفات إليه حين الوضوء فالأحوط الاعادة حينئذ.

(1)

أقول: أما وجه صحة الوضوء و جريان قاعدة الفراغ فيما إذا علم بوجود المانع و علم زمان حدوثه و شك في أن الوضوء كان قبل حدوث المانع أو بعده مع احتمال تذكره حال العمل فلكونه المتيقن من مورد قاعدة الفراغ.

و لا حاجة مع قاعدة الفراغ إلى استصحاب عدم وجود المانع إلى ما بعد الوضوء لحكومتها عليه، مضافا إلى كون الاستصحاب مثبتا، فلا يثبت كون الوضوء بلا مانع.

و بعبارة اخرى لا يثبت كون الغسل أو المسح واقعا على البشرة و أنه لا وجه للتمسك باستصحاب عدم تحقق الوضوء إلى زمان حدوث المانع لعدم جريان الاستصحاب فى مجهول التاريخ أولا و كونه مثبتا ثانيا، لأنّه لا يثبت به كون الوضوء مع المانع، فالمرجع فى حدّ ذاته يكون قاعدة الاشتغال، لكن بعد جريان قاعدة الفراغ يؤخذ بها و تكون حاكمة على قاعدة الاشتغال.

و أمّا الصورة بحالها مع فرض علمه بعدم الالتفات إليه حال الوضوء‌

315

فلا تجرى قاعدة الفراغ على الأحوط بل الأقوى لما قلنا في البعض المسائل المذكورة في المسألة السابقة من عدم جريان قاعدة الفراغ على الأقوى في صورة علمه بعدم الالتفات حال العمل.

*** [مسأله 52: إذا كان محل وضوئه من بدنه نجسا فتوضأ]

قوله (رحمه اللّه)

مسأله 52: إذا كان محل وضوئه من بدنه نجسا فتوضأ و شك بعده في أنّه طهّره ثم توضأ أم لا بنى على بقاء النجاسة فيجب غسله لما يأتي من الأعمال، أمّا وضوئه فمحكوم بالصحة عملا بقاعدة الفراغ إلّا مع علمه بعدم التفاته حين الوضوء إلى الطّهارة و النجاسة، و كذا لو كان عالما بنجاسة الماء الذي توضأ منه سابقا على الوضوء و يشك في أنّه طهّره بالاتصال بالكر أو بالمطر أم لا، فإنّ وضوئه محكوم بالصحة و الماء محكوم بالنجاسة، و يجب عليه غسل كل ما لاقاه، و كذا في الفرض الأوّل يجب غسل جميع ما وصل إليه الماء حين الوضوء أو لاقى محل الوضوء مع الرطوبة.

(1)

أقول: في المسألة مسائل:

المسألة الاولى: ما إذا كان محل وضوئه من بدنه نجسا فتوضأ

و شك بعده في أنّه طهّره ثم توضأ أم لا فالكلام فيه في موردين:

المورد الأوّل: هل يبنى على بقاء نجاسة محل وضوئه

فيجب غسله لما يأتي‌

316

من الأعمال المشروطة بطهارته أم لا؟

أقول: الالتزام بنجاسة محل الوضوء و وجوب غسله و عدمه مبنى على القول با مارية قاعدة الفراغ أو كونها من الأصول المحرزة المطلقة و عدمها، فإن قلنا بكونها من الأمارات و الاصول المحرزة المطلقة، فبعد جريان قاعدة الفراغ فى الصلاة يكون لازمه عدم محكومية محال الوضوء بالنجاسة و عدم وجوب غسلها.

و إن قلنا بعدم كونها من الامارات و لا من الأصول المحرزة المطلقة فلا يثبت لوازمها العقلية و العادية بها، فيحكم بنجاسة محالها سواء نقول بكونها من الاصول المحرزة الحيثية، فيحرز بها الحيث الذي شك فيه فقط، أو قلنا بكونها من الأصول الغير المحرزة بمقتضى استصحاب النجاسة فيجب غسلها للأعمال المتوقفة على طهارتها.

و نحن و إن قويّنا في رسالتنا في قاعدة التجاوز و الفراغ أماريّة قاعدة الفراغ فلا بدّ من القول بمحكومية محال الوضوء بالطهارة، و لكن مع ذلك نقول: بأن الاحتياط الواجب غسلها، فالوظيفة في مقام العمل هو الاحتياط.

المورد الثاني: في صحة وضوئه في الفرض و عدمه

فنقول بعونه تعالى: إن الوضوء محكوم بالصحة لقاعدة الفراغ، فإنه مع كون المتوضى عالما بالوظيفة، و كان بنائه إتيان الوضوء بالنحو الموظف، و من جملة الوظيفة كون محل الوضوء طاهرا مع احتمال تذكره حال الوضوء، فلو ترك تحصيل طهارة محل الوضوء فرضا فلا يكون تركه إلّا من باب الذهول و الغفلة، فيكون المورد مورد قاعدة الفراغ، و ببركتها يحكم بصحة الوضوء.

نعم لو علم بعدم التفاته حين الوضوء لا تجرى قاعدة الفراغ، فيجب عليه إعادة الوضوء لما قلنا في المسألة الرابعة و الخامسة من المسألة 50 من عدم شمول‌

317

أدلتها لهذا المورد.

المسألة الثانية: ما إذا كان عالما بنجاسة الماء الذي توضأ منه

سابقا على الوضوء، و يشك في أنّه طهّره بالاتصال بالكر، أو بالمطر أم لا فإن وضوئه محكوم بالصحة إلّا فيما يعلم بعدم التفاته حين الوضوء.

و الماء محكوم بالنجاسة.

لعين ما قلنا في المسألة الاولى من أن الوضوء محكوم بالصحة لقاعدة الفراغ مع احتمال التفاته حين الوضوء.

و عدم محكوميته بالصحة لعدم جريان قاعدة الفراغ فيما يعلم بعدم التفاته حال الوضوء.

و الماء محكوم بالنجاسة لاستصحاب النجاسة.

نعم لو قلنا بأن لسان قاعدة الفراغ لسان الامارة يحكم الماء بالطهارة لانّه يثبت بقاعدة الفراغ لوازمها و حيث أنّه لا يبعد ذلك قلنا إنّ الأحوط وجوبا الحكم بنجاسة الماء.

المسألة الثالثة: بعد فرض محكومية محل الوضوء بالنجاسة في المسألة الاولى،

يجب غسل جميع ما وصل إليه الماء حين الوضوء، أو لاقى محل التوضؤ مع الرطوبة.

و في المسألة الثانية يجب عليه غسل كلّ ما لاقاه الماء المحكوم بالنجاسة، لأنّ أثر نجاسة البدن و الماء شرعا نجاسة كلّ ما لاقاه.

***

318

[مسئلة 53: إذا شك بعد الصلاة في الوضوء]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 53: إذا شك بعد الصلاة في الوضوء لها و عدمه بنى على صحتها، لكنه محكوم ببقاء حدثه فيجب عليه الوضوء للصلوات الآتية، و لو كان الشك في أثناء الصلاة وجب الاستيناف بعد الوضوء، و الأحوط الاتمام مع تلك الحالة ثم الاعادة بعد الوضوء.

(1)

[احتمالات المسألة و وجهها]

أقول: أما إذا شك بعد الفراغ من الصلاة في أنّه هل كان مع الوضوء فصلاته وقعت مع الطّهارة، أو بلا وضوء فصلاته وقعت بلا طهارة، تجرى قاعدة الفراغ بالنسبة إلى الصلاة و يحكم بصحتها ببركتها.

و أمّا الوضوء المشكوك إتيانه فلا مجال لجريان قاعدة الفراغ فيه لأنّ اصل وجوده مشكوك، و أمّا الحكم بوجوده ببركة قاعدة الفراغ الجارية في الصلاة فهو مبنى على القول بأمارية قاعدة الفراغ حتى يثبت بها لوازمها، أو كونها من الأصول المحرزة المطلقة.

و أمّا على القول بكونها من الأصول و إن كانت من الأصول المحرزة الحيثية فلا يثبت بها إلّا الحيث الذي وقع الشك من جهته، و نحن نقول: بأن الأحوط وجوبا إعادة الوضوء و كونه محكوما بالحدث، و لا نفتى به للعدم بعد كونها من الأمارات كما اشرنا به فى المسألة 52.

و أمّا إن شك في الوضوء حال الصلاة فهل يجب عليه أن يتوضأ ثم يستأنف الصلاة، أو يجب إتمام الصلاة و عدم وجوب استيناف الصلاة بعد إتمامها بعد استيناف الوضوء، لكن لا يصح الاتيان بعد الصلاة بما يشترط فيه الوضوء، بل يجب استيناف الوضوء له.

319

أو تجرى قاعدة الفراغ فيجب إتمام الصلاة و لا يجب استينافها بل يصح الاتيان بعدها بكل ما يشترط فيه الوضوء احتمالات بل أقوال.

وجه الاحتمال الأوّل:

كون قاعدة التجاوز أصلا و لم تكن من الأصول المحرزة، أو و إن كانت من الأصول المحرزة تكون محرزيته محرزية حيثية، بمعنى الحيث الذي يكون شرطا للصلاة.

و في المقام نقول: أمّا وجوب الوضوء لما يجب فيه الوضوء فلكون محرزية القاعدة حيثية، فتفيد لخصوص الصلاة لا لغيرها، و امّا وجوب اعادة الوضوء و استيناف هذه الصلاة فلأن الوضوء ليس له محل شرعى تجاوز عنه من باب عدم كون محلّه الشرعى قبل الصلاة، بل بعد ما يرى العقل اشتراط الوضوء في الصلاة يحكم باتيانه قبل الصلاة.

