صلاة الجمعة

- الشيخ مرتضى الحائري المزيد...
333 /
153

..........

____________

عينيه سجّادة و في يده عصا فيقوم له النّاس سمّاطين، ينظرون إليه لحسن هيئته (1).

و الحاصل: أنّه يمكن أن يقال بصحّة جمعة المخالفين لنوع الشيعة، بحيث لا يعلم انعزالهم عن جماعتهم. كما أنّه يمكن أن يقال بصحّتها واقعا لمن يقتدي بهم من باب اعتقاد عدالتهم أو من باب تخيّل عدم اعتبار العدالة في إمام الجمعة. كما عن بعض علماء العامّة، أو تخيّل عدم اعتبار الإيمان بالولاية فإنّه «لا تعاد الصّلاة إلّا من خمس».

فالأحكام المذكورة ليست ناظرة إلى الجمعة المنعقدة بإذن الإمام العادل المبسوط اليد، لعدم تحقّقها في الخارج، بل لا بدّ أن تكون على كثرتها متعرّضة لبيان حكم فعليّ بالنّسبة إلى الشيعة و غيرهم، فلا بدّ أن يكون جمعة صحيحة في الخارج موردا لابتلاء من يرجع إلى أهل البيت و هي في الأكثر غير جمعة العامّة، كما هو الظاهر في تعليم الخطبة و تعليم القنوت و ما هو بصدد بيان آداب الإمام و الخطيب.

و بعض الأحكام المذكورة ناظر إلى جمعة المخالفين كالحكم بوجوب إخراج المحبوسين و بعضها أعمّ منهما كالوقت و المسافة.

و كيف كان فقد تلخّص من جميع ما ذكرناه في تلك المسألة و ما تقدّم عليه، عدم الدليل على الاشتراط بالإمام (عليه السلام)، و على فرض تسلّم ذلك لا دليل على الإطلاق بحيث يقتضي سقوط الجمعة رأسا عند عدم التمكّن من الاستيذان منه أو شهود جمعته، و على فرض الإطلاق فمقتضى غير واحد من الأخبار كخبر الحثّ و خبر إمامة البعض و خبر عبد الملك بن أعين، هو ثبوت الإيجاب من جانب الإمام مطلقا، و على تقدير عدم الظهور في الإيجاب فالترخيص هو المتيقّن منه، فالإتيان بالجمعة إن لم يكن أقوى كان أحوط (2).

____________

(1) تنقيح المقال ج 1 ص 445.

(2) و قد يردّ جميع ما تقدّم كما في جامع المدارك للعلّامة التقيّ [السيّد أحمد] الخونساريّ حفظه اللّه تعالى- ج 1 ص 522-: بأنّ كثيرا منها صادرة في عصر لم يكن الأئمّة (عليهم السلام) متصدّين لإقامة الجمعة و كان تصدّيها بيد المخالفين، فإن كان المقصود الصلاة معهم فهو مناف لاشتراط الإيمان و العدالة، و إن كان المقصود إقامتها فيما بينهم، فكيف يمكن مع قلّتهم و خوفهم؟ و إن كان المنظور إقامتها بينهم إن لم يكن خوف فلا بدّ من التقييد بذلك. فهذا دليل على تقييد الإطلاق بحضور الإمام و تصدّيه و كان المقصود من إلقاء الإطلاق الدالّ على لزوم صلاة الجمعة على كلّ أن يرجعوا إليهم كلزوم الرّجوع إليهم في جميع الأمور الدينيّة. و أجاب حفظه اللّه عن بعض ما لا يتمشّى الحمل المذكور فيه- من صحيح إمامة البعض- بأنّه معرض عنه، و عن صحيح الحثّ و أمثاله، بأنّه إذن منه، فلا يكون حكما كلّيّا. انتهى ملخّصا.

أقول: فيه أوّلا: أنّ إطلاق الآية الشريفة كما تقدّم بيانه- ص 121- بل آية «حٰافِظُوا» على ما تقدّم ص 129- محكّم، و لا يتمشّى فيه ما ذكره من الأمور الثلاثة.

و ثانيا: أنّ ما ورد عن مثل أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) مطلق، و الّذي يرفع اليد عنه هو خصوص حال التقيّة و الخوف كما أشاروا إلى ذلك، فلا وجه لتقييد أكثر من ذلك. و يبعد أن يكون الإطلاق بمنظور تنبيه النّاس على إحياء أمرهم و الرّجوع إليهم في السّلطان لأنّهم لم يكونوا بصدد الخروج على الخليفة، و بيان ذلك لا يؤدّى عرفا بوجوب صلاة الجمعة مطلقا من دون الاشتراط بالمعصوم. و إن كانوا (عليهم السلام) في ذلك المقام فلا بدّ من القول بأنّه يشترط المعصوم و النّاس محرومون من ذلك، كما أشير إليه في بعض جملات الصحيفة المباركة المتقدّمة- ص 81-، فعندي ذلك مقطوع العدم.

و ثالثا: على فرض منع ذلك يمكن الإطلاق بلحاظ الأعمّ من وظيفة الشيعة العالمين باشتراط المعصوم أوّلا، و إقامتها عندهم إن لم يكن تقيّة ثانيا، و وظيفة العامّة من إقامة الجمعة و السّعي إليها في فرض عدم كون الأمر بيدهم، فإنّه يمكن صحّتها واقعا من باب الجهل و نحوه ب‍ «لا تعاد الصّلاة». و من ذلك يظهر إمكان القول بالصحّة للجهّال من الشيعة لذلك أيضا. فتأمّل.

و رابعا: أنّه لم يعرض عن مثل رواية إمامة البعض، كيف و هم يوجّهونه بالحمل على عدم الحظر كما في الجواهر، أو بالحمل على كون البعض هو المنصوب، كما يظهر من ابن إدريس.

و خامسا: أنّ حمل مثل رواية عبد الملك على الإذن الباطل بموت الإمام خلاف إطلاقه قطعا.

154

..........

____________

بل يمكن أن يقال: إنّه- على فرض الاشتراط المطلق و عدم ثبوت الإيجاب العامّ أو الترخيص كذلك- يكفي في ثبوت الإذن للفقيه بعض أدلّة ولاية الفقيه، كتوقيع إسحاق بن يعقوب الّذي أوضحنا سنده في المجلّد الثاني من كتابنا «ابتغاء الفضيلة»، و فيه: «و أمّا الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى رواة حديثنا فإنّهم حجّتي‌

155

[ [مسألة 2] لو مات الإمام بعد الدّخول لم تبطل صلاة المتلبّس]

[مسألة 2] لو مات الإمام بعد الدّخول لم تبطل صلاة المتلبّس (1)

____________

عليكم و أنا حجّة اللّه» (1).

و ما اشتهر من الإشكال فيه بإجمال السّؤال مردود بأنّ الإجمال غير مضرّ بعد إطلاق الذيل الّذي هو في مقام التعليل و إعطاء قاعدة كلّيّة، فلو كان مورد السؤال بعض الحوادث الواقعة الخاصّة فلا ريب أنّ مقتضى الذيل هو التعميم، لأنّ العلّة تعمّم الحكم.

و تقريب الاستدلال: أنّ الحجّيّة من قبله- روحي فداه روحي و وهبني لقياه- ظاهرة عرفا في رجوع جميع ما كان يرجع إليه (عليه السلام) إلى الفقيه، فلو كان لرجل ديونا و على النّاس له ديونا أيضا فسافر و قال: إنّ فلانا حجّة بيني و بينكم، فلا يشكّ العرف في الرّجوع إليه بأداء دين الرّجل إليه و مطالبة الدّيون منه و يكون ذلك حجّة فيما بينه و بين النّاس، و حينئذ فلو فرضنا قيام الدّليل على كون إقامة الجمعة من مناصبه و حقوقه (عليه السلام)، فلا ريب أنّ مقتضى جعل العالمين بالأحاديث حجّة بينه و بين النّاس صحّة الاحتجاج عليهم فيما يتعلّق به من حقوقه (عليه السلام) و صحّة احتجاج النّاس إذا خالفوا الواقع إذا أدّوا حقوقه إلى من جعله (عليه السلام) حجّة عليهم و لهم.

و الحاصل: أنّ الجمعة واجبة تعيينا في زمان الغيبة بمقتضى ما وصل إلينا من الدّليل خصوصا إذا أقيمت، و لا سيّما إذا كان المقيم لها هو الفقيه. و اللّه العالم الهادي الموفّق و منه الهداية و به الاعتصام.

في الجواهر: إجماعا بقسميه (2).

أقول: عدم بطلان صلاة المتلبّس منطبق على القاعدة و لو قلنا باشتراط الجمعة من أوّلها إلى آخرها بالجماعة خلف المعصوم (عليه السلام) أو المنصوب من قبله و لم يكن الإمام الموصوف بالوصف المذكور حاضرا حين موت الأوّل، لأنّ ما أتى به‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 18 ص 101 ح 9 من باب 11 من أبواب صفات القاضي.

(2) ج 11 ص 193.

156

و يقدّم من يتمّ الجمعة (1)

____________

صلاة صحيحة قابلة لأن يكون مصداقا لصلاة الظّهر.

و لزوم قصد الظهريّة في قبال الجمعة بأن يكون الشّرط قصد خصوص الفرد الخاصّ من فردي الصّلاة الّتي يجب أن يؤتي بها في ظهر يوم الجمعة- مخيّرا أو مرتّبا- حتّى ينعقد الفرد الخاصّ منهما و هو الصلاة المشروطة بأربع ركعات الخالية عن الخطبة، ممنوع.

و احتمال اشتراط خصوص القصد المذكور، مدفوع بالبراءة العقليّة و الشرعيّة.

