فقه الحج - ج3

- الشيخ لطف الله الصافي الگلپايگاني المزيد...
422 /
255

يستنبطون القواعد الكلية من الصور الجزئية عملا بالقياس و مجال المقام هنا واسع لكن فتوى جمع من المتأخرين و دعواهم للاجماع مع موافقة الاحتياط تقتضى تعين العمل و الاغماض عن ضعف الدليل. (1)

اقول: يمكن ان يقال: ان المخيط تارة يقال و يراد منه اللباس الذى لا تتحصل هيئته الخاصة الا بالخياطة سواء كان اجزائها مخيطة او غير مخيطة فعلى هذا دعوى كون اللباس المذكور مطلقا و ان كان غير ما هو المذكور في الروايات موضوعاً لحكم الحرمة وجيهة جداً بل دعوى كون الموضوع ما يكون بهيئة الالبسة المخيطة و ان لم يكن مخيطاً قوية ايضاً و هذا ليس تحريم المخيط مطلقاً حتى يقال بان تحريمه المطلق خلاف اطلاق ادلة لبس الازار و الرداء فانهما كثيراً ما يكونان مخيطين في الوسط او في الاطراف او مرفوين او مرقوعين فان على هذا البناء ليس الازار و لا الرداء من اللباس الموضوع لحكم التحريم فلا باس بكونهما مخيطاً على النحو الذي ذكره.

و أمّا ان يقال: ان المخيط المحرم لبسه مطلق اللباس و ان لم يكن من الالبسة المتعارفة التى تتحصل بدون الخياطة كالإزار و الرداء فيقال: يمنع اطلاق ما يدل على جواز لبس الازار و الرداء و شموله للمخيط منها لان الروايات المستفادة منها حرمة المخيط قرينة على عدم ارادة الاطلاق منه.

فان قلت: لم لم نجعل روايات الازار و الرداء قرينة على عدم ارادة الاطلاق‌

من روايات اللباس؟

قلت: ان الظاهر من الحكم بجواز لبس الازار و الرداء انه لعدم كونهما من المخيط و كونهما كذلك يكون من الكر على ما فرّ و لو اغمضنا عن ذلك تكون النسبة‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 36 من ابواب تروك الاحرام ح 1.

256

بين روايات حرمة المخيط و روايات لبس الازار و الرداء العموم من وجه و يقع التعارض بينهما في الازار و الرداء المخيطين و بعد سقوطهما بالتعارض مقتضى الاصل جواز الارتداء و الاتزار بهما و يكون النتيجة كما ذكره عدم تحريم لبس المخيط مطلقاً و لو لم يكن من الثياب المذكورة و ما يشابهها فيجوز الارتداء بالازار و الرداء المرفوعين.

هذا: و ليعلم ان ما ذكرناه هل مبنى على كون معقد الاتفاق و الاجماع و ما يستفاد من الروايات بحمل ما ذكر فيها على المثال، كل ثوب وقع فيه الخياطة و لو لاجل ترقيعه فلا يجوز الارتداء و الاتزار بالمرقوع بالخياطة او ان المستفاد من كلمات الفقهاء ان المحرم من الثياب ما لا تتحصل بالهيئة الخاصة الا بالخياطة مثل الثياب المذكورة فلا يشمل مثل الازار و الرداء دون ما يكون من الاثواب المخيطة بصورة خاصة و ان لم يكن من الانواع المذكورة و دون ما لا يكون مخيطاً و لكن صنع كالالبسة المذكورة فانها تشملها الروايات بحمل ما ذكر فيها على المثال و قد تحصل مما ذكر ان الظاهر هو الثانى.

هذا و لكن يظهر من بعض المعاصرين ان الكلام واقع في ان المحرم من اللباس هو مطلق اللباس المخيط سواء كان من انواع ما ذكر في الروايات و على هيئتها او لم يكن منها و على هيئتها كما اذا لبس ثوباً خاصاً تحت ثيابه لاجل جذب العرق و لم يكن مزروراً و لم يكن له كم؟ او ان الممنوع خصوص هذه العناوين الخاصة و ما يمكن ان يلحق بها عند العرف؟ و على هذا الازار و الرداء خارجان عن البحث كانا‌

مخيطين او غير مخيطين.

ثمّ قوّى ان الممنوع لبس هذه العناوين الخاصة مخيطة كانت ام لا فاذا لم يصدق احد هذه العناوين على الثوب لا بأس بلبسه و ان كان مخيطاً خصوصاً اذا‌

257

كانت الخياطة قليلة فالحكم بحرمة لبس المخيط على الاطلاق مبنى على الاحتياط و أمّا غير المخيط فان صدق عليه احد هذه العناوين فلا يجوز لبسه ايضاً كالملبد او كالمنسوج الذي لا خياطة فيه و أمّا اذا لم يصدق عليه احد العناوين المذكورة فلا مانع من لبسه لعدم صدق القميص او القباء عليه و لعدم كونه مخيطاً على الفرض فالمدار في التحريم بصدق احد هذه العناوين و ان لم يكن مخيطاً و حاصل ذلك الغاء قيد المخيطية و كون المدار على صدق هذه العناوين و من الواضح انه لا يصدق على الازار و الرداء هذه العناوين كانا مخيطين او غير مخيطين.

و الظاهر ان ما جعله مورداً للبحث و الكلام غير ما يستفاد من كلام شيخنا الحرّ (قدس سره) فانه ردّ في كلامه من يقول بعدم كون الازار و الرداء مخيطين و لعلّه كان مقتصراً في الحكم بالحرمة على خصوص ما في الروايات و أمّا ما يشابهه من الالبسة غير المخيطة و مطلق المخيط فلا يشمله الحكم و أمّا المعاصر الاجل فهو يقول بشمول الحكم لما يشابه ما ذكر في الروايات و ان لم يكن مخيطاً و عدم شموله لغير ما يشابه المذكورات و ان كان لباساً مخيطاً.

و كيف كان و بعد ذلك كله ما هو العمدة الرجوع الى الروايات و التأمل في مقدار دلالتها منطوقاً و مفهوماً و الله هو الهادى الى الصواب.

فمنها صحيح معاوية بن عمّار عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا تلبس ثوباً له ازرار (1) و انت محرم الا ان تنكسه و لا ثوباً تدرعه و لا سراويل الا ان لا يكون لك‌

____________

(1)- في النهاية في صفة خاتم النبوة: الزرّ واحد الازرار التى تشد بها الكال و الستور على ما يكون في حجلة العروس ... و في حديث ابى ذر قال: يصف عليا و انه لعالم الارض وزرها الذى تسكن اليه اى قوامها و اصله الخ.

258

ازار و لا خفين الا ان لا يكون لك نعلان» (1)

و هذا يدل على عدم جواز لبس المذكورات و اطلاقه يشمل ما لم يكن منها مخيطاً كما يمكن دعوى الحاق ما يشابهها من الاثواب اليها و لا دلالة له على حرمة لبس المخيط غيرها و غير ما يشابهها. اللّهم الا ان يدّعى انصراف اطلاقه الى ما يكون من المذكورات مخيطاً و ان ما هو الموضوع للحكم المخيط مطلقاً و لا تخلو من المجازفة. مضافاً الى انه يدل على جواز لبس ماله الازرار منكوساً في غير حال الضرورة مطلقاً و ان كان مخيطاً‌

و أمّا الرواية الثانية التى اخرجها في الوسائل في هذا الباب فاحتمال كونه و الاولى واحدة قوى جدّاً و شاهد على جواز نقل الرواية بالمضمون و إليك لفظه على ما رواه عن الشيخ في التهذيب باسناده عن صفوان بن يحيى عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا تلبس و انت تريد الاحرام ثوباً تزره و لا تدرعه و لا تلبس سراويل الا ان لا يكون لك ازار و لا خفين الا ان لا يكون لك نعلان» (2). و ليس فيه «الا ان تنكسه»‌

و ظاهرهما جواز الثوب الذى له ازرار منكوساً و ان كان له ثوب غيره اللهم الّا ان يقال الظاهر انّه لمكان الضرورة و عدم ما يرتدى به مضافاً الى التصريح بذلك‌

في صحيح الحلبى عن ابي عبد الله (عليه السلام): «قال اذا اضطر المحرم الى القباء و لم يجد ثوباً غيره فليلبسه مقلوباً و لا يدخل يديه في يدى القباء» (3)

و منها صحيح زرارة عن احدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عمّا يكره‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 35 من ابواب تروك الاحرام ح 1 و 2 و اخرجه أيضاً في ب 36 ح 1.

(3)- وسائل الشيعة: ب 35 من ابواب تروك الاحرام ح 2. و التهذيب 5/ 69 ح 227.

(2)- وسائل الشيعة: ب 44 من ابواب تروك الاحرام ح 1 و تهذيب الاحكام: 5/ 70 ح 228.

259

للمحرم ان يلبسه فقال: يلبس كل ثوب الا ثوباً واحداً يتدرعه « (على ما في الفقيه و في الوسائل اسقط قوله (واحداً) (1) و هذا ايضاً ظاهر في ان لبس كل ثوب جائز الا ما يكون مثل الدرع و لعله يشمل كل ما يكون كالدرع مثل القميص و كل ما كان ذي الكم و السراويل و ان لم يكن مخيطاً.

و منها صحيح الحلبى عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: في المحرم يلبس الطيلسان المزرور فقال: نعم في كتاب على (عليه السلام) لا تلبس طيلساناً حتى تنزع ازراره و قال: انّما كره ذلك مخافة ان يزره الجاهل فامّا الفقيه فلا باس بان يلبسه» (2).

و في صحيح يعقوب بن شعيب «سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يلبس الطيلسان المزرور؟ قال: نعم و في كتاب على (عليه السلام): لا تلبس طيلساناً حتى تنزع ازراره و حدثنى ابى انه انّما كره ذلك مخافة ان يزره الجاهل عليه» (3).

و هذان الصحيحان كما ترى يدلان على كون المانع الارتداع و الزر لا كون اللباس مخيطاً و هذا ظاهر رواية معاوية بن عمار برواية الشيخ عليه الرحمة نعم روايته الاولى تدل على كون المانع وجود الازرار.

و مما يشعر الى اشتراط لباس المحرم بعض الشروط خبرى على بن ابى حمزة عن ابى عبد الله (عليه السلام) و سهل عن احمد بن محمد عن العلاء بن رزين عن محمد بن مسلم عن ابى جعفر (عليه السلام) (4) الدالان على اعادة المحرم غسله ان لبس القميص قبل ان يحرم‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 36 من ابواب تروك الاحرام ح 5 و من لا يحضره الفقيه: 2/ 341 ح 2618.

(2)- وسائل الشيعة: ب 36 من ابواب تروك الاحرام ح 3 و الكافى: 4/ 340 ح 8.

(3)- وسائل الشيعة: ب 36 من ابواب تروك الاحرام ح 2. و الكافى: 4/ 340/ 7.

(4)- وسائل الشيعة: ب 11 من ابواب الاحرام ح 1 و 2. و الكافى: 4/ 328 و 329 ح 4 و 8.

260

او ان يلبى و ما يدل في الجملة على ذلك ما يدل على تجريد الصبيان للاحرام (1) و ما يقال عند الاحرام كأحرم لك شعرى و ... من النساء و الثياب (2) و غير ذلك كما ورد في حكم لباس النساء (3).

و بعد ذلك كله ليس في هذه الاخبار ما كان ظاهراً في المنع عن المخيط.

اللهم الا ان يقال: ان قوله عند الاحرام احرم لك من الثياب بالاطلاق يدل على الاحرام من كل افراد الثياب التى المتعارف منها الثياب المخيطة.

و لكن قد علم مما ذكر أن ذلك لا يشمل مثل الازار و الرداء المخيطين.

و مع ذلك كله مقتضى كل ما ذكرنا اولا حرمة المذكورات في الروايات و ان لم تكن مخيطة، و ثانياً حرمة غيرها من الالبسة المشابهة لها و ما يصدق عليه اللباس و ان لم يكن التلبس به تدرعاً احتياطاً بل لا يترك الاحتياط في الازار و الرداء فلا يكونا مخيطين و الله هو العالم باحكامه و استغفر الله و اعوذ به من القول بغير العلم و التسرع في مقام الفتوى و هو الغفور الرحيم.

تنبيه: صرح في الجواهر: انه لم يجد في شي‌ء مما وصل الينا من النصوص‌

الموجودة في الكتب الاربعة و غيرها ما يدل على المنع من لبس المخيط بهذا العنوان قال: كما اعترف به غير واحد حتى الشهيد في الدروس (4) حيث قال: لم اقف الى الآن على رواية بتحريم عين المخيط انما نهى عن القميص و القباء و السراويل ... (5)

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 17 من ابواب اقسام الحج.

