فقه الحج - ج3

- الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني المزيد...
422 /
55

عن جميل بن دراج (1) عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليها السلام). في مريض أغمى عليه فلم يعقل حتى أتى الوقت (الموقف خ) قال: يحرم عنه رجل (2) و ردّ الاستدلال به أولا بضعف السند للإرسال و ثانيا باختلاف النسخة فإن كان لفظ الحديث الموقف‌

فهو غير مرتبط بما نحن فيه، و مختص بمن أتى الموقف مغمى عليه دون من أتى الوقت كذلك.

و يمكن أن يقال: أمّا ضعف السند فمردود بأنّ رواية مثل جميل و هو من أصحاب الإجماع و تعبيره عمن روى عنه (بعض أصحابنا) لا يخلو من الدلالة على كونه موثقاً معروفاً عنده و أمّا اختلاف النسخة فيمكن أن يقال: بأنه على تقدير كون النسخة (الموقف) يستفاد منه الوقت أيضاً لان العرف يفهم منه خصوصية الإغماء.

و أمّا الوقت و الموقف فلا فرق في الحكم بالإحرام عنه بينهما و على فرض ورود الإشكال يكون وظيفة المغمى عليه الرّجوع إلى الميقات إن أمكن للإحرام منه و إلا فمن مكانه كما هو وظيفة غيره من الناسي و الجاهل و لا ريب ان ذلك أحوط و الله هو العالم.

[مسألة 12] عدم انعقاد الاحرام الا بالتلبية

مسألة 12: قال في العروة: لا ينعقد إحرام حجّ التمتّع و إحرام عمرته و لا إحرام حجّ الإفراد و لا احرام حجّ العمرة المفردة إلا بالتلبية و أمّا في حجّ القران فيتخير بين التلبية و بين الإشعار أو التقليد الخ.

____________

(1)- وجه الطائفة ثقة من اصحاب الإجماع من الخامسة.

(2)- تهذيب الاحكام: 5/ 60 ح 119.

56

أقول: قد ذكر في هذه المسألة فروع:

الأوّل: عدم انعقاد إحرام حجّ التمتّع و الإفراد و إحرام عمرة التمتّع و العمرة المفردة إلا بالتلبية

و ادعى الإجماع عليه و معنى ذلك عدم الإثم و الكفارة في‌

ارتكاب المحرَّمات عليه قبلها ففي صحيح معاوية بن عمار (1) قال الصادق (عليه السلام): «لا بأس أن يصلى الرجل في مسجد الشجرة و يقول الّذي يريد أن يقوله و لا يلبّى ثمّ يخرج فيصيب من الصيد و غيره فليس عليه فيه شي‌ء».

و في صحيح ابن الحجّاج «في الرجل يقع على اهله بعد ما يعقد الإحرام و لم يلب؟ قال: ليس عليه شي‌ء» (2). و غيرهما من الرّوايات المخرجة في الوسائل (3) ممّا هو مقتضى عموم بعضها عدم الفرق بين إحرام الحج و العمرة أو الإحرام من ميقات خاص و ما ورد في خصوص بعض ذلك يدل على العموم بالمفهوم و على هذا لا يعارض هذه النصوص الكثيرة و الإجماع ما رواه الشيخ (قدس سره) عن أحمد بن محمّد قال: «سمعت أبي يقول في رجل يلبس ثيابه و يتهيأ للإحرام ثمّ يواقع أهله قبل أن يهلّ بالإحرام قال: عليه دم» (4).

قال في الاستبصار: (الوجه في هذا الخبر أحد شيئين أحدهما أن نحمله على من لم يجهر بالتلبية و إن كان لبّى فيما بينه و بين نفسه فإنّه متى كان الأمر على ذلك كان الإحرام منعقداً و تلزمه الكفارة فيما يرتكبه و الوجه الآخر أن نحمله على ضرب من‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب الاحرام ح 1

(2)- وسائل الشيعة: ب 14 من ابواب الاحرام ح 2.

(3)- وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب الاحرام.

(4)- التهذيب الاحكام: 5/ 317، ح 1091.

57

الاستحباب دون الفرض و الإيجاب) (1).

مضافاً إلى أنّه لا يظهر منه الإسناد إلى المعصوم (عليه السلام) و القول بأن المراد من أحمد بن محمد بقرينة كون الراوي عنه محمّد بن عيسى هو أحمد بن محمد بن أبي نصر‌

البزنطي الّذي هو من أصحاب مولانا الرضا (عليه السلام) و الرواية مروية عنه و إنّما سقط (الحسن (عليه السلام)) بعد قوله (أبى) و هذا أولى من أن نقول أنّ صورة السند كانت أحمد بن محمّد عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: (سمعت أبى) و كيف كان احتمال السقط على ما ذكرناه و ان لا يرد في نفسه و لكن الاعتماد عليه و الاحتجاج عليه لا يجوز. اللهمّ إلا أن يقال: ان المراد من أحمد بن محمّد هو البزنطي و مثله لا يروي عن غير الإمام (عليه السلام).

و كيف كان الحجّة هو الأخبار المعتبرة الكثيرة.

الثاني: ينعقد احرام القارن بأحد الثلاثة التلبية و الإشعار و التقليد

على المشهور المحكي عن الجواهر (2) و المدارك (3) و للنصوص المذكورة في الوسائل: منها صحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال (عليه السلام): «يوجب الإحرام ثلاثة أشياء التلبية، و الإشعار، و التقليد فإذا فعل شيئاً من هذه الثلاثة فقد أحرم». (4)

و في دلالته على تخيير القارن بين الثلاثة نظر، لاحتمال اختصاص التلبية بغير القارن كاختصاص الإشعار و التقليد بالقارن اللهمّ إلا أن يقال: باستفادة الإطلاق من التلبية فهي توجب الإحرام مطلقاً، و صحيحته الاخرى عن ابي عبد الله (عليه السلام):

____________

(1)- الاستبصار: 2/ 190 ح 638.

(2)- جواهر الكلام: 18/ 225.

(3)- مدارك الاحكام: 7/ 266.

(4)- الوسائل ابواب اقسام الحجّ ب 12 ح 20.

58

«تقلدها نعلا خلقاً قد صلّيت فيه و الإشعار و التقليد بمنزلة التلبية» (1) و في دلالته أيضاً على التخيير نظر.

كما أن الاستدلال بذلك بصحيح الحلبي قال: «سألته لم جعلت التلبية فقال: إنّ الله عزّ و جلّ أوحى إلى إبراهيم أن أذّن في الناس بالحجّ يأتوك رجالا و على كل ضامر يأتين من كلّ فج عميق فنادى فأجيب من كل وجه يلبّون» (2).

لا يتمّ لأنه بعد ما كان الإشعار و التقليد بمنزلة التلبية لا يدلّ هذا الصحيح على أنّها تكليف مطلق من يحج.

و مثله ما ذكرناه في المسألة السابقة من صحيح معاوية بن عمّار قال (عليه السلام) بعد ذكر التلبيات: «و اعلم انَّه لا بدّ من التلبيات الأربع الّتي كنّ في أول الكلام و هي الفريضة و هي التوحيد و بها لبّي المرسلون». (3)

فانّ الظّاهر أيضاً إنَّه في مقام بيان اصل وجوب التلبية بالإجمال فلا ينافي ذلك قيام غيرها من الإشعار و التقليد مقامه.

و كذا صحيحة معاوية بن وهب و فيها: «تحرمون كما أنتم في محاملكم» (4) فإنّه لا يستفاد منه الإطلاق.

و لعله يمكن استفادة ذلك من صحيح معاوية بن عمّار الآخر عن أبي عبد الله (عليه السلام) في قول الله عزّ و جلّ: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ) و‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب أقسام الحج ح 11.

(2)- وسائل الشيعة: ب 36 من أبواب الاحرام ح 1.

(3)- وسائل الشيعة: ب 36 من ابواب الاحرام ح 2.

(4)- وسائل الشيعة: ب 40 من أبواب الاحرام ح 1.

59

الفرض التلبية، و الإشعار و التقليد فأيّ ذلك فعل فقد فرض الحجّ (1).

و فيه: أيضاً انّه ليس في مقام التفصيل أو أوكل الأمر إلى ما كان معلوماً في الخارج.

و على هذا و بعد دلالة الرّوايات على كفاية الإشعار أو التقليد للقارن و‌

انعقاد إحرامه بواحد منهما، العمدة للقول بالتخيير هو إجماعهم على كفاية التلبية و وقوع الاختلاف في كفاية الإشعار و التقليد فإن المحكي عن السيد و ابن إدريس عدم انعقاد الإحرام مطلقا إلا بالتلبية لأنّ انعقاد الإحرام بالتلبية مجمع عليه و لا دليل على انعقاده بهما و عن الشيخ و ابني حمزة و البراج اشتراط الانعقاد بغيرها بالعجز عنها.

و على هذا يتجه حكمهم بالتخيير فإنّ الكلام في الحقيقة واقع بينهم في انعقاد الإحرام بالإشعار و التقليد كما ينعقد بالتلبية لا في انعقاده بها في حجّ القران فإنّه أمر مفروغ عنه و قول السيد و ابن إدريس لعلّه مبني على مبناهما المعروف و ما عن الشيخ و غيره مبني على حمل ما يدلّ على كفاية الإشعار و التقليد على صورة العجز عن التلبية جمعاً بين ما يدل على كفايتهما مطلقاً و ما يدل على انعقاد الإحرام بالتلبية و هو جمع لا شاهد عليه فإن ما يدل على انعقاد الإحرام بالتلبية لا يدل على عدم انعقاده بغيرها حتى يحمل ما يدل على ذلك على صورة العجز عنها و إنّما يقال بعدمه لو لم يكن هنا دليل على انعقاده بغيرها بالاصل فالقول بالتخيير قول بجواز الاجتزاء بالإشعار و التقليد قبال القول بعدم انعقاد الإحرام إلا بالتلبية و عدم الاجتزاء بهما قبال قول من يقول بالاجتزاء بهما عند العجز عن التلبية و الله هو‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب أقسام الحج ح 2.

60

الهادى إلى الصواب.

[الثالث] اختصاص الاشعار بالبدن

الثالث: ذكر غير واحد منهم اختصاص الإشعار بالبدن و الظّاهر انّ ذلك متفق عليه بينهم و ربما يستشكل في ذلك بعدم الدليل عليه.

و يمكن أن يقال: يكفي في الدليل عليه ذكر كيفية اشعار خصوص البدن في‌

الأحاديث دون غيرها مع كثرة الابتلاء به و أمّا الاستدلال عليه باطلاق صحيحة معاوية بن عمار (يوجب الإحرام ثلاثة أشياء التلبية و الاشعار و التقليد) و صحيحته الأخرى فيها (و الاشعار و التقليد بمنزلة التلبية) فأجيب عنهما بما أجبنا عن القول بدلالتهما بالإطلاق على اجتزاء القارن بها فإنّهما ليستا في مقام بيان الموارد و إنّما هما في مقام بيان أنّ الإحرام يتحقق بذلك في الجملة و أما أنه في أيّ مورد و بأيّ شرط و في أي زمان و مكان فالصحيحتان ساكتتان عن هذه الجهة. هذا ما أفاده بعض الأعاظم و لكنه استدل للقول بالتخيير بين الثلاثة بالصحيحتين و لم يرده بهذا الإيراد مع كونهما على وزان واحد ثمّ إنَّه قال: (يظهر من صحيح عمر بن يزيد عن أبى عبد الله (عليه السلام): «من أشعر بدنته فقد أحرم» اختصاص الاشعار بالبدنة و إلا لو كان الإشعار ثابتاً في غير البدنة أيضاً لكان ذكر البدنة لغواً لما ذكرنا في محلّه أنّ القيد و إن لم يكن له مفهوم بالمعنى المشهور من الانتفاء عند الانتفاء و لكن يوجب عدم سريان الحكم في‌

61

الطبيعى و الا لكان ذكر القيد لغواً) (1)

أقول: هذا قريب مما حققه سيدنا الاستاذ الاعظم (قدس سره) و كتبنا عنه في تقريرات بحثه و إجماله أنّ الإتيان بالقيد يفيد أنّ المقيد به ليس بذاته و خصوصية نفسه محكوماً بالحكم المذكور في الجملة فلا يدل على الانتفاء عند الانتفاء مطلقاً فيجوز ان يقوم قيد آخر مقام هذا القيد كما في قوله تعالى: (وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ) فإنّه يدل على عدم الاجتزاء بشهادة شهيد واحد و لكن يقوم مقام الشاهد الآخر امرأتان و تمام الكلام يطلب من التقريرات. (2)

و أمّا الصحيح فلفظه في الوسائل: «من أشعر بدنته فقد أحرم و إن لم يتكلم بقليل و لا كثير» (3) و في النسختين الموجودتين عندنا من التهذيب: «من أشعر بدنة» (4) و كان سنده مرسل و إن عبر عنه بالصحيح و ذلك لان موسى بن القاسم الراوي للحديث عن محمّد بن عذافر من الطبقة الستة و ابن عذافر من الخامسة.