وجه الاحتمال الثاني:

شمول قاعدة التجاوز للمورد من باب دعوى أن محل الوضوء شرعا قبل الصلاة و بدخوله في الصلاة تجاوز عنه، و حيث إنّه تجاوز عنه و هي من الأصول المحرزة الحيثية، أعنى: من الحيث المربوط بالصلاة فيحرز بها الطّهارة لخصوص الصلاة، فيجب اتمام الصلاة و لا يجب استينافها، لكن يجب الوضوء لكل ما يأتي بعد ذلك مما اعتبر فيه الوضوء لأنّها مع كونها من الأصول المحرزة لا يحرز بها إلّا الوضوء من حيث شرط الصلاة لا الوضوء مطلقا و لو لغير الصلاة.

وجه الاحتمال الثالث:

هو أن قاعدة التجاوز و الفراغ إمّا من الامارات فيثبت بها لوازمها العقلية و العادية، و إمّا من الأصول المحرزة المطلقة فيثبت بها تحقق الجزء و الشرط مطلقا حتى بالنسبة إلى غير الصلاة.

فيقال: أما كون المورد مورد قاعدة التجاوز فلأنّ الشك في الوضوء و إن كان‌

320

في أثناء الصلاة، لكن حيث تجاوز عن محلّه الشرعى، و هو قبل الصلاة، فتجرى قاعدة التجاوز بالنسبة إلى ما مضى من الصلاة، و بعد جريانها يثبت بها و يحرز بها الشرط و هو الوضوء مطلقا، نظير استصحاب الطّهارة مع الشك في حدوث الحدث، فكما يكتفى بهذه الطّهارة المحرزة بالاستصحاب للصلاة يكتفى بها لكل ما هو مشروط بها من الاعمال، فعلى هذا يجب إتمام الصلاة و لا يجب استينافها و لا يجب الوضوء لكل عمل يشترط بالوضوء، بل يكتفى بهذه الطّهارة المحرزة من جريان قاعدة التجاوز في ما مضى من الصلاة.

[بيان امور]

إذا عرفت ذلك نقول بعونه تعالى: إن الشك حيث يكون في مورد الكلام في الاثناء لا يكون مورد قاعدة الفراغ مسلّما لعدم كون الشك بعد الفراغ سواء كانت هي و قاعدة التجاوز قاعدتين مستقلتين أو قاعدة واحدة، بل إن كان موردا لاحدى القاعدتين فهى قاعدة التجاوز.

فما هو الحق في المقام يظهر بعد فهم امور يكون الحكم باحدى الاحتمالات الثلاثة المتقدمة موقوفا بفهمها.

الأمر الأوّل: حيث إن مورد قاعدة التجاوز هو التجاوز عن المشكوك

بالبيان الذي بيناه في رسالتنا في قاعدة الفراغ و التجاوز، فلا بد أو لا من فهم أنّ التجاوز تحقق فى المورد أم لا، فان قلنا ان معنى التجاوز هو التجاوز عن المحل من الشى، و قلنا بأن محل الشرعى من الوضوء هو قبل الصلاة، فقد حصل التجاوز عن الشرط المشكوك، و أمّا إن لم نقل بذلك بل قلنا إن الشرط هو الطهارة و هى محلها حال الصلاة، أو ان الشرط و ان كان محصّله و هو الغسلتان و المسحتان لكن ليس قبل الصلاة محلهما الشرعى، بل محلهما العقلى فلم يتحقق التجاوز، و حيث انا فى رسالتنا اخترنا الاول نقول بتحقق التجاوز.

321

الأمر الثاني: بعد فرض كون المورد مورد قاعدة التجاوز

من حيث التجاوز عن المشكوك نقول: فعلى هذا بعد كون الشك في الوضوء في أثناء الصلاة و تجرى قاعدة التجاوز في كل جزء و شرط من الصلاة تجاوز عنه، فبالنسبة إلى ما مضى من الصلاة و إن كانت قاعدة التجاوز جارية و مقتضاها صحة ما مضى من الصلاة.

لكن الكلام فيما بقى من الصلاة، فإن قلنا بكون قاعدة التجاوز أمارة و اصلا محرزا مطلقا للصلاة و غيرها، أو قلنا بكونها أصلا محرزا حيثيا أعنى: يثبت الشرط و هو الوضوء من حيث الصلاة فلا إشكال في صحة الصلاة و وجوب إتمامها و عدم وجوب استينافها.

و كذا لو قلنا بكون قاعدة التجاوز أصلا من الأصول الغير المحرزة حتى ليست محرزة حيثية نظير أصالة البراءة، فلا يجب استيناف الصلاة بعد استيناف الوضوء فوجوب إتمام الصلاة و عدم وجوب استينافها ليس مبنيا على كون القاعدة أمارة أو أصلا من الأصول المحرزة و إن كانت حيثية، بل يبنى على صدق التجاوز و عدمه.

و نحن قد بيّنا فى رسالتنا فى القاعدة أن القاعدة على فرض كونها من الأصول فالأقوى كونها من الأصول المحرزة الحيثية، فنقول بوجوب إتمام الصلاة و عدم وجوب استينافها.

الأمر الثالث: أن في قاعدة التجاوز و الفراغ كلاما

في أنهما هل تكونان من الامارات أو من الأصول و بناء على كونهما من الاصول هل من الاصول المحرزة أو من الأصول الغير المحرزة؟

و بناء على كونهما من الأصول المحرزة هل من الأصول المحرزة المطلقة، بمعنى أن مفاد دليلهما هو الحكم باحراز الشرط أو الجزء مطلقا حتى لغير ما تجاوز عنه في‌

322

عمله، أو من الأصول المحرزة الحيثية، بمعنى أنّه يحكم بمقتضاهما على وقوع المشكوك في خصوص ما تجاوز عنه.

فإن قلنا بكونهما من الامارات أو من الأصول المحرزة المطلقة، فنقول: كما يجب إتمام ما بيده من الصلاة في مفروض المسألة و عدم وجوب استيناف هذه الصلاة بعد استيناف الوضوء، نقول: بعدم وجوب الوضوء لكل عمل مشروط بالوضوء غير الصلاة.

و أمّا لو قلنا بكونهما من الأصول المحرزة الحيثية أو عدم كونهما من الأصول المحرزة رأسا يجب الوضوء لكل عمل مشروط به غير الصلاة.

فتلخص من كل ذلك أنّ مبنى القول باحتمال الاول و هو وجوب استيناف ما بيده من الصلاة بعد استيناف الوضوء هو إما القول بعدم كون المورد مورد قاعدة التجاوز لعدم التجاوز عن المشكوك بعدم كون محل الوضوء محلّه الشرعى قبل الصلاة، أو لبعض ما قال به بعض (1) شراح العروة و إن كان محلّه الشرعى قبل صلاة.

و مبنى الاحتمال الثاني هو أنه بعد ما تحقق التجاوز إن لم تكن قاعدة التجاوز من الأصول المحرزة حتى من الأصول المحرزة الحيثية، لكن ما مضى من الصلاة قد صحت و تصح ما بقى منها و لا يجب استينافها، لأنّه بعد صدق التجاوز عن الشرط و هو الوضوء فهو واجد الشرط بمقتضى القاعدة.

و إمّا من باب أنّها من الأصول المحرزة الحيثية أو المطلقة، و إمّا من باب انها من الامارات، فعلى كل حال يجب اتمام الصلاة على هذا و لا يجب استينافها.

و مبنى القول و الاحتمال الثالث هو إما القول بأمارية قاعدة التجاوز أو القول‌

____________

(1) العلامة الآملى (قدس سره). مصباح الهدى، ج 3، ص 540.

323

بكونها من الأصول المحرزة المطلقة.

و نحن و إن قويّنا في رسالتنا أنها من الامارات لكن نقول في مقام العمل بأن الأحوط وجوبا هو استيناف الوضوء لكل عمل مشروط بالوضوء غير الصلاة التي بيده.

كما أنّه و إن كان الأقوى وجوب إتمام الصلاة و عدم وجوب استينافها بعد الصلاة، لكن للجمع بين المحتملات نقول: الأحوط استحبابا اتمام الصلاة التي بيده و قد شك في أنّه مع الوضوء أم لا ثم استيناف الوضوء و استيناف الصلاة أيضا الحمد للّه و الصلاة على رسوله و آله.

*** [مسئلة 54: إذا تيقّن بعد الوضوء أنّه ترك منه جزءا]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 54: إذا تيقّن بعد الوضوء أنّه ترك منه جزءا أو شرطا، أو أوجد مانعا، ثم تبدّل يقينه بالشك يبنى على الصحة عملا بقاعدة الفراغ، و لا يضرها اليقين بالبطلان بعد تبدّله بالشك و لو تيقّن بالصحة ثمّ شك فيها فأولى بجريان القاعدة.

(1)

أقول: لعدم فرق في شمول قاعدة الفراغ للشك بعد الفراغ بين ما كان (قبل) طرو الشك بعد الفراغ غافلا عن الصحة، و بين ما كان متيقنا بعد (الصلاة) بالبطلان ثم طرأ الشك.

لأنّ كلما كان الشك في الصحة من أجل ترك جزء أو شرط أو فعل مانع، و لم يكن منشأ الشك إلّا عروض الغفلة و النسيان، فترك الجزء أو الشرط أو ايجاد المانع‌

324

على فرض تركه أو فعله من باب الغفلة و النسيان يكون مورد القاعدة بلا فرق بين الصورتين.

كما أنّه لو تيقن الصحة بعد الفراغ ثم طرأ الشك يشمله قاعدة الفراغ، بل كما قال المؤلف (رحمه اللّه) يكون أولى بالشمول، إذا لم يكن في حالة اليقين شي‌ء يوهم منافاته مع الشك كما في صورة اليقين بالبطلان أولا ثم عروض الشك بعده و إن قلنا بعدم وجه للتوهم، فتشمل القاعدة لكل من الصورتين.