(2)- وسائل الشيعة: ب 16 من ابواب الاحرام ح 1 و 2.

(3)- وسائل الشيعة: ب 33 من ابواب الاحرام.

(4)- الدروس الشرعية: 1/ 485.

(5)- جواهر الكلام: 18/ 335.

261

و لذلك صار بعض الاعلام من المعاصرين بعد ما حكى عن الدروس لبيان ما يمكن به الاستدلال لحرمة المخيط بما ذكر في تقريرات بحثه (1).

و لكن قد جاءنا احد الفضلاء المشاركين في البحث ايدهم الله تعالى بخبر عن مستدرك الوسائل عن دعائم الاسلام و إليك ما في المستدرك دعائم الاسلام روينا عن على بن ابى طالب و محمد بن على بن الحسين و جعفر بن محمد (عليهم السلام): «ان المحرم ممنوع من الصيد و الجماع و الطيب و لبس الثياب المخيطة» (2).

اخرجه العلامة المجلسى في البحار باللفظ المذكور مع زيادة مشتملة على احكام اخر، و يظهر مما في ذيل الحديث ان السند في الاصل هكذا: روينا عن على بن ابى طالب و الحسن و الحسين و على بن الحسين و محمد بن على بن الحسين و جعفر بن محمد (صلوات اللّٰه عليهم) (3) و الحديث ضعيف بالارسال.

و في المستدرك خبر آخر اخرجه بعد الخبر المذكور و هو ايضاً عن دعائم الاسلام مرسلا (عن جعفر بن محمد (عليهما السلام) «انه نهى ان يتطيب من اراد الاحرام الى‌

ان قال- و ان يمس المحرم طيباً (4) او يلبس قميصاً او سراويل او عمامة او قلنسوة او خفاً او جورباً او قفازاً او برقعاً او ثوباً مخيطاً ما كان» (5)

و كيف كان فالخبران يدلان على المنع من الثياب المخيطة الملصق بعضها ببعض بالخياطة و لعلهما يشملان الرداء و الازار الا ان العلة فيهما ضعف سندهما بالارسال‌

____________

(1)- المعتمد: 4/ 132.

(2)- مستدرك الوسائل: ب 26 من ابواب تروك الاحرام ح 1.

(3)- بحار الانوار: 96 كتاب الحج و العمرة ب 28 ح 22.

(4)- في المصدر (و لا) و كذا في الموارد التى تليها.

(5)- مستدرك الوسائل: ب 26 من ابواب تروك الاحرام ح 2.

262

و لكنها يؤيدان ما اخترناه من لزوم الاحتياط و اللّه هو العالم.

[مسألة 34] «جواز شد العمامة و المنطقة و الهميان و امثالها»

مسألة 34: يجوز شد العمامة و المنطقة و الهميان على الاظهر و لبس الفتق بند على القول بقصر ما يحرم من المخيط على المحرم على ما هو المذكور في روايات الباب المعتبرة و ما يلحق به مما يشابهه لعدم كونها منه للاصل و الدليل في الهميان و المنطقة نعم يأتى الكلام فيما ورد فى العمامة

و يمكن ان يقال: ان الدليل على حرمة مطلق اللباس اذا كان الاجماع فالمتيقن منه هو الالبسة المتعارفة المعتاد لبسها و لا يشمل مثل الفتق بند و المنطقة و الهميان و العمامة.

و أما على القول بلبس مطلق المخيط فالقول بان المراد منه اللباس الذى يلصق بعضه ببعض و يكون من الالبسة المتعارفة قوىّ جداً و على القول بشموله لمثل المنطقة و الهميان و الفتق بند فلا بد من استثناءها بالدليل‌

فنقول: اما الهميان و المنطقة فقد حكى عن الصدوق و العلّامة و ابن حمزة‌

و يحيى بن سعيد و الشهيد و غيرهم جواز لبس المنطقة و شدّ الهميان (1) و يدل عليه صحيح يعقوب بن شعيب قال: «سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يصرّ الدراهم في ثوبه؟ قال: نعم و يلبس المنطقة و الهميان» (2)

و خبر يعقوب بن سالم و يونس بن يعقوب في خصوص الهميان (3).

____________

(1)- راجع جواهر الكلام: 18/ 339.

(2)- وسائل الشيعة: ب 47 من ابواب تروك الاحرام ح 1.

(3)- وسائل الشيعة: ب 47 من ابواب تروك الاحرام ح 3 و 4.

263

و يمكن ان يقال: بحصر جواز المنطقة اذا كانت فيها نفقته كما يأتى في صحيح ابى بصير.

و أمّا الفتق بند فقال في الجواهر: (الحاقه بالهميان المشدود على الوسط و المنطقة و عصابة القروح اولى من الحاقه بالخفين فالاقوى جوازه اختياراً و الاحوط تركه) (1)

و ادعى بعض الاعلام أولوية جواز الفتق بند من جواز الهميان لانه اذا كان شد الهميان لحفظ المال جائزاً يكون شد الفتق بند لحفظ البدن و توقف اداء الحج عليه اولى.

و أمّا العمامة ففى صحيح عمران الحلبى عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «المحرم يشد على بطنه العمامة، و ان شاء يعصبها على موضع الازار و لا يرفعها الى صدره» (2).

و ظاهره جواز شدها على بطنه و عدم جواز رفعها الى صدره و يمكن ان‌

يكون المراد ان لا يجعلها عريضة تشمل البطن الى الصدر و في صحيح ابى بصير «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) في المحرم يشد على بطنه العمامة؟ قال: لا، ثمّ قال: كان ابى يشد على بطنه المنطقة التى فيها نفقته يستوثق منها فانها من تمام حجه» (3).

و على هذا يقع التعارض بين الصحيحين و عن صاحب الحدائق رفع التعارض بينهما بان المراد من البطن في صحيح ابى بصير الصدر بقرينة قوله (عليه السلام) في صحيح عمران «و لا يرفعها الى صدره» (4) و هكذا فعل صاحب الوسائل فانه في‌

____________

(1)- جواهر الكلام: 18/ 337.

(2)- وسائل الشيعة: ب 72 من ابواب تروك الاحرام ح 1.

(3)- وسائل الشيعة: ب 47 من ابواب تروك الاحرام ح 5.

(4)- الحدائق الناضرة: 15/ 441.

264

عنوان الباب (72) (قال: باب أنه يجوز للمحرم ان يشد العمامة على بطنه على كراهة و لا يرفعها الى صدره) (1) و لكن لا يطمئن النفس بذلك و على هذا ان امكن ان نقول بحمل الرواية الناهية الظاهر في الكراهة بصراحة الدالة على الجواز حملا للظاهر على الاظهر فهو و الا فتسقطان بالتعارض و مقتضى القول بشمول معقد الاجماع لمثل هذا اللبس ترك شدها بالبطن و على ما قويناه من عدم شمول الاجماع لمثل ذلك فالاصل هو الجواز و الله هو العالم.

[مسألة 35] جواز لبس المرأة المحرمة المخيط

مسألة 35: الظاهر انه لا خلاف بينهم في جواز لبس النساء المخيط الا ما حكي عن الشيخ في النهاية.

قال في الجواهر: (التي هى متون اخبار، و قال: على انه قد رجع عنه في ظاهر محكى المبسوط في القميص بل عن موضع آخر منه: مطلق المخيط بل عبارته فيها‌

غير صريحة قال: و يحرم على المرأة في حال الاحرام من لبس الثياب جميع ما يحرم على الرجل، و يحل له جميع ما يحل له) ثمّ قال بعد ذلك: (و قد وردت رواية بجواز لبس القميص للنساء و الافضل ما قدمناه و أمّا السراويل فلا بأس بلبسه لهنّ على كل حال بل لعل قوله: (و الافضل ما قدمناه) صريح في الجواز لكن عن بعض النسخ (و الاصل ما قدمناه) (2).

اقول: قال ابن ادريس في السرائر بعد حكاية كلام الشيخ عن النهاية الى قوله: (و الاصل ما قدمناه فاما السراويل فلا باس بلبسه لهن على كل حال سواء‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 72 من ابواب تروك الاحرام.

(2)- راجع جواهر الكلام: 18/ 340.

265

كانت ضرورة او لم تكن) ثمّ قال: (و الاظهر عند اصحابنا ان لبس الثياب المخيطة غير محرم على النساء بل عمل الطائفة و فتواهم و اجماعهم على ذلك و عمل المسلمين) (1) انتهى‌

فعلى هذا الظاهر ان النسخة التي يعتمد عليها هى (الاصل ما قدمناه) و على ذلك لا يتم لترديد في دلالة كلام الشيخ في النهاية على حرمة لبس المخيط في الجملة على النساء.

و قال في المبسوط: (و يحرم على المرأة في حال الاحرام جميع ما يحرم على الرجل و يحل لها ما يحلّ له و قد رخص لها في القميص و السراويل) (2).

و ما يظهر من كلمات الفقهاء في المسألة و ادعائهم الاجماع على جواز لبسها المخيط شذوذ هذا القول و عدم الاعتداد به و تحقق الاجماع على خلافه قبل الشيخ‌

و بعده.

هذا مضافاً الى دلالة المعتبرة المستفيضة الدالة على جواز لبس الحرير لهن مثل صحيح الحلبى عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا بأس ان تحرم المرأة في الذهب و الخزّ و ليس يكره الا الحرير المحض» (3)

و في بعض هذه الاحاديث: «المرأة المحرمة تلبس ما شاءت من الثياب غير الحرير و القفازين ...» (4) و في بعضها: «تلبس الثياب كلها الا المصبوغة بالزعفران‌

____________

(1)- السرائر: 1/ 544.

(2)- المبسوط: 1/ 320.

(3)- وسائل الشيعة: ب 33 من ابواب الاحرام ح 4.

(4)- وسائل الشيعة: ب 33 من ابواب الاحرام ح 9.

266

و الورس، و لا تلبس القفازين» (1).

و ظاهر هذه الاخبار حرمة القفازين و حملها على الكراهة خلاف الظاهر.

[مسألة 36] كفارة لبس المخيط

مسألة 36: الظاهر انه لا خلاف بينهم في ان المحرم اذا لبس ما لا يجوز له لبسه عمداً كان عليه دم شاة.

و الاصل في ذلك الروايات منها ما رواه الشيخ باسناده عن زرارة قال: «سمعت ابا جعفر (عليه السلام): من نتف ابطه او قلم ظفره او حلق رأسه او لبس ثوباً لا ينبغي له لبسه او اكل طعاماً لا ينبغي له اكله و هو محرم ففعل ذلك ناسياً او جاهلا فليس عليه شي‌ء و من فعله متعمداً فعليه دم شاة» (2).

و ما رواه في الكافى عن عدة من اصحابنا عن سهل بن زياد و احمد بن محمد عن ابن محبوب عن على بن رئاب عن زرارة عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: «من لبس ثوباً لا ينبغي له لبسه و هو محرم ففعل ذلك ناسياً او ساهيا او جاهلا فلا شي‌ء عليه و من فعله متعمداً فعليه دم» (3). و الظاهر انهما واحد اختصر في الكافى.

و يدل عليه في خصوص القميص خبر سليمان بن العيص قال: «سألت ابا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يلبس القميص متعمداً؟ قال: عليه دم» (4).

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 33 من ابواب الاحرام ح 2.

(2)- تهذيب الاحكام: 5 ب 25/ 369 ح 200 (1287).

(3)- الكافى: 4/ 348 ح 1.

(4)- تهذيب الاحكام: 5/ 25 ح 252 (1339).

267

قال سيدنا الاستاذ الاعظم (قدس سره) في و قال في الجواهر (لو اضطر الى لبس ثوب يتقى به الحر أو البرد جاز و عليه) دم (شاة) ايضاً بلا خلاف فيه بل الاجماع بقسميه عليه و هو الحجة (1) الخ.

اقول: الاحتجاج بهذا الاجماع مع وجود الروايات التى ادعى دلالتها على مقتضى الاجماع كما قال بعض الاعلام ليس مما يطمئن به النفس و بأنه من الاجماعات التعبدية فاللازم الرجوع الى الروايات.

فنقول: قد استدل في الجواهر: (2) باطلاق ما في الروايات المذكورة مثل قوله (عليه السلام) (و من فعله متعمداً فعليه دم) او (عليه دم شاة) او (يلبس القميص متعمداً)

و يمكن ان يقال: ان مثل هذا السياق ظاهر في العمد الخالص من الاضطرار و الضرورة و الاحتياج الشديد.

