فقه الحج - ج3

- الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني المزيد...
422 /
205

مسمع و ان كان ممكناً الّا ان التعارض بينه و بين الموثق محتاج الى العلاج و لذا حمل‌

الشيخ في التهذيبين على السهو و النسيان قال في التهذيب (فمحمول- يعنى موثق اسحاق- على السهو دون العمد لان من تعمد نظراً بشهوة لزمته الكفارة اذا امنى حسب ما تضمنه الخبر المتقدم (1) يعنى صحيح مسمع-).

و قال في الاستبصار و الوجه في هذا الخبران نحمله على حال السهو و النسيان لان من نظر ساهياً او ناسياً نظر شهوة فامنى لم يكن عليه شي‌ء كما أنه لو جامع نسياناً لم تلزمه كفارة على ما بيناه في كتابنا الكبير. (2)

و الاولى ان نقول في توجيه هذا الحمل ان صحيح مسمع نصّ في وجوب الكفارة على من تعمد النظر بشهوة فامنى و ظاهر في وجوبها على من سها ذلك و موثق اسحاق نص فيمن سها و نظر و ظاهر في من تعمد فنحمل ظاهر كل منها على النص الآخر كما هو المعمول به عندهم من حمل الظاهر على الاظهر.

فتلخص مما ذكر أن الاقوى ما عليه المشهور و ادعى الاجماع عليه و هو وجوب جزور على من نظر الى امرأته بشهوة فأمنى اذا لم يكن ناسياً احرامه و الله هو العالم.

[مسألة 19] حكم ما لو نظر الى غير اهله

مسألة 19: لو نظر الى غير اهله فامنى فالمحكي عن النهاية و المبسوط و السرائر، و المهذب، و الجامع، و النافع و القواعد، و غيرها (3)

____________

(1)- تهذيب الاحكام: 5/ 327.

(2)- الاستبصار: 2/ 192.

(3)- راجع جواهر الكلام: 20/ 385.

206

أن عليه ان كان موسراً بدنة و ان كان متوسطاً فبقرة، و ان كان فقيراً فشاة

و قيل ان هذا مختار الاكثر بل هو المشهور لما رواه في الكافي عن ابي علي الاشعري (1) عن محمد بن عبد الجبّار (2) عن صفوان (3) عن اسحاق بن عمّار (4) عن ابي بصير (5) قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل نظر الى ساق امراة فامنى؟

قال: ان كان موسراً فعليه بدنة، و ان كان بين ذلك فبقرة، و ان كان فقيراً فشاة اما انى لم اجعل ذلك عليه من اجل الماء، و لكن من اجل أنه نظر الى ما لا يحلّ له». (6)

و رواه في التهذيب (7) باسناده عن اسحاق و فيه «و ان كان وسطاً فعليه بقرة» و رواه الصدوق في الفقيه (8) الا انه قال: «الى ساق امرأة او فرجها فامنى»‌

و القول الثاني في المسألة ما عزى الى المفيد و سلار و ابن زهرة و هو انه ان عجز عن الشاة صام ثلاثة ايام (9)، و لم نر في أخبار الباب ما يدل عليه نعم في أبواب كفارات الصيد في محرم اصاب ظبياً ورد انه عليه شاة فان لم يجد فليتصدق على عشرة مساكين فان لم يجد فليصم ثلاثة ايام (10) فيمكن الاستدلال به بدعوى ان‌

____________

(1)- احمد بن ادريس القمى الثقة الفقيه كثير الحديث صحيح الرواية.

(2)- من كبار السابعة قمى ثقة.

(3)- من اعاظم السادسة.

(4)- من الخامسة.

(5)- من الرابعة.

(6)- الكافى: 4/ 377 ح 7.

(7)- التهذيب ج 5/ 325 ح 1115 و وسائل الشيعة: ب 16 من ابواب كفارات الاستمتاع ح 2.

(8)- من لا يحضره الفقيه: 2/ 332 ح 2590.

(9)- راجع جواهر الكلام ج 20/ 385.

(10)- وسائل الشيعة: ب 2 من ابواب كفارات الصيد ح 3 و 8.

207

الصدقة و الصيام بالمقدار المذكور بدل للشاة سواء عينت كفارة للظبى او النظر او غيرهما لا لخصوصية كونها كفارة لإصابة الظبى.

و فيه: منع ذلك المساواة و الغاء الخصوصية انما يكون عند العرف اذا كان المورد مثل ما اذا شك الرجل بين الثلاث و الاربع و غاية ما يمكن فيه الغاء الخصوصية و دعوى مفهوم المساواة دعواه في ابواب الصيد لا مطلقاً و لذا نردّ بذلك ما عن الرياض من الحكم به معللا بأنه اصل عام (1) فانه نقول ان ذلك لو كان اصلا عامّاً لا نتجاوز عنه من باب الصيد الى غيره.

و عن ابن حمزة انه ترك الشاة اصلا و إليك كلامه في تفصيل موارد البدنة و البقرة و الشاة في الوسيلة.

فقال في البدنة: و البدنة تلزم بالجماع ... و بخروج المنى اذا نظر الى غير اهله ...

و قال في البقرة: و البقرة تلزم بصيد بقرة الوحش و حمار الوحش و بامناء المتوسط اذا نظر الى غير اهله ...

و قال في الشاة: و الشاة تلزم بصيد الظبى و الثعلب و الارنب (2) و ذكر موارد كثيرة لم يتعرض لكونها كفارة على الفقير ان نظر الى غير اهله، و لكن الظاهر انه سقط من قلمه الشريف فلا يعد ذلك قولا منه.

و القول الثالث: التخيير بين الجزور و البقرة فان لم يجد فشاة.

لصحيح زرارة قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن رجل محرم نظر الى غير اهله‌

____________

(1)- رياض المسائل: 7/ 391.

(2)- الوسيلة/ 167- 166.

208

فانزل؟ قال: عليه جزور او بقرة فان لم يجد فشاة» (1)

و قد افتى بذلك الصدوق قده في المقنع: و ان نظر محرم الى غير اهله فانزل فعليه جزور او بقرة و ان لم يقدر فشاة (2).

و في الجواهر أنه تبعه بعض متأخري المتاخرين (3).

و لكنه معارض بالموثق المذكور الذي عمل به المشهور مضافاً الى امكان كون المراد منه ان عليه امّا جزور و أمّا بقرة لانه لا يخلو امّا ان يكون موسراً فعليه الجزور و أما يكون متوسطاً فعليه البقرة فلعل الامام (عليه السلام) يرى ان زرارة يفهم ذلك منه و أمّا الموثق فصريح في مضمونه فيحمل ما هو المجمل عليه و مضافاً الى ان العمل بالموثق موافق للاحتياط و ربما يكون هنا قول رابع و هو الاكتفاء بشاة مطلقاً لصحيح معاوية بن عمّار «في محرم نظر الى غير اهله فانزل؟ قال: عليه دم لانه نظر الى غير ما يحلّ له، و ان لم يكن انزل فليتق الله و لا يعد و ليس عليه شي‌ء» (4).

و لكن يرد بأن اطلاقه يقيد بالموثقة.

و لا فرق في ذلك بين ان يكون المراد من الدم مطلق الدم الشامل للثلاثة فيقيد اطلاقه الدال على كفاية مطلق الدم بكونه للموسر كذا و للمتوسط كذا و للفقير كذا و بين ان يكون المراد منه خصوص الشاة بدعوى انصرافه اليها فانه باطلاقه يدل على ان الكفارة بشاة سواء كان من عليه الكفارة موسراً او متوسطاً او فقيراً‌

و الموثق يقيده بما اذا كان مرتكب المحرم فقيراً و الذي تحقق من كل ما ذكر ان ما هو‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 16 من ابواب كفارات الاستمتاع ح 1.

(2)- المقنع/ 242.

(3)- جواهر الكلام: 20/ 386.

(4)- وسائل الشيعة: ب 16 من ابواب كفارات الاحرام ح 5.

209

الاقوى و الاظهر في حكم المسألة مختار الاكثر بل المشهور للموثق المذكور الذي اعتمد عليه جمع من اكابر الاصحاب و الله هو العالم بالصواب.

هذا و لا يخفى عليك ان ظاهر التعليل المذكور في الموثقة و ان كان وجوب الكفارة و ان لم يمن لانه نظر الى ما لا يحل له و لكن يرفع اليد عن مفهوم التعليل بصريح صحيح معاوية بن عمار فانه مع التصريح بالتعليل المذكور صرح بأنه ليس عليه شي‌ء ان لم ينزل.

لا يقال: ان ذلك موجب لتهافت الصدر مع الذيل فانه يقال: إن الصدر يدل على ان النظر الى ما لا يحل له يقتضى الدم لكن المقتضى انّما يؤثر اذا كان الشرط ايضاً موجوداً و المانع مفقوداً و أمّا اذا كان الشرط مفقوداً او المانع موجوداً فلا يؤثر و يمكن ان يكون شرط تأثير النظر في وجوب الكفارة الامناء او كان المانع منه كثرة الابتلاء بالنظر و ايضاً لا يخفى عليك بحكم الاطلاق عدم الفرق في الحكم نصاً و فتوى بين ما اذا قصد الامناء أولا و بين النظر بشهوة أولا و بين معتاد الامناء و غيره خلافاً للمحكى عن المسالك (1) و الله هو العالم.

[من محرمات الإحرام ايقاع العقد لنفسه أو غيره]

[مسألة 20:] النكاح في حال الاحرام

مسألة 20: لا يجوز للمحرم تزويج امرأة محرمة او محلة لنفسه او لغيره و يدل عليه من النصوص ما رواه الشيخ في التهذيبين في الصحيح عن ابن سنان عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: ليس للمحرم ان يتزوج و لا يزوج فان تزوج او زوج محلا فتزويجه باطل (2)

و ظاهره حرمة تزويجها لنفسه و لغيره‌

____________

(1)- مسالك الافهام: 2/ 482.

(2)- تهذيب الاحكام: 5/ 328 ح 1128 و الاستبصار: 2/ 193 ح 1.

210

تكليفاً و وضعاً و لفظه على ما في الوسائل (1) (و ان زوج) و قال بعض السادة المعاصرين فحينئذ يحتمل ان يكون تاكيداً لما قبله فتكون الرواية صدراً و ذيلا دالة على الحكم الوضعى اى الفساد ثمّ حكم بكون نسخة الوسائل غلطاً جزماً لمخالفتها مع نسخة الاصل من التهذيبين و مع ما في الفقيه (2) و على هذه النسخ الاصلية لا يمكن ان يكون العطف للتأكيد لان الظاهر من الفاء هو التفريع و لا معنى للتفريع على نفسه فاذا اريد من الجملة الاولى البطلان لا معنى لقوله ثانياً فان تزوج ... فتزويجه باطل.

و يمكن استظهار حرمته التكليفي من الحكم في الروايات بحرمتها الابدية عليه فان ذلك مناسب للمخالفة و العصيان كما يمكن استفادة حرمته كذلك مما دل على حرمة كون المحرم شاهداً للنكاح لان حرمته مختصة بالتكليفي و لا ريب في ان حرمة الاصل اولى من الفرع.

ثمّ انه لا فرق في الحكم بين ان يكون المحرم مباشراً بنفسه للعقد او وكل غيره للعقد له و اوقع الوكيل العقد حال احرام الموكل.

اعلم ان الكلام في عقد الفضولى في مسئلتنا هذه يقع في مقامين:

المقام الاول: في عقد المحل للمحرم فضولة فالظاهر انه لا يحرم عليه و أمّا المحرم فلا يجوز له امضاؤه في حال الاحرام اذا كان العقد واقعاً ايضاً في هذا الحال سواء‌

قلنا في باب الفضولى بالنقل او الكشف الحقيقى او الحكمى أو الانقلابي و كذا لا يجوز له الامضاء في حال الاحرام و ان كان العقد واقعاً في حال احلاله بناء على القول بالنقل كما انه اذا كان العقد واقعاً من الفضولى في حال احرام الاصيل يجوز له على‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 14 من ابواب تروك الاحرام ح 1.

(2)- من لا يحضره الفقيه: 2/ 361 ح 2709.

211

القول بالنقل امضاؤه في حال احلاله.

و أمّا على القول بالكشف الحقيقى فالقول بالجواز و عدمه يدور مدار وقوع العقد من الفضولى في حال احلال الاصيل او احرامه فان كان واقعاً في احلاله يجوز له الامضاء في حال الاحرام على اشكال، و ان كان واقعاً في حال احرام الاصيل لا يجوز له الامضاء في حال الاحلال لكون التزويج على هذا القول واقعاً في حال الاحرام.

