صلاة الجمعة

- الشيخ مرتضى الحائري المزيد...
333 /
53

..........

____________

كفاية الشّكّ في الاستصحاب بالعنوان الّذي يكون موردا للأثر و لو كان معلوما بعنوان آخر.

ثانيهما: أنّ حكومة أحد الاستصحابين على الآخر لا تتوقّف على كون المستصحب في أحدهما الموضوع و في الآخر الحكم، كما هو المشهور في الألسنة، بل الملاك رفع الشكّ بواسطة أحد الاستصحابين من دون العكس.

و المقصود في المقام هو الإشارة، و تمام الكلام في الأصول. و هو الموفّق المأمول.

فرع هل يجوز للمأموم التّأخير عن الصّلاة عمدا إلى أن يدرك ركعة منها من جهة أنّه‌

____________

و يدلّ على التقدّم المذكور الصحيح الأوّل لزرارة

(1)

في باب الاستصحاب بل الثّاني

(2)

له أيضا من جهة أنّه لو بني على التّعارض لكان استصحاب عدم وقوع الصّلاة حال الطّهارة معارضا لاستصحاب الطّهارة الحدثيّة أو الخبثيّة. فتأمّل.

و أمّا توجيه البطلان كما في مصباح الفقيه

(3)

بالإيراد على الاستصحاب المذكور بعدم إثباته عنوان الدّرك و اللّحوق كما في الرّوايات. ففيه:

أوّلا: انّ الدّرك و اللّحوق إن كان من الإضافات الخارجيّة كالتّقارن و التقدّم فلا بدّ أن يكون مدركا، و إن كان من الاعتباريّات النّفس الأمريّة كالإمكان و الامتناع، فلا بدّ أن يكون مفهوما- غير ما في الخارج- مدركا في الذّهن، و ليس كذلك بالوجدان، و إن كان من الأمور المجعولة فلا إشكال في إثباته بالأصل.

و ثانيا: انّ مفاد غير واحد من الرّوايات، أنّ الملاك هو ركوع المأموم قبل أن يرفع الإمام رأسه، ففي صحيح الحلبيّ «إذا أدركت الإمام و قد ركع فكبّرت و ركعت قبل أن يرفع الإمام رأسه فقد أدركت الركعة.»

(4)

و الدّرك الّذي في الصّدر هو حضور الصّلاة في حال ركوع الإمام الّذي لا دخل له في الحكم قطعا.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 1 ص 174 ح 1 من باب 1 من أبواب نواقض الوضوء.

(2) وسائل الشيعة ج 2 ص 1006 ح 2 من باب 7 من أبواب النجاسات.

(3) ج 2 ص 435 في صلاة الجمعة.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 441 ح 2 من باب 45 من أبواب صلاة الجمعة.

54

..........

____________

ليس الواجب عليه إلّا الإتيان بصلاة الجمعة، و مقتضى ما تقدّم (1)، من أنّه: من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الجمعة، الإتيان بها أو لا؟ من جهة أنّ مقتضى ما تقدّم (2) من مصحّح ابن سنان «الجمعة لا تكون إلّا لمن أدرك الخطبتين»، و إطلاق ما دلّ على وجوب صلاة الجمعة على كلّ واحد، بضمّ ما دلّ على أنّها مركّبة من الخطبتين و الرّكعتين، فيجب على المأموم كما يجب على الإمام- لكن بالنّسبة إلى الأوّل يكون الواجب حضورها أو هو و سماعها- و إطلاق ما دلّ على تضيّق وقت صلاة الجمعة و أنّ وقتها ساعة تزول الشّمس (3)، و ظهور قوله تعالى «إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا» (4)، هو الوجوب. و ما دلّ على الاكتفاء- ممّا تقدّم- لا ينافي وجوب.

المبادرة و كون المطلوب متعدّدا، كما بالنسبة إلى وقت الصّلاة في غير الجمعة، لوضوح أنّ الحكم بأنّ «من أدرك ركعة من الوقت فقد أدرك الوقت» لا ينافي وجوب المبادرة، فيلتزم بكون المطلوب في الجمعة هو لزوم المبادرة، و على تقدير عدمها لا تفوت الجمعة فتكون مطلوبة أيضا، و حينئذ يقال: يجب على المكلّفين صلاة الجمعة الكاملة و يجب عليهم أيضا أصل صلاة الجمعة كما في الصّلاة مع الطهارة المائيّة، و كالوقوف الاختياريّ بعرفات و المشعر. وجهان:

أقواهما الثاني كما ظهر ممّا سردناه، بل الأحوط هو الحضور قبل الزّوال إن كان الإمام يخطب قبله. هذا ما خطر بالبال و لم أر التعرّض له في كلمات الأصحاب (رضوان اللّٰه عليهم).

و لكنّ الأظهر: أن يقال بعدم وجوب حضور الخطبة إذا كانت قبل الزّوال، و ذلك لدلالة صحيح عبد اللّه بن سنان [المتقدّم] (5) على أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) «كان. يخطب في الظلّ الأوّل، فيقول جبرئيل: يا محمّد قد زالت الشمس فأنزل‌

____________

(1) في ص 28 و 42.

(2) في ص 43.

(3) تقدّم في ص 14 و 15 و 18.

(4) سورة الجمعة الآية 9.

(5) في ص 15.

55

[ [الشرط] الثّاني: السّلطان العادل]

[الشرط] الثّاني: السّلطان العادل (1)

____________

فصلّ.» مع وضوح عدم وجوب السّعي إلّا بعد سماع النّداء، كما يظهر من الآية الشريفة.

إنّما الإشكال في وجوب المبادرة حين سماع النّداء كما هو ظاهر الآية الشريفة، و منشأ الإشكال ظهور دليل اشتراط الجماعة في الجمعة في شرطيّتها لها من أوّل الصّلاة إلى آخرها من جانب واحد، و دليل صحّة الجمعة لمن أدرك الرّكعة من الجمعة المنعقدة من جانب آخر.

و يمكن أن يقال: إنّ الثاني صريح في نفي الاشتراط و الأوّل ظاهر في الاشتراط المطلق فيرفع اليد عن ظهوره، و بعد رفع اليد عن ظهوره في الاشتراط المطلق لا يبقى له ظهور ثانويّ في اشتراط كمالها الوجوبيّ بذلك.

و الفرق بين المقام و بين مثل الطّهارة المائيّة في الحكم بعصيان إراقة الماء فيها دون المورد، إنّما هو ظهور موضوع عدم الوجدان في الاشتراط بالمائيّة أوّلا، و هذا غير ظهور «من أدرك»، و لا أقلّ من الشكّ في ظهوره في ذلك، مع أنّه فيها أيضا لا يخلو عن غموض إلّا أن يتمسّك في ذلك ببعض الروّايات الّتي ربما يظهر منه ذلك.

مع أنّه لا ظهور في الآية في وجوب السّعي إلى الخطبة، فإنّ إطلاق الذكر على الخطبة لا يخلو عن مسامحة، فلعلّ الأصحّ أن يكون المراد به الصّلاة، و لا دليل على وجوب سماع الخطبة لكلّ أحد إلّا ما ورد في خصوص «من لم يدرك الخطبة» الّذي لا بدّ من رفع اليد عن ظهوره كما تقدّم (1). و هو المستعان.

البحث في ذلك يتمّ بعونه تعالى و مشيئته في طيّ أمور:

الأمر الأوّل:

نقل عبارات القدماء من الأصحاب حتّى يتّضح حال المسألة‌

____________

(1) في ص 44.

56

..........

____________

بحسب آرائهم.

فنقول:

1- قال الشيخ (رحمه اللّه) في الخلاف: «من شرط انعقاد الجمعة: الإمام أو من يأمره الإمام بذلك من قاض أو أمير و نحو ذلك، و متى أقيمت بغير أمره لم تصحّ، و به قال الأوزاعيّ و أبو حنيفة. و قال محمّد: إن مرض الإمام أو سافر أو مات فقدّمت الرّعيّة من يصلّي بهم الجمعة، صحّت، لأنّه موضع ضرورة. و صلاة العيدين عندهم مثل صلاة الجمعة. و قال الشافعيّ: ليس من شرط الجمعة، الإمام و لا أمر الإمام، و متى اجتمع جماعة من غير أمر الإمام فأقاموها بغير إذنه جاز. و به قال مالك و أحمد.

دليلنا: [الف] أنّه لا خلاف أنّها تنعقد بالإمام أو بأمره. و ليس على انعقادها إذا لم يكن إمام و لا أمره دليل.

فإن قيل: أ ليس قد رويتم فيما مضى و في كتبكم أنّه يجوز لأهل القرايا و السّواد و المؤمنين إذا اجتمع العدد الّذي تنعقد بهم أن يصلّوا الجمعة؟

قلنا: ذلك مأذون، مرغّب فيه، فجرى ذلك مجرى أن ينصب الإمام من يصلّى بهم.

[ب] و أيضا عليه إجماع الفرقة فإنّهم لا يختلفون أنّ من شرط الجمعة، الإمام أو أمره.

[ج] و روى محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): قال: «تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين و لا تجب على أقلّ منهم، الإمام و قاضيه و المدّعي حقّا و المدّعى عليه و الشاهدان و الّذي يضرب الحدود بين يدي الإمام» (1).

[د] و أيضا فإنّه إجماع، فإنّ من عهد النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلى وقتنا‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 9 ح 9 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

57

..........

____________

هذا ما أقام الجمعة إلّا الخلفاء و الأمراء و من ولي الصلاة، فعلم أنّ ذلك إجماع أهل الأعصار. و لو انعقدت بالرّعيّة لصلّوها كذلك (1).

و في المبسوط- بعد تقسيمه الشرائط إلى قسمين، فجعل بعضها شرطا في الوجوب و بعضها الآخر شرطا لصحّة الانعقاد- قال: «فأمّا الشروط الرّاجعة إلى صحّة الانعقاد فأربعة: السّلطان العادل، أو من يأمره السلطان.» (2)

و قال بعد ذلك- عند ذكر الفروع المتعلّقة بالخطبة-: «و قد بيّنّا أنّ من شرط انعقاد الجمعة، الإمام أو من يأمره بذلك، و لا يجوز مع حضور الإمام العادل أن يتولّى الجمعة غيره إلّا إذا منعه من الحضور، مانع، من مرض و غيره» (3).

و قال- في أواخر البحث-: «و لا بأس أن يجمّع المؤمنون في زمان التّقيّة بحيث لا ضرر عليهم، فيصلّون جمعة بخطبتين. فإن لم يتمكّنوا من الخطبة صلّوا جماعة ظهرا أربع ركعات» (4).

و في النّهاية: «الاجتماع في صلاة الجمعة فريضة إذا حصلت شرائطه، و من شرائطه أن يكون هناك إمام عادل أو من نصبه الإمام للصّلاة بالنّاس».

و قال بعد ذلك: «و إذا حضر الإمام في بلد لا يجوز أن يصلّي بالناس غيره إلّا مع المرض المانع له من ذلك».

و قال في أواخر الباب: «و لا بأس أن يجتمع المؤمنون في زمان التّقيّة بحيث لا ضرر عليهم فيصلّوا جمعة بخطبتين» (5).

____________

(1) كتاب الخلاف ج 1 صلاة الجمعة مسألة 43.

(2) المبسوط الطبعة الثانية «في ست مجلّدات بطهران» ج 1 ص 143، كتاب صلاة الجمعة.

(3) المبسوط الطبعة الثانية «في ست مجلّدات بطهران» ج 1 ص 149، كتاب صلاة الجمعة.

(4) المبسوط الطبعة الثانية «في ست مجلّدات بطهران» ج 1 ص 151، كتاب صلاة الجمعة.

(5) كتاب النهاية كتاب الصلاة، باب الجمعة و أحكامها.

58

..........

____________

و قال في باب الأمر بالمعروف: «و يجوز لفقهاء أهل الحقّ أن يجمّعوا بالنّاس في الصّلوات كلّها و صلاة الجمعة و العيدين، و يخطبون الخطبتين، و يصلّون بهم صلاة الكسوف ما لم يخافوا في ذلك ضررا، فإن خافوا في ذلك الضّرر لم يجز لهم التّعرّض لذلك على حال».

و لا يخفى أنّ ملخّص ما ذكره- (قدّس اللّه سرّه)- في مجموع كلماته المتقدّمة أمور:

الأوّل: كون الإمام العادل المقصود به المعصوم (عليه السلام) أو من كان من قبله، شرطا في صحّة انعقاد الجمعة، كما صرّح بذلك في المبسوط، و ادّعى إجماع الفرقة على ذلك.

الثاني: انّه ثبت الإذن للمؤمنين في إقامة الجمعة و لو لم يكن منصوب بالخصوص.

الثالث: انّه لا يجوز مع حضور الإمام أن يجمّع غيره إلّا مع حصول مانع له.

و لا يخفى أنّ مقتضى الأمر الأخير- الّذي نقلناه عن المبسوط و النّهاية- أنّ الإجماع المذكور على الاشتراط ليس على نحو الإطلاق بحيث كان مقتضاه سقوط الجمعة إذا لم يكن الإمام حاضرا أو كان مريضا، فإطلاق الإجماع المدّعى على الاشتراط موهون جدّا بما يذكره- (قدّس سرّه)- بنفسه في كتابيه.

و لا يخفى أيضا أنّ مقتضى ما في الخلاف- من أنّ الإذن العامّ للمؤمنين إذا اجتمع العدد، يكون جاريا مجرى النّصب- هو الوجوب التعيينيّ، لوضوح أنّه لا بدّ للمنصوب من عقد الجمعة إذا كان العدد سبعة، كما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى.

و ليس قوله: «ذلك مأذون فيه مرغّب فيه»، و قوله: «لا بأس بأن يجمّع المؤمنون»، و قوله: «و يجوز للفقهاء أهل الحقّ»، صريحا في الجواز في مقابل الوجوب، بل لعلّ المقصود بيان عدم الحرمة تكليفا أو وضعا لكونه في مقام الحظر، كما هو الظاهر خصوصا في ما نقلناه عنه من نهايته في باب الأمر بالمعروف، فراجع و تأمّل.

59

..........

____________

فما في الجواهر من صراحة كلامه في نفي الوجوب العينيّ (1) غير واضح. و كذا قوله: «فمن الغريب دعوى بعض المتفقّهة أنّ الشيخ ممّن يقول بوجوبها عينا، مدّعيا عليه الإجماع» (2). إذ لا غرابة في ذلك على ما بيّنّاه.

نعم، الظاهر أنّ معقد إجماعه المدّعي ليس إلّا ما عقد المسألة له و هو اشتراطها بالإمام أو المأذون، لا ثبوت الإذن للعموم. و ربّما يؤيّد ذلك بما رواه في التهذيب في مقام الاستدلال لمقنعة شيخه المفيد- (قدّس سرّه)- الظاهر كلامه في الوجوب التّعيينيّ كما ربما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى.