هذا كلّه. مع أنّ ما ذكر مؤيّد أيضا بما تقدّم نقله (1) عن المستدرك عن الجعفريّات: «أنّ عليّا (عليه السلام) سئل عن الإمام يهرب و لا يخلف أحدا يصلّي بالنّاس، كيف يصلّون الجمعة؟ قال (عليه السلام): يصلّون كصلاتهم أربع ركعات». بناء على شموله لأثناء الخطبتين أو الصّلاة. و لا إشكال في ذلك، إذ التخصيص بالفرد النّادر مستهجن. و أمّا شمول الإطلاق له فلا إشكال فيه.

و الحاصل: أنّه بناء على المبنى المذكور لا وجه يعتمد عليه للحكم ببطلان صلاته، بل تصحّ ظهرا و يتمّها أربع ركعات. و أمّا بناء على سائر المباني من عدم اشتراط الجمعة بالجماعة استدامة أو مع الاشتراط و عدم الاشتراط بالمعصوم أو المنصوب و التمكّن من العدل، فصحّة الصّلاة واضحة.

و للمسألة ثلاث صور:

الصورة الاولى: أن يكون من يقدّم لإتمام الصّلاة، واجدا للشرائط الّتي منها كونه منصوبا أو مأذونا من قبل الإمام. و الظاهر أنّه لا خلاف في جواز التقديم فيها.

و الدّليل على ذلك: صحيح الحلبيّ المرويّ بطرق صحيحة معتمدة في كتب المشايخ الثلاثة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «أنّه سئل عن رجل أمّ قوما فصلّى بهم‌

____________

(1) في ص 90.

157

..........

____________

ركعة ثمّ مات، قال (عليه السلام): يقدّمون رجلا آخر و يعتدون بالرّكعة و يطرحون الميّت خلفهم، و يغتسل من مسّه» (1). و مقتضى إطلاقه عدم الفرق بين اليوميّة و الجمعة. و غير ذلك ممّا يدلّ على أنّ حدوث الحادثة المانعة عن إتمام الصّلاة للإمام لا يوجب بطلان صلاة المأمومين و لا بطلان جماعتهم، و لهم أن يأتمّوا بغيره الشّامل بإطلاقه لصلاة الجمعة.

و حينئذ فهل يجب ذلك أو يجوز العدول إلى الانفراد؟ ظاهر عبارة الشرائع هو الثّاني، حيث قال: «و جاز أن يتقدّم الجماعة من يتمّ بهم الصّلاة» (2). و عن التّحرير ما يشعر بالتردّد في ذلك (3). و حكي عن غير واحد من الأصحاب التصريح بوجوب التّقديم في الجمعة، و هو الّذي قوّاه في الجواهر (4).

و هو الأقوى بالنّظر إلى مفاد الأدلّة لما دلّ على كون الفرض في الجمعة هو الجماعة، في غير واحد من الأخبار المعتبرة الّتي منها ما تقدّم (5) من صحيح زرارة و مقتضى ظاهرها كونها شرطا في صلاة الجمعة من أوّلها إلى آخرها، و ليست الشرطيّة لخصوص الابتداء كما في سائر الشّرائط المعتبرة في الصّلاة من الطّهارة و الاستقبال و غيرهما، إلّا أن يدلّ دليل على خلافه.

لا يقال: إنّ الجماعة من أوّل الصلاة إلى آخرها غير ممكن الإحراز للانقطاع بصرف الموت، فما هو الشّرط غير قابل الإحراز فلا دليل حينئذ على وجوب الايتمام، لعدم إحراز الشّرط بذلك.

فإنّه يقال: إنّ المشروط بالجماعة هي الصّلاة المركّبة من الأقوال و الأفعال، و الأكوان المتخلّلة بين الأفعال و الأقوال خارجة عن حقيقتها.

و يمكن أن يقال: إنّ الجماعة لم تنقطع قطّ و لو في الأكوان المتخلّلة، فإنّ مثل‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 440 ح 1 من باب 43 من أبواب صلاة الجماعة.

(2) الجواهر ج 11 ص 193 و 194.

(3) الجواهر ج 11 ص 193 و 194.

(4) الجواهر ج 11 ص 193 و 194.

(5) في ص 131

158

..........

____________

الصّحيح يمكن أن يكون دليلا على بقاء الجماعة إذا لم يكن فصل بين الإمامين موجب لإتيان بعض الأقوال أو الأفعال من غير متابعة الإمام. و هذا كما لو تنجّس ثوب الإمام بنجاسة معلومة لدى المأمومين أيضا، فخلع ثوبه.

وجه الدلالة على ذلك أمران: أحدهما: قوله (عليه السلام) «و يعتدّون بالرّكعة» من جهة ادّعاء أنّ الظاهر منه أنّ تمام الرّكعة حتّى الآن المتخلّل مورد للاعتداد و يكون جماعة، إذ كونه فرادى لا يتوقّف على تقديم إمام آخر. ثانيهما: عدم التنبيه على قصد الاقتداء بالنسبة إلى الجماعة الثانية الدالّ على كفاية القصد الأوّل، فتأمّل.

مع أنّه يمكن أن يقال: إنّ مقتضى الاستصحاب بقاء آثار الجماعة، فلو زاد ركنا في الآن المتخلّل كان مغتفرا.

مع إمكان أن يقال أيضا- مع قطع النّظر عن مثل الصّحيح-: إنّ صلاة الجماعة هي الصّلاة المنعقدة الّتي يكون لها إمام يؤتمّ به في الأفعال أو هي و الأقوال، لأنّه القدر المتيقّن من اشتراط الإمام في الجماعة فيؤخذ بإطلاق دليل الجماعة الصّادق على الجماعة الّتي لها إمام في الأفعال و الأقوال، و إن لم يكن لها إمام في الآنات المتخلّلة الّتي لا يحتاج أحد فيها إلى الإمام عرفا، و حينئذ فيجوز للوارد في الآن المتخلّل أن يلحق بها و يكبّر و يدخل في الجماعة، و إن كان لا يخلو ذلك عن الإشكال، و الكلام موكول إلى مبحث الجماعة و هو الموفّق إن شاء اللّه تعالى. و كيف كان فلا إشكال بالنّسبة إلى مسألتنا هذه كما هو واضح.

مضافا إلى إمكان أن يقال: إنّه إذا فرض الإخلال بشرط الجماعة في بعض الآنات، فمقتضى قاعدة الميسور- المبرهن عليها في مقامه- هو وجوب الإحراز بالنّسبة إلى المقدور. و قد أشبعنا الكلام في ذلك (فيما) كتبناه شرحا على العروة الوثقى في باب الجبيرة و بيّنّا أنّ الدليل عليها في الوضوء و الصّلاة قويّ، و يكفي في ذلك ما اشتهر من أنّ «الصّلاة لا تترك بحال» فتأمّل.

159

..........

____________

إن قلت: مقتضى إطلاق صحيح البقباق المتقدّم (1) «إذا أدرك الرجل ركعة فقد أدرك الجمعة.» هو صحّة الجمعة إذا أدرك ركعة منها مع الإمام الأوّل لصدق ذلك عليه أيضا.

قلت:- مع إمكان ادّعاء الانصراف بالنّسبة إلى من لم يدرك الرّكعة الاولى من الجماعة و أدرك الإمام في الثانية- إنّه على تقدير الشّمول فلا ريب أن الحكم بالصحّة لمن أدرك لا يقتضي جواز التفويت، كما هو واضح. فالظاهر أنّ وجوب الايتمام بالإمام الثاني قويّ بحسب الأدلّة، و هو العالم بالحقائق.

الصّورة الثّانية: أن لا يكون في البين منصوب أو مأذون من قبل المعصوم، فالظّاهر أنّ الحكم كما مرّ في الصّورة الأولى، بناء على عدم اشتراط الجمعة وجوبا و صحّة بإذن المعصوم مطلقا، أو في صورة عدم التمكّن منه، فإنّه يجب على المأمومين الاقتداء بالإمام العادل للتمكّن من الجمعة الواجبة عليهم تعيينا.

و أمّا بناء على الاشتراط حتّى في حال عدم التمكّن، ففيه وجوه:

الأوّل: صحّتها جمعة، بدعوى أنّ المشروط بإذن الإمام بالحقّ بنحو الإطلاق هو الشروع في الجمعة، و أمّا استدامته فلا، بل يكفي فيها الايتمام بالعادل. و ذلك إمّا لانصراف دليل الاشتراط إلى ذلك، أو لأنّ الدّليل لبّىّ من السّيرة و الإجماع، و القدر المتيقّن منه هو اشتراط الشروع فيها بذلك، أو من جهة إطلاق مثل صحيح الحلبيّ المتقدّم (2) للجمعة الشّامل للجمعة الّتي لا يكون بعد موت الإمام الأوّل منصوب من قبل المعصوم. فيجب حينئذ الايتمام به لأنّ الشّرط فيها الجماعة ابتداء و استدامة، أو يجوز له الانفراد، بناء على أنّ شرطيّة الجماعة إنّما هي في الابتداء دون الاستدامة.

الثّاني: بطلان الصّلاة بناء على اشتراط الجمعة ابتداء و استدامة بأن يكون‌

____________

(1) في ص 28 و 42.

(2) في ص 156.

160

..........

____________

الإمام فيها هو المأذون من قبله (عليه السلام) فيبطل جعلها جمعة.

و ما ذكر من الانصراف ممنوع.

و أمّا إطلاق مثل الصحيح المزبور و إن كان شاملا لمطلق الجمعة إلّا أنّ الحكم بالصحّة حيثىّ لأنّه من حيث صحّة الجماعة من جهة تبديل الإمام بإمام آخر فهو غير متكفّل لشرائط أخر الّتي تكون في الصّلاة أو في الجماعة من حيث عدم البعد و الحائل و عدالة الإمام و طهارة مولده و اشتراط كونه منصوبا كما هو المبحوث عنه و هو واضح لأهل الفنّ.

و أمّا جعلها ظهرا فلعدم قصدها من ابتداء الصّلاة.