و لكن الاستدلال بلفظ الحديث سيّما إذا كانت بدنة، لا بأس به و كيف كان فلو لم يكن هنا دليل على الاختصاص يكفي في عدم جواز الاكتفاء بإشعار البقر و الغنم عدم الدليل على جوازه و انعقاد الإحرام به فالمتيقن هو إشعار البدنة و الله هو العالم بأحكامه.

____________

(1)- معتمد العروة: 2/ 530.

(2)- محاضرات في اصول الفقه القاها استاذ المجتهدين آية الله العظمى البروجردى (قدس الله نفسه الزكية).

(3)- وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب أقسام الحج ح 21.

(4)- تهذيب الاحكام: 5/ 44، ح 130/ 59.

62

[مسألة 13 الفرع الرابع] أفضلية الجمع بين الإشعار و التقليد

مسألة 13- قال في العروة: (و الأولى في البدن الجمع بين الاشعار و التقليد).

أقول: الظّاهر أنّ الاولوية المذكورة في كلامه الأولوية الوضعية لاحتمال دخل كليهما في انعقاد الإحرام و يمكن أن يكون المراد به الاولوية التكليفية و الفرق بينهما أنّ على الأول ينوي الإحرام بهما و في الصورة الثانية ينوي الإحرام بالإشعار و يأتي بالتقليد لاحتمال وجوبه بعد الإشعار و الأولوية المذكورة وجهها ما في بعض الرّوايات مثل صحيحة معاوية بن عمّار قال: «البدنة يشعرها من جانبها الأيمن ثمّ يقلدها بنعل قد صلّى فيها» (1).

و نحوها صحيحه الآخر (2) و الظّاهر انّهما واحد و إن كان في الثانى ما ليس‌

في الأول و في رواية السكونى عن جعفر (عليه السلام): «إنّه سئل ما بال البدنة تقلد النعل و تشعر؟ فقال: أمّا النعل فتعرف أنّها بدنة و يعرفها صاحبها بنعله و أمّا الإشعار فإنّه يحرم ظهرها على صاحبها من حيث أشعرها فلا يستطيع الشيطان أن يمسها» (3) و الظّاهر وحدتها مع الرواية الثامنة من هذا الباب في الوسائل.

و من هذه الرّوايات رواية عبد الله بن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) و فيه: «و يحرم صاحبها إذا قلّدت و أشعرت» (4) و هذه الرّواية في الباب من الوسائل و الرواية الثانية عشرة و الثمانية عشرة أيضاً رواية واحدة و كم لها من نظير في‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب أقسام الحج ح 17.

(2)- وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب اقسام الحج ح 4.

(3)- وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب اقسام الحج ح 22.

(4)- وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب أقسام الحج ح 1.

63

الوسائل، و كيف كان فظاهر هذه الرّوايات وجوب التقليد مع الإشعار بل رواية عبد الله بن سنان تدل على أنّ صاحب البدنة يحرم بعد تقليدها و إشعارها فلعل اريد بذلك التلبية.

و لكن يمكن أن يكون المراد انّه بعد التقليد و الإشعار يدخل في الإحرام و يحرم عليه المحظورات في حال الإحرام كما يدل عليه صحيح حريز الوارد في كيفية الإشعار إذا كانت له بدن كثيرة.

و فيه: فإنّه إذا أشعرها و قلّدها وجب عليه الإحرام و هو بمنزلة التلبية.

و هل يمكن الخدشة في ظهور هذه الرّوايات على وجوب الجمع بين الاشعار و التقليد في البدن؟ بأن نقول: أمّا صحيح معاوية بن عمار فغاية ما يدل عليه كيفية إشعارها و تقليدها إذا هو اراد الجمع و ليس في مقام بيان ما يجزي للإحرام منهما و يؤيد ذلك غيره من الصحاح المرويّة عن معاوية بن عمّار الصريحة في كفاية الإشعار‌

و أمّا رواية السكونى فلا تدل حتّى على رجحان الجمع بل السؤال عن سبب إشعارها إذا أشعرت و تقليدها إذا قلّدت و لو أبيت عن ذلك فلا تدل على أزيد من رجحان الجمع بينهما في البدن.

و أمّا رواية عبد الله بن سنان فيمكن أن يكون ذلك جارياً على ما كان المعمول بينهم من الجمع بين الإشعار و التقليد أو كون (و) بمعنى (أو) و مثله صحيح حريز.

و لو أبيت عما ذكر و قلت بدلالة بعض هذه الرّوايات مثل ابن سنان و حريز على وجوب الإحرام بهما فيجاب عن ذلك بإعراض الأصحاب عنه و عدم جواز الاعتماد على المعرض عنه و عليه فالمعتمد ما يدل على كفاية واحد منهما مثل صحيح عمار المتقدم: «يوجب الإحرام ثلاثة أشياء التلبية و الإشعار و التقليد فإذا فعل شيئاً‌

64

من هذه الثلاثة فقد أحرم».

لا يقال: لعل استقرار فتواهم على كفاية كلّ واحد من الاشعار و التقليد كان من جهة سقوط ما يدل على وجوب الجمع و ما يدل على كفاية واحد منهما بالتعارض و الرجوع إلى الأصل العملي أي البراءة عن وجوب الزائد على الواحد.

فانه يقال: أوّلا: إنّ ذلك مبنى على جريان الأصل في الشكّ في المحصلات الشرعية إذا دار الأمر فيما يحصل به بين الأقل و الأكثر و لكن فيه إشكال و نتيجة ذلك وجوب الاحتياط.

نعم ان قلنا بان المأمور به هو نفس الإشعار و التقليد أو الإحرام المركب من الإشعار و غيره و شككنا في ذلك الغير لا الإحرام المتحصل منه كما اختاره البعض في اصل نية الإحرام و قال إنه ليس هنا الا التلبية و حرمة المحظورات تترتب عليها يجرى البراءة عن وجوب الزائد على الواحد و لكن يبقى الشكّ في ترتب الحرمة‌

المذكورة عليه.

و ثانياً: الغالب على الظن ان فتواهم بكفاية أحدهما تبنى على الرّوايات و ترجيح ما يدل على كفاية واحد منهما على الطائفة الاخرى.

و كيف كان الاعتماد على الصحاح الدالة على الاجتزاء بواحد منهما و ان كان الاولى بل الأحوط فيما إذا كان هديه بدنة الجمع بين الإشعار و التقليد و الله هو العالم.

اعلم أنّ المشهور بين المتاخرين من الأصوليين في مبحث المفهوم انّ البحث عنه واقع في الصغرى و انّه هل يكون لمثل القضية الشرطية الدالة على ثبوت الحكم عند ثبوت الشرط دلالة على انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط أم ليس لها هذه الدلالة‌

65

و ليس البحث واقعاً في حجية تلك الدلالة بعد كونها ثابتة مفروغاً عنها.

و أمّا الكلام عنه عند المتقدمين كان في الكبرى و في انّه لا ريب في انّه كما يستفاد من المنطوق وجوب الإكرام عند مجي‌ء زيد يستفاد منه دخل المجي‌ء أو الوصف في الحكم بإكرامه و انّه ليس بمطلقه و خالياً عن قيد ما محكوماً بالحكم فهذا كان متفقاً عليه عندهم و هذا هو المفهوم الّذي يبحث عن حجيّته بحيث إذا دلّ دليل على وجوب إكرام زيد إذا لم يكن له قيد ما يكون معارضاً له معارضة الدليل مع الدليل.

و بالجملة البحث عندهم واقع في أنّ ما يفهم من فعل المتكلم و إتيانه بالقيد الزائد الدالّ على دخله في الحكم و أنّه ليس المقيّد بذاته موضوعاً للحكم و محكوماً به هل هو حجّة أم لا؟ و ليس البحث في أنّه هل يفهم منه ذلك أم لا؟

و بعبارة اخرى: يقولون كما أنّ منطوق الكلام و هو ما يدل عليه بإحدى‌

الدلالات الثلاث الّتي كلها منطوقية لفظية حجّة عند العقلاء هل يكون ما يفهم منه بدلالة فعله عليه باجراء اصالة عدم كونه لغواً و هزلا أو اصالة كونه جادا في فعله من عدم كون الماء في قضيّة الماء إذا بلغ قدر كر لا ينجّسه شي‌ء بذاته و بمطلقه محكوماً بهذا الحكم حجّة عند العقلاء أم لا و ليس كلامهم جاريا في أنّه هل يفهم من هذه القضية ذلك أم لا.

و بعبارة أخرى: كلامهم في أنّ هذا المدلول العقلي لكلام المتكلم هل هو حجّة كمداليل كلامه اللفظيّة مثل الثبوت عند الثبوت و عدم تنجس الماء عند الكرية.

و هذا قبال ما يبحث عنه المتأخرون فإنّهم يقولون بأن مثل القضيّة الشرطيّة كما تدل على الثبوت عند الثبوت إذا كانت تدل على الانتفاء عند الانتفاء حجّة لأن الدلالتين من الدلالات اللفظية الّتي حجّيتها ثابتة غير أنّ دلالة اللّفظ على الثبوت عند الثبوت‌

66

تكون بالمطابقة و على الانتفاء عند الانتفاء تكون بالالتزام إلا انّ الكلام يجري في تحقّق هذه الدلالة و انّها هل للقضيّة الشرطيّة تلك الدلالة أم لا و لذا وقعوا في حيص و بيص و الإشكال لإثباتها للقضيّة الشرطيّة.

هذه من جهة و من جهة أخرى الفارق بين ما يبحث فيه القدماء و المتأخرون انّ المتأخرين يرون دلالة الكلام على المفهوم من الدلالات اللفظيّة أي الدلالة الالتزاميّة و القدماء يرونها دلالة عقليّة فعليّة و ذلك لأنّهم يقولون: إنّ الفرق بين الدلالة اللفظيّة و غير اللفظيّة أنّ اللفظيّة هي ما يصح إسناده إلى المتكلم بأنّه قال كذا و لا يصح له إنكاره و أمّا غير اللفظيّة فهو ما لا يصح أن تقول: للمتكلم أنت قلت كذلك ففي مثل قولهم إن جاءك زيد فأكرمه يصح أن يقال إنّك قلت بوجوب إكرام زيد عند مجيئه و لا يمكن للمتكلم به إنكاره أمّا انتفاء هذا الحكم عند انتفاء المجي‌ء عدم وجوب إكرامه لا يصح إسناده إليه بأنّك قلت ذلك لأنّ الانتفاء عند الانتفاء‌

ليس من لوازم الثبوت عند الثبوت حتى يدلّ عليه اللفظ بالدلالة الالتزامية الّتي هو إحدى الدلالات الثلاث اللفظيّة فيجوز للمتكلم إنكار ذلك.

و أمّا دلالة اللفظ لا بما له من المعنى بل بما أنّه فعل من أفعال المتكلم العاقل في القضيّة الشرطية و في تعليق الحكم بالوصف تدلّ على انّ المقيّد بالشرط ليس بمفرده و مطلقه موضوعاً للحكم فالبحث يقع في حجيّة هذه الدلالة كالدلالات اللفظيّة و ينتهى إلى حجيته فما هو المحصّل للمفهوم إتيان المتكلم بقيد زائد في كلامه يستفاد منه بدلالة العقل المفهوم بالمعنى الّذي قلناه و قاله القدماء و هو عدم كون الموضوع بذاته محكوماً بالحكم و إن كان يجوز كونه محكوماً به إذا كان مقيداً بقيد آخر فلا يدل فعل المتكلم هذا و لفظه بما أنَّه فعل من أفعاله على الانتفاء عند الانتفاء مطلقاً و لو قام مقام القيد المذكور في كلام المتكلم قيد آخر بل يدل على الانتفاء إذا لم يكن مع المقيد‌

67

بالقيد المذكور في الكلام قيداً ما فمثل قوله تعالى: (وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ) مفهومه عدم كفاية شاهد واحد من الرجال و لا يمنع دلالته على قبول شاهدين من الرجال و تقيد الشاهد. الواحد بالشاهد الآخر عن قبول شهادة الشاهد الواحد إذا انضمّ إليه شهادة امرأتين هذا بعض الكلام في المفهوم بناء على مختار سيدنا الأستاذ الأعظم حبر الأمة و فقيه العصر السيد البروجردى (قدس سره) و آخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

[الفرع الخامس:] «عدم وجوب التلبية على القارن»

الفرع الخامس: لا دليل يعتمد عليه على وجوب التلبية على القارن الّذي عقد الإحرام بالاشعار أو التقليد وجوباً نفسياً و ذلك لأنّ ما يمكن توهم دلالته على الوجوب المذكور إن كان هو الأخبار الواردة في التلبية فغاية ما تدل عليه انعقاد‌

الإحرام بها لا اختصاص انعقاد الإحرام بها، مضافاً إلى حكومة مثل قوله (عليه السلام): «التقليد و الاشعار بمنزلة التلبية عليها» و قوله (عليه السلام) «يوجب الإحرام ثلاثة اشياء» الحديث و لو قيل: بأن الإحرام ليس إلا ما يترتب على التلبية من تحريم الأفعال الخاصّة فتكون التلبية من أفعال الحجّ لا تسقط بوجوب غيرها يقال: إنّ على القول به يرد وجوبها مطلقاً حتى إذا أشعر أو قلد، أخبار الإشعار و التقليد.