و أمّا على القول بالكشف الحكمى بمعنى ثبوت مضمون العقد حال الاجازة و ترتب احكام ثبوته من حين العقد فيمكن ان يقال: بعدم جواز امضائه في حال الاحرام و ان كان العقد واقعاً حال كونه محلا، و جوازه حال الاحلال، و ان كان العقد واقعاً حال كونه محرماً.

و أمّا على القول بما يعبر عنه بالكشف الانقلابى بمعنى كون زمان الاجازة هو زمان جعل مضمون العقد من حين العقد، و عليه، المضمون هو المجعول من حين العقد، و ان كان جعل حين الاجازة، فعليه العقد المجاز اذا كان واقعاً حال الاحلال و الاجازة صادرة في حال الاحرام يكون التزويج مجعولا في حال الاحلال و ان كان جعله واقعاً في حال الاحرام و اذا كان التزويج و العقد واقعاً في حال الاحرام و الاجازة في حال الاحلال يكون التزويج مجعولا في حال الاحرام و جعله واقعاً في حال الاحلال فهل العبرة في الحلية و الحرمة و الصحة و البطلان على زمان الجعل او المجعول فيه وجهان.

و بعد ذلك كله لا يجوز ترك الاحتياط حتى على القول بالنقل اذا كان العقد واقعاً في حال الاحرام و الامضاء في حال الاحلال.

المقام الثاني: في عقد المحرم فضولة للمحل فعلى القول بالنقل ان امضاه المحل حال بقاء العاقد في احرامه يحكم ببطلانه و بطلان احرامه فلا يترتب عليه الاثر،

212

و ان امضاه بعد خروج العاقد من الاحرام فالظاهر الحكم بالصحة و ترتب الاثر، و عليك باستخراج الفروع على سائر المبانى و الله هو العالم بحقائق احكامه.

[مسألة 21:] «حرمة النكاح في حال الاحرام يوجب الحرمة الابدية»

مسألة 21: قد ظهر لك انه لا اشكال في حرمة النكاح في حال الاحرام تكليفاً و وضعاً فهو باطل لا يترتب عليه اثر النكاح الصحيح و لا يحلّ له به بل هي محرمة عليه ابداً اجماعاً كما حكى عن السيد في الانتصار (1) و الشيخ في الخلاف (2) و ابن زهرة في الغنية (3) و عن العلامة في التذكرة (4) و المنتهى (5) نسبته الى علمائنا و يدل عليه من الروايات ما رواه الكلينى بسنده عن المثنى (6) عن زرارة بن اعين و داود بن سرحان (7) عن ابي عبد الله (عليه السلام) و عبد الله بن بكير عن اديم بياع الهروى (8) عن

ابي عبد الله (عليه السلام) أنه قال ...

و المحرم اذا تزوج و هو يعلم انه حرام عليه لم تحلّ له ابداً (9).

____________

(1)- الانتصار: 246.

(2)- الخلاف: 2/ 316.

(3)- الغنية/ 158.

(4)- تذكرة الفقهاء: 7/ 382.

(5)- منتهى المطلب: الطبعة الحجرية/ 808.

(6)- لعله ابن عبد السلام لا بأس به له كتاب من الخامسة.

(7)- ثقة له كتاب من الخامسة.

(8)- ثقة له اصل من الخامسة.

(9)- الكافي ج 5 ص 426 ح 1.

213

و ما رواه ايضاً الكلينى بسنده عن ابراهيم بن الحسن (1) عن ابي عبد الله (عليه السلام) «قال: ان المحرم اذا تزوج و هو محرم فرق بينهما ثمّ لا يتعاودان ابداً» (2).

و مثله ما رواه الشيخ باسناده عن ابن بكير عن اديم بن حر الخزاعى عن ابي عبد الله (عليه السلام) (3) و الظاهر انه و اديم المذكور في رواية الكافي واحد فالرواية ايضاً واحدة و ان اختلف لفظهما في الكافي و التهذيب.

و كيف كان الحكم ثابت نعم ربما يوهم معارضة الروايات المذكورة بصحيح محمد بن قيس (4) عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: «قضى امير المؤمنين (عليه السلام) في رجل ملك بضع امرأة و هو محرم قبل ان يحلّ فقضى ان يخلّى سبيلها و لم يجعل نكاحه شيئاً حتى يحل فاذا احلّ خطبها ان شاء، و ان شاء اهلها زوّجوه و ان شاءوا لم يزوجوه» (5) و يرفع المعارضة بان ظاهر الصحيح ان الرجل كان غير عالم بالتحريم.

ثمّ انه لا فرق في فساد عقد المحرم بين كونه عالماً بفساد العقد و حرمته في حال الاحرام و كونه جاهلا به و الظاهر انه لا فرق في عدم ترتب الحرمة الابدية على‌

عقده اذا كان جاهلا بين دخوله بها و عدمه اما في صورة عدم الدخول فهو القدر المتيقن من عدم ترتب الحرمة في صورة الجهل و هو المشهور بينهم كما في الجواهر شهرة عظيمة (6) و أما مع الدخول فهو ايضاً مقتضى الاصل و اطلاق مفهوم رواية زرارة و داود و اديم.

____________

(1)- الظاهر أنه لم يوصف بوصف مدحاً او قدحاً من الخامسة.

(2)- الكافي: 4/ 372 ح 3، تهذيب الاحكام: 5/ 329 ح 1133.

(3)- وسائل الشيعة: ب 15 من ابواب تروك الاحرام ح 1، تهذيب الاحكام: 5/ 329.

(4)- ثقة من الرابعة.

(5)- وسائل الشيعة: ب 15 من ابواب تروك الاحرام ح 3.

(6)- جواهر الكلام: 29/ 450.

214

هذا خلافاً لما حكى عن الخلاف و الكافي و الغنية. و السرائر و الوسيلة. فحرّموها مؤبداً كذات العدة (1) و ليس لهم دليل ظاهر في ذلك غير دعوى الاجماع الموهون بدعوى غيرهم الاجماع على خلاف ذلك و غير القياس الذي ليس في مذهبنا.

نعم قال في الجواهر (2): قد يستفاد مما في الفقيه وجود خبر دال حيث قال: و قال (يعنى أبا عبد الله) (عليه السلام): «من تزوج امرأة في احرامه فرق بينهما و لم تحل له ابداً» و في رواية سماعة: «لها المهر إن كان دخل بها» (3) لكن مثل ذلك غير كاف في مثل هذا الحكم.

اقول: هذا الخبر على فرض حجيته لا يدل على ازيد من ان لها المهر و لا ارتباط له بمسألتنا هذه.

و هل يترتب هذا الحكم على الاحرام الفاسد من اول الامر و على الذي افسده بعد وقوعه صحيحاً؟ لا ريب في أنه لا يترتب على الاول لانه لم يقع في حال الاحرام و في ترتبه على الثاني نظر يمكن نفيه بالاصل و عدم الدليل.

[مسألة 22] «الحاق النكاح المنقطع بالدائم»

مسألة مسألة مسألة 22: قال في الجواهر: «الظاهر الحاق المنقطع بالدائم هنا مع احتمال العدم» (4) و ظاهره عدم الجزم بالحكم و لعله لامكان دعوى ظهور

____________

(1)- راجع جواهر الكلام: 29/ 451.

(2)- راجع جواهر الكلام: 29/ 451.

(3)- من لا يحضره الفقيه: 2/ 361 ح 2711 و 2712.

(4)- جواهر الكلام: 18/ 300.

215

الادلة في الدائم او انصرافها اليه و لكن في العروة الجزم بعدم الفرق بينهما و ذلك لإطلاق الادلة و كون التزويج اعم من الدائم و المنقطع و ايضاً لا فرق في ترتب الاحكام بين ان يكون العقد واقعاً في احرام الحج الواجب او المندوب او العمرة الواجبة او المندوبة كما ان الظاهر انه لا فرق في ترتب الحرمة الابدية بين وقوع العقد مباشرة او بتوكيله الغير كما لا فرق في الحرمة اذا كان عالماً بها بين ان دخل بها و عدمه و هل هنا فرق بين كون الزوجة محرمة دونه فلا يبطل العقد و لا يوجب الحرمة الابدية؟

لا اشكال في بطلان العقد امّا ايجابه الحرمة الابدية ففيه قولان: مقتضى الاصل العدم و ما عن الخلاف من الاستدلال بالاجماع و الأخبار و الاحتياط فقد حكى عن الرياض بأنه قال: الأخبار لم نقف عليها و دعوى الوفاق غير واضحة و الاحتياط ليس بحجة (1).

و قال في الجواهر: يمكن اثباته بقاعدة الاشتراك او بارادة الجنس من الالف و اللام في بعض النصوص السابقة و نحو ذلك اللهم الا ان يدفع الاول بانّ الاشتراك في المعنى الصالح وقوعه منهما و الفرض ان النصوص دلّت على تزويج المحرم بمعنى‌

اتخاذه زوجة و هو معنى يخصّ الرجال فلا تشمله قاعدة الاشتراك و الثاني بأن الجنسية مع فرض ارادتها يراد منها الجنس في معنى اللفظ و الفرض ان المحرم خاصّ بالذكر فيكون الجنس في ذلك.

و في الجميع نظر أما الأوّل فلا ريب في تناول القاعدة إيّاه بعد معلوميّة كون ذلك من أحكام الإحرام المفروض اشتراكه بين «الرجال و النساء» فكل حكم‌

____________

(1)- راجع جواهر الكلام: 29/ 452.

216

يثبت فيه للرجال يثبت للنساء إلا ما خرج، فاذا ثبت حرمة التزويج لهم ثبت حرمة التزويج لهنّ، و إن اختلف معنى التزويج لكل منهما باتّحاد الزوجة و الزوج، و من هنا لم يتوقف أحد في إثبات غير هذا الحكم من جهة التزويج و التوليد منه و نحو ذلك للنساء.

و أما الثاني فالمراد جنسية المحرم بمعنى الشخص المتصف بالاحرام الّذي لا ريب في شموله للمذكر و المؤنّث كما هو واضح، و من ذلك كله يقوى اتّحاد المحرمة و المحرم في الحكم المزبور نحو التزويج في العدة و نكاح ذات البعل، بل و الزنا فيها كما عرفته سابقاً.

بل لا إشكال عندهم في الأوّلين في عدم الفرق في الحرمة أبداً بين نكاح الرّجل ذات العدّة و بين نكاحها هى، و ان اختلفا في أوّلية الحرمة أبداً من العالم القادم و تبعية الآخر له. فتأمّل جيداً، فانه دقيق نافع، و لعله لذا نفى الخلاف بعض أفاضل العصر عن كون إحرامها كإحرامه هنا، و ظاهره المفروغية من المسألة، و لعلها كذلك. و الله العالم (1).

[مسألة 23] «حكم توكيل المحرم للمحل على العقد بعد الخروج عن الاحرام»

مسألة 23: هل يجوز للمحرم ان يوكل محلا على العقد له حال الاحلال و خروجه عن الاحرام ام لا يجوز؟

فنقول اما الحكم التكليفى في هذا التوكيل فالظاهر جوازه لان ما هو المحرّم على المحرم العقد و التزويج حال الاحرام مباشرة او بالتوكيل و أمّا مجرد التوكيل‌

____________

(1)- راجع جواهر الكلام: 19/ 452.

217

ليس نكاحاً و أمّا حكمه الوضعى فقال في الجواهر: (صح بناء على عدم اعتبار امكان وقوع الموكل فيه من الموكل حال الوكالة) (1)

و حققه في كتاب الوكالة من هذا الكتاب الكبير و التأليف الذي لا يرزق التوفيق له الّا من كان مؤيداً بالامدادت الغيبية و العنايات الربانية شكر الله مساعيه الثمنية و مساعى سائر علمائنا العاملين حفّاظ الشريعة حيث قال في شرائط متعلق الوكالة: (الثالث: ان يكون مملوكاً للموكل اتفاقاً منّا كما في جامع المقاصد فلو وكله على طلاق امرأة سينكحها او عتق عبد سيملكه او بيع ثوب سيشتريه لم يصح نعم لو وكله على شراء عبد و عتقه او ثوب و بيعه جاز ثمّ ذكر ما في جامع المقاصد من ان منه يعنى من الثاني ما لو قال: طلق زوجتى ثلاثاً فانه يكون وكيلا في الرجعتين بينهما و ذكر ما اورد عليه بأن ذلك توكيل في تصرف لا يملكه الموكل وقت التوكيل فان الرجعة انما يملكها بعد الطلاق محقه ان لا يصح،

ثمّ ذكر ما اجاب هو يعنى صاحب جامع القاصد عن هذا الاشكال بنفى البعد عن ان يقال ان التوكيل في مثل هذا جائز لانه وقع تابعاً لغيره يعنى تو كيله على طلاق امرأته مثل ما وكله في شراء شاتين و بيع احداهما امّا لو وكله على ما لا يملكه‌

استقلالا كما لو وكل على طلاق زوجة سينكحها لم يصح و الفرق بين وقوع الشي‌ء اصلا و تبعاً كثير لان التابع وقع مكملا بعد الحكم بصحة الوكالة و استكمال اركانها و قد وقع الايماء الى ذلك في التذكرة.