2- و عن المفيد في مقنعته: «و اعلم أنّ الرّواية جائت عن الصّادقين (عليهما السلام): أنّ اللّه جلّ جلاله فرض على عباده من الجمعة إلى الجمعة، خمسا و ثلاثين صلاة، لم يفرض فيها الاجتماع إلّا في صلاة الجمعة خاصّة، فقال جلّ من قائل: يا أيّها الّذين آمنوا إذا نودي للصّلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر اللّه و ذروا البيع. ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون (3). ففرضها- وفّقك اللّه- الاجتماع على ما قدّمناه إلّا أنّه بشريطة حضور إمام مأمون على صفات يتقدّم الجماعة.» (4).

و عن كتاب الإشراف له أيضا، في مقام بيان شرائط الجمعة:

«و وجود أربعة نفر بما تقدّم ذكره من هذه الصّفات و وجود خامس يؤمّهم، له صفات يختصّ بها على الإيجاب 1- ظاهر الإيمان 2- و الطّهارة في المولد من السّفاح 3- و السّلامة من ثلاثة أدواء: البرص و الجذام و المعرّة بالحدود المشينة لمن أقيمت عليه في الإسلام 4- و المعرفة بفقه الصّلاة 5- و الإفصاح بالخطبة‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 152.

(2) الجواهر ج 11 ص 152.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 6 ح 9 من باب 1 من أبواب صلاة الجمعة.

(4) الحدائق ج 9 ص 378.

60

..........

____________

و القرآن 6- و إقامة فرض الصّلاة في وقتها من غير تقديم و لا تأخير عنه بحال 7- و الخطبة بما تصدق عليه من الكلام.

و إذا اجتمعت هذه الثمانية عشر خصلة، وجب الاجتماع في الظهر يوم الجمعة على ما ذكرناه، و كان فرضها على النّصف من فرض الظهر للحاضر في سائر الأيّام» (1).

و لا يخفى أنّه كاد أن يكون صريحا في عدم اعتبار وجود الإمام المعصوم أو المنصوب الخاصّ من قبله، لأنّ ذكر ما ذكر من الشرائط، بالنّسبة إلى المعصوم مستدرك، فإنّ «كلّ الصّيد في جوف الفراء»، و أمّا المنصوب بالخصوص فالمعصوم بنفسه يراعي ذلك، و لا يحتاج إلى أن يعيّن المفيد- (رحمه اللّه)- ما يجب عليه أو ينبغي له، بل لو فرض أنّ المعصوم رأى لمصالح المسلمين أن يعيّن من يكون فاقدا للشرائط المذكورة فعيّن ذلك لم يكن لأحد التّجنّب عن شهود جمعته.

و من العجب أنّ صاحب الجواهر- (قدّس سرّه)- قال: «و أمّا المفيد فإنّه و إن أوهمت عبارته ذلك، لكن من المحتمل قويّا إرادة صفات النّائب ممّا ذكره» (2) و ذلك لما عرفت من كونه كالصريح، و الاحتمال المذكور غير مورد للاعتماد في مقام الاستشهاد بالألفاظ، و إلّا لم يبق لفظ يفيد المعنى غالبا، و ذلك لتطرّق الاحتمالات البعيدة في كثير من الظواهر، بل في ما يعدّ بحسب الارتكاز العرفيّ صريحا.

و عنه- (قدّس سرّه)- أيضا (3) و الظاهر أنّه من مقنعته- في باب الأمر بالمعروف- بعد أن ذكر أنّ إقامة الحدود إلى سلطان الإسلام المنصوب من قبل اللّه تعالى، و هم أئمّة الهداة من آل محمّد (عليهم السلام)، و من نصبوه لذلك من الأمراء و الحكّام، و قد فوّضوا النظر فيه إلى فقهاء شيعتهم مع الإمكان. و أكثر في ذلك- قال: «و للفقهاء‌

____________

(1) الحدائق ج 9 ص 380.

(2) الجواهر ج 11 ص 175.

(3) الجواهر ج 11 ص 175.

61

..........

____________

من شيعة آل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) أن يجمّعوا بإخوانهم في الصّلوات الخمس و صلاة الأعياد و الاستسقاء و الخسوف و الكسوف إذا تمكّنوا من ذلك».

و قد استظهر منه صاحب الجواهر عدم مشروعيّة الجمعة في زمان الغيبة، من جهة عدم التعرّض لها في مقام البيان. و لعمري إنّه يبعد في مقام الثبوت أن يكون فتواه تفويض جميع ما للإمام إلى فقهاء الشيعة حتّى الحدود المتضمّنة لقتل النّفوس، و حتّى صلاة العيدين المشتركة للجمعة في غير واحد من الأحكام و تكون صلاة الجمعة بالخصوص مستثناة من ذلك، فإنّ دليل كون تلك الأمور بيد الإمام المعصوم متّحد السّياق، و ما يدلّ أو يمكن أن يستدلّ به على نيابة الفقيه عن الإمام المعصوم عليه الصّلاة و السّلام أيضا كذلك؛ و حينئذ فالمظنون قويّا كون الجمعة مقصودة من تلك العبارة إمّا باعتبار كونه من الأعياد و يؤيّده التعبير بالجمع خلافا لما هو المتعارف من التعبير بالعيدين، و إمّا باعتبار كونه داخلا في الصّلوات الخمس الواردة في كلّ يوم.

و ممّا ذكرنا يظهر أن عبارته هذه أدلّ على جواز إقامة الجمعة من العكس.

و عنه أيضا في الإرشاد- في مقام الاستدلال على إمامة القائم (عجّل اللّه تعالى فرجه). و جعلني اللّه فداه و وهبني لقياه- ما لفظه: «من ذلك ما يقتضيه العقل بالاستدلال الصّحيح من وجود إمام معصوم كامل غنيّ عن رعاياه في الأحكام و العلوم في كلّ زمان، لاستحالة خلوّ المكلّفين من سلطان يكونون بوجوده أقرب إلى الصّلاح و أبعد عن الفساد، و حاجة الكلّ من ذوي النّقصان إلى مؤدّب للجناة مقوّم للعصاة. مقيم للحدود، حام عن بيضة الإسلام، جامع للناس في الجمعات و الأعياد» (1).

و لا ريب عندي في عدم ظهوره إلا في كونه (عليه السلام) أولى بذلك، و تكفّله للأمور‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 175.

62

..........

____________

المذكورة أقرب إلى الصّلاح و أبعد عن الفساد، و لا دلالة فيه على الاختصاص التّامّ بحيث ينتج عدم المشروعيّة حتّى من الفقهاء في زمن غيبته عن الأنظار. كيف و يصرّح في عبارته المتقدّم نقلها: أنّ لفقهاء الشّيعة أن يجمّعوا بإخوانهم في الأعياد، و قد ذكر تفويض أمور الحدود إليهم من جانب الإمام (عليه السلام).

فالمتحصّل من مجموع الكلمات المنقولة عنه (قدّس اللّه نفسه الزكيّة) هو وجوب الجمعة في حال الغيبة و أنّ الإمام أولى بذلك عند حضوره و ظهوره. و كون ذلك من باب أنّ الاشتراط به إنّما هو مع فرض الحضور و بسط اليد، أو يكون مطلقا- لكن ثبت الإذن منهم لمطلق المؤمنين أو الفقهاء- غير معلوم ممّا نقل من كلماته.

و ملخّص ما يرد على الجواهر بالنّسبة إلى ما ذكره في عبارات المفيد، أمور:

الأوّل: قوله «و إن أوهمت عبارته» و ذلك لظهورها في الوجوب و عدم الاشتراط.

الثّاني: قوله «من المحتمل قويّا إرادة صفات النّائب» فإنّ عدم كون المراد هو النّائب الخاصّ من المعصوم، واضح لوجوه:

ألف: عدم ربط ذلك بالفقهاء، بل مراعاته موكولة إلى المعصوم (عليه السلام).

ب: عدم الدّليل على لزوم ذلك فيه، بل لا بدّ أن يكون ممّا فيه المصلحة على العموم.

ج: عدم مصداق لذلك في زمان الغيبة إلّا نادرا.

الثالث: قوله «ترك اشتراط النّيابة لمعلوميّته» فإنّ ذكر الصّلوات الخمس و كون الاجتماع فيها سنّة من الضّروريّات، و قد ذكرها و لم يذكر النّيابة، فليت شعري هل تكون النّيابة أوضح من الصّلوات الخمس؟! الرابع: قوله «كما أنّه ترك ذكر العدالة» فإنّه لم يترك ذكرها، لقوله: «حضور إمام مأمون»، فإنّه عين العدالة.

الخامس: قوله «خصوصا بعد نقل الإجماع من تلامذته» فإنّه سيجي‌ء عدم‌

63

..........

____________

ظهور عبارة السّيّد في الإجماع على الاشتراط، بل ربما يظهر من بعض عباراته عدمه.

السادس: قوله بالنّسبة إلى ما في الإرشاد: «ظاهره أنّ ذلك من خواصّه» فإنّ فيه ما تقدّم من أنّه بصدد أولويّة وجوده و بسط يده من عدمه، مع أنّه لم يذكر انعقاد الجمعة بل قال: «جامع للنّاس في الجمعات و الأعياد» و هو واضح.

السابع: الاستناد إلى ما قاله في صلاة العيدين، مع أنّه ظاهر في اشتراط حضور الإمام لوجوب إقامة العيد جماعة و أنّه مع عدمه يكون الانفراد سنّة، و هو غير مربوط بالجمعة.

الثامن: قوله بالنّسبة إلى ما نقل عنه في الأمر بالمعروف: «و ظاهره أنّ ذلك كلّه من مناصب الأئمّة (عليهم السلام)»، مع وضوح أنّ إقامة الجماعة في الصّلوات الخمس و الكسوف و الخسوف، ليست من مناصب الإمام (عليه السلام)، نعم هو أولى بذلك.

التّاسع: استدلاله بما في المقنعة من قوله: «ففرضها وفّقك اللّه» إلى آخر ما تقدّم.

مع أنّه يدلّ على الاشتراط بإمام على صفات يتقدّم الجماعة فهو يدلّ على عدم الاشتراط.

و لعلّ نظره إلى ظهور لفظ الإمام في إمام الأصل أو نائبه الخاصّ، أو ظهوره في من يكون إماما مع قطع النظر عن انعقاد الجماعة، أو ظهور قوله: «إلّا أنّه بشريطة حضور إمام على صفات» في الفرق بين الاجتماع المعهود و الاجتماع الّذي هو شرط في الجمعة. و الكلّ ممنوع.

3- و قال علم الهدى في الناصريّات (1): «الّذي يذهب إليه أصحابنا في صلاة العيدين أنّها فرض على الأعيان و تكامل الشروط الّتي تلزم معها صلاة الجمعة من حضور السّلطان العادل و اجتماع العدد المخصوص إلى غير ذلك من الشرائط، و هما‌

____________

(1) مسألة 111.

64

..........

____________

سنّة تصلّى على الانفراد عند فقد الإمام».

و لا يخفى ظهوره في دعوى الإجماع على الاشتراط لكن لا يكون صريحا بل و لا ظاهرا في الشرطيّة المطلقة المستلزمة لعدم الصّحة عند فقد الإمام في عصر عدم بسط يده الشريفة، كما هو في العيد ليس كذلك أيضا، بل لا يكون صريحا في عدم وجوبها حال الغيبة، بل القدر المتيقّن من مفاد كلامه عدم وجوبها حال تسلّطه (عليه السلام) مع فرض عدم حضوره (عليه السلام) في المحل.

و عن كتابه الفقه الملكيّ: «و الأحوط أن لا يصلّى الجمعة إلّا بإذن السّلطان و إمام الزّمان لأنّها إذا صلّت على هذا الوجه انعقدت و جازت بالإجماع و إذا لم يكن فيها إذن السّلطان لم يقطع على صحّتها و إجزائها» (1).

و عن المسائل الميافارقيّات في جواب السؤال عن أنّ صلاة الجمعة هل يجوز خلف المؤالف و المخالف؟ قال: «لا جمعة إلّا مع إمام عادل أو من نصبه الإمام» (2).

و الإنصاف: أنّ كلامه في الفقه الملكيّ ظاهر بل صريح في أنّه لا يحكم بعدم المشروعيّة في زمان الغيبة، بل يحتاط بتركها، لاحتمال الاشتراط بالإمام أو المنصوب، كما هو ظاهر أيضا في عدم تسلّم الإجماع عنده على الاشتراط، بل الصحّة مع وجود المعصوم أو المنصوب هو المتيقّن. كما أنّ كلامه الأخير ليس صريحا في ذلك أيضا، لاحتمال أن يكون المقصود أنّه يشترط العدالة في إمام الجمعة أو من يكون منصوبا من قبل الإمام، فيكفي النّصب في صلاحيّة الاقتداء و إن لم يحرز عدالته، بل يمكن أن يقال: إنّه يكفي و لو أحرز فسقه، لأنّ نصبه من قبل المعصوم، و لو لبعض المصالح، كاف في جواز الاقتداء، بل في وجوبه.

4- و عن الصّدوق في المقنع: «و إن صلّيت الظهر مع الإمام يوم الجمعة بخطبة صلّيت ركعتين و إن صلّيت بغير خطبة صلّيتها أربعا و قد فرض اللّه تعالى من الجمعة‌

____________

(1) رسائل الشهيد الثاني ص 64.

(2) رسائل الشهيد الثاني ص 64.

65

..........

____________

إلى الجمعة خمسا و ثلاثين صلاة، منها صلاة واحدة فرضها اللّه تعالى في جماعة و هي الجمعة، و وضعها عن تسعة: الصغير، و الكبير، و المجنون، و المسافر، و العبد، و المرأة، و المريض، و الأعمى، و من كان على رأس فرسخين. و من صلّاها وحده فليصلّها أربعا كصلاة الظهر في سائر الأيّام.» انتهى ما عن الحدائق (1) و لكن ليس في النّسخة الّتي عندي من كتاب المقنع قوله: «و قد فرض اللّه تعالى. إلخ».

و عن الأمالي: «و الجماعة يوم الجمعة فريضة واجبة، و في سائر الأيّام سنّة فمن تركها رغبة عنها و عن جماعة المسلمين من غير علّة فلا صلاة له. و وضعت الجمعة عن تسعة (2) إلخ.

