فقه الحج - ج3

- الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني المزيد...
422 /
155

أقول: قال الراوندى: (اختلف في المعنى ...) (1) إلى آخر ما حكيناه عن مجمع البيان حرفاً بحرف.

و مقتضى ما ذكر دلالة الكتاب على أنَّ الصيد المنهي عنه أعم من الصنفين ما يؤكل و ما لا يؤكل الا أنه ربما يستشكل في ذلك بأنَّ ذيل الآية يدل على اختصاص الحكم بما يؤكل لحمه فقد قال الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تقتلوا الصيد و أنتم حرم و من قتله منكم متعمداً فجزاءٌ مثل ما قتل من النعم) (2) الآية فيستفاد من (قوله تعالى) و من قتله ... أن المحرم ما كان مثله في النعم و أما غير ذلك فلا يستفاد منها حرمته.

و غاية ما نقول: أن المحرم صيده ما كان فيه جزاء و كفارة سواء كان أكله حراماً أو حلالا.

و اجيب عن ذلك بأنه لا ملازمة بين حرمة القتل و ثبوت الكفارة فإنّ قوله تعالى في ذيل الآية: (و من عاد فينتقم الله منه) يدل على حرمة إعادة الصيد و لا كفارة على من أعاد و صاد صيداً آخر.

فإن قلت: أن رجوع الضمير إلى الصيد ظاهر في اختصاصه بما فيه الجزاء‌

و الكفارة.

قلت: يمكن أن يكون الضمير على سبيل الاستخدام راجعاً إلى ما فيه الجزاء و الكفارة.

و إن أبيت عن ذلك فغاية ما تدل الآية عليه هو حرمة قتل ما فيه الجزاء لا‌

____________

(1)- فقه القرآن/ 306.

(2)- المائدة/ 95.

156

اختصاص الحرمة به فلا تمنع من استفادة حرمة ما لا يوكل من دليل آخر.

و استشكل أيضاً في شمول الحكم لغير ما يؤكل بقوله تعالى: (وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مٰا دُمْتُمْ حُرُماً) (1) فهذا كالصريح في اختصاص الحكم بما يؤكل لأنّ حرمة ما لا يؤكل عام تشمل المحل كالمحرم و الَّذي حرام في خصوص حال الإحرام هو ما يؤكل.

و أجيب عن ذلك أيضاً بأنّ المعني بالصيد هو معناه المصدري أي الاصطياد دون المصيد و الاصطياد حرام على المحرم و حلال على المحلّ و الشاهد لذلك قوله تعالى في صدر الآية الشريفة: (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَ طَعٰامُهُ مَتٰاعاً لَكُمْ وَ لِلسَّيّٰارَةِ) فإنّ المراد من الصيد الاصطياد و إلا لو كان المراد منه المصيد يلزم أن يكون المحلَّل في الجملة الثانية عين المحلَّل في الجملة الأولى.

و بعد ذلك كلّه لو كان المراد من الصيد المصيد الحلال لا يفيد اختصاص الحرمة به فلا يمنع من دلالة دليل آخر على حرمة صيد ما لا يؤكل، و اختصاص ما يؤكل بالذكر لكثرة الابتلاء به و تعارف أكله.

فممّا يدل على حرمة ما لا يؤكل بالعموم صحيح الحلبي عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا تستحلن شيئاً من الصيد و أنت حرام و لا و أنت حلال في الحرم، و لا تدلن عليه محلا و لا محرماً فيصطاده و لا تشر إليه فيستحل من أجلك فإن فيه فداء لمن تعمده» (2)

و ما رواه الشيخ بإسناده عن عمر بن يزيد عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال:

____________

(1)- المائدة/ 96.

(2)- وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب تروك الاحرام ح 1.

157

«و اجتنب في إحرامك صيد البر كلِّه، و لا تأكل مما صاده غيرك، و لا تشر إليه فيصيده» (1) و صحيح منصور بن حازم عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «المحرم لا يدل على الصيد فإن دلّ عليه فقتل فعليه الفداء» (2) و منه غير ذلك مما ذكره في المستند.

و قال في آخر كلامه: (ثمّ إنَّه خالف هنا جماعة في الصيد المحرم أكله بل في المفاتيح حكى عن الأكثر فقيدوا الصيد المحرم بالمحلل من الممتنع فجوزوا صيد كل ما لا يؤكل إمَّا مطلقاً كطائفة أو باستثناء الأسد و الثعلب و الأرنب، و الضب و اليربوع، و القنفذ و الزنبور و العظاية فحرموا صيدها أيضاً كجماعة استناداً إلى عدم وجوب كفارة في غير المأكول سوى الثمانية و ردَّ بمنع التلازم بين عدم لزوم الكفارة و عدم التحريم لأنَّها ليس من لوازم الحرمة كما يشهد عليه سقوط- الكفارة عمّن عاد في الصيد متعمداً و اجيب: بأنه يمكن استنباط- التلازم بين الحرمة و لزوم الكفارة من سياق قوله سبحانه: وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزٰاءٌ مِثْلُ مٰا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ و من صحيحتي الحلبي و ابن حازم المتقدمتين فإنَّ مفادهما ثبوت الفداء في كل ما تعلق به النهى فلا بد من أحد التخصيصين إمَّا تخصيص الصيد بالمحلل أو الفداء ببعض ما يحرم صيده فلا يعلم عموم حرمة الصيد أقول: يمكن أن يقال: إنَّ غاية ذلك اختصاص حرمة الصيد بما فيه الفداء و لكن لا يفيد ذلك فيما نهى فيه عن قتل الدواب و السباع‌

و نحوها و الحاصل: إن هاهنا أمرين أحدهما: النهى عن الصيد و الآخر: عن قتل الدواب و ما ثبت فيه التلازم هو الأوَّل دون الثاني و المثبت للتعميم حقيقة هو الثاني). (3)

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب تروك الاحرام ح 5.

(2)- وسائل الشيعة: ب 1 من أبواب تروك الاحرام ح 3.

(3)- مستند الشيعة: 11/ 348.

158

أقول: و حاصل كلامه أن في الصيد نلتزم بحرمة ما فيه الفداء و في قتل الدواب بحرمته مطلقاً و إن لم يكن فيه الفداء و طريق الاحتياط- ترك صيد ما يؤكل و ما لا يؤكل مما يصاد و ترك قتل ما يصاد من غير المأكول و ما لا يصاد و الله هو العالم.

[مسألة 9] الكلام فيما اذا صار الحيوان الوحشى اهليا و بالعكس

مسألة 9: إذا صار الحيوان الوحشي أهلياً، و الأهلي وحشياً فهل العبرة في جواز صيده أو حرمته بحالته الأصليّة أو العارضة.

فإن قلنا: بأن الصيد عبارة عن تناول الحيوانات الممتنعة، فالظاهر صدقه على تناول ما صار كذلك و إن كان امتناعه عارضياً، و ذلك لأنَّ الصيد تناول الممتنع عن تناوله و الظفر به، و لذلك قال مولانا (عليه السلام): «و إذا ركبت فصيدي الأبطال» لأنَّ البطل هو ما يكون كذلك.

و على هذا لا يصدق الصيد على ما صار أهلياً لعدم امتناعه عن الظفر به، و التسلط عليه و يصدق على ما صار وحشياً و دعوى عدم صدق الصيد على الثانى و بقاء صدقه على الأول كأنَّها مجازفة.

نعم لو قلنا: بأن حلّية الحيوانات الأهلية ليست بهذا العنوان بل ما هو‌

الموضوع للحليّة فيها نفس عناوين أصنافها من البقر أو الغنم أو الشاة أو الإبل أو الأنعام الثلاثة.

يمكن أن يقال: ببقاء حليّتها و إن صار وحشيّاً لعدم تغير ما هو الموضوع بذلك، فالبقر حلال و هذا بقر فهو حلال.

فإن قلت: هذا إذا لم نقل بصدق الصيد على الظفر بالحيوان الأهلي الَّذي صار‌

159

وحشياً، و أمّا إن قلنا بذلك فما يدل على حليّة البقر و الغنم و الإبل يكون نسبته مع الدليل الدال على حرمة صيد الوحشى مطلقاً بالعموم من وجه فيتعارضان في الأنعام الأهلية الَّتى صرن وحشيَّة فيتساقطان و يكون المرجع الأصل العملي لا اللفظى.

قلت: الأمر كذلك و إن أفاد بعض الأعلام فقال: (و لو فرضنا صدق الصيد عليه إلا أن النصوص المعتبرة دلت على جواز ذبح الإبل و البقر، و إطلاقها يقتضى الجواز، و إن توحش الحيوان الأهلي لتقدم إطلاق الخاص على العام). (1)

و لكن فيما أفاده انّ ذلك يتمّ لو كان عموم الصيد شاملا لذبح البقر و الشاة و نحر الإبل مطلقاً فإنَّه يكون خروج ما ذكر من تحت عموم الصيد من خروج الخاص من تحت العام، و اطلاق الخاص الخارج عن تحته الشامل للبقر الّذي صار وحشياً مقدم على إطلاق العام الشامل له.

و أمّا إذا كان إطلاق الصيد شاملا لخصوص ذبح البقر الّذي صار وحشياً دون غيره يكون النسبة بين الدليلين بالعموم من وجه فلا بد بعد تساقطهما بالتعارض من الرجوع إلى الأصل العملي. فتدبر.

[مسألة 10] حلية ذبح الحيوانات الاهلية مما لا يطلب أكله

مسألة 10: هل جواز حلّية ذبح الحيوانات الأهلية تختص بما يطلب أكله أو يعمه و ما يطلب ظهره و إن كان يحل أكله أيضاً، فعلى القول بالاختصاص لا يجوز ذبح غير الأنعام الثلاثة و الدجاج كالخيل و البغل و الحمار و على القول بالتعميم يجوز ذبح الجميع و إن لم يرد لحمه بل أراد

____________

(1)- معتمد العروة: 3/ 382.

160

الانتفاع مثلا بجلده.

ظاهر إطلاق كلماتهم حلية ذبح مطلق ما كان أهلياً و نسب إلى الشرائع بأن كلامه يوهم الاختصاص لاستثنائه خصوص النعم و الدجاج مما يحرم ذبحه إلا اننا لم نجد في الشرائع.

و الذي هو الوجه في حلّية مطلق ما كان أهلياً الأصل و اختصاص ما يدل على الحرمة بالصيد البري.

نعم الحكم بالنسبة إلى حلية الإبل و البقر و الغنم و الدجاج واقعي قد دل عليه صحيح أبي بصير الّذى رواه الشيخ بإسناده عنه عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «يذبح في الحرم الابل و البقر و الغنم و الدجاج» (1) و في الفقيه رواه الصدوق عنه و صدره: «لا يذبح في الحرم إلا ...» (2) و الظّاهر إنَّ ما حكي عن النسخة المطبوعة القديمة بدل «في الحرم»، «في الحل» سهو و إلا فالمعنى المستقيم له: إنَّ المحرم يذبح في الحل الإبل ... دون الحرم فإنَّه لا يذبح فيه شي‌ء من الثلاثة و الدجاج و أمّا بالنسبة إلى البغال و الحمير و الخيول ظاهري ثابت بالأصل.

نعم على نسخة الفقيه الحكم بالنسبة إليها أيضاً واقعي تحريمي لأنَّه لا مجال للأصل مع البناء عليها.

و لكن هى معارضة بنسخة التهذيب بل بما عند صاحب الوسائل من نسخة الفقيه مع التهذيب فإنَّه قال: و رواه الصدوق بإسناده عن ابن مسكان. (3)

____________

(1)- تهذيب الاحكام: 5/ 367 ح 1279/ 192.

(2)- من لا يحضره الفقيه: 2/ 264 ح 2379.

(3)- وسائل الشيعة: ب 82 من ابواب تروك الاحرام ح 1.

161

و بعد ذلك لا يقال: إنَّ الاعتماد على رواية الصدوق لانه أضبط من الشيخ على ما قيل فإنّ ذلك فرع معارضة الفقيه مع التهذيب و بعد اختلاف نسخ الفقيه لا تثبت المعارضة.

و احتمال أنَّ الصدوق استفاد من سياق قوله (عليه السلام) اختصاص الجواز بالثلاثة و الدجاج لاختصاصها بالذكر فنقل الحديث بالمضمون لا باللفظ- و إن كان لا يخلو من بعد إلا انه لا يرد به.

و كيف كان فالرواية على ما رواها الشيخ و إن كانت لا تخلو من إشعار ما على اختصاص حكم الحليَّة بالأنعام و الدجاج إلا انه ليس على حد يطمئن به النفس.