ثمّ قال صاحب الجواهر: (قلت: و قد تبعه عليه كل من تأخر عنه و نظروه في الوقف على المعدوم اصالة و تبعاً).

ثمّ قال: (لكن الانصاف انه ليس بشي‌ء عند التأمل، فان النظائر لا تصلح لان‌

____________

(1)- جواهر الكلام: 18/ 299.

218

تكون دليلا و دعوى تناول العموم له دون الاول مجرد اقتراح، و انكار جوازه مطلقاً مكابرة بل مشروعية المضاربة حجة عليه فانها من الوكالة ايضاً فلا بدّ ان يقال: ما يرجع منها الى معنى التعليق باطل باعتبار اقتضاء تأخير متعلقها تأخرها امّا ما لا يرجع الى ذلك بأن جعله وكيلا عنه و نائباً منابه فيما هو اهل له و لو بايجاد سببه المتأخر عن حال العقد صحّ و ان لم نجعله تابعاً في وكالة شخص خاصّ بل وكل شخصاً على الشراء و آخر على بيع ما يشتريه ذلك لكن على الوجه المزبور و بالجملة لا يبعد القول بمشروعية الوكالة لما ذكرناه من عمومها في جعل الشخص نائباً منابه و قائماً مقامه في كل ما هو أهل له من غير فرق بين الموجود و المتجدد له من ملك و غيره و حينئذ له ان يبيع ما يدخله في ملكه بارث وهبة و غيرهما) (1).

اقول: ان أراد مما افاد كون ما تعلقت الوكالة به عنواناً عامّاً يعتبر العرف كونه للموكل فعلا مثل ما هو اهل له فانه له و يشمل التوكيل عليه ما هو مصداق لهذا العنوان بالفعل و ما يتجدد بعد ذلك بل نقول لا يشترط في مثل ذلك وجود مصداق له بالفعل فهو اهل لان يكون له كذا و كذا و يجعل الوكيل قائماً مقامه و نائباً منابه في‌

ذلك و عليه يشمل ذلك طلاق امرأة نكحها بعد ذلك و عتق عبد و بيع مال اشترى هما بعد ذلك.

و ان اراد ان الجواز و عدمه يدور مدار عدم رجوع المعنى الى التعليق و رجوعه فان وقع عقد الوكالة منجزاً فهو صحيح و ان وقع معلقاً يقع باطلا فيمكن تنجيز عقد الوكالة على طلاق امرأة سينكحها فيجعله وكيلا على طلاقها فعلا ان انكحها بعد ذلك سواء وقع النكاح ام لم يقع فكما يكون للموكل ذلك بالفعل يكون لمن يقوم مقامه و هو الوكيل و هذا بخلاف جعله وكيلا على طلاقها مشروطاً بنكاحها‌

____________

(1)- جواهر الكلام: 27/ 384.

219

و عند وقوع النكاح ففي الاول اعمال الوكالة و ما كان للموكل و كان هو اهلا له يتوقف على النكاح او البيع و في الثاني تحقق الوكالة يتوقف على النكاح و البيع فهي منجزة في الصورة الاولى و معلقة في الثانية فاقدة لشرط التنجيز و بعبارة اخرى في الصورة الاولى الوكيل وكيل للموكل في الحال و من زمان انشاء العقد لا يتخلف المنشأ عنه و في الثانية لا يكون وكيلا له في الحال و لا يتحقق الوكالة على الطلاق و العتق الّا بعد النكاح و شراء العبد و هذا مراده من قوله: فلا بدّ ان يقال: ما يرجع منها الى معنى التعليق باطل باعتبار اقتضاء تأخير متعلقها تأخرها.

ثمّ قال: في آخر كلامه: (و بالجملة لا يبعد القول بمشروعية الوكالة لما ذكرناه من عمومها في جعل الشخص نائباً منابه و قائماً مقامه في كل ما هو اهل له من غير فرق بين الموجود و المتجدد له من ملك و غيره. و حينئذ له ان يبيع ما يدخله في ملكه بارث وهبة و غيرهما و لعلّ من ذلك وكلاء الائمة ( (عليهم السلام)) و نوابهم سيّما وكلاء الناحية و وكلاء المجتهدين في زمن الغيبة على ما يتجدد من الخمس و الزكاة و غير ذلك مما هو راجع الى الامام (عليه السلام) فتأمل جيداً فانه دقيق نافع لم اجد من احاط به) (1).

فتلخص من ذلك صحة الوكالة في جميع الصور حتى على عتق ما سيشتريه او طلاق امرأة سينكحها الّا اذا رجع الى التعليق و قلنا باعتبار التنجير في عقدها.

[مسألة 24] «اعتبار صحة العقد حال الاحرام في حرمته و الحرمة الابدية»

مسألة مسألة مسألة 24: هل المعتبر في حرمة العقد حال الاحرام تكليفاً كونه صحيحاً واجداً لشرائط الصحة غير شرط عدم كونه في حال الاحرام و كذا الحرمة الابدية التي تترتب عليه اذا وقع

____________

(1)- جواهر الكلام: 27/ 385.

220

باطلا من غير جهة الاحرام كتزويج اخت الزوجة او لا يعتبر فيه ذلك فالعقد الباطل ايضاً حرام تكليفاً و موجب للحرمة الابدية لصدق التزويج عليه فتشمله الأخبار نعم اذا لم يصدق عليه التزويج عرفاً لفقد ما يوجب فقده عدم صدق التزويج عليه لا ريب في عدم ترتب اثر عليه وجهان بل قولان:

وجه القول الاول انه ظاهر الأخبار فان المتبادر منها العقد الصحيح فعن العلامة في التحرير: (و الظاهر ان مراد علمائنا بالعقد في المحرم و ذات العدة انما هو العقد الصحيح الذي لو لا المانع لترتب عليه اثره (1)

و قال في الجواهر: و فيه ان لفظ التزويج و النكاح للاعم مع انك قد سمعت خبر الحكم المشتمل على التزويج في العدة و هو فاسد مع قطع النظر عن الاحرام (2).

اقول: مراده من خبر الحكم ما رواه الشيخ في التهذيب في باب الزيادات في‌

فقه النكاح عن الصفار (3) عن محمد بن السندى (4) عن علي بن الحكم (5) عن معاوية بن ميسرة (6) عن الحكم بن عتيبة (7) قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن‌

____________

(1)- راجع جواهر الكلام: 29/ 451.

(2)- جواهر الكلام: 29/ 451.

(3)- الظاهر انه محمد بن الحسن الصفار الملقب بممولة فان كان هو ابن الحسن بن فروخ فهو ممدوح جداً من الثامنة.

(4)- لم يذكر فيه مدح و لا قدح و هو من السابعة.

(5)- ثقة جليل له كتاب من السادسة.

(6)- ابن شريح القاضى له كتاب هو من الخامسة.

(7)- ابو محمد الكندى مذموم من فقهاء العامة و كان استاد زرارة و حمران و الطيّار قبل ان يروا هذا الأمر هو من الرابعة.

221

محرم تزوج امرأة في عدّتها قال: «يفرق بينهما و لا تحل له ابداً» (1).

و اجيب عن ذلك بأنّا و إن قلنا بأن الفاظ العبادات و المعاملات موضوعة للاعم لا للصحيح نقول بارادة الصحيح منها في مقام الاستعمال و لذا يقولون به في الشهادات و الاقرارات و الوصايا و النذور و قد استدرك الجواهر ما قاله بقوله: نعم قد يقال: ان المنساق من نصوص المقام و فتاواه العقد الصحيح في نفسه خصوصاً خبر ابن قيس فلا عبرة بالفاسد كنكاح الشغار بل و لا بالفاسد لفقد شرط من شرائط الصحة كالعربية و نحوها بخلاف ما كان فساده بالعدة و البعل و نحوهما مما هو كالاحرام في الافساد فتأمل (2).

اقول أما خبر محمد بن قيس فهو صحيح فان الشيخ رواه عن موسى بن القاسم (3) عن صفوان و ابن ابي عمير (4) عن عاصم بن‌

حميد (5) عن محمد بن قيس (6) عن ابي جعفر (عليه السلام) قال: «قضى امير المؤمنين (عليه السلام) في رجل ملك بضع امرأة و هو محرم قبل ان يحلّ فقضى ان يخلّى سبيلها و لم يجعل نكاحه شيئاً حتى يحل الحديث» (7).

____________

(1)- تهذيب الاحكام: 7/ 471 ح 1887.

(2)- جواهر الكلام: 29/ 451.

(3)- بجلى كوفى ثقة جليل ... من السابعة.

(4)- هما مشهوران بجلالة القدر و صفوان بجلى له ثلثون كتاباً و ابن ابى عمير له مصنفات منها كتاب النوادر كبير و هما من السابعة.

(5)- الكوفى ثقة ... له كتاب من الخامسة.

(6)- بجلي كوفى ثقة عين ... من.

(7)- تهذيب الاحكام: 5/ 330 ح 1134.

222

و يمكن ان يقال ان غاية ما هو مفاد الصحيح حكم النكاح الصحيح لا اختصاص الحكم به فلا يقيد به اطلاق لو كان في البين على القول بالاعم.

و أما التفصيل بين ما كان بطلان العقد باختلال بعض شروطه كالعربية على القول باعتبارها في صحته و بفساده في نفسه كنكاح الشغار فيقال بعدم ترتب الاثر عليه و بين ما كان فساده بالعدة و البعل فيقال بترتب الاثر عليه ان عقد على ذات العدة او ذات البعل في حال الاحرام فلم نفهم وجه التفصيل اللهم الّا ان يستند ذلك الى خبر الحكم بن عتيبة الذي سمعت ضعفه.

و كيف كان فالظاهر ان المتبادر من اخبار المسألة و باب تزويج المعتدة هو العقد و التزويج المحكوم بالصحة لو لا حكم الشارع بفساده لخصوص هذه الجهة و لو كان لفظ التزويج و كذا النكاح موضوعين للاعم لعدم استظهار الاطلاق و استعمال اللفظ في الاعم بمناسبة المقام و على فرض تساوى الاحتمالين يؤخذ بالقدر المتيقن من الأخبار و هو النكاح الصحيح و في غيره فمقتضى الاصل عدم ترتب شي‌ء عليه هذا و قد ظهر من كل ما ذكر وجه القول بعدم اعتبار كون التزويج صحيحاً في موضوعيته للاحكام و هو اطلاق اللفظ على القول بالاعم كما قد ظهر لك ضعف‌

وجهه. و الله هو العالم.

223

[مسألة 25] «حكم ما لو زوج المحل المحرم»

مسألة 25: قد روى شيخنا الكلينى (رضوان الله تعالى عليه) عن عدة من اصحابنا (1) عن احمد بن محمد (2) و سهل بن زياد (3) عن ابن محبوب (4) عن سماعة بن مهران (5) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا ينبغى للرجل الحلال ان يزوج محرماً و هو يعلم أنه لا يحلّ له. قلت: فان فعل فدخل بها المحرم؟ قال: ان كانا عالمين فانّ على كل واحد منهما بدنه و على المرأة ان كانت محرمة بدنة، و ان لم تكن محرمة فلا شي‌ء عليها الا ان تكون قد علمت ان الذي تزوجها محرم، فان كانت علمت ثمّ تزوجته فعليها بدنة (6)».

____________

(1)- مراد الكلينى من عدة من اصحابنا عن احمد بن محمد ان كان احمد بن محمد بن عيسى فهم خمسة رجال و هم محمد بن يحيى و احمد بن ادريس و على بن ابراهيم و داود بن كورة و على بن موسى الكميدانى و ان كان هو احمد بن محمد بن خالد البرقي فهم اربعة رجال على بن ابراهيم بن هاشم و على بن محمد بن عبد الله و يقال بندار ابن بنت البرقي و احمد بن عبد الله بن احمد البرقي ابن ابنه و على بن الحسين السعدآبادى المؤدب تلميذه الذى تخرج عليه في الادب و مراده من عدة من اصحابنا عن سهل بن زياد ايضاً اربعة رجال و هم محمد بن الحسن الطائى الرازى، و محمد بن جعفر الاسدى نزيل الرى او محمد بن ابى عبد الله و محمد بن عقيل الكلينى، و على بن محمد بن ابراهيم الكلينى خال محمد بن يعقوب.