*** [مسئلة 55: إذا علم قبل تمام المسحات أنّه ترك غسل اليد اليسرى]

قوله (رحمه اللّه)

مسئلة 55: إذا علم قبل تمام المسحات أنّه ترك غسل اليد اليسرى، أو شك في ذلك فأتى به و تمّم الوضوء، ثم علم أنّه كان غسله يحتمل الحكم ببطلان الوضوء من جهة كون المسحات أو بعضها بالماء الجديد، لكن الأقوى صحته لأنّ الغسلة الثانية مستحبة على الأقوى حتى في اليد اليسرى فهذه الغسلة كانت مأمورا بها في الواقع، فهى محسوبة من الغسلة المستحبة و لا يضرّها نية الوجوب، لكن الأحوط اعادة الوضوء لاحتمال اعتبار قصد كونها ثانية في استحبابها، هذا و لو كان آتيا بالغسلة الثانية المستحبة و صارت هذه ثالثة تعين البطلان لما ذكر من لزوم المسح بالماء الجديد.

(1)

أقول: نذكر لفهم الحق في المقام امور:

325

الأوّل: لقد ذكرنا في مستحبات الوضوء أن (التاسع غسل كل من الوجه و اليدين مرّتين).

الثاني: أن الغسلة الثالثة حرام و تكون بدعة.

الثالث: لا يعتبر قصد الوجوب في الوضوء الواجب و لا الندب في الوضوء المندوب لا و صفا و لا غاية، بل لو قصد أحدهما مكان الآخر يصح الوضوء إلّا إذا كان على وجه التقييد كما بينا تفصيله في طى الكلام في النية، و هي الشرط الثاني عشر.

إذا عرفت ذلك نقول:

أما في صورة علمه قبل تمام المسحات أنّه ترك غسل اليد اليسرى، أو شك في ذلك فأتى به و تمّم الوضوء، ثمّ علم أنّه كان غسله و كان ما أتى به كانت الغسلة الثانية.

فله فرضان فتارة يأتي به بداعى امتثال الامر الواقعى و إن كان يتخيل أن الأمر الواقعى هو الوجوب فلا إشكال في صحة وضوئه، لأنّه بعد كون الغسلة الثانية مستحبة فصارت هذه الغسلة مأمورا بها، و يكون من باب الاشتباه في التطبيق و لا يكون على هذا مسحه بالماء الجديد.

و تارة يكون على وجه التقييد بأن يقصد في هذه الغسلة (الآتية) بها من باب علمه أو شكه بعدم غسل يده، الأمر الواجب المتعلق بهذا الغسل مقيدا بكونه واجبا لا غير بحيث لو لا هذا الأمر لا يأتي بهذه الغسلة، ففي هذا الفرض بعد علمه بأنه غسل اليد اليسرى و لم يقع الغسلة الثانية مأمورا بها لا بداعى الأمر الوجوبى و لا الاستحبابى، وقع المسح كله أو بعضه بالماء الجديد.

و أمّا في صورة علمه أو شكه قبل تمام مسحات الوضوء أنّه ترك الغسل من‌

326

اليد اليسرى مثلا فأتى به و غسلها و تمّم وضوئه فبعد الوضوء علم أن هذه الغسلة التي أوقعها كانت الغسلة الثالثة من باب علمه بأنه أتى قبلها غسلتان الاولى واجبة و الثانية مستحبة، فلا إشكال في بطلان الوضوء في هذه الصورة، لعدم كون الغسلة الواقعة ثالثة مأمورا بها بل كانت بدعة محرمة، غاية الأمر لأجل جهله بذلك لم يكن عاصيا فوقعت المسحات بعضها أو كلها بالماء الجديد فبطل الوضوء.

و الحمد للّه أولا و آخرا و الصلاة و السلام على رسوله و آله تمّ البحث و الكتابة في هذه البحث في اليوم الاثنين الخامس عشر من شهر ربيع الثاني من شهور 1397 من الهجرة النبويّة و انا العبد أقل خدمة اهل العلم على الصافي الگلپايگاني ابن العلامة الشيخ محمد جواد أعلى اللّه مقامه.

327

فصل: في أحكام الجبائر

328

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

329

قوله (رحمه اللّه)

فصل في أحكام الجبائر و هي الالواح الموضوعة على الكسر و الخرق و الادوية الموضوعة على الجروح و القروح و الدماميل، فالجرح و نحوه إمّا مكشوف أو مجبور، و على التقديرين إمّا في موضع الغسل أو في موضع المسح، ثمّ إمّا على بعض العضو أو تمامه أو تمام الاعضاء، ثم إمّا يمكن غسل المحل أو مسحه أو لا يمكن، فإن امكن ذلك بلا مشقة و لو بتكرار الماء عليه حتى يصل إليه لو كان عليه جبيرة أو وضعه في الماء حتى يصل إليه بشرط أن يكون المحل و الجبيرة طاهرين، أو امكن تطهيرهما وجب ذلك، و إن لم يمكن إمّا لضرر الماء، أو للنجاسة و عدم امكان التطهير، أو لعدم امكان ايصال الماء تحت الجبيرة و لا رفعها فإن كان مكشوفا يجب غسل أطرافه و وضع خرقة طاهرة عليه و المسح عليها مع الرطوبة، و إن أمكن المسح عليه بلا وضع خرقة تعيّن ذلك إن لم يمكن غسله كما هو المفروض، و إن لم يمكن وضع الخرقة أيضا اقتصر على غسل أطرافه، لكن الأحوط ضم التيمم إليه، و إن كان في

330

موضوع المسح و لم يمكن المسح عليه كذلك يجب وضع خرقة طاهرة و المسح عليها بنداوة، و إن لم يمكن سقط و ضم إليه التيمم، و إن كان مجبورا وجب غسل أطرافه مع مراعاة الشرائط و المسح على الجبيرة إن كانت طاهرة، أو امكن تطهيرها و إن كان في موضع الغسل، و الظاهر عدم تعيّن المسح حينئذ فيجوز الغسل أيضا، و الأحوط إجراء الماء عليها مع الامكان بإمرار اليد من دون قصد الغسل أو المسح، و لا يلزم أن يكون المسح بنداوة الوضوء إذا كان في موضع الغسل و يلزم ان تصل الرطوبة إلى تمام الجبيرة و لا يكفى مجرد النداوة، نعم لا يلزم المداقة بإيصال الماء إلى الخلل و الفرج، بل يكفى صدق الاستيعاب عرفا، هذا كله إذا لم يمكن رفع الجبيرة و المسح على البشرة و إلّا فالأحوط تعينه بل لا يخلو عن قوة إذا لم يمكن غسله كما هو المفروض، و الأحوط الجمع بين المسح على الجبيرة و على المحل أيضا بعد رفعها، و إن لم يمكن المسح على الجبيرة لنجاستها أو لمانع آخر، فإن امكن وضع خرقة طاهرة عليها و مسحها يجب ذلك، و إن لم يمكن ذلك أيضا فالأحوط الجمع بين الاتمام بالاقتصار على غسل الاطراف و التيمم.

(1)

أقول: أمّا الجبائر لغة فهى جمع الجبيرة و هي من الجبر.

قال في مجمع (1) البحرين (و الجبر إصلاح العظم من الكسر إلى أن قال: و منه‌

____________

(1) مجمع البحرين، ص 236.

331

الجبيرة على فعلية واحدة الجبائر و هي عيد ان يجير بها العظام).

و قال في أقرب الموارد (الجبيرة العيد ان التي تجبر بها العظام).

و بعد ما عرفت من معناها اللغوى يظهر لك أن ما قاله المؤلف (رحمه اللّه) أو غيره من الفقهاء (رضوان اللّه تعالى عليهم) من أنها (الألواح الموضوعة على الكسر و الخرق و الادوية الموضوعة على الجروح و القروح و الدماميل) يكون إما من باب دعوى الحقيقة الشرعية أو المتشرعة لها، أو من باب اتحادها حكما مع ما هو مفهومها اللغوى، و على كل حال نحن نكون تابع النصوص.

ثم اعلم أن مقتضى وجوب الغسلتين و المسحتين في الوضوء هو اتيانها في مقام امتثال أمر الوضوء مهما أمكن اتيانهما، و هذا المقدار مقتضى جزئيتهما، و لا نحتاج الى دليل زائد، و لو تعذر الغسل و المسح في موضعهما فكفاية شي‌ء آخر بدله محتاج إلى الدليل.

و أيضا قد مضى في الجهة الخامسة من الجهات المبحوث عنها في أول واجبات الوضوء أنّ الغسل المعتبر في الوضوء يحصل بمجرد استيلاء الماء على المحل و مسّ المحل بالماء و لا يعتبر أزيد من ذلك، فكان في ذكرك كى ينفعك إنشاء اللّه في بعض المباحث الآتية.

إذا عرفت ذلك ينبغى قبل الشروع و الورود في بيان حكم المسائل المذكورة في المتن من ذكر الأخبار المربوطة بالباب و بيان مفادها و بيان ما يمكن من معارضة بعضها مع بعض و وجه الجمع بينهما لكى يسهل إنشاء اللّه فهم حكم المسائل، فنقول بعونه تعالى: إنّ هنا‌

طوائف من الأخبار.

الطائفة الاولى: ما يمكن أن يستدلّ بها على وجوب غسل البشرة

الواقعة‌

332

تحت الجبرة بإلقائها في الماء، و هي رواية واحدة رواها عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل ينكسر ساعده أو موضع من مواضع الوضوء فلا يقدر أن يحلّه لحال الجبر إذا جبر كيف يصنع؟ قال: إذا أراد ان يتوضأ فليضع إناء فيه ماء و يضع موضع الجبر في الماء حتى يصل الماء إلى جلده، و قد أجزأه ذلك من غير أن يحلّه (1).

