صلاة الجمعة

- الشيخ مرتضى الحائري المزيد...
333 /
103

..........

____________

و المصالح، بالنّسبة إلى الحكم الشرعيّ الأوّليّ، و أنّه لو أتى بصلاة الجمعة على النحو المجعول من قبل اللّه تعالى، لكانت واجدة للمصالح المذكورة فيه، و يكفي في ذلك أولويّة الإمام أو المنصوب لذلك، و لو بنحو تعدّد المطلوب الإلزاميّ أو على نحو الاستحباب.

كيف؟ و لو كانت المذكورات فيه عللا و كان وجوب صلاة الجمعة و باقي أحكامها دائرا مدار ما ذكر من العلل- بحيث كانت كسائر العلل المنصوصة معمّمة و مخصّصة- لكان اللازم على من يحضر الجمعة من قريب الجامع، ضمّ ركعتين أخريين لعدم تحملّه التّعب، و كذا من لم يدرك الخطبة لعدم حبسه الإمام، و عدم انتظاره الصّلاة. فتأمّل.

و كان مقتضى ذلك أيضا عدم صلاحيّة مثل الصّادق (عليه السلام)- و العياذ باللّه تعالى- لإقامة الجمعة، حيث إنّه لم يكن أميرا و لم يكن له اطّلاع، بحسب الأسباب العادية بما ورد على المسلمين من الآفاق حتّى يخبرهم بذلك.

لكن يمكن تقريب الاستدلال ببيان سالم من الإيراد المذكور، و هو أن يقال: إنّ العمدة في الاستدلال قوله (عليه السلام) في الصّدر: «فإن قال قائل: فلم صارت صلاة الجمعة إذا كانت مع الإمام ركعتين و إذا كانت بغير إمام ركعتين و ركعتين.» (1). إذ هو صريح في الاشتراط بالإمام، و ظاهر في كون الإمام المذكور في الصّدر هو الّذي تعرّض له في الذيل.

و يمكن الجواب عن ذلك بوجهين:

أحدهما: إمكان كون المقصود بالإمام في الصدر هو إمام الجمعة، كما تقدّم في بعض أخبار صلاة الجمعة، و كون إمام الجمعة في بعض الأوقات هو الأمير و كونه خطيبا، من الحكم لسقوط الرّكعتين و تشريع الخطبتين، كما أنّ كونه في بعض‌

____________

(1) المتقدّم في ص 81.

104

..........

____________

الأوقات فقيها عالما كذلك، فيكفي لكونه حكمة في تشريع الخطبة كون الإمامة و الخطبة بيد الإمام في عصر بسط يده، أو المنصوب من قبله، و بيد العلماء العارفين في غير العصر المذكور و لو لم يشترط ذلك، لأنّ الجمعة الّتي لا بدّ من السّعي إليها من فرسخين لا محالة يتصدّى لخطبته من يعرف الأحكام و الموعظة و غير ذلك، و إلّا لصار موردا للاعتراض، فما ذكره (عليه السلام) في الذيل، يصلح أن يكون حكمة لما فرض في الصّدر، من كون الصّلاة مع إمام الجمعة الّذي يخطب، ركعتين، و مع غيره، ركعتين و ركعتين، فافهم و تأمّل.

ثانيهما: على فرض كون المقصود- بالصّدر- من الإمام هو المعصوم (عليه السلام) أو المنصوب من قبله، فحيث إنّه ليس بصدد بيان الاشتراط- بل هو مفروض- فلا إطلاق له يشمل حال الغيبة، فيمكن أن يكون الاشتراط في حال بسط اليد في المحلّ الّذي يقيمه المعصوم (عليه السلام) أو المنصوب أو مطلقا، و لكن لا يشمل حال الغيبة كما هو واضح بحمده تعالى.

و أمّا الثّامن (1) ففيه: أنّه من المحتمل أن يكون الصّادر عن الإمام (عليه السلام) ما روي عن الصّدوق من قوله (عليه السلام): «صلاة الجمعة مع الإمام ركعتان فمن صلّى وحده فهي أربع ركعات» (2). و الأقرب أن يكون المقصود به إمام الجماعة، لقوله (عليه السلام) «فمن صلّى وحده» الظاهر في الصّلاة الفرادى.

و يؤيّد الاحتمال المذكور ما عن الكافي عنه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام). و فيه:

بعد ذكر ما تقدّم في المرويّ عن الصّدوق مع تفاوت يسير- «يعني إذا كان إمام يخطب، فإن لم يكن إمام يخطب فهي أربع ركعات و إن صلّوا جماعة» (3) و لا ريب أنّ المنساق من الحديث كون المصدّر بكلمة «يعني» من الرّاوي، فيكون قوله:

____________

(1) المتقدّم في ص 82.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 14 ح 2 من باب 6 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 13 ح 3 من باب 5 من أبواب صلاة الجمعة.

105

..........

____________

«و إن صلّوا جماعة» في الخبر الأوّل أيضا من الرّاوي على المظنون أو المحتمل القويّ.

هذا مع أنّ الاحتمال كاف لعدم اعتماد العقلاء حينئذ على جميع الرّوايات الأربعة بنحو الاستقلال، مع كون الرّاوي و المرويّ عنه واحدا، فالصّادر واحد بحسب الظاهر.

و ليست أصالة عدم الزّيادة مقدّمة هنا على أصالة عدم النقيصة، لوجود القرينة أو ما يصلح لها، لكون الزّيادة من الرّاوي بعنوان التفسير، و تكون واقعة عن عمد، فأصالة عدم صدور ما هو المتيقّن من الإمام (عليه السلام) محكّمة، فتأمّل (1).

إن قلت: الظاهر من الإمام الوارد في أخبار صلاة الجمعة هو الإمام المعصوم، مثل خبر زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): «لا تكون الخطبة و الجمعة و صلاة ركعتين على أقلّ من خمسة رهط: الإمام و أربعة» (2). و ما عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «إذا اجتمع خمسة أحدهم الإمام فلهم أن يجمّعوا» (3).

قلت: قد تصدّى للجواب عن ذلك في الوسائل بقوله (رحمه اللّه): «و إطلاق لفظ الإمام هنا كإطلاقه في أحاديث الجماعة و صلاة الجنازة و الاستسقاء و الآيات.» (4)

أقول: كما يناسب الجمعة للمنصوب يناسب الموضوع لإمام الجماعة، لأنّ المفروض فيه وجوب الجماعة.

مع أنّ صدور أكثر الأخبار المذكورة كان في عصر لم يكن المعصوم و المنصوب متصدّيا للجمعة.

____________

(1) وجهه أنّ ضمّ ما ذكر- إن كان من الرواة- يدلّ أيضا على الانفكاك بين الجمعة و الجماعة، فالجواب ما يذكر بعد ذلك و هو العالم.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 7 ح 2 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 9 ح 11 من باب 2 أبواب صلاة الجمعة.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 13 ذيل ح 4 من باب 5 من أبواب صلاة الجمعة.

106

..........

____________

مع أنّ في بعضها بيان تكليف الإمام، و الإمام لا يعيّن تكليف نفسه.

مع أنّ قوله (عليه السلام) في خبر زرارة: «و لا جمعة لأقلّ من خمسة من المسلمين، أحد هم الإمام» المتعقّب بجملة: «فإذا اجتمع سبعة و لم يخافوا أمّهم بعضهم و خطبهم» (1) كاد أن يكون صريحا في غير المعصوم و المنصوب، فتأمّل تفهم إن شاء اللّه تعالى.

مع أنّ قوله (عليه السلام) في خبر سماعة: «يخطب- يعني إمام الجمعة- و هو قائم يحمد اللّه و يثني عليه، ثمّ يوصي بتقوى اللّه. و يصلّي على محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و على أئمّة المسلمين.» (2) صريح في أنّ إمام الجمعة غير المعصوم، نعم يحتمل المنصوب، و لكنّه بعد عدم كونه المعصوم فكون المراد هو المنصوب غير مأنوس و لا معروف في الرّوايات.

هذا. مع أنّه لو كان الحديث مشتملا على لفظ «و إن صلّوا جماعة» فلا ريب أنّ مقتضى التأمّل في جميع ما روي عن سماعة، أن يكون المقصود من الإمام هو الّذي يخطب- لا الإمام المعصوم- كما هو الظاهر ممّا تقدّم نقله عن الكلينيّ (3).

و الحاصل: أنّ عدم دلالة حديث سماعة على الاشتراط واضح جدّا. و اللّه أعلم.

إن قلت: كلّ من فرض أنّه إمام الجماعة فهو يقدر على الخطبة، و ذلك لسهولة المقدار الواجب منها، و هو الحمد و الصّلاة و الأمر بالتّقوى.

قلت: قد كان عدم عقد الجمعة للخوف كما يظهر من بعض الروايات. و وجه الخوف أنّ أكثر مذاهب العامّة- على ما في الوسائل- (4) عدم جواز إقامة الجمعة إلّا في الأمصار بخلاف الجماعة، أو كان عدم عقد الجمعة لأمور أخر مثل أن يكون الإمام و المأمومون ممّن ليس عليهم الجمعة لإقعادهم أو عماهم، فيقيمون الجماعة في‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 8 ص 4 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 38 ح 2 من باب 25 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 13 ح 3 من باب 5 من أبواب صلاة الجمعة.

(4) ج 5 ص 10.

107

..........

____________

مسجد يقرب من دورهم في الفرسخ أو الفرسخين، بناء على عدم وجوب الجمعة فيما زاد على الفرسخ، أو القول بعدم وجوب عقد الجمعة لمن لا يتمكّن من المصير إليها لمطر أو غيره، فيما بين الفرسخين فيقيمون الجماعة.

مع أنّ الاكتفاء في الخطبة بما ذكر، ممنوع، إذ لا بدّ من صدق الخطبة عرفا، و لا يصدق بإيراد الكلمات الثلاثة، و الاشتراط باشتمالها على ذلك غير الاكتفاء به.

و أمّا التّاسع (1) ففيه:

أوّلا: عدم معلوميّة الاشتراط في المقيس عليه. و موّثق سماعة المتقدّم (2) غير واضح الدلالة، من جهة أنّ قوله في السؤال «إذا كنت في أرض ليس فيها إمام» ظاهر في أئمّة الجور، لوضوح عدم بسط يد المعصوم في عصر الصّادق (عليه السلام)، و هذا ممّا يخلّ بظهور قوله (عليه السلام) في الذّيل «و لا صلاة إلّا مع إمام» في كونه في مقام بيان الحكم الواقعيّ، بل يقرب أن يكون المقصود نهي سماعة و أمثاله من إقامة صلاة العيد جماعة، لكون ذلك مظنّة الفساد.

و ثانيا: لا يستفاد من مثل خبر العلل المتقدّم (3) تنزيل الجمعة منزلة العيد في جميع الآثار، لأنّه ليس في مقام بيان ضرب القاعدة و إلقائها إلى المتكلّم على الظاهر، بل المنساق كونها بمنزلة العيد أو كونها عيدا في مقام التّشريع و ملاحظة الحكم و المصالح، فاللحاظ المذكور إنّما هو في مقام مراعاة المصالح عند الجعل و التّشريع، لا أنّ المجعول الشّرعيّ هو الحكم بالعيديّة ف جميع الآثار، فكونها عيدا حقيقة أو تنزيلا ملحوظ قبل التّشريع، و ليس ذلك موردا للتشريع و الجعل حتّى كون متّبعا عند المكلّفين. فافهم فإنّه دقيق نافع.

و ثالثا: ليس مثل الخبر المذكور ظاهرا في تنزيل الجمعة منزلة العيدين، بل لعلّ الظاهر أنّه أحد الأعياد، فلا يدلّ على إسراء حكم العيد الخاصّ من الفطر أو‌

____________

(1) المتقدّم في ص 83.

(2) في ص 84.

(3) في ص 81.

108

..........

____________

الأضحى، بل يثبت لها- مع قطع النظر عمّا تقدّم- ما ثبت لمطلق العيد، لا لخصوص فرد من العيد أو فردين منه.

و أمّا العاشر (1) ففيه:

أوّلا: أنّه من المحتمل قويّا أن يكون المقصود من «المقام» في كلامه (عليه السلام)، هو الرّئاسة العامّة الّتي من مظاهرها إقامة صلاة الجمعة و العيد، كما يدلّ على ذلك أو يؤيّده قوله (عليه السلام) بعد ذلك بأسطر: «حتّى عاد صفوتك و خلفائك مغلوبين مقهورين مبتزّين، يرون حكمك مبدّلا و كتابك منبوذا و فرائضك محرّفة عن جهات إشراعك و سنن نبيّك متروكة». لوضوح أنّ ذلك كلّه ليس مترتّبا على إقامة الجمعة و العيد، بل يكون مترتّبا على غصب الرّئاسة العامّة الإلهيّة.

إن قلت: الظاهر من قوله «إنّ هذا المقام» هو إقامة العيد و الجمعة لقوله «في الدرجة الرفيعة الّتي اختصصتهم بها». الظاهر في أنّ المقصود ب‍ «الدرجة الرفيعة» هي الرّئاسة العامّة، و يكون مرجع ضمير «ابتزّوها» هو الدرجة الرّفيعة، و يكون ما يذكره (عليه السلام) بعد ذلك مترتّبا على غصب الخلافة، و لكن المقصود من «المقام» هو مقام إقامة العيد و الجمعة، الّذي هو من شؤون الدرجة الرّفيعة الّتي هي الرّئاسة العامّة.

قلت: إنّه بعيد أن يكون المراد من الدرجة الرّفيعة هو الرّئاسة العامّة، بل لعلّ الأقرب كون المقصود بذلك هو المقام المعنويّ الإلهيّ غير القابل للاغتصاب، فيكون المقصود أنّ إعطائهم مقام الرّئاسة إنّما حصل في ضمن إعطاء الدرجة الرّفيعة العالية المعنويّة الّتي هي الولاية الحقيقيّة و الخلافة الإلهيّة المشار إليها في الكتاب العزيز بقوله تعالى «إِنِّي جٰاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً» (2) و رجوع ضمير «ابتزّوها» إليه غير معلوم، بل لعلّ الأقرب أو المحتمل رجوعها إلى «المقام». و تأنيث الضمير،

____________

(1) المتقدّم في ص 85.

(2) سورة البقرة، الآية 30.

109

..........

____________

لعلّه من باب الإشارة إلى كون المراد من «المقام» هو الرّئاسة أو الحكومة أو الولاية الظاهرية.

و ثانيا: إنّه على فرض كون المراد من «المقام» هو مقام إقامة الجمعة و صلاة العيدين، فلا ريب أنّ المشار إليه هو الصّلاة المأتيّ بها بعنوان الإمامة و الخلافة، و من المعلوم أنّ ذلك منحصر بالإمام، فإنّ ما يتقوّم به الأولويّة المسلّمة في الجمعة هو الإمام بلا إشكال، فإقامتها بعنوان أنّ إمام الجور مقوّم للأولويّة المذكورة، تعرّض لمقام الإمام (عليه السلام)، و هذا نظير أخذ الصّدقات من باب الولاية، حيث إنّ أخذها بعنوان الوكالة عن أربابها ليس تصدّيا لمقام الولاية، بخلاف أخذها من باب الولاية، فإنّ ذلك تصدّ لها من دون استحقاق، فيكون غير جائز، فلا يدلّ على الاشتراط و إن دلّ على الانحصار بالعنوان المذكور الظاهر أنّه مورد للإشارة في كلامه (عليه السلام).