و أما الاستدلال على حرمة ما يطلب ظهره بعموم صحيح معاوية بن عمار عن أبي عبد الله (عليه السلام) فانه قال فيه: «ثمّ اتّق قتل الدواب كلِّها إلا الأفعى و ...» (1).

فإنَّ ذلك ليس ممَّا استثنى منه في نفس الصحيح و في غيره أيضاً لم يستثن إلا الأنعام و الدجاج ففيه: انا منعنا شمول الدواب المذكور فيه للأنعام و الخيل و البغال و الحمير فإنّ الظّاهر انّ المراد منه في الأكثر الحشرات سيَّما بقرينة ما استثنى فيه من الدواب.

مضافاً إلى أنَّ الحديث ورد في بيان وظيفة المحرم و ما هو محرَّم عليه فلا يدل على ما هو وظيفة المحرم و المحل في الحرم و حرمة ذبح الحمير و البغال و الخيول فيه فذلك باق تحت الأصل.

نعم بالنسبة إلى المحرم يمكن أن نقول: باستثناء الأنعام و الدجاج باطلاق صحيح أبي بصير و بالإجماع و بالنسبة إلى الخيل و أخويه‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 81 من أبواب تروك الاحرام ح 2.

162

باستثنائها بما دل على ان كلما جاز قتله للمحل في الحرم يجوز ذبحه للمحرم في الحل و الحرم و الخيل و أخويه يجوز ذبحها للمحل في الحرم للاصل فيجوز ذبحها للمحرم أيضاً في الحل و الحرم هذا على ما أفاده بعض المعاصرين. (1)

و لكن قلنا: بأنَّ ذلك من جعل الحكم الظّاهري موضوعاً للحكم الواقعي و هو خلاف الظّاهر و قريب من لحاظين طوليين على خلاف مقتضاهما و كأنَّه تفطن هنا بذلك فاستدل لحلية الحمير و البغال و الخيول بأنَّه لا ريب في جواز قتل ذلك للمحل في الحرم لأنَّ الَّذي يحرم عليه الحيوان الَّذي دخل من الخارج إلى الحرم و التجأ إليه فإنَّه آمن لقوله تعالى (وَ مَنْ دَخَلَهُ كٰانَ آمِناً) و كذلك الصيد و شي‌ء منهما غير صادق على الخيول و البغال و الحمير على الفرض فلا مانع للمحل في الحرم من ذبح ذلك فإذا جاز له جاز للمحرم و فيه: انّ ذلك لا يتم إلا بالأصل فإن الدليل على حرمة الصيد و حرمة الحيوان الَّذي يلتجأ إلى الحرم ليس دليلا على حلية البغل و أخويه.

اللهم إلا أن يقال بدلالة الدليل على حصر الحرام فيما ذكر أو ادّعى القطع و تسلم الاصحاب على ذلك.

و لكن كل من الوجهين غير سديد و لعل الأسد في الجواب عن هذا العموم‌

انصرافه عن غير الحشرات و إلا فيشمل عمومه الخيول و البغال و الحمير.

نعم تبقى هنا رواية اخرى مطعونة بضعف سند و هي ما رواه الكلينى عن عدة من أصحابنا (2) عن سهل بن زياد (3) عن أحمد بن محمد بن أبي نصر (4) عن‌

____________

(1)- معتمد العروة: 3/ 384.

(2)- عدته عن سهل أحدهم محمد بن الحسن و هو الطائي الرازي و محمد بن جعفر الأسدي نزيل الري أو محمد بن أبي عبد الله، و محمد بن عقيل الكليني، و على بن محمد بن إبراهيم (رجال اسانيد الكافى).

(3)- من السابعة له كتاب.

(4)- من السادسة و من أصحاب الإجماع روى عن مولانا الرضا (عليه السلام) كتاباً.

163

عبد الكريم (1) عن أبي بصير (2) عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يذبح بمكة إلا الإبل و البقر و الغنم و الدجاج» (3) و هذا يدل على حرمة ذبح ما يقبل الذبح و التذكية إلا الأربعة المذكورة الَّتى يطلب لحمها إلا ان شمول إطلاقها في المنع عن ذبح غير ما ذكر لصورة الضرورة كما إذا صار معرضاً للتلف ميتة في غاية البعد فالمراد منه و الله اعلم إمّا المنع عن الذبح في غير حال الضرورة أو للانتفاع بلحمها.

و كيف كان فهذا المتن و متن ما رواه الصدوق واحد غير أنَّ لفظ- الفقيه «بالحرم» بدل بمكة و لذا يمكن أن يجعل ذلك مؤيداً و وجهاً لترجيح نسخة الفقيه على التهذيب لقوة احتمال كون ما رواه ابن مسكان عن أبي بصير و عبد الكريم عنه واحد فالترجيح يكون مع نسخة الكلينى و الصدوق مضافاً إلى تقديم اصالة عدم الزيادة على النقيصة و بذلك اي بموافقة رواية عبد الكريم مع رواية ابن مسكان إلا في‌

«بمكة» يجبر ضعف رواية عبد الكريم و يطمئن النفس بصدوره.

و بالجملة يقع التعارض بين ما رواه التهذيب و ما رواه الكليني في الكافي و الصدوق في الفقيه و الظّاهر ترجيحهما عليه و قد كان لأبي بصير يحيى بن القاسم كتاب في مناسك الحج و الظّاهر ان هذا الحديث من مروياته و لعله كان موجوداً عند العدة من مشايخ الكلينى و سائر رجال السند إلى أبى بصير و عند الحسين بن سعيد و سائر رجال سند الشيخ و إنَّما لم يكتفوا بالرواية بالوجادة لما استقر به عادتهم في تحمل الحديث و روايته و سواء اعتنى بهذا الاحتمال أو لم يعتن به لا مجال للطعن‌

____________

(1)- ابن عمر و الخثعمى من الخامسة واقفي له كتاب.

(2)- ان كان هو يحيى بن القاسم له كتاب مناسك و ان كان هو ليث المرادي ايضاً له كتاب من الرابعة.

(3)- الكافى: 4/ 231.

164

في السند.

فإن قلنا بترجيح لفظ- الكافي و الفقيه على التهذيب يكون النتيجة عدم جواز ذبح غير الأربعة في مكة أو في الحرم فهو ممّا حرم ارتكابه في الحرم و محرّم على المحل و المحرم بهذا العنوان و أمّا لخصوص عنوان المحرم فإن قلنا بان ما يدل على أنّ كلما هو حلال ذبحه في الحرم حلال على المحرم في الحل و الحرم يدل بالمفهوم على ان كلما هو حرام ذبحه في الحرم محرم على المحرم في الحل و الحرم نقول بحرمته في الحل ايضاً على المحرم و الا فالاصل عدم حرمته عليه في الحل و الله هو العالم.

[من محرمات الإحرام النساء]

حرمة النساء في الاحرام

من محرمات الإحرام النساء و الكلام فيه يأتى في طى مسائل:

[مسألة 11- الجماع قبلا كان أو دبراً حرام على المحرم]

مسألة 11: الجماع قبلا كان أو دبراً حرام على المحرم و حرمته ثابت بالإجماع و الكتاب و السنة.

أمَّا الإجماع فلا ريب في تحققه و كون الحكم مقطوعاً به بين الأصحاب.

و أمّا الكتاب فقوله تعالى: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومٰاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلٰا رَفَثَ وَ لٰا فُسُوقَ وَ لٰا جِدٰالَ فِي الْحَجِّ) (1) و هو يدل على حرمة الجماع سواء كان المراد به الكلام المتضمن لدواعيه و إرادته أو خصوص فعله.

قال الراغب في المفردات: (الرفث كلام متضمن لما يستقبح ذكره من ذكر الجماع و جعل كناية عن الجماع ... و قوله: (فَلٰا رَفَثَ وَ لٰا فُسُوقَ) يحتمل أن يكون نهياً عن تعاطي الجماع و أن يكون نهياً عن الحديث في ذلك إذ هو من دواعيه‌

____________

(1)- البقرة/ 297.

165

و الأوّل أصح).

و هذا أي إرادة الجماع منه مصرح به في أحاديثنا و هو المعول عليه في تفسير القرآن الكريم.

و أمّا السنة فقد دلت كما أشرنا إليه الرّوايات المأثورة عن ساداتنا الأبرار (عليهم السلام) على حرمة الجماع ففي الصحيح عن معاوية بن عمار و عن صفوان بن يحيى و ابن أبي عمير عن الصادق (عليه السلام) بعد ذكر الآية قال: «فالرفث الجماع و الفسوق الكذب و السباب و الجدال قول الرجل لا و الله و بلى و الله» (1).

و في الصحيح أيضاً عن علي بن جعفر قال: «سألت أخي موسى (عليه السلام) عن الرفث و الفسوق و الجدال ما هو و ما على من فعله؟ فقال: الرفث جماع النساء» الحديث (2).

فإن قلت: الآية الكريمة انَّها تدل على حرمة الرفث في الحج تمتعاً كان أو‌

إفراداً أو قراناً و في عمرة التمتع دون العمرة المفردة لأنَّ ما هو مختص وقوعه بأشهر الحج هو حجّ التمتّع و عمرته و حجّ القران و الإفراد و أمَّا العمرة المفردة يجوز الإتيان بها في طول السنة، و كذلك الرّوايات مقصورة دلالتها على ما دلت عليه الآية لانها وردت في تفسير الآية.

قلت: أوّلا يمكن أن يقال: إنَّ المتفاهم من ذلك عندهم أنَّ السبب في حرمة المحرمات هو الإحرام و لا خصوصية لكونه للحج أو للعمرة أو في أشهر الحج أو في غيرها.

____________

(1)- وسائل الشيعة: 32 من أبواب تروك الاحرام ح 1.

(2)- وسائل الشيعة: ب 32 من أبواب تروك الاحرام ح 4.

166

و ثانياً: هنا روايات اخرى فيما يحرم بالإحرام بقول مطلق سواء كان للحج أو للعمرة المبتولة أو عمرة التمتّع و ذلك مثل صحيح عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد الله (عليه السلام): «في الرجل يقع على أهله بعد ما يعقد الإحرام و لم يلبّ؟ قال: ليس عليه شي‌ء» (1).

و رواية جميل بن دراج عن بعض أصحابنا عن أحدهما (عليه السلام) (2) و روايات اخرى (3).

و ممَّا ذكر يظهر الإشكال في دلالة الآية على حرمة الرفث بعد أعمال الحج و العمرة قبل طواف النساء و لكن يدفع بقطعهم بالحرمة قبله و بالنصوص الدالة عليها (4) فهذه المسائل مورد الاتفاق و الإجماع.

كما أنَّ ظاهر النصوص و كلمات الفقهاء إلا من حكى الشيخ في الخلاف خلافه (5) و لم يعرف باسمه عدم الفرق في حرمة الجماع بين القبل و الدبر لصدق الجماع و الوطي و الوقاع و الإتيان و الدخول على الثانى و دعوى انصرافها إلى الأوَّل غير مسموعة بعد كون الثاني أحد المأتيين مضافاً إلى مناسبة اتحادهما في مثل هذا الحكم و مضافاً إلى حرمة ما هو دون الجماع على المحرم كما أنه لا فرق بين الإنزال و عدمه بعد صدق العناوين المذكورة.

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب تروك الاحرام ح 1.

(2)- وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب تروك الاحرام ح 2 ..

(3)- وسائل الشيعة: ب 12 و 13 و 14 و 15 من أبواب تروك الاحرام.

(4)- وسائل الشيعة: ب 2 من أبواب الطواف ح 3 و ب 58 و ب 10 من أبواب كفارة الاستمتاع و ب 13 و 14 من أبواب الحلق و التقصير.

(5)- الخلاف: 2/ 370.

167

و هل يختص الحكم بالجماع الحلال أو يشمل الحرام سواء كان بالعرض كالجماع في حال الحيض أو المحرم بالمظاهرة أو الإيلاء أو بالأصل كالزناء و اللواط؟

المقصود ترتب ما يترتب على الحلال من فساد الإحرام على الحرام أيضاً لا اصل الحرمة لحرمة هذه المحرمات مطلقاً في حال الإحرام و سائر الاحوال.

نعم يشتد حرمتها في حال الإحرام كما يشتد في الأماكن المقدسة و الأزمنة الشريفة.

و كيف كان فلا ريب في ترتب الأحكام على الجماع في حال الحيض و المحرَّم بالإيلاء و الظهار لان كل ذلك واقع تحت العناوين المذكورة و ايتاء الاهل.

و أمَّا الزناء و اللواط- فربما يستدل لكونهما محكومين بأحكام الجماع الحلال بالأولوية لأنهما أفحش و أغلظ في العصيان فبالإِفساد و العقوبة أولى.