و في الهداية: «فرض اللّه عزّ و جلّ من الجمعة إلى الجمعة خمسا و ثلاثين صلاة، منها صلاة واحدة فرضها اللّه عزّ و جلّ في جماعة و هي الجمعة، و وضعها عن تسعة، إلى أن قال: و من صلّاها وحده فليصلّها أربعا كصلاة الظهر في سائر الأيّام، فإذا اجتمع يوم الجمعة سبعة و لم يخافوا، أمّهم بعضهم و خطبهم، إلى أن قال: و السّبعة الّذين ذكرناهم، هم الإمام و المؤذّن و القاضي و المدّعي حقّا و المدّعى عليه و الشاهدان» (3).

أقول: الظاهر أنّه ليس المقصود من الإمام- المذكور في الذيل- اشتراط انعقاد الجمعة بالإمام المعصوم، لأنّه مستلزم لتقييد الإطلاق بعد تماميّة الجملة بالفرد النّادر، فإنّ قوله (عليه السلام): «أمّهم بعضهم و خطبهم» مطلق، و تقييده بالفرد النّادر و هو الإمام المعصوم لا يخلو عن الاستهجان. مع أنّه استدلال برواية (4) زرارة الخالية عن التقييد. مع أنّ فرض الخوف صريح في كون المفروض هو عدم بسط اليد فلا معنى حينئذ لكون السّبعة هو الإمام (عليه السلام) و و و. مع أنّه لا مصداق له‌

____________

(1) الحدائق ج 9 ص 384.

(2) الحدائق ج 9 ص 385.

(3) الهداية، باب فضل الجماعة.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 13 ح 4 من باب 5 من أبواب صلاة الجمعة.

66

..........

____________

في الخارج.

فحينئذ إمّا أن يكون المقصود هو إمام الجماعة و يكون المراد أنّه لا يلزم أن يكون العدد غير الإمام و المؤذّن و غير من حضر عنده لغير صلاة الجمعة، و إمّا أن يكون المراد هو الإمام المعصوم و يكون المقصود أنّ الإمام المعصوم على تقدير حضوره و تشرّف النّاس به يكون أحد السّبعة و كذا من يكون من حضّار مجلسه أو يكون مؤذّنا.

و من ذلك يظهر عدم دلالة رواية محمّد بن مسلم الآتية (1)- إن شاء اللّه تعالى- على الاشتراط بالإمام المعصوم.

و ظهر أيضا أنّ الظاهر من كلامه- (قدّس سرّه)- في الكتابين هو الوجوب من دون أن يظهر منه الاشتراط بوجود الإمام المعصوم.

و لكن لا دلالة لما في المقنع على ما في النسخة الّتي عندنا على الوجوب، نعم ظاهره الصحّة.

و كذا لا دلالة للفقيه على ذلك، لأنّه ذكر في الفقيه رواية محمّد بن مسلم الّتي ربما يتمسّك بها على الاشتراط كما في الخلاف و غيره و تأتي إن شاء اللّه تعالى (2) مع جوابه (3). نعم، المستفاد من الفقيه عدم وصول خبر معتبر دالّ على الاشتراط غير ما ذكره من رواية محمّد بن مسلم (4).

5- و عن الكلينيّ (قدّس سرّه) في الكافي الذّهاب إلى الوجوب على ما نقل عنه صاحب الحدائق (رحمه اللّه).

قال (قدّس سرّه): قال [الكلينيّ] في كتاب الصّلاة: «باب وجوب الجمعة‌

____________

(1) في ص 80 و قد مرّ في ص 56.

(2) في ص 80 و قد مرّ في ص 56.

(3) ص 102.

(4) من لا يحضره الفقيه باب وجوب الجمعة و فضلها ح 1224 طبع مؤسّسة الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين ج 1 ص 413.

67

..........

____________

و على كم تجب» ثمّ نقل ما يدلّ على أنّ الجمعة من الفرائض، ثمّ روى أخبارا أخر في تعيين العدد و وجوب حضور من كان على رأس فرسخين، و اشتراط الفصل بين الجمعتين بثلاثة أميال، و اقتصر على ذلك الى أن قال صاحب الحدائق (قدّس سرّه): و إنّما نسبنا ذلك إليه مذهبا لما صرّح به في صدر كتابه ممّا يدلّ على أنّه بصدد جمع ما يكتفي به المتعلّم و يرجع إليه المسترشد و يأخذ منه من يريد علم الدّين بالآثار الصّحيحة عن الصّادقين (عليهما السلام) و السّنن القائمة الّتي عليها العمل، و بها يؤدّي فرض اللّه تعالى و سنّة نبيّه (صلّى اللّه عليه و آله)، انتهى (1) ملخّصا.

أقول: الظاهر وضوح دلالته على عدم وصول خبر إليه يدلّ على اشتراط الجمعة وجوبا أو انعقادا بالمعصوم أو المنصوب و إلّا لأدرجه في مقام بيان شرائط الجمعة، بل كان هو أولى بالذكر لدلالة ذكره ذلك على عدم الوجوب أو عدم الصّحّة فعلا، و لم يكن لذكر باقي الشرائط أثر عمليّ بعد ذلك، بل ليس ذلك إلّا شبه التاريخ المتعلّق بما مضى من زمن الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و المدّة القصيرة الّتي كان أمير المؤمنين و ابنه المجتبى (عليهما السلام) مبسوطي اليد، و هو بعيد جدّا.

و الحاصل: أنّ عدم نقل الحديث الدالّ على الاشتراط بالمعصوم في مقام بيان الأحاديث الدالّة على الشروط، دليل على عدم وصول حديث إليه يدلّ على ذلك.

و هو من الموهنات للاشتراط، و لو لم يظهر بذلك مذهبه (قدّس سرّه)، على ما بيّنه في الحدائق. و لا يكون معلوميّة الاشتراط به موجبة لعدم ذكر الحديث الدالّ على الاشتراط. كيف؟ و كونها من الواجبات و الفرائض أوضح من الاشتراط المذكور قطعا، مع أنّه عقد الباب لبيان وجوبه و من يجب عليه كما تقدّم.

لكنّ الإنصاف: عدم معلوميّة مذهبه من ذلك، و أنّه عدم الاشتراط، و ذلك لذكره ما يمكن أن يكون دالّا على الاشتراط و هو خبر زرارة قال: «كان أبو جعفر‌

____________

(1) الحدائق ج 9 ص 382.

68

..........

____________

(عليه السلام) يقول: لا تكون الخطبة و الجمعة و صلاة ركعتين على أقلّ من خمسة رهط، الإمام و أربعة» (1).

و أولى منه بالتمسّك خبر سماعة، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)، عن الصّلاة يوم الجمعة، فقال (عليه السلام): أمّا مع الإمام فركعتان و أمّا من يصلّي وحده فهي أربع ركعات بمنزلة الظهر. يعني إذا كان إمام يخطب، فأمّا إذا لم يكن إمام يخطب فهي أربع ركعات و إن صلّوا جماعة» (2).

وجه الأولويّة صراحته في كون الإمام المشترط غير إمام الجماعة و ذلك لفرض الجماعة، فهما و إن كانا غير تامّين كما يأتي إن شاء اللّه تعالى في طيّ الجواب عن أدلّة الاشتراط إلّا أنّهما يصلحان للاستناد. نعم يستفاد منه عدم وصول خبر إليه دالّ على الاشتراط غير ما ذكره.

6- قال ابن زهرة (3) في الغنية- في عداد ما يقف عليه وجوب الاجتماع للجمعة-: «و حضور الإمام العادل أو من نصبه و جرى مجراه. إلى أن قال: كلّ ذلك بدليل الإجماع الماضي ذكره».

و ظهوره في الاشتراط بحضور المعصوم غير قابل للإنكار، بل هو صريح في ذلك، و ظاهر في أنّ الشرط المذكور باق بحاله بالنّسبة إلى زمان الغيبة، لكن احتمال أن يكون مبناه على صدور الإذن منهم لجميع الشيعة- فيكون الشرط حاصلا- متحقّق ايضا، فلا ينافي القول بالوجوب التعيينيّ في زمان الغيبة، فالمقصود بذكر الشرط المذكور هو التّحرّز عن حضور جماعة سلاطين الجور، و أنّ عدم حضور الشيعة‌

____________

(1) الفروع من الكافي ج 3 ص 419 ح 4 من باب وجوب الجمعة.

(2) الفروع من الكافي ج 3 ص 421 ح 4 من باب تهيئة الإمام للجمعة.

(3) و هو- كما قال في التنقيح- حمزة بن علىّ بن زهرة الحسينيّ الحلبيّ، عزّ الدين أبو المكارم المتوفّى في القرن السّادس.

69

..........

____________

ليس لتهاونهم بالجمعة، بل لفقد شرط الوجوب عندهم بحيث يقتضي وجوب حضور جمعة أمراء الجور.

7- و عن القاضي (1) كما في مفتاح الكرامة: «انّ وجوبها يقف على حضور الإمام العادل أو من نصبه و جرى مجراه، و الدليل على ما ذهبنا إليه الإجماع» (2).

لكن في جواهره في جواب مسألة البيع وقت كون الإمام على المنبر: «أنّه لا ينعقد البيع لأنّه منهيّ عنه و النّهي يقتضي فساد المنهيّ عنه» (3). فيحتمل أن يكون المقصود من المنصوب و الجاري مجراه مطلق العدول من الشيعة، و يحتمل أن يكون هو المجتهد كما احتمله في جواهر الكلام (4).

8- و قال ابن حمزة الطوسيّ في الوسيلة: «و يحتاج في الانعقاد إلى أربعة شروط: حضور السّلطان العادل أو من نصبه كذلك إلى ان قال: و يجتمع فيه تسعة شروط: الإيمان، و البلوغ، و كمال العقل، و العدالة، و صدق اللّهجة، و الولادة من الحلال، و إقامة الفرائض في أوّل الوقت، و الصّحة من الجنون و الجذام و البرص» (5) 9- و عن أبي الصلاح الحلبيّ (6) كما في مفتاح الكرامة: «و لا تنعقد الجمعة إلّا بإمام الملّة أو منصوب من قبله أو من تتكامل له صفة إمام الجماعة عند تعذّر الأمرين» (7).

10- و عن القاضي أبي الفتح الكراجكيّ (8) في كتابه المسمّى بتهذيب‌

____________

(1) و هو الشيخ سعد الدين أبو القاسم عبد العزيز بن نحرير المعروف بابن البرّاج الطرابلسيّ و هو يروي عن الشيخ و المرتضى و محمّد بن عثمان الكراجكيّ و تقىّ بن نجم أبي الصّلاح الحلبيّ.

(2) مفتاح الكرامة ج 3 ص 55 الثاني: السلطان العادل.

(3) جواهر الفقه، باب مسائل تتعلّق بالصّلاة.

(4) الجواهر ج 11 ص 153.

(5) الوسيلة كتاب الصلاة، فصل في بيان صلاة الجمعة.

(6) و هو تلميذ الشيخ و المرتضى.

(7) مفتاح الكرامة ج 3 في صلاة الجمعة ص 59.

(8) و هو تلميذ المرتضى و المفيد و الشيخ (قدّس اللّه أسرارهم) على ما ذكروه.

70

..........

____________

المسترشدين، كما في مفتاح الكرامة: «و إذا حضرت العدّة الّتي يصحّ أن ينعقد بحضورها الجماعة يوم الجمعة و كان إمامهم مرضيّا متمكّنا من إقامة الصّلاة في وقتها و إبراز الخطبة على وجهها و كانوا حاضرين آمنين ذكورا بالغين كاملي العقل، أصحّاء، وجبت عليهم فريضة الجمعة و كان على الإمام أن يخطب بهم خطبتين يصلي بهم بعدهما ركعتين» (1).

11- و عن ابن إدريس في السّرائر: «نفي الخلاف عن اشتراط انعقادها بذلك و أنّ إجماع أهل الأعصار عليه» (2).

و الظاهر أنّ عبارته صريحة في دعوى الإجماع على عدم الوجوب التعيينيّ في عصر الغيبة، حيث ردّ قول الشيخ الطوسيّ (قدّس سرّه) الّذي ذكره في الخلاف- من أنّ أخبار القرى دالّة على النّصب- فقال: «و لو جرى ذلك مجرى أن ينصب من يصلّي بهم لوجبت الجمعة على من يتمكّن من الخطبتين و لا كان يجزيه صلاة أربع ركعات، و هذا لا يقوله أحد منّا» (3).

12- و قال السّلار في مراسمه: «صلاة الجمعة فرض مع حضور إمام الأصل أو من يقوم مقامه» (4) و في الأمر بالمعروف: «و لفقهاء الطائفة أن يصلّوا بالنّاس في الأعياد و الاستسقاء، و أمّا الجمع فلا» (5).

13- و عن المحقّق في المعتبر: «السّلطان العادل أو نائبه شرط وجوب الجمعة، و هو قول علمائنا». و نقل عن بعض علماء العامّة عدم الاشتراط بالإمام، و ردّه بسيرة النّبيّ و الخلفاء من بعده، و قال: «إنّ معتمدنا فعل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فإنّه كان يعيّن لإمامة الجمعة و كذا الخلفاء بعده كما يعيّن للقضاء و كما لا يصحّ‌

____________

(1) مفتاح الكرامة ج 3 في صلاة الجمعة ص 59.

(2) الجواهر ج 11 ص 153.

(3) السرائر، كتاب الصلاة في صلاة الجمعة، الطبعة الثانية ص 66.

(4) المراسم، كتاب الصلاة، ذكر صلاة الجمعة.

(5) الباب الآخر من كتاب المراسم.

71

..........

____________

للإنسان أن ينصب نفسه قاضيا من دون إذن الإمام، كذا إمامة الجمعة، و ليس هذا قياسا، بل استدلال بالعمل المستمرّ في الأعصار، فمخالفته خرق للإجماع» انتهى ملخّصا (1).

14- و قال العلّامة (رحمه اللّه) في التذكرة: «يشترط في وجوب الجمعة السّلطان أو نائبه عند علمائنا أجمع- و به قال أبو حنيفة- للإجماع على أنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كان يعيّن لإمامة الجماعة و كذا الخلفاء بعده كما يعيّن للقضاء و كما لا يصحّ أن ينصب الإنسان نفسه قاضيا من دون إذن الإمام، كذا إمامة الجمعة، و لرواية محمّد بن مسلم قال: لا تجب الجمعة على أقلّ من سبعة: الإمام.» (2).

و قال فيها في مسألة أخرى: «و هل للفقهاء المؤمنين- حال الغيبة و التمكّن من الاجتماع و الخطبتين- صلاة الجمعة؟ أطبق علمائنا على عدم الوجوب، لانتفاء الشرط و هو ظهور الإذن من الإمام (عليه السلام)، و اختلفوا في استحباب إقامة الجمعة.» (3).