و بصحيح ابن مسلم قال: «سألت ابا جعفر (عليه السلام) عن المحرم اذا احتاج الى ضروب من الثياب يلبسها؟ قال: عليه لكل صنف منها فداء» (3)

و في الاستدلال به ان الاحتياج اعم من الضرورة و لكن يستدل به لشمول الصحيح لصورة الاضطرار بالاطلاق.

و أمّا الاستدلال لوجوب الكفارة في صورة الضرورة و الاضطرار بقوله تعالى: (فَمَنْ كٰانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيٰامٍ أَوْ صَدَقَةٍ

____________

طبقات التهذيب في سليمان بن العيص: لم اجده في شي‌ء من الاسانيد و المعاجم و لعل الصواب سليمان و عيص اقول او سليمان عن عيص.

(1)- جواهر الكلام: 20/ 404.

(2)- جواهر الكلام: 20/ 404.

(3)- وسائل الشيعة: ب 9 من ابواب بقية كفارات الاحرام ح 1.

268

أَوْ نُسُكٍ) (1) بتقدير كون المراد منه من كان منكم مريضاً فلبس يجب عليه النسك اى الشاة كما في النص و ذلك من مصاديق الاضطرار.

ففيه: ان الآية الكريمة لا ترتبط بمسألتنا هذه لأنّها وردت في مورد الاحصار و ان المحصور الذي لا يجوز له ان يحلق رأسه حتى يبلغ الهدى محله لقوله تعالى (و لا تحلقوا رءوسكم حتى يبلغ الهدى محله) لو اضطر او شق عليه لمرض او اذى من رأسه الصبر الى ان يبلغ الهدى محله فعليه الفدية من صيام او صدقة او نسك و هذا حكم مختص بالمحصور لا وجه لتسريته الى المضطر بلبس المخيط قال في الجواهر: و الا لكان فدية اللبس مخيرة (2).

أقول: لا اظن بمن كان من أهل العلم و النظر أن يرى الآية نزلت في لبس المحرم المخيط و دلالتها بالمنطوق عليه و لعل الذي استدل بها استدل بمفهومها بتقريب ان الحلق الذي هو احد المحرمات على المحرم اذا كانت حرمته عند الاضطرار اليه‌

ترفع بالفدية فغيره من المحرمات في الحكم معه سواء و لعل كان هذا مراد من قال: ان الاصل في تروك الاحرام الفداء الى ان يظهر المسقط فانه اذا كان الحكم في مورد ترك كذلك لا يستفاد منه الخصوصية بل يراه العرف محكوماً به لكونه تركاً من التروك و محرماً من المحرمات‌

ثمّ ان بعض الاعلام كما في تقريرات بحثه بعد ما افاد بأن الروايات الدالة على وجوب الفدية مطلق من حيث الاضطرار و عدمه قال: و امّا في خصوص الاضطرار فقد دل حديث رفع القلم الوارد فيه الاضطرار على رفع الاثر لو اضطر‌

____________

(1) البقرة/ 196

(2) جواهر الكلام: 20/ 405.

269

الى ذلك الشي‌ء فمقتضى الصناعة عدم ثبوت الكفارة في مورد الاضطرار الى لبس المخيط كالجهل و النسيان و لكن حيث ان المشهور ذهبوا الى الوجوب في مورد الاضطرار فيكون الحكم به مبنياً على الاحتياط. (1)

أقول: هل مقتضى الصناعة ما ذكر؟ ام ان النسبة بين حديث الرفع الدال على رفع اثر ما يضطر اليه المكلف سواء كان مما يحرم على المحرم او من غيره و بين ما يدل وجوب الفدية عليه سواء كان مضطراً اليه او لم يكن منه حيث تكون بالعموم من وجه يقع التعارض بينهما في المخيط المضطر اليه فبمقتضى حديث الرفع لا يجب عليه شي‌ء و بمقتضى حديث وجوب الفدية تجب عليه الفدية فيتساقطان بالتعارض فيه و مقتضى الاصل براءة ذمته عن الفدية‌

الظاهر ان مقتضى قوله «الصناعة» هو ما ذكره لانه انما يلاحظ النسبة بين الدليلين اذا كانا في عرض واحد لا يكون احدهما ناظراً الى الآخر و حاكماً عليه و أما اذا كانا كذلك فالحجة دليل الحاكم و دليل رفع الاكراه حاكم على مثل دليل‌

وجوب الفداء على من يلبس المخيط و هذا كحكومة ادلة نفى الحرج و العسر على ادلة الاحكام فكما لا يلاحظ بينهما النسبة المذكورة لا يلاحظ ذلك في ادلة رفع الاكراه و الاضطرار و لا فرق بينهما غير أن في ادلة نفى الحرج و العسر و الضرر الحكومة تكون باعتبار عقد الحمل و الحكم و في ادلة نفى النسيان و الاكراه و الاضطرار يكون باعتبار عقد الوضع و الموضوع فتلخص من ذلك كله عدم وجوب الفدية على الذى لبس المخيط اضطراراً و الله هو العالم.

____________

(1)- المعتمد: 4/ 144.

270

[من محرمات الإحرام الاكتحال]

الكلام في الاكتحال

و ذلك اما بالسواد او بما فيه طيب او بغيرهما‌

امّا الاكتحال بالسواد فقد قال في الجواهر: (و الاكتحال بالسواد على قول، للمفيد و الشيخ و سلار و بنى حمزة و ادريس و سعيد و غيرهم (الى ان قال) لكن في الاقتصاد و الجمل و العقود و الخلاف و الغنية و النافع على ما حكى عن بعضها انه مكروه بل عن الشيخ دعوى اجماع الفرقة عليه) (1).

اقول: لا ريب في ان مقتضى الاصل لو لم يكن دليل، جوازه و القائل بحرمته لا بد و ان يقول بالدليل فلا بد لنا من ملاحظة اخبار الباب سنداً و متناً فنقول:

منها صحيح معاوية بن عمّار عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يكتحل الرجل و لا المرأة المحرمان بالكحل الاسود الا من علة» (2) و ظاهره حرمة الاكتحال بالاسود على الرجل و المرأة الا من علة و الظاهر ان المراد منها ما يوجب الاضطرار و لو‌

عرفا بها.

و في صحيح الحلبى عن ابى عبد الله (عليه السلام) «قال: سألته عن الكحل للمحرم؟ فقال: امّا بالسواد فلا و لكن بالصبر و الحضض» (3)

و ظاهره كسابقه اختصاص الحرمة بالسواد كما ان ظاهر هما حرمة السواد و ان لم يكن بقصد الزينة و لعل ذلك لعدم دخل صدق الزينة عليه بالقصد اذا كان بالسواد و في صحيح حريز عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا تكتحل المرأة المحرمة بالسواد‌

____________

(1)- جواهر الكلام: 18/ 346.

(2)- وسائل الشيعة: ب 33 من ابواب تروك الاحرام ح 2.

(3)- وسائل الشيعة: ب 33 من ابواب تروك الاحرام ح 7.

271

ان السواد زينة» (1)

و ظاهر التعليل المذكور ان وجه الحرمة زينية السواد و ان لم يكتحل بقصدها بل يدل على حرمة غير الاسود اذا كان زينة و على هذا يمكن ان يقال ان الاكتحال بما هو زينة سواداً كان او غيره محرم على المحرم قصد به الزينة ام لم يقصدها و ان الاكتحال بغير ما هو زينة اذا لم يكن فيه طيب ليس من المحرمات نعم لا يصح الغاء زينية السواد عرفاً كما صرح به الامام (عليه السلام).

و ربما يقال بدخل القصد في حرمة الاسود و كل ما هو زينة لظاهر صحيح حريز عن زرارة عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «تكتحل المرأة بالكحل كله الا الكحل الاسود للزينة» (2)

و لكن يمكن منع ظهوره في ذلك بأن المراد منه الاكتحال بالاسود الذى يكتحل به للزينة غالباً و عرفاً او يقال بأن اللام في الزينة للنتيجة كما في قوله تعالى:

(ليكون لهم عدواً و حزناً) (3) و قوله تعالى: (و لقد ذرأنا لجهنم) (4).

و قال: بعض الاجلة: (هنا رواية معتبرة دلت على ان العبرة باجتماع الامرين معاً السواد و الزينة و تكون اخص من جميع الروايات فتخصص الاسود بالزينة كما هو الغالب و كذلك تخصص الزينة بالاسود ثمّ ذكر صحيحة زرارة المتقدمة و قال: فان كان الاكتحال بالسواد لم تكن زينة كما اذا اكتحل بالليل عند النوم فلا اشكال‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 33 من ابواب تروك الاحرام ح 4.

(2)- وسائل الشيعة: ب 33 من ابواب تروك الاحرام ح 3.

(3)- القصص/ 8.

(4)- الاعراف/ 179.

272

و كذا لو كان الزينة و لكن بغير الاسود. (1)

و قد اجاد فيما افاد غير ان الصحيح يدل على ان الاكتحال بالاسود الذي يكتحل به للزينة لا يجوز و ان لم تكن زينة له في حال الاكتحال نعم لا بأس بالاكتحال بغير الاسود و لو كان زينة.

ثمّ لا يخفى عليك ان هنا روايات تدل على النهى من مطلق الاكتحال الا عند الضرورة مثل ما رواه الكلينى عن عدة من اصحابنا (2) عن احمد بن محمد (3) عن على بن الحكم (4) عن عبد الله بن يحيى الكاهلى (5) عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «سأله‌

رجل ضرير البصر و انا حاضر فقال: اكتحل اذا احرمت؟ قال: لا و لم تكتحل؟ قال: انى ضرير البصر فاذا انا اكتحلت نفعنى و ان لم اكتحل ضرّنى قال: فاكتحل قال: فانى اجعل مع الكحل غيره قال: و ما هو؟ قال: آخذ خرقتين فاربعهما فاجعل على كل عين خرقة، و اعصبهما بعصابة الى قفاى فاذا فعلت ذلك نفعنى و اذا تركته ضرّنى قال:

____________

(1)- معتمد العروة: 4/ 148.

(2)- ان كان احمد بن محمد ابن عيسى فعدته خمسة. محمد بن يحيى و احمد بن ادريس و على بن ابراهيم و داود بن كورة و على بن موسى الكميدانى و ان كان ابن خالد البرقي فهم اربعة على بن ابراهيم و محمد بن عبد الله ابن بنت البرقي و احمد بن عبد الله من احمد البرقي ابن ابنه و على بن الحسين السعدآبادى.

(3)- من السابعة.

(4)- من السادسة ثقة جليل القدر له كتاب.

(5)- من الخامسة ممدوح.

273

فاصنعه» (1).

و لكن اطلاقها يقيّد بالروايات الدالة على الجواز في الجملة و بما فيها اذا كان بالاسود الذي يكتحل به للزينة.

كما يقيد بها اطلاق ما يدل على جواز مطلق الاكتحال كصحيح هارون بن حمزة عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا يكتحل المحرم عينيه بكحل فيه زعفران و ليكتحل بكحل فارسى» (2) ان لم نمنع اطلاقه و لم نقل بوروده في مقام النهى عن الطيب و ان الفارسى منه ليس فيه الطيب.

و بالجملة: النهى عن كحل فيه زعفران يدل على جواز الاكتحال بغيره في الجملة و لا يدل على الجواز مطلقاً نعم يقيد به اطلاق الطائفة الناهية و تكون الاخبار الاول مقيدة للناهية و مبينة للمجوزة.

هذا و قد افاد العلم المعاصر المذكور بعد ما اشار الى تعارض الاخبار المطلقة الناهية عن الاكتحال و المطلقة المجوزة له فقال: بازائهما طائفة ثالثة و هى روايات معتبرة دلت على جواز الكحل في بعض الاقسام و عدم جوازه في القسم الآخر فتكون مقيّدة لإطلاق الطائفتين المتقدمتين (قال) فمنها ما دل على عدم الجواز اذا‌

كان الكحل اسود و هو مدرك المشهور كصحيحة معاوية بن عمّار قال: «لا يكتحل الرجل و المرأة المحرمان بالكحل الاسود الا من علة».

و منها ما دل على عدم الجواز اذا كان للزينة كصحيحة اخرى لمعاوية بن عمّار: «لا بأس بان تكتحل و انت محرم بما لم يكن فيه طيب يوجد ريحه و أما الزينة‌

____________

(1)- الكافى: 4/ 358 ح 3.

(2)- وسائل الشيعة: ب 33 من ابواب تروك الاحرام ح 6 و تهذيب الاحكام: 5/ 301 ح 1027.