و إن كان ما رواه شيخنا الكليني (قدس سره) بسنده عن محمد بن يحيى (1) عن احمد بن محمد (2) عن الحسن بن علي (3) عن يونس بن يعقوب (4) قال: «قلت‌

____________

(1)- العطار ابو جعفر القمي شيخ اصحابنا من الثامنة.

(2)- بن عيسى شيخ القميين و وجههم من السابعة.

(3)- ابن فضال ثقة من السادسة.

(4)- ابن قيس البجلي له كتب ثقة من الخامسة.

68

لأبي عبد الله (عليه السلام) إنّي قد اشتريت بدنة فكيف أصنع بها؟ فقال: انطلق حتّى تأتي مسجد الشجرة، فافض عليك من الماء، و البس ثوبك ثمّ أنخها مستقبل القبلة ثمّ ادخل المسجد فصلّ ثمّ افرض بعد صلاتك ثمّ اخرج إليها فاشعرها من الجانب الأيمن من سنامها ثمّ قل: بسم الله اللّهمّ منك و لك اللّهمّ تقبل منّي ثمّ انطلق حتّى تأتي البيداء فلبّه» (1) فاشتماله على المستحبّات يسقط ظهور الأمر بالتلبية فيه في الوجوب و ما قيل من انّ مجرد اشتمال الرواية على المستحبّات لا يوجب رفع اليد عن ظهور الأمر في الوجوب إلا إذا قامت القرينة على عدم ارادة الوجوب (2) ففيه: ان القرينة كما تدل على ارادة المعنى المجازى من اللفظ توجب سقوط ظهور اللفظ في استعماله في المعنى الحقيقي و ليس معنى ذلك انّ بها تعين المعنى المجازي هذا مضافاً إلى انّ‌

الصدوق أخرج الحديث بسنده عن ابن فضّال عن يونس بن يعقوب قال: «خرجت في عمرة فاشتريت بدنة و أنا بالمدينة فأرسلت إلى أبي عبد الله (عليه السلام) فسألته كيف أصنع بها؟ فأرسل إليّ ما كنت تصنع بهذا فإنّه كان يجزيك إن تشترى منه من عرفة و قال: انطلق حتّى تأتي مسجد الشجرة فاستقبل بها القبلة و انخها ثمّ ادخل المسجد فصلّ ركعتين ثمّ اخرج إليها فاشعرها في الجانب الأيمن ثمّ قل: بسم الله اللّهمّ منك و لك اللّهمّ تقبل منّي فإذا علوت البيداء فلب» (3)

و احتمال كونه غير ما في الكافي بعيد جداً و لذا ذكره في الوسائل بعد رواية الكافي و قال و رواه الصدوق باسناده عن ابن فضال الخ (4).

____________

(1)- الكافي: 4/ 296 باب صفة الاشعار و التقليد ح 1.

(2)- معتمد العروة: 2/ 533.

(3)- من لا يحضره الفقيه: 2/ 324/ 2577.

(4)- وسائل الشيعة: ب 12 من ابواب اقسام الحجّ ح 3.

69

فعلى هذا كله لا دليل على القول بوجوب التلبية على القارن بالوجوب النفسي و الله هو العالم.

[الفرع السادس: الكلام في] كيفية الاشعار و التقليد

الفرع السادس: قال في العروة: الإشعار عبارة عن شق السنام الأيمن بأن يقوم الرجل من الجانب الأيسر من الهدي و يشق سنامه من الجانب الأيمن، و يلطخ صفحته بدمه، و التقليد أن يعلق في رقبة الهدي نعلا خلقاً قد صلّى فيه.

أقول: أمّا وجوب شق سنام الأيمن فيدل عليه روايات متعددة مثل رواية عبد الله بن سنان و فيها: «تشعر من جانبها الأيمن» (1) و يونس بن يعقوب:

«فأشعرها من الجانب الأيمن من سنامها» (2) و معاوية بن عمار (3) و الحلبي (4) و زرارة (5)

و أمّا قيام الرجل من الجانب الأيسر من الهدي فقيل بدلالة صحيحة معاوية بن عمار قال فيه: «البدن تشعر من جانب الأيمن و يقوم الرجل في الجانب الأيسر ثمّ يقلّدها بنعل خلق قد صلى فيها» (6).

و استشكل فيها بأنّ المحتمل أن لا يكون قوله: «و يقوم الرجل» قيداً للاشعار‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 12 من ابواب اقسام الحجّ ح 1.

(2)- وسائل الشيعة: ب 12 من ابواب اقسام الحجّ ح 2.

(3)- وسائل الشيعة: ب 12 من ابواب اقسام الحجّ ح 4.

(4)- وسائل الشيعة: ب 12 من ابواب اقسام الحجّ ح 5 ..

(5)- وسائل الشيعة: ب 12 من ابواب اقسام الحجّ ح 6.

(6)- وسائل الشيعة: ب 12 من ابواب اقسام الحجّ ح 4.

70

و كان راجعاً إلى التقليد و إن كان راجعاً إليه فيستفاد منه الاستحباب لاستحباب أصل التقليد في مورد الإشعار (1) و الظّاهر الاحتمال الأول فالأحوط وجوباً قيامه في الجانب الأيسر.

و أمّا اللطخ فكأنه لم يرد فيه نصّ و نسب ذكره إلى الأصحاب و لم أتتبع كلماتهم و الله هو العالم.

[مسألة 14] جواز تأخير التلبية عن نية الاحرام

مسألة 14: قال في العروة: (لا تجب مقارنة التلبية لنية الإحرام و إن كان أحوط فيجوز أن يؤخرها عن النيّة و لبس الثوبين على الأقوى).

أقول: أمّا على القول بأنّ نية الإحرام عبارة عن توطين النفس و العزم على ترك المحرمات أو البناء أو إنشاء تحريمها على نفسه فالظاهر عدم وجوب مقارنة التلبية لها فيكفيه الإتيان بالتلبية فلا يجب تجديد إنشاء التحريم و لا توطين النفس و العزم على الترك نعم يلزم أن يكون باقياً على التزامه.

و أمّا على القول بأن الإحرام عنوان يتحقق قهراً بالتلبية فليس هنا أمر إلا نيتها وحدها المتضمنة لنية الحج و أداء المناسك و الأفعال.

و كذا إن قلنا بأن الإحرام و إن كان لا يتحقق إلا بالعزم و الالتزام على ترك المحرّمات إلا أنه لا يتحقق عنوانه المؤثر في حرمة المحظورات إلا بالتلبية فإنه يكفي في ذلك تقديم العزم و الالتزام على ترك المحظورات و الإتيان بالتلبية متأخراً عنه مع كونه باقياً على عزمه و التزامه.

____________

(1)- معتمد العروة: 2/ 535.

71

و بالجملة: مقارنة التلبية لنية الإحرام إن كان بمعنى مقارنتها لإنشاء الإحرام أو العزم و الالتزام بمعنى نية الإحرام بها فلا يجب و يجوز تأخرها عنها و إن كان بمعنى كونه باقياً على نية الإحرام عند التلبية فالظاهر لزوم ذلك فلا يكفي تلبية الغافل عن نية الإحرام إلا أن يقال بتحقق الإحرام بالالتزام و توطين النفس و إن جاز له العدول عنه قبل التلبية أمّا نفس التلبية فيكفى الإتيان بها بنية الحج و يترتب عليها تحريم المحرّمات بحكم الشارع.

[مسألة 15] عدم حرمة المحرمات قبل التلبية

مسألة 15: قد مرّ في المسائل السابقة أنّ محرمات الإحرام لا تحرم عليه قبل التلبية في حجّ الإفراد و التمتّع و عمرته و عمرة المفردة و هذا ثابت بالإجماع و النصوص و كذا في القران لا تحرم عليه إلا بعد التلبية أو

الإشعار و التقليد.

لدلالة بعض النصوص على ذلك مثل قوله (عليه السلام) «الاشعار و التقليد بمنزلة التلبية» و قوله (عليه السلام) «يوجب الإحرام ثلاثة أشياء التلبية و الإشعار و التقليد» فعلى هذا لو فعل شيئاً من المحرّمات قبل ذلك لم يرتكب إثما و لا كفارة عليه.

[مسألة 16] نسيان التلبية

مسألة 16: إذا نسي التلبية فهل يجب عليه العود إلى الميقات لتداركها أم لا فيأتى بها في مكان التذكر و إن كان متمكناً من العود؟

أمّا بحسب الأخبار فما ورد منها في هذا الباب ورد في من نسي الإحرام مثل صحيح الحلبي قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نسي أن يحرم حتى دخل الحرم؟

72

قال: قال أبى: يخرج إلى ميقات أهل أرضه فإن خشى أن يفوته الحجّ أحرم من مكانه و إن استطاع ان يخرج من الحرم فليخرج ثمّ ليحرم» (1).

و استشكل في دلالته على حكم نسيان التلبية فإنه في مورد نسيان الإحرام و بحثنا عن نسيان التلبية و هو كما يتحقق مع نسيان الإحرام يتحقق مع عدمه فلا ملازمة بين حكمهما لعدم الملازمة بينهما و لذا قال بعض الأعاظم بأنّه: إن (قلنا بأن التلبية غير دخيلة في الإحرام لا موجب للعود إلى الميقات لتداركها لأنها واجب مستقل ترك عن عذر فيتداركه في مكانه متى تذكر و الرّوايات الواردة الآمرة بالعود إلى الميقات انّما وردت في ناسي الإحرام.

نعم إن قلنا بأن الإحرام هو التلبية و بها يتحقق الإحرام فالأمر واضح و كذا‌

إن قلنا بأنّه العزم و الالتزام و التلبية متممة له يتجه الاستدلال بما ورد في نسيان الإحرام على حكم نسيان التلبية). (2)

أقول: اوّلا يمكن أن يقال: ان الإحرام في مثل هذه الرّوايات ظاهر في التلبية و الشاهد على ذلك ما ورد في مرسلة جميل في من نسي الإحرام أو جهل و قد شهد المناسك كلّها و طاف و سعى قال (عليه السلام): «تجزيه نيته إذا كان قد نوى ذلك فقد تم حجه و إن لم يهلّ» (3).

فإنه يستفاد منه بقرينة قوله «و إن لم يهل» ان السؤال عن نسيان الإحرام كان عن نسيان الاهلال بالتلبية.

و ثانياً: لما ذا نقول إنّه إذا ترك الإحرام ناسياً و هو متمكن من الرجوع إلى‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 14 من أبواب المواقيت ح 1.

(2)- معتمد العروة 2/ 539.

(3)- وسائل الشيعة: ب 20 من أبواب المواقيت ح 1.

73

الميقات يكفيه تداركه من مكانه و لما ذا نقول بسقوط ما وجب عليه و هو الإحرام بالنسيان مع إمكان الإتيان بالواجب على ما يجب عليه بالرجوع إلى الميقات. مضافاً إلى أنّه لم يقم دليل على وجوب الرجوع إلى الميقات بأي دليل نقول بتحقق الإحرام من مكانه و مع ذلك يجب عليه الاحتياط بالرجوع و الله هو العالم.

[مسألة 17 الواجب من التلبية]

مسألة 15: الواجب من التلبية مرة واحدة.

و هذا ثابت بالإجماع و ببعض النصوص مثل صحيح معاوية بن عمار المتقدّم حيث قال فيه: «و اعلم انّه لا بدّ من التلبيات الأربع الّتي كن في أول الكلام و هي الفريضة و هي التوحيد» و ما في أول كلامه هو التلبيات الأربع فلا يجب أكثر منها.

و أمّا الإكثار بها فيستحب أيضاً بدلالة الصحيح المذكور فإن فيها بعد‌

الترغيب إلى ذكرها بصيغ و صورة كثيرة تدل على استحباب الإكثار قال: «تقول هذا (يعنى الصيغ المذكورة) في دُبر كل صلاة مكتوبة أو نافلة و حين ينهض بك بعيرك و إذا علوت شرفاً أو هبطت وادياً أو لقيت راكباً أو استيقظت من منامك و بالأسحار و أكثر ما استطعت» (1) و هذا يدل على استحباب الإكثار مطلقاً و بالخصوص في الموارد التي نصّ عليها الإمام (عليه السلام) و أمّا استحبابها بالخصوص عند المنام كما جاء في العروة فلم يرد في هذا الصحيح و لا في غيره من الرّوايات فكما لا يستفاد منه ورودها بالخصوص عند كل صلاة لا يستفاد منه استحبابها بالخصوص عند المنام.