15- و قال الشهيد (رحمه اللّه) في الذكرى في مقام تعداد شروط الجمعة:

«التّاسع: إذن الإمام له كما كان النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يأذن لأئمّة الجمعات، و أمير المؤمنين (عليه السلام) بعده. و عليه إطباق الإماميّة. هذا مع حضور الإمام (عليه السلام)، و أمّا مع غيبته (عليه السلام) كهذا الزّمان ففي انعقادها قولان»، إلى أن قال: «و ربما يقال بالوجوب المضيّق حال الغيبة، لأنّ قضيّة التعليلين ذلك. فما الّذي يقتضي سقوط الوجوب، إلّا أنّ عمل الطائفة على عدم الوجوب العينيّ في سائر الأعصار و الأمصار» (4).

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 153.

(2) تقدمّت الرواية في ص 56 و ستأتي في ص 80.

(3) التذكرة ج 1 كتاب الصلاة، المقصد الثالث في الجمعة، البحث الثاني: السلطان.

(4) الذكرى ص 231 صلاة الجمعة، التاسع.

72

..........

____________

16- و عن الفاضل المقداد في كنز العرفان: «السّلطان أو نائبه شرط في وجوبها، و هو إجماع علمائنا». إلى أن قال: «و معتمد أصحابنا فعل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فإنّه كان يعيّن لإقامة الجمعة و كذا الخلفاء، كما يعيّنون القضاة، و رواياتنا عن أهل البيت (عليهم السلام) متظافرة بذلك» (1).

17- و عن المحقّق الكركيّ في جامع المقاصد: «يشترط لوجوب الجمعة السّلطان العادل، و هو الإمام (عليه السلام) أو نائبه عموما أو في الجمعة، بإجماعنا، فإنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان يعيّن لإمامة الجمعة.» (2).

و عنه فيه أيضا: «الوجوب الحتميّ في حال الغيبة منتف بالإجماع» (3).

و عن رسالته: «أجمع علمائنا الإماميّة طبقة بعد طبقة من عصر أئمّتنا إلى عصرنا هذا على انتفاء الوجوب العينيّ في زمان الغيبة» (4).

18- و قال الشهيد الثاني في الرّوضة: «و الحاصل: أنّه مع حضور الإمام (عليه السلام) لا تنعقد الجمعة إلّا به، أو بنائبه الخاصّ و هو المنصوب للجمعة، أو لما هو أعمّ منها، و بدونه تسقط، و هو موضع وفاق» و فيها أيضا: «و لو لا دعواهم الإجماع على عدم الوجوب العينيّ لكان القول به في غاية القوّة» و فيها أيضا: «ربما قيل بوجوبها حينئذ و إن لم يجمعها فقيه» (5).

19- و عن شرح المفاتيح و كشف الغطاء و غيرهما من الإجماع متواترا على نفي العينيّة، بل في الأوّل: «أنّ الناقلين قد يزيدون عن عدد الأربعين» (6). إلى غير ذلك ممّا هو مسطور في الجواهر و الحدائق و المستند و شرح منظومة الطباطبائيّ و غير ذلك.

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 154.

(2) الجواهر ج 11 ص 154.

(3) الجواهر ج 11 ص 155.

(4) الجواهر ج 11 ص 154.

(5) الروضة البهيّة كتاب الصلاة، الفصل السّادس، صلاة الجمعة. ص 59.

(6) الجواهر ج 11 ص 156.

73

..........

____________

الأمر الثاني:

في ما تحصّل لنا من العبارات المنقولة و هو أمور:

منها: ثبوت الإجماع على اشتراط الجمعة في الجملة بإقامة المعصوم أو من يكون مأذونا من قبله في ذلك.

و الإجمال المشار إليه من جهتين:

1- من حيث إنّ تحقّقه [أى الاشتراط المذكور] على وجه الإطلاق- بحيث يشمل حال الغيبة و عدم التّمكّن من الاستيذان- غير معلوم، كما هو الظاهر من كلام الرّوضة المتقدّم ذكره آنفا و من كلام الشيخ (قدّس سرّه) المتقدّم ذكره (1) في المبسوط و النهاية من أنّه يجوز عقد الجمعة مع حضور الإمام لغيره إذا كان في البين مانع كأن يكون مريضا.

2- و من حيث كونه شرط الصّحّة، أو الوجوب التعيينيّ، فإنّه و إن كان ظاهر معقد نقل إجماع الشيخ (قدّس سرّه) في الخلاف هو الأوّل، إلّا أنّه معارض بكلام المرتضى (قدّس سرّه) المتقدّم (2) الظاهر في الثاني.

و منها: تحقّق سيرة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الخلفاء من بعده على انحصار انعقاد الجمعة بوليّ الأمر و الأمراء من قبله، أو من يكون منصوبا لذلك أو للأعمّ منه و من غيره.

و منها: أنّ المظنون بل الّذي تطمئنّ به النّفس أنّه لم يكن دليل آخر مستندا للقدماء في حكمهم بالاشتراط، إلّا ما ذكروه في مقام بيان مدركه.

و ما حصل لنا من ذلك، أمران:

أحدهما: الإجماع العمليّ من زمن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)

____________

(1) في ص 57.

(2) في ص 63 و 64.

74

..........

____________

و سلّم المستمرّ إلى زمان الخلفاء الثلاثة و المولى أمير المؤمنين (عليه السلام) و بعده من غير فرق في ذلك بين الخاصّة و العامّة، فإنّ الّذي عليه عمل المسلمين أنّ إقامة الجمعة موكولة إلى الخلفاء و الأمراء، و الفرق بين الفريقين إنّما هو في المصداق.

ثانيهما: خبر محمّد بن مسلم المتقدّم (1) في طيّ كلام الشيخ في الخلاف.

و احتمال أن يكون عند الكلينيّ و الصّدوق و الشيخ (قدّس اللّه أسرارهم) أخبار أخر دالّة على اشتراط صحّة الجمعة أو وجوبها بحضور الإمام المعصوم (عليه السلام) أو السّلطان العادل.

مدفوع بأنّه لو كان عندهم أخبار غير ما ذكروه دالّة عليه، لذكروه في كتبهم المعدّة للأخبار الّتي يصحّ العمل بها. فعلى هذا لا اعتبار بالإجماع المدّعى، بل لا بدّ من الرّجوع إلى مدركه، لأنّه لا يكشف عن وجود أدلّة أخر غير ما ذكروه في مستند فتاويهم.

هذا مع استناد الإجماع في كلام غير واحد ممّن تقدّم كلامهم إلى الإجماع العمليّ المتقدّم مثل ما عن المعتبر (2) و التذكرة (3) و كنز العرفان (4) و هو الظاهر من المنقول عن الكركي أيضا.

و الحاصل: أنّ استناد الفتوى إلى الإجماع العمليّ و رواية محمّد بن مسلم أوّلا، و استناد إجماع الأصحاب إلى بعض ذلك ثانيا، و عدم ذكر ما يدلّ على الاشتراط بالإمام غير ما هو مذكور و واصل إلينا في كتب الأخبار- مع صيرورتهم بصدد البيان- ثالثا، مانع عن حجيّة الإجماع و كونه مدركا مستقلّا في قبال مدركه المعلوم عندنا، لعدم كشفه عن مدرك آخر قطعا، فلا حجّيّة للإجماع المذكور قطعا و إن كان حاصلا.

____________

(1) في ص 56.

(2) مرّ في ص 70.

(3) مرّ في ص 71.

(4) مرّ في ص 72.

75

..........

____________

و منها: أنّ الظاهر كون الإجماع على عدم الوجوب التعيينيّ- المدّعى في كلام غير واحد ممّن تأخّر عن الشيخ كالمحقّق الثاني و العلّامة في كتبه و غيرهم- متّخذا من القولين المعروفين بين القدماء، من جواز صلاة الجمعة في زمان الغيبة كما هو الظاهر من الشيخ (قدّس سرّه) على ما ذكروه، و الحكم بعدم مشروعيّتها فيه، كما عن المرتضى (قدّس سرّه) في الميافارقيّات. فالإجماع المذكور على تقدير تحقّقه ليس إجماعا بسيطا على نفي التّعيين، بل هو مركّب من عدم المشروعيّة و التخيير، فالقول بالوجوب التعيينيّ إحداث للقول الثالث، و ذلك ممّا يوهن الإجماع المحصّل فضلا عن منقوله كما هو معروف في بابه.

و توضيح الكلام بأزيد من ذلك: أنّ الكلام في ثبوت الإجماع على الاشتراط في زمان بسط يد المعصوم (عليه السلام)، لا يهمّنا و لا ينفعنا.

و أمّا الإجماع المدّعى على عدم الوجوب التعيينيّ في زمان الغيبة، موهون بأمور تقدّم بعضها:

الأوّل: تأخّر ذلك عن المفيد و المرتضى بل الشيخ (قدّس سرّه)، لأنّه قد تقدّم أنّ الظاهر من عبارة الشيخ هو الاشتراط مع التمكّن من حضور جمعة الإمام، لاستثناء حال المرض في كلامه، و لاستفادة الإذن الجاري مجرى النّصب لكلّ، بشرط صلاحيّة الإمام للجماعة.

الثاني: ظهور كلام المفيد و الصّدوق و الكراجكيّ، في الوجوب التعيينيّ في عصر الغيبة.

الثالث: أنّ المستفاد من كلام السيّد في الفقه الملكيّ عدم تحقّق الإجماع على الاشتراط، فإنّه قال: و إذا لم يكن فيها إذن السّلطان لم يقطع على صحّتها و إجزائها (1).

____________

(1) تقدّم في ص 64.

76

..........

____________

الرّابع: أنّ الإجماع المدّعى في زمان الغيبة مأخوذ من القولين أي الوجوب التخييريّ، و عدم المشروعيّة، فالإجماع مركّب لا بسيط، و لا حجّيّة لذلك، كما قرّر في محلّه.

الخامس: المظنون استناد الإجماع المذكور إلى إجماع الشيخ، و استناد إجماعه إلى السيرة على الاختصاص بالخلفاء من المحقّقين و الغاصبين.

السّادس: أنّه لو كان في البين شي‌ء آخر لذكروه في كتبهم المعدّة لذلك، مع أنّ الصّدوق قال في أوّل الفقيه: «موفيا على جميع ما صنّفت في معناه و أترجمه.

و بالغت جهدي» (1) و الكلينيّ في أوّل الكافي: «أنّك تحبّ أن يكون عندك كتاب كاف يجمع (فيه) من جميع فنون علم الدّين، ما يكتفي به المتعلّم و يرجع إليه المسترشد. و قد يسّر اللّه و له الحمد تأليف ما سألت، و أرجو أن يكون بحيث توخّيت» (2) و الشيخ في أوّل التهذيب: «مشتملا على أكثر الأحاديث الّتي تتعلّق بأحكام الشريعة و منبّها على ما عداها، ممّا لا يشتمل عليه هذا الكتاب، إذا كان مقصورا على ما تضمّنته الرّسالة- المقنعة- من الفتاوى» (3).

و لو كان بنائهم على الاختصار لكانوا يتركون ما يتّحد مضمونه بمضمون المذكور، و لا يتركون الأصرح مضمونا في المطلب، كما هو واضح.

و ما في تقرير الطباطبائيّ البروجرديّ (قدّس سرّه): من دلالة الإجماع على وجود حجّة غير الأخبار المذكورة لوجود جوامع أشار إليها (4)، ممّا لا يرفع الوهن المذكور، فإنّ جميع ما ذكروه للمشايخ مذكورة في مشيخة الفقيه، كالبزنطيّ و الحسن بن فضّال و الحسن بن محبوب و ابن أبي عمير، و قد صرّح في الفقيه أنّه أخذ الكتاب من المجامع المذكورة، فهل ترى أنّه ذكر الباب و راجع المجامع و ذكر بعض الأحاديث‌

____________

(1) من لا يحضره الفقيه ج 1 مقدّمة المصنّف.

(2) الكافي ج 1 خطبة الكتاب أواخرها.

(3) التهذيب، مقدّمة المصنّف.

(4) البدر الزّاهر في صلاة الجمعة و المسافر ص 8 الأمر الثاني.

77

..........

____________

الّتي لا دلالة فيها- تعتمد- على الاشتراط، و ترك الصّريح منها؟ و لعمري إنّه بعيد غايته.

السّابع: تعارض ظاهر معاقد الإجماعات، فبعضها ظاهر في الاشتراط في الصّحّة كعبارة الخلاف، و بعضها ظاهر في اشتراط الوجوب، و ليس بعد التّعارض حجّة في نفي الثّالث كما في الأخبار، لعدم إطلاق في البين يدلّ على حجّيّة الإجماع كما في الأخبار، بل حجّيّته من باب الاطمئنان بوجود الحجّة. و مع التّعارض لا يحصل الاطمئنان المذكور، بل يظنّ أنّ منشأه الحدس بالفتاوى من السيرة العمليّة الّتي يأتي الكلام فيها.

الثامن: أنّ الوجوب التعيينيّ في زمن الغيبة لا ينافي إجماع الشيخ و لا إجماعي الغنية و القاضي، لاحتمال الوجوب على المجتهد، بل و لا ينافي إجماع السّرائر، لأنّ معقده عدم الوجوب التعيينيّ على كلّ من تمكّن من الخطبتين، فلا ينافي الوجوب على المجتهد.

التاسع: أنّه على فرض اقتضائه ذلك لا يقتضي عدم التعيين على تقدير العقد، فإنّ التّخير في العقد مع وجوب السّعي على تقديره أحد القولين بين أصحاب القول بالتّخيير، بل في الجواهر: «قيل: إنّه أشهرهما» (1).

العاشر: إسناد الإجماع إلى السّيرة العمليّة في كلام المحقّق و العلّامة و غيرهما.

فراجع (2).

الأمر الثالث في ذكر ما يستدلّ به على الاشتراط المذكور، و هو يلخّص في أمور:

الأوّل: ما تقدّم من الإجماع المدّعى في كلام غير واحد ممّن تقدّم كلامهم.

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 176.

(2) ص 74.

78

..........

____________

الثّاني: الإجماع العمليّ و السّيرة الّتي أشار إليها أساطين المذهب.