الثّالث: أن يقال بصحّتها ظهرا- و قد تقدّم عدم الدليل على لزوم قصد ذاك الفرد من الظهر من أوّل الأمر- و بطلانها جمعة لعدم الشّرط المفروض شرطيّته، فإنّه على تقدير الشّرطيّة مطلقة بالنّسبة إلى حال التمكّن و عدمه، فالمناقشة في إطلاقها بالنّسبة إلى الابتداء و الاستدامة لا يخلو عن تحكّم و تعسّف.

و من جميع ذلك يظهر أنّ الأوجه هو الثّالث بناء على ذاك المسلك غير المختار.

و أمّا بناء على المشهور من التخيير في صورة عدم التمكّن فلعلّ مقتضى الحكم بالتخيير هو جواز الإيتمام بالإمام الثّاني جمعة و ظهرا، و الانفراد ظهرا.

الصّورة الثّالثة: أن لا يكون في الجماعة من كان محرز العدالة، فالظّاهر على جميع المباني عدم صحّتها جمعة، لعدم الشرط الّذي هو الجماعة في الابتداء و الاستدامة.

إن قلت: إذا أدرك ركعة من الجمعة مع الإمام من ابتداء الصّلاة فقد أدرك الجمعة بمقتضى إطلاق صحيح البقباق المتقدّم (1) فتصحّ جمعة.

قلت: قد أشرنا إلى انصرافه إلى إدراك ركعة من الجمعة مع فرض انعقاد الجمعة الصحيحة من أوّلها إلى آخرها. و أمّا في الفرض فبموت الإمام يعلم عدم‌

____________

(1) في ص 28 و 42.

161

..........

____________

صحّة الجمعة من أوّل الأمر، لأحد من الإمام و المأمومين، فلم يدرك من الجمعة ركعة منها.

و أمّا صحّتها ظهرا فقد مرّ أنّها الوجه الوجيه من جهة أنّ قصد الجمعة لم يكن إلّا قصد فرد من أفراد صلاة الظّهر، و لا دليل على لزوم قصد خصوص الفرد الأربع ركعات، و هذا كما لو تخيّل أنّ الواجب عليه في الظهر هو صلاة المسافر فصلّى بقصد الرّكعتين، فتذكّر أنّه ليس مسافرا.

فبمقتضى ما بأيدينا من القواعد بطلانها جمعة و صحّتها ظهرا، فيتمّها أربع ركعات بقصد الظّهر، و إن كان الأحوط إتمامها جمعة مع العدول إلى النّافلة على تقدير عدم كونها جمعة، و السّلام في التشهّد الأوّل ثمّ الإتيان بأربع ركعات رجاء لما هو الواجب عليه.

و وجه العدول إلى النّافلة على التقدير المذكور أن لا يكون التسليم محرّما على تقدير عدم كونها جمعة و كونها ظهرا إلّا أن يقال: إنّ دليل العدول إلى النّافلة غير شامل للمورد، فيحتمل أن يكون نفس العدول إلى النّافلة مبطلا للعمل، لفوات قصد الظهريّة حينئذ، و عدم صحّتها نافلة لعدم جواز العدول، بناء على عدم الشّمول. لكنّ الإنصاف: أنّ ما ذكر أحوط بالنّسبة إلى سائر المحتملات. فليتأمّل.

هذا كلّه إذا عرض الموت في أثناء الصّلاة. و أمّا إذا عرض في أثناء الخطبة فوجوب التقديم أو جوازه على الوجهين المتقدّمين مطابق للقاعدة، لأنّ إتمام الجمعة واجب على النّاس، و لا دليل على وجوب كون الخطيب و الإمام واحدا. كما أنّه لا دليل على كون الخطيب في الخطبة الثانية هو الخطيب في الأوّل.

قال (قدّس سرّه)، في التذكرة: «لا فرق في جواز الاستخلاف بين ما إذا أحدث الإمام بعد الخطبتين، قبل التحريم و بعدها، فإذا استخلف صلّى بهم من غير خطبة، لخروج العهدة عنها بفعلها أوّلا» انتهى (1).

____________

(1) ج 1 كتاب الصلاة المقصد الثالث في باقي الصلوات البحث الثاني.

162

و كذا لو أحدث أو أغمي عليه (1)

____________

ثمّ على فرض ظهور الدّليل في اشتراط الوحدة، فيمكن الاستدلال على إلقاء الشّرطيّة في صورة عدم تيسّر ذلك بمثل صحيح الحلبيّ المتقدّم (1) فإنّه إذا دلّ على جواز الايتمام لغير الإمام الأوّل في الصّلاة دلّ على جواز التبديل قبل الصّلاة بالأولويّة، لأنّ الثّاني غير الخطيب و غير الإمام الأوّل في ابتداء الصّلاة، فإذا جاز التبديل فيه جاز الايتمام بغير الخطيب أيضا. فتأمّل. كما يمكن الاستدلال لذلك أيضا بما دلّ على أنّ الخطبتين بمنزلة الصّلاة، كما في خبر الفقيه عن أمير المؤمنين (عليه السلام) (2).

فملخّص الوجه في المسألة أمور: الأوّل: انطباق الإطلاق على ذلك، فيجب أو يجوز على اختلاف المسلكين المتقدّمين. الثّاني: فحوى ما دلّ عليه صحيح الحلبيّ.

الثّالث: تنزيل الخطبتين، بمنزلة الصلاة. و لكنّ الإنصاف عدم اطمينان النّفس بذلك، فالأحوط إعادة الصّلاة ظهرا.

قطعا كما في الجواهر (3) و بلا خلاف فيه على الظاهر بل و لا إشكال كما في مصباح الفقيه (4).

أقول: و يدلّ على الأوّل مصحّح سليمان بن خالد، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل يؤم القوم فيحدث و يقدّم رجلا قد سبق بركعة، كيف يصنع؟

قال (عليه السلام): لا يقدّم رجلا قد سبق بركعة، و لكن يأخذ بيد غيره فيقدّمه» (5).

و يمكن أن يقال بشمول الخبر للثّاني أيضا بناء على كون الإغماء حدثا، كما هو المسلّم بينهم على الظاهر و إن كان دليله غير واضح، على ما ذكرناه في شرح العروة.

و يدلّ على الثّاني: مصحّح معاوية بن عمّار، قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)

____________

(1) في ص 156.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 29 ح 2 من باب 14 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) ج 11 ص 195.

(4) ج 2 ص 443.

(5) وسائل الشيعة ج 5 ص 438 ح 1 من باب 41 من أبواب صلاة الجمعة.

163

..........

____________

عن الرّجل يأتي المسجد و هم في الصّلاة و قد سبقه الإمام بركعة أو أكثر، فيعتلّ الإمام، فيأخذ بيده، و يكون أدنى القوم إليه، فيقدّمه، فقال (عليه السلام): يتمّ صلاة القوم ثمّ يجلس حتّى إذا فرغوا من التّشهّد أومأ إليهم بيده عن اليمين و الشمال، و كان الّذي أومأ إليهم بيده التّسليم و انقضاء صلاتهم، و أتمّ هو ما كان فاته أو بقي عليه» (1).

و عن الحدائق: «إنّ مورد نصوص الاستنابة خمسة: الأوّل: موت الإمام. الثّاني:

دخوله في الصّلاة على غير طهارة نسيانا. الثّالث: ما لو أحدث الإمام في الصّلاة.

الرّابع: ما لو أصابه الرّعاف و لم يمكن غسله إلّا بالمنافي. الخامس: فيما لو كان الإمام مسافرا» (2).

لكن في مصباح الفقيه أنّ المستفاد من النّصوص أنّ المقصود: «أنّه مهما خرج الإمام عن أهليّته للإمامة جاز للمأموم أن يأتمّ بغيره في بقيّة صلاته، سواء كان ذلك بتذكّر كونه جنبا، أو على غير وضوء، أو بانقضاء صلاته إمّا لكونه مسافرا و المأموم حاضرا، أو كان المأموم مسبوقا، أو مؤتمّا رباعيّته بثلاثيّة الإمام أو ثنائيّته مثلا، أو لعروض مانع للإمام في الأثناء عن الإتمام، من حدث أو رعاف أو سكر أو إغماء أو موت و نحوها، أو مانع عن إمامته لا عن أصل الصّلاة كما لو عجز عن القيام مثلا، أو غير ذلك من الأعذار المانعة عن صلاة المختار» (3).

و المقصود هو الإشارة الإجماليّة إلى الدّليل و ما يمكن أن يقال في المسألة. و إلّا فتفصيل الكلام موكول إلى باب الجماعة، و ليس في صلاة الجمعة خصوصيّة من جهة صحّة الجماعة و بطلانها، و إنّما الفرق بينها و بين غيرها يرجع إلى أمور أخر،

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 438 ح 3 من باب 40 من أبواب صلاة الجماعة.

(2) مصباح الفقيه ج 2 ص 684 في صلاة الجماعة- الحدائق ج 11 ص 216.

(3) مصباح الفقيه ج 2 ص 684 في صلاة الجماعة.

164

أمّا غيره [المتلبّس بالصّلاة] فيصلّي الظّهر، و يحتمل الدّخول معهم لأنّها جمعة مشروعة (1)

____________

كاشتراط كون الإمام منصوبا من قبل الإمام، أو كون الجماعة فيها واجبة، أو عدم صحّة صلاة الإمام جمعة من باب عدم دركه الخطبة و الصّلاة. و قد تقدّم الكلام من الجهات المذكورة في الفرع السّابق.

و محصّل الحقّ في المقامين بحسب ما وصل إلينا من الأدلّة الخاصّة و العامّة هو وجوب الايتمام بالإمام العادل الّذي يصحّ منه صلاة الجمعة. و في الاقتداء به في الظهر إشكال يأتي إن شاء اللّه تعالى.

أمّا وجه الأوّل: فلأنّ الاكتفاء بتقديم إمام آخر ثبت بالنّسبة إلى المتلبّسين بالصّلاة قبل موت الإمام الأوّل أو حدوث حدث آخر له. و أمّا الدّاخل في الجماعة بعد ذلك فغير مشمول لدليل الاكتفاء المتقدّم بعضه (1).