و لكن رد بأنَّ ما يترتب على ارتكاب الحلال عقوبة دنيوية و كفارة توجب‌

التكفير و ليس ارتكاب الحرام أولى بها من الحلال و لا مساوياً له في الموضوعيَّة لهذا الحكم حتَّى يتمسك بمفهوم الموافقة و المساواة.

و هذا يتم لو كان الحج الثاني الذي يجب على من جامع أهله عقوبة و أمّا إن كان هو ما عليه لفساد الأول فالتفصيل بين الحلال و الحرام بفساد الأول و صحة الثاني غير مقبول عند العرف فإنّه يرى الثانى أولى بالفساد و لذلك ربما يقال: بالاقتصار على المتيقن و هو الحلال أمّا في الحرام فالأصل براءة الذمة عما يترتب على الحلال.

و لكن بعد ذلك. المسألة في غاية الإشكال و ممَّا يؤيد الإشكال انّه يلزم من الأخذ بالأصل و عدم الحاق جماع الحرام بالحلال انَّه إن تاب من ذنبه لا يؤخذ به في‌

168

الآخرة و لا عقوبة له في الدنيا فيكون حاله أحسن ممَّن ارتكب الجماع بالحلال.

و ممَّا يؤيد خلاف ذلك عدم ترتب بعض أحكام الجماع الحلال على الحرام مثل الافتراق بين الناكح و المنكوحة.

و بعد ذلك كلّه القول بترتب الأحكام على الحرام موافق للاحتياط- لا يجوز تركه.

و من ذلك كله يظهر الكلام فيما لو جامع أمته فقد صرح في القواعد على ما حكى عنه في الجواهر بالحاقها بزوجته لصدق الامرأة و الأهل عليها و قال في الجواهر: (لا يخفى عليك وضوح إمكان المنع نعم لو قلنا بأنَّ المدار على صدق الجماع و المواقعة و نحو ذلك و إن ذكر الأهل لكونه المعهود اتَّجه حينئذ ذلك و هو مؤكد لما‌

ذكرناه سابقاً و إلا كان مقتضى الأصل عدم شي‌ء منهما و الله العالم) (1).

[مسألة 12] ما يترتب على الجماع

مسألة 12: إذا وقع الجماع فالكلام تارة يقع فيما يترتب عليه الأحكام المذكورة في الرّوايات و اخرى في أحكام تترتب عليه.

فنقول: أمَّا المترتب عليه الأحكام كلا أو بعضاً فهو مطلق الجماع بأنواعه الَّتي ذكرناها في المسألة السابقة.

و أمّا الأحكام الَّتي تترتب عليه فتارة يقع الجماع قبل الوقوف بالمزدلفة و أخرى بعده‌

أمّا في الصورة الأولى: فما ترتب على وقوعه قبل المشعر الحرام عالماً بالتحريم أمور:

____________

(1) جواهر الكلام: 20/ 356.

169

الأمر الأول: وجوب إتمام ما بيده و الإتيان بالحجّ من قابل

و هو ثابت بالإجماع و بالنصوص الكثيرة مثل صحيح زرارة قال: «سألته عن محرم غشى امرأته و هي محرمة؟ قال: جاهلين أو عالمين؟ قلت أَجِبني في الوجهين جميعاً قال: إن كانا جاهلين استغفرا ربهما و مضيا على حجهما و ليس عليهما شي‌ء و إن كانا عالمين فرق بينهما من المكان الَّذي أحدثا فيه و عليهما بدنة و عليهما الحج من قابل فإذا بلغا المكان الَّذي أحدثا فيه فرق بينهما حتى يقضيا نسكهما و يرجعا إلى المكان الَّذي أصابا فيه ما أصابا قلت: فأيّ الحجتين لهما؟ قال: الأولى الَّتي أحدثا فيها ما أحدثا و الأخرى عليهما عقوبة». (1)

و اضماره لا يضرّ باعتباره بعد ما كان المضمر مثل زرارة مضافاً انّ المعلوم انَّه كان يذكر مسائله في الحج عن الإمام (عليه السلام) و ذكر اسمه في أول مسائله و لم يكرر بذكر اسمه في ابتداء كل مسألة اختصاراً و جرياً على رسم العرف في محاوراتهم و تعظيماً للمسئول منه (عليه السلام). أمّا احتمال كونه من المقطوع ممنوع جداً و مثله في الدلالة على ذلك غيره من النصوص.

غير أنَّ في هذا الصحيح ما لا يدل عليه غيره و هو كالصريح لصحة الاولى و عدم فسادها بالجماع و كون الثانية عقوبة عليه فما في صحيح سليمان بن خالد قال: «سمعت أبا عبد الله (عليه السلام) يقول: في الجدال شاة و في السباب و الفسوق بقرة، و الرفث فساد الحج» (2) فمحمول على الفساد الَّذي لا يبطل به الشي‌ء فإنّه عبارة عن خروج الشي‌ء عن الاعتدال قليلا كان أو كثيراً ضد الصلاح.

و بالجملة لا يستلزم الفساد البطلان و عدم ترتب الآثار على الشي‌ء.

____________

(1) وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب كفارة الاستمتاع ح 9.

(2) تهذيب الاحكام: 5/ 297 ح 1004.

170

فالمسألة محل الخلاف بينهم تعرض لها في الجواهر مفصلا إلا أنّه اختار أخيراً القول بصحة الاولى تمسكاً بصحيح زرارة فراجع إن شئت (1)

و مما استدل به على صحة الاولى و كون الثانية عقوبة موثقة محمد بن أبي حمزة عن اسحاق بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام): «في الرجل يحج عن آخر فاجترح في حجه شيئاً يلزمه فيه الحج من قابل أو كفارة قال: هي للأول تامّة و على هذا ما اجترح» (2).

هذا و تظهر الفائدة بين القولين في النيّة فيأتي على القول بكون الاولى هي حجته ببقية الأعمال على نيته الاولى و بالثاني على ما وجب عليه بالإفساد و على القول بكون الثانية هي حجته الواجبة عليه يأتي بها بنية الحج الّذي وجب عليه بالأصل و ببقية مناسك الاولى بنية الأمر الجديد الَّذي تعلق بها.

و أيضاً الأجير للحج في سنته على القول الأول يستحق أجرة عمله و يجزي عمله عمَّن ناب عنه و يأتي بالثَّانية بنية ما وجب على نفسه و على الثاني لا يستحق الأجرة و يأتى ببقية مناسك الاولى و هل يجب عليه الثاني نيابة عمَّن ناب عنه في الأولى و يجزي عنه ثمّ هل يستحق الاجرة المسماة بذلك أو لا يجب عليه الثانية حتَّى يكون الحكم بوجوب الثانية مقصوراً على من حجّ عن نفسه أو لا يستحق الأجرة و ان برئت ذمَّة المنوب عنه بها في المسألة وجوه.

و يمكن أن يقال: إنَّ المستفاد من إطلاق الأدلة انَّ هذا أي إتمام مناسك الأولى و الحج من قابل حكم الجماع في أثناء العمل قبل المزدلفة و يجزيه عما نواه سواء كان‌

____________

(1)- جواهر الكلام: 20/ 354.

(2)- وسائل الشيعة: ب 15 من أبواب النيابة في الحج ح 2.

171

عن نفسه أو عن غيره و الله هو العالم.

و تظهر الثمرة أيضاً في المصدود و المحصور فإنَّه على القول بأنَّ الثاني عقوبة يجب عليه ثانياً الحج إذا كان استقر عليه قبل هذه السنة أو بقيت استطاعته إلى العام القابل بل بعده.

إلا أن يقال: بوجوب تقديم حجّة الإسلام على حجّ العقوبة فإنّه يكفي بقاء الاستطاعة إلى الحج القابل و إلا لا يستقر عليه الحج إلا إذا بقيت إلى بعد العام القابل و الله هو العالم.

الأمر الثاني: مما يترتب على الجماع عالماً عامداً قبل الوقوف بالمشعر الكفارة

و يدل على ثبوتها عليه الرّوايات (1) و هذا ممَّا لا ريب فيه و الظّاهر انَّه لا خلاف بينهم فيه.

و ممَّا هو غنيّ عن البحث انَّ المرأة تشترك مع الرجل إذا كانت مطاوعة له في جميع الأحكام فتجب عليه الكفارة و ادّعى عليه الإجماع بقسميه في الجواهر (2) و قد دلت عليه الأخبار منها صحيح زرارة المتقدم ذكره و فيه: «و عليهما بدنة» (3) و في خبر خالد الأصم قال: «حججت و جماعة من أصحابنا و كانت معنا امرأة فلما قدمنا مكة جاءنا رجل من أصحابنا فقال: يا هؤلاء قد بليت قالوا: بما ذا؟ قال: شكرت بهذه المرأة فاسألوا أبا عبد الله (عليه السلام) فسألناه فقال: عليه بدن فقالت المرأة: اسألوا لي‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب كفارة الاستمتاع و ب 4 ح 1 و 2 و ب 6 ح 2 و بالاولوية ب 7 ح 1 و 2 و غيره.

(2)- جواهر الكلام: 20/ 356.

(3)- وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 9.

172

ابا عبد الله (عليه السلام) فإنّى قد اشتهيت فسألناه فقال: عليها بدنة» (1).

و ما رواه في معانى الأخبار عن أبي عبد الله (عليه السلام) و فيه: «و إن كانت اعانت بشهوة مع شهوة الرجل فعليهما بدنتان ينحرانهما» الحديث. (2)

و أمّا قوله (عليه السلام) في صحيح على بن جعفر عن أخيه (عليهم السلام): «الرفث جماع النساء» (3) فقد استدلَّ البعض باشتراك المرأة مع الرجل في الأحكام بإطلاقه.

و لكن الظّاهر انَّه لا إطلاق له فإنَّ الظّاهر منه انَّه فعل الرجل و ضمه المرأة إلى‌

نفسه و الأولى الاستدلال بقوله: «فلا رفث» فإنّه كلاماً كان أو فعلا يشمل فعل المرأة كما يشمل فعل الرجل.

إلا أن يقال: بأنّه فسر بجماع النساء فلا يدل على حكم النساء.

و كيف كان لا ريب في اشتراكهما في جميع الأحكام إذا كانت مطاوعة له و أمّا إذا كانت مستكرهة كان حجها ماضياً ليس عليها شي‌ء بلا خلاف و لا إشكال.

و يدلّ عليه صحيح سليمان بن خالد عن أبي عبد الله (عليه السلام) و فيه: «و إن كانت المرأة لم تعن بشهوة و استكرهها صاحبها فليس عليها شي‌ء» (4).

و ما في خبر معاني الأخبار المتقدم ذكره و فيه: «و إن كان استكرهها و ليس بهوى منها فليس عليها شي‌ء» و هو مقتضى الأصل.

و لكن على زوجها كفارتان و هذا أيضاً حسب النصوص الكثيرة فلا إشكال‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع. ح 7.

(2)- معانى الاخبار: 294.

(3)- وسائل الشيعة: ب 32 من ابواب تروك الاحرام ح 4.

(4)- وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 1.

173

في الحكم و عدم ذكره في صحيح سليمان بن خالد لا يدل على عدمها على الزوج و إن قال في المدارك كما حكى عنه في الجواهر: (ربما ظهر من هذه الرواية عدم تعدد الكفارة على الزوج مع الإكراه) (1) ضرورة عدم دلالة نفي الشي‌ء عنها على نفيه عنه.

نعم لو لا غيره يكون منفياً بالأصل و مع كون غيره لا يصل النوبة إلى الأصل و لو أكرهت الزوجة الزوج لا يترتب على ذلك شي‌ء غير الإثم على الزوجة المكرهة و مقتضى حديث الرفع صحّة حجّ المكره كما أنَّه لا دليل على تعدد الكفارة على المكرهة لأنَّ الدليل مختص بإكراه الزوج الزوجة بل ليس على من اكره المحرم و المحرمة على الجماع أيضاً شي‌ء إلا الإثم.

و هل يتحمل الزوج المحلّ إن أكره زوجته المحرمة على الجماع الكفارة عنها أم لا وجهان أقربهما الأول لأنَّ الظّاهر ان كون كفارتها عليه ليس لأنّه محرم بل لانها محرمة و الله هو العالم.