قال صاحب الجواهر (قدّس سرّه): «و يشهد لها أيضا ما في أيدي المخالفين الآن، الّذي لم يعدّه أحد أنّه من بدعهم و مخترعاتهم، مع أنّه حصروا مبتدعاتهم في الفروع و الأصول، و لم يتركوا لهم شيئا إلّا ذكروه حتّى الأذان الثّاني لعثمان في الجمعة، و أنّه لو كانت تصلّى في ذلك الوقت مع غير النائب في رأس كلّ فرسخ، لشاع و ذاع، و صار معلوما عند الأطفال فضلا عن العلماء الماهرين أمناء اللّه في أرضه، فلا ريب حينئذ في أنّها مأخوذة لهم يدا عن يد إلى النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، كما أنّه لا ريب في دلالتها على الشرطيّة، مع عدم صدور ما يدلّ منهم (عليهم السلام) على نفيها، كما صدر منهم في نفيها بالنّسبة إلى تعيين أئمّة الجماعة و المؤذّنين، بحيث علم عدم اعتبار التّعيين، و صار كالضروريّ بل ضروريّ، فاستدامة الفعل مع الخلوّ عن ذلك كالنّصّ في الشرطيّة، و إلّا كان إغراء بالجهل و قصورا في التبليغ بل مخالفة لما يوحى إليهم، و الاعتماد على إطلاق وجوبها مع صدور ذلك منهم- الّذي هو كأقوالهم في الحجّيّة- كما ترى، على أنّ من المعلوم عدم استغراق النوّاب الخلق كافّة، كمعلوميّة كثرة عوارض النوّاب من الموت و الجنون و الفسق و نحوها، فمع فرض كون الجمعة ما صلّيت في ذلك الزّمان إلّا مع المعصوم (عليه السلام) أو نائبه كما سمعته من الشيخ و غيره ممّن حكى هذه السّيرة، لا بدّ أن تكون غير واجبة على الأعيان» (1).

الثالث: ما أشار إليه في مصباح الفقيه في ضمن تأييد الإجماع- مع أنّه بنفسه دليل آخر غير مربوط بالإجماع- من أنّه: «بل يكفي في الجزم بعدم الوجوب في مثل المقام وجود خلاف يعتدّ به فيه، لقضاء العادة بأنّه لو كانت الجمعة بعينها واجبة على كلّ مسلم لصارت من الصّدر الأوّل من زمان النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 156 و 157.

79

..........

____________

كغيرها من الفرائض اليوميّة من ضروريّات الدين، فإنّ غالب المسلمين من أهل البوادي و القرى في أغلب أوقاتهم لم يكن يمكنهم حضور الجمعة الّتي يقيمها السّلطان أو منصوبه، فلو كان تكليفهم الجمعة عينا لبيّن لهم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من صدر الإسلام كغيرها من الفرائض، و لأقاموها في كلّ جمعة في محالّهم، فلم يكن يختفي ذلك على نسائهم و صبيانهم فضلا عن أن يشتهر القول بعدم وجوبها أو عدم شرعيّتها بين الخاصّة و العامّة» (1).

الرّابع: ما دلّ من المستفيضة الآتية إن شاء اللّه تعالى: من وجوب السّعي على من كان على رأس فرسخين كصحيح محمّد بن مسلم، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الجمعة فقال: تجب على كلّ من كان منها على رأس فرسخين، فإن زاد على ذلك فليس عليه شي‌ء» (2).

و يمكن تقريب الاستدلال بذلك من وجوه:

منها: أنّ ظاهر مثل الدليل المذكور هو وجوب السّعي على من كان على رأس فرسخين فما دونه، على نحو التعيين، لا على نحو التخيير بينه و بين عقد الجمعة في منزله، و الوجوب التّعيينيّ لا يتمّ إلّا على فرض عدم جواز العدل الآخر، و هو عقد الجمعة في منزله، و ذلك يدلّ على الاشتراط، إذ لو لا الاشتراط، بكون مقيم الجمعة إماما أو منصوبا من قبله لم يكن وجه للوجوب التعيينيّ، بأن يكون تكليفه منحصرا بالسّعي إلى الجمعة الّتي تنعقد في المحلّ الّذي يكون بينه و بينها فرسخان.

و منها: أنّ نفس فرض عدم انعقاد الجمعة في طول فرسخين دليل على عدم سهولة عقدها، و ليس ذلك إلّا لعدم المنصوب من قبل الإمام (عليه السلام).

و منها: أنّ عدم تنبيه الشّارع المقدّس على عقد الجمعة في منازلهم، و الحكم‌

____________

(1) مصباح الفقيه ج 2 ص 437 في صلاة الجمعة.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 12 ح 6 من باب 4 من أبواب صلاة الجمعة.

80

..........

____________

بوجوب السّعي من دون الإشارة إلى سهولة عقد الجمعة في منازلهم، لا يناسب.

الشريعة السّهلة السّمحة إلّا مع عدم المصلحة في ذلك، و كون المصلحة الإلزاميّة متقوّمة بوجوب السّعي إلى الجمعة المنعقدة الّتي لا فرق بينها و بين ما يعقد في منازلهم على تقدير التنبيه على ذلك، إلّا عدم وجود المنصوب فيه دون الاولى.

الخامس: ما دلّ على عدم لزوم الجمعة على من يكون فيما زاد على فرسخين، كذيل الصحيح المتقدّم آنفا، فإنّه لو لم يكن وجوبها أو صحّتها مشروطا بالإمام أو المنصوب من قبله لكان الواجب عليه عقد الجمعة و تحصيل شرائطها.

السادس: حسن محمّد بن مسلم الّذي رواه الشيخ و الصّدوق (قدّس سرّهما) كما في الوسائل- و هو الّذي استند إليه الشيخ (قدّس سرّه) فيما تقدّم نقله (1) عن الخلاف في حيّز معقد إجماعه- عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين (المؤمنين)، و لا تجب على أقلّ منهم: الإمام، و قاضيه، و المدّعي حقّا، و المدّعى عليه، و الشّاهدان، و الّذي يضرب الحدود بين يدي الإمام» (2). و كون المقصود من الإمام غير إمام الجماعة واضح، لأنّه ليس لإمام الجماعة قاضيا و لا من يضرب الحدّ بين يديه. قال (قدّس سرّه) في الجواهر: «و القطع بعدم خصوصيّة المذكورين في الوجوب- و إن حكي عن ظاهر الصّدوق الفتوى به- لا ينافي اعتبارها في الإمام الّذي قد عرفت الدليل عليه، فيكون المراد الوجوب على سبعة أحدهم الإمام على جهة الشرطيّة» (3).

السابع (4) ما عن الصّدوق (قدّس سرّه) في كتاب عيون الأخبار و العلل بإسناده‌

____________

(1) في ص 56.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 9 ح 9 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) الجواهر ج 11 ص 164.

(4) نقل قطعة منه في الوسائل في باب 6 من أبواب صلاة الجمعة ح 3 عنهما بإسناد يأتي، و قطعة منها في باب 25 ح 6 عنهما بأسانيد تأتي و المقصود بالأسانيد الآتية ما ذكرها في آخر الوسائل (ج 19 ص 446) في آخر الفائدة الأولى المشتملة على مشيخة من لا يحضر. و منه يظهر أنّ للصدوق طرقا متعدّدة إلى فضل بن شاذان. و روى ما في العيون عنه بجميع طرقه إليه فهو معتبر جدّا.

81

..........

____________

عن الفضل بن شاذان عن الرّضا (عليه السلام) قال: «فإن قال قائل: فلم صارت صلاة الجمعة إذا كانت مع الإمام ركعتين و إذا كانت بغير إمام ركعتين و ركعتين؟

قيل: لعلل شتّى. منها: أنّ الناس يتخطّون إلى الجمعة من بعد، فأحبّ اللّه عزّ و جلّ أن يخفّف عنهم لموضع التّعب الّذي صار و إليه. و منها: أنّ الإمام يحبسهم للخطبة و هم منتظرون للصّلاة، و من انتظر الصّلاة فهو في الصّلاة في حكم التّمام. و منها:

أنّ الصّلاة مع الإمام أتمّ و أكمل لعلمه و فقهه و عدله و فضله. و منها: أنّ الجمعة عيد و صلاة العيد ركعتان، و لم تقصر، لمكان الخطبتين. فإن قال: فلم جعل الخطبة؟ قيل: لأنّ الجمعة مشهد عامّ، فأراد أن يكون للأمير- كما عن العلل و «للإمام» كما عن العيون- سبب إلى موعظتهم و ترغيبهم في الطاعة و ترهيبهم من المعصية و توقيفهم على ما أراد من مصلحة دينهم و دنياهم و يخبرهم بما ورد عليهم من الآفاق، من الأحوال الّتي لهم فيها المضرّة و المنفعة، و لا يكون الصّائر في الصّلاة، بل منفصلا و ليس بفاعل غيره ممّن يؤمّ الناس في غير يوم الجمعة. فإن قال: فلم جعل الخطبتين؟ قيل: لأن يكون واحد للثناء على اللّه و التمجيد و التقديس للّه عزّ و جلّ، و الأخرى للحوائج و الأعذار و الإنذار و الدّعاء و ما يريد أن يعلمهم من أمره و نهيه و ما فيه الصّلاح و الفساد» (1).

و في الوسائل: و قوله: «و ليس بفاعل غيره ممّن يؤمّ النّاس» غير موجود في عيون الأخبار (2).

أقول: و دلالته على كون المقصود بالإمام غير إمام الجماعة من وجوه:

____________

(1) عيون أخبار الرّضا (عليه السلام) ج 2 ص 111 مع اختلاف يسير.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 40 ذيل ح 6 من باب 25 من أبواب صلاة الجمعة.

82

..........

____________

منها قوله: «أنّ الصّلاة مع الإمام أتمّ و أكمل لعلمه و فقهه و عدله و فضله» لوضوح أنّها ليست من صفات إمام الجماعة إلّا العدالة.

و منها قوله: على ما في العلل- «للأمير» فإنّ عدم صدق العنوان المذكور على إمام الجماعة واضح.

و منها قوله: «و يخبرهم بما ورد عليهم من الآفاق.» فإنّ إمام الجماعة مع المأمومين سيّان في ذلك.

و منها قوله: «و ليس بفاعل غيره ممّن يؤمّ النّاس في غير يوم الجمعة».

و منها قوله: «و ما يريد أن يعلمهم من أمره و نهيه و ما فيه الصّلاح و الفساد».

فإنّ ذلك ليس شأن إمام الجماعة بما هو، و لا يصلح لصدق هذا العنوان عليه.

الثامن: موثّقة سماعة، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصّلاة يوم الجمعة، فقال [(عليه السلام)]: أمّا مع الإمام فركعتان، و أمّا لمن صلّى وحده فهي أربع ركعات و إن صلّوا جماعة» (1). و أيضا عن سماعة عنه (عليه السلام)، قال: «صلاة الجمعة مع الإمام ركعتان، فمن صلّى وحده فهي أربع ركعات» (2)، و أيضا عن سماعة عنه (عليه السلام) «. إنّما صلاة الجمعة مع الإمام ركعتان فمن صلّى مع غير إمام وحده فهي أربع ركعات بمنزلة الظهر.» (3) و أيضا عنه قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الصّلاة يوم الجمعة، فقال [(عليه السلام)]: أمّا مع الإمام فركعتان و أمّا من يصلّي وحده فهي أربع ركعات بمنزلة الظهر. يعني إذا كان إمام يخطب فإن لم يكن إمام يخطب فهي أربع ركعات و إن صلّوا جماعة» (4)

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 16 ح 8 من باب 6 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 14 ح 2 من باب 6 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 15 ح 6 من باب 6 من أبواب صلاة الجمعة.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 13 ح 3 من باب 5 من أبواب صلاة الجمعة.

83

..........

____________

و لا يخفى أنّ المظنون كون جميع تلك الأحاديث الأربعة راجعة إلى حديث واحد، فلا بدّ من الأخذ بالمتيقّن استفادته من جميع تلك المتون.

و قد يقال: بدلالته مع ذلك على الاشتراط بالإمام المعصوم و ليس المقصود به إمام الجماعة، أمّا على الطريق الأوّل: فواضح لقوله «و إن صلّوا جماعة». و يتلوه في الوضوح ما نقل بالطريق الرّابع، لقوله: «يعني إذا كان إمام يخطب» لأنّه إشارة إلى المعصوم أو من ينصبه، لا كلّ من يقدر على الخطبة لسهولة أقلّ الواجب منها. و أمّا على الثاني و الثالث: فلأنّ المنساق من الصّلاة مع الإمام هو الإمام الأصليّ و إلّا لكان المناسب أن يقول: إن كانت في جماعة فركعتان.

التّاسع: أنّ وزان الجمعة وزان صلاة العيدين، و إمامة العيدين من مناصبهم المختصّة، كما في خبر عبد اللّه بن سنان (1) المرويّ في الوسائل عن الصّدوق بإسناده عن حنّان بن سدير عنه (عبد اللّه بن سنان) عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «يا عبد اللّه ما من يوم عيد للمسلمين أضحى و لا فطر إلّا و هو يجدّد اللّه لآل محمّد (عليهم السلام) فيه حزنا قال: قلت: و لم؟ قال: إنّهم يرون حقّهم في أيدي غيرهم» (2). و عن حنّان بن سدير، عن عبد اللّه بن ذبيان مثله، و عن عمرو بن عثمان عن عبد اللّه بن دينار مثله أيضا.

أقول: لا يخفى ما فيه من الضّعف، لما فيه أوّلا: من ضعف الحديث. و- ثانيا:

أنّ إسراء الحكم منه إلى الجمعة قياس مع الفارق، لاختلاف صلاة العيدين و الجمعة في غير واحد من الأحكام من حيث الكيفيّة و الشرائط. و ثالثا: كون‌

____________

(1) لا يخفى أنّ المستفاد من الرّجال أنّه ليس الرّاوي، ابن سنان، لعدم نقل حنّان عنه، و هو دائر بين ابن دينار أو ابن ذبيان، و لعلّ الأوّل أولى، و ذلك لنقل الصّدوق و الكلينيّ بالعنوان المذكور، و لوجود ابن دينار في كتب الرّجال بخلاف ابن ذبيان. و منه يظهر ضعف الحديث، إلّا أن يقال: بصحّته من باب كون الناقل عنه- بواسطة حنّان بن سدير- هو الحسن بن محبوب الّذي هو مورد نقل إجماع الكشّيّ على تصحيح ما يصحّ عنه.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 136 ح 1 باب 31 من أبواب صلاة العيد.

84

..........

____________

المقصود من الحقّ صلاة العيد غير معلوم، بل لعلّ المقصود به الخلافة و السلطنة، و يكون العيد يوم ظهورها و بروزها على رؤوس الأشهاد. و- رابعا: لا يدلّ إلّا على أولويّة الإمام بالنّسبة إلى السائرين، فإنّ الخليفة يتكفّل ذلك من باب كون حقّ الأولويّة له و لو على نحو الاستحباب.

إن قلت: المستفاد من التعليل أنّ الملاك لتجديد الحزن صرف كون حقّهم في يد غيرهم و رؤيتهم ذلك، لا كونهم ممّن يقيمونها من باب قيام حقّ الأولويّة بهم، و لا. لأنّهم مزاحمون للأئمّة بالحقّ (عليهم السلام) و هو صادق على كلّ جمعة تقام بغيره أو بغير إذنه.