الطائفة الثانية: ما يمكن أن يستدلّ بها على وجوب المسح على الجبيرة مطلقا.

منها ما رواها العياشى في تفسيره باسناده عن على بن أبي طالب (عليه السلام) قال: سألت رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم عن الجبائر تكون على الكسير كيف يتوضأ صاحبها، و كيف يغتسل إذا أجنب؟ قال: يجزيه المسح عليها في الجنابة و الوضوء، قلت: فإن كان في برد يخاف على نفسه إذا أفرغ الماء على جسده، فقرأ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم و لا تقتلوا انفسكم إنّ اللّه كان بكم رحيما (2).

و منها ما رواها الحسن بن على الوشاء قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الدواء إذا كان على يدى الرجل أ يجزيه أن يمسح على طلى الدّواء؟ فقال: نعم يجزيه أن يمسح عليه (3).

و مثلها رواية اخرى عنه عن ابي الحسن (عليه السلام) المذكورة في باب 37 من أبواب الوضوء من الوسائل و لعلهما واحدة، بل من القريب ذلك فراجع.

الطائفة الثالثة: ما يمكن أن يستدلّ بظاهرها على وجوب المسح على الجبيرة

إن كان يؤذيه الماء، و إن لم يؤذيه فلينزع الخرقة و ليغسل البشرة.

____________

(1) الرواية 7 من الباب 39 من ابواب الوضوء من الوسائل.

(2) الرواية 11 من الباب 39 من ابواب الوضوء من الوسائل.

(3) الرواية 9 من الباب 39 من ابواب الوضوء من الوسائل.

333

منها ما رواها الحلبى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سئل عن الرجل تكون به القرحة في ذراعه أو نحو ذلك من موضع الوضوء فيعصبها بالخرقة و يتوضأ و يمسح عليها إذا توضأ، فقال: إذا كان يؤذيه الماء فليمسح على الخرقة، و إن كان لا يؤذيه الماء فلينزع الخرقة ثم ليغسلها، قال: و سألته عن الجرح كيف أصنع به في غسله قال:

اغسل ما حوله (1).

و هل الحكم في ذيل الرواية من الأمر بغسل ما حوله الجرح ينافى مع التفصيل المذكور في صدرها، أو لا ينافى معه، لكون مورد الصدر مورد وجود الخرقة على القرحة، و مورد الذيل كون الجرح مكشوفا غير مستور بشي‌ء.

أقول: هذا الحمل لا يرفع التنافى لأن إطلاق الحكم بغسل ما حول الجرح ينافي مع وجوب نزع الخرقة و غسل موضع القرحة لو لم يؤذيه، لأنّ إطلاق الذيل يشمل حتى صورة امكان غسل الجرح من باب عدم كونه ايذاء به، مع أنّه لا يمكن الالتزام بعدم وجوب غسل موضع الجرح لو لم يكن ايذاء لوجوب غسل موضع الغسل في الوضوء مهما أمكن غسله.

فلا بد من حمل ذيل الرواية على بيان غسل ما حول الجرح لا في مقام بيان نفس الجرح، لبيان حكم نفس الجرح في الصدر لان الجرح مثل القرح و لا فرق بينهما.

أو أن يقال بإجمال الذيل فلا يمكن استفادة حكم منه خلاف الصدر لكونه نصا في التفصيل في مورد موضع القرحة المشدودة بالجبيرة أو ما بحكمها.

و منها ما رواها عبد الاعلى مولى ال سام قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): عثرت‌

____________

(1) الرواية 2 من الباب 39 من ابواب الوضوء من الوسائل.

334

فانقطع ظفرى فجعلت على إصبعى مرارة، فكيف أصنع بالوضوء؟ قال: يعرف هذا و اشباهه من كتاب اللّه عزّ و جلّ (مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) امسح عليه (1).

و منها ما رواها الكليب الاسدى قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل إذا كان كسيرا كيف يصنع بالصلاة قال: إن كان يتخوّف على نفسه فليمسح على جبائره و ليصلّ (2).

و بهذه الطائفة- المفصّلة بين صورة الايذاء أو الحرج أو الخوف على النفس فليمسح على الجبيرة، و بين صورة عدمه فلينزع الجبيرة و ليغسل الموضع بالمنطوق في الرواية الاولى و المفهوم في الثانية و الثالثة- تقيد الطائفة الاولى الدالة بإطلاقها على وجوب إيصال الماء بموضع الجبيرة، و الطائفة الثانية الدالة بإطلاقها على اجزاء المسح على الجبيرة أو على الدواء على فرض إطلاقهما فلا تعارض بين هذه الطوائف الثلاثة.

و موضوع الحكم في الطائفة الثانية و إن كانت الجبيرة في روايتها الاولى و الدواء في روايتها الثانية فتقيّد بالطائفة الثالثة، لأن روايتها الاولى تدلّ على التفصيل فى الجرح و نحوه فيشمل قوله (و نحو ذلك) للدواء الموضوع على محل الجرح و غيره.

الطائفة الرابعة: ما يمكن أن يستدلّ بها على عدم وجوب المسح على الجبيرة

أو الخرقة الملتصقة بالجراحة على فرض كونها معصبة بها بل يكفي غسل ما حولها.

و هي ما رواها عبد الرحمن بن الحجاج قال: سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن‌

____________

(1) الرواية 5 من الباب 39 من ابواب الوضوء من الوسائل.

(2) الرواية 8 من الباب 39 من ابواب الوضوء من الوسائل.

335

الكسير تكون عليه الجبائر، أو تكون به الجراحة كيف يصنع بالوضوء و عند غسل الجنابة و غسل الجمعة فقال: يغسل ما وصل إليه الغسل مما ظهر مما ليس عليه الجبائر و يدع ما سوى ذلك ما لا يستطيع غسله و لا ينزع الجبائر و يعبث بجراحته (1).

و مورد الرواية كما ترى موردا يكون عليه الجبائر و الموضع مشغولا بها و مع ذلك قال (يغسل ما وصل إليه الغسل مما ظهر مما ليس عليه الجبائر و يدع ما سوى ذلك) يعنى يغسل ما حول الجبيرة و يدع الجبيرة و الجراحة، فتعارض الرواية مع الطائفة الثالثة الآمرة بمسح الجبيرة مع الايذاء أو العسر أو الخوف مع فرض كون المحل مشغولا بالجبيرة.

أقول: أولا ما يأتي بالنظر هو كون الرواية في مقام بيان عدم لزوم نزع الجبيرة و العبث بالجراحة مع عدم الاستطاعة و التمكن من غسل موضع الجبيرة، و ليس في مقام بيان أنّه مع عدم النزع يكون ما هو تكليف ظاهر الجبيرة من حيث وجوب المسح عليه و عدمه أصلا، و بعد عدم كونها في مقام بيان ذلك فلا يكون تعارض بينها و بين الطائفة الثالثة أصلا.

و ثانيا على فرض إطلاق لها من هذا الحيث بمعنى أنّه يقال: نفهم من سكوته عن المسح عدم اعتباره.

نقول: إن غاية الأمر هو السكوت عن حكم نفس الجبيرة من حيث المسح و عدمه، و لا ينفى بلسانه وجوب المسح على الجبيرة فنقول: إنّها لا تعارض مع الطائفة الثالثة التي نصت فى وجوب مسح الجبيرة في صورة الإيذاء، فنقيّد اطلاقها بهذه الطائفة إن كان له الاطلاق و الحال أن السكوت عن الشي‌ء غير إطلاق الشي‌ء‌

____________

(1) الرواية 1 من الباب 39 من ابواب الوضوء من الوسائل.

336

فنقول: بوجوب المسح لاجل ما دل على وجوبه في صورة الإيذاء أو الحرج و الخوف من نزع الجبيرة، فبهذا يرتفع التعارض المتوهم بينهما.

الطائفة الخامسة: ما يمكن أن يستدلّ بها على وجوب غسل ما حول الجبيرة مطلقا

سواء كان عليه الجبيرة أولا، و عدم غسل موضع الجبيرة أو مسحه.

منها ما رواها عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الجرح كيف يصنع صاحبه؟ قال: يغسل ما حوله (1).

و منها ذيل الرواية الاولى من الطائفة الثالثة و هو (و سألته عن الجرح كيف أصنع به في غسله؟ قال اغسل ما حوله) (2) بناء على كون سؤال الذيل عن الجرح و كون الجواب الأمر بغسل ما حوله، فتدل على عدم وجوب غسل نفس الجرح أو مسحه أو وضع الخرقة عليه و مسحها.

و على كل حال ربّما يقال بتعارض هذه الطائفة مع الطائفة الثالثة، لدلالة هذه الطائفة، أعنى: الطائفة الثالثة، على وجوب مسح الجبيرة في صورة الإيذاء، و غسل نفس موضع الجبيرة في صورة عدم الإيذاء، و دلالة هذه الطائفة، أعنى: الطائفة الخامسة، على وجوب غسل ما حول الجبيرة، و يستفاد منها عدم وجوب مسح الجبيرة في صورة ايذائه لغسل موضع الجبيرة و عدم وجوب نزعها و غسل الموضع في صورة عدم الإيذاء فيقع بينهما التعارض.

اعلم أن هنا كلاما من حيث أن هاتين الروايتين- اعنى: رواية عبد اللّه بن سنان و ذيل رواية الحلبى- هل يكون موردهما خصوص ما يكون الجرح مكشوفا‌

____________

(1) الرواية 3 من الباب 39 من ابواب الوضوء من الوسائل.

(2) الرواية 2 من الباب 39 من ابواب الوضوء من الوسائل.

