فقه الحج - ج3

- الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني المزيد...
422 /
105

عدم تقيد الاتزار و الارتداء بثوبين فيكفي الإتيان بالأقل و هو ثوب واحد.

و يمكن أن يكون مراد من قال بعدم جواز الإحرام في ثوب واحد إلّا في الضرورة الاكتفاء بالإزار مع إمكان الأزيد لا عدم جوازه في ثوب طويل يتزر‌

ببعضه و يرتدي بالباقى كما اختاره الشهيد و لكن استقرار السيرة على الارتداء و الاتزار بثوبين و الأمر بهما في الرّوايات دون ذكر و سؤال فيها عن الاكتفاء بثوب واحد يمنعنا عن الجزم على كفاية ثوب واحد فالاحتياط لا يجوز تركه في حال الاختيار.

[الفرع الثاني] اشتراط الاحرام بلبس الثوبين

الفرع الثاني قال الشهيد رفع الله درجته في الدروس: (و هل اللبس من شرائط الصحَّة حتى لو أحرم عارياً أو لابساً مخيطاً لم ينعقد نظر، و ظاهر الاصحاب انعقاده حيث قالوا: لو أحرم و عليه قميص نزعه و لا يشقه و لو لبسه بعد الإحرام وجب شقّه و اخراجه من تحت كما هو مروي و ظاهر ابن الجنيد اشتراط التجرد) (1).

أقول: الكلام يقع في المقامين.

المقام الأول: في أن التجرد من لبس المخيط هل هو شرط في انعقاد الإحرام أم لا: فما يستفاد من الرّوايات عدم اشتراطه به ففي صحيح معاوية بن عمار عن أبى عبد الله (عليه السلام) قال: «يوجب الإحرام ثلاثة أشياء التلبية و الإشعار و التقليد فإذا فعل شيئاً من هذه الثلاثة فقد أحرم». (2) و إطلاقه ينفى اشتراط- انعقاده بالتجرد كما ينفى‌

____________

(1)- الدروس الشرعية: 1/ 345.

(2)- وسائل الشيعة: ب 12 من أبواب أقسام الحج ح 20.

106

اشتراطه بلبس الثوبين.

و في صحيحه الآخر (1) الّذي رواه ابن أبي عمير عنه و و عن غير واحد عن‌

أبى عبد الله (عليه السلام): «في رجل أحرم و عليه قميصه؟ فقال: ينزعه و لا يشقه، و إن كان لبسه بعد ما أحرم شقّه و أخرجه مما يلى رجليه»، و ظاهره عدم اشتراط- انعقاد الإحرام بالتجرد اذ لو كان مشروطاً به لكان الجواب إنَّه يعيد إحرامه نعم يمكن أن يقال: بأن الظّاهر أنه كان جاهلا بالحكم أو هو مطلق بالنسبة إلى الجاهل و الناسى.

و هل يقيد اطلاق صحيحه الاولى و إطلاق الثاني على القول به بصحيح عبد الصمد بن بشير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «جاء رجل يلبّى حتى دخل المسجد و هو يلبّى و عليه قميصه فوثب إليه أناس من أصحاب أبي حنيفة فقالوا: شقّ قميصك و أخرجه من رجليك فإنّ عليك بدنة، و عليك الحج من قابل، و حجّك فاسد فطلع أبو عبد الله (عليه السلام) فقام على باب المسجد فكبر و استقبل الكعبة فدنى الرجل من أبي عبد الله (عليه السلام) و هو ينتف شعره و يضرب وجهه فقال له أبو عبد الله (عليه السلام) أسكن يا عبد اللّه فلمّا كلمه- و كان الرجل اعجميّاً- فقال أبو عبد الله (عليه السلام) ما تقول: قال: كنت رجلا أعمل بيدى فاجتمعت لي نفقة فجئت أحج لم أسأل أحداً عن شي‌ء فأفتوني هؤلاء أن أشقّ قميصي و أنزعه من قبل رجلي و أنّ حجّي فاسد و انَّ علي بدنة فقال له: متى لبست قميصك أ بعد ما لبَّيت أم قبل؟ قال: قبل أن ألبّى قال: فاخرجه من رأسك فإنّه ليس عليك بدنة، و ليس عليك الحجّ من قابل أيّ رجل ركب أمراً بجهالة فلا شي‌ء عليه طف بالبيت سبعاً و صلِّ ركعتين عند مقام إبراهيم (عليه السلام) واسع بين الصفا و المروة و قصر من شعرك فإذا كان يوم التروية فاغتسل و أهلِّ بالحجّ‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 45 من ابواب تروك الاحرام ح 2.

107

و اصنع كما يصنع الناس». (1)

فإنه يدل على أنّ صحة الحج و عدم الكفارة إذا هو أحرم في قميصه مشروطان بالجهل و مفهومه عدم صحة الحج و وجوب الكفارة إذا لم يكن ذلك عن الجهل و هذا‌

هو معنى اعتبار التجرد عن المخيط في الإحرام.

هذا و يمكن أن يقال: أنّ الحكم بعدم الكفارة في صورة الجهل بالحكم الّذي يستفاد منه أن عليه الكفارة إذا كان عالماً بوجوب النزع حكم تركه نزع القميص بعد الإحرام و استمرار التقمّص به فلا تدلّ على شرطيّة التجرد في حصول الإحرام كما أنّ صحيح ابن عمّار الثاني أيضاً يدلّ على أنه ينزع اللباس الّذي هو فيه عند الإحرام و التلبية و لا يشقّه و بعبارة أخرى سؤال السائل بقرينة الجواب راجع إلى كيفيّة نزعه و لا يستلزم ذلك كون التجريد عن المخيط واجباً في حال الإحرام شرطاً أو تعبداً نعم يجب ذلك بعد انعقاد الإحرام.

لا يقال: قوله و ليس عليك الحج من قابل يدل على شرطيّة التجرّد في انعقاد الإحرام و صحّة الحج.

فانه يقال: ان الحكم بعدم الحج من قابل مطلق لا يدور مدار الجهل بوجوب نزع القميص فان ترك ذلك عالماً أيضا لا يفسد حجَّه حتَّى يترتب عليه الحج من قابل.

مضافا الى انه يمكن ان يقال: اذا كان المنطوق و ما يترتب بجهالة سالبة كلية يكون مفهومه موجبة جزئية يعنى اذا لم تركبه بجهالة فعليه شي‌ء فيمكن‌

____________

(1)- تهذيب الاحكام: 5/ 72 ح 239/ 47 وسائل الشيعة: ب 45 من أبواب تروك الاحرام ح 3.

108

ان يكون ما عليه الكفارة لا بطلان الحج.

فتحصل من ذلك كلِّه أنّ التجرد عن المخيط ليس شرطاً في انعقاد الإحرام نعم يجب تكليفاً نزعه بعد انعقاده.

المقام الثانى: في أن وجوب لبس الثوبين هل تعبديّ حتّى ينعقد الإحرام بدونهما أو شرطيّ لا ينعقد الإحرام بدونه و إن شئت قل: هل لبس الثوبين في حال إنشاء الإحرام و التلبية شرط- من شرائط الإحرام فلا يتحقق الّا به أو هو كسائر الأعمال الواجبة في الحج ممّا لا يضر فقده مطلقاً أو في الجملة بالإحرام و الحج، ظاهر ما تعلق الأمر باتيانه في ضمن الواجبات كونه من أجزاء الواجب الواجبة أو المستحبة فإذا كان واجباً يحكم بأنه من أجزائه الواجبة فلا بدّ من الإتيان به و لا يجزي ما كان فاقداً له أمّا في الحج حيث إنّ أكثر ما فيه من الواجبات لا يترتب على‌

تركه بطلانه إمّا مطلقاً أو في صورة الجهل و النسيان فلا يدل مجرد وجوب فعل فيه على اشتراطه به أو على كونه جزء من أجزائه يفوت بفوته الحج فلا بدَّ من ملاحظة دليل الحكم و استظهار كيفيّة الوجوب منه و قد ثبت في محلّه أن قضيّة إطلاق الصيغة كون الوجوب نفسيّاً و ذلك لأنَّ وجوب شي‌ء للغير أمر زائد على نفس الوجوب يحتاج إلى التنبيه عليه بخلاف النفسي فانه ليس فيه امر زائد على نفسه.

فعلى هذا مقتضى إطلاق الأمر بالثوبين كون الوجوب المستفاد منه نفسياً هذا مضافاً إلى ما في الرِّوايات من الدلالة على ذلك منها صحيح معاوية بن عمار الأول الّذي سبق ذكره في المقام الأوّل بل و صحيحه الثاني «في رجل أحرم و عليه قميصه فقال ينزعه و لا يشقه و إن كان لبسه بعد ما أحرم شقّه و أخرجه ممّا يلى رجليه» فإنه يستفاد من السؤال و الجواب صحة الإحرام في القميص و انما السائل سئل عن كيفية نزع المخيط إذا وقع الإحرام في المخيط لانه إن أخرجه من رأسه يقع في محذور‌

109

ستر الرأس.

و أما تقييد هذا الصحيح بصحيح عبد الصمد الّذي مرَّ ذكره كما حكى عن الحدائق فيظهر جوابه مما ذكرناه في المقام الأول.

و أما الاستناد بصحيح آخر لمعاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إن لبست ثوباً في إحرامك لا يصلح لك لبسه فلبّ و أعد غسلك و إن لبست قميصاً فشقّه و أخرجه من تحت قدميك» (1) لبطلان التلبية إذا لم يكن لابساً لثوبي الإحرام فلا يصحّ لأنَّ الظّاهر أن السؤال فيه وقع عن لبس الثوب الّذي لا يصلح للمحرم لبسه بعد تحقّق الإحرام كما يدل عليه الحكم بشق القميص و إخراجه من تحت قدميه‌

فالظاهر انّ مفاده الفرق بين القميص و غيره من الثياب كالقباء و أما تجديد التلبية و الغسل في هذه الصورة فهو محمول على الاستحباب و الله هو العالم.

[الفرع الثالث] وجوب لبس ثوبى الاحرام على المرأة

الفرع الثالث: هل وجوب لبس الثوبين على القول به مختصّ بالرّجل أو يعم المرأة؟ و ليقدم على البحث فيه البحث عن وجوب أصل اللبس عليها فلا ينعقد إحرامها عارية عن اللّباس و لو لم يكن الناظر المحترم أو ينعقد ذلك في حال عريها عن اللّباس.

و يمكن إجراء البحث على نحو يشمل الجنسين (الذكر و الأنثى) بأن نقول: على القول بعدم وجوب لبس الثوبين حتى على الرجل هل يجب ستر العورة في حال الإحرام و التلبية بالوجوب النفسي أو الشرطي أم لا؟

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 45 من ابواب تروك الاحرام ح 5.

110

يمكن أن يقال: إذا حملنا الرّوايات الّتي فيها الأمر باللبس على ما جرت به العادة و وجوب الستر عن الناظر المحترم يمكن أن يقال بانعقاد الإحرام في حال التجرّد عن اللّباس إذا لم يكن هنا الناظر المحترم بل و يمكن أن يقال: ينعقد و إن كان عند الناظر المحترم.

و على ذلك لا دليل على شرطيّة ذلك في تحقّق الإحرام فالأصل البراءة عنه و لا يدلّ على وجوب ستر العورة ما يدل على وجوب لباس الإحرام على المرأة كموثّق يعقوب بن يونس قال: «سئل أبا عبد الله (عليه السلام) عن الحائض تريد الإحرام؟ قال: تغتسل و تستثفر و تحتشى بالكرسف و تلبس ثوباً دون ثياب إحرامها» (1) و خبر زيد الشحّام عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألت عن امرأة حاضت و هي تريد الإحرام فتطمث قال: تغتسل و تحتشي بكرسف و تلبس ثياب الإحرام و تحرم». (2)

فإن وزانهما وزان ما ورد فيه الأمر بلبس الثوبين مطلقاً فإن حملناه على ما جرت به العادة أو الاستحباب نحملها أيضاً على ذلك.