الأمر الثالث: قد علم ممَّا ذكر في الأمر الثاني ثبوت الكفارة على المحرم إذا جامع عالماً عامداً و لا ريب انّها بدنة على من كان موسراً متمكناً

و لكن قد وقع الكلام فيها إذا لم يتمكن من البدنة لعدم يساره أو لعدم وجوده، فهل لها بدل من بقرة أو شاة أو إطعام أو استغفار أو أنَّها تسقط عنها بمجرد ذلك أو تبقى في ذمّته حتَّى يتمكن منها؟

فقد قيل: إنّ المعروف بينهم انَّها في صورة عدم التمكن من البدنة البقرة و الشاة إمَّا مخيراً بينهما أو كون الشاة بدلا عن البقرة إذا لم يتمكن منها أيضاً.

و الظّاهر أنّ ما رواه الكليني (قدس سره) في ذيل الرواية الخامسة من باب المحرم يواقع‌

____________

(1)- جواهر الكلام: 20/ 363.

174

امرأته ... (1) متروك مهجور ضعيف إمّا بالإرسال إذا لم يكن من الخامسة و إمّا بضعف سنده بعلى بن أبي حمزة إذا كان ذيلا للرواية الخامسة و إليك عين لفظه و في رواية اخرى: «فإن لم يقدر على بدنة فاطعام ستين مسكيناً لكلّ مسكين مد فإن لم يقدر فصيام ثمانية عشر يوماً، و عليها أيضاً كمثله إن لم يكن استكرهها». (2)

و روى الصدوق باسناده عن خالد بياع القلانس قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل أتى أهله و عليه طواف النساء؟ قال: عليه بدنة ثمّ جاءه آخر (فسأله عنها) فقال: عليك بقرة ثمّ جاءه آخر (فسأله عنها) فقال: عليك (عليه) شاة فقلت بعد ما قاموا: أصلحك الله كيف قلت عليه بدنة؟ فقال: أنت موسر فعليك بدنة، و على الوسط بقرة، و على الفقير شاة». (3)

و هذا الخبر مطعون بضعف السند لضعف طريق الصدوق إلى خالد بنضر بن شعيب فإنَّه مجهول إلا أن يقال بجبر ضعفه بالعمل فإنَّ الشيخ أفتى في المبسوط- بأنَّ من جامع قبل طواف الزّيارة عليه جزور و إن لم يتمكن عليه بقرة و إن لم يتمكن عليه شاة.

و الظّاهر انّ ذلك يكون بالنظر إلى مثل هذا الخبر و ملاحظة أولوية قبل طواف الزِّيارة لهذا الحكم عمن عليه طواف النساء و على هذا لا يرد الاستدلال به لما نحن فيه بأنَّ كلامنا في من جامع قبل المزدلفة و هذا وارد فيمن جامع بعدها فإن الاستدلال به يكون مبنياً على أولوية قبل المزدلفة لذلك عما بعدها فإنه ليس قبل‌

____________

(1)- الكافي: 4/ 374.

(2)- وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 3.

(3)- وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 1. و من لا يحضره الفقيه: 2/ 363 ح 2716.

175

المشعر أخف من بعده فما ثبت من الكفارة على الجماع بعده يثبت على ما قبله.

و يمكن أن يستدل لذلك بل يستدل لبدلية البقرة و الشاة على الترتيب المذكور في كل مورد كان كفارته بدنة و عجز المكلف عنها بموثق إسحاق بن عمار عن أبي بصير قال: «قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل محرم نظر إلى ساق امرأة فأمنى؟ فقال: إن كان موسراً فعليه بدنة و إن كان وسطاً فعليه بقرة و إن كان فقيراً فعليه شاة» (1). و الاستدلال به بالمفهوم و الأولوية لأنَّ وجوب الكفارة على الجماع أولى من وجوبه على النظر إلى ساق امرأة.

و في صحيح زرارة: «في محرم نظر إلى غير أهله فأنزل قال: عليه جزور أو بقرة فإن لم يجد فشاة». (2)

و لكن في صحيح علي بن جعفر: «فمن رفث فعليه بدنة ينحرها فإن لم يجد فشاة». (3)

و المعول على هذا الضعف غيره سنداً أو دلالة و لكن ينبغي العمل بالاحتياط فإن لم يجد البدنة يذبح البقرة و إلا فالشاة.

فإن قلت: ظاهر الصحيح إن بدل البدنة هي الشاة فالاكتفاء بالبقرة محل الإشكال.

قلت: الظّاهر انَّه ليس للشاة خصوصية قبال البقرة بل بدليتها للاكتفاء بأقل ما يبدل به عن البدنة و انّها أخف ما هو عليه و الله هو العالم.

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 2.

(2)- وسائل الشيعة: ب 16 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 1.

(3)- وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 4.

176

الأمر الرابع: ممَّا يترتب على الجماع الواقع قبل المزدلفة عالماً عامداً التفريق بينهما من المكان الّذي أحدثا فيه ذلك في الحجتين الاولى

الّتي أحدثا فيها ذلك و الثانية الَّتي تؤتى بها في العام القابل و وجوب التفريق المذكور في الثانية مورد الاتفاق و الإجماع، و نسب إلى بعضهم الخلاف في الاولى و لعله لاقتصارهم في الحكم به في الحجة الثانية إلا ان النصوص قد دلت على وجوبه في كلتيهما و إليك بعضها:

فمنها صحيح معاوية بن عمار قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل محرم وقع على أهله؟ فقال: إن كان جاهلا فليس عليه شي‌ء، و إن لم يكن جاهلا فإنَّ عليه أن يسوق بدنة، و يفرق بينهما حتى يقضيا المناسك و يرجعا إلى المكان الَّذي أصابا فيه ما اصابا و عليه (و عليهما) الحج من قابل» (1)

و هذا ظاهر في بيان وجوب التفريق في خصوص الحجة الَّتي هى بيدهما (الحجة الأولى).

و مثله صحيحه الأخر (2) و مرفوعة أبان (3) و صحيح معاني الأخبار عن أبيه بإسناده عن الحلبي (4) و ما رواه الحلّي في السرائر من نوادر البزنطي (5) و خبر نضر بن سويد عن هشام عن سليمان و على ابن أبي حمزة (6) فتلك و لعل يوجد غيرها قد دلت على وجوب التفريق بينهما في الاولى كما قد دل على وجوب التفريق بينهما في الثانية صحيح معاوية بن عمار أيضاً عن أبي عبد الله (عليه السلام) و فيه: «و عليه الحج من‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 2.

(2)- وسائل الشيعة ب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 5.

(3)- وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 6.

(4)- وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 14 و معاني الاخبار: 294.

(5)- وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 15.

(6)- وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 1 و 2.

177

قابل فإذا انتهى إلى المكان الَّذي وقع بها فرق محملا هما فلم يجتمعا في خباء واحد إلا أن يكون معهما غيرهما حتى يبلغ الهدي محله». (1)

و ممَّا يدل على وجوب الافتراق بينهما فيهما مضمرة زرارة المقدمة فإنّ فيها: «فإن كانا عالمين فرّق بينهما من المكان الَّذي أحدثا فيه و عليهما بدنة و عليهما الحج من قابل فإذا بلغا المكان الَّذي أحدثا فيه فرّق بينهما حتى يقضيا نسكهما، و يرجعا إلى المكان الَّذي أصابا فيه ما أصابا» الحديث (2).

و بعد الإحاطة على الرّوايات لا ينبغي الترديد في وجوب الافتراق بينهما في الحجتين كما انّه يظهر منها أنَّ الافتراق يبتدئ به من مكان الّذي أوقعا فيه ذلك إنَّما الكلام في المكان الَّذي ينتهي فيه هذا الافتراق.

فنقول: و إن كان الظّاهر وقوع الاختلاف في الروايات في تعيين هذا المكان فإن في بعضها: «و يفرق بينهما حتى يقضيا المناسك و يرجعا إلى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا» (3) و هذا مورده الحجة الاولى و في بعضها الوارد أيضاً في الافتراق في الحجة الاولى «يفرق بينهما و لا يجتمعان في خباء إلا أن يكون معهما غيرهما حتى يبلغ الهدي محلَّه» (4) و معناه كما في الجواهر عن الجامع: (حتى يحل بالذبح). (5)

و في صحيح الحلبي: «و يفرق بينهما حتى ينفر الناس و يرجعا إلى المكان الَّذي‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 12.

(2)- وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 9.

(3)- وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 2.

(4)- وسائل الشيعة: ب 3 من ابواب كفارات الاستمتاع ح 12.

(5)- جواهر الكلام: 20/ 358.

178

أصابا فيه ما أصابا» (1) و في موثق محمد بن مسلم المروي في النوادر: «و يفرق بينه و بين أهله حتى يقضيا المناسك و حتَّى يعود إلى المكان الَّذي أصابا فيه ما أصابا» (2) و في خبر سليمان بن خالد: «و يفرق بينهما حتَّى يفرغا من المناسك و حتَّى يرجعا إلى المكان الَّذي أصابا فيه ما أصابا» (3).

و في خبر على بن أبي حمزة: «و يفترقان من المكان الَّذي كان فيه ما كان حتى ينتهيا إلى مكة» (4)

و مورد هذه الروايات كلّها وظيفتهما في الحجة الاولى.

و يمكن رفع التنافي بينهما بأن يقال: إنَّ المراد من الرجوع الرجوع إلى أهله و وطنه و إنَّهما لا يجتمعان حتى إذا قضيا المناسك كلها فإن كانا في الرجوع يمران على هذا المكان لا يجتمعان حتَّى يرجعا إلى ذلك المكان.

و يؤيد هذا ما في صحيح الحلبي «حتَّى ينفر الناس و يرجعا إلى المكان الَّذي أصابا فيه» (5) فلأنَّ المراد من نفر الناس نفرهم من منى يوم النفر.

و لكن يقع التنافي بيّنه و بين قوله: حتى يبلغ الهدي محله إلا أن يقال بدلالة الطائفة الاولى على إحداث ما أحدثا قبل الوصول إلى منى و في مكان يرجعان إليه بعد النفر فيقيد بها هذا حتَّى يكون النتيجة إن أحدثاه قبل المنى لا يجتمعان حتَّى يقضيا المناسك كلها و ينفرا من منى و يرجعا إلى ذلك المكان و إن أحدثا بعد الوصول إلى منى يجتمعان بعد الإحلال بالذبح فيه.

____________

(1) الوسائل: ب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 14.

(2)- وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 15.

(3)- وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 1.

(4)- وسائل الشيعة: ب 4 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 2.

(5)- وسائل الشيعة: ب 3 من ابواب كفارات الاستمتاع ح 14.

179

هذا كله في ما يدل على الافتراق في الحجة الاولى و أمّا الحجة الثانية التي يعبر عنها في بعض الكلمات بحجة القضاء، و إن كان الأولى على ما قويناه تسميتها بحجة العقوبة فالأمر فيها سهل لأنَّ ما يدل على وجوب افتراقهما هو مضمر زرارة و فيه «و عليها الحج من قابل فإذا بلغا المكان الَّذي أحدثا فيه فرق بينهما حتى يقضيا نسكهما و يرجعا إلى المكان الَّذي أصابا فيه ما اصابا» (1) و مقتضى هذا انَّهما إن رجعا إلى وطنهما من ذلك الطريق لا يجتمعان حتَّى يرجعا إلى ذلك المكان إن كانا أحدثا ما‌

أحدثا قبل الوصول إلى منى و الا فإن أحدثا بعده يكفيهما الافتراق إلى قضاء المناسك.

و هنا يطرح فرع و هو: انَّهما إن أحدثا ما أحدثا في الذهاب إلى عرفات من طريق منى قبل الوصول إليه و في حجهما القابل اختارا طريقاً آخر إلى عرفات لا يمر بذلك المكان يمكن أن يقال: إنَّهما يفترقان إذا وصلا بمكان يمر الطريقان إليه كعرفات. و الله هو العالم.

[الصورة الثانية] الجماع بعد المشعر الحرام

المقام الثاني فيما يترتب على الجماع إن وقع بعد المشعر الحرام.

قال في الشرائع: (و إن جامع بعد الوقوف بالمشعر و لو قبل أن يطوف طواف النساء أو طاف منه ثلاثة أشواط فما دونه أو جامع في غير الفرج قبل الوقوف كان حجه صحيحاً و عليه بدنة لا غير) (2)

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع، ح 9.

(2)- شرائع الاسلام: 1/ 225.

180

أقول: قد تعرض هنا لثلاث مسائل:

إحداها: في من جامع بعد الوقوف قبل أن يطوف طواف النساء.

و ثانيتها: فيمن جامع بعد المشعر و طاف ثلاثة أشواط فما دون.

و ثالثتها: فيمن جامع في غير الفرج كالتفخيذ و نحوه قبل الوقوف.

أمّا حكم المسألة الاولى: [في من جامع بعد الوقوف قبل أن يطوف طواف النساء.]