337

و لم يكن عليه شي‌ء من الجبيرة أو غيرها، أو انهما مطلقتان تشملان بإطلاقهما صورة وجود الجبيرة و عدمه.

و الانصاف أنهما مطلقان من هذا الحيث، لأن السؤال عن الجرح، و له فردان فرد مستور بالجبيرة و فرد مكشوف ليس عليه الجبيرة.

و على فرض إطلاقهما يدور الأمر بين أن نقول بتقييد هذه الطائفة بالطائفة الثالثة فتكون النتيجة أنّه فيما يكون الموضع مشدودا بالجبيرة و نحوها نقول بمسح الجبيرة فيما يكون نزع الجبيرة و غسل الموضع إيذاء، و نقول بوجوب نزع الجبيرة و غسل الوضع لو لم يوجب الإيذاء.

و أمّا فيما لا يكون المحل مستورا بالجبيرة يكفى غسل ما حول الجبيرة و لا يجب غسل موضع الجبيرة و لا مسحها و لا وضع خرفة و المسح عليها.

و بين أن يقال: بأن غاية ما يستفاد من الطائفة الخامسة هو وجوب غسل ما حول الجبيرة و سكوتها عن بيان الوظيفة للجبيرة.

و بعد بيان وظيفة من عليه الجبيرة في الطائفة الثالثة من التفصيل المتقدم نقول به، فلا تعارض بينهما في صورة وجود الجبيرة على المحل.

و أمّا في صورة كشف الجبيرة نقول بأنه مع عدم الضرر يجب غسل المحل بمقتضى القاعدة الأولية التي بيّنا في صدر البحث.

و أمّا مع الضرر فهل يجب وضع خرقة و مسحها من باب أن يقال: إن المستفاد من الطائفة الرابعة هو عدم رفع الشارع يده من جزئية الموضع، غاية الأمر إن امكن فبنفسه و هو غسله، و إلّا فببدله و هو المسح على الخرقة الموضوعة عليه.

أو يقال بوجوب التيمم في هذه الصورة.

338

و إذا دار الأمر بين أحد الجمعين لرفع التعارض بين الطائفة الثالثة و الخامسة يكون الجمع الثاني أولى لعدم تصرف بمقتضى هذا الجمع في الطائفة الخامسة أصلا، بل هي تفيد حكما و هو غسل ما حول الجبيرة و لا يعارضها شي‌ء و الطائفة الثالثة تفيد شيئا آخر، و هو غسل موضع الجبيرة مع عدم الإيذاء، و مسح الجبيرة مع الإيذاء.

فتكون نتيجة الجمع بين الأخبار إلى هنا أنه إن كان على الموضع المكسور أو القرح أو الجرح جبيره أو غيرها.

فتارة يمكن نزعها لعدم إيذاء و حرج و خوف يجب نزعها و غسل موضع الجبيرة.

و تارة لم يمكن نزعها لايذاء أو حرج أو خوف على نفسه يجب المسح على الجبيرة، و يجب غسل ما حول الجبيرة على كل حال.

و إن لم يكن على الموضع جبيرة فإن امكن الغسل لعدم خوف و حرج و ايذاء يجب غسله بمقتضى جزئيته و لدلالة الطائفة الاولى عليه.

و إن لم يمكن غسله لأحد الموانع و أمكن وضع الخرقة عليه و المسح عليه و لم يكن إيذاء، فهل يجب ذلك من باب دعوى أن المستفاد من الطائفة الثالثة هو عدم رفع الشارع يده بالكلية عن ما وجب على الموضع إمّا بنفسه أو ببدله، فاذا لا يتمكن من غسل نفس الموضع يضع الخرقة و يمسح عليه و هذا مقتضى قاعدة الميسور.

أو يقال بعدم دلالة هذه الطائفة على ذلك و عدم تمامية قاعدة الميسور فيجب التيمم في هذه الصورة، لا يبعد الثاني.

339

الى هنا بينا لك ما يستفاد من مجموع أخبار الجبيرة و ضم بعضها ببعض و جمع بعضها مع بعض.

الطائفة السادسة: بعض الأخبار الواردة في التيمم،

و يمكن تعارضها مع الأخبار الواردة في الجبيرة نذكرها لك إنشاء اللّه.

منها ما رواها محمد بن مسكين و غيره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قيل له: إنّ فلانا أصابته جنابة و هو مجدور فغسّلوه فمات، فقال: قتلوه الا سالوا الا يمموه، إن شفاء العى السؤال (1).

و منها ما رواها ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن مجدور أصابته جنابة فغسّلوه فمات، فقال: قتلوه الا سئلوا فإن دواء العى السؤال (2).

و منها ما رواها ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

يتيمم المجدور و الكسير بالتراب إذا أصابته جنابة (3).

و منها ما رواها جعفر بن ابراهيم الجعفرى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم ذكر له أن رجلا أصابته جنابة على جرح كان به فأمر بالغسل، فاغتسل فكزّ فمات، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم: قتلوه قتلهم اللّه، إنّما كان دواء العي السؤال (4).

و منها ما رواها احمد بن محمد بن أبي نصر عن الرضا (عليه السلام) في الرجل تصيبه الجنابة و به قروح او جروح أو يكون يخاف على نفسه من البرد، فقال: لا يغتسل‌

____________

(1) الرواية 1 من الباب 5 من ابواب التيمم من الوسائل.

(2) الرواية 3 من الباب 5 من ابواب التيمم من الوسائل.

(3) الرواية 4 من الباب 5 من ابواب التيمم من الوسائل.

(4) الرواية 6 من الباب 5 من ابواب التيمم من الوسائل.

340

و تيمّم (1).

و منها ما رواها داود بن السرحان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الرجل يصيبه الجنابة و به جروح او قروح أو يخاف على نفسه من البرد، فقال: لا يغتسل و يتمّم (2).

و هذه الأخبار كما ترى يكون مورد كلها الغسل و لا تعرض فيها عن الوضوء.

و يقال إن ظاهر هذه الطائفة من الأخبار وجوب التيمم على من كان عليه الجدرى أو الجرح أو القرح، فيعارض بمدلولها مع أخبار الجبيرة الدالة على وجوب الوضوء و الغسل مع الكسر و الجرح و القرح، فكيف التوفيق بينهما، و قد ذكر في مقام‌

الجمع بينهما وجوه:

الوجه الأوّل: حمل الطوائف الخمسة المتقدمة من الأخبار الواردة في الجبيرة على الوضوء

و حمل هذه الطائفة السادسة الواردة في التيمم على الغسل، فيقال يؤخذ بمفاد هذه الطوائف في الوضوء و بمفاد هذه الطائفة في الغسل.

و فيه لو كان مورد أخبار الجبيرة الوضوء، أو كان مطلقا يمكن أن يقال: بأن أخبار الجبيرة في الوضوء، و أخبار التيمم في الغسل، أو يقيّد إطلاق اخبار الجبيرة بهذه الأخبار.

و لكن بعد التصريح في بعض روايات الجبيرة- مثل الرواية التي رواها في تفسير العياشى من الطائفة الثانية، و رواية عبد الرحمن من الطائفة الرابعة- بالغسل و أنّه يمسح الجبيرة أو يغسل ما حولها في الغسل فلا يمكن الجمع بهذا النحو.

الوجه الثاني: حمل أخبار التيمم على الجرح و القرح

و الكسر المستوعب‌

____________

(1) الرواية 7 من الباب 5 من ابواب التيمم من الوسائل.

(2) الرواية 8 من الباب 5 من ابواب التيمم من الوسائل.

341

و حمل أخبار الجبيرة على غير المستوعب.

و فيه أن ظاهر بعض أخبار التيمم غير المستوعب فكيف يحمل على المستوعب.

الوجه الثالث: حمل أخبار التيمم على غير من عليه الجبيرة، و حمل أخبار الجبيرة على من عليه الجبيرة.

و فيه أنّه إن كان النظر إلى حمل أخبار الجبيرة على خصوص الجبيرة لا على القرح و الجرح فإن بعضها نص فيهما، و إن كان النظر إلى حملها على من عليه الجبيرة و الجرح و القرح، و أخبار التيمم على غيرها، فبعض أخبار التيمم نص فيهما، فلا يتم هذا الجمع.

الوجه الرابع: حمل الأمر في كل من الطائفتين على التخيير،

فتكون النتيجة تخيير المكلف بين الأخذ بما في أخبار الجبيرة و الوضوء و الغسل بهذه الكيفية و بين التيمم.

و فيه أنّ ذلك ينافي مع ظهور الأمر في كل من الطائفتين فى التعيين، مضافا إلى بعد كون الطّهارة الترابية مجعولا في عرض الطّهارة المائية.

الوجه الخامس: أن يقال في مقام الجمع بين الأخبار

الواردة في الجبيرة و بين الأخبار الواردة في التيمم، بحمل أخبار التيمم على صورة التضرر بالغسل الصحيح، و حمل أخبار الجبيرة على غير هذه الصورة، يعنى: عدم تضرره بالغسل الصحيح، و قريب كما اختاره العلامة الهمدانى (رحمه اللّه).

بيانه أن المستفاد من أخبار الجبيرة و موردها وجوب غسل ما عدا موضع الجبيرة، و مسح ظاهر الجبيرة إن كان عليه الجبيرة فعلا فيما لم يتمكن من إيصال الماء‌

342

إلى ما تحتها لخوف أو حرج أو إيذاء على نفسه.

و إن لم يكن على موضع الكسر أو الجرح أو القرح جبيرة أو غيرها، و كان مكشوفا يجب غسل ما حول الجبيرة بشرط الاستطاعة عن استعمال الماء في غير موضع الجبيرة من حولها أو مواضع الآخر من الوضوء أو الغسل.