____________

(1)- تهذيب الاحكام: 5/ 91، ح 300/ 108. وسائل الشيعة ب 40 من ابواب الاحرام ح 2.

74

و أمّا الاجهار بها فقال الشيخ في الخلاف: (التلبية فريضة و رفع الصوت بها سنة ... و كلهم (يعنى العامة) قالوا: رفع الصوت بها سنة). (1)

و قال في المبسوط: و التلبية فريضة و رفع الصوت بها سنة مؤكدة للرجال دون النساء (2).

و قال في السرائر: (و الجهر بها على الرجال مندوب على الأظهر من أقوال أصحابنا، و قال بعضهم، الجهر بها واجب). (3)

و قال الشيخ في التهذيب: (فأمّا الاجهار بالتلبية فانه واجب أيضاً مع القدرة و الإمكان) (4).

و هل هذا كلام الشيخ على ما نسب إليه أو كلام المفيد في المقنعة على ما صرح به بعض الاعاظم و خطأ النسبة المذكورة (5).

يمكن أن يقال: إنّ ذلك ظاهر من كتاب التهذيب فإنّه كالتعليق على المقنعة و الشيخ ذكر أوّلا ما ذكره شيخه المفيد ثمّ علّق عليه بالاستدلال له بالاخبار و لكن لم نجد تلك القطعة في ما عندنا من المقنعة المطبوعة في سلسلة موسوعاتنا الفقهية كما لم نجد فيه أيضاً ما ذكره الشيخ قبل الحديث 277/ 85 و هو أول المواضع الّتي يجهر الإنسان فيها بالتلبية إذا اراد الحج على طريق المدينة البيداء حيث الميل و لعل من‌

____________

(1)- الخلاف: 2/ 291.

(2)- المبسوط: 1/ 316.

(3)- السرائر: 1/ 536.

(4)- تهذيب الاحكام: 5/ 92.

(5)- معتمد العروة: 2/ 540.

75

أكثر الفحص فيه يجدهما (1).

و كيف كان فالقول بالوجوب ثابت عن أحد هذين العلمين إذاً فلا اعتداد لعدم الاعتناء بهذا القول لعدم معرفة من يقول به و قد حكى اختيار هذا القول أو الميل إليه من صاحب الحدائق (ره) (2).

و قال: في المستمسك: (و ربما استظهر ذلك من الكليني حيث قال: و لا يجوز لأحد أن يجوز البيداء إلا و قد أظهر التلبية) (3).

و كيف كان فالمتبع في ذلك الدليل و رواياتنا المأثورة عن سادتنا أهل البيت (عليهم السلام) الّذين هم اعدال القرآن بنصّ أحاديث الثقلين المتواترة فلا اعتناء بما رواه في الخلاف عن خلاد بن السائب عن أبيه أنّ النّبي (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: «أتاني جبرائيل‌

فأمرنى أن آمر أصحابي أو من معي أن يرفعوا أصواتهم بالتلبية أو بالإهلال». (4)

قال الشيخ (رحمه الله) (و ظاهر الأمر يقتضى الوجوب و لو خلينا و ظاهره لقلنا أن رفع الصوت أيضاً واجب و لكن تركناه بدليل). (5) و ظاهره و إن كان جواز الاعتماد عليه لو لا ما رويناه من أهل البيت (عليهم السلام) و لكن الظّاهر انّ ذلك كان منه في مثل كتاب الخلاف مماشاة مع القوم فإنّ خلاد بن سائب كأنّه مجهول قال العجلي: خلاد بن سائب مدني لا نعرفه) (6) و أمّا سائب بن خلاد أبوه فمشكوك في أنّه واحد‌

____________

(1)- تهذيب الاحكام: 5/ 92 قبل الحديث 301/ 109.

(2)- الحدائق الناضرة: 15/ 61 و 62.

(3)- مستمسك العروة: 11/ 409.

(4)- الخلاف: 2/ 292.

(5)- الخلاف: 2/ 292.

(6)- راجع المصدر تهذيب التهذيب: 3/ 149.

76

أو اثنان قال ابن عبد البر: لم يرو عنه إلا ابنه خلاد فيما علمت و حديثه في رفع الصوت بالتلبية مختلف فيه استعمله عمر على اليمن و ولى اليمن لمعاوية (1) و بعد ذلك لا يعتمد على مثله.

و أمّا ما روينا عن أئمة العترة الطاهرة (عليهم السلام). فمنها ما رواه حريز مرفوعاً قال: «إنّ رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لما أحرم أتاه جبرئيل (عليه السلام) فقال له: مر أصحابك بالعجّ و الثّج و العج رفع الصوت بالتلبية و الثج نحر البدن قال: و قال جابر بن عبد الله ما بلغنا الروحاء حتى بحت أصواتنا» (2) رواه الصدوق في الفقيه عن حريز إلى قوله: «نحر البدن» (3).

و الحديث كما ترى ضعيف إلا أنّ الشيخ رواه بإسناده عن حريز بن عبد الله و محمد بن سهل عن أبيه عن أشياخه عن أبي عبد الله (عليه السلام) و جماعة من أصحابنا ممن روى عن أبي جعفر و أبي عبد الله (عليها السلام) إنّهما قالا: «لمّا أحرم رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) أتاه جبرئيل (عليه السلام) فقال له: مر أصحابك بالعجّ و الثج فالعج رفع الصوت و الثج نحر البدن قالا: فقال جابر بن عبد الله فما مشى الروحاء حتى بحت أصواتنا» (4) و رواه الصدوق في معانى الأخبار. (5)

و ظاهر الأمر الوجوب.

و أجيب عن الاستدلال به على وجوب رفع الصوت: إنّ الأمر بالعج كان بعد‌

____________

(1)- تهذيب التهذيب 3/ 388.

(2)- وسائل الشيعة: ب 37 من ابواب الاحرام ح 1.

(3)- من لا يحضره الفقيه: 2/ 325 ح 2579.

(4)- التهذيب: 5/ 92 ح 302/ 110.

(5)- معانى الاخبار: 223 باب معنى العج و الثج.

77

تحقّق الإحرام و أداء التلبية الواجبة الّتي يتحقق بها الإحرام لا في التلبية الّتي توجب الإحرام و لا ريب أنّ التلبيات الأخيرة غير واجبة فضلا عن الإجهار بها فلا بد من حمل الأمر به على الاستحباب.

و فيه: اوّلا: إنّ ما ذكر مبني على القول بتحقق الإحرام بالتلبية و أمّا على القول بحصوله بتوطين النفس أو العزم على ترك المحرمات أو إنشاء تحريمها على نفسه فالاستدلال به على الوجوب قائم على حاله.

و ثانياً: إنّ مقتضى الحديث وقوع الأمر برفع الصوت بعد إحرام رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لا بعد إحرام أصحابه و الظّاهر انّ الأمر بذلك كان قبل التلبية الواجبة.

و الّذي نقول في الجواب: إنّ الأمر برفع الصوت بالتلبية و إن كان ظاهراً في‌

الوجوب إلا أنّ متعلقه و هو رفع الصوت بالتلبية ظاهر بالإطلاق في مطلق التلبية فريضة كانت أم سنة فإن أخذنا بإطلاق المتعلق لا بد لنا من رفع اليد عن ظهور الأمر في الوجوب لعدم إمكان القول بوجوب رفع الصوت في التلبية المستحبة لأنّ مقتضاه حرمة التلبية بالإخفات و عدم استحبابها كذلك و هذا مما لا يلتزم به أحد و إن أخذنا بظهور الأمر في الوجوب فلا بد لنا من رفع اليد عن اطلاق المتعلق و لا ريب ان الأول أولى مضافاً إلى دلالة نفس الحديث عليه فإنّهم امتثالا للأمر رفعوا أصواتهم بها حتى بحت أصواتهم و هذا لا يتحقق إلا بتكرارها و انّهم فهموا من الأمر استحبابه في مطلق التلبية و بالجملة ظهور المتعلق و المادة في الإطلاق أقوى من ظهور الأمر في الوجوب و الأول قرينة لعدم ارادة الظّاهر من الهيئة.

و منها صحيحة عمر بن يزيد عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «ان كنت ماشياً فاجهر‌

78

باهلالك و تلبيتك من المسجد و ان كنت راكباً فاذا علت بك راحلتك البيداء» (1).

و اجيب عن الاستدلال بها بأنّها ليست في مقام بيان الأمر بالجهر بل إنّما هي في مقام بيان مكان الإجهار بالتلبية.

و بالجملة: فلا يستفاد من مثلهما و لا من مثل صحيح معاوية بن عمار لما فيه من قوله بعد بيان طائفة من المستحبات (و أكثر ما استطعت و أجهر بها) فإن التلبيات الكثيرة المذكورة في هذا الصحيح كلها إلا الواجبة منها مستحبة و لا يمكن أن يكون الإجهار بها واجباً.

هذا و لا ريب في اختصاص هذا الحكم أى استحباب الجهر بالتلبية بالرجال و أمّا النساء فلا يستحب منهن ذلك، يدل عليه ما أخرجه في الوسائل في باب خصّه‌

به (باب عدم استحباب جهر النساء بالتلبية) مثل صحيح أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): ليس على النساء جهر بالتلبية و لا استلام الحجر و لا دخول البيت و لا سعي بين الصفا و المروة يعنى الهرولة. (2)

[مسألة 18] تأخير التلبية الى البيداء

مسألة 18: قال في العروة: (ذكر جماعة أنّ الأفضل لمن حجّ على طريق المدينة تأخير التلبية إلى البيداء مطلقاً كما قال بعضهم أو في خصوص الراكب كما قيل، و لمن حجّ على طريق آخر تأخيرها إلى ان يمشي قليلا و لمن حجّ من مكة تأخيرها إلى الرقطاء كما قيل أو إلى أن

____________

(1)- تهذيب الاحكام: 5/ 85 ح 281/ 89. وسائل الشيعة ك ب 34 من أبواب الاحرام ح 1.

(2)- وسائل الشيعة: ب 38 من أبواب الاحرام ح 4 و الكافى: 4/ 336 ح 7.

79

يشرف على الأبطح لكن الظّاهر بعد عدم الإشكال في عدم وجوب مقارنتها للنية و لبس الثوبين استحباب التعجيل بها مطلقاً و كون أفضلية تأخير بالنسبة إلى الجهر بها فالأفضل أن يأتى بها حين النيّة و لبس الثوبين سراً و يؤخر الجهر بها إلى المواضع المذكورة).

أقول: هذا طريق الاحتياط أيضاً و لكن اللازم الرجوع إلى الرّوايات الشريفة فنقول: فمنها صحيح معاوية بن وهب قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التهيؤ للإحرام فقال: في مسجد الشجرة فقد صلّى فيه رسول الله (عليه السلام) و قد ترى أناساً يحرمون فلا تفعل حتى تنتهى إلى البيداء حيث الميل فتحرمون كما أنتم في محاملكم تقول: لبيك اللهم لبيك». (1) و ظاهره و إن كان النهي عن التلبية قبل الانتهاء إلى البيداء إلا أن الظاهر من السؤال انّه سئل عنه عن آداب الإحرام و ما‌

ينبغى أن يفعل عنده فلا يدل إلا على فضل تاخيرها إلى البيداء عن تقديمها عليه إذا كان راكباً.

و منها صحيح منصور بن حازم عن أبى عبد الله- (عليه السلام)- قال: «إذا صليت عند الشجرة فلا تلب حتى تاتي البيداء حيث يقول الناس: يخسف بالجيش» (2). و ظاهره الإطلاق سواء كان راكباً أو راجلا و لا يقيد بسابقه لأنّه لا يدل على اختصاص الحكم بالراكب.

و منها صحيح عبد الله بن سنان قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: إنّ رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لم يكن يلبّى حتّى يأتي البيداء» (3).

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 34 من ابواب الاحرام ح 3.

(2)- وسائل الشيعة: ب 34 ابواب الاحرام ح 4.

(3)- وسائل الشيعة: ب 34 ابواب الاحرام ح 5.

80

و منها صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) و فيه: «و اخرج بغير تلبية حتّى تصعد إلى أوّل البيداء إلى أوّل ميل عن يسارك فإذا استوت بك الأرض راكباً كنت أو ماشياً فلب» (1) و هذا يدل على أن ذلك حكم الراكب و الماشى كليهما.