(2)- ان كان هو ابن عيسى هو موصوف بمدائح جليلة و ان كان هو ابن خالد فهو ايضاً مرضى و هما من السابعة.

(3)- هما من السابعة.

(4)- هو الحسن بن محبوب من الاجلاء له كتب كثيرة من اصحاب الاجماع من السادسة.

(5)- من اصحاب الاجماع من السادسة.

(6)- الكافى: 4/ 372، ح 5.

224

و رواه شيخنا الطوسى (قدس سره) (1).

اقول: الخبر على اصطلاح صحيح و على اصطلاح موثق لا ريب في اعتباره قد عمل به الاصحاب يدل بالمنطوق و بالمفهوم و الفحوى على ما يأتى من الاحكام فما يدل به بالمنطوق احكام‌

الاول: ان الرجل الحلال اذا زوج محرماً فدخل بها المحرم فعلى الذي زوجه ان كان عالماً بالحكم و الموضوع بدنة‌

الثاني: ان على المحرم المذكور ان دخل بها عالماً بالحكم و الموضوع ايضاً بدنة‌

الثالث: ان على المرأة المدخول بها بهذا التزويج ان كانت محرمة و كانت عالمة بالحكم ايضاً بدنة و ان لم تكن محرمة فلا شي‌ء عليها.

الرابع: ان المرأة ان لم تكن محرمة و لكن كانت عالمة قبل ان تزوجها الرجل المحرم بالحكم و الموضوع ثمّ تزوجته و دخل بها كانت عليها بدنة‌

و قال في الجواهر: (و لو كانت المرأة و العاقد محرمين و الزوج محلا وجبت الكفارة على المرأة مع الدخول بسبب الدخول لا بسبب العقد و في وجوبها على العاقد نظر اقواه العدم للاصل) (2).

و قال: (و هل يلحق بالمحلة المزوجة محرماً عالمة بذلك المحل المزوج محرمة عالماً‌

بذلك وجهان لا يخلو اولهما من قوة) (3)

____________

(1)- التهذيب: 5/ 330 ح 1138.

(2)- جواهر الكلام: 20/ 379.

(3)- جواهر الكلام: 20/ 379.

225

اقول: كان ذلك التمسك بقاعدة الاشتراك لاثبات ما ثبت بالنص على النساء على الرجال‌

و في الجواهر: (و ظاهر المتن (يعنى الشرائع) و القواعد التوقف فيه في الجملة بل في محكى المنتهى و في سماعة قول و عندى في هذه الرواية توقف بل عن الايضاح الاصح خلافه للاصل، و لانه مباح بالنسبة اليه، و تحمل الرواية على الاستحباب، و فيه ان الرواية من قسم الموثق او الصحيح و كل منهما حجة سيما مع الاعتضاد هنا بالشهرة المحكية من غير واحد بل في التنقيح نسبته الى عمل الاصحاب مشعراً بالاجماع عليه فالعمل به حينئذ متعين (1).

ثمّ انه ذكر خلاف الشهيد في الدروس في وجوب البدنة على المحرمة و المحلة على التفصيل الذي ذكرناه و انه جزم بالعدم و قال: هو في غير محله بعد العمل به في الحكم الاول (2).

هذا و أمّا ما يدل الموثق او الصحيح بالفحوى و الاولوية عليه فهو ايضاً احكام.

الاول: فيما اذا عقد المحرم العالم بالحكم لمحرم عالم بالحكم على امرأة و دخل بها المحرم فعلى كل واحد منهما كفارة البدنة لفحوى الرواية المذكورة فانه اذا كان عقد المحلّ للمحرم في الصورة المذكورة موجباً للبدنة فهو بالاولوية القطعية موجب لها اذا كان العاقد ايضاً محرماً فكان الحكم يكون هكذا تزويج المحرم محرّم مطلقاً و في‌

الرواية تعرض الامام (عليه السلام) لما هو اخفى افراده فالحجة في المسألة الرواية و ان قال في الجواهر بلا خلاف اجده فيه بل نسبه غير واحد الى قطع الاصحاب به مشعراً‌

____________

(1)- جواهر الكلام: 20/ 379.

(2)- جواهر الكلام: 20/ 379.

226

بدعوى الاجماع بل عن ابن زهرة دعواه عليه صريحاً، و هو الحجة مضافاً الى فحوى الموثق الآتى بل اطلاق المتن (يعنى الشرائع اذا عقد المحرم لمحرم على امرأة و دخل بها المحرم فعلى كل واحد منهما كفارة) و غيره بل قيل الاكثر يقتضى تساوى علمهما بالاحرام و الحرمة، و الجهل، وجوب الكفارة و ان كان دخول المعقود له بعد الاحلال و لكن عن بعض القيود اشتراط علمهما بهما و في كشف اللثام و لعله الوجه و هو كذلك خصوصاً مع فحوى الموثق الآتى لو لا اطلاق معقد الاجماع المعتضد بما عرفت و بالاحتياط (1).

اقول: الحجة في المسألة امّا الرواية و أمّا الاجماع و الاتفاق فاثباته مشكل مضافاً الى أنه على فرض تحققه لا يكشف عن وجود رواية اخرى غير رواية سماعة و مضافاً الى ان دعواه في تفاصيل المسألة مثل اطلاق الحكم و لو كان الدخول وقع بعد الاحلال اشكل.

و أمّا التمسك بفحوى رواية سماعة لاثبات الاطلاق المذكور فكانه في غير محله الا ان يدعى دلالتها على الاطلاق في موردها و هو خلاف الظاهر فان الرواية ظاهرة في وقوع الدخول في حال الاحرام و دلالتها على اشتراط الحكم بالكفارة فيما اذا دخل بها على العلم لا يدل على اشتراطه بالعلم مطلقاً و ان كان العاقد محرماً فلا بدّ من التمسك لنفى الكفارة بالاصل.

الثاني: اذا عقد المحرم العالم بالحكم لمحرم جاهل بالحكم و دخل بها فعلى العاقد دون المعقود له البدنة لفحوى المذكور.

الثالث: عكس الصورة الثانية بان عقد المحرم الجاهل للحكم لمحرم عالم به و دخل بها فعلى المعقود له البدنة دون العاقد ايضاً للفحوى المذكور.

____________

(1)- جواهر الكلام: 20/ 378.

227

الرابع: اذا كانت المرأة عالمة بالحكم و كانت محرمة دخل بها عليها البدنة لما ذكر من الفحوى.

الخامس: ان على المرأة ان لم تكن محرمة و كانت عالمة قبل عقدها للمحرم ثمّ دخل بها بعد عقدها له ايضاً البدنة لما ذكر.

و ليعلم ان الموثق يدلّ على الاحكام المذكورة اذا كان العاقد عالماً محرماً بالاولوية لكن لا يستفاد منه اختصاص هذه الاحكام اذا كان العاقد محرماً بصورة العلم دون الجهل فان غاية ما يثبت بالاولوية ثبوت هذا الحكم للعاقد المحرم العالم امّا اختصاصه بهذا الحكم فلا يستفاد منه حتى ينفى به عن الجاهل بالحكم فلا بدّ ان لم يتمسك باطلاق الفتاوى و معقد الاجماع المدعى عليه من نفى الحكم عن صورة الجهل بالاصل و الاخذ بالقدر المتيقن.

ان قلت: فكيف يستفاد من الموثق اختصاص الحكم المذكور بصورة العلم دون الجهل؟ قلت: هذا بالنظر الى مفهوم الشرط مثل قوله: «ان كانت علمت» و استدلالنا لصورة كون العاقد محرماً بمفهوم الاولوية و الفحوى فتدبر جيّداً.

[مسألة 26] «عدم ثبوت المهر للمرأة التى علمت بحرمة النكاح حال الاحرام»

مسألة 26: لا ريب في أن بعد حكم الشارع ببطلان العقد الواقع في حال الاحرام لا يترتب عليه احكام النكاح الصحيح فيسقط فيه نصف المهر الثابت بالعقد الصحيح قبل الدخول و تمامه بعده نعم عليه مهر المثل مع جهلها بما استحل من فرجها و أما مع علمها فلا مهر لها لانها حينئذ بغية و كذا

لا يرثان كل منهما من الآخر و لا يعد من الاربع فان زوج غيرها بعد الاحرام و هو غير عالم ببطلان العقد الواقع في حال الاحرام فالعقد الواقع في حال

228

الاحلال محكوم بالصحة و كذا اذا زوج أخت من زوجها في حال الاحرام حال الاحلال فالثاني محكوم بالصحة هذا اذا لم يكن بينهما اختلاف و امّا اذا اختلفا فادعى احدهما وقوع العقد في الاحرام و انكر الآخر قال المحقق في الشرائع: فالقول قول من يدعى الاحلال ترجيحاً لجانب الصحة (1).

و قال العلامة في التذكرة: (لو اختلفا و ادعى احدهما وقوعه حال الاحلال و ادعى الآخر وقوعه حال الاحرام فان كان هناك بينة حكم بها و لو انتفت البينة فان كانت الزوجة مدعية لوقوعه في الاحرام و انكر الرجل فالقول قوله مع اليمين عملا باصالة الصحة فاذا حلف ثبت النكاح، و ليس لها المطالبة بالمهر مع عدم الدخول و لو كانت قبضته لم يكن للزوج استعادته و لو كان الزوج هو المدعى لوقوعه حال الاحرام فالقول قول المرأة مع اليمين و يحكم بفساد العقد في حق الزوج لانّه ادعى فساده و يحكم عليه باحكام النكاح الصحيح ثمّ ان كان قد دخل بها وجب عليه المهر كملا للرواية و ان لم يكن دخل بها قال الشيخ: يجب نصف المهر و الوجه الجميع.

و لو اشكل الأمر فلم يعلم هل وقع العقد في الاحرام او الاحلال صحّ العقد و به قال الشافعى لأصالة الصحة. قال الشيخ (رحمه الله): و الاحوط تجديده لان الاول ان وقع في الاحلال لم يضرّ الثاني و الّا كان مبيحاً) (2).

اقول: مراده (قدس سره) بالحكم بالبينة مطلقاً ان كانت أن الحاكم كما يحكم‌

للمدعى بالبينة يحكم للمنكر ايضاً اذا اقام البينة فهو الصواب و ان كان مراده ان المنكر اذا كانت معه البينة يجب عليه اقامتها لا نسلم ذلك و نقول: انّ له ردّ دعوى‌

____________

(1)- شرائع الاسلام: 1/ 184.

(2)- تذكرة الفقهاء: 7/ 388.

229

المدعى باليمين و ان كانت معه البينة فلا وجه لتقييد قوله (صلى الله عليه و آله و سلم): البينة على المدعى و اليمين على المدعى عليه.

و أمّا الاحتياط الذي ذكره عن الشيخ (قدس سره) فلا يقع تامّاً مطلقاً.

هذا و الذى نقول في تحرير المسألة و ما يتعلق بها من الفروع إنهما ان اختلفا فادعى احدهما وقوع العقد حال الاحرام و الآخر وقوعه حال الاحلال فاذا جهل التاريخان اى تاريخ الاحرام و تاريخ الاحلال فالمرجع اصالة الصحة سواء قلنا بعدم جريان الاصل في مجهولى التاريخ ذاتاً أو قلنا بسقوط الاصلين بالمعارضة و ان كان تاريخ احدهما مجهولا و الآخر معلوماً فان كان معلوم التاريخ هو العقد تجرى اصالة عدم الاحرام الى حين العقد و يثبت بها وقوع العقد في حال عدم الاحرام و لو لم تجر اصالة الصحة.

و ان كان معلوم التاريخ هو الاحرام فاستصحاب عدم العقد الى حين الاحرام لا يثبت به وقوع العقد حال الاحرام فيتعين الرجوع الى اصالة الصحة.

ثمّ انه زاد على الاستدلال باصالة الصحة في الجواهر مدعياً التصريح به عن الكركى و الشهيد الثاني ان مدعى الفساد يدعى وصفاً زائداً يقتضى الفساد و هو وقوع العقد حال الاحرام فالقول قول المنكر بيمينه لانه منكر للمفسد (1)

ثمّ حكى عن المدارك المناقشة في التمسك باصالة الصحة فانه انّما يتم اذا كان المدعى لوقوع الفعل في حال الاحرام عالماً بفساد ذلك امّا مع اعترافهما بالجهل‌

فلا وجه للحمل على الصحة و باستصحاب عدم مقارنة العقد لحال‌

____________

(1)- جواهر الكلام: 18/ 309.

230

الاحرام ان كلا منهما يدعى وصفاً ينكره الآخر و يعارض استصحاب عدم مقارنة العقد لحال الاحرام باستصحاب عدم مقارنته لحال الاحلال و تقديم احدهما على الآخر يحتاج الى دليل.