فعلى هذا يمكن دعوى عدم الدليل على وجوب ستر العورة في حال إنشاء الإحرام و التلبية. نعم: ادّعى البعض عدم الخلاف في المسألة.

و يمكن أن يقال: أن ذلك مفروغ عنه عندهم فلا يسأل عن مثل ذلك فتأمل.

و بعد القول بوجوب ستر العورة هل يجب على المرأة ستر تمام بدنها كما يجب عليها في الصلاة او يكفي لها أيضاً ستر عورتها و هذه المسائل كما ترى محل الإشكال و مقتضى الأصل البراءة و لكن النفس كأنها تأبى من الفتوى بعدم الوجوب فالاحتياط- لا يترك.

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 48 من أبواب الاحرام ح 2.

(2) وسائل الشيعة: ب 48 من أبواب الاحرام ح 3.

111

و أمّا المسألة الاولى فالبحث عنها إنَّما يأتي على القول بوجوب لبس الثوبين في انّه يعمّ الرجل و المرأة أو يختص بالرجل؟

قال في الجواهر: (الظّاهر عدم وجوب لبس ثوبين لخصوص الإحرام للمرأة تحت ثيابها و إن احتمله بعض الأفاضل بل جعله أحوط- و لكن الأقوى ما عرفت خصوصاً بعد عدم شمول النصوص السابقة للأناث إلا بقاعدة الاشتراك الَّتي يخرج عنها هنا بظاهر النصّ و الفتوى و الله العالم) (1).

و ظاهر كلامه عدم القائل بوجوبه على المرأة و عدم تمامية التمسك بقاعدة‌

الاشتراك لشمول النصوص للاناث و ذلك لجواز لبس المخيط لهن دون الرجال فلا حاجة عرفا و عادة لهن إلى لبس الإزار و الرداء و ادّعى مضافاً إلى ذلك ظهور النص و الفتوى في الاختصاص و عدم الاشتراك و لعلّ ذلك الاستظهار مبنى على ما ذكر.

و لكن استشكل في ما أفاده في الجواهر في المستمسك فقال: (إنّ الفتاوى مطلقة و لم أقف على من قيد الوجوب بالرّجل إلا البحراني في حدائقه، و أمّا النصوص- فإن تمّت دلالتها على الوجوب- فالخطاب فيها للرجل كغيرها من أدلة التكاليف الّتي كان البناء على التعدي فيها من الرّجال إلى المرأة مع أن في بعض النصوص ما يظهر منه ثبوت الحكم فيها ففي موثق يونس بن يعقوب قال ... و خبر زيد الشحام ... و ذكر الخبرين بتمامهما (2).

أقول: أمّا الفتاوى فهي كما ذكره مطلقة غير أن الحدائق كما ذكره قيد وجوبهما بالرجل و إليك كلامه بلفظه (الثالث لبس ثوبي الإحرام للرجل و وجوبه اتفاقي بين الأصحاب قال في المنتهى إنّا لا نعلم فيه خلافاً. انتهى) (3) ثمّ استدل على‌

____________

(1)- جواهر الكلام: 18/ 245.

(2)- مستمسك العروة: 11/ 425.

(3)- الحدائق الناضرة: 15/ 75.

112

ما ذكر بالروايات فكأنَّ كون الحكم مختصاً بالرجال كان مفروغاً عنه عنده و كذلك النصوص أيضاً ظاهرة عنده في الاختصاص و إن كانت مطلقة باللفظ.

و بالجملة فالّذي يراه المستمسك وجه الإشكال في اختصاص الحكم بالرّجل اطلاق الفتاوى و إطلاق النصوص و عدم كون الرجل مخاطباً للحكم سبباً للاختصاص به إذا لم يكن هنا وجه فارق بينهما كسائر الخطابات الواردة في الأحكام الّتي يتعدى فيها من الرجل إلى المرأة امّا بقاعدة الاشتراك أو بعدم الفرق بينهما و الغاء العرف خصوصية الجنسيّة فيه و لما يظهر من مثل الخبرين المذكورين.

و لكن يمكن أن يقال: ان احتمال الفرق بينهما في مثل هذا الحكم وجيه فإنّ المرأة يجوز لها لبس ثيابها و الإحرام في المخيط فكما أن حرمة لبس المخيط مختصّ بالرجال يجوز أن يكون وجوب لبس غير المخيط أيضا مختصاً بهم و النصوص و الفتاوى إمّا محمولة على الاختصاص أو على الإجمال فالقدر المتيقن منها وجوب لبس الثوبين على الرجال و مقتضى الأصل براءة النساء عن لبسهما.

و أمّا الرّوايات فيمكن أن يكون المراد من ثياب إحرامها فيها ما كان متعارفاً بينهم من ثياب خاصّ كالبياض و إلا ليقول: ثوبى إحرامها مضافاً إلى أن مثل هذه الرّوايات ليس في مقام بيان وجه الحكم وجوباً أو استحبابا. و الله هو العالم.

[الفرع الرابع:] كيفية لبس ثوبى الاحرام

الفرع الرابع: قال في الجواهر: (و أمّا كيفية لبسهما فظاهر الأصحاب الاتفاق على الاتزار بأحدهما كيف شاء بل صرّح في الدروس بجواز عقده بخلاف الرداء‌

113

لكن في خبر سعيد الأعرج عن الصادق (عليه السلام) نهى عن عقده في عنقه (1) و كذا خبر علي بن جعفر المروي عن كتاب مسائله و عن قرب الإسناد للحميرى (2) عن أخيه (عليه السلام): «المحرم لا يصلح له ان يعقد إزاره على رقبته، و لكن يثنيه و لا يعقده» و عن الاحتجاج (3) للطبرسى انّ محمد بن جعفر الحميري كتب إلى صاحب الزمان (عليه السلام): هل يجوز أن يشدّ عليه مكان العقد تكة؟ فأجاب (عليه السلام): لا يجوز شدّ المئزر‌

بشي‌ء سواه من تكة أو غيرها، و كتب أيضاً يسأله: هل يجوز أن يشدّ المئزر على عنقه بالطول أو يرفع من طرفيه إلى حقويه و يجمعهما في خاصرته و يعقدهما و يخرج الطرفين الآخرين بين رجليه و يرفعهما إلى خاصرته و شدَّ طرفه إلى وركيه فيكون مثل السراويل يستر ما هناك فإنّ المئزر الأوّل كنا نتزر به إذا ركب الرّجل جمله انكشف ما هناك و هذا أستر فأجاب (عليه السلام) جائز أن يتزر الإنسان كيف شاء إذا لم يحدث في المئزر حدثاً بمقراض و لا ابرة يخرجه عن حدّ المئزر غرزه غرزاً و لم يعقده و لم يشد بعضه ببعض و إذا غطّى السرة و الركبة كليهما فإن السنّة المجمع عليها بغير خلاف تغطية السرة و الركبة و الأحب إلينا و الأكمل لكلِّ أحد شدُّه على السبيل المعروفة المألوفة للناس جميعاً إن شاء اللّه تعالى. (4)

أقول: أمّا خبر سعيد الأعرج فالظاهر أنَّه موثّق لأن الصَّدوق رواه عن أبيه رضي الله عنه عن سعد بن عبد الله عن أحمد بن محمد بن عيسى عن أحمد بن محمد بن أبى نصر البزنطى عن عبد الكريم بن عمرو الخثعمى عن سعد بن عبد الله الأعرج الكوفي فهو موثق ليس بصحيح لأن عبد الكريم بن عمرو الواقع في السند كان واقفياً‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 53 من أبواب تروك الاحرام ح 1.

(2)- وسائل الشيعة: ب 53 من أبواب تروك الاحرام ح 5.

(3)- وسائل الشيعة: ب 53 من أبواب تروك الاحرام ح 3 و 4.

(4)- جواهر الكلام: 18/ 236 و 237.

114

و وصف بالخباثة إلا أنه حكى عن النجاشي أنه كان ثقة ثقة فالتعبير عن الخبر بالصحيح ليس في محلّه إلا أن يستند ذلك إلى كون الراوي عنه و هو البزنطي من أصحاب الإجماع أجمع أصحابنا على تصحيح ما يصحُّ عنه فبهذا الاعتبار صحيح لا باعتبار المعروف بين المتأخرين و من لا يعتد في الاعتماد على الخبر بذلك.

و كيف كان لفظه هكذا: «إنّه سأل أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يعقد إزاره في عنقه؟ قال: لا». و هذا يدلّ على المنع من خصوص عقد الإزار في العنق لا مطلقاً.

و أما خبر علي بن جعفر في كتابه و في قرب الإسناد فقد ذكرنا لفظه عن الوسائل و لكن في قرب الإسناد المطبوع بأمر سيدنا الأستاذ أعلى الله درجته ذكر «و لكنه يثبته» و لفظ- «لا يصلح له» ليس ظاهراً في الكراهة غاية ما يمكن أن يقال: عدم ظهوره في الحرمة أيضاً و مقتضى ظاهر موثق سعيد حرمة عقد إزاره في عنقه.

و أمّا خبر الاحتجاج فهو يدل على عدم جواز عقده مطلقاً إلا أن يحمل قوله «و لم يعقده» على العقد في العنق الَّذي جرى به سيرتهم في الإزار لكن ردَّ بضعف السند فلا يعتمد عليه.

هذا كلّه في الإزار و أمّا الرداء فالظاهر انّه لا يعتبر فيه إلا ما يصدق به الارتداء و إن كان الأحوط- عدم عقده بل كونه ساتراً للمنكبين كما أن الأحوط- في الإزار أيضاً كون الإزار ساتراً للسرة و الرّكبة و إن كان يكفي ما هو أقل من ذلك إذا كان الازار صادقاً عليه و الله هو العالم.

لبس الثوبين قبل النية و التلبية

و هل يجب لبس الثوبين قبل النيّة و التلبية أو يكفي و إن لبسهما بعد ذلك أمّا على القول بكونهما شرطاً في تحقّق الإحرام فيمكن أن يقال: إنّ كونهما شرطاً أعم‌

115

من ذلك فيمكن أن يكون لبسهما متمماً للإحرام و لكنه خلاف الظّاهر فإن الشرط على المتعارف يعتبر مقارناً للعمل أو مقدماً عليه فغاية ما يقال: إن التلبية و اللبس إذا أوقعا متقارنين يكفي في تحقّق الإحرام بشرطه بل الظّاهر من الأدلّة انّه يشترط- أن يكون لابساً ثوبيه عند انشاء الإحرام.

و بعبارة اخرى يشترط- أن يكون إنشاء الإحرام في حال لبس الثوبين كالصلاة فإنّها مشروطة بكون إنشاء تحريمها في حالة ستر العورة و الطَّهارة عن‌

الحدث و الخبث فعلى القول بالاشتراط- الظّاهر انّه مشروط- بكونه حال الإحرام.

و أمّا على القول بالوجوب النفسي فالظاهر انه واجب حين إنشاء الإحرام فيجب أن يكون متلبساً بهما من أول آنات إنشاء الإحرام و لا يتحقّق ذلك إلا باللّبس بهما قبل الإحرام و لو آناً ما و الله هو العالم.

[مسألة 25:] الاحرام في القميص

مسألة 25: لا يخفى عليك انّه ينعقد الإحرام في القميص جهلا أو نسياناً سواء كان لابساً ثوبي الإحرام أو لم يلبسهما و ذلك لأنّ عدم انعقاده بقول مطلق يترتّب على كون التجرّد عن القميص و لبس الثوبين شرطاً لانعقاد الإحرام و أمّا على القول المختار فينعقد الاحرام في القميص في الصورتين إذا أحرم فيه جاهلا و نسياناً و لو أحرم فيه عالماً عامداً فمقتضى عدم الشرطيّة تحقّق الإحرام.

و لكن يمكن أن يقال: إنا إذا بنينا على أنّ الإحرام هو توطين النفس على ترك المحرمات و العزم عليه يكون ارتكاب هذه المحرمات بعضاً أو كلا مناف لذلك العزم لا يجتمعان.