لكنّه مدفوع أوّلا: بأنّ الظّاهر من الأخبار صحّة الجماعة بالاقتداء بالإمام الآخر في الأثناء، و كون الجماعة بعد الايتمام بالإمام الثّاني كالجماعة المنعقدة أوّلا- من حيث ترتيب الآثار- كيف لا يدلّ على ذلك و قد بيّن ما هو أجنبيّ عن الموضوع في صحيح الحلبيّ المتقدّم (2) من أنّه يغتسل من مسّه و لم يبيّن عدم جواز الاقتداء بعد ذلك! و ثانيا: يكفي صحّة الجمعة المنعقدة في شمول ما تقدّم من صحيح البقباق (3) من أنّه «إذا أدرك الرّجل ركعة فقد أدرك الجمعة» إذ ليس الموضوع إلّا إدراك الجمعة الصّحيحة، و ليس الموضوع كون ركعة من الجمعة صادرة عنه صحيحة من جميع الجهات، و إلّا فالصحّة الفعليّة بالنّسبة إلى ركعة من الجمعة ملازمة عقلا لصحّة جميع الجمعة بعد فرض الارتباط، فتكون القضيّة ضروريّة. بل الموضوع الجمعة‌

____________

(1) في ص 156 و 162.

(2) في ص 156.

(3) في ص 28 و 42.

165

[ [مسألة 3:] لا يشترط في المستخلف كونه قد سمع الخطبة]

[مسألة 3:] لا يشترط في المستخلف كونه قد سمع الخطبة (1) أو أحرم مع الإمام «التذكرة» (2)

____________

المنعقدة الصّحيحة بحسب تكليف الإمام و المأموم مع قطع النّظر عن دخول الوارد بعد الايتمام بالإمام الثّاني.

و الحاصل: أنّه كما لا يشكّ العرف في شمول الإطلاق المذكور لما إذا نسي الإمام الخطبة أو بعضها المحكوم بصحّة الصّلاة معها و ورد الدّاخل بعد ذلك و أدرك ركعة منها، كذلك لا يشكّ في شمول الإطلاق للمقام، لأنّه أدرك ركعة صحيحة من الجمعة المنعقدة، فهو مدرك للجمعة بحكم الصحيح المتقدّم.

و من ذلك يظهر أنّ الأظهر هو الثّاني، و هو الّذي قوّاه في الجواهر أيضا (1) معلّلا بالعلّة الموجودة في المتن.

أي يكفي في ذلك التلبّس بجمعة الإمام الأوّل، فيكون بمنزلة من سمع الخطبة، لأنّه «إذا أدرك الرّجل ركعة فقد أدرك الجمعة» و ذلك لشمول ما تقدّم من الدّليل الدالّ على جواز الاستخلاف، أو الايتمام بواجد الشّرائط و لو مع عدم الاستخلاف من جانب الإمام الأوّل، فلا فرق بينه و بين غيره ممّن سمع الخطبتين، لأنّهما مدركان للجمعة.

للإطلاق المذكور في التعليق المتقدّم. و لما ورد في خصوص المأموم المسبوق من خبر معاوية بن عمّار المتقدّم (2) و صحيح عبد اللّه بن سنان «عن الصّادق (عليه السلام)- في إمام قدم مسبوقا بركعة- قال: إذا أتمّ صلاته بهم فليوم إليهم يمينا و شمالا فلينصرفوا ثمّ ليكمل هو ما فاته من صلاته» (3) و غير ذلك من الرّوايات الصريحة في صحّة استنابة المأموم المسبوق.

فحينئذ لا بدّ من حمل ما يدلّ على النهي عن استنابة المسبوق على الكراهة، بل‌

____________

(1) ج 11 ص 197.

(2) في ص 162.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 437 ح 1 من باب 40 من أبواب صلاة الجماعة.

166

و لا يجوز أن يستخلف من لم يدخل معه (1) «التذكرة» و ان استخلف من دخل معه بعد الرّكوع (من الرّكعة الثانية) و كذا لو استناب من يبتدء بالظهر (ففي جواز ذلك تردّد) (2) «التذكرة»

____________

ظاهر خبري معاوية بن شريح (1) و معاوية بن ميسرة (2) هو ذلك أيضا، للتعبير فيهما ب‍ «لم ينبغ» و «لا ينبغي».

و أمّا مصحّح سليمان بن خالد المتقدّم (3) فعندي أنّه غير ظاهر في المأموم المسبوق، لقوّة احتمال أن يكون قوله «قد سبق بركعة» على النّحو المعلوم لا المجهول، فيكون المراد صورة كون النّائب أجنبيّا عن صلاة الجماعة، و كان مشغولا بالصّلاة الفرادى قبل انعقاد الجماعة، و هو مستلزم لصيرورة صلاتهم بعد فراغ الثّاني من صلاته فرادى و هو نقض للغرض من الاستنابة تقريبا.

أي بأن يصلّي الجمعة معهم. و الوجه في ذلك أنّه لا تصحّ الجمعة للإمام الثّاني، لعدم إنشائه الخطبة، و عدم حضوره بالفرض لخطبة الإمام الأوّل، و لا يكون ممّن أدرك ركعة مع الإمام الأوّل حتّى تصحّ جمعته.

و دعوى: أنّه مدرك ركعة من الجمعة الّتي صحّت للمأمومين فتصحّ جمعته و تصحّ أيضا جماعة المأمومين استدامة.

مدفوعة: بأنّ الظّاهر من دليل «من أدرك» هو إدراك المأموم ركعة من الجمعة الصّحيحة للإمام لا بالعكس، لأنّ المقصود من الإدراك هو الايتمام لا صرف الاجتماع الوجوديّ و لا الأعمّ من الإماميّة و المأموميّة، فإنّه لا معنى لأن يقال: إنّ الإمام أدرك صلاة المأموم، كما هو واضح، و حينئذ لا تصحّ جماعتهم استدامة فيبطل جمعتهم و هو المدّعى.

قال (قدّس سرّه)، في الجواهر (4) بعد نقل عبارة التذكرة: «و في التحرير:

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 439 ح 2 و 3 من باب 41 من أبواب صلاة الجماعة.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 439 ح 2 و 3 من باب 41 من أبواب صلاة الجماعة.

(3) في ص 162.

(4) ج 11 ص 197 و 198.

167

[ [الشرط] الثالث: العدد و هو خمسة نفر على رأي]

[الشرط] الثالث: العدد و هو خمسة نفر على رأي (1)

____________

الأقرب جواز استخلاف من فاتته الجمعة و يصلّي هو الظّهر. و لم تحضرني عبارة المنتهى، و في الجميع ما لا يخفى، ضرورة اشتراط صحّة صلاة الجمعة بإمام يصلّي جمعة من غير فرق بين الابتداء و الاستدامة. و جواز كون المأموم يصلّي ظهرا و الإمام جمعة لا يقضي بجواز العكس قطعا، و إلّا لجاز ابتداء و هو مقطوع بفساده».

أقول: مقتضى إطلاق مثل صحيح زرارة المتقدّم (1) و غيره من اشتراط الجمعة بالجماعة كفاية مطلق الجماعة في صحّتها، و لو كان الإمام مصلّيا لصلاة الظّهر.

و عدم الجواز من الابتداء أيضا غير واضح إذا تمّت الخطبة بأن خطب من يريد الجمعة ثمّ خرج عن أهليّة الإمامة قبل الإحرام بصلاة الجمعة. و ما ادّعى (قدّس سرّه). من قيام الضّرورة على البطلان، غير ثابت بعد. و لعلّ اللّه يحدث بعد ذلك أمرا.

و مقتضى الاحتياط: هو الايتمام بمن يصلّي الظّهر إن لم يوجد من تصحّ منه الجمعة و إتمام المأمومين صلاتهم جمعة ثمّ إعادتها ظهرا. و اللّه أعلم.

المستفاد من الجواهر (2) أنّ الأقوال في المسألة ثلاثة:

الأوّل- و هو الأشهر نقلا و تحصيلا على ما فيها، بل في جامع المقاصد (3) و غيره أنّه المشهور-: انّ العدد المشروط به الوجوب و الصحّة هو الخمسة، فإذا كانوا خمسة أحدهم الإمام يجب العقد و يصحّ.

الثّاني: انّه السّبعة فلا يصحّ و لا يجب إذا كانوا أقلّ منها، و هو الّذي نسبه إلى المحكيّ عن الحلبيّ في إشارته و ادّعى (في الجواهر) اتّفاق الأصحاب على عدم دخالة السبعة في الصحّة غير ما حكي عنه.

____________

(1) في ص 131.

(2) ج 11 ص 198.

(3) جامع المقاصد ج 1 ص 144 المقصد الثالث: في باقي الصلوات، الفصل الأوّل: في الجمعة، الثالث: العدد.

168

..........

____________

الثّالث: ما عن الشّيخ و بني حمزة و زهرة و البرّاج و الكيدريّ و الصّدوق و الكاتب و الرّائع و الذّكرى و المدارك و ظاهر رسالة صاحب المعالم و كشف اللّثام، من أنّ الخمسة شرط في صحّة الانعقاد و السّبعة شرط في الوجوب، و هو الّذي قوّاه في الجواهر (1) و مصباح الفقيه (2).

و يستدلّ على الأوّل بعدّة من الرّوايات:

منها: خبر فضل بن عبد الملك المتقدّم و فيه: «إذا كان قوم في قرية صلّوا الجمعة أربع ركعات، فإن كان لهم من يخطب لهم جمّعوا إذا كانوا خمس نفر» (3).

و منها: صحيح منصور بن حازم و فيه: «يجمّع القوم يوم الجمعة إذا كانوا خمسة فما زادوا، فإن كانوا أقلّ من خمسة فلا جمعة لهم» (4).

و منها: حسن زرارة بإبراهيم قال: «كان أبو جعفر (عليه السلام) يقول: لا تكون الخطبة و الجمعة و صلاة ركعتين على أقلّ من خمسة رهط: الإمام و أربعة» (5).