و اجاب عن الاول بان دليل اصل الصحة في العقد مطلق لم يعتبر فيه العلم المذكور و عن الثاني بما لعل حاصله انّ مدعى الفساد يدّعى وقوع العقد حال الاحرام و انكار المنكر له و ان كان لازمه وقوع العقد حال الاحلال لكن ليس ادعاء مقارنة العقد لحال الاحلال فان ما هو شرط لصحة العقد عدم مقارنته لحال الاحرام لا مقارنته لحال الاحلال و ان شئت قل: المانع لصحة العقد مقارنته لحال الاحرام لا مقارنته لحال الاحلال فيجرى استصحاب عدم كون العقد مقارناً للاحرام دون عدم كونه مقارناً للاحلال لانه ليس شرطاً له و لا مانعاً عنه ثمّ استند الى كلام الاصحاب بتقديم مدعى الصحة على مدعى الفساد كدعوى عدم البلوغ و كون المبيع خنزيراً او شاة مثلا و غير ذلك مما يرجع بالآخرة الى اوصاف اركان العقد فضلا عن المقام الذي مدعى الفساد فيه معترف بحصول جميع اركان العقد. (1)

اقول: اما استدلاله باطلاق دليل اصالة الصحة الشامل صورة جهلهما بحكم الشارع بفساد العقد الواقع حال الاحرام فان كان مراده من الدليل الكتاب او الأخبار التى توهم دلالتها على اصالة الصحة فان لم نقل انه ليس فيها ما يدل على حجية اصالة الصحة في مثل عقود ليس فيها ما يدل على حجيتها مطلقاً و ان كان مراده من الدليل العسر و الحرج فمن الواضح انه لا اطلاق فيه.

و ان كان مراده الاجماع فقد قال بعض الاساطين: (لا ينبغي التأمل في انعقاده) و قال: (ان الاجماع تارة ينعقد على الحكم الشرعى في الموارد الجزئية‌

____________

(1)- راجع جواهر الكلام: 18/ 309.

231

و اخرى ينعقد على عنوان كلّى فان كان الاجماع على الوجه الاول فلا بدّ من الاقتصار على الموارد التي انعقد فيها الاجماع و لا يجوز التعدى عنها و ان كان على الوجه الثاني فاللازم الأخذ باطلاق معقد الاجماع كما اذا قام دليل لفظى على ذلك فللفقيه الفتوى بالحكم معتمداً على الاجماع و لو في مورد الاختلاف و الظاهر ان الاجماع في المقام قام على الوجه الثاني كما يظهر ذلك بالمراجعة في كلمات القوم ... و قال في طى ما افاده لا يبعد أن تكون اصالة الصحة في العقود بنفسها معقد الاجماع بالخصوص (1).

و على هذا يستقيم التمسك باطلاق الدليل اى الاجماع و لعل الوجه في ذلك سيما في العقود و الايقاعات ان اصحابنا الذين كان دأبهم في كتبهم الفتوائية بيان الحكم بالفاظ وردت في النصوص اذ رأينا أنهم يطلقون ما يدل على الحكم و لا يقيدونه بقيد نستكشف من اتفاقهم ان ما افتوا به وصل اليهم من الائمة الطاهرين (عليهم السلام).

و نحوا من التمسك بالاجماع التمسك بالسيرة المصرح بها في كلام غير واحد منهم التي ادعيت قطعيتها حتى من جميع المسلمين سيما في المعاملات و العقود و الايقاعات لا شك في استمرارها من عصر الشارع المقدس و اوصيائه الطاهرين (صلوات اللّٰه عليهم أجمعين) الى عصرنا.

و يدل على حجية اصالة الصحة سيما في العقود و الايقاعات ما يترتب على عدم حجيتها و ترك العمل بها من اختلال النظام كما اشير اليه في كلام الامام (عليه السلام) في‌

باب اليد: انه لو لا ذلك لما قام للمسلمين سوق (2) و بالجملة لعل الاقوى شمول‌

____________

(1) فوائد الاصول: 2/ 244 تأليف شيخنا الاستاذ المحقق الكاظمى تقريراً لبحث استاذه المحقق النائينى (قدس سرهما).

(2)- وسائل الشيعة: ب 25 من ابواب كيفية الحكم ح 1.

232

الاجماع و السيرة و التحرز من اختلال النظام لما اذا لم يكن المدعى لوقوع العقد في حال الاحرام عالماً بالحكم.

هذا و قد تبع صاحب المدارك بعض المعاصرين الأجلّاء فقال: (ان الحمل على الصحة باعتبار العلم بحال العامل و عدمه من حيث علمه و جهله بالصحة- يتصور على وجوه.

الصورة الاولى: ان يعلم ان العامل جاهل بصحة عمله و فساده امّا من جهة الجهل بالحكم او من جهة الجهل بالموضوع فيكون احتمال الصحة لمجرد احتمال المصادفة الاتفاقية للواقع ثمّ ذكر الصورة الثانية و هي صورة عدم العلم بجهله او علمه بصحة عمله او فساده و الصورة الثالثة و هي صورة يكون العامل عالماً بالحكم صحة و فساداً و لا ريب في ان في الصورة الثالثة تجرى اصالة الصحة و في الصورة الثانية قال: ان الظاهر جريان اصالة الصحة فيها فان السيرة قائمة على ترتيب الآثار على اعمال الناس بلا تفحص عن حال العامل من حيث كونه عالماً او جاهلا و لكنه قال في الصورة الاولى فالظاهر عدم جريان اصالة الصحة فيها اذ ليس لنا دليل لفظى نتمسك بعمومه او اطلاقه بل الدليل على اصالة الصحة انّما هو السيرة على ما عرفت و هى دليل لبّى لا بدّ فيه من الاقتصار على القدر المتيقن، و لم يحرز قيام السيرة على ترتيب الآثار على عمل كان عامله جاهلا بصحته و فساده فان الحمل على الصحة انّما هو من ظهور الحال (اى ظاهر حال المسلم) انه لا يقدم على العمل الفاسد و ليس لحاله ظهور مع الجهل بالصحة و الفساد فلا مجال لجريان اصالة الصحة بلا فرق بين كونه جاهلا بالحكم او جاهلا بالموضوع و كونه معذوراً او غير معذور كما في موارد العلم الاجمالى) (1).

____________

(1)- مصباح الاصول: 3/ 324.

233

و فيه أنه لا فرق بين الصورة الثانية و الصورة الاولى في قيام السيرة على ترتيب آثار الصحة على عمل الغير و ان كان عالماً بعدم علم العامل بحكم المسألة افترى انهم يحكمون بفساد الانكحة الكثيرة الصادرة من الجاهلين باحكام النكاح و موارد حرمته؟ و لو كانوا حاكمين بذلك لا يقوم لهم سوق و لا يمكن لهم حمل اكثر انكحتهم بل اغلبها على الصحة و للزم الحكم بأن الغالب منهم اولاد الشبهة و بالجملة: فالظاهر ان وجه اصالة الصحة في اعمال الناس سيما في باب المرافعات ليس ظاهر حال المسلم او العاقل بل وجهها البناء عليها و التعبد بها لما ذكر من اختلال الامور لو لا هذا الاصل و معقد الاجماع و السيرة كما يشملان الصورة الثانية يشملان الاولى و الا فلو كان الاعتبار بظاهر حال المسلم فلا يستظهر منه الّا اذا علم كونه عالماً بالحكم.

و بالجملة فالحكم باصالة الصحة مبنى على التعبد العقلائى و بناء العقلاء و امضاء الشارع او تعبد الشرعى التأسيسي في الموارد الثلاثة على السواء.

ثمّ ان هنا مسائل:

الأولى: قد سمعت مما حكيناه عن التذكرة ان المنكر ان كانت المرأة و لم تكن للمرء بينة و حلفت المرأة يحكم على المرء لها باحكام النكاح الصحيح

و ان عليه المهر ان دخل بها و لها نصف المهر ان لم يدخل بها على ما اختاره الشيخ في المبسوط لاعترافه بما يمنع من الوطء (1).

قال في الجواهر: (فيكون كالطلاق قبل الدخول او لان العقد انما يملك نصف المهر و مملك النصف الآخر هو الوطء او الموت الا ان الجميع كما ترى ضرورة كون‌

____________

(1)- المبسوط: 1/ 318.

234

الاول قياساً لضرورة اقتضاء العقد ملكها تمام المهر و انما ينصف بالطلاق لدليله (و) من هنا يظهر لك انه (لو قيل: لها المهر كله) و ان لم يكن دخل بها بل جزم به كل من تاخر عنه (كان حسناً) بل ربما احتمل كون مراد الشيخ النصف بعد الطلاق و اطلق بناءً على الغالب من اختيار الزوج ذلك تخلصاً من غرامة الجميع و لا يقدح دعواه الفساد المقتضية لكون الطلاق لغواً اذ هو و ان كان كذلك لكنه في حقها باعتبار دعواها الصحة مؤثر لسقوط مطالبتها بالجميع ان لم تكن قد قبضته و موجب لردها النصف ان كان قد قبضته) (1).

ثمّ ان الظاهر ان لم يدخل بها يجوز له التخلص من نصف المهر بالطلاق فيسترد منها نصفه ان قبضته كله.

و لكن في كشف اللثام فصل بين ما اذا كان الطلاق باستدعاء المرأة فيكون منصفاً و بين ما اذا لم تستدع الطلاق و صبرت فلها المهر كاملا و ان طلقها قبل الدخول (2).

الا انه لم يتبين لى ما ذكره وجهاً لهذا التفصيل فاذا فرضنا صدور الطلاق الصحيح من الرجل المدعى لفساد النكاح يقع صحيحاً لا محالة وقع ابتداء منه او باستدعائها.

اللهم الا ان كان مراده مما ذكره من الوجه ان الرجل اذا لم تستدع هى الطلاق‌

مأخوذ بانكاره النكاح و عدم الموضوع للطلاق فهو ملزم باداء تمام المهر و امّا اذا وقع الطلاق باستدعاء المرأة فكأنّه رضيت بالنصف و صالحت عليه معه فليس لها‌

____________

(1)- جواهر الكلام: 18/ 311.

(2)- كشف اللثام: 5/ 336.

235

الزامه باداء المهر كملا.

و فيه انه ان طلقها يقع الطلاق صحيحاً باعتقادها فلا يجوز لها الزامه بتمام المهر و ان كان وقع باعتقاده لغواً فلا فرق في كونه منصفاً له وقع ابتداء منه او باستدعائها‌

الثانية: قَد ظهر لك مما ذكر في المسألة الاولى وجوب الطلاق على الرجل للتخلص من الاحكام المترتبة على النكاح الصحيح

مما هو محرم عليه لو لا النكاح الصحيح و هذا حكمه فيما بينه و بين الله تعالى و امّا اذا رفعت المرأة الامر الى الحاكم فهل يلزمه بالطلاق او باداء ما عليه لها من الحقوق او يخيره بأيهما شاء الظاهر ان الحاكم يجبره على اداء ما عليه لثبوت النكاح الصحيح بينهما عنده و حكمه به و من ذلك يظهر حكم وجوب نفقتها عليه و انه ان لم يطلقها يجبره الحاكم بها‌

الثالثة: اذا كان هو المنكر للفساد فلا ريب في انّه ليس لها قبل الدخول المطالبة بشي‌ء من المهر منه

اخذاً باقرارها ذلك نعم ان هى قبضته ليس له استعادته الا ان يطلقها قبل الدخول فيستعيد منها نصفه و امّا ان وقع الدخول بها باكراهها او جهلها بالفساد او الاحرام فلها المهر بزعمه بالنكاح الصحيح و بزعمها بما استحل من فرجها، و عليه هل لها المطالبة بمهر المثل او المسمي يمكن ان يقال: انّ لها المطالبة باقل الامرين لان ما عليه قطعاً ذلك فان كان الاقل المسمى فليس لها المطالبة بالاكثر للحكم عليها بصحة العقد و ان كان الاقل مهر المثل فليس لها باقرارها مطالبة الاكثر منه نعم ان كان الاكثر مهر المثل و كان النكاح باطلا في الواقع يبقى الزائد على المسمى في ذمة المرء و الله هو العالم.