و أمّا من يتضرر باستعمال الماء مطلقا، أو من غسل خصوص ما حول الجبيرة أو الجرح، أو تعذر تطهير الموضع للغسل الصحيح، فلا يستفاد حكمه من أخبار الجبيرة.

فأخبار التيمم بالنسبة إلى غير مورد كون الجبيرة على الموضع الذي حكمه مسح ظاهر الجبيرة، و غير مورد كشف موضع الجبيرة الذي يجب غسل ما حوله في صورة عدم الضرر، يكون بلا مزاحم.

و بعبارة اخرى مورد التيمم صورة وجود الضرر عن استعمال الماء مطلقا، و صورة كون غسل خصوص ما حول الجبيرة ضرريا، و صورة تعذر تطهير موضع الجبيرة لغسله الصحيح.

و ليست واحدة من هذه الصور مورد الجبيرة فلا تعارض بين الطائفتين.

بل لو لم تكن هذه الأخبار الخاصة دالة على وجوب التيمم لقلنا بوجوبه بمقتضى الأدلّة العامة الواردة في وجوب التيمم.

أقول: و هذا الجمع و إن تمّ، لكن لا بد من تصرف فى أخبار الجبيرة لأنّ حمل ما دل منها على غسل ما حول الجبيرة بخصوص صورة كونه مستطيعا على ايصال الماء بموضع الجبيرة بعد إطلاقه من هذا الحيث لا بدّ و أن يكون بقرينة أخبار التيمم، لأنّه بعد كون مفادها التيمم فيما إذا كان استعمال الماء ضرريا لا بد من تقيد أخبار‌

343

الجبيرة الدالة على وجوب غسل ما حولها على صورة عدم الضرر.

و مع هذا نقول: انّ هذا الجمع لا يساعد مع ظاهر أخبار التيمم، لأنّ ظاهر اخبارها ورودها مورد الكسير و القرح و الجرح فى قبال الخوف على الضرر كما يظهر من رواية احمد بن أبى نصر، و هذا الجمع لا يلاحظ فيه هذه الجهة أصلا، بل لوحظ أدلته العامة الدالة على مشروعية التيمم مع الضرر فى استعمال الماء، و لهذا قال: إن الطائفتين ورد كل واحد منهما فى غير ما ورد الاخر، و الحال أنّه ليس كذلك لأنّه يبقى مورد آخر و هو مورد كشف موضع الجبيرة مع كون غسله ضرريا، و عدم كون وضع الخرقة عليه و مسح الخرقة ضرريا، فهل يجب وضع الخرقة و مسحها، أو يجب التيمم، أو لا يجب شي‌ء منهما.

أما وضع الخرقة و المسح عليها فلا دليل عليه، لأنّ مورد المسح على الجبيرة أو الدواء أو الخرقة على ما يظهر من بعض الطوائف المتقدمة من الأخبار في الجبيرة هو ما كانت الجبيرة موضوعة على المحل، و امّا شموله لصورة عدم كونها على المحل من وجوب الوضع عليها أو مسحها فلا يستفاد من الأخبار.

و أمّا التمسك بقاعدة الميسور مضافا إلى عدم تماميتها على ما بينّا في الأصول لا مجال للتمسك بها في المقام، لأنّه بعد كون إيصال الماء ضرريا للمحل يكون مورد التيمم بمقتضى الدليل، فلا تصل النوبة بقاعدة الميسور.

أما عدم وجوب شي‌ء عليه- بمعنى: كفاية غسل ما حول الجبيرة مع عدم غسل الموضع، و لا وضع الخرقة عليه و المسح عليها، و كفاية الوضوء بهذا النحو- فلازمه إلغاء جزئية هذا الموضع في الوضوء، و الالتزام به مشكل، فالأقوى انتقال التكليف بالتيمم في هذا المورد.

الوجه السادس: و هو ما يأتي بنظرى القاصر حمل أخبار الجبيرة،

كما عرفت‌

344

من بيان مفادها باختلاف ألسنتها، على صورة كون المحل مشغولا بالجبيرة، و بعبارة اخرى على من عليه الجبيرة و بيان حكمها و حكم ما حول الجبيرة.

و حمل أخبار التيمم على من كان عليه الكسر أو الجرح أو القرح لكن لا يكون عليه الجبيرة أو غيرها.

فتكون النتيجة أن من كان مكسورا أو به الجرح أو القرح، فتارة يكون عليه الجبيرة، فعلا يجب المسح على الجبيرة فيما يؤذيه نزع الجبيرة و غسل المحل، و يجب غسل ما حول الجبيرة.

و تارة لم يكن فعلا على كسره أو جرحه أو قرحه الجبيرة فإن كان الماء مضرا له يتيمم و إن لم يكن مضرا يجب غسل المحل و الوضوء أو الغسل.

إن قلت: على هذا لا يستفاد حكم غير موضع الجبيرة فيما يكون استعمال الماء مضرا له من هذه الأخبار، و أمّا على الجمع بالوجه الخامس يستفاد حكمه منها.

قلت: إن الاخبار المتقدمة- كلها سواء ما ورد في كيفية الوضوء أو الغسل لذي الجبيرة و سواء ما ورد في التيمم- ترى أنها واردة فيمن يكون ذا الجبيرة أو ما بحكمها من الخرقة أو الدواء المشدودة على القرح و الجرح، و بيان حكمها على اختلاف بين الطائفتين بحسب الظاهر في حكمها، فعلى هذا لا بدّ في مقام الجمع من حفظ خصوصية الجبيرة و الجمع بين الأخبار.

و الجمع الخامس حمل أخبار التيمم على ما تقتضيه القواعد الكلية، مثل دليل لا حرج و غيره على وجوب التيمم فيما إذا كان ضرريا، بدون مراعاة خصوص مورد الجبيرة و الحال أن الأخبار المتقدمة الدالة على وجوب التيمم واردة في خصوص المجدور أو المكسور أو من به القرح و الجرح.

345

و إن قلنا بالتمسك بها على وجوب التيمم في مطلق الخوف و الضرر على النفس نقول بالتعدى عن مورد الأخبار بكل مورد ضررى و خوف على النفس كما قال به العلامة الهمدانى (رحمه اللّه) أيضا في التيمم.

و أمّا الجمع الذي ذكرناه فمع حفظ خصوصية مورد الأخبار نجمع بينهما بحمل إطلاق أخبار التيمم على غير مورد الجبيرة.

و مع ذلك نستشهد بهذه الأخبار على وجوب التيمم في ما بقى من أعضاء الوضوء و الغسل من حول الجبيرة أو غيرها إذا كان استعمال الماء ضرريا لما نرى من كون منشأ حكم الشارع بوجوب التيمم في مورد الجدرى و الكسير و المقروح و المجروح يكون من باب كون استعمال الماء ضرريا، فنقول بوجوب التيمم في كل مورد يكون الوضوء أو الغسل ضرريا.

[حاصل الجمع بين الروايات]

هذا تمام الكلام في الروايات، فنقول: إن حاصل ما استظهرنا من مجموع الروايات بعد ضم بعضها ببعض و جمع بعضها مع بعض أمور:

الأوّل: إذا كان على مواضع الوضوء جبيرة أو ما بحكمها فعلا

فإن امكن نزعها و غسل المحل، أو إيصال الماء عليه بدون نزع الجبيرة و لم يكن إيذاء يجب ذلك.

الثانى: و إن لم يمكن ذلك لايذاء أو حرج أو خوف

يجب المسح على الجبيرة أو ما بحكمها.

الثالث: و إن لم يكن عليه الجبيرة أو ما في حكمها

و كان المحل مكشوفا يجب غسل ما حوله.

الرابع: و أمّا نفس الموضع

فإن لم يكن غسله و ايصال الماء إليه مضرا يجب غسله، و إن كان مضرا يجب التيمم بناء على عدم سقوط جزئية المحل و عدم وجوب‌

346

وضع الخرقة عليه و المسح على الخرقة الموضوعة عليها إذا لم يكن ضرريا و أمكن ذلك.

الخامس: و أمّا إذا كان استعمال الماء ضرريا مطلقا،

أو لغسل ما حول الجبيرة أو لغسل بعض الآخر من مواضع الوضوء يجب التيمم، و يأتي بعض الكلام إنشاء اللّه في مبحث التيمم.

[صور المسألة]

إذا عرفت ذلك نقول بعونه تعالى: قال المؤلف (رحمه اللّه):

(فالجرح و نحوه إمّا مكشوف أو مجبور و على التقديرين إمّا في موضع الغسل أو في موضع المسح، ثم إمّا على بعض العضو أو تمامه أو تمام الأعضاء، ثم إما يمكن غسل المحل أو مسحه أو لا يمكن).

فالصورة الاولى: ما إذا أمكن ذلك بلا مشقة

و لو بتكرار الماء عليه حتى يصل إليه لو كان عليه جبيرة أو وضعه في الماء حتى يصل إليه بشرط أن يكون المحل و الجبيرة طاهرين، أو أمكن تطهيرهما وجب ذلك.)

وجه الوجوب واضح، لأنّه بعد فرض جزئية المحل للوضوء غسلا أو مسحا يجب غسله و مسحه لكونه جزء الواجب، فوجوب غسل المحل أو مسحه يكون بمقتضى القاعدة مضافا إلى دلالة بعض الروايات المتقدمة منطوقا أو مفهوما على ذلك.

و أمّا أنّه يكفى في مقام غسله أو مسحه مجرد ايصال الماء إليه و لو بتكرار الماء أو وضعه في الماء حتى يصل الماء إليه إذا كان عليه الجبيرة، فلما قلنا في الجهة الخامسة من الجهات المبحوث عنها في أوّل أفعال الوضوء من كفاية مجرد ايصال الماء و مسّ الموضع بالماء في مقام الغسل في الوضوء.