274

فلا» (ثمّ قال) و هما ايضاً متعارضتان ثمّ صار في مقام بيان وجه التعارض و بيان الوجه لرفعه فنذكر تمام كلامه بطوله و نظر فيه و الله ولى التوفيق (قال) و هما ايضاً متعارضتان لان المستفاد من الاولى عدم الجواز بالكحل الاسود و الجواز اذا كان غير اسود و ان كان للزينة و المستفاد من الثانية عدم جواز الاكتحال للزينة و ان كان غير اسود و الجواز بالاسود اذا لم يكن للزينة فالتعارض يقع بين عقد الايجاب من احدهما و بين عقد السلب من الآخر و الا فلا منافاة بينهما بالنسبة الى عقد الايجاب من كل منهما فان الاولى تقول بحرمة السواد و الثانية تقول بحرمة الزينة و لا منافاة بين الامرين و حرمة كل منهما و انّما التنافى بين عقد الايجاب من احدهما للعقد السلبى من الآخر فان مقتضى الرواية الاولى حرمة الاكتحال بالسواد مطلقاً سواء كان للزينة ام لا و مقتضى العقد السلبى للثانية جواز الاكتحال لغير الزينة و ان كان اسود كما ان مقتضى العقد الايجابى للثانية حرمة الكحل للزينة و مقتضى العقد السلبى للاول جواز غير الاسود و ان كان للزينة.

و قد ذكرنا في الاصول في بحث المفاهيم انه اذا كان قضيتان شرطيتان دلتا على ثبوت شي‌ء على تقدير آخر فقهراً تقع المعارضة بين المنطوق من احدهما و مفهوم الآخر كما في مثل اذا خفى الاذان فقصر و اذا خفى الجدران فقصر فاذا خفى الجدران و لم يخف الاذان يقع التعارض بين منطوق الجملة الثانية و بين مفهوم الجملة الاولى فان مقتضى اطلاق منطوق الجملة الثانية وجوب القصر سواء خفى الاذان ام لا‌

و مقتضى اطلاق مفهوم الجملة الاولى عدم القصر سواء خفى الجدران ام لا و ربما يقال: بوجوب القصر عند خفائهما معاً و لكن لا موجب لذلك لان المعارضة ليست بين المنطوقين ليرفع اليد عن إطلاق كل منهما بل المعارضة بين منطوق احدهما و مفهوم الآخر فالصحيح ان يرفع اليد عن اطلاق كل منهما بتقييده بالآخر و النتيجة:

275

ان القصر يثبت بخفاء احدهما و هذه الكبرى تنطبق على المقام ايضاً فنقيد اطلاق مفهوم كل واحد من الروايتين و نرفع اليد عن اطلاق كل واحد منهما و المتحصل حرمة الاكتحال بالسواد او للزينة انتهى). (1)

اقول: اولا: التعارض بين مثل اذا خفى الاذان فقصر و اذا خفى الجدران فقصر بناء على مسلك المتأخرين في المفهوم و ان نزاع القوم فيه صغروياً انما يتحقق اذا كان الشرط للجزاء علة منحصرة له و اثبات ذلك للقضايا ذوات المفهوم بقول مطلق في غاية الاشكال‌

و ثانياً: على فرض القول بظهور هذه القضايا مثل (ان جاءك زيد فاكرمه) او (ان بلت فتوضأ) على كون الشرط علة للحكم و علة منحصرة له فهو انما يكون اذا لم يكن هنا قرينة على الخلاف نصبها المتكلم فمثل قوله ان نمت فتوضأ او اذا خفى الجدران فقصّر قرينة على عدم ارادة المتكلم من الشرط كونه علة منحصرة للجزاء.

و ثالثاً: ان التعارض على ما افدتم انما وقع بين اطلاق منطوق كل منها و اطلاق مفهوم الآخر مثلا اذا قال: اذا خفى الاذان فقصّر يدل بالاطلاق على وجوب القصر، خفى الجدران ام لم يخف و قوله اذا خفى الجدران فقصر ايضاً يدل بالاطلاق على وجوب القصر خفى الاذان ام لم يخف و لكن مفهوم الثانى عدم‌

وجوب القصر اذا لم يخف الجدران سواء خفى الاذان ام لم يخف فيقع التعارض بين اطلاق منطوق احدهما و مفهوم الآخر فيما اذا خفى الجدران و لم يخف الاذان او بالعكس فمقتضى اطلاق منطوق اذا خفى الجدران وجوب القصر و مقتضى اطلاق مفهوم اذا خفى الاذان عدم وجوب القصر و مقتضى القاعدة لو كان التعارض بين‌

____________

(1)- المعتمد: 4/ 146.

276

المنطوقين و عدم كون كل واحد منهما اظهر من الآخر و عدم واحد من المرجحات التساقط.

اما في باب تعارض المنطوق و المفهوم يقدم المنطوق و يقيد به اطلاق المفهوم حملا للظاهر على الاظهر.

و لكن يمكن ان يقال: ان قاعدة تقييد المطلق بالمقيد و تخصيص العام بالخاص تجرى في الدلالات اللفظية و في منطوق الالفاظ فيكون الخاص و المقيد دليلًا على كون العام او المطلق مستعملا في العام ضرباً للقانون و اعطاءً للقاعدة‌

و بعبارة اخرى: مفهومهما مراد للمتكلم بالارادة الاستعمالية لا بالارادة الجدية فيجمع بين العام و الخاص بأن العام الوارد عليه الخاص يكون عمومه مراداً للمتكلم بالارادة الاستعمالية فيخصص بالخاص المراد بالارادة الجدية و أما في المفهوم الذى ليس من الدلالات اللفظية فتقسيم الدلالة فيه بالاستعمالية و الجدية لا محل له لانه كما عرفوه ما يستفاد من الكلام لا في محل النطق بخلاف المنطوق فانه ما يدل عليه اللفظ في محل النطق و يصح ان يقال بأنه قال كذا بخلاف المفهوم فلا يقال انه قال كذا و يصح له ان يقول: ما قلت كذا مثلا في قوله تعالى (و لا تقل لهما اف) يدل بالمفهوم على النهى من ضربهما و لكن لا يصح ان يقال قال الله تعالى: لا تضربهما و في مثل رجل شك بين الثلاث و الاربع يصح ان يقال: قال: رجل شك كذا و مفهومه المساوى و ان كان مساواة المرأة للرجل في هذا الحكم و لكن لا يقال قال امرأة شكت كذا.

و على هذا اذا كان المفهوم عاماً مثل مفهوم اذا خفى الاذان فقصر لا يمكن تخصيصه بمنطوق غيره او مفهوم آخر فتد برّ فانه جدير بذلك و لذا لا بدّ من رفع اليد بالمرة من مفهوم كل منهما بمنطوق الآخر و تكون النتيجة وجوب القصر بخفاء كل‌

277

واحد من الاذان و الجدران سواء قلنا بان ما هو الموضوع لهذا الحكم القدر الجامع بينهما من بعد خاص من الوطن يكون كل واحد منهما من مصاديقه او قلنا بانهما و ان كانا كالمتباينين كل واحد منهما موضوع مستقل لهذا الحكم.

و لا يقال: ان وزان الموضوع و الحكم وزان العلة و المعلول فكيف يكون لعلتين مستقلتين متباينتين معلول واحد.

فانه يقال: هذا في عالم العين و الخارج اما في عالم الاعتبار لا بأس به فيجوز فيه ما لا يجوز فيه.

لا يقال: انه لا فرق في النتيجة بين ان نقول بسقوط المفهوم في القضيتين او قلنا بتخصيص المفهوم فيهما بمنطوق الآخر‌

فانه يقال: نعم لعل ذلك لا ينتهى الى الاختلاف في النتيجة عملا الا انه علمياً يختلف مفادهما فانه اذا قلنا بتخصيص المفهوم كما ذكر يبقى دلالة القضيتين في نفي الثالث على حالها دون ما اذا قلنا بسقوط المفهوم و بعد ذلك كله نقول: ان ما ذكر يكون على مسلك المتأخرين في المفهوم و مبنى على كون النزاع في المفهوم صغروياً و على ظهور القضية في كون الشرط علة منحصرة للجزاء.

اما على قول القدماء و ما حققه سيدنا الاستاذ الاعظم رفع الله درجاته فالنزاع فيه يكون كبروياً اى في حجية المفهوم دون وجوده فالمتأخرون يكونون في‌

مقام اثبات المفهوم لمثل القضية الشرطية و غيرها و اما لو ثبت المفهوم فلا حاجة الى البحث في حجيته لانها امر مفروغ عنه و اما سيدنا الاستاذ (قدس سره) يقول: ان المفهوم لتلك القضايا المذكورة في كلامهم ثابت لا مجال لإنكاره انما الكلام في ان هذا المفهوم الذي لا يستفاد من الدلالات اللفظية الثلاثة هل هو حجة ام لا، و الذي يتحقق به المفهوم هو فعل المتكلم و اتيانه بقيد زائد في كلامه فلو لم يكن لم مفهوم‌

278

ما كان لاغياً و لم يكن فعله لغواً و المتكلم الحكيم لا يأتي بالفعل اللغو و القيد الزائد الذي لا فائدة له في كلامه فلا بد و ان يكون ذلك لغرض و فائدة و لا ريب في ان اتيانه بالقيد لما هو الموضوع للحكم يدل على ان للقيد دخل في موضوعية المقيد في الحكم و ان المقيد بنفسه ليس موضوعاً للحكم مثلا قولنا ان جاءك زيد فاكرمه يفهم ان زيداً بدون لحاظ شي‌ء معه ليس موضوعاً للحكم فهو جزء الموضوع لا كل الموضوع و الا يكون الاتيان بالقيد لغواً و هذا هو المفهوم الذي وقع البحث في حجيته بين الاصوليين الاقدمين.

و بناء على هذا نقول: ان في مثل قوله (عليه السلام) «لا يكتحل الرجل و المرأة المحرمان بالكحل الاسود» المفهوم عدم كون الكحل باطلاقه موضوعاً للحرمة و الا يلزم ان يكون قيده بالاسود لغواً و كذا النهى عن الاكتحال للزينة و هو ايضاً يدل على عدم كون الكحل تمام الموضوع للحكم بل اذا كان مشتملا على امر آخر و على هذا لا تعارض بين مفهوم قوله لا تكتحل بالكحل الاسود و مفهوم قوله لا تكتحل بما هو زينة فان مفهوم كل منهما متحد مع مفهوم الآخر و هو ان الكحل باطلاقه ليس موضوعاً للحرمة فيرتفع الاشكال من اصله و الله هو الهادي الى الصواب.

هذا كله في الاكتحال بالسواد و بما هو زينة و امّا الاكتحال بما فيه الطيب‌

فيدل عليه ما يدل بالاطلاق على حرمة الطيب على المحرم (1) و الروايات الخاصة مثل صحيح معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «المحرم لا يكتحل الا من وجع و قال: لا بأس بأن تكتحل و انت محرم بما لم يكن فيه طيب يوجد ريحه فامّا للزينة فلا» (2).

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 18 من ابواب تروك الاحرام.

(2) وسائل الشيعة: ب 33 من ابواب تروك الاحرام ح 8.

279

و خبر ابان عمن اخبره عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «اذا اشتكى المحرم عينيه فليكتحل بكحل ليس فيه مسك و لا طيب» (1).

و ما رواه الصدوق عن ابي بصير عن ابي عبد الله (عليه السلام) قال: «لا بأس للمحرم ان يكتحل بكحل ليس فيه مسك و لا كافور اذا اشتكى عينيه و تكتحل المرأة المحرمة بالكحل كله الا كحل اسود للزينة» (2).

و يقيد بظاهره ما يدل بالاطلاق على حرمة الاكتحال بالطيب على الرجل و المرأة و لكنهم قالوا بان سند الصدوق الى ابي بصير ضعيف بعلى بن ابى حمزة فعلى هذا مقتضى اطلاق غيره حرمته عليها.

اللهم الّا ان يقال: انه لا يستفاد من قوله (عليه السلام) (المحرم) كون المراد منه جنس المحرم رجلا كان او امرأة و ليس المقام مما يلغى فيه خصوصية الذكورية و كيف كان فمقتضى الاحتياط لها ايضاً الاجتناب عن الاكتحال بالطيب و الله هو العالم.

هذا و قد بقي الكلام في كفارة اكتحال المحرم و الظاهر عدم وجوبها لعدم ما‌

يدلّ عليه نعم قد روى عبد الله بن جعفر الحميرى في قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن العلوى عن جده على بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: «لكل شي‌ء جرحت (خرجت في هامش الكتاب) من حجّك فعليك فيه دم تهريقه حيث شئت» (3) فيستدل بعمومه على وجوب الكفارة دم يهريقه.