الرابعة: اذا كان المرء منكراً للفساد و انتهى الامر الى حلفه فحلف فحكم له عليها بالتمكين

و سائر ما يجب عليها بالزوجيّة فالحكم ان له الطلب ظاهراً بحكم‌

236

الحاكم و باطناً بزعمه و عليها التمكين ظاهراً و الهرب باطناً و لزم المرء احكام النكاح الصحيح فلا يجوز له التزويج بخامسة و لا بام المرأة و لا بنتها مع الدخول بها و لا باختها و لا بنت اخيها و اختها بدون رضاها فهي بالنسبة اليه باقراره و بحكم الحاكم زوجته فيجب عليه التوصل الى ايصال مهرها اليها نعم وجوب نفقتها عليه مشروط بتمكينها نفسها له و الظاهر انه يجب عليها التمكين بمقدار يعدّ الامتناع منه ردّ حكم الحاكم و الاحوط لها ان امكن تحصيل رضاه بالطلاق و لو ببذل مال اليه او تجديده نكاحها. هذا اذا كان المرء منكراً لوقوع النكاح حال الاحرام.

و اما اذا كانت هي المنكرة و انتهى الامر الى حلفها فيحكم لها و عليه بصحة النكاح فهي محكومة باقرارها لا يصح لها التزوج بغيره و لا فعل ما يتوقف على اذن الزوج كالسفر المندوب و العبادات المتوقف عليه و قد مرّ حكم مطالبتها المهر و وجوب التخلص عما هو حرام واقعاً عليه بالطلاق و هل يجوز له نكاح الخامسة و نكاح امها و اختها و غيرهما من اللاتي هن محرمة عليه نكاحهن على تقدير صحة نكاحه بها وجهان: من جهة ان الحاكم حكم بكونها زوجة له و كونه زوجاً لها فلا يجوز له نكاح امها او اختها او اللاتى من المحرمات و يجب عليه انفاذ حكم الحاكم و كل ذلك يكون رداً لحكمه.

و من جهة ان الامر الذي وقع فيه التنازع بينهما هو زوجية كل منهما للآخر فمن يدعى وقوع النكاح في حال الاحرام يريد التخلص مما يثبت عليه من الاحكام بالزوجية مثل التمكين او وجوب النفقة و اداء المهر و من ينكر ذلك يطالب الآخر بهذه الاحكام و أمّا عدم جوار نكاح الخامسة او اختها مثلا فهو حكم شرعى‌

مربوط بالرجل فيما بينه و بين الله تعالى و غاية ما يمكن ان يقال انه لا يجوز ذلك بحسب الظاهر لانه يعد عند العرف رداً لحكم الحاكم امّا ان هو فعل ذلك باطناً‌

237

فتزوج بامها و لو بعد طلاقها ظاهراً لا شي‌ء عليه و يجوز له ذلك.

[مسألة 27] «جواز الرجوع للمحرم»

مسألة 27: يجوز للمحرم مراجعة مطلقته الرجعيّة و ان كانت هي أيضاً محرمة بلا خلاف.

و لا اشكال في ذلك لعدم دليل خلافه و لإطلاق مثل قوله تعالى «و بعولتهن احق بردهنّ» لا فرق في ذلك بين المطلقة تبرعاً و التي رجعت ببذلها.

قال في الجواهر: (1) (مضافاً الى خبر ابي بصير عن الصادق (عليه السلام) «المحرم يطلق و لا يتزوج» (2) و خبر حماد ابن عثمان عنه (عليه السلام) ايضاً «سألته عن المحرم يطلق؟ قال: نعم» 3.

اقول: في دلالتهما تأمل بل منع لان جواز الطلاق اعم من جواز الرجوع الى المطلقة و كذا يجوز للمحرم شراء الاماء في حال الاحرام لانه ليس من النكاح و يدل عليه كما في الجواهر 4 صحيح سعد بن سعد عن ابى الحسن الرضا (عليه السلام) «عن‌

المحرم يشترى الجوارى و يبيع؟ قال: نعم» 5 الا انه ايضاً لا يشمل ما اذا اراد به التسرى الا انه ايضاً ملحق به للاصل و ان حرم عليه المباشرة حال الاحرام بل يجوز ذلك تكليفاً و وضعاً و ان قصد المباشرة حاله لان ما هو المحرم تكليفاً العقد‌

____________

(1)- جواهر الكلام 18/ 316.

(2) 2 و 3 وسائل الشيعة: ب 17 من ابواب تروك الاحرام ح 1 و 2 و تعبيره عنهما بالخبر لان في السند الاول ابا بصير و هو مشترك بين المرادى و الاسدى و الثانى سنده ضعيف بمحمد بن سنان فراجع.

(3) 4 جواهر الكلام: 18/ 316.

(4) 5 وسائل الشيعة: ب 16 من ابواب تروك الاحرام ح 1.

238

حال الاحرام و وطى الامة حاله لا مجرد القصد الى ذلك و امّا عدم حرمته الوضعية اى فساد الشراء فلعدم الدليل على فساد العقد بذلك و ان احتمله في التذكرة لحرمة الغرض الذي وقع العقد (1) له كمن اشترى العنب لاتخاذه خمراً و فيه ان ذلك يوجب فساد العقد اذا شرط ذلك في متن العقد ففرق بين بيع العنب ممن يعلم انه يشتريه ليعمل خمراً و بين بيعه بشرط ان يعمله خمراً و بالجملة تحريم وطى الامة لا يوجب تحريم شرائها لعدم استلزام شرائها وقوع الوطى المحرم عليه.

ثمّ انه هل يلحق التحليل بالنكاح في حال الاحرام فلا يجوز لمالك الامة اذا كان محرماً تحليل امته للمحل فضلا عن المحرم و لا يقع التحليل اذا كان هو محلا و المحلل له محرماً فيه اشكال و مقتضى الاصل الجواز و اولى بالاشكال الصورة الاولى و الله هو العالم باحكامه.

[مسألة 28:] الشهادة في حال الاحرام

مسألة 28: الظاهر انه لا خلاف بين الاصحاب في انه تحرم الشهادة للمحرم على عقد النكاح للمحلين و المحرمين و المفترقين.

مسألة: يستفاد من الجواهر (2) انه لا خلاف بين الاصحاب في انه تحرم‌

الشهادة على عقد النكاح للمحلين و المحرمين و المفترقين و يدل عليه مرسل ابن ابى شجرة الذي رواه الشيخ باسناده عن الحسين بن سعيد (3) عن عثمان بن عيسى (4) عن ابن ابي‌

____________

(1) تذكرة الفقهاء 7/ 390.

(2)- جواهر الكلام: 18/ 301.

(3)- الاهوازى ثقة عين صاحب المصنفات من السابعة.

(4)- من اصحاب الاجماع ثقة كان واقفيا ثمّ رجع و استبصر من السادسة.

239

شجرة (1) عمن ذكره عن ابي عبد الله (عليه السلام) «في المحرم يشهد على نكاح محلين؟ قال: لا يشهد ثمّ قال: يجوز للمحرم ان يشير بصيد على محل» (2).

و قال: قوله (عليه السلام): «يجوز للمحرم ان يشير بصيد على محلّ» انكار و تنبيه على انه اذا لم يجز ذلك فكذلك لا تجوز الشهادة على عقد المحلين و لم يرد بذلك الاخبار عن اباحته على كل حال و رواه في الاستبصار مثله (3) و في الفقيه: و قال: في المحرم يشهد نكاح محلين الحديث الا انه لم يذكر السند. (4)

و مرسل ابن فضال الذي رواه الكلينى عن عدة من اصحابنا (5) عن احمد بن محمد (6) عن الحسن بن على (7) عن بعض اصحابنا عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: المحرم لا ينكح و لا يخطب و لا يشهد النكاح و ان ينكح فنكاحه باطل (8) و رواه الشيخ باسناده الا انه ليس فيه (و لا يخطب)

و الظاهر انه كما في الجواهر (9) لا وجه لوسوسة بعض متأخري المتاخرين في حرمته و كانه تبع هذا البعض بعض المعاصرين بعد ما كان في السند الاول عثمان بن عيسى الذى هو من اصحاب الاجماع و في الثاني ابن الفضال الذي ذكر الكشي ان‌

____________

(1)- في الوسائل ابن شجرة و الظاهر انه سهو و هو من الخامسة.

(2)- تهذيب الاحكام: 5/ 315 ح 1087.

(3)- الاستبصار: 2/ 188 ح 630.

(4)- من لا يحضره الفقيه: 2/ 361 ح 2708.

(5)- قد ذكرنا غير مرة ما يتعلق بقوله (عن عدة) راجع جامع الرواة، ج 2- ص 495.

(6)- محمد اما ابن عيسى او ابن خالد.

(7)- بن فضال الجليل الثقة، و المحتمل انه كان من اصحاب الاجماع.

(8)- الكافي: 4/ 372 ح 1.

(9)- جواهر الكلام: 18/ 301.

240

بعضهم ذكر مكان الحسن بن محبوب من اصحاب الاجماع الحسن بن على بن فضال مضافاً الى قرائن اخرى فلا يضر ما فيها من الارسال و كون ابن ابي شجرة غير معلوم الحال بصحة الاعتماد عليهما.

و امّا ما عن المدارك من قصر الحكم على حضور العقد لاجل الشهادة فيحرم دون ما اذا اتفق حضوره لا لها (1) ففيه: ان الشهادة الحضور و هو اعم من حضوره عليه للشهادة او لسبب آخر كما ان الظاهر انه لا فرق في ذلك بين كون حضوره في المجلس بالاحداث او البقاء فيه.

ثمّ انه هل تلحق بالشهادة على النكاح اقامة الشهادة عليه كما عن المبسوط (2) و السرائر (3) بل عن الرياض نسبته الى المشهور (4) بل عن الحدائق ان ظاهر هم الاتفاق عليه (5) فلا يجوز للمحرم اقامة الشهادة على العقد و ان تحملها في حال الاحلال او لا؟ فيجوز له الشهادة عليه في حال الاحرام؟

الاقوى هو الجواز و ذلك لعموم ادلة النهى عن كتمان الشهادة و لتوقف ثبوت‌

النكاح شرعاً عليها و ترتب بعض المفاسد العظمية ان لم يثبت بخلاف ايقاعه اذ لا يتوقف عليها عندنا لوقوع العقد صحيحاً بدونها و في الجواهر: قيل و لانّها اخبار لا انشاء و الخبر اذا صدق و لم يستلزم ضرراً لم يحسن تحريمه، و لانها اولى بالاباحة من الرجعة التي هي ايجاد للنكاح في الخارج (6).

____________

(1)- مدارك الاحكام: 7/ 311.

(2)- المبسوط: 1/ 317.

(3)- السرائر: 1/ 547.

(4)- رياض المسائل: 6/ 296.

(5)- الحدائق الناضرة: 15/ 347.

(6) جواهر الكلام: 18/ 302.

241

أقول: العمدة فيما ذكر دليلا على الجواز بل وجوب اقامتها عموم آية الكتمان و عدم وجود المخصص له و الا ففي المناقشة في غيره مجال واسع.

لا يقال: ان العموم مخصص بما ذكر وجهاً للحرمة كالشهرة و شمول الخبرين لاقامة الشهادة و فحوى قوله (عليه السلام): «يجوز للمحرم ان يشير بصيد على محل» فانه كما يدل بالفحوى على عدم جواز الشهادة يدل على عدم جواز إقامة الشهادة عليه.

فانه يقال: اما الشهرة فقد قال في الجواهر لم نتحققها (1) و اما شمول الخبرين لإقامة الشهادة فممنوع لانّ شهادة العقد غير الشهادة عليه و امّا الفحوى فليس هو مثل الفحوى المستدل عليه في الخبر فان الشهادة للعقد سيّما على مذهب مخالفينا مثل الاشارة بالصيد الذي لم يصاد و الشهادة عليه مثل الاشارة الى الصيد المصاد، فكانه صدر هذا الذيل تقية او اقناعاً للسائل الذي لعلّ كان هذا مذهبه.

و كيف كان فلا يخصص بمثل ذلك عموم الآية الكريمة، و بعد ذلك كله فقد قال في الجواهر: الاول (اى عدم الجواز) احوط بل ربما يومئ النهى عن شهادته الى عدم اقامتها (2) و فيه منع الايماء المذكور نعم هو احوط الا اذا استلزم تركها تضييع‌

حق لا يثبت بغيرها.

[من محرمات الإحرام الطيب]

حرمة الطيب في حال الاحرام

[مسألة 29 حرمة الطيب في حال الاحرام إجماعي في الجملة]

مسألة 29: مما هو محرم في حال الاحرام الطيب و حرمته في الجملة اجماعى بين المسلمين و النصوص متواترة فيه و ان اختلفوا في انه

____________

(1)- جواهر الكلام: 18/ 302.

(2)- جواهر الكلام: 18/ 302.

242

محرم بجميع افراده.