فهو إنَّ حجه صحيح و عليه بدنة قال في الجواهر: (بلا خلاف أجده فيه بل الإجماع بقسميه عليه مضافاً إلى أصل الصحة) (1).

و استدل فيه بمفهوم قول الصادق (عليه السلام) في صحيح معاوية: «إذا وقع الرجل بامرأته دون المزدلفة أو قبل أن يأتي مزدلفة فعليه الحج من قابل» (2).

فإن مفهومه إجزاء حجه إذا جامع بعد المزدلفة.

و بصحيحه الآخر: «و سألته عن رجل وقع على امرأته قبل أن يطوف طواف النساء؟ قال: عليه جزور سمينة، و إن كان جاهلا فليس عليه شي‌ء» (3).

و نحوه خبر زرارة (4) قال في الجواهر و لعل المراد به (بالجزور) البدنة. (5)

و مما يدل على وجوب الكفارة إطلاق ما يدل على وجوبها لوقوع مطلق الرفث مثل صحيح على بن جعفر: «فمن رفث فعليه بدنة ينحرها فإن لم‌

____________

(1)- جواهر الكلام: 20/ 363.

(2)- وسائل الشيعة: ب 6 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 1. تهذيب الاحكام: 5/ 319 ح 1099.

(3)- وسائل الشيعة: ب 9 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 1. تهذيب الاحكام: 5/ 323 ح 1109.

(4)- وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 3.

(5)- جواهر الكلام: 20/ 364.

181

يجد فشاة» (1).

و صحيحه الآخر «في رجل واقع امرأته قبل طواف النساء متعمداً قال: يطوف و عليه بدنة» (2) و غيرهما من الرّوايات إذاً فلا فرق في وجوب الكفارة قبل المزدلفة أو بعدها.

و أمّا المسألة الثانية: [فيمن جامع بعد المشعر و طاف ثلاثة أشواط فما دون.]

فكذا قال في الجواهر: (لا خلاف أجده كما اعترف به‌

غير واحد فيه) (3).

و استدل له بصحيح معاوية الثاني لصدق قبل أن يطوف ما لم يتم طوافه لأنَّ المركب لا يتم إلا بجميع أجزائه.

و لكن يمكن أن يقال: إنَّ قوله: «قبل أن يطوف» ظاهر في قبل الشروع في الطواف و على ذلك فمقتضى الأصل صحة حجه و براءة ذمته عن البدنة اللهم إلا أن يثبت لاثبات البدنة عليه بالإجماع أو بفتوى المشهور.

و أمّا خبر حمران عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «و إن كان طاف طواف النساء فطاف منه ثلاثة أشواط ثمّ خرج فغشى فقد أفسد حجه» (4) فمضافاً إلى ما في سنده من الضعف لا يحتج به لقيام الإجماع على خلافه فيحمل على مطلق النقص منه.

و أما خبر خالد بياع القلانس (5) الدال على أنَّ على الموسر بدنة و على الوسط بقرة و على الفقير شاة إن أتى أهله من عليه طواف النساء فقد قال في‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 16

(2)- وسائل الشيعة: ب 10 من ابواب كفارات الاستمتاع ح 4.

(3)- جواهر الكلام: 20/ 364.

(4)- وسائل الشيعة: ب 11 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 1.

(5)- وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 1.

182

الجواهر: (لم نجد من أفتى به) (1) فلو لم يكن مطعوناً بضعف السند لأمكن القول به في المسألة الأولى إذا عجز عن البدنة دون الثانية لأنَّ الظّاهر من قوله «و عليه طواف النساء» عدم شروعه فيه و على كلِّ حال فلا شي‌ء على الجاهل و الناسي للأصل و لما دل على أنَّه لا شي‌ء عليهما في الجاهل قبل الوقوف و قبل طواف الزيارة فهنا أولى و لخصوص صحيح معاوية الَّذي قال فيه «و إن كان جاهلا فليس عليه شي‌ء»‌

و لصحيح سلمة بن محرز (2).

و أمَّا المسألة الثالثة: [فيمن جامع في غير الفرج كالتفخيذ و نحوه قبل الوقوف.]

فالظاهر أنَّ المراد بالفرج فيها ما يشمل الفرجين كما صرِّح به في الجواهر (3) أيضاً كما أنَّ الظّاهر عدم الخلاف فيها.

و يدل على وجوب البدنة عليه صحيح معاوية بن عمار قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل وقع على أهله فيما دون الفرج؟ قال: عليه بدنة، و ليس عليه الحج من قابل و إن كانت المرأة تابعته على الجماع فعليها مثل ما عليه، و إن كان استكرهها فعليه بدنتان و عليهما الحج من قابل» (4) و عن بعض النسخ «و عليه الحج».

و قد وقع الإشكال في فقه الحديث فنقول: إذا كان لفظه «و عليه الحج من قابل» لا تهافت بين الصدر و الذيل بلحاظ- نفس ما يدل عليه الحديث غاية الأمر لا يكون عليه الحج من قابل إن لم يستكرهها و عليه بدنتان و الحج من قابل إن استكرهها و لكن الظّاهر انَّه لا يوجد من أفتى بذلك.

____________

(1)- جواهر الكلام: 20/ 364.

(2)- وسائل الشيعة: ب 10 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 2.

(3)- جواهر الكلام: 20/ 365.

(4)- وسائل الشيعة: ب 7 من ابواب كفارات الاستمتاع ح 1 و تهذيب الاحكام: 5/ 318 ح 1097.

183

و أمّا إذا كان اللفظ- «و عليهما الحج من قابل» فلا يستقيم ذلك لأنَّها إذا كانت مستكرهة لا حجّ عليها كما ليست عليها بدنة و ان كان ذلك حكم صورة كونها مطاوعة له يقع التهافت بين الصدر و الذيل و لهذا يقوى احتمال زيادة قوله: «و عليه أو عليهما الحج من قابل» أو وقوع تحريف في نقل الحديث.

و لكن مع ذلك لعلك لا تجد منهم من أفتى بوجوب البدنة على المرأة إذا كانت مطاوعة له و وجوب بدنتان عليه إذا استكرهها و يمكن أن يستشهد بوقوع الخلط في‌

نقل الحديث في التهذيب، و إنَّ هذا الذيل أخذ من حديث آخر و إنَّ الجماع فيه حقيقى إنَّ الشيخ (قدس سره) رواه في كتابه الآخر الاستبصار (1) بدون هذا الذيل إلى قوله: «و ليس عليه الحج من قابل» و كيف كان لا يضر هذا الذيل بما هو صريح الصدر.

و مما يدل على الحكم صحيح معاوية الآخر عن ابى عبد الله (عليه السلام): «في المحرم يقع على أهله و قال: إن كان أفضى إليها فعليه بدنة و الحج من قابل و إن لم يكن أفضى إليها فعليه بدنة، و ليس عليه الحج من قابل» (2).

هذا و لا يخفى عليك أنَّ إطلاق النص و الفتوى يقتضي عدم الفرق بين الانزال و عدمه في لزوم البدنة بالجماع في غير الفرج فلا وجه لتردد البعض في وجوبها مع عدم الانزال مضافاً إلى ما دلّ على وجوب الجزور بالتقبيل و الشاة بالمس بشهوة و لا ريب أنَّ ذلك أولى بذلك الحكم.

ثمّ إنَّه قد تنظر في الجواهر في كلام المحقق (قدس سره) هنا فإنَّه قال: (و لو جامع بعد الوقوف بالمشعر و لو قبل أن يطوف طواف النساء أو طاف منه ثلاثة أشواط فما‌

____________

(1)- الاستبصار: 2/ 192 ح 644.

(2)- وسائل الشيعة: ب 7 من أبواب كفارات الاستمتاع ح 2 و الاستبصار: 2/ 192 ح 645.

184

دون ... كان حجه صحيحاً و عليه بدنه لا غير) و التعبير بلو الوصليّة يقتضى وجوب البدنة بعد الطواف و لا ريب في فساده و قال في الجواهر: اللهمّ إلا أن يراد بذلك بيان وجوبها قبل ذلك لا بعده (1).

أقول: لا ريب في انَّه أراد وجوبها قبل ذلك لا بعده إلا ان عبارته تفيد خلاف ما أراده و الظّاهر انَّ حق العبارة كان: (و لو جامع بعد الوقوف بالمشعر قبل أن يطوف ...) و زيد عليها (و لو) من سبق قلمه الشريف أو بعض النساخ لوجود كلمة‌

(و لو) قبل ذلك و الله هو العالم.

تفريع: قال في الجواهر: (إذا حجّ في القابل بسبب الافساد لزمه ما لزم أوّلا) و هكذا للعمومات الشاملة له إذ هو حجّ صحيح سواء قلنا عقوبة أو فريضة لكن لا يتعدد القضاء فإذا أتى في السنة الثالثة بحجة صحيحة كفاه عن الفاسد ابتداء و قضاء و لا يجب عليه قضاء آخر و إن أفسد عشر حجج كما نص عليه الفاضل في جملة من كتبه و غيره لأنه إنَّما كان يجب عليه حجّ واحد صحيح، و كذا لو تكرر الجماع في الإحرام الواحد لم يتكرر القضاء، و أمّا البدنة ففي تكرارها أوجه يأتي الكلام فيها إن شاء الله (2).

أقول: الاستدلال على كفاية حجّة صحيحة مبنى على فساد الحجة الأولى فيجب عليه الإتيان بها ثانياً و إن أفسدها ثانياً يجب عليه الإتيان بما كان عليه أولا و كذا إن أفسدها ثالثاً و رابعاً و و ... فلا يجب عليه إلا الإتيان بما كان عليه.

و أمّا على القول بصحة الاولى و كون الثانية عقوبة فتجب عليه الثالثة أيضاً‌

____________

(1) جواهر الكلام: 20/ 366.

(2) جواهر الكلام: 20/ 366.

185

عقوبة لما اجترحها في الثانية و كذا الرابعة و الخامسة.

[مسألة 13] الجماع في العمرة المفردة

مسألة 13: من جامع عالماً عامداً في إحرام العمرة المفردة قبل السعي قال في الشرائع (فسدت عمرته و عليه بدنة و قضاؤها) (1) و كلامه مطلق يشمل المفردة و غيرها و قال في الجواهر: (يمكن تحصيل الإجماع عليه في العمرة المفردة الَّتي حكى التصريح بها عن النهاية و المبسوط-

و المهذب و السرائر و الجامع فضلا عن إطلاق غيرها) (2).

و الّذي يدل عليه قبل الإجماع الرّوايات ففي صحيح بريد بن معاوية العجلي (3) قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل اعتمر عمرة مفردة فغشى أهله قبل أن يفرغ من طوافه و سعيه؟ قال: عليه بدنة لفساد عمرته و عليه أن يقيم إلى الشهر الأخر فيخرج إلى بعض المواقيت فيحرم بعمرة» (4).

و في صحيح مسمع (5) عن أبي عبد الله (عليه السلام): «في الرجل يعتمر عمرة مفردة ثمّ يطوف بالبيت طواف الفريضة ثمّ يغشى أهله قبل أن يسعى بين الصفا و المروة؟ قال: قد أفسد عمرته و عليه بدنة و عليه أن يقيم (و يقيم) بمكة (محلا بمكة) حتى يخرج الشهر الّذي اعتمر فيه ثمّ يخرج إلى الوقت الَّذي وقته رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) لأهله‌

____________

(1)- جواهر الكلام: 20/ 366.

(2)- جواهر الكلام: 20/ 366.

(3)- وجه من وجوه اصحابنا ممن اجمعت الصحابة على تصديقهم ... من الرابعة.

(4)- وسائل الشيعة: ب 12 من ابواب كفارات الاستمتاع ح 1.

(5)- سيد المسامعة وجه من الخامسة.

186

فيحرم منه و يعتمر» (1).

و ما رواه الكليني بإسناده عن ابن أبي عمير عن أحمد بن أبي على (2) عن أبي جعفر (عليه السلام): «في رجل اعتمر عمرة مفردة و وطئ أهله، و هو محرم قبل أن يفرغ من طوافه و سعيه؟ قال: عليه بدنة لفساد عمرته، و عليه أن يقيم بمكة حتى يدخل شهر آخر فيخرج إلى بعض المواقيت فيحرم منه ثمّ يعتمر» (3). و على هذه فلا ريب في‌

فساد عمرته و قضائها عليه و عدم جواز تأخيره عن الشهر الَّذي يدخل بعد شهره.

و هل يجب عليه الإقامة بمكة إلى الشهر القابل أو يجوز له الخروج ثمّ الرجوع إليها باحرام العمرة في الشهر الآخر ظاهر الرّوايات وجوب الإقامة بمكة حتى يعتمر في الشهر التالي فتعبير صاحب الوسائل عنه بالاستحباب و المحقق بالأفضلية كأنّه ليس في محله.