116

و أمّا إن قلنا بأن الإحرام إنشاء إحرام المحرَّمات و تحريمها على نفسه و الالتزام و البناء عليه فلا مانع من انعقاده و إن لم يكن عازماً على تركها و كذا لو قلنا بان الإحرام ليس إلا التلبية بقصد الدخول و الشروع في الحجّ و يترتب عليها بحكم الشَّارع حرمة الأفعال المعيَّنة.

و يمكن أن يقال: إنَّ العزم على ترك المحرمات أو إنشاء تحريمها مع التلبّس بالقميص إذا كان هو فاعلا بمقتضاه فيخلع القميص بمجرد العزم و الإنشاء لا يضر‌

بتحقق الإحرام بتحقق العزم و الإنشاء.

نعم إذا كان قاصداً لبس القميص استدامة بعد العزم و التوطين آناً ما ينافي ذلك تحقّق العزم و البناء على ترك المحرمات. و الله العالم.

[مسألة 26] حكم لبس ثوبى الاحرام استدامة

مسألة 26: لا ريب في أنّ لبس المخيط على الرجل المحرم حرام عليه بتمام أفراده و في جميع حالاته إلى أن يتحلل منه.

و بعبارة اخرى واجب عليه التجرد عن المخيط إحداثاً و إبقاءً و استدامة حتّى يتحلل منه و أمّا لبس الثوبين فعلى القول بوجوبه فلا يجب إلا في الزمان المقارن للنيّة و التلبية.

و أمّا استدامته فلا ريب في عدم وجوبها فيجوز له نزعها لإزالة الوسخ أو للتطهير أو لسائر الدواعي فيجوز له التجرد منهما مع الأمن من النظر أو كون العورة مستورة بشي‌ء آخر.

و هل على القول بوجوب لبسهما هو مقيَّد بالزمان المقارن للنيّة و التلبية فإن نسي ذلك يجب تداركه بعد ذلك محل الإشكال فالأحوط- لبسهما و الأحوط إعادة التلبية و الله هو العالم.

117

[مسألة 27] جواز لبس الزيادة على الثوبين

مسألة 27: لا خلاف بينهم كما في بعض الكلمات في جواز لبس الزيادة على الثوبين ابتداءً أو في أثناء الأعمال للاتقاء عن الحر و البرد بل

مطلقاً للأصل و للروايات.

أمّا اتقاء عن الحر و البرد فيدلّ عليه صحيح الحلبي قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يتردّى بالثوبين؟ قال: نعم و الثلاثة إن شاء يتقى بها البرد و الحر» (1).

و مورد السؤال و الجواب و إن كان الرداء إلا أن الظّاهر اتحاد الرداء و الإزار في مثل هذا الحكم و الشاهد على ذلك صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام): «سألته عن المحرم يقارن بين ثيابه و غيرها الَّتي أحرم فيها؟ قال (عليه السلام): لا بأس بذلك إذا كانت طاهرة» (2) و هذا الصحيح يدل على جواز ذلك في صورة الاختيار فلا عبرة باقتصار جماعة كما قيل على مضمون صحيح الحلبي و يدلّ أيضاً على اشتراط- الطَّهارة فيه بل اعتبار كل ما هو شرط- في ثوبي الإحرام فيه بدعوى الغاء الخصوصيّة و عدم الفرق بين الطَّهارة و غيرها.

[مسألة 28] جواز احرام النساء في الحرير

مسألة 28: مقتضى ما ذكرناه في المسألة السابقة جواز إحرام النساء في الحرير و الذّهب لأنّ قوله في الصحيح (كل ثوب ...) يشمل الرجل و المرأة كل منهما حسب تكليفه فالمرأة تحرم في الحرير لأنَّه ثوب تصلِّي

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 30 من أبواب الاحرام ح 1.

(2)- وسائل الشيعة: ب 30 من أبواب الاحرام ح 2.

118

فيه و لا تحرم في المتنجِّس و غير المأكول و الميتة لأنها لا تصلى فيها و لكن مع ذلك وقع الكلام في جواز إحرامه في الحرير فجوَّزه بعضهم كالمفيد في كتاب أحكام النساء و ابن إدريس في السرائر و العلَّامة في القواعد

و غيرهم على ما حكى عنهم و منعه الصدوق و الشيخ على ما حكى عنهما و ربَّما يسند ذلك إلى ظاهر عبارتي المفيد و السيّد. (1)

و ما هو المستند للقول بالجواز الأصل و الرّوايات مثل صحيح حريز السابق «كل ثوب يصلي» و صحيح يعقوب بن شعيب قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): المرأة تلبس القميص تزره عليها و تلبس الحرير و الخز و الديباج؟ فقال: نعم لا بأس به و تلبس الخلخال و المسك» (2) و احتمال كون سؤاله عن حكم مطلق لبسها ما ذكر أو لبسها في حال الصلاة ضعيف جداً لمعلومية جواز لبسها في غير حال الصلاة بل و في حالها إذاً فالسؤال لا يكون إلا عن لبسها في حال الإحرام كما صرَّح به في الجواهر. (3)

و ما رواه في الكافي عن عدة من أصحابنا عن سهل بن زياد عن منصور بن العباس (4) عن إسماعيل بن مهران (5) عن النضر بن سويد (6) عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن المرأة المحرمة أي شي‌ء تلبس من الثياب؟ قال: تلبس الثياب كلها‌

____________

(1)- جواهر الكلام: 18/ 242 و 243.

(2)- الوسائل: ب 33 من أبواب الإحرام، ح 1، المسكة على ما حكى عن النهاية بالتحريك السوار من الذبل و هى قرون الاوعال، و قيل جلود دابة بحرية.

(3)- جواهر الكلام: 18/ 243.

(4)- الرازى سكن بغداد مضطرب الأمر له كتاب من السابعة.

(5)- السكونى أبو يعقوب ثقة معتمد عليه و قيل فيه غير ذلك من صغار السادسة.

(6)- له كتاب ثقة صحيح الحديث ... من السادسة.

119

الا المصبوغة بالزعفران و الورس و لا تلبس القفازين و لا حلياً تتزين به لزوجها و لا تكتحل إلا من علَّة و لا تمس طيباً و لا تلبس حلياً و لا فرنداً و لا بأس بالعلم في الثوب» (1)

و هذا يدل على جواز لبسها الحرير بالإطلاق.

و مستند القول بعدم الجواز الصحيح الّذي رواه ايضاً الكلينى بسنده عن عيص بن القاسم قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): المرأة المحرمة تلبس ما شاء من الثياب غير الحرير و القفَّازين و كره النقاب الحديث» (2).

و ما رواه أيضاً الكليني عن العدة عن سهل بن زياد عن أحمد بن محمد أو غيره عن داود بن الحصين (3) عن ابي عيينة (4) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) ما يحل للمرأة أن تلبس و هي محرمة قال: الثياب كلّها ما خلا القفازين و البرقع و الحرير قلت: تلبس الخزّ قال: نعم قلت: فإن سداه [-] الابريسم و هو حرير؟ قال ما لم يكن حريراً خالصاً فلا بأس» (5).

و خبر اسماعيل بن الفضل (6) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المرأة هل يصلح‌

____________

(1)- الكافي: 4/ 344 القفاز كرمّان شي‌ء يعمل لليدين و يحشى بقطن تلبسها المرأة للبرد أو ضرب من الحلى لليدين و الرجلين و الفرند بكسر الفاء و الراء ثوب معروف (الجواهر) ..

(2)- الكافى: ج 4/ 344.

(3)- كوفى واقفى ثقة من الخامسة.

(4)- من الخامسة في جامع الرواة لم أجد له ذكراً في كتب الرجال و لكن الظاهر ان الصحيح (ابن عينية و اسمه سفيان معروف قيل انه ليس من اصحابنا و هو الذى قال له ابو عبد الله (عليه السلام): و الذي بعث محمداً (صلى الله عليه و آله و سلم) بالحق لو أن رجلا صلى ما بين الركن و المقام عمره ثمّ لقى الله بغير ولايتنا اهل البيت لقى الله بميتة الجاهلية (جامع الرواة) و في النسخة الموجودة عندنا من التهذيب و الاستبصار داود بن الحصين عن أبي عبد الله (عليه السلام).

(5)- وسائل الشيعة: ب 33 من أبواب الاحرام ح 3. و الكافى: 4/ 345.

(6)- الهاشمي روى ان الصادق (عليه السلام) قال: هو كهل من كهولنا و سيد من ساداتنا و كفى بهذا شرفاً

120

لها أن تلبس ثوباً حريراً و هي محرمة؟ قال: لا و لها أن تلبسها في غير إحرامها» (1). و أخبار كثيرة اخرى (2) ذكرها في الجواهر.

و ربما جمع بين الطائفتين بحمل نصوص الجواز على الممتزج و نصوص المنع على الخالص بملاحظة ما فيها من التفكيك في الحكم بين الخالص و الممتزج أو الكراهة بملاحظة ما فيها من (لا ينبغي) و (لا يصلح).

و لكن يمكن أن يقال: انه لا وجه لهذا العلاج بعد ما يمكن الجمع بينهما بالإطلاق و التقييد فصحيح حريز: «كل ثوب يصلى فيه» إطلاقه يقيد في مورد المرأة بلبس الحرير و كذا إطلاق خبر النضر بن سويد و صحيح يعقوب بن شعيب أيضاً مطلق يشمل الخالص من الحرير و الممتزج فيقيّد بما يدل على المنع عن الخالص منه بقرينة مثل خبر ابن عيينة أو داود بن الحصين.

و على هذا فالقول بجواز لبسها الحرير في حال الإحرام سواء كان في ثوبي الإحرام أو غيرهما في غاية الإشكال و الله هو العالم.

[مسألة 29] ما يجوز الاحرام فيه و ما لا يجوز

مسألة 29: حكي عن المبسوط- و النهاية و المصباح و مختصره و الاقتصاد و المراسم و الكافي و الغنية و غيرها عدم جواز الاحرام في ثوب لا يصلى فيه فلا يجوز الاحرام في الميتة و الحرير و الذهب و ما لا يؤكل

____________

ثقة من الخامسة.

(1)- وسائل الشيعة: ب 33 من ابواب الاحرام ح 10.

(2)- راجع وسائل الشيعة ابواب لباس المصلى ب 16 ح 3 و 4 و 6 و ابواب الاحرام ب 33 ح 21 و ح 7 و 8 و 5 و 11.

121

لحمه و ما هو متنجّس بغير المعفو عنه.

لصحيح حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام): «كلّ ثوب تصلّى فيه فلا بأس أن تحرم فيه» (1) أو «يصلّى و يحرم» بدل «تصلّى و تحرم» (2) و في الجواهر: (كلّ ثوب يصلّى فيه فلا بأس بالإحرام فيه) (3) و ظاهره البأس فيما لا يصلّى فيه فلا يجزي.

و يدلّ على ذلك في خصوص الإحرام في الثوب النجس صحيحتا معاوية بن عمّار ففي إحداهما قال: «سألته عن المحرم تصيب ثوبه الجنابة؟ قال: لا يلبسه حتّى يغسله و إحرامه تام» و في الاخرى: «سألته عن المحرم يقارن بين ثيابها الّتي أحرم فيها و بين غيرها؟ قال: نعم إذا كانت طاهرة» (4).

إلا انهما تدلان على وجوب المحافظة على طهارة الثوب استدامة و دعوى دلالتهما على استحباب ذلك ليس ببعيد.

و في خصوص الحرير فقد روي شيخنا الكلينى (رضوان الله تعالى عليه) عن عدة من أصحابنا (5) عن سهل بن زياد (6) عن أحمد بن محمّد (7) عن عبد الكريم‌

____________

(1)- من لا يحضره الفقيه: 2/ 334 ح 2595.

(2)- تهذيب الاحكام: 5/ 66 ح 212/ 20.

(3)- جواهر الكلام: 18/ 239.

(4)- وسائل الشيعة: ب 37 من ابواب تروك الاحرام، ح 1 و 2.