و اورد على الاستدلال به بعض المعاصرين اولا بضعف السند لان عبد الله بن‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 33 من ابواب تروك الاحرام ح 9.

(2)- وسائل الشيعة: ب 33 من ابواب تروك الاحرام ح 13 و من لا يحضره الفقيه: 2/ 347 ح 2647.

(3)- قرب الاسناد باب الحج و العمرة/ 237 ح 928.

280

جعفر و ان كان من الشرفاء نسباً لم يوثق في كتب الرجال و ثانياً باختلاف النسخة لان في بعضها (خرجت) مكان (جرحت) قال: (و المعني اذا خرجت من حجك و اكملت الاعمال و كان عليك دم يجوز لك ان تذبحه و تهريقه في اى مكان شئت و لا يجب عليك ان تذبحه في مكّة او منى و سيأتي ان شاء الله ان كفارة الصيد تذبح في مكة او منى و امّا بقية الكفارات فيذبحها اين شاء فالرواية ناظرة الى مكان ذبح الكفارة بل الرواية ناظرة الى هذا المعنى حتى على نسخة (جرحت) (بالجيم) فيكون المعنى انه اذا جرحت بشي‌ء فيه دم، تهريقه في اى مكان شئت و قوله (فيه دم) تتمة الجملة الاولى و هي قوله لكل شي‌ء جرحت) (1).

اقول: امّا الخدشة في السند فليس في محله لان الراوي عن عبد الله ابن الحسن هو الشيخ الجليل ابو العباس عبد الله بن جعفر الحميرى القمي الفقيه الثقة الوجه في اصحابنا القميين له كتب كثيرة يدل على سعة علمه و علو مقامه و ان النجاشي ذكر انّه لمّا قدم الكوفة سمع منه اهلها و اكثروا و مثله لا يروي هذه الاحاديث الكثيرة ممن لا يعرف حاله و لا يعتمد على حديثه.

مضافاً الى انه قد تكرر منّا ان الظاهر ان عبد الله بن الحسن روى لعبد الله بن جعفر كتاب جدّه المعلوم المعروف بل الموجود عند مثله كما يدلّ عليه سياق الروايات المخرجة عن على بن جعفر و هو انّما لم يروها بلا واسطة و بالوجادة عن كتاب على بن جعفر لان المتعارف بين المحدثين رواية الكتب بالاسناد و العارف يفهم ان ما في قرب الاسناد هو ما في كتاب على بن جعفر.

اذا فلا يجوز الخدشة في مثل هذه الاسانيد بضعف بعضها و لا ينبغي للفقهاء‌

____________

(1)- المعتمد: 4/ 127.

281

المتبحرين العارفين باوضاع الروايات تضعيف الاحاديث بمجرد كون بعض الوسائط بين ارباب الكتب الموجودة عندنا و بين الجوامع و الاصول الاولية التي كانت موجودة عندهم ضعيفاً لعدم الاعتناء بمثل هذا الضعف بل يمكن ذلك في رواية مثل على ابى حمزة البطائنى عن كتاب ابي بصير اذا كان الراوى عنه مثل ابن ابى عمير و امّا الكلام في لفظ الحديث و دلالته.

و أما الكلام في لفظ الحديث و دلالته فالظاهر ان لفظة: (جرحت) بالجيم اما معناه: ان لكل شي‌ء افسدت به حجك و ارتكبته مما يوجب الجرح و الشق من حجك و يوجب عليك الدم تهريقه حيث شئت فلا يستفاد بذلك منه وجوب الدم لكل ما اجترح.

او ان معناه بقرينة الفاء لكل شي‌ء جرحت من حجك يجب عليك الدم و تهريقه حيث شئت فيكون الحديث بهذا الاستظهار متكفلا لبيان حكمين: احدهما ان لكل ما ارتكبه من المحرمات مما يوجب شقا في الحج الدم. و ثانيهما جواز اهراقه في كل مكان بخلاف الاول فانه اريد منه انه يجوز اهراق دم ما فيه الدم في اى مكان و الاظهر هو الثاني.

و أما اذا كان الحديث بلفظ (خرجت) بالخاء المعجمة فكان المعنى: اذا خرجت من حجك و اكملت الاعمال و كان عليك دم يجوز لك اهراقه في اى مكان‌

فهو خلاف الظاهر و التعبير عن هذا المعنى باللفظ المذكور خلاف اسلوب المحاورة. مضافاً الى انه لا دخل للخروج من الحج و اكمال الاعمال في ذلك.

فالاصح الاظهر في لفظ الحديث (جرحت) بالجيم لا بالخاء كما ان الظاهر من المعنيين المذكورين المعنى الثاني.

و يمكن ان يقال: بتقديم المعنى الاول و كون (فعليك فيه دم) قيداً لقوله (لكل‌

282

شي‌ء جرحت من حجك) بان كونه كالخبر لقوله (لكل شي‌ء) مستلزم لورود التخصيص على العام المستفاد منه، لعدم الكفارة في بعض المحظورات و كون كفارة بعضها غير الدم بخلاف ما اذا كان قيداً فانّه لا نحتاج فيه الى تخصيص عموم لكلّ شي‌ء.

و بعد ذلك كله يمكن ان يقال: بعدم الكفارة عملا بالاصل و ان كان مقتضى الاحتياط الكفارة. بل يمكن التفصيل فيقال: بالحاق خصوص الاكتحال بما فيه طيب يوجد ريحه بالطيب في الحكم دون غيره و الله هو العالم باحكامه.

[من محرمات الإحرام التظليل]

حرمة التضليل على المحرم سائراً

قال في الجواهر: (تظليل) الرجل (المحرم سائراً) بان يجلس في محمل او قبة او كنيسة او عمارية مظللة او نحوذ لك على المشهور نقلا في الدروس و غيرها و تحصيلا بل عن الانتصار و الخلاف و المنتهى و التذكرة الاجماع عليه بل لعله كذلك اذ لم يحك الخلاف فيه الا عن الاسكافى ان عبارته ليست بتلك الصراحة (1).

اقول: المستند في المسألة اثباتاً او نفيا ليس الا الروايات و عليه نقول: امّا‌

الروايات الدالة على الحرمة فكثيرة جداً.

منها صحيح هشام بن سالم قال: «سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يركب في الكنيسة، فقال: لا، هو للنساء جائز» (2).

و صحيح ابن مسلم عن احدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن المحرم يركب‌

____________

(1)- جواهر الكلام: 18/ 394.

(2) وسائل الشيعة: ب 64 من ابواب تروك الاحرام ح 4.

283

القبة، فقال: لا، قلت: فالمرأة المحرمة، قال: نعم» (1)

و صحيح سعد بن سعد الاشعرى عن ابى الحسن الرضا (عليه السلام): «سألته عن المحرم يظلل على نفسه؟ قال: أ من علة؟ فقلت: يؤذيه حرّ الشمس و هو محرم قال: هى علة يظلل و يفدى» (2)

و موثق اسحاق بن عمار عن ابى الحسن (عليه السلام) قال: «سألته عن المحرم يظل عليه و هو محرم؟ قال: لا الا مريض او من به علة و الذى لا يطيق الشمس» (3).

و صحيح عبد الله بن المغيرة قال: «قلت لابى الحسن الاول (عليه السلام) اظل و أنا محرم؟ قال: لا، قلت أ فأظلل و أكفر؟ قال: لا، قلت: فان مرضت؟ قال: ظلل و كفر ثمّ قال: اما علمت ان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) قال: ما من حاج يضحى ملبياً حتى تغيب الشمس الا غابت ذنوبه معها» (4).

و يمكن الخدشة في دلالته على الحرمة بملاحظة ذيله الدال على الترغيب و بيان‌

الثواب.

و مثله صحيحه الآخر قال: «سألت ابا الحسن (عليه السلام) عن الظلال للمحرم فقال: اضح لمن احرمت له فقلت: إنّى محرور و ان الحر يشتد على فقال: اما علمت ان الشمس تغرب بذنوب المجرمين» (5) و غير ذلك من الروايات التى ان امكن الخدشة في بعضها سنداً او دلالة لا تمكن في غيرها مما هو صريح في الحرمة.

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 64 من ابواب تروك الاحرام ح 1.

(2)- وسائل الشيعة: ب 4 من ابواب بقية كفارات الاحرام ح 4.

(3)- وسائل الشيعة: ب 64 من ابواب تروك الاحرام ح 7.

(4)- وسائل الشيعة: ب 64 من ابواب تروك الاحرام ح 3.

(5)- وسائل الشيعة: ب 64 من ابواب تروك الاحرام ح 11.

284

و لكن في قبالها الاصل المقطوع و الروايات التى يمكن الاستشهاد بها لما حكى عن الاسكافى و ذلك مثل صحيح الحلبى الذي رواه عنه ابن مسكان قال: «سألت ابا عبد الله (عليه السلام): عن المحرم يركب في القبة؟ فقال: ما يعجبنى ذلك الا ان يكون مريضاً» (1) و لو كنا و هذا لا نقول به الا بالكراهة.

و صحيح على بن جعفر الذى رواه عنه موسى بن القاسم قال: «سألت أخي (عليه السلام) اظلل و انا محرم فقال: نعم و عليك الكفارة قال: فرأيت عليّاً اذا قدم مكة ينحر بدنة لكفارة الظل» (2) و الظاهر من الرواية ان السؤال كان من حكم التظليل بدون العلة و الا فمثل على بن جعفر كان عالماً بجواز التظليل بالعلة نعم ان قيل بدلالته بالاطلاق لترك الاستفصال يمكن ان يقال بأنه مقيد بغيره من الروايات.

و صحيح جميل بن درّاج عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا بأس بالظلال للنساء و قد رخص فيه للرجال» (3)

و ردّ بدلالة (قد) فيه على التقليل و لكنه خلاف الظاهر فانها تدل على التقليل اذا وردت على المضارع لا على الماضى او المجرد من الزمان كقوله تعالى: (قد علم الله).

هذا و في الجواهر ردّ الاستشهاد بصحيح الحلبي بانه غير صريح في الجواز و صحيح على بن جعفر بانه يحتمل الضرورة و افاد بأن هذا اى احتمال الضرورة في صحيح جميل أظهر بقرينة لفظ الرخصة (4).

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 64 من ابواب تروك الاحرام ح 5

(2) وسائل الشيعة: ب 64 من ابواب بقية كفارات الاحرام ح 2.

(3)- وسائل الشيعة: ب 64 من ابواب تروك الاحرام ح 10.

(4)- جواهر الكلام: 18/ 394.

285

أقول: يمكن ان يقال: ان غاية ما يقال في صحيح الحلبي انّه لا يدلّ على الحرمة اما دلالته على الجواز فغير ظاهر و امّا صحيح على بن جعفر فيمكن ان يكون المراد منه السؤال عن التظليل بالعلل العرفية التي لا تصل الى حدّ الضرورة و اللابدية.

و أما صحيح جميل و ان لم نقل فيه بدلالة (قد) على التقليل الا انه ليس ظاهراً في انه مرخص فيه للرجال مطلقاً بل يدل على ذلك في الجملة و على نحو الموجبة الجزئية و لو لم يكن ما ذكر في هذه الروايات وجهاً لعدم دلالتها على الجواز المطلق فالوجه في الجواب عنها هو حملها على التقية لموافقة القول بالجواز للعامة.

قال في الفقه على المذاهب الاربعة: (و يجوز له ايضاً ان يستظلّ بالشجرة و الخيمة و البيت و المحمل، و المظلة المعروفة بالشمسية بشرط ان لا يمس شي‌ء من ذلك رأسه و وجهه فان كشفهما واجب باتفاق المالكية و الحنفية امّا الشافعية و الحنابلة فانظر مذهبهما تحت الخط) (1) و ما ذكره تحت الخط لا يرجع الى مخالفتهما في جواز‌

الاستظلال‌

و الشاهد على ان الرواية الدالة على الجواز لو تمت دلالتها محمولة على التقية الروايات الحاكية عن سؤال ابى يوسف عن مولانا ابى الحسن موسى بن جعفر (عليهما السلام) كالمنكر له القول بالحرمة ففي بعضها انّه قال: «يا ابا الحسن جعلت فداك- المحرم يظلل؟ قال: لا قال: فيستظلّ بالجدار و المحمل و يدخل البيت و الخباء (و في بعضها فيستظل بالخباء) فقال: نعم قال: فضحك ابو يوسف شبه المستهزئ فقال له ابو الحسن (عليه السلام) يا ابا يوسف ان الدين ليس بالقياس كقياسك و قياس اصحابك ان الله‌

____________

(1)- الفقه على المذاهب الاربعة: 1/ 651.