و لكن في دلالة الأخير على قول المشهور تأمّل، لأنّه بصدد بيان عدم مشروعيّة الجمعة على أقلّ. و يكفي في حسن التعدية ب‍ «على» في مقام عدم المشروعيّة كون المشروعيّة لزوميّة و لو بنحو التخيير في بعض المصاديق و التعيين في الآخر.

و الحاصل: أنّه فرق عرفا بين جملة «لا يجب» و جملة «لا تكون على». هذا على تقدير تسليم ظهور «لا يجب» في ثبوت الوجوب التعييني بالمفهوم، و فيه أيضا تأمّل.

فإنّ الوجوب التخييريّ أيضا من أفراد الوجوب، فمقتضى النّفي الّذي هو المنطوق، عدم الوجوب حتّى التخييريّ منه، و ليس مفهوم نفي الوجوب المطلق إلّا إثبات‌

____________

(1) ج 11 ص 198.

(2) ج 2 ص 444.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 8 ح 6 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 8 ح 7 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

(5) وسائل الشيعة ج 5 ص 7 ح 2 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

169

..........

____________

الوجوب في الجملة. و هذا بخلاف الحديثين السّابقين، فإنّ ظاهر الأمر هو الوجوب التعيينيّ و لو بالإطلاق. و الحاصل: أنّه فرق بين نفي الوجوب و الحكم بالوجوب، فإنّ الأوّل لا يدلّ على التعيينيّ بالمفهوم. و الثّاني يدلّ على التعيينيّ بإطلاق المنطوق.

لكنّ الإنصاف: ظهور «لا يجب» في عدم الوجوب التعيينيّ بالنّسبة إلى متعلّقه، فالإيراد الثّاني ساقط. نعم ليس له ظهور قويّ، فيمكن رفع اليد عنه بأدنى معارض. فتأمّل.

و يمكن الاستدلال للثّاني بصحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال: إذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلّوا في جماعة. و ليقعد قعدة بين الخطبتين.» (1).

و أمّا الثّالث: فيدلّ عليه جملة من الروايات:

منها: صحيح زرارة: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام) على من تجب الجمعة؟ قال تجب على سبعة نفر من المسلمين و لا جمعة لأقلّ من خمسة من المسلمين، أحدهم الإمام، فإذا اجتمع سبعة و لم يخافوا أمّهم بعضهم و خطبهم» (2).

و منها: صحيح البقباق عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال (عليه السلام): أدنى ما يجزي في الجمعة سبعة، أو خمسة أدناه» (3).

و منها: صحيح الحلبيّ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال في صلاة العيدين: إذا كان القوم خمسة أو سبعة فإنّهم يجمعون الصّلاة كما يصنعون يوم الجمعة» (4).

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 9 ح 10 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 8 ح 4 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 7 ح 1 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 8 ح 3 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

170

..........

____________

و يدلّ عليه- مضافا إلى الرّوايات المتقدّمة الجامعة بين السّبعة و الخمسة-: أنّه ليس بين الأخبار ما يدلّ على وجوب الجمعة إذا كان القوم خمسة.

أمّا صحيح منصور (1) فلأنّه يحتمل أن يكون الأمر واقعا موقع توهّم الحظر، بقرينة قوله في الذّيل: «فإن كانوا أقلّ من خمسة فلا جمعة لهم».

و أمّا خبر فضل (2) فلأنّه و إن لم يكن محفوفا بالذّيل المتقدّم لكن حيث استقرّ العمل و استمرّت السّيرة على الاجتماع الكثير في الجمعة في الأمصار فانعقاد ظهور الأمر بالجمعة في الوجوب التعيينيّ مشكل، لأنّه موقع توهم البطلان و عدم الانعقاد. و كون الصحّة ملازمة للوجوب في نظرهم لا يستلزم ظهور اللّفظ في الوجوب. فتأمّل.

هذا مضافا إلى نقل حسين بن سعيد عن فضالة عن أبان عنه عن أبى عبد اللّه (عليه السلام) ما ذكر، و نقل عليّ بن مهزيار بهذا الطريق عينا عنه (عليه السلام) ما تقدّم آنفا بعنوان صحيح البقباق، و لعلّهما حديث واحد، لم يذكر فيه السّبعة بعض الرّواة و ذكرها الآخرون، فلا يبقى وثوق عقلائيّ بكون الصّادر عنه ((عليه السلام)) هو الخمسة من دون الإشارة إلى السبعة.

و أمّا حسن زرارة فقد مرّ (3) وجه عدم دلالته على وجوب الجمعة إذا كانوا خمسة.

و ليس في البين ما يدلّ على عدم صحّة الجمعة إذا كانوا خمسة. و أمّا مفهوم صحيح عمر بن يزيد المتقدّم (4)- دليلا للقول الثاني الشّاذّ- فليس الثّابت منه إلّا عدم الوجوب إذا لم يكن سبعة، لا عدم الصحّة. و ما ذكرناه من عدم ظهور الأمر في الإيجاب لأنّه موقع توهّم الحظر، لا يستلزم ظهور الأمر في الترخيص، مضافا إلى أنّه يبعّد كون المقصود منه الترخيص قوله (عليه السلام) بعد ذلك «و ليقعد قعدة بين الخطبتين» على ما يأتي إن شاء اللّه تعالى من وجوب القعود بينهما.

____________

(1) المتقدّم في ص 168.

(2) المتقدّم في ص 168.

(3) في ص 169.

(4) في ص 169.

171

..........

____________

و الحاصل: أنّه لا يدلّ الأخبار على وجوب الجمعة إذا كان العدد خمسة و لا على عدم الصحّة في الفرض المذكور، بل يدلّ أخبار الخمسة على صحّة الجمعة إذا كان خمسة. و ما دلّ على الوجوب بسبعة يدلّ على عدم الوجوب على أقلّ منها و هو عين المدّعى.

و هذان دليلان على القول الثالث.

و الدّليل الثالث عليه: أنّه على فرض دلالة أخبار الخمسة على الوجوب إذا كان خمسة، فلا ريب أنّ مثل صحيح عمر بن يزيد نصّ في عدم الوجوب إذا كان أقلّ من السّبعة، و كذا خبر محمّد بن مسلم عن أبى جعفر (عليه السلام) «قال [(عليه السلام)]: تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين (المؤمنين) و لا تجب على أقلّ منهم» الحديث (1) و الظاهر اعتبار الخبر و لا إشكال فيه من جهة «حكم بن مسكين» كما أفاده المحدّث النّوريّ في شرح مشيخة الفقيه فراجع (2). و حينئذ لا ريب أنّ الجمع العرفيّ المعمول به في غير واحد من أبواب الفقه هو حمل الظّاهر على النصّ.

و الدّليل الرّابع: أنّه على فرض عدم كون ذلك جمعا عرفيّا، و فرض التّعارض بين الطائفتين فلا ريب أنّ ذلك إذا لم يكن في البين ما ذكرناه من الأخبار الجامعة بين السّبعة و الخمسة الصّريح بعضها في صحّة الجمعة بالخمسة و عدم الوجوب إلّا إذا كان سبعة كصحيح زرارة المتقدّم آنفا، و كذا باقي الرّوايات المتقدّمة الجامعة بين العددين، إذ لا معنى للجمع بين العددين إلّا كون أحدهما أقلّ ما يجزي و الآخر أقلّ ما يتحقّق به الوجوب، فلا يكون الجمع على فرض الغضّ عما ذكر عرفيّا، إذا لم يكن في البين ما يشهد للجمع، و الرّوايات المذكورة شاهدة للجمع بين الطّائفتين.

و الاحتمالات المذكورة في تقرير بعض أعلام العصر تغمّده اللّه برحمته و غفرانه‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 9 ح 9 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) المستدرك ج 3 ص 577 (مب).

172

..........

____________

من أنّ قوله: «و لا جمعة لأقلّ من خمسة» ليس من قول الإمام (عليه السلام)، و أنّ الترديد في رواية البقباق و الحلبيّ لا يكون منه (عليه السلام) (1) خلاف الظاهر جدّا و موجب لرفع اليد عن غير واحد من المتون، فإنّه لا ينبغي الاعتناء بتلك الاحتمالات الخارجة عن دائرة المحاورات، مع أنّ العمدة في الدّلالة على مدخليّة السبعة في الوجوب هو الصدر و هو يكفي في كونه صريحا في عدم الوجوب إذا كانوا أقلّ من سبعة. أنعم، على فرض عدم الذّيل لا يكون الحديث شاهدا على الجمع، مع فرض عدم كون حمل النّصّ على الظّاهر من الجموع العرفيّة.

نعم، هنا إشكال ذكره الوالد الأستاذ (رحمه اللّه) تعالى و رضى اللّه عنه و أرضاه (2) أنّه على الوجوب التخييريّ لا يكون السّبعة إلّا شرطا للوجوب التخييريّ فلا فرق حينئذ بينه و بين الخمس، و من المعلوم أنّ الأخبار الدّالّة على الاشتراط بسبعة واردة في عصر قصور أياديهم الشّريفة، فلا يمكن حمله على الوجوب التعيينيّ.

أقول: لعمري إنّ هذا أيضا من الشّواهد على الوجوب التعيينيّ في عصر عدم بسط يد المعصوم.

و يمكن أن يجاب عن ذلك أيضا: بأنّ المقصود من الجمع المذكور الّذي لا محيص عنه بالنّسبة إلى الأخبار المذكورة- على فرض القول بالتخيير- أنّ الوجوب التعيينيّ مع شرائطه الّذي أحدها أن يكون بإذن المعصوم متوقّف على سبعة، و أنّه مع وجود الإمام أيضا لا تجب إذا كانوا خمسة. و عدم انطباق الوجوب التعيينيّ على الخارج في عصر الصّدور لا ينافي أن يكون الحكم كذلك بالنّسبة إلى أصل التشريع.