(5)- هذه العدة على ما ذكره السيد الاستاذ الاعظم (قدس سره) محمد بن الحسن الطائي الرازي و محمد بن جعفر الاسدي نزيل الرى أو محمد بن ابي عبد الله، و محمد بن عقيل الكليني، و على بن ابراهيم الكليني خال الكليني كلهم من الثامنة.

(6)- من السابعة الآدمي أبو سعيد الرازي و قد يروى الكليني منه عن العدة عن أحمد بن محمد و هو من السابعة و في التهذيب عن العدة عنه.

(7)- من السادسة ابن ابي نصر على نسخة الكافي و الا فهو على ما في التهذيب غيره، و الاقرب ما في الكافي.

122

بن عمرو (1) عن أبي بصير (2) قال: «سئل أبو عبد الله (عليه السلام) عن الخميصة (3) سداها إبريسم، و لحمتها من غزل؟ قال: لا بأس بأن يحرم فيها إنّما يكره الخالص منه». (4)

و روى شيخنا الصدوق (قدس سره) عن أبي الحسن النهدي (5) قال: «سأل سعيد الأعرج أبا عبد الله (عليه السلام) و أنا عنده عن الخميصة سداها إبريسم و لحمها من غزل (مرعزى)»؟ (6) قال: لا بأس بأن يحرم فيها و إنّما يكره الخالص منها» (7).

و ما فيهما من ضعف السند لا يضر بالاستشهاد بهما تأييداً لو لم نقل بجبر ضعفه بما ذكر من الفتاوى.

و يدلُّ على عدم جوازه في الحرير للرجال أيضاً ما نذكره في إحرام النساء في الحرير منعاً و جوازاً.

فإن قلت: أن النسبة بين ما يدلُّ على وجوب لبس ثوبي الإحرام و ما يدلُّ على النَّهي عن لبس الحرير و الذهب للرجال و الميتة مطلقاً العموم من وجه فيدخل الإحرام في الثوب الحرير في مسألة اجتماع الأمر و النهي فاللازم البناء على ما نبني فيه في تلك المسألة.

قلت: ليست مسئلتنا هذه منها لأنَّ ما يدلُّ على وجوب ثوبي الإحرام‌

____________

(1)- الظاهر انه من الخامسة.

(2)- من الرابعة.

(3)- كساء اسود مربّع له علمان فإن لم يكن معلماً فليس بخميصة.

(4)- الكافى: 4/ 339 وسائل الشيعة: ب 29 من أبواب الاحرام ح 1.

(5)- من السادسة او السابعة.

(6)- الزغب الذى تحت شعر العنز.

(7)- من لا يحضره الفقيه: 2/ 337 ح 2611.

123

لا إطلاق فيه من حيث شرائطه و بعبارة اخرى: ليس في مقام بيان تمام ما هو الموضوع للحكم و دخيلا فيه و لذا ليس المرجع في نفي كل ما نشك في شرطيته بل لا بدّ من نفيه بالتمسك بالأصل و الله هو العالم.

[مسألة 30] وجوب حفظ شرائط لباس الاحرام الى آخر الاعمال

مسألة 30: هل يجب حفظ شرائط لباس الإحرام إلى آخر الأعمال كالابتداء به فيجب تطهيره أو تبديله إن تنجّس بعد تحقّق الإحرام به و لا يجوز تبديله بغيره و إن جاز التلبّس به في نفسه كتبديله بما لا يؤكل لحمه؟ و بعبارة أخرى: اشتراط ثوبي الإحرام بما هو شرط- في لباس المصلى هل معتبر إحداثاً و مقارناً للتلبية و الإحرام أو هو شرط- فيهما إلى أن يحلّ له لبس المخيط بالحلق أو التقصير؟.

يمكن أن يقال: إن الظّاهر من الأدلة مثل قوله (عليه السلام) «كلّ ثوب تصلّى فيه لا بأس ان تحرم فيه» هو وجوب إحداث الإحرام فيهما أو وجوب لبسهما عند احداثه فلو لبس بعد ذلك ما لا يجوز الصّلاة فيه كأجزاء ما لا يؤكل لحمه لا بأس به.

نعم في خصوص اشتراطهما بالطّهارة تدلّ عليه بقول مطلق صحيحتا معاوية بن عمار اللّتان سبق ذكرهما و حملهما على ابتداء اللبس خلاف ظاهرهما و استبعاد الحكم بوجوب تطهيره إذا تنجّس دون البدن كأنّه ليس في محلّه لجواز الحكم بذلك و نلتزم به إذا كان هنا دليل يدلّ عليه دون البدن لفقد الدليل مضافاً إلى إمكان القول بوجوب تطهير البدن كالثوب لأولويّته في ذلك من اللّباس عرفاً فالأقوى في اللّباس التطهير و في البدن على الأحوط و لا يخفى عليك أن ترك ذلك عمداً لا يضر‌

بإحرامه و الله هو العالم بأحكامه.

124

[مسألة 31] جواز تبديل ثياب الاحرام

مسألة 31: قال في الجواهر: (يجوز له أن يبدل ثياب احرامه للأصل، و لقول الصادق (عليه السلام) في حسن الحلبي أو صحيحه: لا بأس بأن يحول المحرم ثيابه قلت: إذا أصابها شي‌ء؟ قال: نعم و إن احتلم فيها فليغسلها (1) و في خبره الآخر عنه (عليه السلام) أيضاً: سألته عن المحرم يحول ثيابه؟ فقال: نعم و سألته يغسلها إذا اصابها شي‌ء؟ قال: نعم و إذا احتلم فيها فليغسلها. (2) و قوله ايضاً في حسن معاوية: لا بأس بأن يغير المحرم ثيابه و لكن إذا دخل مكة لبس ثوبى إحرامه اللَّذين أحرم فيهما، و كره أن يبيعهما (3) و يحمل الأمر فيه على الندب كما عن ظاهر المتأخرين. قال المصنف و غيره: فإذا أراد الطواف فالأفضل أن يطوف فيهما و إن قيل قد يوهم الوجوب عبارة الشيخ و جماعة و لا ريب في أنّه أحوط و إن كان الأوّل أقوى. (4)

أقول: كأنّه الأقوى ما قوّاه لعدم ظهور مثل قوله يغسلها و قوله (و كره) في مثل مسألتنا في الوجوب و الحرمة فمقتضى الأصل الجواز.

نعم في تقريرات السيد الفقيه الگلپايگانى (قدس سره) الاستدلال على وجوب استدامته بلبس ما أحرم فيه و عدم جوار التبديل إلّا إذا أصابه شي‌ء بصحيح محمد‌

____________

(1)- الكافى: 4/ 343 و لفظه (إذا اصابها شي‌ء يغسلها قال: نعم و ان احتلم فيها) وسائل الشيعة: ب 38 من ابواب تروك الاحرام ح 2.

(2)- تهذيب الاحكام: 5/ 70 ح 230/ 38 و فيه (إن اصابها) وسائل الشيعة: ب 38 من ابواب تروك الاحرام و فيه (نعم إذا).

(3)- من لا يحضره الفقيه: 2/ 341 ح 2619 و قال: و قد رويت رخصة في بيعها.

(4)- جواهر الكلام: 18/ 245.

125

بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام) قال: سألته عن الرَّجل يحرم في ثوب وسخ؟ قال لا و لا أقول إنّه حرام و لكن تطهيره أحبُّ إلىَّ و طهوره غسله، و لا يغسل الرجل ثوبه الَّذي يحرم فيه حتى يحلَّ و إن توسخ، إلّا أن تصيبه جنابة أو شي‌ء فيغسله. (1)

قال: (و هي تدل على وجوب استدامة اللّبس و إنّه لا يجوز التبديل إلا إذا أصابه شي‌ء فما عن المدارك من أنّه لا يجب الاستدامة بعد صدق الامتثال للأصل لا يخلو من شي‌ء و أنّ الامتثال في لبس الثوب ظاهره الاستدامة فيه، و ليس نظير التلبية و صلاة الإحرام الَّتي يتحقّق الامتثال فيهما بوجود الطبيعة و حدوثها و لا يحتاج إلى الاستدامة مضافاً إلى أن السيرة قبل البعثة و كذا بعدها على استدامة اللبس بل يكره بيع ثوب الإحرام و يستحب الكفن به و الطواف معه). (2)

أقول: استفادة عدم جواز التبديل منه في غاية الإشكال لعدم الملازمة بين كراهة غسل ثوب الإحرام و بين كراهة التبديل غاية ما يقال: انه إذا كان ذلك للبس ما هو أنظف مكروه و ما يدل على لبس الثوب للإحرام لا يدل على الاستدامة فيه و إلا فلا يجوز نزعه إلا للضرورة فكما ان التلبية يتحقق بوجودها لبس الثوب الواجب عندها يتحقق بوجوده عنده.

و بالجملة فلا دليل يدلّ على وجوب لبس الثوبين زائداً على وجوبه في ابتداء‌

الإحرام و كراهة بيع ثوب الإحرام و استحباب الكفن به و الطواف معه لا يدل على عدم جواز التبديل و الله هو العالم.

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 38 من أبواب تروك الاحرام ح 1.

- في هامش التقريرات ابواب الاحرام و هو اشتباه و في الكافي ج 4 ص 341 (و لكن احبّ ان يطهره).

(2)- كتاب الحج: 2/ 310.

126

[مسألة 32] جواز لبس القبا في الاحرام

مسألة 32: قال في الشرائع: (و إذا لم يكن مع الإنسان ثوبا الإحرام، و كان معه قباء جاز لبسه مقلوباً بأن يجعل ذيله على كتفيه).

و قال في الجواهر: (بلا خلاف أجده في أصل الحكم بل عن ظاهر التذكرة و المنتهى أنه موضع وفاق بل ادعاه صريحاً غير واحد من متأخرى المتأخرين لقول الصادق (عليه السلام) في صحيح الحلبي: «إذا اضطر المحرم إلى القباء و لم يجد ثوباً غيره فليلبسه مقلوباً و لا يدخل يديه في يدى القباء» (1) و صحيح عمر بن يزيد: «يلبس المحرم الخفين إذا لم يجد نعلين و إن لم يكن له رداء طرح قميصه على عنقه أو قباه بعد أن ينكسه» (2) و حسن معاوية بن عمّار أو صحيحه: «لا تلبس ثوباً له ازرار و أنت محرم إلّا أن تنكسه و لا ثوباً تدرعه و لا سراويل، و لا خفاً إلا أن لا يكون لك نعلان» (3) ثمّ ذكر روايات اخرى كخبر على بن أبي حمزة و فيه: «فليلبسه مقلوباً» (4) و خبر مثنى الحناط- و فيه: «فلينكسه و ليجعل أعلاه أسفله و يلبسه» و رواية أخرى: «يقلب ظهره بطنه إذا لم يجد غيره» (5) و خبر محمد بن مسلم عن‌

أبي جعفر (عليه السلام) و فيه: «و يلبس المحرم القباء إذا لم يكن له رداء و يقلب ظهره لبطنه» (6) و أمّا روايته السادسة فالظاهر أنّها و الرواية الرابعة واحدة (7).

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 44 من أبواب تروك الاحرام ح 1.

(2)- وسائل الشيعة: ب 44 ابواب تروك الاحرام ح 2.

(3)- وسائل الشيعة: ب 35 من أبواب تروك الاحرام ح 1.

(4)- وسائل الشيعة: ب 44 من أبواب تروك الاحرام ح 6.

(5)- وسائل الشيعة: ب 44 ابواب تروك الاحرام ح 4.

(6)- وسائل الشيعة: ب 44 ابواب تروك الإحرام ح 7.

(7)- جواهر الكلام: 18/ 247.

127

و على كل ذلك لا خلاف في أصل الحكم في الجملة بمقتضى هذه الرّوايات إلّا أنه يقع الكلام أولا: في الحكم بجواز لبس القبا انَّه هل مشروط- بفقده الإزار و الرداء معاً أو يكفي في ذلك فقد الرداء خاصَّة؟

يمكن أن يقال: إنه يكفي في جواز لبس القباء فقد الرداء خاصة أو الاضطرار إلى لبسه لبرد و نحوه فضلا عما إذا فقد هما معاً فليلبس القباء بدلا عنهما.