و ثالثا: إنّه لو كان المقصود أنّ مطلق إقامة الجمعة و إمامتها حقّ لهم، فالظاهر أنّ ذلك لا يقتضي الاشتراط، بل مقتضى الاستحقاق عدم جواز المزاحمة، فإنّ مقتضى كون المسجد حقّا للمصلّي أنّه لا يجوز مزاحمته، و صرف ذلك لا يقتضي عدم جواز إقامة الجمعة، بل و لا عدم وجوبها، إذا لم يكن في البين مزاحمة للإمام (عليه السلام)، كما إذا كان مقيما في أرض ليس فيها إمام و لا منصوب، أو كان في زمان الغيبة، و في صدر الدّعاء المذكور ما يدلّ على محبوبيّة تلك الجماعة الّتي إمامها غاصب و كونها راجحة على تركها المطلق، فقال (عليه السلام) على ما في الصّحيفة:

«اللّهمّ هذا يوم مبارك ميمون، و المسلمون فيه مجتمعون في أقطار أرضك، يشهد السّائل منهم و الطالب و الرّاغب و الرّاهب، و أنت الناظر في حوائجهم.

مهما قسمت بين عبادك المؤمنين من خير أو عافية أو بركة أو هدى. أو ترفع لهم عندك درجة. أن توفّر حظّي و نصيبي منه. و أن تغفر لنا و لهم. اللّهمّ إنّ‌

110

..........

____________

هذا المقام لخلفائك» إلى آخر ما تقدّم نقل بعضه (1).

و أمّا الحادي عشر (2) ففيه:

أوّلا: أنّ الخبرين غير واضحي السند، فإنّ قول الشيخ (قدّس سرّه) بكون كتاب طلحة معتمدا (3) لا يكون صريحا في عمل الأصحاب بما يتفردّ به، و المحتمل أنّ الشهادة المزبورة إنّما هي من باب مشاهدته النقل عن كتابه كثيرا، و هو غير العمل بما يكون فيه و لا يكون في غيره من سائر الكتب المعتبرة، و لعلّ المقصود أنّ أكثر ما فيه مطابق لمذهب الحقّ، خال عن الغلوّ و التفريط. هذا بالنّسبة إلى خبر طلحة. و أمّا خبر حفص فالرّاوي عنه أبو جعفر عن أبيه و كلاهما مجهولان.

و ثانيا: أنّ ظاهر مفاده مخالف للأخبار الكثيرة الآمرة بوجوب الجمعة على أهل القرى إذا اجتمعت الشرائط من العدد و الإمام الّذي يخطب.

و الجمع بينهما بحمل الاولى على ما هو الغالب في القرى من عدم المنصوب- كما هو ملاك الاستدلال غير معتمد، لوجهين:

أحدهما: أنّه موجب لإلقاء عنوان المصر و القرية لا التقييد، و هو خلاف الظاهر جدّا، فلا يكون جمعا عرفيّا.

ثانيهما: أنّه لا يكاد يصحّ إلّا باعتبار كون الغالب في القرى خلوّها عن المنصوب، و هو ينافي وجوب النّصب على الإمام في المحلّ الصّالح للإقامة، لأنّه مقتضى إطلاق وجوب صلاة الجمعة، فكما يجب على الإمام إقامة الجمعة- لظاهر الإطلاق و لمعتبر محمّد بن مسلم المتقدّم (4) و لغيره- كذا يجب عليه النّصب، و حينئذ لا بدّ إمّا من الحمل على التقيّة كما تقدّم نقله عن الشيخ الطوسيّ (قدّس سرّه) لكن قد مرّ (5) عدم وضوح ذلك، و إمّا على القرى القريبة من المصر، الّتي يكون‌

____________

(1) الصحيفة السجّاديّة، الدعاء الثامن و الأربعون.

(2) المتقدّم في ص 86.

(3) تنقيح المقال ج 2 ص 109.

(4) في ص 80.

(5) في ص 86.

111

..........

____________

بينها و بينه أقلّ من الفرسخ، و إمّا على من بعد عنها و كانوا فاقدين لشرائط الجمعة- كما يؤيّد ذلك تقيّد الجمعة في بعض الرّوايات بوجود إمام يخطب- و إمّا على نفي الكمال، و أنّ الأصلح لأهل القرى، أن يجتمعوا في الأمصار، و أنّ الجمعة المنعقدة في القرى كالعدم من حيث الفضيلة و الثواب بالنسبة إلى المنعقدة في الأمصار، و لا ريب أنّه جمع عرفيّ موافق للاعتبار أيضا، فيستحبّ حينئذ لأهل القرى المصير إلى الأمصار في كلّ أسبوع، و في ذلك من الفوائد الكثيرة ما لا يخفى ممّا يرجع إلى مصالح المسلمين و ما يرجع إلى أهل القرى من المصالح الأخلاقيّة و الاجتماعيّة و غير ذلك.

و أمّا الثّاني عشر (1) ففيه: انّ الكناية عن الإمام و منصوبه، ب‍ «من يخطب» عجيبة جدّا، فإنّه لا يساعده الاستعمال في غير تلك المورد و لا الذّوق العرفيّ، و لا يقال ذلك إلّا في مقام التعمية و التخفّي، و لا داعي إلى ذلك بعد عدم كونه في صدد الاشتراط بالمعصوم الّذي هو مخالف للتقيّة، و لو كان بصدد ذلك لما كان التّعمية المذكورة نافعة في تفهيم المراد، لأنّ من يخطب في القرى لا يكون- خارجا- إلّا من غير الشيعة الإماميّة، كما هو واضح.

و الحاصل: أنّه بعد التأمّل يقطع بأنّه ليس المراد بالكلمة المذكورة، التكنّي بها عن الإمام بالحقّ و منصوبه، أو أعمّ منه و الباطل.

و أمّا كون المراد به من يخطب فعلا، الدّالّ على عدم لزوم الخطبة عليه، الدّالّ على عدم وجوب إقامة الجمعة عند عدم بسط يد الإمام (عليه السلام).

ففيه: أنّ الظاهر من قوله: «إذا لم يكن من يخطب»، عدم وجدان من يمكن بعثه على إيراد الخطابة و لو كان قادرا عليها، فلا يشمل ما إذا كان من يقدر على الخطبة موجودا، و يتوقّف ذلك على الاستدعاء منه لذلك. و لكن لا يكون في البين‌

____________

(1) المتقدّم في ص 86.

112

..........

____________

خطيب خارجا لعدم استدعاء ذلك منه. و حينئذ فوجوب الظهر على أهل القرى واضح. و لا يدلّ على عدم وجوب الجمعة، إذا كانوا قادرين على إقامة الجمعة الّتي تكون واجدة للشرائط من العدد و الإمام الّذي يخطب.

ثمّ لا يخفى أنّ وجدان العادل القادر على ما يسمّى خطابة عند العرف في القرى و البوادي، ليس من الأمور السّهلة جدّا، بحيث يكون ذلك قرينة على أن يكون «من يخطب» كناية عن الإمام المعصوم أو المنصوب من قبله، فإنّ كون شخص محرز العدالة في قرية بحيث لم ير أهل القرية منه عصيانا لربّه في آن من الآنات، ليس من الأمور الكثيرة الاتّفاق الّتي لا يخلو منها قرية من القرى و لا بادية من البوادي و لا حيّ من الأحياء، فإنّ عصيان الصّدر الأوّل لنبيّهم (صلّى اللّه عليه و آله)- مع ما سمعوه من التّصريح بأمارة الأمير (عليه السلام) واضح عند الكلّ، فلا يقال: إنّ المسلمين كانوا في صدر الإسلام أكثرهم عدول. و كيف؟ فقد وقع منهم الظلم المشهور، لا سيّما على أهل البيت (عليهم السلام)، نعم كانت العدالة عندهم من الأمور السّهلة الّتي لم يكن يناقضها منكر من المنكرات، و ذلك لاعتيادهم الرّجوع إلى الأمراء و القضاة و السّلاطين في جميع أمورهم، و ذلك مردوع من جانب أهل بيت الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

و كذا الخطابة، فإنّ صدقها على حمد و صلوات و سورة من القرآن ممنوعة، بل لا بدّ من صدق عنوان الخطبة، مضافا إلى الاشتمال على الأمور المذكورة، على ما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى.

و أمّا الثّالث عشر (1) ففيه: أنّ عدم حضور أصحاب الأئمّة للجمعات دائما، و عقدهم صلاة الجمعة المشتملة على العدد و الخطبة في منازلهم خفاء، كان مثارا للفتنة الشديدة الّتي فيها القتل و النّهب، بل كان مؤدّيا لقتل المعصوم (عليه السلام)،

____________

(1) المتقدّم في ص 87.

113

..........

____________

و ذلك لكونها في نظرهم من مناصب الخلافة، و كان ذلك موجبا لتقويتهم و تقوية جاههم و عزّهم في القلوب، بل يمكن أن يقال: إنّه مع قطع النظر عن التّقية كان الاجتماع المذكور مطلوبا له تعالى و لأوليائه في فرض الغصب و العدوان، و لعلّه لذا أمر الباقر (عليه السلام) حمران بن أعين- على ما في خبره- بأن يصلّى الجمعة معهم (1). و روي عن الصّادق (عليه السلام) أنّ في كتاب عليّ (عليه السلام): «إذا صلّوا الجمعة في وقت، فصلّوا معهم و لا تقومنّ من مقعدك، حتّى تصلّي ركعتين أخريين.» (2). و حينئذ لم يكن عقد جمعات مختلفة موجبة لقلّة تجمّع المسلمين على وفق المصلحة بنظرهم الشريف، و يدلّ على أنّ ذلك الاجتماع الباطل كان مطلوبا بالنّسبة إلى عدمه، ما في أوّل الدّعاء الّذي نقلنا بعضه عن الصّحيفة المباركة، و هو:

«اللّهمّ هذا يوم مبارك ميمون، و المسلمون فيه مجتمعون في أقطار أرضك، يشهد السّائل منهم و الطالب و الراغب و الرّاهب، و أنت الناظر في حوائجهم» إلى أن قال (عليه السلام): «و أن تشركنا في صالح من دعاك في هذا اليوم من عبادك المؤمنين يا ربّ العالمين و أن تغفر لنا و لهم» (3). فإنّ ظهوره في مطلوبيّة الاجتماع المتحقّق يوم الجمعة الّذي لم يكن إلّا بإقامة الخلفاء و أمرائهم و الدّعاء لهم بالمغفرة، غير قابل للإنكار.

و يدلّ على وجود التقيّة في الجملة مع كونه معلوما، صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام). قال: «تجب [الجمعة] على سبعة نفر من المسلمين و لا جمعة لأقلّ من خمسة من المسلمين، أحدهم الإمام، فإذا اجتمع سبعة و لم يخافوا أمّهم بعضهم و خطبهم» (4).

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 45 ح 5 من باب 29 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 44 ح 1 من باب 29 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) الصحيفة السجّاديّة، الدعاء الثامن و الأربعون.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 8 ح 4 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

114

..........

____________

و أمّا الرّابع عشر (1) ففيه:

أوّلا: أنّ مقتضى عموم دليل إجزاء العمل المأتيّ به تقيّة هو الصحّة و الاكتفاء به عن الظهر، من غير فرق بين الاشتراط بالمعصوم أو بالإمام العادل، سواء كان كلّ منهما شرطا للواجب أو شرطا للوجوب و فرض عدم حصول الشرط، كما يكون الأمر كذلك [تقيّة] بالنّسبة إلى الأعيان و المعاريف كأمير المؤمنين و ابنه المكرّم أبي عبد اللّه الحسين (عليهما السلام) الوارد فيهما النصّ على حضور هما لصلاة الجمعة، و كذا بعض الأئمّة (عليهم السلام). نعم إذا فرض أنّ الإمام المعصوم أو العادل شرط للوجوب، و لم يكن اضطرار في البين يقتضي الاقتداء، فلا يقتضي عموم دليل التقيّة ثبوت الإجزاء، لعدم الاضطرار، بخلاف الصّورة الأولى، إذ المفروض عدم اشتراط الوجوب بذلك، فالمكلّف مضطرّ بملاحظة تكليفه الشرعيّ في الإتيان بالعمل على وجه التقيّة، و إلّا لا سبيل له إلى فعل الواجب، كما إذا صار مضطرّا إلى التوضّؤ بطريق العامّة، بمعنى أنّه يتمكّن من ترك الوضوء، و لكن على تقدير التوضّؤ فلا محيص له إلّا التوضّؤ بالطريق المخالف للحقّ.

و الحاصل: أنّه لا فرق بين المسلكين في الحكم بالإجزاء، بحسب عمومات التقيّة، أو عدم الحكم بذلك بملاحظتها، فإنّ الصّور على المسلكين ثلاثة: الأولى:

أن يكون الإمام المعصوم أو العادل شرطا للواجب بحيث يجب على المكلّف تحصيله، ففيها لا بدّ من الحكم بالإجزاء على كلا المسلكين، من غير فرق بين الاضطرار إلى العمل مطلقا أو الاضطرار إليه علي تقدير الإتيان بالواجب المطلق المفروض أنّه غير متمكّن من تحصيل جميع شرائط ذاك الواجب. الثانية: أن يكون المعصوم أو العادل شرطا للوجوب، و فرض الاضطرار إلى العمل بنحو الإطلاق لا على تقدير كونه مريدا لإتيان صلاة الجمعة، بل لا محيص من الإتيان بها، و قد تقدّم أنّ‌

____________

(1) المتقدّم في ص 88.

115

..........

____________

مقتضى الإطلاق هو الإجزاء أيضا، من غير فرق بين المسلكين. الثالثة: الصّورة السابقة و فرض عدم الاضطرار اليه إلّا على تقدير كونه مريدا للإتيان بها، و في هذه الصّورة لا وجه للإجزاء على كلا المسلكين، فليس الحكم بعدم الإجزاء دليلا على اشتراط الوجوب بالمعصوم.

و ثانيا: أنّه يمكن أن يكون الإمام العادل شرطا للواجب، و عدم الإجزاء حينئذ من باب ثبوت البدل له في الشريعة، و هو أربع ركعات. و الحاصل: أنّه إذا كان في المقام دليلان: أحدهما يقتضي الانتقال إلى البدل المأتيّ به تقيّة- عند عدم التمكّن من المأمور به الاختياريّ- و ثانيهما يقتضي الانتقال إلى بدل آخر- و هو في المقام صلاة الظهر أربع ركعات- فحينئذ يتعارض المقتضيان لو لا حكم الشارع بتعيّن الرّجوع إلى صلاة الظهر الرّافع للتعارض.