و منها صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) الدال على التفضيل فإنه (عليه السلام) قال: إن كنت ماشياً فاجهر باهلالك و تلبيتك من المسجد و إن كنت راكباً فإذا علت بك راحتك البيداء» (2) ظاهره الأمر بالجهر بالتلبية إذا كان راكباً من البيداء و هل يمكن أن يكون هذا شاهداً على أنّ المراد من التلبية في غيره في البيداء الجهر بها فهو يلبّى في نفسه و إخفاتاً و إذا وصل إلى البيداء يجهر بها كما يقيد به ما يدل بالإطلاق على تاخير التلبية إلى البيداء و لكن يعارضه صحيح معاوية بن عمار و في صحيح‌

آخر لمعاوية بن عمار قال ابو عبد الله (عليه السلام): «إذا فرغت من صلاتك و عقدت ما تريد فقم و امش هنيهة (هنيئة) فاذا استوت بك الأرض ماشياً كنت أو راكباً فلبّ» (3)

و هذا بظاهره مطلق يقيد بما ورد في الإحرام من المسجد الشجرة كما يدل عليه ما رواه البزنطى قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) كيف أصنع إذا أردت الإحرام قال: (فقال عقد الإحرام خ) اعقد الإحرام في دبر الفريضة حتى إذا استوت بك البيداء فلبّ قلت: أ رأيت إذا كنت محرماً طريق العراق قال: لبّ (لبّه) إذا استوى بك بعيرك» (4)

مضافاً إلى أن الظّاهر انَّه و صحيحه السابق الدال على الحكم في البيداء واحد‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 34 من ابواب الاحرام ح 6.

(2)- وسائل الشيعة: ب 34 من أبواب الاحرام ح 1.

(3)- وسائل الشيعة: ب 34 من ابواب الاحرام ح 2.

(4)- وسائل الشيعة: ابواب الاحرام ب 34 ح 7 و قرب الاسناد: 379 ح 1338.

81

فلا يثبت بالثاني الإطلاق و علاج ما يتوهم من معارضة هذه الإخبار بعضها مع بعض انّها متضمنة لما يؤتى به الوظيفة مطلقاً و لما فيه الفضل و ما هو الأفضل.

نعم ما رواه على بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) ظاهره عدم جواز التلبية عند الشجرة قال: «سألته عن الإحرام عند الشجرة هل يحل لمن أحرم عندها أن لا يلبى حتى يعلو البيداء؟ قال: لا يلبى حتّى يأتى البيداء عند أول ميل فأما عند الشجرة فلا يجوز التلبية». (1)

و لكنه ضعيف كما قاله البعض بعبد الله بن الحسن و على البناء على الاعتماد عليه فهو معارض بغيره ممّا يدل على جواز التلبية من الشجرة كصحيح عبد الله بن سنان انّه «سأل أبا عبد الله (عليه السلام) هل يجوز للمتمتع بالعمرة إلى الحج أن يظهر التلبية في‌

مسجد الشجرة فقال: نعم إنّما لبّى النّبى (صلى الله عليه و آله و سلم) في البيداء (على البيداء) لأن الناس لم يعرفوا التلبية فأحبّ أن يعلمهم كيف التلبية». (2)

و أمّا معارضة اخبار تأخير التلبية مع غيرها من الأخبار مثل ما دل على عدم جواز المرور على الميقات بدون الإحرام فبناء على تحقّق الإحرام بدون التلبية لا معارضة بين الطائفتين و أمّا على القول بعدم تحقّق الإحرام بدون التلبية فيلزم من التأخير إلى البيداء العبور عن الميقات محلا.

و عليه لا بد لنا إلا أن نقول بتقييد حكم حرمة المرور محلا بما إذا لم يكن ناوياً للإحرام و التلبية و إلا فيجوز فهو مخيّر بين الإحرام و التلبية من الميقات أو تأخيره إلا البيداء و التأخير أفضل أو أن نقول بأن ما يدل على التأخير محمول على تأخير‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 34 من أبواب الاحرام ح 8.

(2)- وسائل الشيعة: ب 35 من أبواب الاحرام ح 2.

82

الإجهار بها فيلبّى من الشجرة إخفاتاً و يجهر بها عند البيداء.

و على هذا الأحوط التلبية في الميقات اخفاتاً و جهراً لمّا مرَّ على البيداء مع تجديد النيّة و يأتي ما ذكر في تأخير الإحرام يسيراً عن الميقات و تأخيره في الإحرام من مكة إلى الرقطاء.

مضافاً إلى أن في صحيحة الفضلاء (حفص البخترى و معاوية بن عمار و عبد الرحمن بن الحجاج و الحلبي) التصريح بذلك ففيه: «و ان اهللت من المسجد الحرام فإن شئت لبيّت خلف المقام و أفضل ذلك أن تمضي حتى تأتي الرقطاء و تلبّي قبل أن تسير إلى الأبطح» (1) و ما رواه ابن أبي عمير و صفوان عن معاوية بن‌

عمار (2) ما يشهد على ما ذكر و كيف كان فلا يترك الاحتياط بما ذكر و الله هو العالم.

أورد علينا بعض الفضلاء المشاركين في البحث أيّدهم الله تعالى بأنّ ما قلت من أنّ إطلاق المتعلق في الأمر بالإجهار بالتلبية و شموله للتلبيات المندوبة يمنع عن ظهور الأمر بالتلبية في الوجوب منقوض بوجوب الإخفات في التسبيحات الأربعة في الركعتين الأخيرتين إذا أتى بها زائداً على المرة الواحدة الواجبة فإنّ الثانية و الثالثة منها مستحبة و مع ذلك يجب فيها الإخفات فيجوز ان يكون نفس العمل مستحباً و الإتيان به بوصف خاص كالجهر و الإخفات واجباً، كأن قال: إن أتيت بها فأت بها جهراً.

و فيه: إنّ مفهوم القضية مع حفظ ظهور الأمر في الوجوب يكون (و الا فلا تأت بها سرا) و الالتزام بها في التسبيحات إن امكن لعدم القول باستحبابها إلا‌

____________

(1)- من لا يحضره الفقيه:/ 320 ح 2562.

(2)- وسائل الشيعة: ب 52 من أبواب الاحرام ح 1.

83

إخفاتاً لا يمكن في التلبيات للاجماع على استحبابها سراً فلا بد من رفع اليد عن ظهور الأمر في الوجوب و حمله على الاستحباب فتأمل جيداً.

هذا مضافاً إلى أنّ لنا أن نقول إنّ في التسبيحات المصلّى مخير بين الواحدة و الثلاثة و لذا لا يجوز له الاكتفاء بالاثنتين بعنوان الوظيفة فيجب عليه الإخفات مطلقاً أتى بالواحدة أو الثلاثة و التلبية ليست كذلك.

ثمّ إنّه أورد ثانياً بأن المستفاد من صحيح عمر بن يزيد امران وجوب الجهر بالتلبية و بيان المكان الذى يبتدئ فيه بالجهر في حال الركوب و المشي.

و فيه: إنّ ما قلناه مجرد الاستظهار من الكلام فإن ظاهره كون رجحان الجهر بالتلبية مفروغاً عنه بين المتكلم و المخاطب و سوق الكلام ظاهر في انّ الامام (عليه السلام)

كان في مقام إفادة التفصيل مضافاً إلى ان ذلك ان كان كما استشهد به المورد الفاضل يكون مثل سر من البصرة يدل على ابتداء السير و إدامته فعلى ذلك أيضاً يدل على الاستحباب للاتفاق على أنّ في استدامة التلبية لا يجب الجهر و الله هو العالم.

اعلم: أن الكلام في هذه المسألة يقع أوّلا في انه هل يجب تأخير التلبية إلى البيداء فلا تجزى في ذى الحليفة؟ و على فرض عدم الوجوب فهل الإتيان بها في ذي الحليفة متعين أو هو مخيّر بين الإتيان بها في البيداء أو ذي الحليفة أو تأخيرها إلى البيداء أفضل مطلقاً سواء كان ماشياً أو راكباً أو إذا كان راكباً؟ و على فرض تعين الإتيان به من ذي الحليفة هل يجب الإجهار بها في البيداء، أي بالتلبيات المندوبة؟

فنقول: أمّا وجوب تأخيرها عن الميقات و عدم اجزائها منه فالظاهر أنّه خلاف التسالم لم يذهب إليه أحد من الاصحاب الا صاحب الحدائق فانه قال: فالاحتياط في الوقوف على الروايات المتقدمة الدالة على التأخير إلى البيداء راكباً كان أو ماشياً بل لا يبعد المصير إليه لو لا ذهب جملة من فضلاء قدماء الاصحاب‌

84

إلى التخيير كما سمعت من ثقة الاسلام الكلينى (قدس الله روحه) (1) و احتمله كاشف اللثام على ما حكى عنه و هما محجوجان بالسيرة و تسالم الأصحاب.

فإن قلت: ظاهر بعض الرّوايات وجوب التأخير و النهي عن الإتيان بها في الميقات مثل: صحيح منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا صليت عند الشجرة فلا تلبّ حتّى تأتي البيداء حيث يقول الناس يخسف بالجيش» (2).

قلت فيه: منع ظهور النهي فيه في الحرمة الوضعيّة غاية الأمر أنه ارشاد إلى‌

إتيانها في البيداء و كراهة تقديمها عليه و القرينة على ذلك اتفاق الأصحاب على إجزاء التلبية من الشجرة.

و صحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبد الله (عليه السلام) و فيه: «و اخرج بغير تلبية حتّى تصعد إلى أوّل البيداء إلى أوّل ميل عن يسارك فإذا استوت بك الأرض راكباً كنت أم ماشياً فلبّ» (3).

و فيه: أيضاً منع دلالة الأمر على الالزام غاية الأمر يدل على كون التلبية عند البيداء أفضل و أكثر صواباً و يشهد على ذلك صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن كنت ماشياً فاجهر بإهلالك من المسجد و إن كنت راكباً فإذا علت بك راحلتك البيداء» (4) فان مقتضى ملاحظتهما معاً و البناء على إجزاء التلبية مطلقاً في الميقات أفضليتها في البيداء.

و أمّا رواية علي بن جعفر عن أخيه (عليها السلام) قال: «سألته عن الإحرام عند‌

____________

(1)- الحدائق الناضرة: 15/ 46.

(2)- وسائل الشيعة: ب 34 من أبواب الاحرام ح 4.

(3)- وسائل الشيعة: ب 34 من أبواب الاحرام ح 6.

(4)- وسائل الشيعة: ب 34 من أبواب الاحرام ح 1.

85

الشجرة هل يحلّ لمن أحرم عندها أن لا يلبّي حتّى يعلو البيداء؟ قال: لا يلبّى حتّى يأتي البيداء عند أوّل ميل؟ قال: نعم فأمّا عند الشجرة فلا يجوز التلبية» (1).

ففيه: انها كما قاله البعض ضعيف بعبد الله بن الحسن و على البناء على الاعتماد عليه كما قويناه سابقاً فهي معارضة بغيرها مما هو صريح على جواز التلبية من الشجرة مثل صحيح عبد الله بن سنان «إنّه سأل أبا عبد الله (عليه السلام): هل يجوز للمتمتع بالعمرة إلى الحجّ أن يظهر التلبية في مسجد الشجرة؟ فقال: نعم انّما لبّى النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) في‌

البيداء (على البيداء) لان الناس لم يعرفوا التلبية فأحبّ أن يعلمهم كيف التلبية» (2)

و لا ريب ان الترجيح مع الصحيح فتلخص من ذلك انَّه لا ريب في صحة الاجتزاء بالتلبية من المسجد.

و أمّا اجزاء التلبية من البيداء أي كون المكلف مخيراً بين الإتيان بها في المسجد و في البيداء فيدل عليه مضافاً إلى الرّوايات السابقة صحيحة الفضلاء (حفص بن البختري و عبد الرحمن بن الحجاج و حمّاد بن عثمان) عن الحلبي (على نسخة الكافي) و الحلبي على نسخة الفقيه جميعاً كلّهم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا صلّيت في مسجد الشجرة فقل و أنت قاعد في دبر الصلاة قبل أن تقوم ما يقول المحرم ثمّ قم فامش حتّى تبلغ الميل و تستوى بك البيداء فإذا استوت بك فلبّه» (3).

و هذه الرّوايات تدل بظاهرها على جواز تأخير التلبية إلى البيداء بل كونها أفضل.

فإن أخذنا بها لا بدّ إمّا أن نقول بحصول الإحرام و عقده منه قبل التلبية حتّى‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 34 من أبواب الاحرام ح 8.

(2)- وسائل الشيعة: ب 35 من أبواب الاحرام ح 2.

(3)- وسائل الشيعة: ب 35 من أبواب الاحرام ح 3.