كما حكى عن المقنعة و جمل العلم و العمل و السرائر و المبسوط و الكافى و غيرها (1) الا ما استثنى منه، او الحرمة مختصة بافراده الخاصة اى المسك و العنبر و الزعفران و العود و الكافور و الورس كما حكى عن الشيخ في النهاية و ابن حمزة في الوسيلة و عن الخلاف الاجماع على انه لا كفارة في غيرها، او محصورة في الخمسة من الستة المذكورة باسقاط الورس كما حكى عن الجمل و العقود و المهذب و الاصباح و الاشارة بل حكى عن الغنية نفى الخلاف عن حرمتها (2). او مقتصرة في اربعة المسك و العنبر و الزعفران و الورس و هو محكى عن الصدوق في المقنع و عن التهذيب و ابن سعيد. (3)

و كيف كان فلا يرجح هذه الاقوال بعضها على بعض الا اذا كان دليل القائل به مرجح على دليل القائل بغيره، فليس هنا الا الروايات الشريفة فاللازم ملاحظتها سنداً و دلالة حتى يظهر ما هو المرجح من الاقوال فنقول: الروايات على طوائف:

منها ما يدل على حرمة مطلق الطيب و ما فيه رائحة عطرة و ذلك مثل صحيح زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام): «قال: من اكل زعفراناً متعمداً او طعاماً فيه طيب فعليه دم فان كان ناسياً فلا شي‌ء عليه و يستغفر الله و يتوب اليه.» (4).

و المرسل الذى رواه الكلينى عن حريز عمن اخبره عن ابى عبد الله (عليه السلام) «قال:

____________

(1)- راجع جواهر الكلام: 18/ 317.

(2)- جواهر الكلام: 18/ 324.

(3)- جواهر الكلام: 18/ 324.

(4)- وسائل الشيعة: ب 4 من ابواب بقية كفارات الاحرام ح 1.

243

لا يمس المحرم شيئاً من الطيب و لا الريحان و لا يتلذذ به و لا بريح طيّبة فمن ابتلى بشي‌ء من ذلك فليتصدق بقدر ما صنع قدر سعته» (1).

و الصحيح الذى رواه الشيخ عن حريز عن ابى عبد الله (عليه السلام) مثله. (2)

و الظاهر انهما واحد و انه سقط من نسخة الشيخ قوله (عمن اخبره) و ذلك كون الكافى اضبط من التهذيب مضافاً الى تقدم اصالة عدم الزيادة الجارية في المرسل على اصل عدم النقيصة الجارى في الصحيح لو لا الاصل المخالف.

و موثق حنان بن سدير عن ابيه قال: «قلت لابى جعفر (عليه السلام): ما تقول في الملح فيه زعفران للمحرم؟ قال: لا ينبغي للمحرم ان يأكل شيئاً فيه زعفران و لا يطعم شيئاً من الطيب». (3) و هو و ان كان مورده الاكل الا انه يثبت به التطيب به و شمه بالقول بعدم الفصل بين الثلاثة.

و صحيح عبد الله بن سنان عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا تمس ريحاناً و انت محرم و لا شيئاً فيه زعفران، و لا تَطْعَم طعاماً فيه زعفران» (4) و لكن في اطلاقه نظر.

و صحيح معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا تمس شيئاً من الطيب و لا من الدهن في احرامك و اتق الطيب في طعامك و امسك على انفك من الرائحة الطيبة. و لا تمسك عليه من الرائحة المنتنة فانه لا ينبغي للمحرم ان يتلذذ بريح طيبة». (5)

____________

(1)- الكافى: 4/ 353 ح 2.

(2)- تهذيب الاحكام: 5/ 297 ح 1007.

(3)- وسائل الشيعة: ب 18 من أبواب تروك الاحرام ح 2.

(4)- وسائل الشيعة: ب 18 من ابواب تروك الاحرام ح 3.

(5)- وسائل الشيعة: ب 18 من ابواب تروك الاحرام ح 5.

244

و ما رواه في الكافى بسند فيه سهل عن النضر بن سويد عن ابى الحسن (عليه السلام): «ان المرأة المحرمة لا يمس طيباً». (1) و لكنّه مختص بالمرأة و قاعدة الاشتراك و لو قلنا بها في اثبات ما ثبت على المرأة على الرجل لا تجرى في مثل ذلك لاحتمال اختصاصها بهذا الحكم.

و نحو صحيح معاوية بن عمار السابق ما رواه ايضاً في الوسائل عن الشيخ باسناده عنه عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «اتق قتل الدوابّ كلها و لا تمس شيئاً من الطيب و لا من الدهن في احرامك و اتق الطيب في زادك و امسك على انفك من الريح الطيبة و لا تمسك من الريح المنتنة فانه لا ينبغي للمحرم ان يتلذد بريح طيبة فمن ابتلى بشي‌ء من ذلك فليعد غسله و ليتصدق بقدر ما صنع» (2)

و هو و سابقه واحد و حملهما على الاعم من الاستحباب و الوجوب و لبيان الآداب ليس ببعيد.

و صحيح محمد بن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) «في قول الله عزّ و جل (ثمّ ليقضوا تفثهم) حفوف الرجل من الطيب». (3) و غير ما ذكر من الروايات.

يستفاد منها بالاطلاق حرمة مطلق الطيب و ما ورد فيها في خصوص بعض افراد الطيب مثل صحيح عبد الله بن سنان ايضاً محمول على مجرد المثال لا الخصوصية و أما التعبير عن النهى عنه بلا ينبغى فلا يدل على الاستحباب بعد التعبير به عن النهى عن زعفران المحرم بالاجماع بلا ينبغى في موثق حنان و كيف كان‌

____________

(1)- الكافى: 4/ 344 ح 2.

(2)- وسائل الشيعة: ب 18 من ابواب تروك الاحرام ح 9 و تهذيب الاحكام: 5/ 296 ح 1006.

(3)- وسائل الشيعة: ب 18 من ابواب تروك الاحرام ح 13.

245

فاطلاق هذه الاخبار يشمل كل ما هو من افراد الطيب و ان وجد في الاعصار المتاخرة عن عصور هم (عليهم السلام).

و لكن هنا روايات مقيدة او مخصصة لتلك الاطلاقات او العمومات‌

منها صحيح معاوية بن عمّار عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا تمس شيئاً من الطيب و انت محرم و لا من الدهن و اتق الطيب، و امسك على انفك من الريح الطيبة و لا تمسك عليه من الريح المنتنة فانه لا ينبغي للمحرم ان يتلذد بريح طيبة، و اتق الطيب في زادك فمن ابتلى بشي‌ء من ذلك فليعد غسله و ليتصدق بصدقة بقدر ما صنع، و انّما يحرم عليك من الطيب اربعة اشياء المسك و العنبر و الورس و الزعفران غير انه يكره للمحرم الادهان الطيبة الا المضطرّ الى الزيت او شبهه يتداوى به» (1).

و منها خبر ابراهيم النخعى عن معاوية بن عمار ايضاً عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «انّما يحرم عليك من الطيب اربعة اشياء المسك و العنبر و الورس و الزعفران غير انه يكره للمحرم الادهان الطيبة الريح» (2).

و منها صحيح ابن ابى يعفور عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «الطيب: المسك و العنبر و الزعفران و العود» (3)

و صحيح عبد الغفار قال: «سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول: الطيب: المسك و العنبر و الزعفران و الورس» (4).

____________

(1)- تهذيب الاحكام: 5/ 305 ح 1039 و وسائل الشيعة: ب 18 من ابواب تروك الاحرام ح 7 ..

(2)- تهذيب الاحكام/ 299 ح 1013 و وسائل الشيعة: ب 18 من ابواب تروك الاحرام ح 14.

(3)- تهذيب الاحكام/ 299 ح 1014 و وسائل الشيعة: ب 18 من ابواب تروك الاحرام ح 15.

(4)- تهذيب الاحكام: 5/ 299 ح 1015 و وسائل الشيعة ب 18 من ابواب تروك الاحرام

246

و على هذه الاخبار المصرحة بحصر ما حرم من الطيب في افراد خاصة تقيد الاخبار المطلقة و ما وقع في الاخبار المقيدة مما ظاهره وقوع الاختلاف فيها فانها قد دلت على حصر هذه الافراد في اربعة اجناس من الطيب و لكن بعضها مشتمل على ذكر العود من الاربعة و هو صحيح ابن ابي يعفور و بعضها مشتمل على ذكر الورس دون العود و هو صحيح ابن عمار و صحيح عبد الغفار الا انه يمكن رفع هذا الاختلاف بحمل ظاهر ما فيه الورس في نفى العود بصراحة ما فيه ذلك و ظاهر ما فيه العود في نفى الورس بصراحة ما يدل على تحريم الورس‌

و بعبارة اخرى: مقتضى ما فيه الورس اختصاص المنع بالثلاثة و به و مقتضى ما فيه العود اختصاص المنع ايضاً بالثلاثة و بالعود و مفهوم الاول نفى حرمة العود و مفهوم الثاني جواز الورس فيرفع اليد عن مفهوم كل منهما و يؤخذ بمنطوق كل منهما و هو حرمة الورس و العود فتقيّد الروايات المطلقة بالخمسة‌

و بعبارة اخرى ما فيه الورس صريح في اثبات حرمته و ظاهر في نفى غيره عوداً كان او غيره و ما فيه العود ايضاً صريح في اثبات حرمته و نفى حرمة غيره ورساً كان او غيره فيرفع اليد عن ظاهر كل منهما في نفى غير العود اى الورس و غير الورس اى العود بنص كل منهما في اثبات حرمة العود و حرمة الورس.

تخليص من جميع ذلك حصر ما هو المحرم من انواع الطيب في الخمسة بل‌

الستة بزيادة الكافور عليها لفحوى ما يدل على منع الميت المحرم منه (1) فالحى اولى و يمكن ان يكون الحصر المذكور في الروايات فيما عدا الكافور لعدم كون استعمال الاحياء له متعارفاً و في الجواهر انه يجوز كون ترك العود في نصوص الاربعة‌

____________

ح 16.

(1)- وسائل الشيعة: ب 13 من ابواب غسل الميت.

247

لاختصاصه غالباً بالتجمير و كونها مما يستعمل لنفسه و قال: (و بما ذكرنا ظهر لك حجة القول بالستة و الخمسة و الاربعة) (1).

و بعد ذلك كله في النفس شي‌ء كانها لا تجترى بالفتوى باختصاص التحريم بالاربعة المذكورة أو الخمسة او الستة.

و ربما يقال: بأن الامر اذا انتهى الى التصرف في دليل الاربعة بصرفه عن ظاهره بالنسبة الى الكافور و العود حتى يكون الحصر مجازاً بالنسبة الى الاربعة ليس الالتزام بذلك اولى من القول بالعموم و كون التحريم في الاربعة اغلظ او اختصاصها بالكفارة.

و بعبارة اخرى: يدور الامر بين استعمال اداة الحصر في الاربعة مجازاً و تخصيص عموم ما يدل على حرمة مطلق الطيب بالاربعة او الخمسة او الستة و بين صرف ظاهر الدليل عن دلالته على اختصاص الحرمة بالاربعة الى كون المراد عنه اغلظ الافراد او ما يوجب الكفارة و تخصيص العموم و ان كان الاولى من القول بالمجاز كاستعمال ما يدل على الكل و الجميع في البعض اذا وقع التعارض بينهما الا ان ذلك اذا دار الامر بينهما و لا يلزم المجاز ان خصصنا العموم و في المقام لا بد من ارتكاب المجاز سواء خصصنا العموم ام لم نخصصه فان خصصنا العموم بما يدل على الاربعة يجب ان نرتكب المجاز في دلالته على الحصر و انه اعم من العود و الكافور‌

و ان لم نخصصه يجب ان نقول بالمجاز بحمل ما يدل على الاربعة لا على اختصاص التحريم بها بل على ما هو الاغلظ من انواع الطيب او على ما فيه الكفارة منها و لا ريب في ان حمله على المجاز الموافق للعموم اى اغلظ الافراد اولى من المجاز‌

____________

(1)- جواهر الكلام: 18/ 325.

248

الموافق لتخصيص العموم.

و عمدة ما يوجب هنا وهن تقيد المطلقات او العمومات بهذه الروايات هي كثرة تلك النصوص الدالة على حرمة مطلق الطيب و ما ورد من الدعاء عند الاحرام مثل: احرم لك شعرى و بشرى .. من النساء و الثياب و الطيب و بعد كون ذلك مقصوراً بتلك الاربعة او الخمسة او الستّة و جواز الطيب بغيرها من جميع افراد الطيب اذ كانه يكون من اخراج الاكثر المستهجن عن تحت العام‌

و لذلك كله لا يجوز ترك الاحتياط بالاجتناب عن كل ما يصدق عليه الطيب و ان كان من العطور المتعارفة التطيب بها في زماننا و الله هو العالم.