و الحاصل: أنّ التكليف كان مجهولا بحسب القاعدة للتّعارض المذكور، و ما دلّ على الانتقال إلى الظهر رافع للإجمال من دون أن يكون دليلا على اشتراط الوجوب بالمعصوم، أو اشتراطه بأن يكون الإمام عادلا. فافهم و تأمّل جيّدا.

و أمّا الخامس عشر (1) ففيه: أنّ الظاهر منه- لو لم يكن في البين قرائن معهودة بين المتكلّم و المخاطب- هو الجماعة المتعارفة بين المسلمين، فيكون المقصود- بناء على هذا- بيان استحباب حضور جمعة العامّة، و قد مرّ أنّه مرغوب فيه من جهة التقيّة و المداراة و جهات أخر.

و إن أبيت عن ذلك و ادّعيت الظهور في الجمعة الصّحيحة خلف الإمام العادل فلا ريب أنّه ليس المقصود استحباب ذلك و لو كان على خلاف التقيّة، فلعلّ المقصود بيان شوقه (عليه السلام) إلى حصول التّوفيق للمؤمن في إقامة الجمعة في بعض الأوقات- فارغا عن الخوف من الأعداء- أو المقصود بيان استحباب إقامة الجمعة في‌

____________

(1) المتقدّم في ص 88.

116

..........

____________

مكان لا يخاف فيه أحدا، و إن كان ذلك حرجا مرفوعا عنه، لكن يستحبّ تحمّل المشقّة بالاجتماع في بيت أو في خارج البلد و إعلام العدد مع توصيتهم بعدم كشف السّرّ و إقامة الجمعة، و لو في بعض الجمعات.

و يمكن أن يقال: إنّ الكلام المزبور الظاهر في الاستحباب صدر منه (عليه السلام) تقيّة، بمعنى أنّه لو كان صريحا في الوجوب و أنّه لا بدّ من إقامة الجمعة عند كم في كلّ أسبوع إذا لم تخافوا، كان ذلك موجبا للفساد أيضا، فعبّر بما هو ظاهر في الاستحباب حتّى لا تقام في جميع الجمعات فيقعوا في الفتنة و الفساد.

و أمّا السادس عشر (1) ففيه: أنّ الظاهر منه أنّه ليس المقصود بالإمام هو المعصوم، فإنّ كونه (عليه السلام) في مقام بيان تكليف نفسه أو الأئمّة من ولده، بعيد جدّا، فإنّه يعمل بتكليفه من دون أن يعيّن تكليفه، و الأئمّة الطاهرون من ولده عالمون بتكاليفهم و عاملون بها، بل لا بدّ أن يكون المقصود هو الإمام المتصدّي لصلاة العيد.

مع أنّه لا يدلّ على أنّ البقاء و الالتحاق لا بدّ أن يكون بإذنه، حتّى يكون ذلك أي الانصراف و البقاء في خصوص المورد حقّا له.

مع أنّه لو فرض انتزاع حقّيّة في المورد لا يدلّ على ثبوت الحقّ انصرافا و التحاقا في جميع الموارد.

مع أنّه لو دلّ فهو خارج عن المبحوث عنه، لأنّ البحث في اشتراط الجمعة بأن يكون مقيمها هو الإمام أو المنصوب، لا أنّه في فرض الإقامة لا بدّ أن يكون الايتمام و تركه بإذنه، و أنّ له أن يأذن في الايتمام أو يمنع عنه، فإنّه لم يعهد من أحد إلى الآن اشتراط ذلك بإذن الإمام (عليه السلام).

مع أنّه يمكن أن يقال: إنّ المقصود هو مأذونيّة الانصراف للقاصي، و لعلّ المراد‌

____________

(1) المتقدّم في ص 89.

117

..........

____________

به من كان منزله فيما فوق الفرسخين، الّذي لا يجب عليه الجمعة، و لعلّنا نقول بعدم وجوبها عليه و لو تكلّف و جاء إلى ما دون الفرسخين، و ربّما كانوا مسافرين جاءوا لدرك العيد، و إلّا فالرّجوع إلى الفرسخين فما دون، مورد للابتلاء في كلّ جمعة، فالمورد مورد عدم الوجوب، لا أنّ ذلك من باب الإذن في الانصراف، و لكن ينبغي أن يكون ذلك الترخيص معمولا به بإذن الإمام لحفظ حرمته و عظمته. فتأمّل.

و أمّا السّابع عشر (1) إلى آخر الأدلّة، ففيه مناقشات على سبيل منع الخلو:

الاولى: ضعف السّند، و الظاهر أنّ جميع ذلك مورد لتلك المناقشة، حتّى ما روى عن الأشعثيّات، فإنّ الرّاوي محمّد بن محمّد بن الأشعث و هو يروي عن موسى و هو عن أبيه إسماعيل، و حال موسى مجهول، و الانجبار بعمل الأصحاب غير حاصل، لعدم الاستناد إلى تلك الرّوايات في كتبهم على ما أعلم.

الثانية: احتمال أن يكون المقصود بالإمام هو الإمام العادل لا المعصوم.

الثالثة: احتمال جرى بعض ذلك مجرى فتاوى العامّة، كما يشهد بذلك التعبير بالولاة في بعضها و التعبير بالأمير في بعضها الآخر.

و عن كتاب سليم بن قيس الهلاليّ عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، قال:

«الواجب في حكم اللّه و حكم الإسلام على المسلمين بعد ما يموت إمامهم أو يقتل، ضالّا كان أو مهتديا، أن لا يعملوا عملا و لا يقدّموا يدا و لا رجلا قبل أن يختاروا لأنفسهم إماما عفيفا عالما ورعا عارفا بالقضاء و السّنّة، يجبي فيئهم و يقيم حجّهم و جمعهم و يجبي صدقاتهم» (2). و كون المقصود بالإمام غير المعصوم واضح، إذ هو ليس بالاختيار و لا ينقسم إلى الضالّ و المهتدي.

الرّابعة: عدم ظهور بعضها في الاشتراط بالإمام بحيث يسقط الوجوب أو يحكم بالبطلان إذا لم يكن إمام ظاهر في البين، حتّى يكون مقتضاه تعطيل الفرض في‌

____________

(1) المتقدّم في ص 89.

(2) المستدرك ج 1 ص 408 ح 7 من باب 5 من أبواب صلاة الجمعة.

118

..........

____________

جميع بلاد المسلمين، كما أنّ الأمر في الصّدقات كذلك، فإنّها لا تسقط مع عدم كون من يجبى هو الإمام.

الخامسة: يكفي في صدق ما نقل من «انّ الجمعة لنا» عدم جواز مزاحمته كما مرّ بالنّسبة إلى دعاء الصّحيفة، إذ ليس مقتضى استحقاق إقامة الجمعة إلّا ذلك.

السادسة: أن يكون المقصود، عدم وقوع الجمعة و أخواتها على وجه يقع على طبق الصّلاح الكامل إلّا بالإمام (عليه السلام) أو المغصوب، و هو محتمل قوله (عليه السلام) «لا يصلح» و يحتمل أن يكون «لا يصحّ» تصحيف «لا يصلح».

السّابعة: أنّه على فرض الظهور في غير إمام الجمعة في البعض كما هو كذلك بالنّسبة إلى ما روي في الدّعائم عن عليّ (عليه السلام) من قوله: «لا يصلح الحكم و لا الحدود و لا الجمعة إلّا بإمام» فالظاهر أنّه يكفي في صدق ذلك ما يصلح لإمامة النّاس في المذهب كالإفتاء و القضاء و الحدود، و لا يتوقّف على إثبات النيابة لأنّه إمام، و هو الّذي ينسبق من الخبر الوارد في العشيرة «إذا كان عليهم أمير يقيم الحدود».

الثامنة: أنّ دلالة بعضها بالمفهوم مثل خبر العشيرة و قد قرّرنا أنّه لا إطلاق للمفهوم، فيمكن أن يكون المقصود أنّه مع وجود الأمير يجب الجمعة و التشريق، و أمّا مع عدمه ففيه تفصيل، كما أنّ التقيّد لا محالة واقع بالنّسبة إلى من كان منزله على رأس فرسخين فما دون.

التّاسعة: أن يكون الأمر بصلاة أربع ركعات في فرض فقد الإمام المظنون أنّه المنصوب، من باب خصوصيّات في المورد، كما في رواية هرب الإمام (1) فإنّ الحكم بإقامة الجمعة ربما يوجب الفتنة في مورد فرض الهرب، و عدم التفصيل من باب خوف عدم إحاطتهم بالأمور، فلا بدّ لعليّ (عليه السلام) من مراقبة الموقف.

____________

(1) تقدّم في ص 90.

119

..........

____________

و الّذي يؤيّد ذلك أنّ المستفاد منه، عدم إمام الجماعة أصلا لقوله (عليه السلام):

«و لا يخلف أحدا يصلّي بالنّاس» و قوله (عليه السلام): «يصلّون كصلاتهم أربع ركعات».

فتلخّص من جميع ذلك: أنّه لا دليل على الاشتراط بالمعصوم حتّى في زمانه، بحيث يسقط الجمعة في المحلّ الّذي لا يكون فيه الإمام و لا منصوبه، مع فرض تحقّق سائر الشرائط من العدد و الإمام العادل الخطيب و غير ذلك.

و على فرض وجود الدليل على ذلك، فلا دليل على الاشتراط بالنّسبة إلى زماننا هذا، حتّى يقتضي عدم صحّة الجمعة أو عدم وجوبها، فينجرّ إلى ترك فريضة من الفرائض الإلهيّة في زمان طويل ربما يقرب من ألفين نعوذ به من ذلك.

الأمر الخامس

لا شبهة- و لو بحسب السّيرة العمليّة المتقدّم شرحها- (1) أنّ للإمام اختصاص بإقامة صلاة الجمعة، لكنّه يتصوّر على وجوه:

الأوّل: أن يكون ذلك على وجه الاستحباب بمعنى أنّه يستحبّ للإمام أن يقيمها بنفسه مضافا إلى وجوب الجمعة عليه، و يستحبّ لباقي الرّعيّة، تفويض أمر إقامتها إليه، فيكون صلاة الجمعة مع الإمام المعصوم العدل أكمل و أفضل من غيره، و ليس الفضل و الكمال الّذي فيها إذا كان مع الإمام لازم الاستيفاء.

الثاني: أن يكون إقامة الجمعة حقّا له، فلا يجوز لغيره مزاحمته، فلو صار بصدد إقامة الجمعة في بلد بنفسه أو بمنصوبه، ليس لأحد أن يزاحمه بإقامة جمعة اخرى قبل أن يشرع الإمام أو مقارنا معه، و إن أقامها يكون باطلا، من دون أن يوجب بطلان الجمعة المنعقدة بيد الإمام أو بإذنه، بل يمكن أن يقال: إنّه ليس لغيره أن يقيم‌

____________

(1) في ص 78.

120

أو من يأمره (1)

____________

الجمعة في مسافة الفرسخين لأنّه مزاحمة لحقّه عرفا، لكن هذا لا يقتضي عدم جواز إقامة الجمعة في بلد آخر ليس فيه الإمام و لا المنصوب من قبله.

الثالث: أن يكون إقامة الإمام أو المنصوب من قبله شرطا للوجوب أو الصحّة بالنّسبة إلى كلّ من يتمكّن من تحصيله، فليس لمن يتمكّن من الحضور لجمعة الإمام أو الجمعة منصوبه أن يعقد جمعة اخرى من دون الانتساب إليه و لو لم يكن له مزاحمة، كما إذا كان عقد الجمعة فيما بعد الفرسخين.

الرّابع: أنّ يكون الاشتراط في زمن بسط يده على الإطلاق بحيث لا يكون لأحد عقد الجمعة في قريته أو بلده، و لو لم يكن مزاحمة و لم يتمكّن من الحضور لجمعة الإمام و لا لجمعة منصوبه، و ليس في بلده منصوب من قبل الإمام (عليه السلام)، و لا يمكن تحصيل ذلك.

الخامس: أن يكون الاشتراط بذلك مطلقا من حيث كونه شرطا للكمال اللازم مراعاته، فيكون الجمعة المطلوبة على وجه الإلزام من كلّ أحد هو الجمعة المنسوبة إليه بلا واسطة أو معها، لكن لا يسقط أصل الجمعة بعدم تأمين شرط الكمال عصيانا أو لعدم التمكّن.

السّادس: أن يكون شرطا لها صحّة أو وجوبا مطلقا، بحيث يقتضي عدم الصّحّة أو عدم الوجوب إذا لم يمكن الإذن منه، و القدر المتيقّن هو الأوّل. و على فرض الأخير لا مانع من الحكم بالوجوب التعيّنيّ في زمان الغيبة، لإطلاق ما يدلّ على الإذن، كما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى.

عدم الاختصاص بشخص السّلطان العادل و كفاية المنصوب من قبله، كأنّه من الضروريّات بين المسلمين، و إلّا كانت الجمعة المنعقدة واحدة في جميع المملكة الإسلاميّة، لوحدة الإمام في كلّ عصر، و المراد بالمنصوب أعمّ من المأمور أو المأذون بالخصوص أو بما يشمل الجمعة، من غير فرق بين كون المنصوب شخصا‌

121

[ [مسألة- 1-] هل يجوز- في حال الغيبة و التمكّن من الاجتماع بالشرائط- الجمعة؟]

[مسألة- 1-] هل يجوز- في حال الغيبة و التمكّن من الاجتماع بالشرائط- الجمعة؟ قولان (1)

____________

خاصّا أو عدّة من المسلمين، بل يمكن للإمام أن يأذن لجميع المؤمنين العدول في ذلك. كلّ ذلك للسيرة المستمرّة على الاكتفاء بالمنصوب- و قد تقدّم شرحها- (1) و لإطلاق الوجوب، خرج بالفرض صورة عدم صدور الإذن من الإمام و بقي الباقي تحته.

ظاهر عبارة المتن أنّه لا إشكال عندهم في اشتراط وجوب الجمعة بالسّلطان العادل في الجمعة، و هو الّذي بيّنه أوّلا من دون الإشارة إلى الخلاف، الظاهر في تسالم الأصحاب على ذلك، ثمّ بعد ذلك يبقى الكلام بالنّسبة إلى حال الغيبة، و أنّه هل يجوز الجمعة أم لا؟ و الاختلاف في ذلك- بعد الإجماع على الاشتراط في الجملة- يتصوّر بوجهين:

أحدهما: أنّ ما هو المتسالم عليه هو اشتراط وجوب الجمعة بالسّلطان العادل، و يمكن أن يكون ذلك من باب أنّ صحّتها متوقّفة عليه، فلا تجب لعدم الصحّة و المشروعيّة، كما يمكن أن يكون المتوقّف عليه، هو وجوبها التعيينيّ من دون توقّف صحّتها عليه، و لذا وقع الاختلاف في فرض عدم ما هو شرط للوجوب، و منشأ ذلك أنّه شرط للصّحّة أو شرط للوجوب فقط.

ثانيهما: أن يكون إذن الإمام شرطا في الصّحّة و الوجوب، لكنّ الاختلاف نشأ من ثبوت الإذن و عدمه، و الظاهر من كلام الشيخ المتقدّم (2) أنّ الحكم بالجواز لذلك.