قلت:- أوّلا-: إنّه لعلّ المراد بالحقّ هو حقّ الأولويّة، و إقامتها من باب تقوّمها بالأمير، لا نفس إقامة صلاة الجمعة.

و ثانيا: إنّ تجديد الحزن بصرف كون ما يستحقّه بيد غيره- من غير مزاحمة له، بل من باب الإعراض عنه و عدم طريق للاستيذان منه- لا يناسب الأوسطين من النّاس، فكيف بالأولياء؟ فالتعليل الّذي هو لا بدّ أن يكون أمرا ارتكازيّا لا يناسب إلّا كونه على يد غيرهم على وجه المزاحمة.

و لعلّ الأولى: التّمسّك لذلك بموثّق سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«قلت له: متى يذبح؟ قال (عليه السلام): إذا انصرف الإمام. قلت: فإذا كنت في أرض ليس فيها إمام، فأصلّي بهم جماعة؟ فقال [(عليه السلام)]: إذا استقلّت الشّمس، و قال [(عليه السلام)]: لا بأس أن تصلّي وحدك، و لا صلاة إلّا مع إمام» (1). فإنّ ظهوره في اشتراط صلاة الجماعة في العيد بالإمام الّذي هو غير إمام الجماعة غير قابل للإنكار. و يمكن إسراء الحكم إلى صلاة الجمعة من جهة تصريح غير واحد من الأخبار بأنّ الجمعة عيد.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 96 ح 6 من باب 2 من أبواب صلاة العيد.

85

..........

____________

كخبر يعقوب عن أبي الحسن موسى (عليه السلام) و فيه: «و ليس للمسلمين عيد كان أولى منه، عظّمه اللّه و عظّمه محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) فأمره أن يجعله عيدا، فهو يوم الجمعة» (1).

و مرسل الصدوق و فيه. «خطب أمير المؤمنين (عليه السلام) في الجمعة، إلى أن قال: ألا إنّ هذا اليوم يوم جعله اللّه لكم عيدا» (2).

و خبر ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبد اللّه و فيه: «و الجمعة للتّنظيف و التطيّب، و هو عيد للمسلمين، و هو أفضل من الفطر و الأضحى» (3).

و خبر العلل المتقدّم (4) و لكن مع ذلك يأتي إن شاء اللّه ما فيه من الضعف.

العاشر: ما عن السجّاد عليه و على آبائه و أبنائه السّلام و الصّلاة في الصّحيفة في ضمن دعائه يوم الأضحى و الجمعة: «اللّهمّ إنّ هذا المقام لخلفائك و أصفيائك و مواضع أمنائك في الدرجة الرّفيعة الّتي اختصصتهم بها قد ابتزّوها و أنت المقدّر لذلك لا يغالب أمرك و لا يجاوز المحتوم من تدبيرك كيف شئت و أنّى شئت، و لما أنت أعلم به غير متّهم على خلقك و لا لإرادتك حتّى عاد صفوتك و خلفائك مغلوبين مقهورين مبتزّين يرون حكمك مبدّلا و كتابك منبوذا و فرائضك محرّفة عن جهات إشراعك و سنن نبيّك متروكة، اللّهمّ العن أعدائهم من الأوّلين و الآخرين، و من رضي بفعالهم و أشياعهم و أتباعهم، اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد إنّك حميد مجيد كصلواتك و بركاتك و تحيّاتك على أصفيائك إبراهيم و آل إبراهيم، و عجّل الفرج و الرّوح و النّصرة و التّمكين و التأييد لهم» (5) و في تقرير الطباطبائيّ البروجرديّ (قدّس سرّه) بعد نقل قطعة منه: و لها إسناد‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 63 ح 5 من باب 40 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 65 ح 12 من باب 40 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 66 ح 18 من باب 40 من أبواب صلاة الجمعة.

(4) في ص 80.

(5) الصحيفة السجّاديّة دعاء 48.

86

..........

____________

ذكرها الشيخ و النجاشيّ، و لشارحها السيّد علي خان (رحمه اللّه) أيضا سند عن آبائه، و لنا أيضا سند آخر إليها (1).

الحادي عشر: ما دلّ على أنّه لا جمعة إلّا في مصر و أنّه ليس على أهل القرى جمعة و لا خروج في العيدين، كخبر طلحة بن زيد عن جعفر، عن أبيه عن علي- (عليهم السلام)- قال: «لا جمعة إلّا في مصر تقام فيه الحدود» (2) و خبر حفص بن غياث عن جعفر عن أبيه- (عليهما السلام)- قال: «ليس على أهل القرى جمعة و لا خروج في العيدين» (3). بتقريب أنّه يقطع بعدم خصوصيّة عنوان المصر في وجوب الجمعة باتّفاق الأصحاب، فلا بدّ أن يكون التخصيص المذكور من جهة أنّ الإمام أو المنصوب يكون في الأمصار غالبا و لا يكون في القرى. و قد نقل في الوسائل عن الشيخ (قدّس سرّه) حملهما على التقيّة أو على صورة اختلال الشروط (4).

أقول: حملهما على التقيّة بعيد جدّا، إذ هي لا تقتضي نسبة الكذب إلى أبيه و عليّ (عليهما السلام) في مقام الإفتاء، مع حصولها بإفتائه (عليه السلام) من دون النقل عنهما، مع أنّ المنقول عن العامّة مختلف جدّا، و اعتبار خصوصيّة المصر لم ينقل إلّا عن أبي حنيفة (5).

الثاني عشر: ما يدلّ على أنّه ليس لأهل القرى أن يجمّعوا إلّا إذا كان لهم من يخطب، فإذا كان لهم من يخطب فعليهم أن يجمّعوا. كصحيح محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام)، قال: «سألته [(عليه السلام)] عن أناس في قرية هل يصلّون الجمعة جماعة؟ قال [(عليه السلام)]: نعم (و) يصلّون أربعا إذا لم يكن من‌

____________

(1) البدر الزّاهر ص 25 الرّابع.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 10 ح 3 من باب 3 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 10 ح 4 من باب 3 من أبواب صلاة الجمعة.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 10.

(5) راجع التذكرة، المسائل المذكورة في ذيل المطلب الثاني من صلاة الجمعة.

87

..........

____________

يخطب» (1). و مصحّح فضل بن عبد الملك، قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: إذا كان قوم في قرية صلّوا الجمعة أربع ركعات، فإن كان لهم من يخطب لهم جمعوا إذا كانوا خمس نفر، و إنّما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين» (2).

و تقريب دلالة ذلك على الاشتراط بالإمام المعصوم أو المنصوب أنّه: ليس المراد ب‍ «من يخطب» كلّ من يقدر على الإتيان بأقلّ الواجب من الخطبة، فإنّه مع وجود من يأتمّ به و ينعقد به الجماعة- كما هو مفروض في الصحيح الأوّل- يبعد أن لا يقدر على الخطبة، فالمقصود به: إمّا الإمام أو المنصوب من قبله و إمّا من يخطب فعلا الدالّ على أنّ له أن لا يخطب، فلا يتعيّن على الإمام الخطبة، و لا يجب على المأمومين إجباره على ذلك، فيدلّ على عدم الوجوب في القرى، عند عدم حضور المعصوم أو المنصوب، فيدلّ على الاشتراط في الجملة.

الثالث عشر: ما يستفاد من بعض الرّوايات أنّ أصحاب الأئمّة (عليهم السلام) كانوا يتركون الجمعة. أمّا كونهم تاركين لها فلصحيح زرارة، قال: «حثّنا أبو عبد اللّه (عليه السلام) على صلاة الجمعة حتّى ظننت أنّه يريد أن نأتيه، فقلت: نغدو عليك؟ فقال [(عليه السلام)]: لا، إنّما عنيت عندكم» (3). فإنّه لو كان زرارة ممّن يصلّي صلاة الجمعة، لم يكن معنى للحثّ عليها و لذكره بأنّي أصلّيها. و موثّق ابن بكير عن زرارة عن عبد الملك عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال [(عليه السلام)] مثلك يهلك و لم يصلّ فريضة فرضها اللّه [تعالى].» (4). و أمّا دلالة ذلك على الاشتراط بإقامة الإمام أو المنصوب- و لو من جهة كون وجوبها مشروطا بذلك- فواضح إذ لو كان واجبا لما كانوا يجهلونه، و لو كانوا عالمين بوجوبها لما كانوا تاركين لها.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 10 ح 1 من باب 3 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 10 ح 2 من باب 3 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 12 ح 1 من باب 5 من أبواب صلاة الجمعة.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 12 ح 2 من باب 5 من أبواب صلاة الجمعة.

88

..........

____________

الرّابع عشر: ما ورد في كيفيّة الصّلاة مع العامّة، و هذا الدّليل مركّب من أمور:

1- أنّه لا يصحّ معهم الجمعة مطلقا سواء كانت مندوحة في البين أم لا.

2- انتقال التكليف حينئذ إلى الظهر أربع ركعات.

3- أنّ مقتضى عمومات التقيّة هو صحّة الواجب الّذي يؤتى به تقيّة إمّا مطلقا أو مع عدم المندوحة.

و مع فرض المقدّمات المذكورة لا بدّ أن لا يكون واجبا مطلقا و إلّا إمّا كان الاقتداء بهم صحيحا إن كان العمل من باب التقيّة و لم يكن في البين مندوحة، أو كانت و لكن لم يكن عدمها شرطا، و إمّا لا ينتقل التكليف إلى أربع ركعات للتّمكّن من الإتيان بالعمل من دون أن يكون مختلّ الشرط، فتأمّل.

و أمّا إثبات الأمور المذكورة، فنقول: يدلّ على الأوّل و الثاني موثّق حمران عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)- في حديث- «قال (عليه السلام) في كتاب عليّ (عليه السلام):

إذا صلّوا الجمعة في وقت فصلّوا معهم و لا تقومنّ من مقعدك حتى تصلّي ركعتين أخريين، قلت: فأكون قد صلّيت أربعا لنفسي لم أقتدي به؟ فقال (عليه السلام):

نعم» (1) و غير ذلك.

و على الثالث عمومات التقيّة الواردة في بابه الدّالة على الإجزاء مطلقا أو في مورد عدم المندوحة.

الخامس عشر: ما رواه في الوسائل عن الشيخ في المصباح عن ابن أبي عمير عن هشام عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «إنّي لأحبّ للمؤمن (للرّجل) أن لا يخرج من الدّنيا حتّى يتمتّع و لو مرّة و أن يصلّي الجمعة في جماعة» (2). فإنّ ظهوره في عدم الوجوب واضح، و لو كان قوله (عليه السلام) «و أن يصلّي» عطفا على «ان لا يخرج»‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 44 ح 1 من باب 29 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) وسائل الشيعة ج 14 ص 443 ح 7 من باب 2 من أبواب المتعة.

89

..........

____________

لظهور «إنّي لأحبّ» في الاستحباب، فيكون دالّا على اشتراط الوجوب بأن يقيمها المعصوم (عليه السلام) أو المنصوب من قبله.

السّادس عشر: خبر إسحاق بن عمّار عن جعفر عن أبيه: «أنّ عليّ بن أبي طالب (عليهم السلام)، كان يقول: إذا اجتمع عيدان للنّاس في يوم واحد فإنّه ينبغي للإمام أن يقول للنّاس في خطبة الاولى: إنّه قد اجتمع لكم عيدان فأنا أصلّيهما جميعا، فمن كان مكانه قاصيا فأحبّ أن ينصرف عن الآخر، فقد أذنت له» (1).

حيث إنّ الظاهر أنّ الإذن في ترك صلاة الجمعة للإمام [المعصوم]، و أنّ له أن يأذن في تركه إذا رأى مصلحة في ذلك، و هذا يدلّ على كون إقامتها حقّا له.

السابع عشر: خبر دعائم الإسلام عن عليّ (عليه السلام) أنّه قال: «لا يصلح الحكم و لا الحدود و لا الجمعة إلّا بإمام عدل» (2).

الثامن عشر: ما روي عن الأشعثيّات: «انّ الجمعة و الحكومة لإمام المسلمين» (3).

التّاسع عشر: ما في الجواهر عن رسالة الفاضل بن عصفور، روى مرسلا عنهم (عليهم السلام): «إنّ الجمعة لنا، و الجماعة لشيعتنا» (4).

العشرون: ما في الجواهر عنها أيضا عنهم (عليهم السلام): «لنا الخمس و لنا الأنفال و لنا الجمعة و لنا صفو المال» (5).

الحادي و العشرون: ما فيها أيضا من النبويّ المشهور: «أربع للولاة: الفي‌ء و الحدود و الصّدقات و الجمعة» (6).

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 116 ح 3 من باب 15 من أبواب صلاة العيد.

(2) المستدرك ج 1 ص 408 ح 4 من باب 5 من أبواب صلاة الجمعة. و في الجواهر: «إلّا للإمام أو من يقيمه الإمام» ج 11 ص 158.

(3) البدر الزّاهر ص 30.

(4) الجواهر ج 11 ص 158.

(5) الجواهر ج 11 ص 158.

(6) الجواهر ج 11 ص 158.

90

..........

____________

الثاني و العشرون: ما عن الجعفريّات عن عليّ (عليه السلام). و فيه: «إذا كان عليهم أمير يقيم الحدود عليهم، فقد وجب عليهم الجمعة و التّشريق» (1).

الثالث و العشرون: ما عنها أيضا «أنّ عليّا (عليه السلام) قال: لا يصحّ الحكم و لا الحدود و لا الجمعة إلّا بإمام» (2).

الرّابع و العشرون: ما عنها أيضا «أنّ عليّا (عليه السلام) سئل عن الإمام يهرب و لا يخلف أحدا يصلّي بالنّاس، كيف يصلّون الجمعة؟ قال: يصلّون كصلاتهم أربع ركعات» (3).

الخامس و العشرون: ما عن دعائم الإسلام عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) أنّه قال (عليه السلام): «لا جمعة إلّا مع إمام عدل تقيّ» (4).

هذا ما يمكن الاستدلال به على الاشتراط بالإمام المعصوم في الجملة.

و قد استقصينا الكلام في ذلك بعونه تعالى بما لم أر في كتاب من كتب الأصحاب (رضوان اللّه عليهم)، لتوضيح تلك المسألة العويصة الّتي صارت معركة للآراء إلى عصرنا هذا، كما أرجو منه التّوفيق للاستقصاء في باقي ما يتعلّق بالمسألة من الجهات و الأدلّة، و الهداية للحقّ الحقيق بالتصديق، و توضيح ما هو الحقّ حتّى لا يبقى في البين غشاوة للفقيه. و هو وليّ كلّ حسنة و صاحب كلّ نعمة.