و الحاصل: أنّ حمل أخبار السّبعة على ما هو ظاهر من اشتراط الوجوب التعيينيّ بذلك العدد و الالتزام بأنّه بصدد بيان أصل الحكم الوارد في شريعة الإسلام إذا تمّ‌

____________

(1) البدر الزاهر ص 3- 61.

(2) كتاب الصلاة ص 667.

173

أحدهم الإمام (1)

____________

جميع الشّرائط- كما في الأخبار الصّريحة في الوجوب التعيينيّ، مثل ما دلّ على أنّ «الجمعة من فرائض اللّه تعالى»، و أنّ «من ترك ثلاث جمعات متواليات فقد طبع اللّه على قلبه» و أنّ «من تركها فقد ترك فريضة من فرائضه» و أنّه «لا صلاة له و لا صوم له و لا حجّ له» و غير ذلك ممّا مرّ بعضه فيما تقدّم- متعيّن جدّا، إذ الحكم بأنّ الملاك في الوجوب و الصّحّة هو الخمسة فتجب تعيينا عند بسط يد المعصوم (عليه السلام) إذا كانوا خمسة و تخييرا عند عدم بسط يده، إلقاء لعنوان السبعة إلّا بالنّسبة إلى مرتبة من الفضيلة، و الإنصاف: أنّه مما لا يرضى به العرف في مقام الجمع، و كيف يمكن حمل قوله ((عليه السلام)) على ما في خبر محمّد بن مسلم «و لا تجب على أقلّ منهم» أي من السّبعة، على عدم الفضيلة الكثيرة و إن كان تجب بنحو التعيين أو التخيير؟، و كذا قوله ((عليه السلام)): «تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين» على ما في صحيح زرارة؟ هذا.

مع أنّه قد مرّ منّا أنّه صالح للتّطبيق على الخارج أيضا لإمكان القول بصحّة الاقتداء بالعامّة لنوع الشّيعة و لغيرهم- إذا كانوا محرزين عدالتهم- و إن كانت فاقدة لإذن المعصوم، لأنّهم جاهلون بذلك و «لا تعاد الصّلاة إلّا من خمس»، و لتحقّق الجمعة أيضا عند الشّيعة، و لعلّه كان بنحو الوجوب و لو في بعض الأوقات لاحتمال النّصب كما يقال.

و الحاصل: أنّ الجمع الّذي نسب إلى الشّيخ (قدّس سرّه)، متعيّن بالنّظر إلى أخبار المسألة فيكون الخمسة شرطا في الصّحّة و السّبعة شرطا للوجوب و لو على القول بالتّخيير عند عدم بسط يد المعصوم (عليه السلام). و اللّه العالم بحقائق الأحكام.

بلا خلاف ظاهر و لا إشكال. و يدلّ على ذلك ما تقدّم من حسن زرارة (1)

____________

(1) في ص 168.

174

فلا تنعقد بأقلّ (1) و هو شرط الابتداء لا الدّوام (2)

____________

و صحيح زرارة و فيه «و لا جمعة لأقلّ من خمسة من المسلمين، أحدهم الإمام» (1) و خبر محمّد بن مسلم عن محمّد بن عليّ عن أبيه عن جدّه (عليهم السلام) عن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في الجمعة، «قال: إذا اجتمع خمسة أحدهم الإمام فلهم أن يجمّعوا» (2) مضافا إلى إطلاق ما دلّ على أنّهم جمّعوا إذا كانوا خمس نفر كبعض آخر، من روايات الباب، فراجع. هذا بالنّسبة إلى خمسة نفر.

و أمّا بالنّسبة إلى السّبعة الّتي هي شرط للوجوب فهي كذلك، كما يدلّ عليه خبر محمّد بن مسلم و فيه: «تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين و لا تجب على أقلّ منهم، الإمام و قاضيه» الحديث (3) و في خبر زرارة المتقدّم بعضه آنفا «فإذا اجتمع سبعة و لم يخافوا أمّهم بعضهم و خطبهم». و يدلّ عليه أيضا إطلاق ما دلّ على الوجوب إذا كانوا سبعة كما في صحيح عمر بن يزيد (4).

كما هو مقتضى الاشتراط الثّابت بالرّوايات المتقدّمة، مضافا إلى التّصريح به في بعضها، كصحيح زرارة المتقدّم الّذي فيه: «و لا جمعة لأقلّ من خمسة من المسلمين».

المقصود من الابتداء هو الابتداء بالصّلاة لا الخطبة كما يظهر ممّا يأتي منه القواعد- بعد ذلك إن شاء اللّه تعالى.

قال الشّيخ (قدّس سرّه)، في الخلاف: «إذا انعقدت الجمعة بالعدد المراعى في ذلك و كبّر الإمام تكبيرة الإحرام ثمّ انفضّوا لا نصّ لأصحابنا فيه. و الّذي يقتضيه مذهبهم أنّه لا تبطل الجمعة، سواء انفضّ بعضهم أو جميعهم حتّى لا يبقى إلّا‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 8 ح 4 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 9 ح 11 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 9 ح 9 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 9 ح 10 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

175

..........

____________

الإمام و أنّه يتمّ الجمعة ركعتين- إلى أن قال-: دليلنا إجماع الفرقة» (1). و عن كشف اللثام: «أنّه شرط في الابتداء دون الاستدامة عندنا» (2)، و عن المدارك:

«أنّ هذا الحكم هو مذهب الأصحاب لا نعلم فيه مخالفا للنّهي عن قطع العمل، و لأنّ اشتراط استدامة العدد منفيّ بالأصل» (3).

أقول: لعلّ نظر الأصحاب في ذلك إلى أنّ مناسبة الحكم و الموضوع المغروسة في الأذهان تقتضي أن يكون العدد شرطا في الجماعة، بمعنى أنّ صلاة الجمعة مشروطة بالجماعة، و الجماعة فيها مشروطة بالعدد الخاصّ، فهو شرط في الشرط و المقرّر في الجماعة عدم بطلانها باختلال بعض الشروط في الأثناء، كإتمام صلاة الإمام، أو حدوث البعد أو الحائل.

و في المقدّمتين نظر و إشكال، إذ مقتضى الإطلاق أنّ الجماعة شرط و لو انفضّ العدد، و مقتضى ذلك وجوب الاستنابة بعد انفضاض العدد إذا حدث للإمام حدث مانع عن الأهليّة للإمامة، كما أنّ الثانية أيضا محلّ إشكال على ما سيجي‌ء إن شاء اللّه تعالى. و مقتضى ظهور الدّليل هو الاشتراط بالجماعة و العدد حدوثا و بقاء، و مقتضاه البطلان إذا انفضّ العدد في الأثناء.

و يمكن أن يفصّل بين صورة العلم بالانفضاض بعد ذلك أو الشّكّ في حصول ذلك بعد الدّخول في الصّلاة، فيحكم بالبطلان لما تقدّم من دليل الاشتراط، و بين ما دخل في الصّلاة مع العلم بعدم طروّ الانفضاض بعد ذلك أو ما يقوم مقامه عرفا أو شرعا و دخل في الصّلاة ثم طرء الانفضاض، فيحكم بالصّحّة، لأنّه «لا تعاد الصّلاة إلّا من خمس». و اختصاص الحديث بالسّهو ممنوع. نعم لا يشمل العمد، و أمّا صورة الاضطرار الطّاري، فمقتضى الإطلاق عدم إعادة الصّلاة. و اللّه العالم.

____________

(1) الخلاف ج 1 ص 215 مسألة 6 من كتاب صلاة الجمعة و في الهامش من الطبع الثاني: «ليس في النسختين نقل الإجماع».

(2) الجواهر ج 11 ص 204.

(3) مصباح الفقيه ج 2 ص 444.

176

[ [مسألة 1:] لا تنعقد [الجمعة] بالمرأة]

[مسألة 1:] لا تنعقد [الجمعة] بالمرأة (1)

____________

ثمّ إنّه لا بأس بالإشارة إلى الوجوه المحتملة في المسألة ليحصل للفقيه النّاظر في تلك الأوراق مزيد بصيرة. فنقول:

الأوّل: ما تقدّم من الحكم بالصحّة إذا طرء في أثناء الصّلاة مطلقا.

الثاني: ما تقدّم أيضا من الحكم بالبطلان مطلقا، و هو الموافق لغير واحد من أصحابنا المتأخّرين كالاستاذ الأكبر في تعليقه على المدارك و غيره.

الثالث: التفصيل بين العلم بعدم الانفضاض أو ما يقوم مقامه فالصحّة، و عدم إحراز ذلك فالبطلان. و هو الّذي أشرنا إليه أخيرا، و لعلّه الأقرب بملاحظة الأدلّة.

الرابع: التفصيل بين صورة بقاء الجماعة ببقاء الإمام و أحد المأمومين، فالصّحّة- لأنّ العدد شرط في العقد لا في الاستمرار، و أمّا الجماعة شرط لها من أوّل الصّلاة إلى آخرها- و عدم بقاء الجماعة ببقاء أحد المأمومين مثلا من دون الإمام، فالبطلان، لا من جهة فقدانها للعدد، بل من جهة فقدانها للجماعة المشروطة بها.

الخامس: التفصيل بين صورة إدراك ركعة منها قبل انفضاض العدد، فالصّحّة، لعموم: من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدرك الجمعة، و إلّا فالبطلان لفقد الشّرط.

في الجواهر (1): للإجماع على عدم الانعقاد بها كما في التّذكرة و غيرها.

أقول: يستدلّ على ذلك كما في جامع المقاصد (2) بأنّ حسن زرارة عن أبي جعفر ((عليه السلام)) دالّ على أنّه «لا تكون الخطبة و الجمعة و صلاة ركعتين على أقلّ من خمسة رهط، الإمام و أربعة» (3) و في غير واحد من روايات اشتراط العدد، «إنّ القوم إذا كانوا خمسة فما زاد، جمّعوا» كصحيح صفوان (4) و خبر فضل بن‌

____________

(1) ج 11 ص 277.