و ثانياً: في أن الحكم خاص بصورة الاضطرار لبرد أو مرض أو يعمه و صورة فقده الرداء، الظّاهر شموله للصورتين أمّا لصورة فقد الرداء فيدل عليه صحيح عمر بن يزيد و أمّا لصورة الاضطرار فيدل عليه صحيح الحلبى و خبر ابن ابي حمزة و مثنى الحناط- و غيرها، مضافاً إلى جواز لبسه بالاضطرار لجواز ارتكاب كل حرام به.

و ثالثاً: في أنه إذا فقد الرداء بناءً على وجوب لبس الثوبين هل يجب عليه لبس القباء أو يكتفى بالإزار؟ الإنصاف عدم ظهور الرّوايات في الوجوب فالأحوط لبسه إذا كان فاقداً له.

و رابعاً: هل الأخبار في كيفيّة لبس القباء متعارضة أو الظّاهر منها التخيير و أنّه يلبس القباء على غير الصورة المتعارفة منكوساً أو مقلوباً.

و على فرض تعارضها و تكافؤ المتعارضين و عدم الترجيح أيضاً الحكم في‌

المسألة الأصوليّة هو التخيير ففي الصورة الاولى المكلف مخيّر بين التنكيس و التقليب فله أن يلبسه منكوساً أو مقلوباً بالتخيير الاستمرارى سواء كان مقلداً أو مجتهداً بخلاف صورة التعارض فإنّ التخيير فيه ابتدائي للمجتهد دون المقلد فإنّه متعين عليه العمل بما اختاره المجتهد.

128

اللهم إلا إن يقال: أن المجتهد ينوب عن المقلد في الفحص عن حجية الخبر و شروط- العمل به فاذا ثبت عنده جواز العمل لكل واحد من المتعارضين تخييرا فإن كان المقلد عارفاً بموارد التعارض كالمتجزى إذا كان عارفاً به فيختار هو ايهما شاء و إذا كان جاهلا بذلك يرجع إلى المجتهد في تشخيص مورد التعارض فيختار هو أيضاً أيّهما شاء.

[مسألة 33] عدم جواز انشاء المحرم احراماً آخر

مسألة 33: لا يصح لمن أحرم بحج أو عمرة إنشاء إحرام آخر بمثل الأول أو بغيره حتى يكمل أفعال ما أحرم له.

قال في الجواهر: (بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه مضافاً إلى النصوص المشتملة على كيفية حج التمتع المصرحة بان إهلال الحج بعد التقصير المحلل لإحرام العمرة و إلى الأمر بإتمام العمرة و الحج، الظّاهر في عدم جواز ما يقع قبل الإتمام بل و صحته و حينئذ فلو أحرم قبل السعي عامداً أو قبل إكماله للعمرة كان مشرعاً و إحرامه الثانى باطلا و يجب عليه إكمال العمرة بل و كذا لو كان ناسياً و ان لم يكن آثماً). (1)

و ما ذكره من الحكم فالمقطوع به انّه كذلك و إن كان في بعض ما استدل به نظر إمّا لكونه أخص من المدّعى أو للخدشة في أصل دلالته على المدَّعى هذا فيما إذا أحرم قبل إكمال الأفعال كان يحرم بالآخر قبل السعي.

و أمّا لو أحرم متمتعاً و دخل مكة و أحرم بالحج بعد السعي و قبل التقصير فإن‌

____________

(1)- جواهر الكلام: 18/ 250.

129

كان ناسياً تكون عمرته صحيحة و إحرامه للحج صحيحاً لا دم و لا قضاء عليه على ما صرح به غير واحد بل ادّعى عليه الإجماع و للروايات المستفيضة المعتضدة بدعوى الإجماع كصحيح ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام): «في رجل متمتع نسي أن يقصر حتى أحرم بالحجّ؟ قال: يستغفر الله عز و جل» (1).

و صحيح عبد الرحمن بن الحجاج: «سألت أبا إبراهيم (عليه السلام) عن رجل تمتع بالعمرة إلى الحج فدخل مكة فطاف و سعى و لبس ثيابه و أحلَّ و نسي أن يقصر حتى خرج إلى عرفات؟ قال: لا بأس به يبنى على العمرة و طوافها و طواف الحج على أثره» (2) صحيح معاوية بن عمار: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أهلّ بالعمرة و نسي أن يقصر حتى دخل بالحجّ قال: يستغفر الله و لا شي‌ء عليه و قد تمت عمرته» (3).

نعم هنا صحيح أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المتمتع إذا طاف و سعى ثمّ لبّى بالحجّ قبل أن يقصر فليس له أن يقصر و ليس عليه متعة» (4) و هو بظاهره معارض للروايات السابقة و مثله خبر محمد بن سنان عن العلاء بن فضيل قال: «سألته عن رجل متمتع طاف ثمّ أهلّ بالحجّ قبل أن يقصر: بطلت متعته هي حجّة مبتولة» (5)

و لكنّهما محمولان على صورة العمد. مضافاً إلى ما في سند الأخير من الضعف و الإضمار و مضافاً إلى أن إطلاقهما يقيَّد بالصِّحاح السابقة.

هذا و لكن حكي عن الشيخ و بني زهرة و البراج و حمزة و العلّامة في الإرشاد‌

____________

(1)- الكافى: 4/ 440 و الوسائل ب 54 من ابواب الاحرام ح 1.

(2)- وسائل الشيعة: ب 54 من ابواب الاحرام ح 2.

(3)- وسائل الشيعة: ب 54 من ابواب الاحرام ح 3.

(4)- وسائل الشيعة: ب 54 من ابواب الاحرام ح 5.

(5)- وسائل الشيعة: ب 54 من أبواب الاحرام ح 4.

130

ان عليه دم لموثق إسحاق بن عمار قلت لأبي إبراهيم (عليه السلام): «الرَّجل يتمتّع فينسى أن يقصر حتَّى يهلّ بالحجّ؟ قال: عليه دم يهريقه» (1) فالظاهر انّهم خصّوا به الصحاح السابقة (2).

و لكن عن الصدوق و ابن إدريس و الديلمي و أكثر المتأخرين مثل المحقق في الشرائع حمله على الاستحباب لأنّ الأمر يدور بين حمل أحدهما على المجاز و خلاف ظهوره في الحقيقة (3).

و بعبارة اخرى: كون أحدهما قرينة على عدم إرادة المعنى الحقيقى من الآخر فامّا أن يقال: بأن قوله (عليه السلام): «لا شي‌ء عليه» قرينة على عدم إرادة الإلزام و الوجوب من قوله: «عليه دم يهريقه» أو يقال: بأن الثاني قرينة على عدم إرادة العموم من الأول و القول المشهور مبنى على ترجيح الأول على الثانى و لعله لقوّة ظهور الصحاح في عدم وجوب شي‌ء عليه و إبائها عن التخصيص.

و لكن لا يطمئن النفس بذلك بأظهرية الصحاح عن الموثق لو لم نقل بكونه أظهر لأظهرية الخاص في الخصوص عن العام في العموم.

فالأحوط هو القول الثاني كما أن الاحتياط كون الدم شاة لمكان دعوى انصرافه إليها دون مطلق الدم.

و أمّا إن كان عامداً في ذلك أي الإحرام بالحجّ بعد السعي و قبل التقصير ففيه قولان:

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 54 من ابواب الاحرام ح 6.

(2)- جواهر الكلام: 18/ 251.

(3)- جواهر الكلام: 18/ 251.

131

أحدهما: أنه يبقى على إحرامه الأوّل فكان الثاني باطلا. حكي ذلك عن ابن إدريس و العلامة في التلخيص و الشهيد في الدروس (1).

و ما قيل مستنداً لهذا القول: إنَّ ما دلَّ على عدم جواز إدخال الحج على العمرة قبل إتمام مناسكها بناءً على ما هو الأصح من كون التقصير منها لظهور النصوص الواردة في بيان كيفيّة العمرة في كون التقصير منها دليل على بقاء إحرامه الأوّل و بطلان الثاني.

و لا يقال: إنّه خارج عنها لكونه محللا.

فإنه يقال: لا منافاة بين كونه منها و محللا له كالتسليم في الصلاة و على هذا يكون الإحرام قبل التقصير كالإحرام قبل السعي باطلا لكونه منهياً عنه أو غير مأمور به.

هذا مضافاً إلى أنه لو كان إحرامه صحيحاً لكون التقصير خارجاً منها لزم أن تكون عمرته صحيحة لا أن تكون باطلة و يصير حجّاً مبتولا و أيضاً يلزم من ذلك وقوع خلاف ما نواه إن نوى حجّ التمتّع.

و الجواب عن ذلك كلّه: انّ كلّ ذلك لا يمنع عن حكم الشارع ببطلان عمرته و صيرورة حجّته مبتولة كما هو مقتضى القول الآخر الذي قال به الشيخ و ابنا حمزة‌

و سعيد و العلّامة على ما حكي عنهم و عن الدروس و المسالك نسبته إلى الشهرة (2).

نعم غاية الأمر أن على هذا القائل إثبات مدعاه بالدليل.

و الّذي يتمسك هو به صحيح أبي بصير عن أبي عبد الله (عليه السلام): «المتمتّع إذا طاف‌

____________

(1)- جواهر الكلام: 18/ 252.

(2)- جواهر الكلام: 18/ 252.

132

و سعى ثمّ لبّى قبل أن يقصِّر فليس له أن يقصّر و ليس عليه متعة» (1) و ظاهره بطلان عمرته و صيرورته حجّاً مبتولا و اصرح منه خبر محمد بن سنان (2) عن العلاء بن الفضيل: (3) «سألته عن رجل متمتع طاف ثمّ أهلّ بالحجّ قبل أن يقصّر؟ قال: بطلت متعته هي حجّة مبتولة» (4) إلا انه ضعيف بالإضمار و محمد بن سنان.

و أما الصحيح فاحتمل أن يكون المراد منه متمتع عدل عن الإفراد ثمّ لبّى بعد ما سعى لا من أحدث التمتع من أوّل العمل أو مطلق المتمتّع.

بل عن الدروس لأنّه روى التصريح بذلك في رواية اخرى و لعلّه كما ذكر في الجواهر (5) أراد موثق إسحاق بن عمار قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل يفرد الحج فيطوف بالبيت و يسعى بين الصفا و المروة ثمّ يبدو له أن يجعلها عمرة؟ قال: إن كان لبَّى بعد ما سعى قبل أن يقصِّر فلا متعة له» (6) و فيه: إنّ حمل صحيح أبي بصير على خصوص ذلك خلاف الظّاهر بل هو في غيره أظهر مضافاً إلى أنَّ ورود‌

الخاص الموافق حكمه لحكم العام ليس قرينة على إرادته من العام و الفرق بينه و بين الخاص المخالف حكمه لحكم العام واضح سيما إذا كان بيان حكم الخاص الموافق جواباً عن سؤال السائل.

و على ذلك كلّه هذا القول أي بطلان عمرته و صيرورة حجته مبتولة هو‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 54 من ابواب الاحرام ح 5.

(2)- مختلف فيه من السادسة.

(3)- ثقة له كتاب من الخامسة.

(4)- وسائل الشيعة: ب 54 من أبواب الاحرام ح 4.

(5)- جواهر الكلام: 18/ 252.

(6)- وسائل الشيعة: ب 19 من ابواب اقسام الحج ح 1.

133

الأقوى.

نعم يمكن منع الاكتفاء به عن حجة الاسلام الواجبة عليه و إن قلنا به في صورة النسيان فمقتضى الاشتغال وجوب الإتيان بها في السنة القادمة.

ثمّ إنَّ مقتضى إطلاق صحيح أبي بصير المقيَّد بالصحاح المتقدمة مساواة الجاهل مع العامد في الحكم ببطلان متعته و صيرورة حجته مبتولة.