الأمر الرابع في ذكر ما يرد على ما تقدّم من المناقشات، فنقول بعونه تعالى:

أمّا الأوّل (5)- و هو الإجماع القوليّ- فقد تقدّم المناقشة فيه، و هي ترجع إلى أمرين:

____________

(1) المستدرك ج 1 ص 408 ح 1 من باب 5 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) المستدرك ج 1 ص 408 ح 2 من باب 5 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) المستدرك ج 1 ص 408 ح 3 و 4 من باب 5 من أبواب صلاة الجمعة.

(4) المستدرك ج 1 ص 408 ح 3 و 4 من باب 5 من أبواب صلاة الجمعة.

(5) المتقدّم في ص 77.

91

..........

____________

أحدهما: أنّ مدركه معلوم أو مظنون.

ثانيهما: أنّ الإجماع مركّب، على الظاهر، أو يحتمل أن يكون كذلك، بل يمكن منع الإجماع واقعا، كما تقدّم (1) لظهور عبارة السيّد المتقدّمة (2) في عدمه، و لوجود الخلاف، و ظهور غير واحد من العبارات في الوجوب التعيينيّ.

و أمّا الثاني (3) أي السيرة العمليّة، فاستمرارها على تقدّم الأمير لا يدلّ على الاشتراط، بل يكفي في استمرارها الاستحباب، كما في استمرارها على الأذان و وجود المسجد في كلّ بلد من بلاد المسلمين، و إقامة الجماعة فيها، مع وضوح استحباب كلّ ذلك، فصرف السيرة العمليّة على كون إقامتها موكولة إلى طائفة خاصّة، لا يدلّ على الإيجاب، و إن دلّ عليه لا يدلّ على اشتراط أصل ماهيّة صلاة الجمعة بذلك، بل يمكن دخالته في الكمال اللازم رعايته، فيكون المطلوب أوّلا هو الصلاة خلف الإمام أو المنصوب، و المطلوب الثاني أصل صلاة الجمعة، كما ربما يستفاد كون وجوب الجمعة على نحو تعدّد المطلوب من مصحّح زرارة المرويّ عن الفقيه و الأمالي و عقاب الأعمال (4)، و المحاسن عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

«صلاة الجمعة فريضة و الاجتماع إليها فريضة مع الإمام.» (5).

و أمّا استفادة الاشتراط من كون ذلك مقرونا بالارتكاز على الاشتراط، فهو خارج عن الاتّكاء على السيرة، بل هو تمسّك بآرائهم و مذاهبهم، و يرجع ذلك إلى الإجماع القوليّ الّذي يمكن أن يكون مدركه ذلك، و يمكن منعه. فإنّه لا يعلم أنّ جميع من استمرّت سيرتهم كانوا يعتقدون شرطيّة الجمعة به بنحو وحدة المطلوب، بل الظاهر أنّهم لم يروا كثير منهم إلّا العمل المستمرّ.

____________

(1) في ص 75.

(2) في ص 64.

(3) المتقدّم في ص 78.

(4) كما في الجواهر ج 11 ص 161.

(5) وسائل الشيعة ج 5 ص 4 ح 8 من باب 1 من أبواب صلاة الجمعة.

92

..........

____________

و أمّا ما نقلناه (1) عن الجواهر من الاتّكاء على عبارة الشيخ (قدّس سرّه) في مقام نقل السّيرة من حيث شهادته بالنّفي و أنّه ما أقام الجمعة إلّا الخلفاء و الأمراء و من ولي الصّلاة،- و ذلك دليل الاشتراط- فيمكن المناقشة في ذلك بأنّ شهادته ترجع إلى نفي العلم، فإنّه من أين يعلم أنّه ما أقام الجمعة من زمن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) إلى عصره في قرية و لا واد أحد إلّا الخلفاء؟ فالمقصود أنّه لا يعلم بذلك.

مع أنّه لعلّ عدم إقامته من باب وجود المنصوب في جميع الأمصار دائما كوجود الحاكم و الوالي و القاضي، و كان أكثر العامّة على عدم صحّة عقد الجمعة إلّا في الأمصار، كما نسبه الشيخ (قدّس سرّه) إليهم على ما في الوسائل، فعدم إقامة الجمعة من باب وجود المنصوب، و كونه هو الأولى استحبابا أو وجوبا، و أمّا عدم إقامة الجمعة في مصر من أمصار المسلمين لعدم المنصوب فغير واضح، بل لعلّ عدمها من المنكرات عندهم.

هذا، مع أنّ ما ورد من غير واحد من الرّوايات الدالّة على الوجوب بصرف العدد- و إن كان في القرى- رادع لتلك السّيرة المدّعاة القائمة على عدم الإتيان بصلاة الجمعة، إذا لم يكن منصوب.

و توضيح ردّها بأزيد من ذلك أن يقال:

1- إنّ مقتضى ما في كلام الشّيخ (قدّس سرّه) عدم الصحّة إلّا بإذن الإمام، و هو خلاف المشهور، و إن كان يمكن الجواب عنه: بأنّه لعلّ عدم إقامتها من باب عدم وجوب التعيينيّ، و أنّه كان يجب عليهم السّعي إذا أقيمت، كما «قيل: هو المشهور بين أصحاب التخيير» (2).

2- إنّ شهادة الشيخ (قدّس سرّه) ليس إلّا بنحو الحدس بالنّسبة إلى زمن النّبيّ و الوصيّ (عليهما السلام)، و أمّا بالنّسبة إلى زمان الغاصبين فيكفي للرّدع أخبار القرى،

____________

(1) في ص 78.

(2) الجواهر ج 11 ص 176.

93

..........

____________

و هي غير الإطلاقات.

3- إنّه على فرض تسليم عدم إقامة الصّلاة في مواقع عدم التمكّن أو عدم الوجوب كما فيما فوق الفرسخين، فلعلّه من باب عدم الصّالح لإقامة الجمعة- من كونه عادلا و يقدر على الخطبتين- أو عدم النّصب فيما كان الصّالح موجودا، و إلّا فالإشكال مشترك لأنّ الظاهر وجوب النّصب على الإمام كما أنّه نقل في الجواهر:

الاتّفاق على وجوب العقد على الإمام أو المنصوب (1).

4- ما في الجواهر من أنّ الأقبح دعوى الاختصاص بحال الحضور (الظهور) (2) منظور فيه، إذ ليس الإلحاق إلّا القياس مع الفارق الواضح.

5- إنّ جميع ذلك انّما يتمّ لو لا نيابة الفقيه عن الإمام (عليه السلام) في جميع ما يجوز له أو يجب عليه.

6- يمكن أن يكون قيام سيرة النّبيّ و الوليّ (عليهما السلام) و الخلفاء من جهة حفظ مصالح الاجتماع و رفع التنازع و التنافس و التخاصم كما نقل في الجواهر ذلك عن بعضهم بعنوان أنّه أقبح من الجميع، و عقّبه بقوله: «و لو تأمّلوا لوجدوا أنّ ذلك دليل الشرطيّة، ضرورة أنّ هذا و شبهه من أعظم ما يحتاج النّاس فيه إلى الإمام بل قد يخشى من الشكّ فيه، الشّك في الإمام، و العياذ باللّه» (3).

و فيه وجوه من المبالغة و الضعف إذ فيه:

أوّلا: أنّه وجيه مع قطع النّظر عن حكاية الشيخ من عدم القيام مع عدم وجود المنصوب، مع أنّ فيه مناقشة بأنّه ليس ذلك إلّا من باب عدم الاطّلاع، و لعلّه كان المنصوب في عصر النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و الوصيّ في كلّ محلّ يكون فيه رجل صالح للإمامة، و أمّا في غيره فمردوع عنه بما تقدّم آنفا.

و ثانيا: أنّ التخاصم ليس دائما حتّى يصلح للشرطيّة، و التخاصم الأحيانيّ‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 152.

(2) الجواهر ج 11 ص 157.

(3) الجواهر ج 11 ص 158- 157

94

..........

____________

حاصل في القضاء أيضا، و حاصل مع فرض النصب أيضا.

و ثالثا: أنّ التخاصم الدائميّ أو الغالبيّ أو الأحيانيّ ليس إلّا مفسدة، و تقدّمها على مفسدة ترك الجمعة غير معلوم.

و رابعا: مع فرض كونها أعظم، لكن ليس هذا إلّا بسوء اختيار المكلّفين فلا يدور أمر الشّارع بين الملاكين، إذ لو أطاعوه لأدركوهما جميعا.

و خامسا: على فرض التسليم، لا يقتضي ذلك إلقاء الوجوب، بل يمكن أن يكشف عن وجوب النّصب على المرجع العامّ أو السّلطان الشيعيّ، كعصر الصّفويّة، حتّى يرتفع التخاصم.

و سادسا: ليس الاحتياج إلى الإمام (عليه السلام) لرفع التخاصم، بل ربما كان التخاصم في عصره أزيد،- كما في عصر النّبيّ و الوصيّ (عليهما السلام)- و إنّما الاحتياج إليه لإعلاء الحقّ و إمحاء الباطل مهما أمكن- و لو كان ذلك بالتخاصم في الجهات المختلفة- من بيان الأحكام و الموعظة الحسنة و القضاء و الجهاد و إجراء الحدود و غيره.

و سابعا: لا يخشى من إنكار ما ذكر بل و لا إنكار ما ذكرناه الشكّ في وجوده (عليه السلام) مع وجود آلاف من الدلائل النقليّة من الكتاب و السنّة على وجوده (عليه السلام) كما هو واضح بحمده تعالى.

و أمّا الثّالث (1) فمنقوض بالولاية الّتي هي أساس المجتمع الإسلاميّ فإنّ وصول النّفوس المستعدّة للكمال إلى كمالاتهم الّذي يكون موردا لغرض الأنبياء (عليهم السلام)- و لذلك بعثوا- متوقّف على الحكومة الصحيحة الحقّة الإلهيّة، و لعلّه لذلك ورد في الحديث أنّه: «لم يناد أحد بشي‌ء كما نودي بالولاية» (2).

____________

(1) المتقدّم في ص 78.

(2) الأصول من الكافي ج 2 كتاب الإيمان و الكفر باب دعائم الإسلام ص 18 ح 1.

95

..........

____________

و الحاصل: أنّها مع كمال أهمّيّتها صارت مختفية على أكثر الملّة الإسلاميّة و ليس ذلك دليلا على عدم صدور التعيين من جانب الرّسول المكرّم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، كما أنّ نبوّة النبيّ الأكرم لا تكون من الضروريّات لجميع أهل العالم بل و لا للملّة العربيّة، و ذلك لا يدلّ على عدم وجود آيات كافية و بيّنات واضحة.

و أمّا الحلّ في مسئلتنا هذه فنقول:

أمّا وجوبها فعلا فعند العامّة ضروريّ، و أمّا عند الشيعة الإماميّة فوجه الاختلاف عدم كون الأمر بيدهم، و لم يكونوا يتمكّنون من إقامة الجمعة في عصر الخلفاء الأمويّين و العبّاسيّين، فإنّ ذلك كان تعرّضا لمنصب الحكومة عندهم، و لم يكن للإمام (عليه السلام) أمرهم بذلك، إذ كان ذلك موجبا لإيثار الفتنة جدّا، و لعمري إنّ ما صدر من الإمام الصّادق (عليه السلام) من الأمر بإقامة الجمعة عندهم عجيب، و كذا وصول ذلك الأخبار إلينا.

و توضيح ذلك: أنّ عدم معروفيّة الأمر الّذي يكون موردا للابتلاء لا يدلّ على بطلانه، كما في ولاية الأئمّة (عليهم السلام) خصوصا بالنّسبة إلى زمان خلفاء العبّاسيّين و الأمويّين، و كذا نبوّة الخاتم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بالنّسبة إلى من ينكرها، و كذا أصل معرفة اللّه تعالى مع وضوحها جدّا بالنّسبة إلى منكريه تعالى التّابعين لمسلك «كمونيسم» و من كان مثلهم.

نعم، الفرق بينه و بين صلاة الظهر يكشف عن علل، كما أنّ الخفاء في جميع ما تقدّم، علله واضحة بحمده تعالى عندي، و ليس منشأه- العياذ باللّه تعالى- هو البطلان، فإنّ الإسلام و التّشيّع حقّ بلا شبهة و لا ريب. و عمدة العلل في غير صلاة الجمعة هو التّعصّب و الأنانيّة بالنّسبة إلى ما كان يدين به الآباء، و صعوبة الخروج عن المسلك للبشر جدّا إلّا لمن وفّقه اللّه تعالى.

و أصل الانحراف و مبدأه لعلل خاصّة غير خفيّة:

ففي عدم الاعتقاد القطعيّ به تعالى عدم رؤيته، و غفلتهم عن النظم التّامّ‌

96

..........

____________

الموجود في كلّ ذرّة من الذّرّات، و أنّ الممكن حدوثا و بقاء محتاج إلى الواجب، و ما أودعه اللّه في السّموات و الأرضين، من الآيات، و إيجاد الحياة و العقل و الشعور.

و الانحراف عن الإسلام، لسبق المسيحيّة و اليهوديّة، و ما تقدّم من عدم توفيق الرّجوع.

و سبب الانحراف عن عليّ و ولده (عليهم السلام) واضح جدّا، فإنّ سببه هو العدّة الّتي كانوا بصدد قتل النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)- في القصّة- و هم كانوا مصمّمين على رئاسة المملكة الإسلاميّة، و اجترؤا عليها بملاحظة الأحقاد الكامنة في نفوس جمع و بغضهم لعليّ (عليه السلام) من جهة كثرة نصرته للإسلام و قتله لأقربائهم، فالمقدّس المنزّه منهم من كان ساكتا عن هذا الأمر، و موجّها عمله بالتّقيّة، و مع ذلك فتقيّتهم بعد العثمان عجيب جدّا. و قد خرجنا عن مسلك الكتاب، لرفع بعض ما يمكن فيه الارتياب.

و أمّا سبب خفاء الأمر في صلاة الجمعة عند خصوص الشيعة مع وضوح وجوبها مطلقا عند العامّة- كانت خليفة في البين أم لم تكن- فيمكن أن يكون أمورا:

1- تركهم بنفسهم (عليهم السلام) في زمان قبض اليد و حضورهم جمعة المخالفين في بعض الأوقات.

2- ترك الأصحاب.

3- قيام السّيرة العمليّة على إقامة الأمراء و الخلفاء- حقّا أو باطلا- أو المنصوب من قبلهم.

4- وجود بعض الرّوايات الموهمة لذلك.

و كلّ ذلك ظهر جوابه ممّا تقدّم، و ليس شيئا زائدا عمّا أجيب عنه، و العمدة هو قبض يد الشيعة، و التقيّة الشديدة الّتي هي في خصوص إقامة الجمعة الّتي هي شأن الخلفاء، و بعد وصول السّلطنة إلى الشيعة، صارت المسألة موردا للخلاف إلى الآن.