ثمّ انهم قد استثنوا من الطيب خلوق الكعبة و هو ضرب من الطيب عن النهاية لابن الاثير انه طيب معروف مركب من الزعفران و غيره من انواع الطيب و تغلب عليه الحمرة و الصفرة و ذلك لما في الاخبار من عدم الباس به ففى صحيح حماد بن عثمان: «انه سأل مولانا الصادق (عليه السلام) عن خلوق الكعبة و خلوق القبر يكون في ثوب الاحرام قال: لا بأس بهما هما طهوران» (1)

و في صحيح ابن سنان أنه سأل (عليه السلام) ايضاً «عن خلوق الكعبة يصيب ثوب المحرم؟ قال لا بأس و لا يغسله فانه طهور» (2).

و في صحيح يعقوب بن شعيب: «سأله (عليه السلام) عن (المحرم يصيب ثيابه الزعفران من الكعبة؟ قال: لا يضرّه و لا يغسله» (3).

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 21 من ابواب تروك الاحرام ح 1.

(2)- وسائل الشيعة: ب 21 من ابواب تروك الاحرام ح 2.

(3)- وسائل الشيعة: ب 21 من ابواب تروك الاحرام ح 3.

249

فهل الحكم بالجواز مختص بالخلوق و ما يتطيب به بنفسه او يشمل مثل التجمير؟ مقتضى الاقتصار على النص الاول و مقتضى ما لعله يستفاد من مناسبة الحكم و الموضوع ان الحكم بالجواز ليس لخصوصية كامنة في الخلوق بل لأمر يشترك فيه هو و غيره مثل التجمير كعسر التجنب عمّا تتطيب به الكعبة او منافاة القبض على الانف لاحترامها و الاقرب بالنظر هذا.

و استثنى ايضاً من حرمة شم الطيب شم الرائحة الطيبة في سوق العطارين الذي كان بين الصفا و المروة و يدل عليه صحيح هشام بن الحكم عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: لا بأس بالريح الطيبة فيما بين الصفا و المروة من ريح العطارين و لا يمسك على انفه» (1) اذاً لا ريب في الحكم الا انه في زماننا لم يبق له موضوع فلا نقول به اذا ابتلى المحرم بالطيب بين الصفا و المروة في زماننا فلا يترك الاحتياط بالامساك على انفه.

و هنا فرعان:

احدهما: انه لو استهلك الطيب المحرم

مثل الزعفران في شي‌ء على وجه لا يشم منه رائحته و لا يرى لونه فضلا عن عينه فالظاهر جواز استعمال ذلك الشي‌ء لعدم صدق استعمال الطيب عرفاً عليه فمقتضى الاصل عدم حرمته و يؤيد ذلك بصحيح عمران الحلبى قال: «سئل ابو عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يكون به الجرح فيتداوى بدواء فيه زعفران؟ قال: ان كان الغالب على الدواء فلا و ان كانت الأدوية الغالبة عليه فلا باس» (2) فان القدر المتيقن منه هو الصورة المذكورة.

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 20 من ابواب تروك الاحرام ح 1.

(2)- وسائل الشيعة: ب 69 من ابواب تروك الاحرام ح 3.

250

و ثانيهما: انه اذا بقي الطيب مدة من الزمان زال به ريحه هل يجوز للمحرم استعماله بالاكل مثلا ام لا؟

الظاهر انه يجوز ذلك نعم في مثل الزعفران الذي يطلب منه اللون و الريح اذا بقي لونه مقتضى الاصل بقاء الحرمة و الله هو العالم.

[مسألة 30] «وجوب الامساك على الانف من الرائحة الطبية»

مسألة 30: الاحوط وجوب الامساك على الانف من الرائحة الطيبة.

لما في الاخبار من الامر به كقوله (عليه السلام) في صحيح معاوية بن عمّار: و امسك على انفك من الريح الطيبة (1).

و في صحيح ابن بزيع قال: «رأيت ابا الحسن (عليه السلام) كُشف بين يديه طيب لينظر اليه و هو محرم فامسك بيده على انفه بثوبه من رائحته» (2) و ظاهر قوله (عليه السلام) «و امسك على انفك» و ان كان الامر به وجوباً الا انه حيث ورد في ما روى عن معاوية بن عمار في روايات بعضها متضمن لحصر المحرمات في الاربع (3) يمكن منع دلالته على الوجوب فيحمل على الاستحباب فانه اذا كان المحرم من الطيب هذه الاربعة و يجوز شم غيرها كيف يجب الامساك على الانف من كل رائحة طيبة مطلقاً؟

و أما صحيح ابن بزيع فهو مشتمل على فعل الامام (عليه السلام) لا يدل الا على رجحان ما فعله لا خصوص الوجوب.

اللهم الا ان يتمسك بصحيح الحلبى و محمد بن مسلم عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 18 من ابواب تروك الاحرام ح 9.

(2)- وسائل الشيعة: ب 18 من ابواب تروك الاحرام ح 1.

(3)- وسائل الشيعة: ب 18 من ابواب تروك الاحرام ح 14.

251

«المحرم يمسك على انفه من الريح الطيبة و لا يمسك على انفه من الريح الخبيثة» (1) و ظاهره الوجوب فلا يجوز ترك الاحتياط بل الظاهر الوجوب، نعم لا يجب الامساك من روائح المأكولات كالتفاح و غيره و الله هو العالم.

[مسألة 31 لا يجوز للمحرم ان يمسك على انفه من الروائح الكريهة]

مسألة 31: لا يجوز للمحرم ان يمسك على انفه من الروائح الكريهة

لقوله (عليه السلام) في صحيح معاوية بن عمار: «و لا تمسك عليها من الريح المنتنة» (2) و في صحيح الحلبى و محمد بن مسلم: «و لا يمسك على انفه من الريح الخبيثة» (3) و في صحيح ابن سنان عن ابى عبد الله (عليه السلام): «المحرم اذا مرّ على جيفة فلا يمسك على انفه» (4).

[مسألة 32] من اكل زعفرانا او طعاما فيه طيب

مسألة 32- لا كلام في ان من اكل متعمدا زعفرانا او طعاما فيه طيب و هو محرم يجب عليه كفارة دم شاة.

يدل عليه من النصوص صحيح زرارة قال: «سمعت ابا جعفر (عليه السلام) يقول: من نتف ابطه او قلّم او حلق رأسه او لبس ثوبا لا ينبغى له لبسه، او اكل طعاما لا ينبغى له اكله و هو محرم ففعل ذلك ناسيا او جاهلا فليس عليه شي‌ء و من فعله متعمدا فعليه شاة». (5)

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 24 من ابواب تروك الاحرام ح 1.

(2)- وسائل الشيعة: ب 18 من ابواب تروك الاحرام ح 9.

(3)- وسائل الشيعة: ب 24 من ابواب تروك الاحرام ح 1.

(4)- وسائل الشيعة: ب 24 من ابواب بروك الاحرام ح 3.

(5)- وسائل الشيعة: ب 24 من ابواب تروك الاحرام ح 1.

252

و ايضا صحيح زرارة عنه (عليه السلام) قال: «من اكل زعفرانا متعمدا او طعاما فيه طيب فعليه دم، فان كان ناسيا فلا شي‌ء عليه و يستغفر اللّه و يتوب اليه» (1).

و هل الحكم- اى وجوب الدم- مختص بأكل ما فيه الطيب او عام يشمل استعماله مطلقا قال في الجواهر: (فمن تطيب) اى استعمال الطيب (كان عليه دم شاة سواء استعمله صبغا) بالكسر اى اداما و بالفتح (او اطلاء ابتداء او استدامة) بأن كان مستعملا له قبل الاحرام ثمّ احرم (او بخورا) اى تبخيرا (او في الطعام) بلا خلاف اجده فيه بل عن المنتهى الاجماع عليه بل زاد في محكى التحرير سواء استعمله في عضو كامل او بعضه) (2).

و الذى ينبغى ان يقال: انه و ان كان المشهور بل ادعى عدم الخلاف و الاجماع عليه ان استعمال الطيب مطلقا اكلا و شمّا و دلكا يوجب كفارة شاة و لكن لا دليل عليه من الروايات بل ما فيها يدل على اختصاص ذلك بالاكل، اللهم الا ان يدعى ان ذكر الاكل في الروايات كان من باب المثال و ذكر احد المصاديق، و الاصحاب انما افتوا بالعموم لانهم فهموا ذلك من الروايات اخذوا ذلك خلفا عن سلف و لكن لا يطمئن النفس بذلك و ان كان ينبغى مراعاة الاحتياط كما هو الشأن في جميع الشبهات التحريمية.

ثمّ لا يخفى عليك ان هنا روايات ظاهرها العموم و لكن اكثرها ورد في مورد النسيان و الابتلاء و الجهل و بعضها ضعيف من حيث السند او الدلالة او منهما، فراجع اليها ان شئت و اللّه هو العالم.

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 3 من أبواب بقية كفارات الاحرام ح 1.

(2)- جواهر الكلام: 20/ 395.

253

[من محرمات الإحرام لبس المخيط]

[مسألة 33 قول العلامة في لبس المخيط]

لبس المخيط في حال الاحرام

مسألة 33: قال العلامة رفع مقامه: يحرم على المحرم الرجل لبس الثياب المخيطة عند علماء الامصار قال ابن المنذر: اجمع اهل العلم على ان المحرم ممنوع من لبس القميص و العمامة و السراويل و الخف و البرنس.

ثمّ ذكر ما يدل على ما ذكره ابن المنذر من طرق العامة و من طريق الخاصة قول الصادق (عليه السلام): «لا تلبس و انت تريد الاحرام ثوباً تزره و لا تدرعه و لا تلبس سراويل الا ان لا يكون لك ازار و لا الخفين الا ان لا يكون لك نعلان» (1)

و حيث ان ظاهر ما استدل به اخص من مطلق المخيط صار في مقام الاستدلال له، قال: (و قد الحق اهل العلم بما نص النّبي (عليه السلام) عليه ما في معناه قال: فالجبّة و الدراعة و شبههما ملحق بالقميص و التنبان و الران و شبههما ملحق بالسراويل، و القلنسوة و شبهها مساو للبرنس و الساعدان و القفّازان و شبههما مساوية للخفين اذا عرفت هذا فيحرم لبس الثياب المخيطة و غيرها اذا شابهها كالدرع المنسوج و المعقود كجبّة اللبد و الملصق بعضه ببعض حملا على المخيط لمشابهته ايّاه في المعنى من الترفه و التنعم. (2)

اقول: كانه تمسك بمفهوم المساواة و استظهار العرف بمناسبة الحكم و الموضوع عدم خصوصية ما ذكر في الروايات من الثياب و كون غير ما ذكر في الروايات من ثياب الرأس و سائر الاعضاء كما ذكر.

____________

(1)- تذكرة الفقهاء: 7/ 295 و 297.

(2)- تذكرة الفقهاء: 7/ 296.

254

و هذا موافق لفتوى غيره من اكابر الاصحاب كالسيد في جمل العلم و العمل (1) و ابى الصلاح في الكافي (2) و الشيخ في النهاية (3) و الاقتصاد (4) و المبسوط (5) و القاضى في المهذب (6) و الديلمى في المراسم (7) و ابن زهرة في الغنية (8) بل هو كما ادعاه العلامة قول علماء الامصار الا ان اجماعهم على ذلك لا يثبت به عموم الحكم و شموله لمطلق المخيط لان من الممكن كون اتّفاقهم على ذلك بالاجتهاد و استظهارهم من الروايات التى يمرّ عليك انشاء الله تعالى.

و هل يمكن النظر في استدلال العلامة بما ذكره صاحب الوسائل فقال: (يفهم من بعض الاحاديث السابقة و الآتية الاذن في لبس جملة من اقسام المخيط كالسراويل مع عدم الازار و الخفين مع عدم النعلين و لبس القبا مقلوباً كما يأتى و كذا الطيلسان مع عدم الكفارة و غير ذلك و لا يفهم تحريم لبس المخيط عموماً اصلا و قد ورد الاذن في لبس المحرم الرداء و الازار بل الامر بهما من غير تقييد بكونهما غير‌

مخيطين و تخصيص العام بغير مخصص و تقييد المطلق بغير مقيد لا يجوز فانهما كثيراً يكونان مخيطين في الوسط او في الاطراف او مرفوين او مرقوعين و لم يرد النهى عن ذلك و كان الحكم بتحريم لبس المخيط من استنباطات العامة فانهم كثيراً ما‌

____________

(1)- الينابيع: 7/ 105.

(2)- الكافى/ 203.

(3)- النهاية/ 217.

(4)- الاقتصاد/ 301.

(5)- المبسوط: 1/ 317.

(6)- المهذب: 1/ 212.

(7)- المراسم/ 106.

(8)- الغنية/ 159.