347

و أمّا اشتراط كون المحل طاهرا و كذا الجبيرة إن كانت موضوعة عليه فلما مضى في شرائط الوضوء من اشتراط طهارة محل الوضوء.

الصورة الثانية: ما لا يمكن غسل المحل أو مسحه لضرر الماء

أو للنجاسة و عدم إمكان التطهير، أو لعدم امكان ايصال الماء تحت الجبيرة، فتارة يكون المحل مكشوفا، و تارة يكون مستورا، فالكلام في موردين.

و قبل التكلم فى حكم الموردين ينبغى الكلام في أنّه هل الأحكام الآتية في الموردين تعم كلا من الفروض الثلاثة:

فرض كون منشأ عدم إمكان غسل المحل أو مسحه لزوم الضرر، و فرض كونه لنجاسة المحل أو الجبيرة و عدم امكان التطهير، و فرض عدم امكان ايصال الماء تحت الجبيرة، أو لا‌

فنقول بعونه تعالى: أما إذا كان منشأ عدم امكان ايصال الماء الضرر فهو مورد اخبار الجبيرة كما عرفت، لأنّ الروايات المفصلة منها لسانها منطوقا أو مفهوما هو التفصيل بين صورة الايذاء أو الحرج أو الخوف و بين غيرها، فمع الضرر لا يجب غسل المحل و مسحه، بل يكون مورد الأحكام الآتية.

و أمّا إذا كان منشأ عدم امكان غسل المحل أو مسحه نجاسة المحل أو الجبيرة و عدم امكان تطهير هما، فهل يكون مثل الفرض الأوّل أعنى: مثل كون ايصال الماء إلى المحل ضرريا أو لا؟

أقول: و لا بد و أن يكون مفروض الكلام في هذا الفرض على كون منشأ عدم امكان غسل المحل أو مسحه لنجاسة المحل أو الجبيرة و عدم امكان تطهيرهما من باب كون تطهيرهما ليس ضرريا، لأنّه لو كان ضرريّا فهو داخل فى الفرض الأوّل،

348

بل لا بدّ و أن يكون منشأ عدم امكان التطهير أمرا آخر غير الضرر، مثل ما يوجب التطهير تضاعف النجاسة، أو كان حرجا أو مشقة عليه و لو لم يكن ضرريا.

ثم بعد ذلك نقول: قد يتمسك بإلحاق هذا الفرض بالفرض الأوّل من باب دعوى عدم الخلاف في كونه مثله، فإن استكشف اجماع تعبدى فهو و إلّا فمجرد عدم الخلاف لا يكفى كونه مستندا لإمكان كون ذهابهم إليه من باب استفادة ذلك من بعض أخبار الباب.

كما أنّه ربّما يتمسك على الالحاق بالفرض الأوّل بالروايات الثلاثة المفصّلة بين امكان نزع الجبيرة و عدم امكانه، و يقال: إنّه لا يمكن في هذا الفرض نزع الجبيرة.

فأقول: إن كان عدم امكان التطهير لأجل الضرر و أو للحرج أو لخوف على نفسه فيستفاد حكمه من الأخبار المفصلة، لأنّ موردها أحد هذه الامور.

و أمّا لو لم يكن منشأ عدم امكان التطهير أحد هذه الأمور، مثل أن يكون التطهير موجبا لتضاعف النجاسة فلا تشمله هذه الأخبار.

فعلى هذا الاقوى كون المورد مورد التيمم.

نعم في مقام العمل مقتضى الاحتياط الجمع بين ما نذكر إنشاء اللّه من الاحكام الآتية مع ضم التيمم.

و مثل هذا الفرض فى الحكم و الاحتياط الفرض الثالث، و هو ما لا يمكن إيصال الماء تحت الجبيرة و لا رفعها.

[الكلام إلى التكلم في الصورة الثانية]

إذا عرفت ذلك نعطف عنان الكلام إلى التكلم في الصورة الثانية في الموردين.

المورد الأوّل: ما كان المحل مكشوفا

و لم يكن عليه الجبيرة أو ما بحكمها، ففيها جهات من البحث.

349

الجهة الاولى: يقع الكلام في وجوب غسل ما حول المحل

فنقول: إن لم يكن غسله ضرريا يجب غسله لدلالة طائفة من الروايات المتقدمة عليه، و إن كان ضرريا يجب التيمم، لكون هذا من جملة موارد التيمم كما بيّناه.

الجهة الثانية: إن أمكن غسل المحل بالنحو الواجب

و لم يكن ضرريا مع إمكان تطهيره يجب لما قلنا من كونه مقتضى جزئيته، و ما دل على غسل ما حول الجبيرة ساكت عن حكم المحل.

الجهة الثالثة: إن لم يمكن غسل المحل بالنحو الواجب،

لكن يمكن مسحه لعدم كون المسح ضرريا، هل يكتفى بالمسح بدل الغسل إذا كان موضع الجبيرة في موضع الغسل، أو يسقط المحل عن الجزئية، أو يجب التيمم؟

أقول: وجه كفاية المسح في المورد دعوى استفادة ذلك من الأخبار المفصلة بين صورة الايذاء و عدم الإيذاء في ايصال الماء بالمحل في صورة وجود الجبيرة على المحل، و الحكم بمسح الجبيرة في الصورة الاولى.

لأنّه يظهر من هذا التفصيل كون المطلوب هو الوضوء و الغسل في محل الجبيرة امّا بغسل نفسه أو بمسح ما عليه من الجبيرة، فكما قلنا بذلك في من عليه الجبيرة نقول فى من لم يكن عليه الجبيرة بكفاية المسح، لأنّ المستفاد من الادلة المفصّلة كون المسح بدلا عن الغسل لا الاكتفاء بالمسح على الجبيرة الموضوعة على الكسر أو الجرح أو القرح أو لقاعدة الميسور لكون المسح على الخرقة الموضوعة على محل الغسل ميسوره.

وجه عدم الكفاية هو أن حكم الشارع بمسح ظاهر الجبيرة لمن عليه الخرقة في صورة إيذاء غسل المحل حكم تعبدى في مورد خاص و لا وجه للتعدى إلى غير المورد، و أمّا قاعدة الميسور فلا تتم عندنا كما بينا فى الأصول‌

350

و وجه عدم الجزئية دلالة أخبار وجوب غسل ما حول الجبيرة على عدم غسل موضع الجبيرة و كون المسح ميسور غسل المحل غير معلوم بل ميسوره غسل ظاهر الجبيرة لا محلها.

و فيه كما بيّنا هذه الأخبار ساكتة عن حكم موضع الجبيرة مضافا إلى بعد سقوط جزئية المحل عن جزئيته للوضوء.

فإذا الأقوى وجوب التيمم في هذه الصورة خصوصا على ما بينا فى مقام الجمع بين أخبار الجبيرة و بين أخبار التيمم بحمل الأوّل على من عليه الجبيرة فعلا و حمل الثاني على من ليس على جرحه الجبيرة فعلا، فمع كشف محل الجبيرة و الضرر في ايصال الماء بنحو الغسل عليه يكون مورد التيمم.

نعم الاحوط الوضوء بمسح المحل بالماء في الوضوء ثم ضم التيمم.

الجهة الرابعة: إذا كان الغسل في صورة كشف الجرح ضرريّا،

لكن وضع الخرقة على المحل و مسح الخرقة لا يكون ضرريا، فهل يجب الوضوء بهذه الكيفية، أعنى: بوضع الخرقة على المحل المجبور و مسحه، أو يسقط المحل عن الجزئية في الوضوء في هذا الحال، أو يجب التيمم؟

وجه وجوب وضع الخرقة و المسح عليه استفادته من الأخبار المفصلة في صورة وجود الجبيرة على المحل بين صورة الايذاء و عدمه في كفاية المسح على وجود الجبيرة في الأوّل و غسل المحل في الثاني بأن المستفاد منها عدم سقوط التكليف بالكلية، بل يجب إمّا غسل المحل أو مسح ما يجعل عليه من وجود الجبيرة و بقاعدة الميسور.

و فيه ما قلنا في الجهة الثالثة من أن الحكم بالتفصيل في صورة وجود الجبيرة‌

351

حكم تعبدى و لا وجه للتعدى من مورده إلى غيره، و عدم تمامية قاعدة الميسور مضافا إلى أن كون المسح على الخرقة ميسور الغسل على المحل عرفا غير معلوم.

وجه عدم وجوب المسح الخرقة الموضوعة و الاكتفاء في الوضوء بغسل ما حول الجبيرة دلالة الأخبار الدالة على غسل ما حول الجبيرة على عدم وجوب غسل المحل أو مسحه.

و فيه ما عرفت من ان هذه الروايات ساكتة من حيث حكم المحل، فلا وجه للتمسك بها مضافا إلى أنّه لو فرض إطلاق لها لا بدّ من تقييدها و قد مضى الكلام فيه عند ذكر الأخبار.

فالأقوى وجوب التيمم في هذا الحال لكون غسل المحل ضرريا و يكون خارجا عن مورد أخبار الجبيرة، و الأحوط وضع الخرقة و المسح عليه ثم ضم التيمم به.

الجهة الخامسة: إذا كان موضع الكسر أو الجرح او القرح مكشوفا

و لا يمكن غسله و لا مسحه و لا وضع الحزقة عليه و المسح عليها، هل يكفى في الوضوء بغسل ما حوله و يصح الوضوء، أو يكون المورد مورد التيمم؟

وجه الاكتفاء بغسل ما حول موضع الكسر أو القرح أو الجرح و صحة الوضوء هو ما ذكرنا من الأخبار الدالة على غسل ما حول الجبيرة.

و فيه ما بينا مكررا من عدم كون هذه الأخبار لبيان حكم المحل و ساكت عنه بل تكون في مقام بيان غسل ما حوله مضافا إلى انّه لو فرض له إطلاق لا بد من تقييدها كما عرفت.