و هل يجب عليه إتمام العمرة الَّتي هي بيده أو يرفع اليد عنها لبطلانها و فسادها كما إذا بطلت الصلاة في أثنائها فلا يجب عليه إتمامها، لا ريب انَّ الأحوط إتمامها و الخروج به عن الإحرام لأنّ فسادها أعم من خروجه من الإحرام و يمكن أن يستشهد بذلك بقوله: «محلا بمكة».

و يمكن أن يستدل لذلك باستصحاب بقاء حرمة المحرمات عليه إلا أن يقال بعدم جريانه في الشبهات الحكمية.

هذا كله في ما إذا كان ذلك قبل السعي و أمّا إذا كان بعده فقد صرح بعض الأعاظم من المعاصرين بانهم: (قد تسالموا على ثبوت الكفارة و لكن لم يذكر له‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 13 من ابواب كفارات الاستمتاع الاحرام ح 2.

(2)- قال سيدنا الاستاد (قدس سره) لا اعرف هذا الرجل و ان كان فلعله من الرابعة و السادسة.

(3)- وسائل الشيعة: ب 12 من ابواب كفارات الاستمتاع ح 4.

187

دليلا) (1).

و الَّذي يمكن أن يستدل له صحيح علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) الدال على وجوب البدنة قبل طواف النساء قال: «سألت أبي جعفر بن محمد (عليه السلام) عن رجل واقع امرأته قبل طواف النساء متعمدا ما عليه؟ قال: يطوف و عليه بدنة» (2). و إطلاقه يشمل ما إذا كان منه في العمرة المفردة كما يشمل ما إذا كان منه في الحج.

و يدل عليه إطلاق صحيح سلمة بن محرز الَّذي رواه الكليني (3) و لكن الشيخ روى نفس الحديث في من سعى في الحج و اتى بالجماع قبل طواف النساء (4) فلا يحتج به لمطلق ذلك.

نعم يدل عليه بالإطلاق خبر خالد بياع القلانس (5) لكن سند الصدوق إليه ضعيف بنضر بن شعيب و إلا فيدل على الترتيب بين الموسر و الوسط و الفقير فعلى الأول بدنة و على الثانى بقرة و على الثالث شاة و العمل به موافق للاحتياط- في المسألة بكلتي صورتيها.

و أما حكم عمرته من حيث الفساد و الصحَّة فقد حكى عن الحدائق و المدارك الاستشكال في صحتها لأنَّ الدليل الدال على صحتها إنَّما هي في عمرة التمتّع فلا يشمل العمرة المفردة.

____________

(1)- المعتمد: 4/ 90.

(2)- وسائل الشيعة: ب 10 من ابواب كفارات الاستمتاع ح 7.

(3)- وسائل الشيعة: ب 10 من ابواب كفارات الاستمتاع، ح 2.

(4)- وسائل الشيعة: ب 10 من ابواب كفارات الاستمتاع، ح 5. تهذيب الاحكام: 5/ 22 ح 1108/ 21.

(5)- وسائل الشيعة: ب 10 من ابواب كفارات الاستمتاع، ب 10 ح 1.

188

و أجيب عنه بأنه يكفي في الحكم بعدم الفساد عدم الدليل و وجود الدليل في عمرة التمتّع على صحتها ليس دليلا على بطلانها في غيرها (1).

و يكفي في الحكم بالصحة الأصل فإنَّ مقتضاه عدم اعتبار ذلك في العمرة و عدم حرمته بالإحرام و استصحاب حكم فساده بالجماع قبل السعي لا يكفي لانه من إسراء حكم موضوع إلى موضوع آخر و استصحاب حكم حرمته التكليفي لا يترتب عليه الفساد.

و كيف كان فالظاهر تسالمهم على عدم الفساد مضافاً إلى أنَّ الحكم بالفساد و الكفارة إن كان ذلك قبل السعي مفهومه عدم كون الجماع بمجرده موضوعاً للكفارة و الفساد و إذا ثبت الكفارة لبعد السعي يلزم عدم كونه محكوماً بالفساد و إلا يلزم لغوية تقييد الحكم بالكفارة و الفساد بقبل السعي فتأمل جداً.

[مسألة 14] «اذا جامع المتمتع في عمرته»

مسألة 14: إذا جامع المتمتّع في عمرته عالماً عامداً قبل السعي فهل حكمه حكم من جامع في إحرام العمرة المفردة قبل السعي تفسد به عمرته و تجب عليه قضائها و الكفارة عنها؟

أقول: الظّاهر انّه يدور الأمر بين أن نقول بصحة العمرة و عدم ترتب الكفارة عليه أو بطلانها مع عدم ترتب أمر عليه إلا قضائها أو ترتب الكفارة أيضاً عليه أو صحتها مع الكفارة.

أمّا القول بصحة العمرة و عدم ترتب الكفارة عليه فيردّه مفهوم صحيح‌

____________

(1)- راجع المعتمد: 4/ 91.

189

معاوية بن عمار: «سألت ابا عبد الله عن متمتع وقع على امرأته قبل أن يقصر؟ قال: ينحر جزوراً و قد خشيت أن يكون قد ثلم حجه» (1) فإنه يلزم منه أن يكون أمره قبل السعى أهون من بعده.

و أمّا القول بصحتها مع الكفارة كمن ارتكب ذلك قبل أن يقصر فالقول به يحتاج إلى الدليل. اللهم إلا أن يتمسك لصحتها بالاصل و للكفارة بصحيح معاوية إمّا بالمنطوق أو الأولوية.

لا يقال: يردّ هذا القول مفهوم ما في صحيح معاوية (قبل ان يقصر) فإنَّه يدل على أنَّ ذلك منه إن كان قبل السعي يفسد عمرته و لا يكتفي فيه بالكفارة.

فإنَّه يقال: هذا القيد مذكور في كلام السائل فلعلَّ كان مورد ابتلائه الوقاع قبل التقصير فأجابه (عليه السلام) بما هو حكمه و حكم من ارتكبه قبل السعي.

و أمّا القول ببطلانها مع القضاء و الكفارة أو بدونها خلاف الأصل محتاج إلى الدليل إذاً فالقول الصحيح هو القول الثاني المبني على صحة العمرة و وجوب الكفارة أمَّا البناء على صحتها للاصل و أمَّا وجوب الكفارة فبالأولوية المستفادة من صحيح معاوية.

و أمّا الاستدلال بمنطوقه لإثبات الكفارة بأن يقال: باطلاق قوله: «قبل ان يقصر» و شموله لما قبل السعي كما يشمل ما بعده حتى يكون مدلول «قبل أن يقصر» قبل الخروج من الإحرام كما أفاده بعض الأعلام و جعله نظير سؤال السائل عن التكلم قبل السلام فإنَّه يعم جميع حالات الصلاة و لا خصوصية لبعد التشهّد و قبل‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 13 من ابواب كفارات الاستمتاع ح 2.

190

السلام فالغرض وقوع هذا الفعل قبل الفراغ من العمل (1)، ففيه: إنَّ في كلتي الصورتين الدلالة تكون بالمفهوم لا باطلاق المنطوق فإنَّه إذا كان حكم التكلم قبل السلام بطلان الصلاة يكون قبل التشهد و في أثناء الصلاة مبطلا لها بطريق أولى: بل الظّاهر من مثل هذا السؤال و الجواب انَّ السائل كان عالماً بترتب حكم بطلان الصلاة على التكلم في الأثناء و قبل التَّشهد و لكنه أراد أن يعلم ان بعد التشهد هل يترتب عليه هذا الحكم أم لا؟

و يمكن أن يقال مثله في الصحيح و إنَّ السائل كان عالماً بحكم قبل السعي كان‌

هو نحر الجزور أو فساد عمرته فسأل عن حكم الجماع إذا وقع بعد السعي و قبل أن يقصر فأجابه بانه ينحر جزوراً.

نعم يمكن أن يكون قوله: «و قد خشيت أن يكون قد ثلم حجه» إشارة إلى حكم ما قبل السعي و انَّه خشي أن يكون ما بعده قبل التقصير ملحقاً به إذاً فالحكم بصحة القول الثاني أيضاً يقع معرضاً للاستشكال لانه إذا كان حكم الوقاع قبل السعي فساد عمرة التمتّع و حكمه قبل التقصير نحر الجزور لا يكون ما قبله أولى به فإنَّ لكلّ منهما حكم مختص به.

نعم الحكم بصحة عمرة التمتّع إذا وقع الوقاع قبل السعي و براءة ذمة المواقع عن الكفارة لا يلتئم مع الحكم بالكفارة إذا وقع قبل التقصير فالتمسك باصالة الصحَّة لا يخلو من الإشكال‌

اللهم إلا أن يتمسك بالعلم الإجمالي فيقال: إنَّ الأمر مردد بين فساد العمرة حتى يجب عليها قضائها أو صحتها و وجوب الكفارة و مقتضى العلم الإجمالى‌

____________

(1)- المعتمد 4/ 70.

191

الاحتياط بالقضاء و الكفارة.

ثمَّ لا يخفى عليك انَّ صاحب الجواهر قال: (لم أعثر على نص في المتمتّع بها كما اعترف به غير واحد و حكى عن العلامة في قواعده الإشكال في كون حكم العمرتين واحداً و عن المدارك ان ظاهر الاكثر و صريح البعض عدم الفرق بينهما و عن أبي الصلاح التصريح بفساد المتعة بالجماع قبل طوافها و سعيها و انَّ عليه بدنة و استدل بوجوه لفساد عمرة التمتّع بالوقاع قبل السعي ناقش هو فيها لا بأس بالإشارة إليها) (1).

فمنها ما حكاه عن المدارك فإنَّه قال: (و ربما أشعر به (يعنى بعدم الفرق بين العمرتين في الحكم) صحيحة معاوية بن عمار «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل متمتع» الحديث فإنَّ الخوف من تطرق الفساد إلى الحج بالوقاع بعد السعي قبل التقصير ربما اقتضى تحقّق الفساد بوقوع ذلك قبل السعي و أجيب عن ذلك بأنَّ المذكور في الصحيح خشية الفساد بوقوع الوقاع قبل التقصير و مقتضى الأولوية كون ذلك قبل السعي أولى بالخشية (2).

و أمّا ما أجاب به صاحب الجواهر عن هذا الإشكال فلم نتحصله و لكنه بعد ما أجاب عن الاستدلال بإطلاق الحديث لما إذا لم يسع بأنَّ المتبادر منه الوقاع بعد السعي قبل التقصير قال: و إن كان لا يخلو من مناقشة انَّ المراد الإشعار بالفساد من حيث الخوف في هذا الحال أما قبل هذا الحال فالفساد محقق نعم ليس هو دلالة يعتد بها و هذا قريب مما ذكرناه في مفاد الحديث فتدبر.

____________

(1)- جواهر الكلام: 20/ 380.

(2)- جواهر الكلام: 20/ 381.

192

و منها: أنَّ العمرة المفردة و عمرة التمتّع ليستا طبيعتين مختلفتين بل هما طبيعة واحدة لها فردان و افتراقهما في أمور يسيرة مثل وجوب طواف النساء للمفردة، و ارتباط- عمرة التمتّع بالحجّ دون المفردة لا يجعلها متخالفين في الأحكام المهمَّة و ما هو لهما بمنزلة الأركان سيَّما في محرمات الإحرام.

و اجيب عن ذلك و إن لم نره بعيداً عن الواقع بأنَّه قياس ظاهر و لا مجال لإجراء حكم كلّ منهما إلى الآخر بعد ما كان لكلّ منهما أحكام مخصوصة فتأمل.

و منها: إطلاق ما يدل على فساد الحج بالوقاع المذكور فإنَّ عمرة التمتّع جزء منه يعبر عنهما بحج التمتّع كما يطلق عليهما حجّة الإسلام.

و يجاب عن ذلك بأنَّ المتبادر منها نفس الحج الَّذي يقابل العمرة.

فتلخّص من جميع ما ذكر و ما ذكره الجواهر بطوله انَّ القول بفساد عمرة التمتّع بالوقاع قبل السعي في غاية الإشكال و لكن القول بكون البدنة عليه بفحوى صحيح معاوية بن عمار لما استظهرنا أيضاً لا يخلو من الإشكال و القول بعدمها أشكل لأنَّه يجعل ما قبل السعي أهون ممَّا بعد إذاً فمقتضى العلم الإجمالي الّذي أشرنا إليه هو الاحتياط- و يختلف صورها باختلاف الموارد فتأمل جيداً.