286

عزّ و جل امر في كتابه بالطلاق و اكد فيه شاهدين و لم يرض بهما الا عدلين و امر في كتابه بالتزويج و اهمله بلا شهود فاتيتم بشاهدين فيما ابطل اليه و ابطلتم شاهدين فيما اكد الله عزّ و جلّ و اجزتم طلاق المجنون و السكران. حج رسول الله صلى عليه و آله و سلم فاحرم و لم يظلّل و دخل البيت و الخباء و استظل بالمحمل و الجدار فقلنا (فعلنا) كما فعل رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) فسكت» (1).

اذاً فلا ريب في ان الاعتماد على الروايات المستفيضة الدالة على تحريم الاستظلال.

الا انه يقع الكلام هنا في امور:

الاول: قد سمعت من الروايات ان التظليل مرخص فيه في الجملة

لعذر ما من مرض او حر أو برد فهل هو مختص بما اذا صار بهذه العلل مضطراً الى التظليل و كان‌

العذر بحيث لا يتحمل عادة او عرفاً مثله او هو اعم من ذلك فيكفي مطلق الاذية من الحر او البرد و ان لم تصل الى الحد المذكور.

و بعبارة اخرى: يلزم ان يكون العذر على حدّ يسقط معه التكليف و الظاهر من الجواهر اختيار سقوط حرمته اذا كان فيه الضرر العظيم الذي يسقط معه التكليف (2).

و لكن الظاهر من الروايات انه مرخص فيه و لو لم يصل العذر الى هذا الحد‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 66 من ابواب تروك الاحرام ح 2 و عيون اخبار الرضا (عليه السلام) و قرب الاسناد في بعضها ان السائل كان محمد بن الحسن الشيبانى و هو ابو يوسف كانا من تلامذة ابى حنيفة و في بعضها ان السؤال و الجواب وقع عند المهدى العباسى و في بعضها انهما وقعا عند هارون و الظاهر وقوعهما عندهما.

(2) جواهر الكلام: 18/ 398.

287

نعم الاذية المتعارفة التي هي موجودة في ترك التظليل للجميع و تقتضيها طبع الموضوع او ما هو قريب منه لا يكون مجوزاً لارتكاب التظليل فاذا كان المحرم مريضاً او ضعيفاً تؤذيه الشمس و تؤثر فيه اكثر مما تؤثر في سائر الافراد يجوز له التظليل و ان لم يصل ما به الى حدّ الاضطرار الى ارتكاب الحرام و بذلك يجمع بين الروايات فتدبر.

الثاني: الظاهر انه لا وجه يعتد به للقول باختصاص حرمة التظليل على الراكب دون الماشي و الراجل

الا ما ورد في بعض الروايات من السؤال عن راكب القبة و الكنيسة فان مفاده حرمته على راكب خصوص القبة و الكنيسة أو مطلق الراكب لكن لا يدل على اختصاصها بالراكب و مقتضى الروايات المطلقة حرمة التظليل على الراكب و الماشى و لا وجه لرفع اليد عن اطلاقها سيما بعد كون المشاة كثيرين و لو كانت الحرمة مختصة بالراكبين كان بيان ذلك جديراً بالذكر جداً.

و في الجواهر: (نعم في صحيح ابن بزيع (1) كتب الى الرضا (عليه السلام): «هل يجوز للمحرم ان يمشي تحت ظل المحمل؟ فكتب نعم» و في خبر الاحتجاج يجوز له المشي تحت الظلال (2) الا انه يمكن دعوى انسباقه الى ارادة المشي في ظله لا الكون تحت الحِمل و المحمل) (3).

و في تقريرات بعض الاجلة تجويز التظليل بظل المحمل للماشي بالخصوص دون غيره حفظاً للاطلاقات في غير ظل المحمل فرد عطف غيره به كما فعل الشهيد الثاني بقوله (و نحوه) و قال: هذا مما نلتزم به للتعبد بالنصّ و لا يدلّ على جواز‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 67 من ابواب تروك الاحرام ح 6.

(2)- وسائل الشيعة: ب 67 من ابواب تروك الاحرام ح 1.

(3)- جواهر الكلام: 18/ 403.

288

الاستظلال مطلقاً و لو بظل غير المحمل و الاحكام تعبديّة و ملاكاتها مجهولة عندنا فيجب الاقتصار على مورد النصّ (الى ان قال) فمقتضى اطلاق النصوص عدم جواز الاستظلال للراجل مطلقاً بمظلة و نحوها الا الاستظلال بظل المحمل حال السير و امّا رواية الاحتجاج الدالة على جواز الاستظلال للماشي مطلقاً و لو بظلّ غير المحمل فضعيفة للارسال (1).

أقول: يمكن ان يقال: بالفرق بين ما يستظل به حسب العادة او يتخذه لان يستظل به كالشمْسِية و ما يستر به حر الشمس و بين المحمل الذي لم يتخذ للاستظلال به فنقول: بالحرمة في الاولى للاطلاقات و بالثاني بصحيح ابن بزيع سواء كان المحمل او الحمل او ما يشابهه لان الانصاف ان ما ذكره في مثل المورد لا يكفي لاختصاص الحكم به و عدم اجراء مفهوم المساواة و اما رواية الاحتجاج فمع قطع النظر عن ضعف السند يمكن ان يقال فيه ايضاً بعدم دلالته على المشي تحت كل الظلال و ان كان مجعولا للاستظلال بل المراد من قول الشيباني (أ فيجوز ان يمشي تحت الظلال مختاراً) و قول الامام (عليه السلام): «ان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) كشف ظلاله في احرامه و مشى تحت الظلال و هو محرم»‌

المشي تحت ظلال المحامل و الظلال الواقعة في الطريق كالاشجار و نحوها و الله هو العالم.

الثالث: قال في الخلاف: (للمحرم ان يستظل بثوب ينصبه ما لم يكن فوق رأسه بلا خلاف)

(2) و عن المنتهى نسبة الجواز الى جميع اهل العلم (3)، و عن ابن زهرة: يحرم عليه ان يستظل و هو سائر بحيث يكون الظلال فوق رأسه (4).

____________

(1) المعتمد: 4/ 236 و 237.

(2)- الخلاف: 2/ 318.

(3)- منتهى المطلب الطبعة الحجرية/ 792.

(4)- غنية النزوع: 159.

289

و الوجه لذلك الاصل و صحيح ابن سنان قال: سمعت ابا عبد الله (عليه السلام) يقول لابى و شكى اليه حرّ الشمس و هو محرم و هو يتأذى به فقال: ترى ان استتر بطرف ثوبى؟ فقال: لا بأس بذلك ما لم يصبك (لم يصب) رأسك. (1)

وجه الاستدلال به انه و ان كان السؤال عما اذا تأذى به و لكن الجواب عام يشمل صورة الضرورة و غيرها لان قوله: (بذلك) راجع الى الاستتار بطرف الثوب و خصوصية المورد لا تخصص الوارد و كان الجواهر صوب ذلك الاستدلال و لذا قال: (فيه انه يعارضه عموم نحو قول الصادق (عليه السلام) في خبر المعلى (2) «لا يستتر المحرم من الشمس بثوب. و لا بأس ان يستر ببعض» (3) و خبر اسماعيل بن عبد الخالق (4)

و محمد بن الفضيل (5) السابقان بل و خبر عبد الله بن المغيرة (6) المتقدم ضرورة انه لو كان الاستتار بما لا يكون فوق الرأس جائراً لبينه له و خلوّ اخبار التكفير (7) مع التظليل للضرورة عمّا لا يكون فوق الرأس اذ لو كان جائزاً اختياراً وجب الاقتصار عليه اذا اندفعت به الضرورة، و لعل المتجه حمل ذلك كله على الكراهة كما يومئ اليه خبر قاسم الصيقل قال: «ما رأيت احداً كان اشد تشديداً في الظل من‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 67 من ابواب تروك الاحرام ح 4.

(2)- من الخامسة مدحه الشيخ في كتاب الغيبة.

(3)- وسائل الشيعة: ب 67 من ابواب تروك الاحرام ح 2.

(4)- وسائل الشيعة: ب 64 من ابواب تروك الاحرام ح 9 و فيه: «هل يستتر المحرم من الشمس؟ فقال: لا الّا ان يكون شيخاً كبيراً او قال: ذاعلة.

(5)- وسائل الشيعة: ب 66 من ابواب تروك الاحرام ح 2.

(6)- وسائل الشيعة: ب 64 من ابواب تروك الاحرام ح 11.

(7)- وسائل الشيعة: ب 6 من ابواب بقية كفارات الاحرام.

290

ابى جعفر (عليه السلام) كان يأمر بقلع القبة و الحاجبين اذا احرم» (1) فان التشديد ظاهر في الزيادة على الواجب، و هذا و ان كان من الراوي الّا انه ظاهر في معلومية الحكم عندهم سابقاً و هو شاهد على صحة الاجماع المزبور الذي يقيد به المطلقات المذكورة و اخبار التكفير انما جاءت لبيان ثبوت الكفارة في المحرم من التظليل للمختار اذا اقتضته الضرورة و هو ما فوق الرأس بل قد يشهد لما ذكرناه ما في خبر سعيد الاعرج سأل الصادق (عليه السلام) (عن المحرم يستتر من الشمس بعود و بيده؟ قال: «لا الا من علة») (2) لما عرفت من جواز الاستتار باليد الذي فعله رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) على وجه يقصر عن معارضته فلا بدّ من حمله على ضرب من الكراهة) (3).

أقول: امّا ما افاده في الجواهر بان عموم خبر المعلى يعارض صحيح بن سنان ففيه: ان المعارضة بينهما بالعموم و الخصوص، و الصحيح خاص يخصص به عموم خبر المعلى و صحيح بن المغيرة كما يخصص به خبر ابن عبد الخالق.

و أما خبر محمد بن الفضيل (4) فيرد بضعفه‌

و أمّا خلو اخبار التكفير لتكفير عما ذكر فانه يمكن ان يكون ورودها لصورة عدم اندفاع الضرورة بما لا يكون فوق الرأس‌

و أمّا الاستشهاد لحمل الروايات على الكراهة بخبر قاسم بن صيقل فمضافاً الى ضعفه به فما استظهر هو من فعل الامام (عليه السلام) اجتهاد منه لا يعتمد عليه‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 64 من ابواب تروك الاحرام ح 12.

(2)- الوسائل، ابواب تروك الاحرام، ب 67، ح 5.

(3)- جواهر الكلام: 18/ 400 و 401.

(4)- ضعيف له كتاب.

291

و أما خبر سعيد الاعرج فالاستشهاد به ايضاً لحمل الروايات على الكراهة مخدوش بانه لم يرد فيه توثيق في كتب الرجال و من جانب آخر ردّ الاستدلال بصحيح ابن سنان لجواز الاستظلال بما لا يكون فوق الرأس بان مورده الاضطرار لا الاختيار.

و ما ذكر من ان خصوصية المورد لا تخصص الوارد معناه سلب كلية عدم كون خصوصية المورد مخصصة للوارد و لا يثبت بذلك كونها كذلك في الجملة فاللازم ملاحظة الموارد فرب مورد بخصوصيته مخصص للوارد عند العرف و رب مورد لا يكون كذلك.

و بعد ذلك كله نقول مقتضى الاطلاقات السابقة حرمة التظليل و الاستتار عن الشمس سواء كان بما يكون على رأسه او بغيره و حيث لم يثبت ما يكون حجة لتقييدها فالظاهر حرمته مطلقاً و القول به موافق للاحتياط فلا يجوز تركه مطلقاً و الله هو الهادي الى الصواب.

الرابع: [فهل المراد بالاستتار ما يكون له شأنية ذلك في الضحى و عند نزول المطر و غيرهما من الحالات و ان لم يكن هنا ضحى و مطر]

بعد البناء في الامر الثالث على حرمة التظليل و الاستتار عن الشمس مطلقاً سواء كان ما يظل به فوق رأسه او باحد جانبيه فهل المراد به ما يكون له‌

شأنية ذلك في الضحى و عند نزول المطر و غيرهما من الحالات التي يستفاد لدفع الاذية بالاستظلال و ان لم يكن هنا ضحى و مطر و ما يلجأ لدفعه بالاستظلال فيحرم على المحرم السائر في الليل او في الغيم الشديدة ما يحرم عليه في اليوم و في الضحى او ان المراد فعلية الاستظلال و وقوعه خارجاً فلا يقال للسائر في الليل اذا كان في المحمل او في السيارة انه استظل بهما.

الظاهر هو الثاني كما يدلّ عليه عدة من الروايات مثل قوله (عليه السلام) اضح لمن‌

292

احرمت له و ما ورد في ثواب الحاج الذى يضحى ملبياً.