86

لا تكون معارضة لروايات باب الميقات الّتي تدل على وجوب الإحرام منه و عدم جواز المرور عليه بدون الإحرام لمن يريد الحجّ و امّا أن نقول بأن البيداء و إن عرف بأنه مكان بين ذي الحليفة و ذات الجيش إلا انه يستفاد عن بعض الرّوايات انّه من ذي الحليفة فقد جاء في جملة روايات جيش يغزون البيت هكذا: «جيش من امتي من قبل الشام يؤمون البيت لرجل منعه الله حتّى إذا علوا البيداء من ذي الحليفة‌

خسف بهم» (1) أو أن نقول بدلالة هذه الرّوايات على كون البيداء أيضاً من المواقيت أو نقول بكفاية الإشراف على الإحرام للخروج عن الميقات قبله في خصوص مسجد الشجرة.

و كيف كان فهذا مختار الشيخ في النهاية قال: (و الأفضل أن يلبّى إذا أتى البيداء عند الميل، و أمّا الماشي فلا بأس به أن يلبّى من موضعه). (2)

و قال القاضي في المهذب: (يلبّى المحرم إذا كان حاجّاً على طريق المدينة من الموضع الّذي يصلى فيه للإحرام أو إذا أتى البيداء و هذا هو الأفضل) (3) و عليك بتتبع كلمات غيرهما.

و قال الكليني (قدس سره) (و هذا عندى من الأمر المتوسع إلا أنّ الأفضل فيه أن يظهر التلبية حيث أظهر النبيّ (صلى الله عليه و آله و سلم) على طرف البيداء و لا يجوز لأحد أن يجوز ميل البيداء إلا و قد اظهر التلبية و أوّل البيداء أول ميل يلقاك عن يسار الطريق) (4). و يظهر منه أنّ البحث و السؤال في الرّوايات كان في إظهار التلبية إذاً فلا يجوز ترك‌

____________

(1) وفاء الوفاء بأخبار دار المصطفى (صلى الله عليه و آله و سلم): 4/ 1147 و 1158. راجع الاصل و المصدر.

(2)- النهاية/ 214.

(3)- المهذب: 1/ 216.

(4)- الكافى: 4/ 334.

87

التلبية سرّا إلى البيداء.

و كيف كان فظاهر الرّوايات ما عرفت و عليه و ان كان جواز الاكتفاء بالتلبية من البيداء قويّ و لكن لا يترك الاحتياط امّا بالتلبية في الشجرة أو الإتيان‌

بها في المكانتين و اللّه هو العالم.

[مسألة 19] استمرار التلبية الى يوم عرفة

مسألة 19: صرح في الجواهر بأن الحاج كان مفرداً أو قارناً يستمر على تكرار التلبية إلى يوم العرفة عند الزوال لصحيح ابن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): «الحاج يقطع التلبية يوم عرفة زوال الشمس» (1) و صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (عليه السلام): «إذا زالت الشمس يوم عرفة فاقطع التلبية»، (2) و صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا زالت الشمس يوم عرفة فاقطع التلبية عند زوال الشمس» (3) و لغيرها من الرّوايات قال في الجواهر: و ظاهرها الوجوب كما عن نصّ الخلاف و الوسيلة و حكى عن على بن بابويه و الشيخ و استحسنه بعض لظاهر الأمر و لا ريب في انّه أحوط) (4).

و لا يخفى عليك انّه لا فرق في الحكم المذكور بين الإفراد و القران و حجّ التمتّع كما دل عليه إطلاق الرّوايات و لفظ الشرائع فكلام الجواهر في شرح قوله فإن كان‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 44 من أبواب الاحرام ح 1.

(2)- وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب الاحرام ح 4.

(3)- وسائل الشيعة: ب 44 من أبواب الاحرام ح 5.

(4)- جواهر الكلام: 18/ 274.

88

حاجّاً (مفردا أو قارناً) ليس بتام.

أقول: يمكن أن يقال: إن الأمر بالقطع في هذه الرّوايات يكون كالأوامر الواردة في توهم الحظر فلا يدل إلا على انتهاء الأمر بها و استحبابها و الإتيان بها على أن يكون حجه مشتملا عليها لا مطلقاً و ذلك لأنهم كانوا مهتمين بالتلبية مستمرين عليها يتكررونها فغاية ما تدل عليه هذه الرّوايات هو انتهاء التأكيد على‌

تكرارها عند زوال الشمس و مع ذلك لا ريب في أن قطعها كما قال الجواهر أحوط.

و ربّما يستشهد لمبغوضية التلبية في خارج الموارد المذكورة في الرّوايات بصحيح أبان قال: «كنت مع أبي جعفر (عليه السلام) في ناحية من المسجد (الحرام) و قوم يلبّون حول الكعبة فقال: أ ترى هؤلاء الَّذين يلبّون و الله لأصواتهم أبغض إلى الله من أصوات الحمير» (1).

إلا انه يمكن أن يقال: إن ذلك منهم كان لضلالتهم في المذهب لا لنفس التلبية كما أشار إليه في الجواهر. (2)

نعم الظّاهر كما ادعاه البعض انه لا خلاف بينهم في أنها مستحبة إلى زوال الشمس و ينتهى استحبابها بزوالها و الله هو العالم.

موضع قطع التلبية للمعتمر‌

[مسألة 20 موضع قطع التلبية للمعتمر]

مسألة 20: قال في الجواهر: (و إن كان معتمراً بمتعة فإذا شاهد بيوت مكة» كما صرح به غير واحد بل قيل: إنه مقطوع به في كلام الأصحاب لقول الصادق (عليه السلام) في حسن الحلبي: «المتمتّع إذا نظر إلى بيوت

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 34 من ابواب الاحرام ح 3. و الكافى: 4/ 540.

(2)- جواهر الكلام: 18/ 275.

89

مكة قطع التلبية» (1) و في حسن معاوية: «إذا دخلت مكّة و أنت متمتع فنظرت إلى بيوت مكّة فاقطع التلبية، و حد بيوت مكة الّتي كانت قبل اليوم عقبة المدنيين فإن الناس قد أحدثوا بمكّة ما لم يكن فاقطع التلبية و عليك

بالتكبير و التهليل، و التحميد، و الثناء على الله عزّ و جلّ بما استطعت» (2) و قولهما (عليهم السلام) في خبر سدير: «إذا رأيت أبيات مكة فاقطع التلبية» (3) إلى غير ذلك من النصوص الّتي ظاهرها الوجوب بل عن الخلاف الإجماع عليه و لا بأس به). (4)

أقول: الكلام في الرّوايات هو ما ذكرناه في المسألة السابقة لكن يجب قطع التلبية عند مشاهدة بيوت مكة احتياطاً.

ثمّ إن في الجواهر تعرض لما يوهم خلاف ذلك مثل ما رواه الشيخ عن أحمد (5) عن الحسين بن سعيد (6) عن فضالة (7) عن أبان (8) عن زرارة (9) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته أين يمسك المتمتّع عن التلبية؟ فقال: إذا دخل البيوت.

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 43 من ابواب الاحرام ح 2.

(2)- وسائل الشيعة: ب 43 من ابواب الاحرام ح 1.

(3)- وسائل الشيعة: ب 43 من ابواب الاحرام ح 5.

(4)- جواهر الكلام: 18/ 275.

(5)- هو أحمد بن محمد بن عيسى من السابقة شيخ القميين و وجههم ....

(6)- من السابعة جليل القدر صاحب المصنفات.

(7)- ابن أيوب من السادسة ثقة و من اصحاب الإجماع.

(8)- ابن عثمان من الخامسة وصف بأنه من الناوسية و ان العصابة اجمعت على تصحيح ما يصح عنه و عن فخر المحققين قال: سألت والدى عنه فقال الاقرب عدم قبول روايته جامع الرواة: 1/ 12.

(9)- من الرابعة مشهور و معروف

90

بيوت مكة لا بيوت الأبطح» (1).

و لكنه يحمل بقرينة غيره على إرادة الإشراف مضافاً إلى أن الأخذ بسائر‌

الرّوايات موافق للاحتياط.

و أما ما رواه الشيخ عن سعد بن عبد الله (2) عن موسى بن الحسن (3) عن محمد بن عبد الحميد (4) عن أبي جميلة المفضل بن صالح (5) عن زيد الشّحام (6) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن تلبية المتعة متى تقطع؟ قال: يدخل الحرم» (7).

فقد حمله الشيخ على جواز قطع تلبية و غيره على الاستحباب.

أقول: حمل ما يدل على قطعها عند رؤيته بيوت مكة على الاستحباب مبني على عدم استفادة وجوب القطع منه و إلا فالأولى أن يقال: إنه محمول على استحباب القطع عند دخول الحرم و غيره على وجوبه إذا نظر إلى بيوت مكة و لكن الظّاهر انه لا قائل به و الرواية ضعيفة السند مهجورة لا يعتمد عليها.

ثمّ إنّه ربّما يوهم اختلاف الرّوايات في تحديد بيوت مكة و ما فيها من تحديدها بعقبة المدنيين و ما فيها من تحديدها بعقبة ذي طوى ففي صحيح معاوية بن عمّار الَّذي مرّ ذكره تحديدها بالأوّل و في صحيح البزنطي عن مولانا الرضا (عليه السلام): «إنّه‌

____________

(1)- تهذيب الأحكام: 5/ 468 ح 1638. وسائل الشيعة: ب 43 من ابواب الاحرام.

(2)- القمى الاشعري شيخ هذه الطائفة ... هو من كبار الثامنة.

(3)- الاشعري القمي ثقة عين ...، صنف ثلثين كتاباً من السابعة.

(4)- العطار من السادسة.

(5)- ضعيف يضع الحديث ... من الخامسة.

(6)- ابن يونس أو ابن محمد بن يونس ثقة من الخامسة.

(7)- تهذيب الأحكام: 5/ 95 ح 312، الاستبصار: 2/ 177.

91

سئل من المتمتع متى يقطع التلبية؟ قال: إذا نظر إلى عراش مكة عقبة ذي طوى قلت: بيوت مكة؟ قال: نعم». (1)

قال الشيخ في التهذيب: (هذه الرواية- يعني عقبة المدنيين- فيمن جاء إلى مكة من طريق المدينة خاصة، و الرواية الّتي قال فيها: إنه يقطع عند ذي طوى لمن جاء على طريق العراق). (2)

و قال في الاستبصار: (و كان أبو جعفر محمد بن على بن الحسين بن بابويه (رحمه الله) حين روى هذه الرواية حملها على التخيير حين ظن أنها متنافية و على ما فسرناه ليست بمتنافية و لو كانت متنافية لكان الوجه الّذي ذكره صحيحاً). (3)

و على هذا يمكن أن يقال: ان الرّوايات تكون متنافية إذا كانت إحدى العقبتين بعد الأخرى في طريق واحد دون ما إذا كانت حديها في طريق المدينة إلى مكة و الأخرى في طريق العراق أو كان كل منها مكاناً واحداً باسمين.

و الظّاهر أن المستفاد من الرّوايات ان ما هو الموضوع لوجوب قطع التلبية أو انتهاء استحبابها هو الأمكنة الّتى ترى منها بيوت مكّة في عصر النبي (صلى الله عليه و آله و سلم) فإن كان في زماننا مكاناً معروفاً بذلك فهو و الا فيمكن أن يقال: إنه ما دام يكون شاكاً في وصوله إلى ذلك المكان (عقبة المدنيين و عقبة ذي طوى و غيرهما) يستصحب عدم وجوب القطع على القول به أو استحباب التلبية و مقتضى الاحتياط- إن شاء قطع التلبية من مكان يحصل له العلم بقطعها من المكان المأمور به.

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 43 من أبواب الاحرام ح 4.

(2)- تهذيب الاحكام: 5/ 96.

(3)- الاستبصار: 2/ 178.

92

[مسألة 21] موضع قطع التلبية في العمرة المفردة

مسألة 21: قال في الجواهر أيضاً: (فإن كان بعمرة مفردة قيل و القائل الصدوق و تبعه المصنف في النافع كان مخيراً في قطع التلبية عند دخول

الحرم أو مشاهدة الكعبة إلى أن قال- و قيل: و القائل المشهور على ما في كشف اللثام إن كان ممن خرج من مكة للإحرام فإذا شاهد الكعبة و ان كان ممن أحرم من خارج فإذا دخل الحرم). (1)

أقول: الأخبار في المسألة على طوائف.

منها: ما يستفاد منه حكم من أحرم من أدنى الحلّ كالتنعيم كصحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «من اعتمر من التنعيم فلا يقطع التلبية حتى ينظر إلى المسجد» (2) و إطلاقه يشمل من خرج من مكة إليه للعمرة و من كان خارجا عنها و بدا له الإتيان بالعمرة كما أن الظّاهر انّه ليس ذلك لخصوص التنعيم بل هو حكم مطلق الاعتمار من أدنى الحلّ كما يدلّ عليه إطلاق الصحيح الآتي و كصحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «من أراد أن يخرج من مكة ليعتمر أحرم من الجعرانة و الحديبية أو ما أشبههما و من خرج من مكة يريد العمرة ثمّ دخل معتمراً لم يقطع التلبية حتى ينظر إلى الكعبة» (3) و يستفاد منه أن ذلك حكم الاعتمار من أدنى الحل الخارج من مكة و لا خصوصية للخروج منها إليه كما يدل عليه إطلاق الصحيح السابق. و كمرسلة المفيد في المقنعة قال: «سئل (عليه السلام) عن الملبي بالعمرة المفردة‌

____________

(1)- جواهر الكلام: 18/ 277.