(2) ج 1 ص 144.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 7 ح 2 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 8 ح 7 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

177

..........

____________

عبد الملك (1) بضمّ ما في جامع المقاصد (2) عن الصّحاح: «الرهط ما دون العشرة من الرّجال لا يكون فيهم امرأة و أنّ القوم هم الرّجال دون النّساء، و هو الظّاهر من مقابلتهم بالنّساء في قوله تعالى لٰا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ(3) انتهى ملخّصا.

إن قلت: مقتضى إطلاق غير واحد من الرّوايات هو الشّمول للمرأة و الانعقاد بها، كصحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه ((عليه السلام)) «قال: إذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلّوا في جماعة.» (4) و في بعضها: «إذا اجتمع خمسة أحدهم الإمام فلهم أن يجمّعوا» (5).

قلت: الإطلاق المذكور مقيّد بمثل حسن زرارة و بما دلّ على اشتراط كون القوم خمسة أو سبعة، بناء على ما تقدّم من الصّحاح أنّ الرهط و القوم هم الرّجال دون النّساء. هذا، و لكن في المجمع عن الصنعانيّ (6): ربما دخل النّساء في المراد من «القوم»، تبعا، لأنّ قوم كلّ نبيّ رجال و نساء، و قوم الرّجل أقرباؤه.

أقول: الظاهر بمناسبة المحمول و الموضوع، إرادة الأعمّ من النّساء من «القوم» في غير واحد من الآيات القرآنيّة، مثل قوله تعالى هَلْ يُهْلَكُ إِلَّا الْقَوْمُ الظّٰالِمُونَ، (7) و قوله تعالى فَلٰا يَأْمَنُ مَكْرَ اللّٰهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخٰاسِرُونَ (8) و قوله تعالى إِنَّهُمْ كٰانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنٰاهُمْ أَجْمَعِينَ (9). و الظّاهر بالمناسبة المذكورة إرادة الأعمّ من كلمة «رهط» أيضا في قوله تعالى:

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 8 ح 6 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) ج 1 ص 144.

(3) الحجرات الآية 11.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 9 ح 10 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

(5) وسائل الشيعة ج 5 ص 9 ح 11 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

(6) مجمع البحرين، كتاب الميم باب ما أوّله القاف «قوم».

(7) الأنعام 47.

(8) الأعراف 99.

(9) الأنبياء 77

178

و لا بالمجنون (1) و لا بالطفل (2).

____________

وَ لَوْ لٰا رَهْطُكَ لَرَجَمْنٰاكَ وَ مٰا أَنْتَ عَلَيْنٰا بِعَزِيزٍ. قٰالَ يٰا قَوْمِ أَ رَهْطِي أَعَزُّ عَلَيْكُمْ مِنَ اللّٰهِ (1).

و حينئذ نقول: الأمر يدور في الأخبار بين كون المراد من «الرّهط» و «القوم» هو الأعمّ و لو بالتبعيّة أو التغليب كما هو المعروف في الضمائر، و الأخذ بإطلاق ما يدلّ على كفاية الخمسة الخالية عن عنوان القوم و الرّهط، أو بالعكس. و لا وثوق بترجيح الثّاني على الأوّل. و حينئذ فيرجع إلى ما دلّ من الإطلاق على وجوب الجمعة و كفاية مطلق الجماعة في ذلك. و الإجماع المدّعى في التّذكرة غير ثابت.

فالاحتياط يقتضي الإتيان بالجمعة إذا كانت المرأة مكمّلة للعدد ثمّ الإتيان بأربع ركعات.

قال (قدّس سرّه)، في التّذكرة: و لا بالمجنون و إن كان يعتوره إلّا أن يكون حال الإقامة مفيقا (2).

ما أشير إلى وجه ذلك في كلماتهم أمور:

الأوّل: عدم الخلاف في ذلك كما عن كشف اللّثام، قال في المحكيّ عنه:

«كأنّه لا خلاف في عدم انعقاد جمعة البالغين به و بالمجنون عندنا» (3).

أقول: و كان مورد نفي الخلاف المدّعى ظنّا هو عدم صلاحيّة غير البالغ أن يكون مكمّلا لعدد جمعة البالغين، فلا يشمل ما إذا عقدوا الجمعة بأنفسهم.

الثاني: انصراف النّصوص عنه كما في الجواهر (4).

الثالث: عدم شرعيّة عبادات الصّبيّ و إن كان مميّزا و كونها تمرينيّة كما في جامع المقاصد (5). و الكلّ مخدوش كما لا يخفى.

إن قلت: منشأ الانصراف ليس نفس عدم البلوغ بل من باب عدم توجّه‌

____________

(1) هود 91 و 92

(2) ج 1 كتاب الصلاة، صلاة الجمعة البحث الثالث، العدد.

(3) الجواهر ج 11 ص 277.

(4) ج 11 ص 278.

(5) ج 1 ص 144.

179

..........

____________

التكليف إليه، لأنّ مفاد أكثر أخبار العدد هو الحكم بعقد الجمعة، مثل قوله (عليه السلام) في صحيح منصور «يجمّع القوم يوم الجمعة إذا كانوا خمسة» (1) و قوله (عليه السلام) «تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين» (2) و من المعلوم أنّ توجّه ذلك متوقّف على كونهم صالحين لتوجّه التكليف إليهم.

قلت أوّلا: بعض أخبار الباب خال عن الإيجاب كخبر محمّد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام) عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) «إذا اجتمع خمسة أحدهم الإمام فلهم أن يجمّعوا» (3) و خبر أبي العبّاس البقباق: «أدنى ما يجزي في الجمعة سبعة أو خمسة أدناه» (4) فيؤخذ بإطلاق ذلك.

و ثانيا: إنّ مقتضى ما تقدّم في مفاد أخبار العدد أن يكون المراد من الأمر بالجمعة إذا كانوا خمسة هو الاستحباب و تجويز الجمعة، فعليه لا وجه للانصراف بعد ذلك بالنّسبة إلى جميع ما يدلّ على اعتبار الخمسة. و من هنا يظهر وجه آخر في المسألة و هو التفصيل بين الجمعة الصّحيحة و الواجبة، فيصحّ أن يكون الصبيّ مكمّلا للعدد، فيصحّ الجمعة من المكلّف، لكن لا يجب بذلك على المكلّف و إن كان ذلك خلاف التحقيق، كما يظهر ممّا نذكره في الثالث إن شاء اللّه تعالى.

و ثالثا: إنّ خروج المميّز عن دائرة الأمر الإيجابيّ المتوجّه إلى السّبعة لا يوجب عدم كونه مقصودا من السّبعة المأخوذة في حيّز الشرط، فغاية ذلك أن يكون خروج الصبيّ بمنزلة المستثنى المتّصل، فيكون مفاده: إذا كانوا سبعة يوم الجمعة يجب الصّلاة على كبيرهم.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 8 ح 7 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 9 ح 9 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 9 ح 11 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 7 ح 1 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

180

و لا بالكافر (1) و إن وجبت عليه (2) و تنعقد بالمسافر و الأعمى و المريض و الأعرج و الهمّ (3) و من هو على رأس أزيد من فرسخين (4)

____________

و الحاصل: أنّه، إن كان خروج الصّبيّ بمثابة من الوضوح، بحيث يكون كالمتّصل، فإن كان مفاده ما ذكرناه- من أنّهم إذا كانوا سبعة يجب الصلاة على كبيرهم- فهو من مصاديق المبحث المعروف: من أنّه إذا تعقّب العامّ بضمير يرجع إلى بعض ما يراد من الصّدر، فهل يوجب تخصيص العامّ؟ أو يلتزم بالاستخدام في الضّمير؟

و أمّا إن كان مفاده- و لو على فرض الاتّصال-: يجب الصّلاة عليهم إلّا إذا لم يكونوا بالغين، فلا يدخل في المبحث المذكور.

لأنّ صلاته باطلة. و من المعلوم أنّ الشّرط حضور العدد الّذي يصحّ منهم الصّلاة. و من ذلك يظهر عدم الصّحّة و عدم الوجوب لو كان بعض العدد مسلما مكلّفا و لكن لا يكون متطهّرا و لا يمكن إجباره على تحصيل الطّهارة، لما ذكر في الكافر، من غير فرق بينهما فيما هو الملاك. و لكن يمكن أن يقال: بأنّ المسلم المذكور يكفي لشرط الوجوب الّذي هو السبعة و إن كان عدم كفايته بالنّسبة إلى شرط الواجب واضحا.

بناء على كونهم مكلّفين بالفروع و كون الإسلام شرطا للواجب بالنّسبة إلى العبادات لا شرطا للوجوب. و المسألة موكولة إلى محلّه.

هو- بكسر الهاء- الشيخ الفاني كما عن جامع المقاصد (1).

ليس المراد بحسب الظّاهر من كان موطنه على رأس أزيد من فرسخين و لو كان بنفسه حاضرا يوم الجمعة في الجامع الّذي ينعقد فيه الصّلاة، بل المراد به من كان على رأس فرسخين يوم الجمعة أو حين الانعقاد. و حينئذ إذا حضر الجمعة-

____________

(1) ج 1 ص 144.

181

و إن لم يجب عليهم السّعى (1) و في انعقادها بالعبد إشكال (2) و لو انفضّ العدد قبل التلبّس و لو بعد الخطبتين سقطت (3) لا بعده و لو بالتّكبير و إن بقي واحد (4) و لو انفضّوا (5) في خلال الخطبة أعادها (6) بعد عودهم إن لم يسمعوا أوّلا الواجب منها (7)

____________

خرج عن الموضوع لأنّه ليس حينئذ على رأس أزيد من فرسخين، ففي العبارة تسامح.