و كيف كان قد اختلف الأصحاب بالنّسبة إلى عصر الغيبة على أقوال:

1- عدم المشروعيّة و البطلان، و هو الّذي نسب إلى ابن إدريس، و سلّار،

____________

(1) في ص 78.

(2) في ص 56.

122

..........

____________

و السيّد المرتضى، و غيرهم (قدّس اللّه أسرارهم).

2- التخيير، بمعنى أنّه يجوز الاكتفاء بصلاة الظهر و عقد الجمعة، لكن يتعيّن الحضور على تقدير عقدها، فيكون التخيير في العقد خاصّة. نسبه في الجواهر إلى ظاهر عبارة أبي الصّلاح، قال: «بل قيل: إنّه أشهر القولين بين أصحاب التخيير» (1). و في الحدائق عن المحدّث الكاشانيّ أنّ المراد بالتخيير هو التخيير في العقد، نقله عن بعض الأصحاب، قال (قدّس سرّه): و الظاهر أنّ المراد بذلك «البعض» هو الشيخ الشهيد في كتاب نكت الإرشاد (2).

3- التخيير، حتّى بعد العقد أيضا، و هو ظاهر كلّ من أطلق التخيير.

4- ثبوت التخيير للمجتهد لا لغيره، كما عن المحقّق الثاني و غيره.

5- وجوب العقد على الفقيه و حرمته على غيره، نقله صاحب الجواهر (قدّس سرّه) عن المحدّث المتبحّر الشيخ حسين بن عصفور (3).

6- الوجوب التعيينيّ على كلّ أحد مع اجتماع الشرائط من العدد و وجود إمام عادل خطيب، نسبه صاحب الحدائق إلى عدّة من القدماء و المتأخّرين كالمفيد و الصّدوق و الكلينيّ و الحلبيّ و الكراجكيّ و الشهيد الثاني و ابنه الشيخ حسن و المجلسيّين و غيرهم (4).

لكنّ الإنصاف كما تقدّم عدم صراحة عبارة القدماء في الوجوب التعيينيّ كالمفيد و الصّدوق، و الكلينيّ، نعم لا يخلو عن ظهور في ذلك.

7- حرمتها تكليفيّا أيضا مضافا إلى عدم مشروعيّتها، و هو الّذي ربما يظهر من عبارة كشف اللّثام المحكيّة في الجواهر، و فيها: «فما لم يقطع به [أي بالإذن] يصلّي الظهر تحرّزا عن غصب منصب الإمام و الاقتداء بغاصبه، و فعل عبادة غير‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 176.

(2) الحدائق الناضرة، الجزء التاسع ص 419.

(3) الجواهر ج 11 ص 192.

(4) الحدائق الناضرة الجزء التاسع ص 378

123

..........

____________

مشروعة» (1).

إذا عرفت ذلك فنقول و منه التوفيق و عليه التكلان: لعلّ الأوفق بما وصل إلينا من الدليل هو الوجوب التعيينيّ.

و ما يمكن الاستدلال به أمور:

الأمر الأوّل: قوله تعالى في سورة الجمعة يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ وَ ذَرُوا الْبَيْعَ ذٰلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ.

و تقريب الاستدلال بها يتمّ بعونه تعالى في طيّ أمور:

منها: أنّ قوله تعالى «إِذٰا نُودِيَ» لا يكون ملحوظا بنحو الموضوعيّة، بضرورة من الشرع و العرف، فإنّه لا يحتمل أهل اللّسان أن يكون المقصود هو وجوب السّعي عند سماع النّداء، بحيث لو علم بدخول الوقت و انعقاد صلاة الجمعة لكن لم يكن نداء في البين لم يكن السّعي واجبا على أحد، كيف؟ و الأذان مستحبّ، فيمكن أن يخرج المسلمون من تحمّل هذا التكليف الشاقّ الّذي لا بدّ من المسير إلى محلّ الأداء من الفرسخين بترك الأذان، حتّى لا يجب على أحد أن يصلّي الجمعة. فلا بدّ أن يكون قوله تعالى «إِذٰا نُودِيَ» كناية، و حينئذ إمّا أن يكون كناية عن انعقاد الجمعة، بمعنى كونها في شرف الانعقاد، أو يكون كناية عن دخول الوقت، أي زوال الشمس عن دائرة نصف النّهار. و لا ريب أنّ الثّاني أولى لوجوه:

1- انّ الأذان ملازم لدخول الوقت و لا يكون ملازما لانعقاد الجمعة. كما في عصرنا هذا، فإنّه ينادى للصّلاة من يوم الجمعة و لا ينعقد الجمعة، و كون «من» متعلّقا بالمحذوف- أي الصّلاة الّتي تقام في الزّمان الّذي هو يوم الجمعة- خلاف الظاهر قطعا، لأنّ الظاهر تعلّق الحروف و الظروف بأصل الفعل، فيكون المعنى على هذا- و اللّه العالم-: أنّه إذا نودي في الزمان الّذي هو يكون يوم الجمعة فاسعوا إلى‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 180.

124

..........

____________

ذكر اللّه، و لا ريب أنّه لا يكون ملازما لانعقاد الجمعة حتّى يكون كناية عنه، و كونه في زمان النزول ملازما للانعقاد في خصوص مدينة الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لا يكفي للخطاب القرآنيّ العامّ للأعصار و الدّهور.

2- الوقت ملحوظ بحسب سياق الآية، فإنّ المستفاد منها أنّها ليست بصدد بيان أنّه يلزم على المؤمنين أن يدركوا جمعة النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و لو في الرّكوع الأخير، كما يستفاد من قوله تعالى «وَ تَرَكُوكَ قٰائِماً» الدالّ على كونه (صلّى اللّه عليه و آله) منتظرا لقدومهم، و كانوا يجيئون إلى الصّلاة لكن مقرونا بالتأخير، فالظاهر منها عند العرف أنه لا بدّ عليكم السّعي أوّل الوقت المعلوم بالأذان، و حينئذ إمّا أن يكون قوله تعالى «إِذٰا نُودِيَ» كناية عن أوّل الوقت أو هو و كون الجمعة في شرف الانعقاد. فالأوّل متيقّن حينئذ.

و الحاصل: أنّ مقتضى إطلاق «إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ» هو السّعي إلى ذكر اللّه و لو لم يقطع بانعقاد الجمعة أو يقطع بعدمه لكن يتمكّن من العقد، و ليس ما في الخارج- من كون النّداء هو خصوص الأذان الّذي كان لإعلام صلاة الجمعة و أنّه كان دليلا على كونها منعقدة- موجبا لتوجّه الخلل بإطلاق الآية النّازلة للقرون المتمادية كما في سائر الآيات الواردة بمناسبة جهات خاصّة.

3- انّ نفس اشتراط الوجوب بالانعقاد المستلزم لعدم الوجوب عند عدم الانعقاد- الموجب لترك فريضة من فرائض اللّه دائما- خلاف ارتكاز العقلاء.

و الارتكاز المذكور لعلّه مانع عن انعقاد الظهور للآية، في كون «إِذٰا نُودِيَ» كناية عن انعقاد الجمعة، بحيث لم يكن للمسلمين تكليف بالنّسبة إلى الجمعة، و كان تكليفهم السعي إلى الجمعة إذا علموا انعقادها فقط.

و الحاصل: أنّ الأقرب أو الظاهر كون الشرطيّة كناية عن دخول الوقت، فيكون مفادها- و اللّه أعلم-: أنّه إذا زالت الشمس من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر اللّه و لو بعقد الصّلاة و الخطبة.

125

..........

____________

و منها: أنّ الخطابات القرآنيّة ليست منحصرة و مخصوصة بالموجودين في زمان الخطاب. كيف؟ و مقتضى الخطاب هو الحضور في مجلس التخاطب و لم يكن الحاضر في مجلس التخاطب إلّا النبيّ الأكرم و الرّسول المعظّم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و لم يكن المؤمنون حاضرين في مجلس التخاطب، حتّى يصحّ معهم الخطاب- بمعناه الحقيقيّ- المستلزم لحضور المخاطب، فليس المقصود بالخطاب تفهيم المؤمنين بنفس المخاطبة، بل المقصود تفهيمهم بالواسطة، و حينئذ لا فرق بين الموجودين في عصر الخطاب و غيرهم، لا سيّما مع العلم بأنّ القرآن الكريم إنّما نزل للعصور و الدّهور، فلا معنى لقصر الآية بعصر النّزول، كما ينادي بذلك قوله تعالى:

وَ أُوحِيَ إِلَيَّ هٰذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَ مَنْ بَلَغَ سورة الأنعام الآية 19.

و منها: أنّ مشروعيّة الجمعة و إن كانت سابقة على الآية النّازلة في سورة الجمعة المبحوث عنها- كما يشهد بذلك نفس الآية المتضمّنة على توبيخهم بالاشتغال باللّهو و التّجارة و تركه (صلّى اللّه عليه و آله) قائما- لكن لم يعلم أنّ وجوبها كان معلوما عند المسلمين، فلعلّها كانت نظير صلاة الجماعة عندهم في سائر الأيّام، أو لعلّ وجوبها كان كفائيّا، أو لم يكن عينيّته معلومة، فليست المشروعيّة بنحو الإجمال- المردّد بين كونه على نحو التعيين أو التّخيير، و المردّد بين الكفائيّ و العينيّ- مانعة عن الأخذ بالإطلاق عند الشكّ في شرطيّة بعض الأمور للوجوب.

هذا. مع أنّه لو علم المشروعيّة الوجوبيّة التعيينيّة العينيّة، لم يكن ذلك مانعا عن الأخذ بإطلاق الحكم، لأنّ بيان وجوب ما ثبت وجوبه عند المسلمين للتأكيد و ضرب القانون كثير جدّا مثل ما ورد في المحافظة على الصّلوات و الصّلاة الوسطى (1) و ما ورد في عدد الفرائض من الأئمّة (عليهم السلام) (2) و مثل آية‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 3 ص 14 باب 5 و ص 18 باب 7 من أبواب أعداد الفرائض.

(2) وسائل الشيعة ج 3 ص 31 باب 13 من أبواب أعداد الفرائض.

126

..........

____________

الوضوء الواردة في المائدة (1) مع مشروعيّة الوضوء قبل ذلك مسلّما، كما يظهر من بعض الأخبار الواردة في المسح على الخفّين في مقام الردّ على العامّة (2)- حيث يجوّزون المسح على الخفّين استنادا الى ما يروونه أنّ الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله) مسح عليهما- و الظاهر أنّه من قبيل التمسّك بالإطلاق، إذ تعيّن المسح على البشرة ليس إلّا ظهورا إطلاقيّا كما هو المعروف. و مثل قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (3). مع أنّ الوفاء بالعقود و العهود كان أساسا للانتظام و كان مشروعيّته من الضروريّات، و مع ذلك صار بصدد البيان لضرب القانون و لمزيد التأكيد، أو لجهات أخر.

و منها: أنّ اشتمال الحكم المطلق على خصوصيّة من الخصوصيّات الدّخيلة في الوجوب أو الواجب لا يصلح أن يكون قرينة على عدم كون المتكلّم في مقام البيان بالنّسبة إلى ذات الحكم. كيف؟ و لازم ذلك الإشكال في المثال المعروف أعني «أعتق رقبة مؤمنة» و جعل القيد قرينة على كونه في مقام بيان أنّه لا بدّ أن يكون المعتق مؤمنا في الظرف الثابت وجوبه، و لكنّ الوجوب لا إطلاق له. و كذا قوله تعالى في سورة المائدة فَكَفّٰارَتُهُ إِطْعٰامُ عَشَرَةِ مَسٰاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مٰا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ (4) فإنّ اشتمال الآية على خصوصيّات ما يكون واجبا في مقام كفّارة اليمين لا يكون قرينة و لا صالحة للقرينيّة على عدم كون المتكلّم في مقام البيان بالنّسبة إلى أصل الواجب.

و يظهر من ذلك أنّ اشتمال الآية على وجوب السّعي إلى الجمعة في ظرف دخول الوقت و عدم التّأخير، لا يكون دليلا على أنّها في مقام بيان أنّ الجمعة‌

____________

(1) الآية 5.

(2) وسائل الشيعة ج 1 ص 323 ح 6 من باب 38 من أبواب الوضوء.

(3) سورة المائدة الآية 1.

(4) سورة المائدة الآية 89.

127

..........

____________

الواجبة بشرائطها يكون وقتها مضيّقا أو أنّه لا بدّ من الإتيان بها جماعة.

و يظهر أيضا أنّ الروايات المشتملة على الوجوب- إذا كان عدد خاصّ من السّبعة أو الخمسة- صالحة للدّلالة، و لا وجه لأن يقال: إنّها في مقام بيان اشتراط العدد، إذ ليس ذلك إلّا مثل أن يقال: إنّ آية الكفّارة إنّما تكون في مقام بيان عدد المساكين.

و لعمري إنّ المناقشة في التمسّك بالإطلاق صارت معضلة، فإنّه لو كان الدّليل في مقام بيان أصل وجوب الجمعة مثلا- فيكون مفاده أنّ صلاة الجمعة واجبة، و أنّها فريضة من فرائض اللّه تعالى- يشكل في إطلاقه بأنّه في مقام بيان أصل التشريع، و أنّه ليس في مقام الإطلاق، و لو كان الدليل متضمّنا لخصوصيّة من خصوصيّات الواجب أو الوجوب يشكل بأنّه في مقام بيان دخالة الخصوصيّة و ليس في مقام بيان الوجوب من حيث السّعة و الضيق، فحينئذ يتوجّه عليهم، بأنّه بأيّ إطلاق يتمسّك؟ لأنّه إمّا أن يكون غير مشتمل على الخصوصيّة، فيتوجّه الإشكال الأوّل، و إمّا أن يكون مشتملا عليها، فيتوجّه الإشكال الثاني. و الحقّ هو التمسّك بالإطلاق في الموردين بلا إشكال و ترديد. و الدليل عليه هو المراجعة إلى العرف المحكم في هذا الباب المتّضح بما ذكرناه من بعض الأمثلة.

و منها: انّ إطلاق الذكر على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في بعض الموارد، لا يوجب رفع اليد عن ظهور الذكر في هذا المورد في ما هو مفاده العرفيّ الظاهر في الصّلاة أو الخطبة، لأنّهما ذكر اللّه حقيقة، و هو المناسب في مقام الشرطيّة الّتي في قوله تعالى إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ.

و منها: انّه ليس الألفاظ موضوعة لخصوص الصحيح. كما حرّرناه في الأصول، حتّى يقال: إنّ الشرط هو النداء إلى الصّلاة الصحيحة. و على فرض كونها موضوعة لخصوص الصحيح فقد مرّ أنّ الشرط في متن الواقع هو دخول الوقت، و الشرطيّة المذكورة كناية عن ذلك، و الاعتبار إنّما هو بالمكنيّ عنه. و على فرض كون الشرط‌

128

..........