مع أنّ هنا أمورا يبعّد عدم الوجوب في قبال ما ذكر:

97

..........

____________

منها: عدم شي‌ء دالّ بالصراحة على عدم الوجوب واقعا. و إلّا لوصل إلينا، إذ لا معنى لترك الرّواة رواية صريحة صحيحة في عدم الوجوب، و نقلهم الموهمة لذلك.

و منها: أنّ أكثر مناصب الإمام ثابت للفقيه- بحسب فتاوى الفقهاء- كالإفتاء و القضاء و الحدود، بل و الجهاد على ما قوّاه صاحب الجواهر،- لو لا الإجماع- و التصرّف في السّهم المبارك و الزكاة و حقّ السّادات و أخذها لمستحقّيها و غير ذلك، فبعيد أن يكون صلاة الجمعة مشروطة صحّة أو وجوبا بعصر البسط.

إن قلت: لو كان واجبا معيّنا كوجوب سائر الصّلوات، لصار تعيّنه ضروريّا في عصر الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قبل بسط الجور.

قلت: ليس المدّعي كونها كصلاة الصّبح، بل لا ينكر أنّه لا بدّ من الإمام المعصوم (عليه السلام) إن كان، و من منصوبه أيضا كذلك، و بعد ذلك لا بدّ من الإمام العادل الخطيب. و عدم ذلك في غير واحد من مساكن عصر الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، واضح، فلم تكن كصلاة الصّبح [حتّى] تكون واجبة من غير شرط الإمام و الخطيب و العدد.

و أمّا الرّابع (1) فأمّا التقريب الأوّل، ففيه: أنّ التعيّن إنّما هو في فرض البعد عن الجمعة بفرسخين، فالتعيّن إنّما هو في فرض عدم عقد الجمعة في تلك المسافة، و التعيّن في الفرض المذكور لا ينافي التخيير، لأنّ مرجعه إلى تعيّن أحد طرفي التخيير عند فرض عدم الطرف الآخر، فإنّه لو فرض عقد جمعتين صحيحتين في المسافة المعيّنة كان الواجب هو السّعي إلى إحداهما، لأنّ التكليف المعيّن تعلّق بالسّعي إلى الجمعة الصّحيحة، بنحو الطبيعة الكلّيّة، فقد يكون مصداقها واحدا فتعيّن قهرا، و قد يكون متعدّدا فتخيّر في المصداق- و إن كان التعيّن بالنّسبة إلى أصل الطبيعة‌

____________

(1) المتقدّم في ص 79.

98

..........

____________

محفوظا- و لا فرق في التقريب المذكور، سؤالا و جوابا بين الاشتراط بالمعصوم أو المنصوب، أو عدمه، إذ إشكال التّعيّن وارد على تقدير وجود المنصوب في الفرسخين فما دونه إلى الفرسخ، و الجواب مشترك كما لا يخفى.

إلّا أن يقال: إنّ مقتضى إطلاق تعيّن السّعي إلى الجمعة المنقعدة، عدم جواز العقد بصرف وجود العادل و العدد، و هذا يدلّ على الاشتراط بالمنصوب.

و فيه: أنّ دلالته على التعيّن بالمفهوم، لأنّ ما وصل إليه النّظر من الأخبار هو عدم الوجوب على من بعد عن المسافة، و ليس المقصود عدم الوجوب سعيا و لا عقدا إذ يلزم عدم وجوب الجمعة في الإسلام إلّا جمعة واحدة، فالدليل من أوّل الأمر ليس إلّا في مقام السّعي و عدمه، من حيث الجمعة المنعقدة، و على فرض الإطلاق فلا يشمل في أوّل الأمر صورة التمكّن من العقد، فالدليل قاصر من حيث المنطوق، و قاصر من حيث المفهوم أيضا.

هذا لو كان المسافة شرطا بالنّسبة إلى الجمعة المنعقدة، و أمّا إذا كان ذلك شرطا للتمكّن فلا إشكال أصلا، إذ عليه يتعيّن السّعي في المسافة إلى مقدار يتمكّن من الجمعة عقدا أو سعيا، فتأمّل.

و أمّا التقريب الثّاني، ففيه: أنّ وجدان العادل الّذي تطمئنّ نفوس البلد أو القرية بعدالته مع القدرة على الخطابة بحيث يصدق على كلامه الخطبة، ليس من الأمور السّهلة جدّا بحيث ينافي فرض عدمه، كما أنّه حكم في غير واحد من الأخبار بإقامة الجمعة إذا فرض وجود من يخطب، فلو كان وجوده في كلّ مجتمع من مجتمعات المسلمين معلوما ضروريّا لكان الشرط المذكور ملحقا باللّغو، فكما يفرض وجوده و يحكم بوجوب الجمعة، كذلك لا إشكال في فرض عدم انعقاد الجمعة لعدم وجود العادل الخطيب.

و توضيحه بأزيد ممّا ذكر: أنّ لعدم انعقاد الجمعة في طيّ الفرسخين عللا، في عصر الإمام بالحقّ، و غير العصر المذكور.

99

..........

____________

أمّا في عصر الإمام بالحقّ، فلعدم وجود العادل الخطيب في كلّ ناحية فيها جماعة من النّاس، و لعدم جواز إقامة الجمعة في طيّ الفرسخ لبطلانها فلا بدّ لهم من السّعي، و لأنّه مع وجود العادل في زمن المعصوم فالأغلب أنّ العدول يسعون إلى صلاة الإمام- المعلوم كونها مشتملة على المثوبات العظام- و من الممكن الاشتراط بالنصب، و كانوا لا ينصبون في طيّ الفرسخين لاجتماع النّاس في محلّ واحد، و لا يضايق القائل بالوجوب التعيينيّ من الاشتراط بالنّصب في عصر بسط اليد.

و أمّا في زمن الغيبة أو ما يشابهه، فلما ذكر من عدم وجود العادل، و عدم جواز إقامتها في طيّ الفرسخ، و لسعي العدول إلى الجمعات المنعقدة في الأمصار، و للخوف من إقامتها كما تقدّم و يشير إليه الرّوايات.

و أمّا التقريب الثّالث: ففيه أنّه مشترك الورود، فإنّه ربما يرد ذلك، و لو على فرض الاشتراط بالنّصب، إذ مقتضى تسهيل الأمر على العباد نصب من يصلح لذلك في كلّ مجتمع، إلّا إذا كان الفصل أقلّ من فرسخ واحد، فكلّما يفرض أن يكون جوابا لذلك من عدم الرّجل الصّالح لذلك، أو كون الصّلاح في الاجتماع في الأمصار، يكون جوابا لمن لا يشترط النصب.

هذا بالنّسبة إلى عصر المعصوم. و أمّا بالنسبة إلى عصر خلفاء الجور، فيكفي في ذلك الخوف الشديد من الانعقاد في المسافة القريبة بمحلّ جمعة الخليفة أو المنصوب من قبله. كما هو واضح.

و أمّا الخامس (1) ففيه: أنّ الحكم بأنّه «ليس عليه شي‌ء» كما في الصحيح المتقدّم (2) ليس- بحسب الظاهر- إلّا التصريح بالمفهوم المستفاد من الصدر، و لا ريب أنّ مفهوم وجوب السّعي إلى الجمعة المنعقدة إن كان المكلّف على رأس فرسخين، ليس إلّا عدم وجوب السّعي، لا عدم وجوب صلاة عليه في ظهر ذلك‌

____________

(1) المتقدّم في ص 80.

(2) المتقدّم في ص 79.

100

..........

____________

اليوم، فلا ينافي أن يكون الواجب عليه عقد الجمعة، و قلب الفرض الّذي هو البعد عن الجمعة بأزيد من الفرسخين، إن تمكّن من ذلك- بأن يفحص عن المنصوب المجاز، و يجي‌ء به إلى محلّه على القول باشتراطه بذلك، أو يفحص عن الخطيب العادل حتّى يقيم الجمعة، و إن لم يتمكّن، كان عليه الإتيان بأربع ركعات.

و الحاصل: أنّه ليس مفاد مثل الصّحيح المتقدّم (1) إلّا عدم وجوب السّعي إلى الجمعة المنعقدة في الفرض المذكور، بقرينة كونه بصدد ذكر مفهوم الصّدر، و بقرينة الضرورة الخارجيّة القائمة بوجوب الصّلاة عليه ظهر يوم الجمعة، إمّا ركعتين و إمّا أربع ركعات.

و التحقيق في الجواب أن يقال: إنّ المقصود من قوله (عليه السلام) «فليس عليه شي‌ء» في الصّحيح المتقدّم (2) ليس إلّا عدم وجوب السّعي، لا الأعمّ منه و من العقد، لعدم استفادة غير ذلك منه إثباتا، و عدم تصوّر الاشتراط الثبوتيّ إلّا بالنّسبة إلى السعي دون العقد.

أمّا الأوّل: فلأنّ الظاهر أنّه المفهوم لما قبله، و ما قبله ليس إلّا وجوب السّعي.

إن قلت: مقتضى الجمود على الظاهر هو وجوب الجمعة. قلت: لا يعتنى بذلك بعد اشتراكه بين الفرسخ و الفرسخين، و بعد أنّ المناسبة في المسافة هو وجوب السّعي لا وجوب العقد، إذ لا تناسب بين المسافة و وجوب العقد. هذا مضافا إلى قيام الضّرورة بوجوب شي‌ء عليه، و لو كان الظهر أربع ركعات، فليس في مقام الإطلاق حتّى يخصّص، بل المقصود به هو الشي‌ء المناسب و هو عدم وجوب السّعي.

و أمّا الثّاني: فلأنّ مقتضى اشتراط العقد بوجود المسافة ثبوتا إمّا المحال و إمّا عدم الانعقاد، فإنّه إن كان مشترطا انعقادها بعقد الجمعة في المسافة و لو كانت جمعة نفسه، لزم المحال لاشتراط وجوب الشي‌ء بوجوده، و مع فرض وجوده لا معنى‌

____________

(1) في ص 79.

(2) في ص 79.

101

..........

____________

للإيجاب و البعث، و إن كان مشروطا بعقد جمعة اخرى، فلا يصحّ، أو لا يجب على الإمام، الجمعة، إلّا بعد عقد الجمعة في المسافة المعيّنة و هو واضح الفساد.

و الّذي يوضح عدم الدلالة- مضافا إلى ما تقدّم- أنّ الشرطيّة المذكورة ليست بالنّسبة إلى خصوص زمان قبض يد الأمير العادل (عليه السلام)، بل هو من شرائط أصل الجمعة، و حينئذ لا يمكن أن يكون المقصود من اشتراط أنّ الجمعة تجب أو تصحّ إذا انعقدت في طيّ المسافة المذكورة، فإنّه لا يقتضي العقد، فإذا لم ينعقد فلا يكون المكلّف داخلا في المسافة، بل و إن قيل بوجوب العقد في الجملة بالضّرورة من الخارج، فمقتضى ذلك كفاية عقد جمعة واحدة في الأرض، إذ لا يجب أو لا يصحّ لمن كان منزله على أزيد من فرسخين. و هذا باطل بالضّرورة.

فلا بدّ إمّا أن يكون المقصود هو الحكم الحيثيّ، أي من حيث السّعي إليه تعيينا أو تخييرا بينه و بين العقد، كما أنّ التخيير أيضا ملحوظ فيما زاد عن الفرسخ، فإنّه يجب عليه الجمعة عقدا أو سعيا، فإذا كان فيما زاد عن المسافة لا يكون التخيير المذكور.

أو يكون المقصود كما هو الأظهر- بمناسبة الحكم و الموضوع- أنّه لا بدّ من طيّ فرسخين للتمكّن من إقامة الجمعة سعيا أو عقدا، لا أنّ وجوب السّعي أو العقد إنّما هو على فرض الانعقاد المستلزم لعدم الوجوب إذا لم يعقد، فيكون وجوب العقد ثابتا بدليل آخر غير واضح، إذ كلّ إطلاق في البين يقيّد بذلك، فيصير المحصّل من المطلق و المقيّد، هو وجوب السّعي على تقدير عقد الجمعة، فبناء على ذلك تجب الجمعة عقدا أو سعيا على من يتمكّن من ذلك في المسافة، و لا تجب على من لا يقدر إلّا بطيّ أزيد من فرسخين.

و أمّا السّادس (1) ففيه: أنّه بعد القطع بعدم خصوصيّة للباقي غير الإمام، مع أنّه‌

____________

(1) المتقدّم في ص 80.

102

..........

____________

لا يصحّ ثبوتا اشتراط الجمعة بالشّاهدين و المدّعي و المدّعى عليه، لعدم وجود ذلك في غالب الأوقات، فربما لا يكون دعوى في يوم الجمعة، و ربما لا يكون للدّعوى شاهدان، إمّا لكونه مستندا إلى الحلف أو إلى الإقرار أو لكون الشهادة من جانب النّساء، كما هو واضح، فلا يبعد أن يكون الخبر بصدد بيان أنّ المقصود من السّبعة ليس غير الإمام و من يحضر عنده لمقصد آخر غير إقامة صلاة الجمعة. فيكون مفاده مفاد خبر زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «تجب على سبعة نفر من المسلمين، و لا جمعة لأقلّ من خمسة من المسلمين، أحدهم الإمام، فإذا اجتمع سبعة و لم يخافوا، أمّهم بعضهم و خطبهم» (1). فإنّ من الواضح أنّه ليس بصدد بيان اشتراط الجمعة بالإمام، بل الظاهر أنّه في مقام بيان أنّ الإمام داخل في العدد، و لا يكون العدد المشروط به الجمعة غير الإمام.

و يؤيّد ذلك قوله (عليه السلام) «و لا تجب على أقلّ منهم» إذ لا يصدق على الجماعة الّتي هي أكثر من السّبعة و ليس فيها الإمام، أنّها أقلّ من السّبعة الّتي فيها الإمام، بل الأنسب أن يقول: و لا تجب على الجماعة الّتي لا يكون فيها الإمام أو تكون أقلّ من السبعة. و يحتمل بعيدا أن يكون بصدد حكمة التشريع بالنّسبة إلى عدد السّبعة.

ثمّ إنّه على فرض الظهور في الاشتراط، فلا ريب أنّه لم يكن في زمان أبي جعفر الباقر (عليه السلام) منطبقا إلّا على الإمام الجائر و القاضي كذلك، فهو حينئذ ظاهر في التقيّة، و التّمسّك به للاشتراط بتحليل الكلام إلى الكبرى و الصّغرى و كون التقيّة في الثّاني دون الأوّل، لا يخلو عن التكلّف و التعسّف.

و أمّا السّابع (2) ففيه: أنّ المنساق من الخبر الشريف أنّه بصدد بيان الحكم‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 8 ح 4 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) المتقدّم في ص 80.