و هل يمكن ان يقال: انه لا يتحقق الاستظلال و لا ايجاد الظل الا عند اشراق الشمس و وجود النور فلا يطلق بما لا يظل به لدفع الشمس الاستظلال اذا كان لدفع المطر او شدة الحر و ان قلنا بدلالة بعض الاخبار على حرمته على المحرم مثل الحديث الثالث و الخامس و السابع من الباب السادس من ابواب بقية كفارات الاحرام من الوسائل؟

الظاهر بدلالة نفس الروايات صدق الاستظلال على ما يدفع به الاذى سواء كان من الشمس او من المطر او غيرهما.

لا يقال: الركوب في القبة او الكنيسة يدل عليها مطلقاً.

فانه يقال: الظاهر ان السؤال عن مثل القبة ايضاً وقع لكونها مانعاً من الاضحاء و من مصاديق الاستظلال المحرم فعلى هذا اذا ركب السيارة المسقفة في الليل لا لدفع اذى و علة بل لكونها مبذولة لا بأس به و ان كانت غيرها ايضاً موجودة.

فلا يقال: ان التظليل المنهى عنه لا يختص بالاستظلال بالشمس حتى لا يكون ركوب السيارة في الليل حراماً لحرمته من جهة حرمة مطلق التستر عما يتأذى به‌

الشخص.

فانه يقال: نعم نقول بالحرمة اذا كان ركوب السيارة لدفع ما قلت اما اذا لم يكن لاجل دفع مثل المطر و البرد لا يصدق عليه الاستظلال و الاستتار و جعل الظل و الستر لرفع الاذى. و الله هو العالم.

الخامس: لا اشكال في حرمة التظليل على المحرم السائر اذا كان الظل سائراً

293

و بعبارة اخرى: كان المحرم سائراً في السائر كالمحمل و القبة و الشمسية.

انما يمكن ان يقع الكلام في السير في ظل الثابت الساكن كإظلال الاشجار و الجدران و الجبال مما لا ينتقل ظله لعدم انتقاله. حكى عن بعضهم اختصاص الحرمة بما ينتقل ظله تبعاً لانتقاله و ذلك للاصل و لانه لو كان السير في الظل الثابت ايضاً محرماً مع كثرة الابتلاء به حال السير و المرور بالاشجار و البيوت كان واضحاً ظاهراً و واقعاً مورد السؤال و الظاهر من الادلة هو جعل المحرم لنفسه ما يمنع من الحر و البرد فيه دون ما هو موجود بنفسه في الطريق.

و بالجملة القول بانصراف الادلة الناهية عن التظليل عن الظل الثابت و عدم شمولها له قريب فلم يقل احد بأنه اذا كان على جانبى الطريق الاشجار او الجدران يجب على المحرم اتخاذ طريق آخر هذا.

و لكن يمكن ان يقال: ان في مثل المقام ايضاً الامر يدور مدار صدق الاستظلال و عدمه فاذا عدل من احد جانبى الطريق الذى لا ظل فيه الى جانبه الآخر الذي فيه ظل الجدار و الاشجار فراراً من حر الشمس او البرد يصدق عليه الاستظلال دون ما اذا سار فيه لا بقصد دفع الحر و البرد.

لا يقال: فليقال مثل ذلك في جعل ما له الظل على نفسه عند اشراق الشمس اذا لم يكن دفع حره مرغوباً فيه. فمن ركب في المحمل او السيارة المسقفة في اليوم‌

الذي الاضحاء فيه مطلوباً مرغوباً فيه لا يطلب بركوبه الاستظلال من الشمس لا باس به.

فانه يقال: لعلهم لم يتعرضوا لذلك الفرع في كلماتهم و لكن يمكن ان يقال: بعدم شمول ما يدل على التحريم لذلك لان الحصول و الحضور تحت الظل ليس استظلالًا‌

294

الا اذا كان الظلّ مطلوباً ....

لا يقال: يشمل هذا اطلاق ما دل على حرمة الركوب في الكنيسة و القبة‌

فانه يقال: هذا يتم لو قلنا بحرمة الركوب في القبة و نحوها على الموضوعية دون ما اذا كانت على الطريقية لكونهما ممّا يستظل بهما بل و لو كان الحكم على الموضوعية يجب الاقتصار على مورده فيصير محرماً خاصاً غير الاستظلال لا يرد به ما قلناه.

و كيف كان فالاحتياط في الظل الثابت ان لا يتخذه استظلالا و دفعاً لحر الشمس او البرد و الله هو العالم.

[السادس:] «جواز التظليل بالاعضاء»

السادس: قد اشرنا في طىّ ما تقدم منا في هذا المبحث (مبحث التظليل) الى جواز التظليل بالاعضاء كاليد و الذراع و يدل عليه رواية المعلى بن خنيس المتقدمة (1) و صحيح معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا بأس بأن يضع المحرم ذراعه على وجهه من حر الشمس و قال: و لا بأس ان يستر بعض جسده ببعض» (2)

و في رواية محمد بن الفضيل «كان رسول الله (صلى الله عليه و آله و سلم) يركب راحلته فلا يستظل عليها و تؤذيه الشمس فيستر بعض جسده ببعض و ربما يستر وجهه بيده» (3)

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 67 من ابواب تروك الاحرام ح 2.

(2)- وسائل الشيعة: ب 67 من ابواب تروك الاحرام ح 3.

(3)- وسائل الشيعة: ب 66 من ابواب تروك الاحرام ح 1.

295

و ما رواه الفقيه باسناده عن سعيد الاعرج «انه سأل ابا عبد الله (عليه السلام) عن المحرم يستر من الشمس بعود و بيده قال: لا الا من علة» (1) فيحمل على الكراهة لصراحة ما دل على الجواز دونه لجواز كون المراد منه مجرد المرجوحية و الحرمان من الفضل و الثواب الكثير.

و هل يجوز ذلك بيد غيره بدعوى انصراف ما يدل على حرمة الاستظلال بما يتعارف الاستظلال به من ثوب او شمسية او كنيسة و نحوها او يقال بعدم الانصراف حتى اذا كان ذلك بيد نفسه و لذا ورد التعرض له في الاخبار اذاً فالاقتصار في الحكم بالجواز على يده دون غيره هو الاحوط لو لم نقل بكونه اقوى و اظهر و الله هو العالم.

السابع: الظاهر انه لا كلام بين الاصحاب في ان المحرم اذا نزل مكة المكرمة او انشاء احرام الحج منها يجوز له ما دام هو في المنزل

و لم ينشأ السير و الذهاب الى منى و كذا في المنازل التى ينزل فيها بين مكة المكرمة و المدينة المنورة الاستظلال بالبيوت و الجدر ان و الاشجار و هذا هو الفارق بين المحرم السائر و بين النازل في المنزل و بهذا الفرق كان المخالفون الذين لا يقولون بحرمة الاستظلال يؤاخذون على ائمة الدين و اعدال القرآن الكريم (صلوات اللّٰه عليهم أجمعين) و كان الرّد عليهم‌

منهم (عليهم السلام) ان الدين ليس بالقياس و لا يقاس.

و هل الجواز مختص بالظل الثابت او يعمّه و السائر فيجوز الاستظلال في المنزل بنحو الشمسية يمكن ان يقال: ان ما يستفاد مما وقع بين ائمة الدين (عليهم السلام) و مثل ابى حنيفة و تلامذه جواز الاستظلال بمثل الخباء و الظل الثابت دون الظل السائر فاطلاق ادلة حرمة الاستظلال في الظل السائر على حاله.

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 67 من ابواب تروك الاحرام ح 5 و من لا يحضره الفقيه: 2/ 355 ح 2683.

296

اللهم الا ان يقال: ان المستفاد من الادلة هو الحرمة على المحرم السائر دون النازل في المنزل بل بعضها نصّ في ذلك مثل روايات القبة و الكنيسة فلا يشمل من انشاء الاحرام في الميقات او غيره بالنذر و هو بعد لم يعزم على السير و هذا ليس ببعيد فيجوز له مطلقاً الاستظلال في المنزل و ان كان الاحتياط بترك الاستظلال بالظل السائر ينبغى رعايته، و الله هو العالم.

[مسألة 37] وجوب الكفارة للتظليل

مسألة 37: الظاهر انه لا خلاف بينهم في وجوب الكفارة للتظليل في الجملة بل الظاهر عدم الفرق في لزومها بين المختار و المضطر كما حكى التصريح به عن غير واحد.

و عن كشف اللثام انه نص عليه الشيخ و الحلبيان و غيرهم (1) و لا يخفى عليك ان الاخبار جلّها او كلها وردت في المضطر الى التظليل فراجع الوسائل ابواب بقية كفارات الاحرام ب 6 من اول الباب الى آخره و ب 7، و ابواب تروك الاحرام ب 67 ليس فيها ما يدل على وجوب الكفارة اذا ارتكب التظليل عمداً‌

و الاستناد الى صحيح على بن جعفر الذى تقدم ذكره قال: «سألت أخى (عليه السلام):

اظلل و انا محرم؟ فقال: نعم و عليك الكفارة» (2) في غير محله لان مثل على بن جعفر لا يسأل الامام (عليه السلام) عن ارتكاب الحرام مطلقاً و ان لم يكن به علة.

نعم في مرسل رواه الكلينى عن محمد بن يحيى (3) عمن ذكره عن ابى على بن‌

____________

(1)- كشف اللثام: 6/ 477.

(2)- وسائل الشيعة: ب 6 من ابواب بقية كفارات.

(3)- الظاهر انه محمد بن يحيى ابو جعفر شيخ اصحابنا في زمانه ثقة من الثامنة.

297

راشد (1) «قال: سألته عن محرم ظلل في عمرته؟ قال: يجب عليه دم قال: و ان خرج الى (من) مكّة و ظلل وجب عليه ايضاً دم لعمرته و دم لحجّته» (2).

و الخبر مضافاً الى ما فيه من علّة الارسال مضمر و كيف كان يمكن ان يقال: ان وجوب الكفارة على المختار كان مفروغاً عنه و يظهر من بعض روايات الباب ان سؤالهم كان عن وجوب الفدية على المضطر و من به علّة لانّهم كانوا يرون وجوبه على المختار فسئلوهم (عليهم السلام) عن غير المختار.

فلا يقال: يمكن ان يكون وجوب الكفارة على المضطر لتدارك ما فات منه بالتظليل بل الظاهر ان المختار اولى بوجوب الكفارة عليه و كيف كان فلعلك لم تجد من قال بالتفصيل و وجوبها على المضطر دون المختار.

كفارة التظليل

نعم قد وقع الكلام فيما هو كفارة التظليل فقال المحقق: (و في التظليل سائراً شاة) (3) و قال في الجواهر: هو المشهور للمعتبرة المستفيضة الدالة على ذلك بل في‌

بعضها تفسير الفدية بها) (4) ثمّ ذكر ما رواه الشيخ بسنده الصحيح عن ابراهيم ابن ابى محمود (5) قال: «قلت للرضا (عليه السلام): المحرم يظلل على محمله و يفدى اذا كانت الشمس و المطر يضرّان به؟ قال: نعم قلت: كم الفداء قال: شاة» (6).

____________

(1)- هو من الوكلاء الممدوحين عاش سعيداً و مات شهيداً كانه من السابعة.

(2)- وسائل الشيعة: ب 7 من ابواب بقية كفارات الاحرام ح 2. و الكافى 4/ 352 ح 14.

(3)- شرائع الاسلام: 1/ 227.

(4)- جواهر الكلام: 20/ 415.

(5)- ثقة كانه من السادسة.

(6)- وسائل الشيعة: ب 6 من ابواب بقية كفارات الاحرام ح 5 رواه ايضاً عن الكافى: 4/ 351 ح 9 و التهذيب: 5/ 311 ح 1066.

298

و روى الكلينى عن العدّة عن احمد بن محمد عن ابن بزيع عن الرضا (عليه السلام) قال: سأل رجل عن الظلال للمحرم من اذى مطر او شمس و انا اسمع فامره ان يفدى شاة و يذبحها بمنى» (1) و هنا روايات تدل على وجوب الفدية بالاطلاق او بلفظ (يهريق دماً) تقيد بروايات الشاة.

بقي الكلام فيما في صحيح على بن جعفر فان فيه قال الراوى عنه: «فرأيت علياً اذا قدم مكّة ينحر بدنة لكفارة الظل» (2) و الظاهر منه كفاية نحر البدنة و مقتضى الجمع بينه و بين روايات الشاة حملهما على التخيير حملا للظاهر على الاظهر لصراحة كل منهما في كفاية الشاة و البدنة و ظهور هما في تعيين خصوص الشاة أو البدنة.