____________

هو النّداء إلى الصّلاة الصحيحة، فلا ريب في تحقّق النّداء للصّلاة الصحيحة، و هي الأعمّ من الظهر و الجمعة. نعم، لو كان الشرط كناية عن صيرورة الجمعة في شرف الانعقاد، فقد يقال بناء على الصّحيح: إنّ المكنىّ عنه هو الجمعة الصحيحة و هو كما ترى، من حيث المبنى و البناء، أمّا الأوّل: فقد مرّ أنّ الأقرب و الأظهر كونه كناية عن دخول الوقت. و أمّا الثاني: فلأنّه ليس في البين لفظ صلاة الجمعة، و لم يثبت لزوم الحمل على الصحيح فيما يكنى به عن الصّلاة، و لو على القول بوضع ألفاظ العبادات للصحيح.

و يمكن أن يقال: إنّ في الاستدلال بها على الوجوب شبهات:

الشبهة الاولى: أن يقال: إنّ المستفاد منها الأمر بالسّعي بمحض النّداء، و هو مستحبّ قطعا، و ذلك لعدم وجوب استماع الخطبة، لصحّة صلاة من يتأخّر حتّى يدرك الإمام في الرّكعة الثانية، و من المعلوم أنّ ما كان يقع في أوّل الوقت هو الخطبة. مضافا إلى قوله تعالى وَ تَرَكُوكَ قٰائِماً فهو أيضا دليل على الأمر بالسعي لإدراك فضيلة الخطبة، و فيها:

أوّلا: أنّ المستفاد من غير واحد من الرّوايات أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يخطب في الظلّ الأوّل، و أنّ موقع العصر هو وقت الظهر في سائر الأيّام، و غير ذلك. و ليس قوله تعالى وَ تَرَكُوكَ قٰائِماً شاهدا على ذلك، بل الأظهر انتظاره (صلّى اللّه عليه و آله) للصّلاة بهم، فالنّهي عن تركه (صلّى اللّه عليه و آله) في حال الانتظار للصّلاة. فتأمّل.

و ثانيا: الأقرب أن يكون الذكر بمعنى الصّلاة، لصدق الذكر عليها، و عدم معلوميّة صدقه على الخطبة، و لقوله تعالى إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ. و قوله تعالى فَإِذٰا قُضِيَتِ الصَّلٰاةُ المشعر بأنّ المقصود درك الصّلاة و عدم فوت الصّلاة عنهم.

و ثالثا: إن كان المقصود هو الخطبة و الأمر بالسعي إذا دخل الوقت، فلا يكون عدم وجوب السعي إلى الخطبة إذا فرض وقوعها بعد الظهر مسلّما، فإنّ المسلّم هو‌

129

..........

____________

الصّحة و هي لا تنافي وجوب السعي.

الشبهة الثانية: أنّها و إن دلّت على وجوب السّعي في فرض عقد الجمعة الصحيحة، إلّا أنّه لا تدلّ على وجوب الجمعة مطلقا، عقدا و سعيا، للاشتراط بالنّداء للصّلاة من يوم الجمعة.

و فيها أنّ قوله تعالى مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ يحتمل من حيث التعلّق وجوها:

الأوّل: أن يكون بيانا للظرف المستفاد من قوله تعالى «إِذٰا» يعني في الزّمان الّذي «نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ» و كان الزّمان المذكور «مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ» و هو الّذي اختاره غير واحد من محقّقي علم التفسير، كصاحب الكشّاف و غيره. الثاني: أن يكون متعلّقا ب «نودي» و يكون «من» بمعنى في. الثالث: أن يكون متعلّقا ب‍ «الصلاة» أي الصّلاة الكائنة في يوم الجمعة، فيكون أيضا بمعنى في، فعلى الأوّلين ليس الشرط إلّا النّداء لأصل الصّلاة لا خصوص صلاة الجمعة.

و الشبهة المذكورة مبنيّة على الوجه الأخير و هو مردود لوجوه:

منها: لزوم أن يكون «من» بمعنى في و هو شاذّ كما يظهر من المغني و غيره.

و منها: لزوم تقدير الفعل أو شبهه لتصحيح التعليق.

و منها: ظهور المتعلّقات في أن تكون متعلّقة بأصل القضيّة، لا ببعض متعلّقاتها.

و منها: أنّ تعليق الوجوب بالنّداء للجمعة- الموجب لاختيار المكلّفين في تركها- بعيد في مقام التشريع، فالظاهر تعيّن أحد الأوّلين، خصوصا مع وضوح الكلام عند المخاطبين و عدم إجماله لديهم. مع إمكان صحّة الاستدلال بها على ذلك أيضا، إذا المفروض النّداء إلى صلاة الجمعة الصحيحة، و لا ريب أنّ المنادي ينادي في جميع الأوقات إلى صلاة الجمعة الصحيحة و لو في عصر الخلفاء و مصرهم، فيجب عقد الجمعة الصحيحة، فيكشف عن ذلك القدرة على ذلك مطلقا.

الشبهة الثالثة: كون متعلّق السّعي معهودا قطعا، و كون المقصود الأمر بالسّعي إلى الجمعة على ما هو المتداول في الخارج، و لا ريب أنّ المتداول كونها بيد الولاة و الأمراء‌

130

..........

____________

و أئمّة الحقّ و الجور.

و فيها: بعد ما كان الأمر مطلقا، فلا ريب أنّ العرف يلقي ما احتمل دخالته فيه، ممّا يقتضي عدم الوجوب في أزمنة كثيرة. فتأمّل تعرف، و هو العالم الهادي.

الأمر الثاني: قوله تعالى حٰافِظُوا عَلَى الصَّلَوٰاتِ وَ الصَّلٰاةِ الْوُسْطىٰ، وَ قُومُوا لِلّٰهِ قٰانِتِينَ (1) بضمّ ما ورد في الصّحيح عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال:

«و قال تعالى حٰافِظُوا عَلَى الصَّلَوٰاتِ وَ الصَّلٰاةِ الْوُسْطىٰ، و هي صلاة الظهر، إلى أن قال: و أنزلت هذه الآية يوم الجمعة و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، في سفر فقنت فيها فتركها على حالها في السفر و الحضر» (2) و عن مجمع البيان عن عليّ (عليه السلام) «أنّها الجمعة يوم الجمعة و الظهر في سائر الأيّام» (3) و دلالة الآية على وجوب الجمعة و المحافظة عليها مطلقا بضمّ الخبرين، واضحة، من غير احتياج إلى الأمور المذكورة في الآية المتقدّمة.

إلّا أن يقال: إنّه ليس المراد من «الصّلاة الوسطى»- حتّى بعد ورود الصحيح- خصوص صلاة الجمعة يوم الجمعة، حتّى يكون مفادها- بعد التفسير المزبور- حافظوا على صلاة الجمعة يومها، بل لعلّ الظاهر أنّ المقصود هو التأكيد في المحافظة على الصّلاة المشروعة في وسط النّهار، فالآية إنّما هي بعد الجعل و المشروعيّة، لأنّه لا يصدق عنوان الوسطى على الصّلاة إلّا بملاك مشروعيّتها في الوقت المذكور، فحينئذ يكون مفاد الآية هو التأكيد في المحافظة على الصّلاة المشروعة في وسط النّهار في الجمعة و غيرها، و الاختلاف إنّما هو في المصداق. و ذلك لا يدلّ على مشروعيّة الجمعة مطلقا، لأنّه على تقدير عدم المشروعيّة يكون الصّلاة الوسطى أربع‌

____________

(1) سورة البقرة الآية 238.

(2) وسائل الشيعة ج 3 ص 14 ح 1 من باب 5 من أبواب أعداد الفرائض.

(3) وسائل الشيعة ج 3 ص 15 ح 4 من باب 5 من أبواب أعداد الفرائض.

131

..........

____________

ركعات، فالمصداق صار موردا للاختلاف مع حفظ الأمر الّذي في الآية الشريفة على حاله، من لزوم المحافظة على الصلاة الوسطى.

إلّا أنّ يكون المقصود من خبر زرارة أنّ الأمر بالمحافظة ناظر إلى التحفّظ على خصوص ظهر الجمعة، على النحو المشروع عند نزول الآية، و لذا جعلها على حالها من الرّكعتين. فتأمّل.

الأمر الثالث: الرّوايات الواردة في هذا الباب، و هي على طوائف:

الطائفة الأولى: ما تدلّ على وجوب صلاة الجمعة من دون أن يكون ذلك في ضمن بيان الاشتراط ببعض الشروط و إن ذكر الشروط في طيّ ذلك.

1- كصحيح زرارة عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) قال: «إنّما فرض اللّه عزّ و جلّ على النّاس من الجمعة إلى الجمعة خمسا و ثلاثين صلاة، منها صلاة واحدة فرضها اللّه عزّ و جلّ في جماعة و هي الجمعة و وضعها عن تسعة: عن الصّغير و الكبير و المجنون و المسافر و العبد و المرأة و المريض و الأعمى و من كان على رأس فرسخين» (1) فإنّ الخبر الشريف يدلّ على وجوب الجمعة و كونها من الفرائض، بدلالة مستقلّة لا بتبع دلالته على وجوب الاجتماع فيها، و لا يمكن حينئذ أن يقال:

إنّه بصدد بيان اشتراط صلاة الجمعة بالجماعة في ظرف وجوبها، بل هو بصدد بيان أنّها من الفرائض، و أنّ كيفيّة فرضها مقرونة بالاجتماع. و كون المقصود بالجماعة، هي الجماعة المناسبة للجمعة الّتي فيها الإمام أو المنصوب- حتّى يكون الجماعة كناية عن وجود الإمام- خلاف الظاهر قطعا، بل ممّا يقطع بخلافه، فإنّ الكناية بالجماعة عن وجود الإمام فيها، ممّا لم يعهد في المحاورات العرفيّة و لا داعي إلى المعمّى في المقام.

و الإيراد على دلالته من جهة قوله (عليه السلام) في الذيل: «و من كان على رأس‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 2 ح 1 من باب 1 من أبواب صلاة الجمعة.

132

..........

____________

فرسخين» بكونه قرينة على أنّه في مقام بيان وجوب السّعي إلى الجمعة المنعقدة لا إقامة الجمعة.

مدفوع: بأنّ المسافة المذكورة حدّ للمتمكّن من الإتيان بالجمعة عقدا أو سعيا إلى الجمعة المنعقدة. فمن تمكّن من الإتيان بالجمعة في المسافة المذكورة، يجب ذلك و لو لم يكن في البين جمعة منعقدة، لو لا إقدامه عليها، كالإمام أو المنصوب على فرض الاشتراط و العدد المشروط إقامة الجمعة به، فإنّه يجب عليهم الاجتماع في المسافة المذكورة، لا فيما إذا كانوا خارجين عنها، و حينئذ فالمقصود عدم وجوب الجمعة على من يكون خارجا عن المسافة المذكورة و لم يتمكّن من عقد الجمعة أو السّعي إلى المنعقدة إلّا بطيّ أكثر من فرسخين. و قد مرّ بعض الكلام في ذلك فيما مضى.

و لا يخفى أنّ الحديث المذكور مرويّ في كتب المشايخ بطرق مختلفة فيها الصحيح و الحسن الّذي هو كالصحيح فهو شبيه بالمتواتر من حيث القطع بالصّدور فراجع الوسائل.

2- و ما عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في خطبة الجمعة (قال): «الحمد للّه الوليّ الحميد. و الجمعة واجبة على كلّ مؤمن، إلّا على الصبيّ و المريض و المجنون و الشيخ الكبير و الأعمى و المسافر و المرأة و العبد المملوك و من كان على رأس فرسخين» (1).

3- و صحيح منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و فيه: «الجمعة واجبة على كلّ أحد لا يعذر النّاس فيها إلّا خمسة: المرأة و المملوك و المسافر و المريض و الصبيّ» (2).

و لعمري إنّه خال عمّا يقتضي توهّم عدم الإطلاق. و مع ذلك فقد أورد عليه‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 3 ح 6 من باب 1 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 5 ح 16 من باب 1 من أبواب صلاة الجمعة.

133

..........

____________

بأنّه في مقام بيان وجوب حضور الجمعة المنعقدة لا عقدها و إقامتها. و لا أدري من أين صحّ هذا التقييد من دون أن يكون الكلام مقترنا بما يصلح قرينيّته عليه.

و لا يمكن أن يقال: إنّ ما هو الواجب مطلقا هو الجمعة الواجدة لجميع الأجزاء و الشرائط، فلو شك في شرطيّة شي‌ء لم يمكن التمسّك بالإطلاق، على ما هو المعروف من كون الألفاظ حقيقة في الصحيح، أو فرض الانصراف إلى الصحيح، لأنّ المبني ممنوع، و الألفاظ موضوعة للأعمّ. مع أنّه يمكن أن يقال: إنّه ليس المقصود أنّ الواجب على كلّ أحد هو الجمعة الواجدة لشرائط الواجب و الوجوب، فإنّ وجوبها حينئذ ضروريّ و لا يكون موردا للاستثناء. فالواجب هو الجمعة الصحيحة، مع قطع النظر عن شرائط الوجوب، فهي واجبة على كلّ أحد، و من ذلك من ليس إمامه المعصوم أو المنصوب من قبله.

و بالجملة، لا فرق في جواز التمسّك بالإطلاق بين ما إذا كان العدد سبعة مثلا و شكّ في لزوم الزّائد، و بين ما إذا كان الشكّ من جهة فقد المعصوم و المنصوب، و بين ما إذا كان الشكّ من جهة راجعة إلى نفس المكلّف مع فرض وقوع الجمعة صحيحة، كما لو كان أعرج مجاورا للجامع، فإنّ العرف لا يرى فرقا بين الموارد المذكورة في التمسّك بالإطلاق (1).

____________

(1) و يمكن أن يوضح ذلك- تقريب الاستدلال بالرّواية- بأن يقال: دلالته على الوجوب التّعيينيّ واضحة جدّا على فرض تسليم أصل الصحّة إذا فرض عقد الجمعة الصحيحة.

و أمّا إن لم نقل بذلك و احتملنا عدم مشروعيّة الجمعة إلّا للمعصوم (عليه السلام) أو المنصوب، و قلنا بأنّ ألفاظ العبادات موضوعة للأعمّ- كما هو الصحيح الّذي لا ريب فيه- فكذلك، إذ يصدق على الجمعة المنعقدة بغير إذن الإمام (عليه السلام) أنّها صلاة جمعة انعقدت، فيصدق الفرسخان بالنّسبة إليها، و مقتضاه الوجوب لمن كان في المسافة فيكشف عن عدم الاشتراط و الصحّة.

و أمّا إن قلنا بأنّ المقصود فرض إقامة الجمعة الصحيحة، و الصحيح يدلّ على الوجوب في الفرض المذكور بقرينة الذيل، فنقول: إنّه حيث يكون في مقام شرائط صفة المصلّين، من الإمام و المأموم، فيكون المقصود هو الصحيح مع قطع النظر عن الشرائط الرّاجعة إلى الصفات. و لعمري: إنّه لو عرض على العرف و قيل إنّه لو كان من شرائط الوجوب العينيّ أو أصل الوجوب- الّذي لازمه عدم المشروعيّة- أن يكون إمامه الإمام (ع) أو المنصوب فلا يجب على غيرهما الإقامة، و لا يجب على السّائرين الإتيان إلى الجمعة الّتي لم يقمها المعصوم (عليه السلام) أو المنصوب، لكان ينبغي الاستثناء كما استثنى باقي من ليس عليه، لتسلّمه و أخذ بإطلاقه. و هذا واضح لو كان المراد بالمسافة هي من حيث التمكّن كما هو الظاهر.