[مسألة 15] «اذا جامع في عمرة التمتع بعد فراغه من السعى»

مسألة 15: و إن جامع في عمرة التمتّع بعد فراغه من السعي فلا إشكال عندهم في أنَّه لا يفسد عمرته و أنَّ عليه الكفارة.

أمَّا عدم فساد عمرته به فيدل عليه صحيح معاوية الَّذى كرر الإشارة عليه و فيه: «و قد خشيت ان يكون قد ثلم حجَّه» فإنَّ خشية الانثلام و الإفساد ظاهر في‌

193

عدم تحقّق الفساد بل المراد منه أن فعله جعله قريباً من الفساد.

و يمكن الاستدلال له بمعتبرة ابن مسكان قال: «قلت: متمتع وقع على امرأته قبل أن يقصِّر؟ فقال: عليه دم شاة» (1) فإن سكوته عن بيان وجوب القضاء عليه في مقام بيان مطلق ما يترتب عليه من الحكم يدل على عدم ترتب الفساد عليه.

و مثله صحيح الحلبى قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن متمتع طاف بالبيت و بين الصفا و المروة و قبّل امرأته قبل أن يقصِّر من رأسه؟ قال: عليه دم يهريقه و إن كان الجماع فعليه جزور أو بقرة». (2)

و لكن يمكن الخدشة في الاستدلال بهما بأنَّه يستفاد من جواب الإمام (عليه السلام) أنَّ محط سؤال السائل فيهما كان عن خصوص الكفارة و إلا لأجابه كما في صحيح معاوية، و قد خشيت أن يكون قد ثلم حجَّه إن كان عالماً و إن كان جاهلا فلا شي‌ء عليه (3).

و كيف كان فلا إشكال في عدم فساد عمرته كما لا إشكال بعد هذه النصوص في وجوب الكفارة به.

نعم قد وقع الكلام في أنَّها متعينة في الجزور كما دل عليه صحيح معاوية أو هو مخيَّر بين الجزور و البقرة كما دل عليه صحيح الحلبى أو يكفيه دم شاة بل متعين عليه كما دلَّ عليه معتبرة ابن مسكان «عليه دم شاة» أو أنَّ اختلاف الرّوايات يدل على التخيير.

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 13 من ابواب كفارات الاستمتاع ح 3.

(2)- وسائل الشيعة: ب 13 من ابواب كفارات الاستمتاع ح 1 و 5.

(3)- وسائل الشيعة، ب 13 من ابواب كفارات الاستمتاع ح 4.

194

و بعبارة اخرى: يجمع بينها بالأخذ بما كان منها نص في كفايته و يرفع اليد عن ظاهر كل منها في التعيين بنص غيره.

و لكن قال في الجواهر: (في القواعد و محكي النهاية و التهذيب و المبسوط- و المهذب و السرائر و الوسيلة و الجامع وجب عليه بدنة للموسر، و بقرة للمتوسط، و شاة للمعسر، و لعلَّه لتنزيل الصحيح المزبور (1) و ... على مراتب العسر و اليسر جمعاً و احتياطاً بل قد يرشد إليه التنصيص عليه في من أمنى بالنظر إلى أهله و في‌

الجماع قبل طواف النساء و لا ريب أنَّ العمل على فتوى المشهور في مثل المسألة هو الأولى و الأحوط و الله هو العالم.

[مسألة 16] حكم الاستمناء

مسألة 16: الظاهر ان الاستمناء اى استدعاء المنى بفعل من الافعال إذا لم يمن به لا يوجب الكفارة بمجرده فضلا عن فساد الحج الا اذا كان لنفس الفعل الذي استدعى به الامناء الكفارة و أمّا اذا امنى به فمقتضى احاديث اهل البيت (عليهم السلام) وجوب الكفارة و هي بدنة سواء كان بيده أو بغيره من الافعال كملاعبة زوجته فتقييده بما إذا كان بيده كما حكى عن غير واحد منهم المحقق في النافع (2) و العلامة في القواعد (3) كانه لا وجه له.

ففيما رواه الكليني عن على بن ابراهيم (4) عن ابيه (5) عن عمرو بن عثمان‌

____________

(1)- جواهر الكلام: 20/ 383.

(2)- مختصر النافع: 107.

(3)- قواعد الاحكام: 1/ 468.

(4)- من الثامنة.

(5)- من السابعة.

195

الخراز (1) عن صبّاح (2) عن اسحاق بن عمّار (3) عن ابى الحسن: قال: قلت: ما تقول في محرم عبث بذكره فامنى؟ قال: ارى عليه مثل ما على من اتى أهله و هو محرم بدنة و الحج من قابل (4).

و في صحيح مسمع ابى سيار (5) عن ابي عبد الله (عليه السلام): «و من نظر الى امرأته نظر شهوة فامنى فعليه جزور» (6) و في صحيح عبد الرحمن بن الحجاج (7) قال: «سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يعبث باهله و هو محرم حتى يمنى من غير جماع او يفعل ذلك في شهر رمضان ما ذا عليهما؟ قال: عليهما جميعاً الكفارة مثل ما على الذي يجامع» (8) و ظاهر الموثقة و ان كان لا يدلّ على ازيد مما اذا كان ذلك بيده لكن لا يدلّ على اختصاص الحكم بما اذا كان ذلك بيده و بعبارة أخرى موردها و ان كان من عبث بذكره و لكن الظاهر منها و من صحيحى مسمع و ابن الحجاج عدم اختصاص الحكم بموردها فهذا حكم الاستمناء حتى يمنى سواء كان باليد او بالنظر او بالعبث بالاهل او غير ذلك.

و بعد ذلك يقع الكلام في أن الاستمناء هل يفسد الحج و يجب القضاء فيه‌

____________

(1)- من السادسة الازدي ثقة نقى الحديث له كتب .....

(2)- الظاهر انه من الخامسة من صغارهم له كتاب و ان كان ابن صبيح فهو ثقة عين و الظاهر الاتحاد.

(3)- من الخامسة فطحى ثقة.

(4)- وسائل الشيعة: ابواب كفارات الاستمتاع، ب 15، ح 1.

(5)- من الخامسة سيد المسامعة ثقة و وجه.

(6)- وسائل الشيعة: ابواب كفارات الاستمتاع، ب 17، ح 3.

(7)- من الخامسة ثقة ثبت وجه له كتاب.

(8)- وسائل الشيعة: ب 14 من ابواب كفارات الاستمتاع ح 1.

196

حكى في الجواهر (1) انه اختيار المختلف بل في التنقيح نسبته الى الاكثر بل ظاهره اختياره كالشهيدين و الكركى و مستندهم موثقة اسحاق بن عمّار التي مر ذكرها فانها صريحة في ان عليه الحج من قابل بل في المختلف بنقل الجواهر (2) عنه زيادة الاستدلال بصحيح ابن الحجاج.

و لكن في دلالته اشكال و كونه في الكفارة مثل الذي يجامع لا يقتضي كونه مثله في القضاء و لكن مع ذلك لا يخلو من اشعار فإن عليه لو فعل ذلك في شهر رمضان قضاؤه كالذي يجامع و في المحرم ايضاً إذا كان عبثه باهله مثل ما على المجامع يكون عليه القضاء أيضاً مثل الذي جامع اهله فتأمل.

و عن ابن ادريس و الحلبي و جماعة و ربما نقل عن الشيخ في الخلاف و الاستبصار عدم وجوب القضاء قال في الشرائع و هو اشبه، (3) و قال في الجواهر: باصول المذهب و قواعده التي منها الاصل المعتضد بما في صحيحى ابن عمار السابقين من عدم القضاء على من جامع فيما دون الفرج الذي هو اغلظ من الاستمناء او انه فرد منه بل ربما كان شاملا لما اذا اراد الاستمناء بوضع الحشفة بالفرج من غير ادخال على ان الموثق المزبور الذي هو الاصل في المسألة لا دلالة فيه على حكم الاستمناء على الاطلاق بل على الفعل المخصوص المذكور فيه المجامع للاستمناء تارة و المتخلف عنه اخرى و لذا اقتصر على مورده الشيخ الذي هو الاصل في القول به و في الرياض و هو الاقوى (4) الخ.

____________

(1)- جواهر الكلام: 20/ 367.

(2)- جواهر الكلام: 20/ 367.

(3)- جواهر الكلام: 20/ 368.

(4)- جواهر الكلام: 20/ 368.

197

أقول: الاستدلال بالاصل انما يجوز اذا لم يكن الدليل الاجتهادي في البين و امّا بعد ما يقول القائل بفساد الحج و وجوب القضاء بدلالة موثق اسحاق بن عمّار لا مجال لاجراء الاصل و اعتضاده بصحيحي معاوية بن عمار لا يكفي إذا لم يكونا بنفسهما دليلا على عدم الفساد و الاستدلال بهما بالاولوية و جعلهما معارضين للموثق و ترجيحهما عليه او جعلهما قرينة لإرادة استحباب القضاء ففيه ان لفظ الصحيحين هكذا.

فقد روى الشيخ بسنده عن معاوية بن عمار قال: «سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل محرم وقع على اهله فيما دون الفرج؟ قال: عليه بدنة و ليس عليه الحج من قابل» الحديث (1).

و روى الكليني أيضاً بسنده عنه عن أبي عبد الله (عليه السلام) «في المحرم يقع على أهله؟ قال: ان كان افضى اليها فعليه بدنة و الحج من قابل و ان لم يكن افضى اليها فعليه بدنة و ليس عليه الحج من قابل» (2).

و الاستدلال بهما على عدم وجوب الحج عليه من قابل ان هو عبث بذكره فامنى، اولوية الوقوع على الاهل فيما دون الفرج بالحكم عليه بوجوب الحج من قابل من عبثه بذكره مضافاً الى ان ذلك عادة و في الاكثر مستلزم للامناء و اخراج هذه الصورة من تحت الحكم يكون من تخصيص الاكثر المستهجن و على هذا يقع التعارض بينهما و بين الموثقة و لا ريب في ترجيحهما عليها.

و فيه: منع الاولوية المذكورة و منع كون الامناء بالوقوع على الاهل اكثر من عدمه.

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 7 من ابواب كفارات الاستمتاع ح 1.

(2)- وسائل الشيعة: ب 7 من ابواب كفارات الاستمتاع ح 2.

198

مضافاً الى أنه يمكن ان يقال: ان دلالة الصحيحين على عدم وجوب القضاء اذا اراد الامناء فامنى بالاطلاق و دلالة الموثقة على وجوبه بالنصّ فبقاعدة حمل الظاهر على الاظهر و النص على الانص نقول بوجوب القضاء.

و دلالة الموثقة على وجوب القضاء اذا لم يقصد الامناء و امنى و دلالة الصحيحين على عدم وجوب القضاء بالاطلاق فيقع التعارض بينهما و لا ريب في‌

ترجيحهما على الموثقة.

و فيه: ان الرجوع الى المرجحات السندية انما يكون اذا تم ظهور المتعارضين في مدلولهما و تكافؤهما و لكن في المقام دلالة الصحيحين على عدم وجوب القضاء على من عبث بنفسه فامنى بالمفهوم و الاولوية و دلالة الموثقة على وجوبه بالمنطوق و لا ريب في تقديم المنطوق على المفهوم و جعل الاول قرينة على عدم ارادة الثاني فتلخص من ذلك ان الاقوى ما نسب الى الشيخ اختياره اي العمل بالموثقة في مورده سواء قصد الامناء ام لم يقصده و في الوقوع على الاهل عدم وجوب القضاء امنى او لم يمن و اراد الامناء او لم يرده و الله هو العالم.

و الذي ينبغي ان نقول في هذه الروايات انها طائفتان:

الاولى: ما يدل على وجوب الحج من قابل و هو موثق اسحاق بن عمّار و صحيح عبد الرحمن بن الحجاج الذي سمعت الاستدلال به عن المختلف و ما في الاستدلال به من الاشكال و امّا موثق اسحاق فهو واضح الدلالة في ذلك فلو لم نقل بانصراف السؤال فيه عن الاستمناء بعبثه بذكره القدر المتيقن منه ذلك.

الثانية: ما استدل به على عدم وجوب الحج من قابل و هو صحيحا معاوية بن عمار الوارد ان في المحرم الذي يقع على أهله إن عليه بدنة و ليس عليه الحج من قابل و لكن الاستدلال بهما لا يتم الا اذا تمّ التعارض بينهما و بين موثق اسحاق.

199

و ما يمكن ان يقال في تقريب التعارض وجهان:

الاول: كون المواقعة فيما دون الفرج اغلظ من العبث المذكور فالحكم عليه بالحج من قابل اولى من الحكم به على الذي عبث بذكره كما ان الحكم بعدم الحج في القابل على الذي عبث بذكره اولى من الحكم بعدمه على الذي وقع على أهله.