و هل يجب عليه إحرام جديد لحجّ الإفراد أو يجتزى بإحرامه الأول يمكن أن يقال: امّا إحرامه الثانى فلا يجتزى به لكونه منهياً عنه من جهة إدخاله على العمرة و أمّا الأول فيدل على عدم الاعتداد به قوله (بطلت متعته) الدال على بطلان عمرة تمتعه التي من أفعالها الإحرام.

و لكن الظّاهر من قوله «فليس له أن يقصِّر» إنَّ هذا من أجل إحرامه الثانى لأن الأوّل لم يوجب حرمة التقصير.

و يمكن أن يقال: إنّ المعلوم عدم وجوب إحرام جديد لحجّ الإفراد لظاهر الصحيح سواء كان ذلك للاجتزاء بالأوّل أو بطلانه و صحة الثانى.

و كيف كان لا يجب احرام جديد لحجّ الإفراد و هل يجب عليه العمرة المفردة بعد ذلك إذا كانت عليه حجة الاسلام أو يجب عليه حجه الاسلام من قابل؟

يمكن أن يقال: إنّ الظّاهر أنّ الامام (عليه السلام) كان في مقام بيان تمام ما هو الحكم‌

على المتمتّع إذا طاف و سعى ثمّ لبّى قبل أن يقصر و اكتفائه بقوله (عليه السلام): «فليس له أن يقصِّر و ليس له متعة» يدل على انّ تمام ما يترتب على فعله هذا بطلان متعته و عدم جواز التقصير له و إلا فكان عليه أن يقول: إذا كان عليه حجة الاسلام يجب عليه الحج من قابل.

134

نعم لا يحتسب ذلك لعمرته لبطلانها فيجب عليه أن يأتي بها و مع ذلك لا ينبغي ترك الاحتياط بإتيان العمرة بعد هذا الحجّ و الإتيان بالحجّ متمتعاً في السنة القادمة و الله هو العالم.

135

الكلام في تروك الإحرام

136

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

137

الكلام في تروك الإحرام الظّاهر انّه لا خلاف بين المسلمين في أنّه إذا أحرم المكلَّف للعمرة أو الحج حرِّمت عليه امور و قد اختلفت كلمات فقهائنا في تعدادها.

ففي الوسيلة قال: (هي ثمانية و ثلثون) (1).

و قال: في الشرائع: (فالمحرمات عشرون شيئاً) (2) و قال: في المختصر النافع (فالمحرمات أربعة عشرون) (3).

قال في القواعد: (و المحرم عشرون) (4) و في التبصرة قال: (أربعة و عشرون) (5).

____________

(1)- الوسيلة/ 162.

(2)- شرائع الاسلام: 1/ 183.

(3)- المختصر النافع/ 84.

(4)- قواعد الاحكام: 1/ 421.

(5)- تبصرة المتعلمين/ 90.

138

و قال في الدروس: (يجب على المحرم ترك ثلاثة و عشرين) (1).

و قال في الأشراف: (هي سبعة عشر شيئاً)، و قال في اللمعة: و أما التروك المحرمة فثلاثون (2).

و في بعض الكلمات و المناسك خمسة و عشرون.

و الظّاهر ان اختلافهم لفظيّ فمثلا عدّ بعضهم الصيد البري واحداً و بعضهم عدّ صيده واحداً و كذا عدّ كل واحد من ذبحه، و أكله، و إمساكه، و الإعانة عليه بدلالة أو إشارة أو الإغلاق و هكذا بيعه و شرائه و تمليكه و تملكه و إغراء للحيوان به واحدا فيصير مجموع ذلك عشرة و لذا الاولى اقتفاء كلام جماعة منهم اهملوا ذلك و ذكروا المحرّمات فنقول:

[من محرمات الإحرام الصيد]

حرمة صيد الحيوان البرى على المحرم

منها: صيد الحيوان البري صيدا و ذبحا و اكلا و إمساكا و إعانة عليه و بيعاً و شراء فإنها كلها محرمة كتابا و سنة و إجماعا.

أمّا الكتاب فقوله تعالى: (و حرِّم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً) (3) فإنَّه كما في كنز العرفان و الجواهر (4) يدلُّ على تحريم كلِّ ماله دخل في صيده و التقليب و التقلب به و أما قوله تعالى: (لا تقتلوا الصيد و أنتم حرم) (5) فيدل على النهي عن‌

____________

(1)- الدروس الشرعية ك 1/ 351.

(2)- اللمعة الدمشقية/ 236.

(3)- المائدة/ 96.

(4)- جواهر الكلام: 18/ 286.

(5)- المائدة/ 95.

139

خصوص قتل الصيد.

و أما السنة فالروايات الدالة على حرمة ما ذكر كثيرة جداً منها صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا تستحلن شيئاً من الصيد و أنت حرام، و لا و أنت حلال في الحرم، و تدلن عليه محلا، و لا محرماً فيصطاده و لا تشر إليه فيستحل من أجلك، فإن فيه فداء لمن تعمَّده» (1) و ظاهره حرمة كل فعل له دخل في اصطياده.

و صحيح منصور بن الحازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المحرم لا يدل على الصيد فإن دلَّ عليه فقتل فعليه الفداء» (2).

و في صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا تأكل من الصيد و أنت حرام و إن كان أصابه محل» (3).

و في الموثق عنه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا تأكل شيئاً من الصيد و أنت محرم و إن صاده حلال» (4).

و أمّا الإجماع على ما ذكره فهو المنقول في كلماتهم و لعلّ المتتبع في كلماتهم يجده محصلا.

[مسألة 1] «حكم ما ذبحه المحرم»

مسألة 1: قال في الشرائع: (و لو ذبحه كان ميتة حراماً على المحل و المحرم).

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 1 من ابواب تروك الاحرام ح 1.

(2)- وسائل الشيعة: ب 1 من ابواب تروك الاحرام ح 3.

(3)- وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب تروك الاحرام ح 3.

(4)- وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب تروك الاحرام ح 2.

140

قال في الجواهر: (كما صرح به الشيخ و الحلِّي، و القاضي و يحيى بن سعيد و الفاضلان و غيرهم على ما حكى عن بعضهم بل هو المشهور شهرة عظيمة بل لم يحك الخلاف فيه بعض من عادته نقله، و إن ضعف بل في المنتهى و عن التذكرة الإجماع عليه بل هو المراد أيضاً ممّا في النهاية و المبسوط- و التهذيب و الوسيلة و الجواهر على ما حكى عن بعضها انّه كالميتة بل في الأخير الإجماع عليه أيضاً و ساق الكلام إلى ان قال: لكن عن الفقيه، و المقنع، و المختصر الأحمدي انه ان ذبحه في الحل جاز للمحل أن يأكله بل في الأوّل انّه لا بأس أن يأكل المحل ما صاده المحرم و على المحرم فداؤه نحوه المحكى عن المفيد و المرتضى أيضاً لكن يمكن ارادة عدم حرمة عين صيد المحرم على المحل على معنى أنَّ له تذكيته و أكله لا أن المراد الأكل مما ذكاه المحرم بصيده) (1) ثمّ ذكر ميل بعض متأخِّري المتأخرين إليه).

و على كلِّ حال فقد دلَّ على القول المشهور ما رواه الشيخ بسنده عن وهب عن جعفر عن أبيه عن على (عليهم السلام) قال: «إذا ذبح المحرم الصيد لم يأكله الحلال و الحرام و هو كالميتة، و إذا ذبح الصيد في الحرم فهو ميتة حلال ذبَحه أو حرام». (2)

و دلالته على حرمته على المحرم و المحل مطلقاً و إن ذبحه المحرم في الحلّ ظاهرة و لكن نوقش في حجيّته بضعف سنده بوهب.

و ما رواه الشيخ بإسناده الصحيح عن محمد بن الحسن الصفار (3) عن الحسن بن موسى الخشاب (4) عن إسحاق (5) عن جعفر إنَّ علياً (عليه السلام) كان يقول: «إذا ذبح‌

____________

(1)- جواهر الكلام: 18/ 288 و 290.

(2)- تهذيب الاحكام: 5/ 377 ح 1315 وسائل الشيعة: ب 10 من ابواب تروك الاحرام ح 4.

(3)- القمى يلقب بمولد الظاهر مما ذكر في ترجمته و الله اعلم وثاقته من السادسة ..

(4)- من وجوه اصحابنا مشهور كثير العلم و الحديث كانه من السادسة.

(5)- ابن عمار فطحى ثقة من الخامسة.

141

المحرم الصيد في غير الحرم فهو ميتة لا يأكله محل و لا محرم و إذا ذبح المحل الصيد في جوف الحرم فهو ميتة لا يأكله محل و لا محرم» (1)

و دلالته كسابقه ظاهرة و يعتمد عليه و إن كان ليس على ما اصطلحوا عليه صحيحاً لفساد مذهب إسحاق فلا حاجة إلى جبر ضعف سنده بفتوى المشهور كما صنعه في الجواهر فعبَّر عنه و عن خبر وهب بالمنجبرين بما عرفت. (2)

و ما رواه أيضاً الشيخ عن احمد بن محمد بن عيسى (3) عن ابن أبي أحمد (4) عمن ذكره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «قلت له: المحرم يصيب الصيد فيفديه فيطعمه أو يطرحه؟ (5) قال: إذاً يكون عليه فداء آخر فقلت: فما يصنع به؟ قال: فيدفنه» (6) و في الاستبصار قال: «أو يطعمه أو يطرحه؟» و في الفقيه «يطعمه أو يطرحه» (7) و ظاهره الحرمة المطلقة على المحرم و المحل.

لا يقال: إنّه في مقام بيان وجوب فداء آخر عليه لو أطعمه و لا تدل على الحرمة المطلقة فإن أكله المحل لا بتسبيبه و إطعامه لم يفعل حراماً و إنّما أمر بدفنه لأجل الفرار من الفداء.

____________

(1)- تهذيب الاحكام: 5/ 377 ح 1316 وسائل الشيعة: ب 10 من ابواب تروك الاحرام ح 5.

(2)- جواهر الكلام: 18/ 289.

(3)- شيخ القميين و وجههم و فقيههم.

(4)- هو ابو احمد ابن ابى عمير، و كلمة (ابن) في التهذيب لعلها سهو و الصواب ما في الوسائل (عن ابى احمد) و في الطبقات (ابن ابى احمد).

(5)- تهذيب الاحكام: 5/ 378 ح 1320.

(6)- الاستبصار: 2/ 215 ح 740/ 8.

(7)- من لا يحضره الفقيه: 2/ 372 ح 2733.

142

فإنّه يقال: هذا خلاف ظاهر الخبر فإنّه يكفي في الفرار من الفداء بيان كونه عليه إن أطعمه المحل أمّا الحكم بدفنه لأجل حرمته المطلقة حتّى لا يرتكب أحد الحرام بأكله.

اللهم الا أن يقال: إنه محرم عليه طرحه و جعله في معرض أكله المحل و هذا أعم من كونه حراماً على المحل.

و بالجملة الخبر ليس صريحاً في حرمته على المحل، مضافاً إلى ضعف سنده بالإرسال إن لم نقل بأنّ ابن أبي عمير من أصحاب الإجماع و اتفقوا على أنَّ مراسيله كالمسانيد.

لا يقال: لا أصل لذلك فإنَّه يتم لو لم يكن لمثله الرواية عن الضعفاء و قد عثرنا على جملة من الموارد يروى هو عن الضعفاء.

فإنه يقال: مرادهم انهم لا يروون إلا خبرا كان صدوره عن الإمام (عليه السلام) ثابتاً و معلوماً عندهم و لو بواسطة القرائن و يكفي ذلك في الاعتماد على الخبر و الاطمينان بصدوره هذا.

و قد يناقش في دلالة المرسلة بإيمائها إلى جواز إطعامه و إن أوجب فداء آخر.

و فيه: انَّ عليه يحكم بالجواز في جميع الأفعال الَّتي جعل في ارتكابها الفداء إلا إذا دلَّ الدليل بالخصوص على حرمته و القول به في غاية الاشكال.