و أمّا إن كان المقصود الجمعة الفعليّة و كان المراد منها الصحيحة، فلا ريب أنّه ليس المقصود تحقّق الجمعة فعلا، و إلّا لم يصحّ استثناء من كان على رأس فرسخين، بل حينئذ يكون المفروض انعقاد الجمعة بعد ذلك بنحو الصحيح، فلا يجب حينئذ على الإمام أو المنصوب من قبله إن كان على رأس فرسخين السّعي إلى المسجد الجامع الّذي ينعقد فيه الجمعة و لو بعقد هما، بل يجب على المنصوب أو الإمام الواقع في المسافة إقامتها، و حينئذ فحيث لم يستثن غير المذكورين ممّن لا يكون إماما و لا منصوبا فهو دليل على الإطلاق. فتأمّل، فإنّه لا يخلو عن دقّة.

مع إمكان أن يقال: إنّ الصّدر مطلق، و الذيل لا يدلّ- على فرض التسليم- إلّا على فرض الجمعة الّتي تنعقد في خصوص الاستثناء المذكور، و يكون المقصود عدم وجوب السّعي من ناحية الجمعة المنعقدة، فيكون المقصود أنّه تجب الجمعة على كلّ أحد و لا يجب السّعي على من كان على رأس فرسخين إذا فرض انعقاد جمعة من ناحية الجمعة المذكورة فلا ينافي الوجوب عليه إذا تمكّن منها على رأس فرسخين فتأمّل.

134

..........

____________

و لا يقال أيضا: إنّ الجمعة المنعقدة في عصر صدور مثل الخبر هي المنعقدة بإقامة السّلاطين الجائرة، فالظاهر من الحكم المذكور باعتبار انحصار مصاديق الموضوع في الخارج فيما ذكر هو وجوب الحضور لجمعاتهم، فالحكم جار مجرى التقيّة إمّا بأن كان صدوره من باب التقيّة، و إنّما من جهة التقيّة في العمل فإنّ انعزال الشيعة عن جمعاتهم كان مخالفا للتقيّة أيضا فكان الواجب عليهم الحضور لذلك، فإنّ مقتضى إطلاقه وجوب إقامة الجمعة، و كذا الحضور في الجمعة المنعقدة فيما لم يكن في البين إمام معصوم و لا جائر و لا منصوب من قبلهما، و لا يكون إطلاقه بالنّسبة إلى ذلك جاريا مجرى التقيّة، إذ لا تقيّة في الفرض، مع أنّ الحمل على التقيّة في إلقاء الكلام خلاف الظاهر قطعا، و مقتضى ذلك وجوب عقد الجمعة‌

135

..........

____________

و وجوب الحضور لجمعاتهم، و كون ذلك مجزيا بالنّسبة إلى نوع الشيعة، لعدم المصلحة في انعزالهم عنها بالمرّة، فيكون الحضور فيها موافقا للتّقيّة للنّوع. و لا ينافي ذلك عدم الإجزاء بالنّسبة إلى بعض الآحاد، أو بالنّسبة إلى نفس الإمام (عليه السلام)، فإنّ له الانعزال في بعض الموارد و الأيّام كما نقله أبو بصير في الموثّق (1) كما أنّه يمكن إبداء احتمال الإجزاء و لو في غير مورد التقيّة من باب كفاية إحراز العدالة في انعقاد الجمعة الصحيحة، و لا ريب أنّه يحصل الوثوق بالعدالة لعامّة النّاس بالنّسبة إلى كثير من جمعاتهم، فلا يكون الإمام المخالف أسوء حالا من اليهوديّ الّذي يكون موردا للرّواية (2) في باب الجماعة، فإنّ عامّة النّاس يعتقدون العدالة و الإيمان بجميع ما جاء به النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في كثير من أئمّة جماعاتهم و جمعاتهم، فلا غرو أن يقال: إنّه صحيح في متن الواقع لا من باب كون العمل صادرا على وجه التقيّة. هذا مع قطع النظر عن التتبّع فيما ورد في إمام الجماعة من اشتراط الإيمان و العدالة، و إلّا فلا بدّ من التتبّع و التأمّل، و هو الهادي.

4- و صحيح أبي بصير، و محمّد بن مسلم جميعا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: «إنّ اللّه عزّ و جلّ فرض في كلّ سبعة أيّام خمسا و ثلاثين صلاة، منها صلاة واجبة على كلّ مسلم أن يشهدها إلّا خمسة: المريض و المملوك و المسافر و المرأة و الصّبيّ» (3). و لا يتوقّف صدق عنوان الشّهود على انعقاد الجمعة مع قطع النظر عن شهودها بل يكفي في صدقه حضور من ينعقد به الجمعة للانعقاد، فكما يقال: إنّ المأموم شهد الجمعة، كذا يصدق أنّ الإمام شهدها، بلا ترديد و إشكال، كما يومي إلى ذلك رواية وهب عن جعفر عن أبيه: «أنّ عليّا (عليه السلام) كان يقول: لأن‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 22 ح 1 من باب 10 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 435 باب 37 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 5 ح 14 من باب 1 من أبواب صلاة الجمعة.

136

..........

____________

ادع شهود حضور الأضحى عشر مرّات أحبّ إلى من أن ادع شهود حضور الجمعة مرّة واحدة من غير علّة» (1). مع أنّ شهود عليّ (عليه السلام) كان شهود من ينعقد به الجمعة، لا شهود من يأتي الجمعة بعد الانعقاد، إلّا أن يكون الخبر ناظرا إلى عصر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و هو بعيد من سياقه، بل الظاهر أنّه الأعمّ من الأمرين فيشمل الشّهود للانعقاد و الشّهود بعد العقد.

5- و عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في خطبة طويلة نقلها المخالف و المؤالف:

«إنّ اللّه تعالى فرض عليكم الجمعة، فمن تركها في حياتي أو بعد موتى استخفافا بها أو جحودا لها فلا جمع اللّه شمله و لا بارك له في أمره، ألا و لا صلاة له، ألا و لا زكاة له، ألا و لا حجّ له، ألا و لا صوم له، ألا و لا برّ له حتّى يتوب» (2).

و لعمري إنّ ذلك ممّا يفزع عنه المؤمن المتأمّل. فكما أنّه لا عذر لمن سمع ذلك في تركها إذا احتمل مثلا لزوم كون العدد كلّهم عدولا، كذلك الأمر في الاشتراط بالإمام المعصوم. هذا مع أنّ صيرورته (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بصدد البيان على ما في بعض الطرق بذكره الاشتراط بإمام عادل دليل قطعيّ على عدم لزوم الإمام المعصوم. فتأمّل.

6- و غير ذلك من الرّوايات فراجع الوسائل و المستدرك.

الطائفة الثانية: ما ورد في فرض عدم كون المقيم هو المعصوم، أو في فرض عدم إقامتها من جانب الأمراء و السّلاطين.

1- كصحيح زرارة قال: «حثّنا أبو عبد اللّه (عليه السلام) على صلاة الجمعة حتّى‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 5 ح 18 من باب 1 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 7 ح 28 من باب 1 من أبواب صلاة الجمعة. نقله عن رسالة الشهيد الثاني (قدّس سرّه)، و رأيته فيه أيضا. و في المستدرك ج 1 ص 408 ح 18 من باب 1 من أبواب صلاة الجمعة عن عوالي اللئالي و عن تفسير ابي الفتوح الرّازي عن جابر بن عبد اللّه الأنصاريّ ما هو قريب منه. و في بعضها: «مع امام عادل».

137

..........

____________

ظننت أنّه يريد أن نأتيه، فقلت: نغدو عليك؟ فقال: لا إنّما عنيت عندكم» (1) و هو صريح في عدم صحّة ما لعلّه كان يظنّه زرارة من الاشتراط بالإمام المعصوم مطلقا، و هو ظاهر في أنّ المقصود إقامة الجمعة عند الشيعة، لأنّه المنصرف إليه من قوله (عليه السلام) «إنّما عنيت عندكم». و على فرض عدم الانصراف فلا ريب في ثبوت الإطلاق و أنّ المقصود هو إقامة الجمعة مع شرائط الجمعة و الجماعة، و ذلك يشمل الأمرين من عقد الجمعة من طرف الشيعة العدول، أو الحضور لجمعات المخالفين من باب التقيّة، أو الحضور لبعض جمعات الشيعة، على ما يظهر من الأخبار من وجودها في الجملة، و لا إجمال في الرّواية أصلا، إذ ليس لفظ «عند» من الألفاظ المجملة من حيث المفهوم، و كونه شاملا لجمعة الشيعة و المخالفين عقدا و حضورا لا يجعله مجملا، و إلّا كان كلّ مطلق مجملا.

و ما في تقرير بعض أساتذة العصر طاب ثراه، من تكثير الاحتمالات في الصحيح ليس إلّا من قبيل ما أشرنا إليه. و الإيراد عليه بعدم دلالته على الوجوب من باب أنّ غاية ما يستفاد من مادّة الحثّ الرّجحان دون الوجوب، لو لم نقل بظهور الحثّ في خصوص الاستحباب- كما في التقرير المذكور- مدفوع: بأنّه خلاف مبنى المحقّقين من كون الوجوب حتّى في صيغة «افعل» مستفادا من دلالته على البعث و الحثّ، و أنّ البعث حجّة على الوجوب، إلّا أن يكون في البين قرينة على الإذن في التّرك.

و دلالته على الوجوب في المقام أظهر من هيئة «افعل» الدالّة على البعث لوجهين: أحدهما: أنّ الحثّ و الحضّ ظاهران في التأكيد في مقام البعث، لا صرف البعث، كما لعلّه الظاهر من قوله تعالى «وَ لٰا يَحُضُّ عَلىٰ طَعٰامِ الْمِسْكِينِ» (2). ثانيهما:

أنّ الظاهر أنّ زرارة فهم منه الوجوب لظنّه أنّه يريد أن يقيمها الإمام (عليه السلام)

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 12 ح 1 من باب 5 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) سورة الماعون الآية 3.

138

..........

____________

بنفسه. و لا ريب في وجوبها حينئذ و الإمام (عليه السلام) لم يردعه عن ذلك بل ردعه عن ظنّه.

و لعمري: إنّ دلالته على الصحّة من الواضحات، و دلالته على الوجوب قابلة للاعتماد عند العرف، و لو لا كون المسألة من المسائل الّتي كثر فيها الردّ و الإيراد، لم يقع مثل تلك الرّوايات موردا للشبهات.

و ممّا جعل دليلا على عدم وجوبها، دلالة الصحيح على كون زرارة تاركا لها، و تركها دليل على عدم وجوبها. مع أنّه لا يدلّ على ذلك فإنّ الحثّ لا يدلّ على كونه تاركا له، بل فيه إشعار على تطرّق احتمال الترك في بعض الأوقات، لو لا الحثّ المذكور، و هو كذلك، لأنّ إقامة الجمعة للشيعة دائما، كان من الأمور الحرجيّة، لشدّة ارتباطها عندهم بمقام الحكومة و الرئاسة، فكأنّه كان تصدّيا لمقام الخلافة، فالحثّ المذكور كان موجبا على الظاهر لتحمل الحرج في ذلك، و لو بالاجتماع في بعض القرى أو الاجتماع في مكّة و المدينة في بعض المنازل البعيدة عن إشراف القوم، لا في الكوفة، الموجب لشياع الأمر. مع أنّه لو دلّ على الترك لم يدلّ على عدم الوجوب، لأنّه لم يكن الترك على الظاهر إلّا من باب عدم كون جمعتهم واجدة للشرائط، و عدم تيسّر إقامة الجمعة لهم إلّا في بعض الأوقات، أو مع تحمّل المشقّة الشديدة.

و عمدة الإشكال فيه: احتمال كون ذلك إذنا لجماعة كانوا مع زرارة. لكن يمكن دفع ذلك بأنّ قوله (عليه السلام) «إنّما عنيت عندكم» شامل بلفظه لكون الإمام غير الجماعة المذكورة، و لكن كانت الجمعة المنعقدة عندهم و مع حضورهم فيها، و شامل لما بعد وفاته (عليه السلام)، من دون لزوم الاستيذان من إمام العصر (عليه السلام)، و ذلك دليل على كونه حكما أو إذنا فيه جهة عموم، لأنّه يمكن إلقاء الخصوصيّة فيه كالحكم إذ لا فرق بينهما في ذلك.

2- و مثل مصحّح عبد الملك بن أعين عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «قال‌

139

..........

____________

[(عليه السلام)]: مثلك يهلك و لم يصلّ فريضة فرضها اللّه، قال: قلت: كيف أصنع؟

قال (عليه السلام): صلّوا جماعة يعني صلاة الجمعة» (1).

و قد يخدش فيه بأمور:

الأوّل: أنّ في تشيّع عبد الملك و وثاقته خلاف.

الثاني: أنّ جملة «يعني صلاة الجمعة» ليست من كلام الإمام (عليه السلام) فليست الرّواية ظاهرة فيما نحن بصدده.

الثالث: أنّ الظاهر أنّه كان بينه (عليه السلام) و بين عبد الملك مكالمات من قبل، و لعلّه كان بين تلك المكالمات قرينة على أنّ المقصود هو التّوبيخ على ترك الحضور للجمعة المنعقدة بإذن الإمام (عليه السلام).

الرّابع: أنّه حيث لم يعلم تشيّع عبد الملك، فمن المحتمل أنّ توبيخه كان لتركه جمعات المخالفين، مع صحّتها على مذهبه.

الخامس: احتمال صدور الكلام المذكور تقيّة من عدّة كانوا حاضرين عنده (عليه السلام).

السادس: أنّ مقتضاه عدم جواز ترك الجمعة في مدّة العمر، فيكفي الإتيان بها و لو مرّة واحدة في مدّة العمر.

و كلّ ذلك مردود:

أمّا الأوّل: فلو رود الصحيح- من غير معارض- على تشيّعه و وثاقته، و هو ما رواه في تنقيح المقال عن الكشّيّ عن عليّ بن الحسين عن عليّ بن أسباط عن عليّ بن الحسن بن عبد الملك بن أعين عن ابن بكير عن زرارة قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) بعد موت عبد الملك بن أعين: اللّهمّ إنّ أبا الضريس كنّا عنده خيرتك من خلقك فصيّره في ثقل محمّد صلواتك عليه يوم القيامة. ثمّ قال أبو عبد اللّه‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 12 ح 2 من باب 5 من أبواب صلاة الجمعة.

140

..........