الثاني: ان يقال: باستلزام مواقعة الاهل للامناء فهو فرد من افراد الاستمناء‌

فيلزم من ذلك وقوع التعارض بين الطائفتين الا ان التعارض على الوجه الاول يكون بين مفهوم كل واحد منهما مع منطوق الآخر و على الوجه الثاني التعارض واقع بين المنطوقين و بعد ذلك لا ريب في تقديم الصحيحين على الموثق و حمله على الاستحباب.

200

و يمكن الجواب عن هذا الاستدلال اوّلا: بمنع كون المواقعة المذكورة اغلظ من العبث المذكور سيما و هو حرام بالاصل و يكفى ذلك في الفرق بين الموردين في الحكم و بمنع كون المواقعة من افراد الاستمناء و غلبة الامناء بها.

و ثانياً: مع الغض عما ذكر بالجمع بين الطائفتين فنقول: على الوجه الاول يقع المعارضة بين منطوق كل منها مع مفهوم الآخر فالطائفة الاولى التي تقول بالحج من قابل بالمنطوق تقدم على الطائفة الثانية التي تنفى الحج من قابل عمن عبث بذكره بالمفهوم و الطائفة الثانية التي تقول بعدم الحج من قابل على الذي واقع اهله تقدم على مفهوم الطائفة الاولى الدال على كون الحج من قابل على الذي واقع اهله نعم على الوجه الثاني يقع التعارض بين المنطوقين فلا بد الا من القول بالفرق بين الاستمناء باليد و بالمواقعة مع الاهل فيختص الحكم بالحج من قابل بخصوص الاستمناء باليد و الامناء او القول بتقديم الصحيحين على الموثق و حمل الموثق على الاستحباب.

و يمكن ان يقال: ان دلالة الصحيحين على عدم وجوب القضاء اذا لم يمن بالنص و على عدم وجوبه اذا استمنى بالمواقعة و امنى بها بالاطلاق و دلالة الموثقة على وجوبه اذا استمنى و امنى بالنص و على وجوبه ان امنى و ان لم يستمن بالاطلاق ففيما اذا استمنى بيده و امنى نأخذ بالموثق لكونهما نصاً فيه و نترك الصحيحين لكونه ظاهراً في عدم القضاء حملا للظاهر على الاظهر نعم: فيما اذا عبث بيده و اتفق الامناء‌

فظاهر الموثق بالاطلاق الحج من قابل و ظاهر الصحيحين عدم الحج من قابل ايضاً بالاطلاق فيقع التعارض بينهما و يقدم الصحيحين على الموثق و على هذا يختص الحكم بالحج من قابل بالاستمناء باليد لا بمجرد العبث به بيده و وقوع الامناء اتفاقا و الله هو العالم.

[مسألة 17] حكم ما لو مسّ اهله

مسألة 17: قال في الجواهر (1): (و لو مسّها) اى امرأته (بغير شهوة لم يكن عليه شي‌ء) و ان امنى اذا لم يكن معتاد الامناء و لا قصده بلا خلاف اجده فيه كما اعترف به بعضهم نصاً و فتوى ففي حسن الحلبى.

عن ابى عبد الله (عليه السلام): «سألته عن المحرم يضع يده من غير شهوة على امرأته؟ قال: نعم يصلح عليها خمارها و يصلح عليها ثوبها و محملها قلت: أ فيمسها و هى محرمة؟ قال: نعم قال: المحرم يضع يده بشهوة قال: يهريق دم شاة قلت قبّل؟ قال: هذا اشدّ ينحر بدنة؟» (2) الخ.

____________

(1)- جواهر الكلام: 20/ 388.

(2)- وسائل الشيعة: ب 17 من ابواب كفارات الاستمتاع ح 2 و تعبيره بالحسن لمكان ابراهيم بن هاشم في السند ب 18 ح 1 و الكافى: 4/ 375.

201

اذاً فلا ريب في جواز مسّها بغير شهوة كما ان الظاهر انه لا خلاف بينهم في حرمة مسّها بشهوة و يدل على حرمة مسّها بشهوة صحيح مسمع ابى سيّار و فيه: «و من مسّ امرأته (بيده) و هو محرم على شهوة فعليه دم شاة» (1) و اطلاقه يدل على‌

ان الكفارة عليه و لو لم يمن كما يدل على تخصيص الدم بالشاة خلافاً لما حكى عن ابن حمزة (2) من انه جعل الفرض من قسم ما فيه الدم المطلق الذى جعله قسيماً لما فيه بدنة او بقرة او شاة او حمل او جدى تمسكاً باطلاق الدم في بعض النصوص مثل ما رواه الشيخ باسناد فيه على بن ابى حمزة عن محمد بن مسلم قال: سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن رجل حمل امرأته و هو محرم فامنى او امذى؟ قال: ان كان حملها او (و) مسّها بشي‌ء من الشهوة فامنى او لم يمن امذى او لم يمذ فعليه دم يهريقه» الحديث (3)

و فيه مضافاً الى ضعف الخبر بابن ابى حمزة ان الصدوق رواه في الفقيه (4) و لفظه (دم شاة) و فصّل ابن ادريس بين الانزال و عدمه فقال: فان مسّها بشهوة كان عليه دم بدنة اذا انزل و ان لم ينزل فدم شاة (5).

و استدل له كما في الجواهر بأن المس افحش من النظر الذى فيه البدنة اذا امنى فكيف تكون كفارته اذا انزل دم شاة فيحمل اطلاق اذا مسه بشهوة عليه شاة على ما اذا لم يمن كما هو الغالب في المسّ و لو بشهوة مضافاً الى ما في ذيل صحيح معاوية‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 17 من ابواب كفارات الاستمتاع ح 3، و ب 12 من ابواب تروك الاحرام ح 3.

(2)- الوسيلة/ 168.

(3)- وسائل الشيعة: ب 17 من ابواب كفارات الاستمتاع ح 6.

(4)- من لا يحضره الفقيه: 2/ 332.

(5)- السرائر: 1/ 552.

202

بن عمّار: و قال: في المحرم ينظر الى امرأته او ينزلها بشهوة حتى ينزل قال: عليه بدنة. فانه يقيد به الاطلاق المذكور و مضافاً الى ضعف الخبر المذكور فيه دم شاة (1).

و فيه: امّا أولوية المس لكون كفارته البدنة من النظر لانه افحش من النظر‌

ففيها: ان الاولوية بذلك ممنوعة فلعل افتراق المس و النظر في الكفارة كان لوجه آخر و حكمة اخرى.

و أما صحيح معاوية فلفظه على نقل الوسائل عن الكافى (او ينزلها) و في الاصل الكافى الموجود عندنا (و ينزلها) بالواو الوصلية كما هو كذلك في الجواهر و لذا لا يتم الاستدلال به و يمكن حمله على الاستحباب او الاستمناء و اما ضعف الخبر فخبر محمد بن مسلم كما اشرنا اليه ضعيف بابن ابى حمزة و لكن ما رواه الحلبى حسن او صحيح و فيه (يهريق دم شاة)

و على كل ذلك الصواب هو الاخذ بصحيحى الحلبى و المسمع و حمل هذا الحديث على الاستحباب و الله هو العالم.

[مسألة 18:] من نظر الى اهله

مسألة 18: لو نظر الى امراته فان لم يكن بشهوة و لم يكن معتاد الامناء به لا شي‌ء عليه ولوا منى للاصل الجارى في كل فعل شك في حرمته او في تعلق الكفارة به فمقتضى الاصل جواز ارتكابه و براءة الذمة عن تعلق الكفارة اليه.

مضافاً الى دعوى قطع الاصحاب بجوازه و عدم تعلق كفارة به بل دعوى‌

____________

(1)- وسائل ابواب كفارات الاستمتاع ب 17 ح 1.

203

بعضهم صريحاً الاجماع عليه كما حكى عن المنتهى و لعله كذلك و مضافاً الى صحيح معاوية بن عمّار عن ابي عبد الله (عليه السلام): «سألته عن محرم نظر الى امرأته فامنى او امذى و هو محرم قال: لا شي‌ء عليه و لكن ليغتسل و يستغفر ربه» (1) الحديث و إلى‌

مفهوم التعليل المذكور في خبر ابى بصير قال فيه: «اما انى لم اجعل عليه هذا لانه امنى انما جعلته عليه لانه نظر الى ما لا يحل له» (2) و مقتضى الاصل و مقتضى اطلاق الاول و اطلاق التعليل في الثاني جواز النظر و عدم الكفارة.

و ان كان معتاد الامناء و لم يقصد بنظره الامناء فانه من الاستمناء.

و ان كان نظر اليها بشهوة فان لم يكن معتاد الامناء به فمقتضى الاصل جواز النظر اليها بشهوة و مقتضى اطلاق مفهوم التعليل المذكور ايضاً ذلك كما أنه ان امنى به و لم يكن من قصده ذلك لم يرتكب حراماً لكن عليه بدنة كما هو المصرح به في كلام غير واحد على ما في الجواهر (3) بل عن المنتهى الاجماع عليه قال: و هو الحجة بعد حسن مسمع ابى سيار عن الصادق (عليه السلام): «و من نظر الى امرأته نظر شهوة فامنى فعليه جزور» (4) انتهى و حمله على صورة قصده الامناء خلاف اطلاقه‌

و أمّا التمسك بذيل صحيح ابن عمّار: «قال في المحرم ينظر الى امرأته و ينزلها بشهوة حتى ينزل قال: عليه بدنة» (5) لا يستقيم الا اذا كان لفظة (او) بدل (و) و لكن قد سمعت ان ما في النسخ الموجودة غير الوسائل (و) و هذا ينطبق على الاستمناء.

____________

(1) وسائل الشيعة: ب 17 ابواب كفارات الاستمتاع ح 1.

(2)- وسائل الشيعة: ب 16 أبواب كفارات الاستمتاع ب 16 ح 2 قلت لأبي عبد الله (عليه السلام) رجل محرم نظر الى ساق امرأة فأمنى فقال ب 16.

(3) جواهر الكلام: 20/ 387.

(4) وسائل الشيعة، ب 17 ابواب كفارات الاستمتاع ح 3.

(5) وسائل الشيعة: ب 17 من ابواب كفارات الاستمتاع ح 1.

204

و عن المفيد و المرتضى اطلاق نفى الكفارة و ان كان بشهوة (1) و المستند لهذا‌

القول ان كان الاصل فهو ممنوع بصحيح مسمع (2)، و ان كان صحيح ابن عمّار عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «سألته عن محرم نظر الى امرأته فامنى او امذى و هو محرم؟ قال: لا شي‌ء عليه» (3) فربما يقال انه مقيد بذيله قال «في المحرم ينظر الى امرأته و (او) ينزلها بشهوة حتى ينزل؟ قال: عليه بدنة».

بيان ذلك ان قوله بشهوة ان خصّ به الانزال يلزم تباين الصدر و الذيل كلياً و اذا كان راجعاً الى النظر لا بد اما من حمله على الاستحباب او تقييد الصدر بالذيل بالنظر بغير شهوة قال: في الجواهر و هو الوجه لرجحان التخصيص على المجاز و ان وافق الاصل و ان كان لا يخلو من نظر (4).

و فيه: ان هذا البيان كما مرّت الاشارة اليه انما يأتي لو كان لفظ الحديث (او ينزلها) و أما اذا كان (و ينزلها) لا يأتي الاشكال المذكور اذا كان قوله فيه (بشهوة) راجعاً الى الانزال او اليه و إلى النظر فان بذلك يختلف موضوع الحكم و السؤال مضافاً الى أنه ظاهر بقرينة قوله (حتى) في الاستمناء و على هذا نبقى نحن و صحيح مسمع الدال على الكفارة و صدر صحيح معاوية بن عمار الذي يدل بالاطلاق على أنه لا شي‌ء عليه بالنظر و ان كان بشهوة و خبر ابى بصير الدال بمفهوم ما فيه من التعليل على ان النظر اذا لم يكن الى ما لا يحل له لا يوجب شيئاً و ان كان بشهوة و موثق اسحاق بن عمار الدال بالمنطوق على ان النظر بالشهوة لا يوجب شيئاً و تقييد اطلاق صحيح معاوية بن عمار و مفهوم تعليل المذكور في خبر ابي بصير بصحيح‌

____________

(1)- راجع جواهر الكلام: 20/ 387.

(2)- وسائل الشيعة: ب 17 من ابواب كفارات الاستمتاع ح 3.

(3)- وسائل الشيعة: ب 17 من ابواب كفارات الاستمتاع ح 1.

(4)- جواهر الكلام: 20/ 388.