و يمكن ان يستفاد من عمل على بن جعفر و هو لا ريب في جلالة قدره افضلية البدنة.

و لكن في الجواهر قال: (فهمه و فعله ليس حجة تصلح معارضاً للنصوص المزبورة خصوصاً بعد عدم القائل به، و ان حكى عن المقنعة و جمل العلم و العمل و المراسم و النهاية و المبسوط و السرائر التعبير بدم كبعض النصوص (3)

و تبعه في رد حجية عمل على بن جعفر بعض المعاصرين (4) الا اننا لا نرضى‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 6 من ابواب بقية الكفارات الاحرام ح 6 و الظاهر انه و الحديث الثالث واحد و احتمال التعدد يأتى فيه و في الحديث السابع لاختلاف لفظهما و لكن الظاهر كون الثلاثة واحداً فراجع. و الكافى: 4/ 351 ح 5.

(2)- وسائل الشيعة: ب 6 من ابواب بقية كفارات الاحرام ح 2.

(3)- جواهر الكلام: 20/ 415.

(4)- معتمد: 4/ 246.

299

بذلك و نرى ان فهم مثله في مدلول الرواية يكفى للاستدلال بها فتوى. لو كنا و هذه الرواية نأخذ باطلاق كلام الامام (عليه السلام) و بعد ذلك كلّه فالاحتياط هو الاقتصار بالشاة.

نعم هنا ما يدل على كفاية التصدق بمد لكل يوم و هو رواية على بن ابى حمزة البطائنى عن ابى بصير الذى روى عنه احمد بن محمد بن ابى نصر الثقة الجليل الذى اجمع اصحابنا على تصحيح ما يصح عنه و اقروا له بالفقه.

قال ابو بصير: «سألته عن المرأة يضرب عليها الظلال و هي محرمة؟ قال: نعم، قلت: فالرجل يضرب عليه الظلال و هو محرم؟ قال: نعم، اذا كانت به شقيقة و يتصدق بمدّ لكلّ يوم» (1).

قال في الوسائل و وجه الجمع هنا التخيير أو حمل المدّ على صورة العجز عن الشاة (2)، و لكن ردّه بعض الاعلام بضعفه بعلى بن ابي حمزة (3)، و قد قلنا آنفاً ما في مثل هذه التضعيفات و بعد ذلك يمكن تضعيفه بالاضمار الا انه اذا كان المضمر مثل‌

ابي بصير فلا ريب في انّه لا يسأل عن دينه الا عن الامام و الظاهر انّه الامام الصادق (عليه السلام).

و على هذا فالجزم بالحكم على تعيّن الشاة خلاف الاحتياط كما انّ الحكم بالتخيير ايضاً كذلك، فما يقتضيه الاحتياط في الدين الاقتصار بالشاة. و الله هو العالم بالاحكام.

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 6 من ابواب بقية كفارات الاحرام ح 8.

(2)- المصدر السابق.

(3)- المعتمد 4/ 246.

300

[مسألة 38] «عدم وجوب تكرار الكفارة بتكرار التظليل»

مسألة 38: مقتضى الاصل في باب الاسباب و المسببات و ان كان عدم التداخل و وجوب تكرار الكفارة بتكرار التظليل و احداثه مرّة بعد مرّة و لو في احرام واحد الا ان مقتضى ما يستفاد من روايات الباب و ما يناسب الحكم و الموضوع عدم وجوب التكرر اذا كان العذر مستمراً باقياً في مدة خاصة.

كما اذا صار مريضاً يوماً او يومين او ثلاثة او طول مدة الاحرام فاذا رفع هذا المريض ما استتر به و استظلّ به لحاجة ثمّ عاد اليه لا يجب عليه كفارتان او ازيد بتكراره ذلك، و كذا المضطر الى الركوب في الكنيسة لا يجب عليه بنزوله عنها و عوده الى ركوبها الا كفارة واحدة.

و بالجملة مثل المريض و الشيخ و الشيخة من الذين يجوز لهم التظليل لا ريب في انه يتكرر منهم ذلك و لو كان ذلك موجباً لتكرر الكفارة عليهم شاع و بان و لوقع مورد السؤال و هل الحكم كذلك و ان تعدد سبب الحاجة و الضرورة الى التظليل كما اذا اضطر الى التظليل لشدة حرّ الشمس و بعد زوالها اضطر اليه للمطر الشديد ثمّ‌

زال ذلك السبب و صار بالمرض كذلك و الظاهر كفاية كفارة واحدة لجميع ذلك.

يمكن ان يقال: باشعار بعض الروايات بعدم تكرر الكفارة بتكرار التظليل للاسباب المتعددة المتباينة مثل قوله (عليه السلام): «يظلل على نفسه و يهريق دماً ان شاء الله» (1) فانه لا يخلو من الاشعار على انه يهريق دماً على التظليل سواء تكرر‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 6 من ابواب بقية كفارات الاحرام ح 1.

301

منه ام لا.

و مثل قوله (عليه السلام): «قلت: كم الفداء قال: شاة» (1) و لم يسأله الامام (عليه السلام) عن تكرر ذلك‌

و استفادة ذلك عن مضمر ابى على راشد اوضح و اظهر قال: «سألته عن محرم ظلل في عمرته، قال: يجب عليه دم قال: و ان خرج من مكة و ظلل وجب عليه ايضاً دم لعمرته و دم لحجّته» (2) و هذا يدل على ان وجوب الكفارة حكم طبيعة التظليل في احرام واحد كيف ما وقع.

و الظاهر انه و ما رواه محمد بن عيسى (3) عن ابى على بن راشد واحد قال: «قلت له (عليه السلام) جعلت فداك انه يشتد على كشف الظلال في الاحرام لانى محرور يشتد على حر الشمس؟ فقال: ظلل و ارق دماً فقلت له: دماً او دمين؟ قال: للعمرة؟ قلت: انا نحرم بالعمرة و ندخل مكة فنحل و نحرم بالحج قال فارق دمين» (4).

[مسألة 39] حكم النظر الى المرآة في حال الاحرام

مسألة 39: قال في الجواهر: (و كذا) لا يجوز لهما في حال الاحرام (النظر في المرآة على الاشهر).

كما عن الصدوق و الشيخ و ابى الصلاح و ابنى ادريس و سعيد بل نسبه غير‌

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 6 من ابواب بقية كفارات الاحرام ح 5.

(2)- وسائل الشيعة: ب 7 من ابواب بقية كفارات الاحرام ح 2.

(3)- الوسائل بقية كفارات الاحرام ب 7 ح 1.

(4)- وسائل الشيعة: ب 7 من بقية كفارات الاحرام ح 2.

302

واحد الى الاكثر يقول الصادق (عليه السلام) في صحيح حماد: لا تنظر في المرآة و انت محرم فانه من الزينة (1) و في صحيح حريز: لا تنظر في المرآة و انت محرم لانه من الزينة (2) و في حسن معاوية: لا ينظر المحرم في المرآة لزينة فان نظر فليلب (3) و منه يستفاد استحباب التلبية بعد الاجماع على عدم الوجوب، و على كل حال فلا اشكال في الحرمة و لكن عن الجمل و العقود و الوسيلة و المهذب و الغنية انه مكروه كالمصنف في النافع بل قيل و الخلاف و لكن يحتمل ارادة الحرمة منها للاستدلال عليها بالاجماع و طريقة الاحتياط فيكون حجة اخرى للحرمة مضافاً الى النصوص المزبورة و غيرها التى لا داعي الى حمل النهى فيها على الكراهة، نعم في الذخيرة ينبغى تقييد الحكم بما اذا كان النظر للزينة جمعا بين الاخبار المطلقة و المقيدة و فيه انه لا منافاة كما سمعته في الكحل و لا بأس بما يحكى الوجه مثلا من ماء و غيره من الاجسام الصيقلية، بل لا بأس بالنظر في المرآة في غير المعتاد فعله للزينة. و الله العالم) (4).

اقول: قد اخرج في الوسائل في هذا الباب رواية اخرى عن معاوية بن عمار لم ينقلها في الجواهر و هى ما اخرجه عن الشيخ باسناده عن الحسين بن سعيد عن فضالة عن معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا تنظر المرأة المحرمة في المرآة للزينة» (5).

____________

(1)- وسائل الشيعة: ب 34 من ابواب تروك الاحرام ب 34 ح 1 عن التهذيب و فيه (فانها) راجع التهذيب: 5/ 302 ح 1029.

(2)- وسائل الشيعة: ب 34 من في ابواب تروك الاحرام ح 3.

(3)- وسائل الشيعة: ب 34 من ابواب تروك الاحرام ح 4.

(4)- جواهر الكلام: 18/ 348.

(5)- وسائل الشيعة: ب 34 من ابواب تروك الاحرام ح 2.

303

و لعل في الجواهر اكتفى بما ذكره لكونه اعما و مشتملا على حكم آخر و لكن ما تركه روى بسند صحيح و ان كان هو ايضا سنده لا يقل عن مرتبة الصحة و تعبير بعضهم بالحسن لمكان ابراهيم بن هاشم و لكن تظهر وثاقته من كثرة شيوخه و رواياته و اعتماد ابنه عليه.

و كيف كان فالذي يقتضيه النظر في الروايات هو: انّ النظر في المرآة اذا كان بحيث يرى وجهه فيها، و ان لم يقصد به الزينة و الاطلاع على ما فيه من الشين حرام على المحرم لدلالة صحيح حماد و صحيح حريز عليه بالاطلاق و لا يقيدان بروايتى معاوية لكون الدليلين مثبتين غير متعارضين بالسلب و الايجاب و عدم العلم باتحاد موضوعهما.

اللهم الا ان يقال انّ لازم الاخذ باطلاق صحيحى حريز و حمّاد لغوية التعليل المذكور في روايتى معاوية فالوجه هو تقييد روايتي حريز و حمّاد بهما.

و هل يلحق بالنظر الى المرآة للزينة النظر الى غيرها من الاجسام الشفافة الّتى تحكى الوجه كالمرآة مثل بعض الاحجار و بعض المائعات خصوصاً الماء؟

يمكن ان يقال: بالتفصيل بين ما يتخذ من ذلك للانتفاع كالمرءات فهو مرآة‌

ايضا و ان لم يكن من الزجاج و ما ليس كذلك كالماء و الاجسام و الاحجار الصيقلية فلا يحرم النظر اليه و لكن اذا كان كله للزينة فالتفصيل ايضاً مشكل و الاحتياط الاجتناب عن هذه الاجسام ايضا بقصد الزينة و من ذلك كله علم ان النظر اذا لم يكن للزينة لا يكون محرماً.

ثمّ ظاهر قوله (عليه السلام) «فان نظر فليلب» وجوب التلبية و لكن اجماعهم على عدم الوجوب قرينة على ارادة الاستحباب و الرجحان، و يمكن ان يكون ذلك وجه القول بالكراهة في اصل المسألة لان المستفاد منه تدارك ما فعل من النظر في المرآة‌

304

للزينة بالتلبية فيكون الحكم بالحرمة للاحتياط هذا و قد ظهر من ذلك كله ان النظر في المرآة اذا لم يكن للزينة أ و لم يرى نفسه فيها لا إشكال فيه.

بقي هنا امر و هو البحث عن وجوب الكفارة و عدمه اذا نظر الى المرآة فليس هنا ما يدل على الكفارة الا رواية قرب الاسناد عن عبد الله بن الحسن العلوى عن جده على بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال: «لكل شي‌ء جرحت (خرجت في هامش الكتاب) من حجك فعليك فيه دم تهريقه حيث شئت» (1)

و قد مضى الكلام فيه سنداً و دلالة و انتهى الامر الى ان لو كان لفظ الحديث (جرحت) كما لعله هو الظاهر ان الاستدلال به انما يتم اذا كان قوله «تهريقه» قيد لقوله: «دم» دون ما اذا كان قوله: «تهريقه» خبراً لقوله: «لكل شي‌ء» و لا رجحان لاحتمال الاول على الثانى.

اذاً فليس هنا ما يثبت به وجوب الكفارة و لكن الاحتياط مطلوب على كل حال و الله هو العالم.

[من محرمات الإحرام لبس الخفّين]

الكلام في لبس الخفّين

و الكلام فيه يقع في مقامات‌

الاوّل: الظاهر انّه لا خلاف بينهم في حرمة لبس الخفّين للروايات المستفيضة

مثل صحيح معاوية بن عمار عن ابى عبد الله (عليه السلام) قال: «لا تلبس و انت تريد الاحرام ثوباً تزره و لا تدرعه و لا تلبس سراويل الا ان‌

____________

(1)- قرب الاسناد: ب الحج و العمرة/ 237 ح 928.