(2)- وسائل الشيعة: ب 45 من أبواب الاحرام ح 4.

(3)- تهذيب الاحكام: 2/ 95 ح 315.

93

بعد فراغه من الحج متى يقطع تلبيته؟ فقال: إذا رأى (زار) البيت». (1)

و ليس في الأخبار ما يعارض هذه الرّوايات فلا بد من الحكم على طبقها و لا وجه لان يكون الحكم بها و بغيرها ممّا يدلّ بالإطلاق على جواز قطع التلبية للمعتمر‌

من أدنى الحل إذا دخل بيوت مكة لأن إطلاقه يقيّد بهذه الرّوايات.

و من روايات الباب ما يدل على أنّ المعتمر يقطع التلبية إذا دخل الحرم مثل موثقة إبراهيم بن أبي سمال (ك خ) عن معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) في حديث قال: «و إن كنت معتمراً فاقطع التلبية إذا دخلت الحرم» (2) و صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «من دخل مكة مفرداً للعمرة فليقطع التلبية حين تضع الإبل أخفافها في الحرم» (3) و معتبرة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) الّتي وصفها في الجواهر بالإرسال لأن سنده هكذا حميد بن زياد (4) عن ابن سماعة (5) عن غير واحد عن أبان (6) عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): «يقطع التلبية المعتمر إذا دخل الحرم» (7).

و لكن الظّاهر انّه لا يضر مثل ذلك الارسال باعتبار الحديث لو لم نقل بأنّه يزيد في اعتباره و كيف كان تدلّ على قطع التلبية في العمرة إذا دخل الحرم و لو توهم إطلاق حكمه للمتمتع بالعمرة فهو يقيد بما ورد في عمرة التمتّع.

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 45 من أبواب الاحرام ح 13.

(2)- وسائل الشيعة: ب 45 من أبواب الاحرام ح 1.

(3)- وسائل الشيعة: ب 45 من أبواب الاحرام ح 2.

(4)- من الثامنة عالم جليل ثقة .....

(5)- من السابعة الحسن بن محمّد واقف كثير التصانيف.

(6)- ابن عثمان الاحمر من الخامسة فاسد المذاهب من أصحاب الإجماع.

(7)- وسائل الشيعة: ب 45 من أبواب الاحرام ح 5 و الكافى: 4/ 537 راجع جواهر الكلام: 18/ 277.

94

و مثل خبر مرازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «يقطع صاحب العمرة المفردة التلبية إذا وضعت الإبل أخفافها في الحرم». (1)

و في قبال هذه الرّوايات روايات تدل على قطع المعتمر التلبية إذا نظر إلى بيوت مكّة كما رواه الشيخ بإسناده عن محسن بن أحمد (2) عن يونس بن يعقوب (3) «قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن الرجل يعتمر عمرة مفردة من أين يقطع التلبية؟ قال: إذا رأيت بيوت ذي طوى (مكّة خ) فاقطع التلبية» (4).

و صحيح الفضيل قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) قلت: دخلت بعمرة فأين أقطع التلبية؟ قال: حيال العقبة عقبة المدينين فقلت: أين عقبة المدينين؟ قال: بحيال القصارين (5).

و ما رواه عبد الله بن جعفر (6) في قرب الإسناد عن محمد بن الحسين بن أبي الخطاب (7) عن أحمد بن محمد بن أبي نصر (8) قال: و سألته (يعنى أبا الحسن الرضا (عليه السلام)) عن الرجل يعتمر عمرة المحرم من أين يقطع التلبية؟ قال: كان أبو الحسن (عليه السلام) يقطع التلبية إذا نظر إلى بيوت مكة» (9).

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 45 من ابواب الاحرام ح 6.

(2)- من السادسة لم يرد فيه توثيق.

(3)- من الخامسة ثقة.

(4)- وسائل الشيعة: ب 5 من أبواب الاحرام ح 3 و تهذيب الاحكام: 5/ 95، ح 314/ 122.

(5)- وسائل الشيعة: ب 45 من أبواب الاحرام ح 11 و تهذيب الاحكام: 5/ 96، ح 3. 16/ 124.

(6)- من كبار الثامنة ثقة شيخ القميين .....

(7)- من السابعة جليل القدر عظيم من اصحابنا .....

(8)- من السادسة عظيم المنزلة .....

(9)- قرب الاسناد: 379 ح 1337 و وسائل الشيعة ب 45 من ابواب الاحرام ح 12.

95

و بملاحظة الجمع بين هذه الطائفة و الطائفة السابقة افتى الصدوق بالتخيير فقال: هذه الأخبار كلّها صحيحة متفقة ليست بمختلفة و المعتمر عمرة مفردة في ذلك بالخيار يحرم من أي ميقات من هذه المواقيت شاء و يقطع التلبية في أي موضع من‌

هذه المواضع شاء و هو موسع عليه و لا حول و لا قوّة الّا بالله العلى العظيم.

و قد استشكل في ذلك بأن القول بالتخيير متفرع على التنافي و التكافؤ و هو مفقود فيما نحن فيه لأن خبر يونس بن يعقوب ضعيف بمحسن بن أحمد فإنّه لم يوثق في كتب الرّجال و التعبير عنه بالموثق اشتباه و أما صحيح الفضيل فليس فيه التصريح بالعمرة المفردة و إنّما يدل عليها بالإطلاق فيقيد إطلاقه بما دلّ على قطع التلبية فيها عند دخول الحرم بل يمكن دعوى إجماله و انه سؤال عن واقعة نفسه الّتي كانت معلومة بين السائل و المجيب و أمّا رواية البزنطي فاطلاقها يشمل من ابتدأ بالعمرة من خارج الحرم و من أحرم من التنعيم و غيره فيقيد بما يدلّ على حكم من أحرم من خارج الحرم و هذا الجواب يأتي أيضاً في خبر يونس بن يعقوب و على ذلك فالحكم بقطع التلبية عند دخول الحرم إذا كان أحرم من خارجه و قطعها عند النظر إلى بيوت مكة إذا أحرم للعمرة من أدنى الحلّ وجيه و موافق الاحتياط و الله هو العالم.

[مسألة 22] كيفية تكرار التلبية

مسألة 20: لا ريب انَّه لا يلزم في تكرار التلبية أن تكون بالصور المعتبرة في انعقاد الإحرام بها التى قال الامام (عليه السلام) في صحيح معاوية بن عمّار انّه لا بد منها فيجوز الاكتفاء بسائر صيغها المروية في الرّوايات فيكفى مثلا لبيك اللّهم لبيك أو لبيك اله الحق لبيك أو لبيك كشاف الكرب العظام أو غيرها بل يكفي غير الصور المذكورة في الرّوايات مثل

96

لبيك اله العالمين لبيك يا رحمان يا رحيم. لبيك يا ذا المن و الإحسان و يا ذا العفو و الغفران.

و استدل للاكتفاء بذلك بمثل ما في صحيح معاوية بن عمار: «و ان تركت بعض التلبية فلا يضرك غير أنّ تمامها أفضل» (1)

و فيه: ان ظاهره و ظاهر اطلاق الروايات جواز بعض التلبيات المذكورة في الصحيح بل لا يخلو من الدلالة على أنّ الفضل لبعض الصيغ المذكورة في الرّوايات.

و فيه: ايضاً انّ الإطلاق لو وجد في بعض الرّوايات يكون منصرفاً إلى التلبيّات المأثورة.

و بعد ذلك كلّه نقول أنّ ما يستفاد من سياق الرّوايات استحباب مطلق التلبية و استحبابها بالصور المذكورة في الرّوايات فلا يقيد بها استحبابها المطلق حتى و ان قال لبيك خلافاً لمن اشكل في ذلك من المحشين العظام (عليهم رضوان الله تعالى).

[مسألة 23] الشك في اتيان التلبية صحيحة

مسألة 21: إذا اتى بالتلبية و شك بعد الإتيان بها انَّه اتى بها صحيحة ام لا؟ يبنى على الصحة لقاعدة الفراغ العامة الجارية في جميع الابواب.

و أمّا إذا شك في أنّه أتى بالتلبية ام لا يجب عليه الإتيان بها إذا لم يتجاوز المحل كما إذا شك و هو في الميقات و أمّا إذا خرج عن الميقات و هو مشتغل بالتلبيات المستحبة أو وصل إلى مكة و شك مثلا في حال الطواف فلا يعتد بشكه لقاعدة التجاوز.

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 40 من ابواب الاحرام ح 2.

97

و لكن لا يترك الاحتياط فيما إذا شك في الإتيان بها و لم يدخل في الأعمال الواجبة المترتبة عليها بالرجوع إلى الميقات و إتيان التلبية فيه و إن لم يمكن فيرجع إليه ما امكن و إلّا فيلبى من مكانه كالناسى هذا و إن شك في التلبية و هو في الميقات لا‌

يحرم عليه فعل ما يحرم عليه بالإحرام.

[مسألة 24] الشك في التلبية بعد الاتيان بموجب الكفارة

مسألة 24: من أتى بموجب الكفارة و شك في أن ذلك كان منه بعد التلبية حتّى تجب عليه أو قبلها فلا تجب؟

فإن كانا مجهولي التاريخ أو كان تاريخ التلبية مجهولا لم تجب عليه لتعارض استصحاب عدم التلبية إلى زمان إتيان موجب الكفارة مع استصحاب عدم إتيان موجبها إلى زمان التلبية و عدم ترجيح أحدهما على الآخر في صورة كونهما مجهولي التاريخ فالأصل براءة ذمّته عن الكفارة و في صورة كون تاريخ التلبية مجهولا و تاريخ ارتكاب الموجب معلوماً يجرى استصحاب عدم التلبية إلى تاريخ ارتكاب الموجب فلا تجب الكفارة و أمّا إذا كان تاريخ اتيان الموجب مجهولا و تاريخ التلبية معلوماً فاستصحاب عدم اتيان الموجب إلى تاريخ التلبية لا يقتضى وقوعه بعد التلبية.

و أمّا التمسك باصالة تأخر الحادث بأن يقال بحدوث الموجب و تأخره عن تاريخ التلبية بمقتضى اصالة التأخر فلا اعتداد بها لا أصلا و لا فرعاً أمّا من حيث الكبرى و الاصل فلا دليل على اعتبار هذا الأصل مضافاً إلى ان التأخر أيضاً‌

98

حادث و مقتضى الأصل عدم حدوثه و أمّا فرعاً و من حيث الصغرى فاصالة تأخر الحادث تثبت حدوثه بعد يوم الخميس مثلا الّذي وقع فيه التلبية و لكن لا يثبت بها انّ حدوث الموجب كان بعد التلبية إلا على القول بالأصل المثبت.

هذا كلّه على ما بنى عليه الشيخ (قدس سره) من سقوط- الاستصحاب في مجهولي‌

التاريخ بالتعارض (1).

و أمّا على مختار صاحب الكفاية (قدس سره) (2) فليس المقام مقام اجراء الاستصحاب للشك في اتصال زمان الشك باليقين فالتمسك بالاستصحاب فيه تمسك بعموم العام في الشبهة المصداقية.

و يوضح ما أفاده بأن يقال: إنا نفرض ثلاث ساعات متوالية ففي الساعة الأولى نكون باليقين على عدم الإتيان بالتلبية و بموجب الكفارة معاً و في الساعة الثانية نعلم باتيان واحد منهما على سبيل الإجمال و في الساعة الثالثة نعلم بإتيان واحد آخر منهما أيضاً بالإجمال و لا على التعيين و عليه نشك في كل منهما (التلبية و موجب الكفارة) انّه هل استمر عدمه إلى زمان وجود الآخر.

و بعبارة اخرى هل حدث في زمان حدوث الأخر أم لا؟ لا ريب في اننا لو علمنا بتاريخ حدوث الأخر نستصحب عدم حدوث ما شككنا في حدوثه عند حدوث الآخر و ذلك لاتصال زمان الشك فيه باليقين و أمّا حيث كان حدوث الموجب للكفارة و التلبية مجهولي التاريخ، نشك في حدوث كل منهما في زمان الآخر و يمكن أن يكون ذاك الآخر الذي نشك في حدوث التلبية في زمانه وجد في الساعة‌

____________

(1)- فرائد الاصول: السابع من تنبيهات للاستصحاب.