ثمّ إنّه ربما ايد القول المشهور بان التذكية إنّما تتحقق بذكر الله تعالى على ذبحه و لا معنى لذكره على ما حرَّمه فيكون لغواً.

و في قبال الأخبار الدالة على حرمة الصيد على المحل و المحرم و كونه ميتة ما يدل على حليّته على المحل كصحيحة الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام): «إذا قتل الصيد‌

143

فعليه جزاؤه و يتصدق بالصيد على مسكين» (1)

فإنها تدل على جواز أكله للمحل، و إلا فلا يأمره بتصدقه على مسكين.

فإن قلت: من المحتمل كون الباء في (بالصيد) للسببية و (الصيد) للمصدرية فيكون المعنى إنه يتصدق بشي‌ء آخر جزاءً لفعله على مسكين.

قلت: يرد هذا الاحتمال قوله «فعليه جزاؤه» فإنَّ الظّاهر منه ان عليه جزاءه المعين فإن لكلّ صيد كفارة خاصة ففي قتل النعامة بدنة، و في قتل بقرة الوحش و حماره بقرة و في الظبي و الثعلب و الأرنب شاة و إن كان المراد ما ذكر يلزم أن يكون عليه جزاءان.

و صحيح معاوية بن عمّار قال: «سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أصاب صيداً و هو محرم أ يأكل منه الحلال؟ فقال: لا بأس إنما الفداء على المحرم» (2).

و صحيح حريز قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن محرم أصاب صيداً أ يأكل منه المحلّ؟ قال: ليس على المحل شي‌ء إنَّما الفداء على المحرم» (3).

و صحيح منصور بن حازم قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام): رجل أصاب صيداً و هو محرم أكل و أنا حلال؟ قال: أمّا أنا كنت فاعلا قلت له: فرجل أصاب مالا حراماً؟ فقال: ليس هذا مثل هذا يرحمك الله ان ذلك عليه» (4).

و في صحيح معاوية بن عمار قال: «قال أبو عبد الله (عليه السلام): إذا أصاب المحرم الصيد في الحرم و هو محرم فإنّه ينبغى له أن يدفنه و لا يأكله أحد، و إذا اصاب‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب تروك الاحرام ح 6.

(2)- وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب تروك الاحرام ح 5.

(3)- وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب تروك الاحرام ح 4.

(4)- وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب تروك الاحرام ح 3.

144

في الحلّ فإنَّ الحلال يأكله و عليه الفداء» (1).

و مقتضى هذه الأخبار بعد حمل مطلقها على مقيَّدها حليِّة ما ذكى بالصيد للمحل إذا صاده المحرم في الحلّ و أمّا إذا صاده المحرم أو المحل في الحرم أو إذا ذبحه بعد صيده في الحل فهو كصيده في الحرم حرام على المحل و المحرم و بهذا يجمع بين الرّوايات المطلقة و ما يدلّ على جواز أكل الصيد للمحل و عليه يختص المنع بما إذا أصاب الصيد حيا فذبحه بل هذا هو مدلول الرّوايات المحرمة كرواية وهب و اسحاق.

نعم مرسلة ابن أبي عمير أو ابن أبي أحمد أو أبي أحمد أي محمّد بن أبي عمير إن قلنا بتماميّة دلالتها على حرمة ما صاده المحرم على المحل مطلق يشمل الصيد الَّذي أدركه الصائد حياً فذبحه أو ميتاً فيقيد إطلاقها ذلك بهذه الرّوايات الظّاهرة في اختصاص الجواز بما ذكى بالصيد.

ثمّ إنّه هل يجرى على ما ذبحه المحرم جميع أحكام الميتة أو يحرم منه خصوص أكله على المحرم و المحل.

يمكن أن يقال: إنّ قوله (عليه السلام): «فهو ميتة لا يأكله محل و لا محرم» انّه كالميتة في خصوص هذا الحكم فلا يحرم الانتفاع من جلده و غيره من الاستعمالات و خصوصاً المائعات فيكون المراد من قوله (عليه السلام): «ميتة لا يأكله محلّ و لا محرم» إنّ لحمه كلحم الميتة.

و يمكن أن يدعى أنَّه كما قال الإمام (عليه السلام) ميتة فيجرى عليه جميع أحكام الميتة و إنما ذكر حكم أكله لأنّه الانتفاع الشائع منه و في قبال ما صاده المحرم الَّذي حكمه‌

انَّه يأكله المحل و لا يأكله المحرم و يؤيد الأوّل الرّوايات الواردة في تقديم أكل المحرم‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب تروك الاحرام ح 2.

145

ما صاد إذا اضطر إلى الصيد أو الميتة (1).

و حكي عن العلامة في التحرير: إنَّه بعد احتمال الأوّل استقرب عدم الجواز (2) و مقتضى الاصل الجواز.

نعم بعد البناء على الجواز بالأصل يجرى الكلام في أنّه هل يحرم الصلاة فيه لأنّه مما لا يؤكل لحمه أو أنّ هذا العنوان منصرف إلى المحرمات الأصليّة دون العارضيّة فمقتضى الاحتياط الاجتناب عنه في الصلاة و الله هو العالم.

[مسألة 2] عدم جواز صيد الجراد في الاحرام»

مسألة 2: قال في الشرائع: (و الجراد في معني الصيد البري) (3).

و في الجواهر (عندنا بل في المنتهى و عن التذكرة أنّه قول علمائنا و أكثر العامّة، و في المسالك لا خلاف فيه عندنا خلافاً لأبي سعيد الخدرى و الشافعى و أحمد في رواية). (4)

و لا ريب أنّه يشمله عموم الأدلة من الكتاب و السنة و يدلّ عليه بالخصوص صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «مرّ علي (صلوات اللّٰه عليه) على قوم يأكلون جراداً فقال: سبحان الله و أنتم محرمون؟ فقالوا: إنَّما هو من صيد البحر فقال لهم: ارموه (ارمسوه) في الماء إذاً» (5)

و رواه الشيخ باسناده عن محمد بن مسلم: «عن‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 43، من ابواب كفارات الصيد و الظاهر كون الثانى و السابع و التاسع و العاشر واحد فتفطن.

(2)- جواهر الكلام: 18/ 291.

(3)- شرائع الاسلام: 1/ 183.

(4)- جواهر الكلام: 18/ 293.

(5)- الكافى: 4/ 393 ح 6 و وسائل الشيعة: ب 7 من ابواب تروك الاحرام ح 1.

146

أبي جعفر (عليه السلام) إنّه مرّ علي أناس يأكلون جراداً و هم محرمون. فقال: سبحان الله» الحديث إلا انه قال: «فارمسوه» (1) و رواه الصدوق أيضاً مثل ما رواه الشيخ إلا انه قال: «إنما هو من البحر» (2) و معنى قوله: «ارموه في الماء» انه لو كان بحرياً لعاش في الماء.

و في صحيح معاوية بن عمّار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «ليس للمحرم أن يأكل جراداً و لا يقتله قال: قلت: ما تقول في رجل قتل جرادة و هو محرم؟ قال: تمرة خير من جرادة و هي من البحر، و كل شي‌ء أصله من البحر و يكون في البر و البحر فلا ينبغى للمحرم أن يقتله فإن قتله متعمداً فعليه الفداء كما قال الله» (3).

و صحيح زرارة عن أبي عبد الله (عليه السلام): «في محرم قتل جرادة قال: يطعم تمرة و تمرة خير من جرادة» (4) و الحكم ثابت لا ريب و لا خلاف فيه فيحرم صيده و إمساكه و أكله. هذا و لكن قال الشيخ في التهذيب: (و يجوز له أي للمحرم- أن يأكل الجراد البحرى إلا انه يلزمه الفداء) (5) و هو كذلك إن كان منه البحري، أمَّا الفداء له فلم نتحصل وجهه).

[مسألة 3] جواز صيد البحر للمحرم

مسألة 3: لا ريب في أنَّه يجوز للمحرم كغيره صيد البحر كالسمك و هو ما يعيش في البحر لقوله تعالى: (أحلّ لكم صيد البحر و طعامه متاعاً

____________

(1)- تهذيب الأحكام 5/ 363 ح 1263.

(2)- من لا يحضره الفقيه: 2/ 371 ح 2732.

(3)- تهذيب الأحكام: 5/ 363، ح 1264 و رواه أيضا في ص 468، ح 1636.

(4)- وسائل الشيعة: ب 37 من أبواب كفارات الصيد ح 2.

(5)- تهذيب الاحكام: 5/ 363.

147

لكم و للسيارة) (1) مضافاً إلى أنَّ ذلك مقتضى الأصل لأنَّ ما يمنع من الصيد مختص بصيد البر.

و ما في بعض الرّوايات ممَّا هو ظاهر في الإطلاق معلوم عدم إرادة الاطلاق منه لصراحة الكتاب في حليّة صيد البحر فليس المقام من حمل المطلق على المقيَّد لأنه مختص بمورد أمكن فيه إرادة الإطلاق من المطلق و أمّا إذا كان هناك مانع عقلي أو شرعي من إرادة الإطلاق فهو محمول على إرادة الخاص و المقيد.

نعم يأتي ذلك في قوله تعالى: (لا تقتلوا الصيد و أنتم حرم) (2) لأنَّه عام يشمل البرى و البحرى و قوله تعالى: (احل لكم صيد البحر) فالأول يختص بصيد البرّ.

و ممّا يدل على جواز صيد البحر صحيح محمد بن مسلم الوارد في الجرادة فإنّه يستفاد منه انّ جواز صيد البحر كان مفروغاً عنه مسلَّماً عند الجميع.

و مما يستدل به ما رواه الكليني عن حريز عمّن أخبره عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا بأس بأن يصيد السمك و يأكل مالحه و طريه و يتزود و قال: أحل لكم صيد البحر و طعامه متاعاً لكم الحديث» (3).

و لكنه ضعيف بالإرسال و إن رواه الشيخ بإسناده عن حماد عن حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام) (4) فمن البعيد رواية حريز لحماد الحديث تارة عن الامام (عليه السلام) بالواسطة و اخرى بدونها و مع ذلك لا يثبت كون الخبر مسنداً لو لم نقوّي جانب‌

____________

(1)- المائدة/ 96.

(2)- المائدة/ 95.

(3)- الكافي: 4/ 392 ح 1. وسائل الشيعة: ب 6 من ابواب تروك الاحرام ح 3.

(4)- تهذيب الاحكام: 5/ 365 ح 1270.

148

إرساله لكون الكليني على ما قيل أضبط من الشيخ (قدس سرهما) و أمّا ترجيح إرساله على إسناده بأنَّ الصدوق أيضاً أضبط من الشيخ فعجيب فإنّ الصدوق لم يذكر السند أصلا (1). و كيف كان فالحكم ثابت لا خلاف فيه.

[مسألة 4] صيد ما يعيش في البرّ و البحر

مسألة 4: إذا كان الصيد ممّا يعيش في الماء و في البر أيضاً فهل هو ملحق بالبري أو البحري.

يمكن أن يقال: إنّه غير ملحق بواحد منهما و على هذا فإن كان هنا ما يدل بالإطلاق على حرمة مطلق الصيد يبقى ما ليس بحرياً تحت العام أو الإطلاق و إلا فمقتضى الأصل جواز صيده.

و لكن يدل بإلحاقه بالبري صحيح معاوية بن عمّار الَّذي سبق ذكره و فيه: في الجرادة، «و هي من البحر و كلّ شي‌ء أصله من البحر و يكون في البرّ و البحر فلا ينبغى للمحرم أن يقتله فإن قتله متعمداً فعليه الفداء كما قال الله».

لا يقال: إن هذا فيما يكون في البر و البحر و أصله من البحر.

فإنّه يقال: كأن الحكم فيما كان أصله من البر و يكون في البر و البحر مفروغ‌

عنه مضافاً إلى أنه يستفاد منه حكم ما كان من البرّ بالاولويّة فإنّه إذا كان صيد ما كان أصله من البحر الّذي صيده حلال حراماً يكون صيد ما كان من البرّ الّذي صيده حرام بالاولوية حراماً و الله هو العالم.