____________

(عليه السلام): أما رأيته؟ يعني في النّوم، فتذكرت، فقلت: لا، فقال: سبحان اللّه أين مثل أبي الضريس لم يأت بعد» (1). فإنّ جملة «كنّا عنده خيرتك من خلقك» و الدّعاء بجعله «في ثقل محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)»، دليل على تشيّعه. و قوله (عليه السلام): «أين مثل أبي الضريس» دالّ على وثاقته. هذا مع أنّ النّاقل عنه زرارة، و هو من أصحاب الإجماع.

و أمّا الثاني: فللقطع بأنّه ليست صلاة فريضة كان يتركها عبد الملك و كان متحيّرا في الإتيان بها بعد توبيخ الإمام (عليه السلام) و كان الواجب أن يؤتى بها جماعة، إلّا صلاة الجمعة، فكون الجملة للإمام و عدم كونها منه سيّان في وضوح كون الموضوع هو الجمعة، لوجوه ثلاثة، كلّ واحد منها قرينة قطعيّة على كون المراد هو الجمعة، فكيف باجتماعها، و خلاصتها: ترك مثل عبد الملك لها، و التحيّر في كيفيّة الإتيان بها بعد التوبيخ، و وجوب الإتيان بها جماعة. مع أنّ فهم عبد الملك دليل على كون المقصود هو صلاة الجمعة، و إلّا فإمّا كان الإمام (عليه السلام) في مقام الإجمال لا البيان، و إمّا غفل عبد الملك عن القرينة القائمة على غيرها. و كلاهما خلاف الأصل العقلائي الملحوظ في الكلمات.

و أمّا الثالث: فلأنّ الظاهر أنّ نفس الكلام المذكور منضمّا إلى معهوديّة الترك، يكون كافيا لفهم المراد، و أنّ المقصود صلاة الجمعة. فإنّ قوله (عليه السلام):

«و مثلك يهلك و لم يصلّ فريضة فرضها اللّه» الظاهر في التوبيخ، ظاهر في أنّه كان يعلم بفرض من الفرائض، و كان مثل عبد الملك يترك الفرض المذكور، و ليس ذلك إلّا صلاة الجمعة، و لا يكون ظاهرا في اكتناف الكلام بما يصلح لكونه قرينة على خلاف الظاهر. مع أنّ قيام القرينة على كون المقصود هو التوبيخ على ترك الحضور للجمعة الّتي يقيمها المنصوب من قبل الإمام (عليه السلام)، بعيد جدّا. لأنّه لو كان‌

____________

(1) تنقيح المقال ج 2 ص 228.

141

..........

____________

كذلك، و كان عبد الملك عالما به- كما هو الظاهر من التوبيخ- لما كان يترك الحضور، بل مقتضى القاعدة هو وجوب الحضور له في جميع الجمعات.

مع أنّ كون الكلام قرينة على مسبوقيّته بعهد ذكري، أو ذكري من الإمام (عليه السلام) بحال عبد الملك، غير قرينيّة الكلام المعهود على خلاف الظاهر، فتأمّل.

مع أنّ السّابق ذكره إن فرض وجود جمعة من الشيعة بإذن الإمام (عليه السلام) لكان عبد الملك يأتي به، و إن لم يكن يأتي به فلا بدّ أن يكون التّوبيخ على الترك مطلقا، لا مطلق الترك، و لكان يناسب الأمر بالحضور، و لم يكن يناسب لقوله «كيف أصنع».

و إن كان عبد الملك عامّيا و كان التّوبيخ على ترك جماعة العامّة، فلا يصحّ أيضا، لأنّه لو كان كذلك لأتى به، و لم يكن وقع لقوله «كيف أصنع»، مع وضوح لزوم الشهود لجماعتهم لديه حينئذ و لم يكن معنى لقوله (عليه السلام) «صلّوا جماعة»، بل كان المناسب «احضروا جماعتهم».

و إن كان شيعيّا و كان الصدور منه (عليه السلام) تقيّة و المقصود لزوم جماعة العامّة، فلا معنى للتفوّه بكلام يوقع عبد الملك في الخطر، و هو قوله (عليه السلام) «مثلك يهلك و لم يصلّ فريضة فرضها اللّه تعالى».

و إن كان المقصود مراعاة ذلك للتقيّة فليس البيان يناسب ذلك، إذ هو صريح في ترك فريضة من فرائض اللّه تعالى، و التوبيخ على ذلك. و ما ورد بعنوان الحضور تقيّة لا بدّ أن يكون- كما في بعض الأخبار- مشتملا على بيان عدم الاكتفاء به و قرائته لنفسه، و ضمّ ركعتين إليها فيكون ظهرا، و أين هذا من قوله (عليه السلام) «صلّوا جماعة». مع أنّ قوله (عليه السلام) «صلّوا جماعة» بصيغة الجمع، ظاهر في وجوب إيجاد صلاة الجماعة على الشيعة، و هو دالّ على عدم تحقّق ذلك قبل هذا الكلام.

ثمّ إنّه لا يخفى أنّ الإتيان بصيغة الجمع مع كون المخاطب خصوص عبد الملك‌

142

..........

____________

ظاهر أو صريح في الحكم أو الإذن العمومىّ المطلق. و بهذا، و بالتّصريح بكونها فريضة، و كونها من فرائض اللّه- الدّالّ على دلالة الآية الشريفة على وجوب الجمعة بحسب الظاهر- يمتاز عن خبر زرارة المتقدّم آنفا.

3- و صحيح محمّد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام): قال: «سألته عن أناس في قرية، هل يصلّون الجمعة جماعة؟ قال (عليه السلام): نعم (و) يصلّون أربعا إذا لم يكن من يخطب» (1). فإنّه يدلّ بالمفهوم على أنّهم يجمّعون إذا كان من يخطب.

4- و موثّق فضل بن عبد الملك، قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول:

إذا كان قوم في قرية صلّوا الجمعة أربع ركعات، فإن كان لهم من يخطب لهم، جمّعوا إذا كانوا خمس نفر، و إنّما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين» (2).

الطائفة الثالثة: ما يدلّ على وجوبها عند وجود العدد المخصوص من السّبعة أو الخمسة.

1- كصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): «قال [(عليه السلام)]: تجب [الجمعة] على سبعة نفر من المسلمين، و لا جمعة لأقلّ من خمسة من المسلمين، أحدهم الإمام، فإذا اجتمع سبعة و لم يخافوا أمّهم بعضهم و خطبهم» (3) و دلالته كسنده واضحة إلّا أنّه قد أورد عليه بأمور:

الأوّل: ما في الجواهر من أنّه في مقام توهّم الحظر، فلا يدلّ على الوجوب (4).

الثاني: ما عن بعض أساتيذ العصر طاب ثراه من أنّ استمرار السيرة على كون إقامة الجمعة وظائف أشخاص معيّنة بمنزلة القرنية المتّصلة للحديث، فينصرف‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 10 ح 1 من باب 3 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 8 ح 6 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 8 ح 4 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

(4) الجواهر ج 11 ص 173.

143

..........

____________

البعض إلى البعض الخاصّ الّذي يكون إقامة الجمعة من وظائفه (1).

الثالث: ما عنه (رحمه اللّه) أيضا: أنّه من المظنون جدّا أن يكون قوله: «فإذا اجتمع سبعة.» من كلام الصّدوق (قدّس سرّه) قد استفاده من مجموع روايات الباب، و ذكره في ذيل تلك الرّواية- كما هو دأبه في غير واحد من الموارد- قال (رحمه اللّه) و قد سبقنا إلى هذا الاحتمال بعض، منهم بحر العلوم (قدّس سرّه)، و في حواشي «الفقيه» المطبوع بالهند، أنّ قوله «و لا جمعة.» لعلّه من كلام المؤلّف، و يؤيّد ذلك أنّ المحقّق و العلّامة و الشهيد لم يذكروا هذه الرّواية مع قوّة دلالتها، و من أقوى الشّواهد على أنّ الذيل من فتاوى الصّدوق (قدّس سرّه) أنّه ذكر هذه العبارة بعينها في كتاب هدايته بعنوان الفتوى، انتهى (2) ملخّصا.

أقول: أمّا الأوّل: فمردود، بأنّ دلالة الصّحيح على الوجوب، ليس بهيئة «افعل» بل بمادّة الوجوب الّتي لا تناسب رفع الحظر قطعا. مضافا إلى أنّ فرض العدد «سبعة» قرينة على أنّه في مقام الإيجاب، لأنّ مقتضى غير واحد من الرّوايات كفاية الخمسة في المشروعيّة، و أمّا الوجوب فيتوقّف على كون العدد سبعة، مضافا إلى أنّ انقلاب ظهور الصّيغة أو المادّة من الوجوب إلى رفع الحظر، إنّما هو في مورد لا يكون الموضوع دائرا بين المحذورين، مع قطع النظر عن الدليل الوارد، فتأمّل.

و أمّا الثّاني: فمردود.

أوّلا: بأنّ الصحيح إنّما هو بصدد بيان أقلّ الواجب، و لم يعلم قيام السيرة على كون تلك الجمعة بيد الأمراء و السّلاطين، فإنّ ما شوهد كثيرا هو الجمعات المشتملة على آلاف من المسلمين، لا الجمعة المنعقدة بأقلّ الواجب.

و ثانيا: بأنّ قوله (عليه السلام): «و لم يخافوا» صريح في فرض عدم كون المقيم لها‌

____________

(1) البدر الزاهر ص 47 و 48.

(2) البدر الزاهر ص 47 و 48.

144

..........

____________

هو المنصوب من قبل الأمراء و السّلاطين، و إلّا لم يكن خوف في البين. و احتمال الانصراف إلى كون المقيم هو الإمام المعصوم (عليه السلام) أو المنصوب منه، بعيد جدّا، بل غير محتمل، لعدم وجود فرد في الخارج، أو ندرته، فيقطع بعدم الانصراف.

مع أنّ السّيرة الّتي كان كثير من عظماء فقهاء العامّة- كما تقدّم في كلام الشيخ (قدّس سرّه) نقل عدم الاشتراط بالإمام و المنصوب عن الشافعيّ و أحمد و مالك- على خلافها و عدم الاشتراط، كيف تكون قرينة متّصلة بحيث ينصرف الكلام إلى ذلك، هذا. خصوصا مع وضوح مخالفة مذهب الشيعة لما استقرّ عليه عمل عامّة المسلمين المتّخذ من الخلفاء الغاصبين. فكيف يمكن أن يكون بمنزلة القرينة المتّصلة؟

مع أنّ السيرة لم تكن على عدم الانعقاد و ترك الجمعة بتّا في فرض عدم كون الخليفة أو نائبه في قطر من الأقطار.

و لعمري إنّ ارتكاز جميع المسلمين غير الشيعة على كون ترك الجمعة أساسا من المنكرات، يكون أقوى احتمالا بأن يكون من القرائن المتّصلة الدالّة على وجوب الإقامة. مع أنّه لو كان، ليس إلّا احتمال الاتّصال و هو غير مضرّ بالظهور.

و ثالثا: بأنّ قيام السيرة على كون المقيم هو الأمراء و السلاطين لا يصير دليلا على الاشتراط و التقييد، حتى يوجب الانصراف.

و رابعا: بأنّه على فرض دلالته على الاشتراط فكونه كالقرينة المتّصلة غير معلوم بل ممنوع، إذ أقصاه كونه بمنزلة دليل منفصل على التقييد حاضر في ذهن المخاطب و المتكلّم عند التكلّم بالكلام، و هو غير الاتّصال بالكلام، و الشكّ في ذلك شكّ في وجود القرينة على التقييد.

و خامسا: بأنّ تقييد البعض بالإمام بالحقّ أو المنصوب من قبله تقييد بالفرد النادر- و لو كان المفروض كونه موجودا في السّبعة و متصدّيا لصلاة الجمعة- لأنّه أحد السّبعة، و البعض شامل لجميع أفرادها، فكيف بما إذا كان أصل تصدّي‌

145

..........

____________

الإمام بالحقّ أو المنصوب من قبله نادر الوقوع الملحق بالمعدوم. و ليس الاتّصال بواسطة قيام السيرة كالاتّصال اللفظيّ رافعا للاستهجان عرفا. مع أنّ التقييد المتّصل أيضا مستهجن في المقام، لاستهجان أن يقال: «أمّهم بعضهم» الّذي هو الإمام بالحقّ أو المنصوب من قبله، فإنّه يقال في مقام الإخبار عن مجي‌ء زيد: جاء زيد، و لا يقال: جاء إنسان أو حيوان هو زيد إلّا في مقام وجود الدّاعي على التعمية أو لبعض الأغراض كالسخريّة و غيرها، فحينئذ لا وجه لأن يقول في المقام: أمّهم بعضهم الّذي هو الإمام بل طريق المحاورة أن يقول: أمّهم الإمام. و لا يقتضي نكتة بيان أنّ الإمام (عليه السلام) أحد السّبعة ذلك، لتقدّم التصريح به في أوّل الحديث.

و أمّا الثالث: فهو خلاف الظاهر قطعا، و إلّا لخرج أكثر ذيول أخبار «الفقيه» عن الحجّيّة، و ليس في المقام قرينة بالخصوص على ذلك، خصوصا مع كون المبحوث عنه هو الحديث الثاني من الباب، و الفتوى إنّما تذكر بعد نقل مجموع الرّوايات. و ما ذكره من أنّ أقوى الشواهد ذكر ذلك في الهداية عجيب منه (قدّس سرّه)، لأنّه قد ذكر في أوائل الرسالة (1) نقلا عن أوّل مبسوط الشيخ (قدّس سرّه) أنّه كان ما يذكر في الكتب عين ما ورد في الرّوايات، فعبارة الهداية بنفسها بمنزلة الرّواية الواردة عنهم. فكيف بما يكون مؤيّدا بحديث «الفقيه» الظاهر أنّه من تتمّة الحديث، هذا.

مع أنّ قوله (عليه السلام): «أمّهم بعضهم» كاد أن يكون صريحا في عدم الاشتراط بنائب مخصوص، فهو لا بدّ أن يكون إمّا من ذيل هذا الحديث و إمّا حديثا آخر. و لا يمكن الاستفادة من صدر ذلك الحديث و لا الحديث السّابق عليه إلّا من جهة الإطلاق. و الفتوى بالصراحة بمقتضى الإطلاق في ذيل الرّوايات المطلقة ليست من دأب الصّدوق (قدّس سرّه). مع أنّ قوله (عليه السلام) «فإذا اجتمع» ظاهر‌

____________

(1) البدر الزّاهر.

146

..........

____________

في الاتّصال بقوله (عليه السلام) «تجب على سبعة نفر من المسلمين» لمكان الفاء.

2- و مثل صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال (عليه السلام): إذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلّوا في جماعة. و ليقعد قعدة بين الخطبتين.» (1)

أقول: و في الوافي بعد «في جماعة»: «و ليلبس البرد و العمامة و يتوكأ على قوس أو عصا و ليقعد قعدة بين الخطبتين و يجهر بالقراءة و يقنت في الرّكعة الأولى منهما قبل الرّكوع» (2).

و اقتضاء إطلاقه الوجوب من دون الاشتراط بالمنصوب الخاصّ واضح.