(2)- كفاية الاصول: الحادى عشر من تنبيهات الاستصحاب.

99

الثانية أو الثالثة و انه إن وجد في الساعة الثانية يكون زمان الشك فيه متصلا باليقين و إن وجد في الساعة الثالثة انتقض يقيننا بعدمه باليقين بوجوده و يكون الشك فيه في الساعة الثالثة منفصلا عن اليقين بعدمه و يكون اتصال زمان الشك باليقين مشكوكاً فيه و التمسك بقوله (عليه السلام): «لا تنقض اليقين بالشك» لإجراء استصحاب عدمه تمسك بالعموم في الشبهة المصداقية.

و بعبارة اخرى نقول بعد العلم بعدم التلبية و ارتكاب الموجب للكفارة في الساعة الاولى الشك يقع في ان التلبية هل وجد في زمان ارتكاب الموجب الّذي مردد بين كونه الساعة الثانية أو الثالثة فإن كان هو الساعة الثانية يكون الشك في وقوع التلبية فيه متصلا بزمان اليقين بعدمه و إن كان هو الساعة الثالثة يكون الشك في وقوع التلبية فيه منفصلا عن زمان اليقين بعدمه لانتقاضه بوجودها في الساعة الثانية و هكذا يجرى الكلام في الشك في وقوع الموجب في زمان التلبية فلا مجال لجريان الاستصحاب بالنسبة إلى عدم كل منهما في زمان الآخر للشك في اتصال زمان الشك باليقين فمقتضى الأصل ايضاً البراءة عن الكفارة.

و لا فرق في ذلك أي عدم جواز التمسك بالاستصحاب على هذا المبنى أن يكون الأثر مترتباً على إجراء الأصل في كل منهما أو على واحد منهما.

نعم على مسلك الشيخ يجرى الاستصحاب إذا كان الأثر مترتباً على واحد منهما لعدم التعارض.

ثمّ إنه قال بعض الأعاظم: (إنّ في توارد الحالتين جريان الأصلين و تعارضهما يتوقف على ترتب الأثر لكلّ منهما فإن جريانهما معاً غير ممكن و في أحدهما دون الأخر ترجيح بلا مرجّح، و أما إذا كان الأثر مترتباً على أحدهما دون الأخر فلا مانع من جريان الأصل فيه و الرجوع إليه سواء كان المورد من موارد‌

100

مجهولي التاريخ أو كان أحدهما معلوماً و الآخر مجهولا و مقامنا من هذا القبيل لأن ارتكاب الأفعال المنهية قبل التلبية لا أثر له و إنما الأثر يترتب بعد التلبية، فلو شك في أنه هل ارتكب محرما بعد التلبية ليترتب عليه الكفارة أو لم يرتكب شيئاً لم تجب عليه الكفارة لأصالة عدم الارتكاب بعد التلبية و لا تعارض باصالة عدم الارتكاب قبل التلبية لعدم ترتب الأثر على ذلك فأحد الأصلين لا أثر له فلا يجرى‌

و الأصل الآخر الّذي يترتب عليه الأثر يجرى سواء كان المورد مجهول التاريخ أو معلومه و لا مجال للرجوع إلى البراءة بعد إمكان جريان الأصل الموضوعي). (1)

و يمكن أن يقال في جوابه: إن الشّك واقع في أن الفعل المحرم الّذي لا شكّ في وقوعه وقع بعد التلبية أو قبلها لا ان الفعل المحرّم قبل التلبية وقع ام لا يقع حتى يقال بعدم ترتب الأثر على استصحاب عدم وقوعه أو أنه وقع بعد التلبية أم لم يقع حتّى يستصحب عدم وقوعه و عدم ارتكابه و يترتب عليه عدم وجوب الكفارة.

فعلى الصورة الأولى نقول: ان مقتضى استصحاب عدم وقوع الفعل المعلوم وقوعه إلى حين التلبية وقوعه بعد التلبية فيترتب عليه الكفارة و مقتضى استصحاب عدم وقوع التلبية إلى حين وقوعه وقوع التلبية بعده و إن شئت قل: وقوعه قبلها و الاثر المترتب عليه عدم وجوب الكفارة و بذلك يقع التعارض بين الاستصحابين و يسقطان به عن الحجية.

هذا و يمكن أن نقول بعدم وجوب الكفارة في جميع الصور الأربع سواء كان مؤدى الاستصحاب وقوع التلبية بعد ارتكاب موجب الكفارة أو وقوعه بعد التلبية إلا على القول بالأصل المثبت أمّا إذا كان كلاهما مجهولي التاريخ فاستصحاب عدم‌

____________

(1)- معتمد العروة: 2/ 558.

101

التلبية إلى زمان ارتكاب الموجب لا يثبت به كون التلبية بعد ارتكاب الموجب و استصحاب عدم الموجب إلى زمان التلبية لا يثبت به كون الموجب بعد التلبية و كذا إذا كان تاريخ التلبية مجهولا لا يثبت باستصحاب عدمها إلى زمان الارتكاب المعلوم كونها بعد ارتكاب الموجب و لو كان زمان ارتكاب الموجب مجهولا لا يثبت باستصحاب عدمه إلى زمان التلبية المعلوم وقوعه بعد التلبية فعلى ذلك كلّه المرجع‌

في المسألة هو البراءة عن وجوب الكفارة.

[الثالث من واجبات الإحرام لبس الثوبين]

الثالث من واجبات الإحرام لبس الثوبين

قال في الجواهر: (بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به في المنتهى و المدارك بل في التحرير الإجماع على ذلك بل قصّر الشيخ و بنو حمزة و البراج و زهرة و سعيد، الإحرام في ثوب على الضرورة بل عن القاضي منهم التصريح بعدم جواز الإحرام في ثوب إلا لضرورة، كل ذلك مضافاً إلى الأمر بلبس الثوبين في المعتبرة المستفيضة كصحيحي ابني عمار (1) و وهب (2)، و صحيح هشام بن الحكم (3) و غيرها و إن كان هو في سياق غيره مما علم ندبه خصوصاً بعد ملاحظة ما سمعته من الإجماع و إلى التأسي بالنبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و أئمة الهدي (عليهم السلام) فإن ثوبي رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) اللذين أحرم فيهما كانا يمانيين عبري و أظفار و فيهما كفن على ما رواه ابن عمار (4) عن الصادق (عليه السلام) و في مرسل الحسن بن علي عن بعض اصحابنا عن بعضهم (عليهم السلام) «أحرم رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) في‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الاحرام ح 4.

(2)- وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب الاحرام ح 3.

(3)- وسائل الشيعة: ب 8 من ابواب الاحرام ح 1.

(4)- وسائل الشيعة: ب 27 من ابواب الاحرام ح 2.

102

ثوبى كرسف» (1) فما في كشف اللثام من أن لبس الثوبين إن كان على وجوبه إجماع كان هو الدليل و إلا فالأخبار الّتي ظفرت بها لا تصلح مستنداً له مع ان الأصل العدم و كلام التحرير و المنتهى يحتمل الاتفاق على حرمة ما يخالفهما و التمسك بالتأسي أيضا ضعيف فإنّ اللبس من العادات إلى أن يثبت كونه من العبادات و فيه الكلام-

لا يخفى عليك ما فيه. (2)

أقول: أمّا الاستدلال بالإجماع فلا يتم بعد احتمال كون مستند القائلين بالوجوب الرّوايات إلا أن يدعى أن المغروس في الأذهان من العصر الأول وجوب لبس الثوبين بحيث كان المسألة عندهم بمكان من الوضوح غنية عن السؤال.

و أمّا الرّوايات فمما أشار إليه في الجواهر صحيح بن عمّار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا انتهيت إلى العقيق من قبل العراق أو إلى الوقت من هذه المواقيت و أنت تريد الإحرام إن شاء الله فانتف إبطك و قلّم أظفارك و اطل عانتك و خذ من شاربك و لا يضرك بأي ذلك بدأت ثمّ استك و اغتسل و البس ثوبيك و ليكن فراغك من ذلك أن شاء الله عند زوال الشمس و إن لم يكن عند زوال الشمس فلا يضرك غير إنّى أحبّ أن يكون ذلك مع الاختيار عند زوال الشمس» (3).

و في الاستدلال به أن وقوع الأمر بلبس الثوب في سياق الاوامر المتعددة بغيره من المستحبات يمنع عن انعقاد ظهوره في الوجوب.

و صحيح معاوية بن وهب قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن التهيؤ للإحرام؟ فقال: اطل بالمدينة فإنّه طهور و تجهّز بكل ما تريد و إن شئت استمتعت بقميصك‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 27 من ابواب الاحرام ح 3.

(2)- جواهر الكلام: 18/ 232.

(3)- الكافي: 4/ 326 وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب الاحرام ح 4.

103

حتّى تاتى الشجرة فتفيض عليك من الماء و تلبس ثوبيك إن شاء الله (1).

و لا دلالة فيه أيضاً على وجوب لبس الثوبين غاية الأمر يدلّ على وجوب خلع مثل القميص.

و أما صحيح هشام بن الحكم الّذي أشار إليه إن كان ما رواه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «مر موسى النبي (عليه السلام) بصفائح الروحاء على جمل احمر خطامه من ليف عليه عباءتان قطوانيتان و هو يقول: ليبك يا كريم لبيك قال: و مرّ يونس بن متى ... و مرّ عيسى بن مريم ... و مرّ محمد: بصفاح الروحاء و هو يقول: لبيك ذا المعارج لبيك» (2).

فليس فيه ما يدل على وجوب لبس الثوبين.

و لعل كان مراده صحيح هشام بن سالم قال: «أرسلنا إلى أبي عبد الله (عليه السلام) و نحن جماعة و نحن بالمدينة أنا نريد أن نودعك فأرسل إلينا أن اغتسلوا بالمدينة فإنّي أخاف أن يعز الماء عليكم بذي الحليفة فاغتسلوا بالمدينة و البسوا ثيابكم الّتي تحرمون فيها ثمّ تعالوا فرادى أو مثاني» (3) و لكن دلالته ايضاً على وجوب لبس الثوبين بل استحبابه ممنوعة كغيره و التأسى بالنبي (صلى الله عليه و آله و سلم) و بأئمة الهدي (عليهم السلام) محبوب مطلوب مطلقاً لكن وجه أفعالهم (عليهم السلام) من الوجوب و الندب لا يعرف بمجرد أفعالهم.

و ما رواه ابن عمار عن الصادق (عليه السلام) قال: «كان ثوبا رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) الذين أحرم فيهما يمانيين عبرى و أظفار و فيهما كفن» (4) لا يدلّ على الوجوب كما لا يخفى.

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب الاحرام ح 3.

(2)- وسائل الشيعة: ب 40 من أبواب الاحرام ح 6.

(3)- وسائل الشيعة: ب 8 من أبواب الاحرام ح 1.

(4)- وسائل الشيعة: ب 27 من أبواب الاحرام ح 2.

104

و كذا مرسل الحسن بن على (1) أيضا فإن غاية ما يستفاد منه رجحان الإحرام أو اباحته في ثوب الكرسف، إذاً فالاستدلال بالروايات لا يكفي في إثبات الوجوب لعدم ظهورها في ذلك و هذا يقوى حجية الإجماع في المسألة لعدم وجود‌

خبر ظاهر في الوجوب يكون دليلا للمجمعين فالظاهر انّ وجوب لبسهما كان مفروغاً عنه عند الجميع و لا ريب ان ذلك مقتضى الاحتياط فلا يترك في مثل المسألة و الله هو العالم.

[فروع]

[الفرع الأول] كيفية ثوبى الاحرام

ثمّ ان هنا فروع الاول: بناء على وجوب الاتزار و الارتداء بل و استحبابهما هل يكفي في أداء الوجوب أو الاستحباب الاتزار و الارتداء بثوب واحد أو لا بدّ و أن يكون بثوبين قال الشهيد أعلى الله درجته في الدروس:

(و لو كان الثوب طويلا فاتزر ببعضه و ارتدى بالباقى أو توشّح به أجزأ). (2)

و لكن الظّاهر مما حكي في الجواهر عن الشيخ و بنو حمزة و البراج و زهرة و سعيد قصر الإحرام في ثوب على الضرورة قال: (بل عن القاضي منهم التصريح بعدم جواز الإحرام في ثوب إلّا لضرورة). (3)

فالظّاهر أن المسألة ليست إجماعيّة و مقتضى الجمود على النصوص وجوب الثوبين إلّا أن يقال: أن ذلك كان حسب جريان العادة بالاتّزار و الارتداء بهما و إلّا فلا فرق بين الثوبين و الثوب الّذي يشمل من الجسم ما يشملاه و مقتضى الأصل‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 27 من ابواب الاحرام ح 3.

(2)- الدروس الشرعية 1/ 344.

(3)- جواهر الكلام: 18/ 233.