____________

(1)- من لا يحضره الفقيه: 2/ 370.

149

[مسألة 5] صيد ما شك في أنه برى أو بحرى

مسألة 5: إذا شك في حيوان أنه بري أو بحرى يحكم بحليته للأصل و أما إن منعنا وجود إطلاق دال على عموم التحريم فليس هنا إلّا ما يدل على حلية البحري و ما يدل على حرمة البرّى و الشك في حيوان أنه من البحري أو البري كالشك في لحم أنه مما يؤكل أو ما لا يؤكل أو مائع أنه خمر أو خل.

و أما إذا قلنا بإطلاق في البين و شككنا في حيوان أنّه بري أو بحري لا شك في أنّه لا يجوز التمسك بالدليل المقيد أي ما دل على حلية البحري لأنّ الحكم عليه بالحلية فرع ثبوت كونه محرماً.

و أمّا التمسك بإطلاق ما دل على حرمة الصيد الّذي يشمل بإطلاقه البري و البحري و المشكوك كونه من أيّهما فيمنع منه أن العام أو المطلق بورود التخصيص أو التقييد عليهما يعنونان بعنوان غير الخاص أو غير المقيد مثلا إذا قال (أكرم العلماء) و ورد: (لا تكرم النحويين منهم) العام الأوّل يعنون بعنوان غير النحويين و يدل على وجوب إكرام كل عالم غير نحوي فإذا شككنا في عالم أنه نحوي أو غير نحوي لا يجوز التمسك بقوله أكرم كل عالم غير نحوي بل لا بدّ من إثبات ذلك بدليل آخر و إلّا فيحكم بعدم وجوب اكرام هذا العالم المشكوك كونه نحوياً و ما نحن فيه على فرض وجود إطلاق دال على التحريم يكون كذلك لأنَّ تقييد إطلاق ما دل‌

على حرمة مطلق الصيد بقوله تعالى و (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ) يوجب تعنون ما دل على موضوع الحرمة أى الصيد بغير البحري فلا يجوز إثبات حرمة صيد شك فيه انّه بحري أو بري به و بعبارة أخرى لا يجوز الاستدلال بدليل الحكم لإثبات موضوعه‌

150

و هو صيد غير البحري.

نعم إن كان هنا دليل على إثبات هذا القيد يتمسك بالإطلاق لتحقق موضوعه فإن قلنا باستصحاب العدم الأزلي يمكن أن نتمسك به و نقول بتحقق الموضوع بالوجدان و بالأصل فنقول: هذا الحيوان أو هذا الصيد المحقق وجوده بالوجدان لم يكن غير بحرية من الأزل و الآن كما كان فتأمل جيداً.

[مسألة 6] حكم ما اصله برى و يعيش في البحر

مسألة 6: يعلم مما ذكر أن البرّي تميز من البحري باختصاصه بالبرّ و عيشه فيه و إن كان أصله من البحر و البحرى تميز من البري باختصاصه بالبحر و عيشه فيه و لم يذكر ما أصله من البر و يعيش في البحر في الرّوايات و في كلماتهم و لعلّه لعدمه.

هذا و لكن في خصوص الطير جاء فيما رواه الكليني بإسناده عن حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام): «كل طير يكون في الآجام يبيض في البرّ و يفرخ في البرّ فهو من صيد البرّ، و ما كان من صيد البرّ يكون في البرّ و يبيض في البحر و يفرخ في البحر فهو من صيد البحر» (1) و مفهوم الجملة الثّانية بالأولوية و ما كان من صيد البحر يكون في البحر و يفرخ في البحر فهو من صيد البحر.

و لكن في التهذيب سقطت الجملة الثانية المذكورة في الكافي و أثبت ما قلنا إنّه مفهومها بالأولوية منطوقاً و لفظه: «و ما كان من الطير يكون في البحر و يفرخ في البحر فهو من صيد البحر» (2) فعليه يقع التهافت بينهما لأن مفهوم ما في التهذيب ان ما‌

____________

(1)- الكافى: 4/ 392 ح 1.

(2)- تهذيب الاحكام: 5/ ح 1270. و لا يخفى عليك ما وقع الوسائل فيه فإنه في ح 1، من ب

151

كان من الطير لم يكن في البحر و يكون في البر و إن كان يفرخ في البحر هو من صيد البر و إن قلنا بأن مفهومه انّ ما لم يكن في البحر و لا يفرخ في البحر فهو من صيد البرّ يكون عين منطوق الصدر.

و بعد ذلك كلّه الّذي يقتضيه التأمل في الفاظ- الحديث حسب الكافي و التهذيب عملا باجراء أصالة عدم الزيادة في كل ما هو ثابت في أحدهما و ساقط في الأخر انَّ الرواية كانت لفظها هكذا:

و فصل ما بينهما «كل طير يكون في الآجام يبيض في البرِّ و يفرخ في البرِّ فهو من صيد البر، و ما كان من الطير يكون في البحر و يفرخ في البحر فهو من صيد البحر، و ما كان من صيد البر يكون في البرِّ و يبيض في البحر و يفرخ في البحر فهو من صيد البحر».

و هذا الخبر يدلّ على أنَّ الطير إذا كان في البر و أصله من البحر و يبيض و يفرخ في البحر فهو بحرى و هذا بظاهره معارض لعموم صحيح معاوية بن عمار الّذي سبق ذكره ففيه: «كلّ شي‌ء أصله من البحر، و يكون في البرّ و البحر فلا ينبغى للمحرم أن يقتله» و لكن يجمع بينهما بتخصيص عموم الصحيح بالمرسلة ان اعتمدنا عليها كما ليس ذلك ببعيد و إلا فالحجّة هو الصحيح.

هذا كلّه في تعيين ما هو الموضوع للحلال و الحرام من الصيد و أمّا إذا كان الشك في مفهوم البحري أو البرّى فعلى القول بإطلاق قوله تعالى: (لا تقتلوا الصيد و أنتم حرم) إذا شككنا في أنّ البحري هل هو خصوص ما يعيش في البحر و أصله من البحر طيراً كان أو غيره أو هو أعم مما يعيش في البر و أصله من البحر يفرخ‌

____________

من ابواب تروك الإحرام كأنه أخذ صدره من صحيح معاوية (التهذيب: 5/ ح 1269 و ذيله من خبر حريز، ح 1270 و 183 من التهذيب.)

152

و يبيض فيه و بعبارة أخرى نشك في مفهوم البحري بين الأقل و الأكثر و انَّه هو الأقل أو الأعم منه و من الأكثر فالحكم فيه البناء على الأقل و حجيّة المطلق في الأكثر.

و أمّا إن لم يكن في البين إطلاق أو عموم يشمل الصيد بأقسامه برياً و بحرياً ففي الشك في مفهوم البري الواقع تحت حكم الحرمة في قوله تعالى: (و حرم عليكم صيد البر ما دمتم حرماً) بين الأقل و الأكثر نبني على حرمة الأقل و يجري البراءة عن حرمة الأكثر أمّا الشكّ في مفهوم البحرى بين الأقل و الأكثر فلا يورث تفاوتاً عملياً سواء كان مفهوم الأقل أو الأكثر.

نعم الحكم بحليّة الأقل على مقتضى الدليل الاجتهادي حكم واقعي و الحكم بحليّة الأكثر يكون على حسب الأصل العملي و البرائة حكم ظاهري و الله هو العالم.

[مسألة 7] جواز ذبح الحيوانات الاهلية للمحرم

مسألة 7: يجوز ذبح الحيوانات الأهلية كالشاة و البقر و الغنم و الإبل و الدجاج في الحل و الحرم للمحرم و المحل و ذلك لعدم صدق الصيد على ذبحها.

قال الراغب: الصيد (هو تناول ما يظفر به مما كان ممتنعاً و في الشرع تناول الحيوانات الممتنعة ما لم يكن مملوكاً) فمقتضى الأصل الجواز مضافاً إلى النصوص الدالّة على أن كلّما جاز للمحل ذبحه في الحرم جاز ذبحه للمحرم في الحل و الحرم.

ففي صحيح حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المحرم يذبح ما حلَّ للحلال في الحرم أن يذبحه و هو في الحل و الحرم جميعاً» (1).

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 82 من أبواب تروك الاحرام ح 2.

153

و في رواية صحيحة اخرى عن حريز عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المحرم يذبح الابل و البقر و الغنم، و كل ما لم يصف من الطير، و ما أحل للحلال أن يذبحه في الحرم و هو محرم في الحلِّ و الحرم» (1).

و لو شك في حيوان أنَّه وحشي أو أهلي فمقتضى الأصل جواز ذبحه للشكّ في صدق الصيد عليه.

و بعبارة اخرى الشك واقع في أنّه وحشى يحرم ذبحه أو أهلي يجوز ذبحه فهو أيضاً كالمائع المشتبه بالخل و الخمر، مقتضى الأصل جواز ذبحه هذا.

و لكن في صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «إذا أحرمت فاتق قتل الدواب كلّها إلّا الأفعى و العقرب و الفارة ... و الحيّة إذا أراد تلك فاقتلها و إن لم تردك فلا تردها و الكلب العقور و السبع إذا أراداك (فاقتلهما) فإن لم يريداك فلا تردهما و الأسود الغدر فاقتله على كل حال وارم الغراب رمياً و الحدأة على ظهر بعيرك» (2).

و ربما يقال بأن مقتضاه حرمة كل حيوان إلا ما استثنى فيه و لكن يمكن أن يقال: إن الدواب و ان تستعمل في الحيوان إلا انها كما قاله الراغب استعمالها في الحشرات أكثر.

و قيل في الجواب عن الاستدلال به بأنّه مخصص بأن ما أحل للحلال أن يذبحه في الحرم جاز للمحرم ذبحه في الحلّ و الحرم و الحيوان المشكوك كونه أهلياً أو وحشياً يجوز ذبحه للمحل في الحرم للبراءة فيجوز ذبحه للمحرم في الحلّ و الحرم للكليّة‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 82 من أبواب تروك الاحرام ح 3.

(2)- الكافى: 4/ 363 ح 2.

154

المذكورة فالخارج من العام الدال على المنع أمر ان: أحدهما الحيوانات الخاصة المذكورة فيما تقدم و ثانيهما مورد انطباق الكليّة المذكورة المستفادة من النص.

و فيه: أن الظّاهر من صحيح حريز حلية ما أحلّ للحلال أن يذبحه في الحرم من المحللات الواقعية المحللة بالتحليلات الأولية لا المحللات الظّاهرية المحللة بمثل البراءة.

و مما يبعد ذلك أنّ مقتضى ما ذكره أخذ الحكم الوارد في الشك في الحكم الواقعي في موضوع حكم واقعي آخر و هو شبيه بلحاظ- ما هو متأخر رتبة عن الحكم و متوقف عليه في موضوع الحكم فتأمل.

[مسألة 8] الكلام في معنى الصيد

مسألة 8: قال في مجمع البيان: (اختلف في المعني بالصيد فقيل: هو كلُّ الوحش أكل أولم يؤكل، و هو قول أهل العراق و استدلوا له بقول علي (عليه السلام): صيد الملوك أرانب و ثعالب، فإذا ركبت فصيدي الأبطال (1).

و هو مذهب أصحابنا رضي الله عنهم، و قيل: هو كلُّ ما يؤكل لحمه (يعنى من الوحش)، و هو قول الشافعى) (2).

و قال في المستند: (الصيد المحرم يشمل كل حيوان ممتنع بالاصالة سواء كان ممّا يؤكل أولا) ثمّ ذكر وفاق الشرائع و التذكرة بل جملة من كتب العلامة و جمع من المتأخرين لذلك و قال: (و عن الراوندي أنه مذهبنا) (3).

____________

(1)- و بعده في الديوان:

صيدى الفوارس في اللقاء و انني * * * ند الوغى لغضنفر قتال

(2)- مجمع البيان: 3/ 419.

(3)- مستند الشيعة: 11/ 344.