فالأقوى وجوب التيمم في هذا الفرض، و الأحوط الوضوء بغسل ما حول‌

352

المحل ثم التيمم.

الجهة السادسة: لو كان الكسر أو الجرح أو القرح في موضع المسح

و كان مكشوفا فحكمه حكم كونه في موضع الغسل فى الجهات المبحوثة المتقدمة.

المورد الثاني: ما يكون محل الكسر أو الجرح و القرح مستورا

فعلا بالجبيرة أو ما بحكمها، و الكلام فيه في جهات:

الجهة الاولى: يجب غسل أطراف موضع الجبيرة

لأن هذا مقتضى جزئيتها للوضوء فيجب غسلها في الوضوء، و كذلك فى الغسل مع مراعات ساير الشرائط المعتبرة فيهما.

الجهة الثانية: يجب مسح الجبيرة

و إن كانت في موضع الغسل إن كانت الجبيرة طاهرة أو أمكنت طهارتها.

أمّا وجوب المسح حتى إذا كانت الجبيرة في موضع الغسل فلدلالة إطلاق الطائفة الثانية و الطائفة الثالثة على ذلك بمعنى أن إطلاق وجوب المسح يقتضي وجوبه تعيينا في موضع الغسل من الوضوء أو في موضع مسحه.

و قد يقال: بوجوب الغسل إذا كانت الجبيرة في موضع الغسل بدعوى أنّ مقتضى ظاهر النصوص بدلية الجبيرة عن المحل فحكمها حكم المحل من حيث وجوب الغسل و المسح.

و فيه أنّه إن كان المذكور في الأدلّة مجرد كون الجبيرة بدلا عن المحل و لم يذكر فيها ما هو الوظيفة من الغسل أو المسح كان لما قيل مجال.

و لكن بعد التصريح في الأخبار بوجوب المسح للأمر به يكون ما قيل اجتهاد في مقابل النص، فلا وجه لوجوب الغسل، بل يجب المسح على الجبيرة و إن كانت في‌

353

موضع الغسل.

كما أن ما قد يقال بأنه كما يجتزى بالمسح يجتزى بالغسل إذا كانت الجبيرة في موضع الغسل من الوضوء و نتيجته التخيير بين الغسل و بين المسح في صورة كون الجبيرة في محل الغسل.

إما بدعوى أن المستفاد من النصوص ايصال البلل إلى الجبيرة و يساعده مع ارتكازه العرفى كون السؤال في بعض الأخبار عن إجزاء المسح هو مجرد ايصال البلل من دون دخل خصوصية إمرار اليد.

و إمّا بأن الأمر بالمسح يكون واردا في مقام توهم الحظر فلا يستفاد منه إلّا جوازه لا وجوبه.

و إمّا لما ورد في روايتى العياشى و الحسن بن على الوشاء من التعبير بالاجزاء لأنّه قال في الاولى (يجزيه المسح عليها) و في الثانية (أ يجزيه أن يمسح على طلى الدواء؟ فقال: نعم، يجزيه يمسح عليه) و مقتضى الاجزاء هو الاكتفاء بالمسح لا وجوبه فكما يجوز المسح على الجبيرة يجوز غسلها.

و فيه أن ما قلت من ان المستفاد من النصوص ايصال البلل و هو كما يحصل بالمسح يحصل بالغسل، ففيه أن الظاهر من الدليل كون المأمور به هو المسح، و هو يحصل بإمرار الماسح مع النداوة على الممسوح.

و إن كان الغرض من المسح إيصال البلل و لو حصل بالغسل فقل في قوله تعالى وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ بذلك.

و ما قلت من ارتكاز العرفى على أن النظر بإيصال الماء بالمحل و لو لم يكن بإمرار الماسح.

354

فيه أنّه ليس هذا من مرتكزاته.

و أمّا ما قلت من كون الأمر عقيب الحظر.

ففيه أن المسح على الجبيرة عقيب الحظر لكن في مقابل غسل البشرة لا فى مقابل غسل الجبيرة، مضافا إلى أن التفصيل في الرواية بين غسل البشرة مع عدم الإيذاء و المسح على الجبيرة مع الإيذاء و الأمر بهما ظاهر في الوجوب فى كلتا الصورتين‌

و اما ما قلت من ان التعبير بالاجزاء فى روايتى العياشى و حسن بن على الوشاء، على اجزاء المسح لا تعينه فيجزى الغسل أيضا‌

ففيه ان الاجزاء فى الروايتين فى قبال وجوب غسل البشرة بمعنى: أنّ السائل بعد ما يدرى وجوب غسل البشرة فيسأل عن صورة عدم تمكنه من غسل البشرة للجبيرة أو الدواء الموضوع على يدى الرجل، فقال يجزيه المسح عليهما فى قبال وجوب غسل البشرة و اما بعد عدم وجوب غسل البشرة هل يجب المسح أو يجزى شي‌ء آخر، فلا يكون متعرضا له، و بعد ما دل فى التفصيل بين صورة الايذاء أو الحرج أو الخوف و بين عدم هذه الامور بأنه بالمسح فى صورة الايذاء و الغسل فى صورة عدمه يجب المسح فى الاول و الغسل فى الثانى إذا نقول: بتعيين المسح فى الجبيرة و عدم كفاية الغسل مضافا الى ضعف رواية العياشى.

فالواجب على الأقوى هو المسح على الجبيرة حتى إذا كانت في موضع الغسل.

و الأحوط في مقام العمل إجراء الماء على الجبيرة بدون قصد الغسل او المسح ليتحصل به ما هو الواقع من أحدهما.

الجهة الثالثة: هل يجب أن يكون المسح بنداوة الوضوء

إذا كان في موضع‌

355

الغسل أو لا يجب ذلك؟ و المراد بكونه من نداوة الوضوء كونه من الماء الذي غسل به بعض الأعضاء المتقدم على الجبيرة، و معنى عدم وجوبه جواز أخذ الماء الجديد و المسح عليه.

مقتضى إطلاق الدليل عدم وجوبه.

الجهة الرابعة: و هل يلزم أن تصل الرطوبة إلى تمام الجبيرة

أو يكفى المسح و لو بجزء منها؟

الأقوى الأوّل فيما إذا كانت الجبيرة في محل الغسل، لأنّ مناسبة الحكم و الموضوع يقتضي كون الجبيرة بدلا عن ما تحتها، فكون المسح بها بدلا عن غسل ما تحتها، فكما يجب غسل المحل بتمامه كذلك الجبيرة الموضوعة عليه.

نعم لا يلزم المداقة العقليّة بإيصال الرطوبة إلى الخلل و الفرج إذا صدق المسح عرفا و استيعاب المسح عليها، و أمّا إذا كانت فى محل المسح يمكن ما يحصل به مسمى المسح فى كل مورد يكون التكليف المسح على الجبيرة.

الجهة الخامسة: هل يكفى في مسح الجبيرة مسحها بالنداوة

التي تكون في اليد أولا يكفى، بل يلزم أن تصل الرطوبة إلى تمام الجبيرة؟ اختار المؤلف (رحمه اللّه) الثاني.

وجه الثاني أن الواجب من المسح المسح بالماء، فلا بدّ من صدق الماء على ما يمسح به.

أقول: بعد ما نرى في أن المذكور في أخبار الجبيرة المتعرضة للمسح عليها لم تتعرض لكيفية المسح، و بعد ما بيّن في المسائل المتعلقة بالمسح أن حقيقة المسح هو إمرار الماسح على الممسوح بالنداوة و الرطوبة الباقية في اليد بحيث يتأثر الممسوح بها و لا يعتبر أزيد من ذلك.

356

فاذا كان في اليد الرطوبة فتصل نداوتها بالممسوح كفى في صدق المسح عليه بالماء، فتكفي النداوة الباقية فى اليد إذا كانت بمقدار يتأثر به الممسوح و يصدق عرفا أنّه مسح الموضع بالرطوبة المائية إلى تمام موضع الجبيرة بحيث يصدق عرفا أنّه مسح الجبيرة و لا يلزم المداقة العقلية بإيصال الرطوبة إلى الخلل و الفرج بل يكفى صدق استيعاب المسح عرفا.

الجهة السادسة: ان كانت الجبيرة على موضع الغسل و أمكن رفع الجبيرة

و المسح على البشرة، فهل يجب رفعها و المسح على البشرة، أو لا يجب ذلك (و مورده ما كان غسل البشرة غير ممكن للضرر أو لجهتين آخرتين قلنا و مضى الكلام فيه في المورد الأوّل).

بل يجب المسح على الجبيرة في هذا الحال أيضا، أو يجب المسح على كل منهما مرة على البشرة و اخرى على الجبيرة، أو يجب التيمم في هذه الصورة؟

وجه وجوب رفع الجبيرة و المسح على البشرة كونه الأقرب إلى الواجب الاختياري لأنّ الواجب أو لا غسل البشرة فالأقرب منه مسح البشرة و كونه الميسور من الغسل على البشرة.

و وجه وجوب المسح على الجبيرة حتى في هذا الحال هو أن مفاد الأخبار المفصّلة وجوب المسح على الجبيرة فيما يؤذيه غسل البشرة أو كان حرجيا أو خاف على نفسه، فيشمل المورد، لأنّه على الفرض يؤذيه الغسل على البشرة و إن كان لا يؤذيه مسح البشرة.

و وجه وجوب الجمع بينهما هو دعوى أن بعض الأخبار المفصلة بين صورة ايذاء غسل البشرة فيجب مسح الجبيرة و بين صورة عدم الإيذاء فيجب غسل البشرة، تعلق التكليف بمسح الجبيرة فيما يتعذر و يؤذيه الماء و لو بنحو المسح،