و يزيده وضوحا أمران:

أحدهما: أنّ ذكر بعض الشرائط الواجبة و المستحبّة دليل على أنّ المتكلّم (عليه السلام) ليس غرضه من إلقاء الإطلاق صرف بيان شرطيّة العدد الخاصّ في الوجوب.

ثانيهما: أنّ بيان تكليف الإمام من وجوب الجهر بالقراءة و لبس البرد و العمامة و غير ذلك، دليل على أنّه ليس المقصود نفسه الشريفة، و يبعد أن يكون المنصوب من قبله، فإنّ المنصوب لا بدّ و أن يكون عالما بالأحكام الواجبة حتّى ينصبه الإمام لذلك أو يعلمه بعد النّصب بما هو تكليفه إلى غير ذلك من الأخبار. فراجع الوسائل (3).

و الإيراد على الإطلاق بأنّه في مقام العدد مدفوع جدّا بأنّه نظير أن يقال: أكرم سبعة نفر من المسلمين. و قوله تعالى:

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 9 ح 10 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) ج 2 باب وجوب صلاة الجمعة و شرائطها.

(3) ج 5 باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

147

..........

____________

إِذٰا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلٰاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ (1) فإنّ التعرّض لجهة أخرى لا يصير قرينة على عدم كونه في مقام البيان، إلّا بالنّسبة إلى تلك الجهة، خصوصا مع ما تقدّم من التعرّض لجهات أخر.

كما أنّ الإيراد عليه- كما عن بعض علماء العصر مدّ ظلّهم- من أنّ التعليق على وجود سبعة لغو على الظاهر، إذ أيّ قرية لم يكن فيها سبعة نفر من المسلمين؟ و حمله على من يعيش في الجبال و البراري حمل على الفرد النّادر، فلا بدّ أن يكون المقصود هو الاجتماع لإقامة الجمعة، فلو لم يجتمع لذلك لا يجب عليهم.

مدفوع أيضا باستحالة تعليق الوجوب على الاجتماع لإرادة الإقامة، فإنّ الإرادة في العبادات لا تتحقّق إلّا بعد فرض الوجوب، و المفروض أنّ الوجوب متوقّف على الإرادة، مع أنّه على فرض الإرادة فالبعث إلى الجمعة بعث في فرض حصول الانبعاث، فالظاهر أنّ العدد شرط للواجب أى لا يتحقّق في الخارج صلاة الجمعة مصداقا للواجب إلّا إذا كان المقيم لها سبعة من أوّل الأمر إلى الآخر، أو من أوّل الأمر فقط على الاختلاف الآتي. و مقتضى ذلك أنّه لو لم يحضر أحد من السّبعة ترك الواجب، و كان الترك مستندا إليه، هذا.

مع أنّه لو كان شرطا للوجوب، فالظاهر منه وجود السّبعة فما زاد، فليس منحصرا بالفرد النادر، بل يشمل الفرد النّادر. خصوصا مع عدم قياس العصر لعصر الصّدور الّذي لم يكن الاجتماع في المدن، بل كان الأكثر في الأخبية. و لا يكون دليلا على أنّ الشرط هو الاجتماع لإرادة الصّلاة، كيف؟ و لو كان الشرط ذلك كان تركها من دون لزوم محذور، من أسهل الأمور، حتّى في زمان البسط و الحضور.

مع أنّ خبر محمّد بن مسلم المتقدّم (2) كاد أن يكون صريحا في عدم لزوم أن يكون السّبعة مجتمعا بقصد إقامة الجمعة.

فإنّ المدّعى و المدّعى عليه و القاضي و غيرهم لم يحضروا لذلك.

____________

(1) سورة المائدة، الآية 6.

(2) في ص 80.

148

..........

____________

مع أنّه مخالف لإطلاق مثل خبر زرارة المتقدّم (1).

و لو أغمضنا عن ذلك فالأحسن أن يقال: إنّ الشرط هو الاجتماع في مكان واحد لا الاجتماع لإرادة الجمعة.

و الإيراد عليه كما في الجواهر باحتمال كونه في مقام توهّم الحظر، مندفع بما مرّ (2) من أنّه فيما لا يدور الأمر بين المحذورين. و بأنّ المقوّم لرفع الحظر هو الخمسة، و السّبعة قرينة واضحة على كونه بصدد الوجوب.

الطائفة الرّابعة: ما دلّ على وجوبها عند إدراك الإمام في الرّكعة الثانية كصحيح الحلبيّ قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عمّن لم يدرك الخطبة يوم الجمعة، قال [(عليه السلام)]: يصلّي ركعتين فإن فاتته الصّلاة فلم يدركها فليصلّ أربعا.» (3)

و غير ذلك فراجع الباب.

لكنّ الإنصاف: أنّ دلالتها على الوجوب و لو في الجملة مشكل. و كذا دلالتها على الصحّة مطلقا.

نعم، يمكن الاستدلال بها على إقامة جمعة صحيحة في عصر أبي عبد اللّه (عليه السلام)، إذ الظاهر من السؤال و الجواب أنّه في مقام بيان الحكم الفعليّ لا ما ليس له أثر إلّا في عصر الحجّة (عليه السلام).

كما يمكن الاستدلال لذلك أيضا بطوائف أخرى.

الأولى: مثل ما ورد في تعليم خطبة الجمعة. مثل صحيح محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)، في خطبة يوم الجمعة: «الخطبة الاولى- إلى أن قال:- و صلّى اللّه على محمّد و آله (عليهم السلام)- إلى أن قال:- ثمّ تجلس قدر ما تمكّن هنيئة، ثمّ تقوم فتقول: الحمد للّه نحمده و نستعينه- إلى أن قال (عليه السلام):- و قد بلّغ رسول اللّه‌

____________

(1) في ص 142.

(2) في ص 143.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 41 ح 3 من باب 26 من أبواب صلاة الجمعة.

149

..........

____________

(صلّى اللّه عليه و آله) الّذي أرسل به فألزموا وصيّته و ما ترك فيكم من بعد من الثقلين كتاب اللّه و أهل بيته الّذين لا يضلّ من تمسّك بهما و لا يهتدى من تركهما، اللّهم صلّ على محمّد عبدك و رسولك سيّد المرسلين و إمام المتّقين و رسول ربّ العالمين، ثمّ تقول: اللّهمّ صلّ على أمير المؤمنين و وصيّ رسول ربّ العالمين. ثمّ تسمّى الأئمّة حتّى تنتهي إلى صاحبك. ثمّ تقول: اللّهمّ افتح له فتحا يسيرا و انصره نصرا عزيزا، اللّهمّ أظهر به دينك و سنّة نبيّك حتّى لا يستخفي بشي‌ء من الحقّ مخافة أحد من الخلق. اللّهمّ إنّا نرغب إليك في دولة كريمة تعزّ بها الإسلام و أهله و تذلّ بها النّفاق و أهله- إلى أن قال (عليه السلام):- ثمّ يدعو اللّه على عدوّه- و يسأل لنفسه و أصحابه- إلى أن قال (عليه السلام):- حتّى إذا فرغ من ذلك قال:

اللّهمّ استجب لنا. و يكون آخر كلامه أن يقول: إن اللّه يأمر بالعدل و الإحسان- إلى أن قال- ثمّ يقول: اللّهمّ اجعلنا ممّن تذكّر فتنفعه الذكرى، ثمّ ينزل» (1).

و لا يخفى أنّ المستفاد من الصحيح الشريف نكات نذكرها:

منها: أنّها ليست راجعة إلى جمعة المخالفين. و ليس الصحيح بصدد بيان ما ينبغي أن يخطب في جمعة العامّة، لوضوح أنّ متن الخطبة لا يناسب جمعاتهم.

و منها: أنّه ليس بصدد تعليم الخطبة الّتي ينبغي أن يخطب بها عصر الحضور و ظهور الدّولة الحقّة الإماميّة لقوله (عليه السلام): «اللّهمّ إنّا نرغب إليك في دولة كريمة تعزّ بها الإسلام و أهله.». و من ذلك يظهر أنّه يعلّم الخطبة للجمعة الّتي كانت تنعقد في مجتمع الشيعة أو كان انعقادها صحيحا و ممكنا بحسب الظروف و الحالات في مجتمعهم.

و منها: أنّ المفروض أنّ الخطيب ليس هو الإمام المعصوم بنفسه كما هو صريح متن الخطبة.

____________

(1) الوافي ج 2 باب خطبة صلاة الجمعة و آدابها ص 171.

150

..........

____________

و منها: أنّ الظاهر من كونه على وجه التخاطب في بعض موارده و على وجه الغيبة في بعضها الآخر، عدم منصوب خاصّ في البين، فيكون مفاده أنّ الخطبة الّتي تقرأ في جمعة الشيعة- سواءا كانت مقيمها أو كان غيرك- ينبغي أن تكون كذلك.

و الحاصل: أنّ المستفاد من اختلاف الضمائر أنّه (عليه السلام) ليس بصدد نصب محمّد بن مسلم لإقامة الجمعة.

إلّا أن يقال: إنّه و إن لم يكن ظاهرا في نصب محمّد بن مسلم لكنّه لا يدلّ بإطلاقه على أنّ إقامة الجمعة غير مشروطة بوجود المنصوب، إذ ليس في مقام بيان ذلك.

لكن يمكن أن يجاب عن ذلك بأنّه بعد ظهور مثل الصحيح في بيان الحكم الفعليّ الّذي يكون موردا للابتلاء، يعلم بانعقاد الجمعة في عصرهم (عليهم السلام) في الجملة، و حينئذ لو كان منصوب خاصّ في البين لذكر في الأخبار و الآثار، مع خلوّ جميع الأخبار على الظاهر عن ذكر المنصوب الخاصّ للجمعة من ناحية الصّادقين و من بعد هما (عليهم السلام).

و مثل ذلك- في الدلالة على انعقاد الجمعة عند الشيعة من دون وجود منصوب خاصّ- خبر عمر بن حنظلة الّذي لا يبعد اعتباره، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): القنوت يوم الجمعة؟ فقال [(عليه السلام)]: أنت رسولي إليهم في هذا، إذا صلّيتم في جماعة ففي الرّكعة الاولى، و إذا صلّيتم وحدانا ففي الرّكعة الثانية» (1).

فإنّه مضافا إلى ما تقدّم- من أنّه لو كان بعض الأصحاب منصوبا من قبلهم (عليهم السلام) لكان لذلك أثر في الأخبار و الآثار- أنّه لو كان الجماعة المشار إليها في الخبر، بإقامة المنصوب الخاصّ، فلا بدّ أن يكون واقفا بكيفيّة صلاة الجمعة.

الثانية: ما دلّ على وقت الجمعة ممّا قد مرّ في بابه فراجع الوسائل (2).

____________

(1) وسائل الشيعة ج 4 ص 903 ح 5 من باب 5 من أبواب القنوت.

(2) ج 5 ص 17 باب 8 من أبواب صلاة الجمعة.

151

..........

____________

الثالثة: مثل خبر أبي بصير قال: «دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) في يوم جمعة و قد صليت الجمعة و العصر.» (1).

الرّابعة: بعض الأخبار الآمرة بجعل ركعتين إذا زالت الشمس قبل الجمعة و ستّ ركعات بعد الجمعة (2).

الخامسة: ما دلّ على أنّه لا ينبغي لأحد أن يتكلّم حتّى يفرغ الإمام من خطبته (3).

السادسة: ما ورد في السؤال عن أنّه كيف يخطب الإمام؟ «قال (عليه السلام):

يخطب قائما» (4) و هو دليل على عدم اشتراطها بالإمام المعصوم، إذ لا معنى لسؤال تكليف الإمام عن نفسه، و ليس ذلك لتعيين تكليف المخالفين كما هو ظاهر. و كونه صرف بيان الحكم من دون الابتلاء به خلاف الظاهر قطعا.

السابعة: ما ورد في مورد عدم تمكّن المأموم من الرّكوع أو السّجود للزّحام (5).

الثامنة: ما ورد من عدم وجوب الجمعة على المسافر (6)، و وجوب الجمعة عليه و المرأة و العبد، إذا حضروا (7).

التاسعة: ما ورد من أنّ الخليفة إذا حضر مصرا ليس ذلك لأحد غيره (8). و أنّ على الإمام أن يخرج المحبسين في الدّين يوم الجمعة إلى الجمعة (9).

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 22 ح 1 من باب 10 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 22 باب 11 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 29 باب 14 من أبواب صلاة الجمعة.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 32 ح 3 من باب 16 من أبواب صلاة الجمعة.

(5) وسائل الشيعة ج 5 ص 32 باب 17 من أبواب صلاة الجمعة.

(6) وسائل الشيعة ج 5 ص 35 باب 19 من أبواب صلاة الجمعة.

(7) وسائل الشيعة ج 5 ص 34 باب 18 من أبواب صلاة الجمعة.

(8) وسائل الشيعة ج 5 ص 36 باب 20 من أبواب صلاة الجمعة.

(9) وسائل الشيعة ج 5 ص 36 باب 21 من أبواب صلاة الجمعة.

152

..........

____________

العاشرة: ما ورد من جواز ترك الجمعة في المطر (1).

الحادية عشر: ما ورد عن أبي جعفر (عليه السلام) في المعتبر، من كتابة الملائكة على أبواب المساجد: النّاس على منازلهم حتّى يخرج الإمام فإذا خرج الإمام طووا صحفهم (2).

الثانية عشر: ما ورد في آداب الخطيب من التّسليم على المأمومين و جلوسه حتّى يفرغ المؤذّنون (3).

الثالثة عشر: ما ورد من استحباب الدّعاء يوم الجمعة ما بين فراغ الخطيب و استواء الصفوف (4) إلى غير ذلك. فراجع باقي أبواب الوسائل و المستدرك و الوافي.

و جميع ذلك يدلّ على أنّ الموضوع كان موردا لابتلاء الشيعة و ليس ذلك مثل علائم الظهور و من قبيل ما يجري على النّاس بعد ذلك.

و لا ينافي ما استفدناه ما يظهر من بعض ما تقدّم من الرّوايات من صحّة جمعة المخالفين، مثل ما ورد في ترك الرّكوع للزّحام، و ما ورد في أنّه يجب على الإمام إخراج المحبوسين لإقامة الجمعة ممّا ليس له مصداق حين الصدور إلّا جمعة العامّة.

فإنّه يمكن أن يقال: إنّ الحكم بانعزال الشيعة عن جمعة المخالفين لا ينطبق على المصلحة لهم و للمسلمين فيجب على نوع الشيعة أن لا ينعزل عن ذلك كما هو الظاهر ممّا تقدّم عن أبي بصير (5) و ممّا في تنقيح المقال: أنّه حكى عن ابي غالب الزّراريّ رضي اللّه عنه أنّه قال في رسالته الّتي وصفها في ترجمة آل أعين: روي أنّه كان زرارة و سيما جسيما أبيض فكان يخرج إلى الجمعة و على رأسه برنس أسود و بين‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 37 باب 23 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 42 ح 1 من باب 27 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 43 باب 28 من أبواب صلاة الجمعة.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 45 باب 30 من أبواب صلاة الجمعة.

(5) في ص 151.