ثمّ إنّ الوجه في ذلك كلّه بعد فرض مشروعيّة الجمعة لهم شمول إطلاق دليل العدد، لأنّهم مكلّفون بالتكاليف الإلهيّة، فلا انصراف للدليل عنهم إن كان منشأ الانصراف عدم وضع قلم التكليف عليهم كالصّبيّ المميّز. نعم لو كن منشأ الانصراف عدم تكليفهم بخصوص الجمعة و أنّ المقصود تكميل العدد بمن يكون مكلّفا بالجمعة مع قطع النّظر عن اشتراط العدد لتوجّهت دعوى الانصراف في المقام أيضا. و قد عرفت منع ذلك فيما علّقناه على كلمة الطفل.

على ما يأتي إن شاء اللّه تعالى.

الظّاهر أنّ منشأ الإشكال في انعقادها به هو الإشكال في صحّة صلاة العبد بعد السّعي إلى الجمعة، و يأتي الكلام فيه- إن شاء اللّه تعالى- عند تعرّض المتن.

بلا خلاف أجده كما عن كشف اللّثام الاعتراف به (1) و ذلك لفوات الشّرط بقاء.

قد تقدّم الكلام في ذلك، في التّعليق على قوله: و هو شرط الابتداء لا الدّوام. فراجع (2).

بحيث أوجب نقص العدد الدّخيل في صحّة الجمعة.

أي المقدار الواجب منها.

الدّليل عليه أنّ وجود العدد شرط في تمام أجزاء صلاة الجمعة الّتي منها‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 202.

(2) ص 174.

182

..........

____________

الخطبتان بمقدار الواجب. لكن يمكن أن يقال: إنّه لا دليل على وجوب حضور العدد عند إلقاء الواجب من الخطبتين بتمامه، فيمكن أن يكون ما هو الواجب على الخطيب إلقاء الخطبة المشتملة على ما يأتي- إن شاء اللّه تعالى- من الواجبات. و أمّا العدد فلا بدّ أن يكونوا حاضرين عند الخطبة و لو بمقدار صدق المسمّى. و توضيح الكلام في ذلك ربما يأتي إن شاء اللّه تعالى في الخطبتين و اللّه الموفّق الهادي.

هنا فروع لا بدّ من التعرّض لها:

الفرع الأوّل: في بيان شرطيّة العدد و أنّه هل هو شرط الحكم أو شرط العمل؟ فنقول و منه التوفيق: إمّا أن يقال: بأنّ العدد المعتبر في الجمعة واحد و هو الخمسة، كما نسب إلى المشهور فيما تقدّم- و يطرح ما دلّ على الاعتبار بالسّبعة، أو يحمل على تأكّد الحكم على تقدير السّبعة- أو السّبعة، كما عن الحلبيّ في إشارته، (1) أو يقال:

باعتبار العددين، كما هو الظّاهر من أخبار المسألة بدون ريب و لا شبهة، فتارة يبحث على الأوّل و اخرى على الثاني.

أمّا على الأوّل: فالعدد المفروض إمّا أن يكون شرطا لوجوده المفروض في الصّلاة، فيكون اشتمال الصّلاة من أوّل الخطبتين إلى آخر الصّلاة شرطا للواجب أو للوجوب، و إمّا أن يكون شرطا لوجوده في الخارج في المحلّ الّذي لم ينصّ الشّارع بعدم وجوب الجمعة على السّاكن فيه، بأن كان العدد في الفرسخين فما دون.

و على كلّ من الأمرين إمّا أن يكون شرطا للوجوب و إمّا أن يكون شرطا للواجب، و على التقدير الثاني- بأن يكون شرطا للواجب- إمّا أن يكون موردا للتّحميل على المكلّف، بحيث يجب على كلّ مكلّف تحصيل الشّرط المذكور بإحضار العدد و لو بصرف المئونة و الاستدعاء أو الإجبار، و إمّا أن يكون الواجب على كلّ مكلّف سدّ طريق عدم حصول الفعل من قبله من دون وجوب إحضار الغير عليه. فالمحتملات‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 198.

183

..........

____________

على الفرض المذكور ستّة.

إذا عرفت ذلك فنقول: إنّه لا معنى لكون الحضور في الصّلاة شرطا لوجوب الصّلاة على الخمسة أو السّبعة، لأنّه مساوق لعدم الوجوب عليهم و لو بعد الشّروع فيها، فإنّهم إذا قطع أحدهم الصّلاة لا يكون شرط الوجوب موجودا، فلا عصيان بالنّسبة إلى وجوب صلاة الجمعة. و قطع الصّلاة الّتي يرتفع عنها الوجوب بالقطع غير معلوم الشّمول لحرمة قطع الصّلاة. و لا معنى أيضا لكون الشّرط هو الوجود الخارجيّ في مصر واحد أو قرية أو فيما بين الفرسخين فما دونه، لاستلزامه الوجوب و لو بأن يقيمها نفران أحدهما الإمام و الآخر المأموم، إذا كانوا في المجتمع الّذي تقام فيه الجمعة بمقدار العدد. و لا معنى أيضا لكون الوجود الخارجيّ شرطا للواجب، فإنّ كلّ ذلك خلاف ظاهر الأدلّة و خلاف الضّرورة قطعا.

فلم يبق إلّا كون الشّرط هو الحضور في الصّلاة و كونه شرطا للواجب بمعنى أنّ القوم إذا كانوا في مجتمع خمسة يجب على كلّ واحد منهم الحضور للجمعة، و إيجاد الصّلاة المشتملة على الخمسة أو السّبعة على اختلاف المسلكين، فيجب إيجاد الصّلاة المشتملة على العدد المذكور. و الأمر يدور بعد ذلك بين نحوي شرط الواجب.

و القدر المتيقّن هو سدّ طريق العدم لكلّ من الخمسة من ناحية نفسه، و أمّا وجوب إحضار الغير فغير واضح، و إن كان ذلك أشبه من جهة وجوب الأخذ بالإطلاق.

و أمّا على الثّاني المختار- من الاعتبار بالعددين من الخمسة و السّبعة- فظاهر دليل السّبعة كما عرفت أنّها شرط للوجوب، و قد مرّ أنّه لا يمكن أن يكون شرط الوجوب على السّبعة حضور هم في الصّلاة، لأنّه مساوق لعدم الوجوب على السّبعة، فلا بدّ أن يكون وجود السّبعة في محلّ الاجتماع شرطا للوجوب. و أمّا ما هو شرط للواجب و العمل فهو الخمسة، لوضوح عدم صحّة الجمعة الّتي هي أقلّ من الخمسة بمقتضى الرّوايات.

184

..........

____________

و الحاصل: أنّ شرط الوجوب لا يمكن أن يكون حضور العدد للصّلاة، لاستحالته عقلا، و تنافيه للوجوب، كما أنّ شرط الصحّة لا يمكن أن يكون وجود العدد في الخارج، لقيام الضّرورة، و صريح الدّليل على خلافه، فما هو ظاهر في اشتراط صحّة الجمعة به، لا بدّ أن يكون المقصود حضور العدد في الصّلاة و هو أخبار الخمسة، و ما هو ظاهر في اشتراط الوجوب به فلا بدّ أن يكون المقصود هو الوجوب في الخارج.

و مقتضى ذلك أن لا يكون ما هو شرط الوجوب عين ما هو شرط الواجب، و لو كان العدد واحدا- بأن كان العدد سبعة مثلا- فشرطيّتها للوجوب لا بدّ أن يكون باعتبار وجودها في الخارج، و شرطيّتها للواجب لا بدّ أن يكون باعتبار حضورها في الصّلاة.

و ما ذكرناه قرينة قطعيّة أخرى على الاعتبار بالعددين فإنّ الخمسة شرط لصحّة الجمعة فلا تصحّ بدونها كما هو صريح الأخبار. و تلك الخمسة هي الحاضرة في الصّلاة قطعا. و السّبعة شرط للوجوب، فلا تجب على أقلّ من السّبعة، كما نطق به الدّليل المعتبر، و هي لا بدّ أن يكون باعتبار وجودها في الخارج.

و لا يخفى أنّ هذا غير حمل أخبار الخمسة على الاستحباب لأنّ قوله (عليه السلام): «لا صلاة إلّا بطهور» (1) لا يكون محمولا على الاستحباب، بل هو أجنبيّ عن الاستحباب و الوجوب، و مقتضاه الاشتراط به. و كذا قوله (عليه السلام):

«لا جمعة لأقلّ من خمسة من المسلمين» (2) و كذا قوله (عليه السلام): «جمّعوا إذا كانوا خمس نفر» (3) فهو أيضا إرشاد إلى اشتراط الجمعة بوجود الخمسة كاشتراط الصّلاة بالطّهارة.

نعم، مقتضى إطلاق الحكم بالصحّة عند حضور خمس في الصّلاة هو‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 1 ص 256 باب 1 من أبواب الوضوء.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 8 ح 4 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 8 ح 6 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

185

..........

____________

الاستحباب إذا لم يكن في القرية أو في المصر سبعة نفر، بعد قيام الدّليل على عدم الوجوب على أقلّ من سبعة نفر من المسلمين.

و مقتضى ما ذكرناه أيضا هو الوجوب إذا كانوا في القرية سبعة و لكن لم يكونوا حاضرين لإقامة الجمعة عصيانا أو جهلا بالحكم إذا كانوا في ظرف الإتيان بالصّلاة خمسة لحصول شرط الوجوب و الصحّة.

و من هنا يظهر إمكان جمع آخر بين الأخبار الدالّة على العدد بأن يكون أخبار الخمسة في مقام بيان ما هو شرط لصحّة الجمعة مع فرض تعلّق الحكم به وجوبا أو استحبابا كما في «لا صلاة إلّا بطهور» فإنّه لا يدلّ على مشروعيّة كلّ صلاة يصرف وجود الطّهارة، فلا يدلّ على الاستحباب في ظرف عدم وجود السّبعة في الخارج، بل يدلّ على أنّ الجمعة المشروعة من غير ناحية اشتراط الخمسة لا بدّ و أن توجد في الخارج مقرونة بحضور الخمسة في الصّلاة، و مقتضى ذلك أنّ الجمعة لا تكون من ناحية العدد قسمان، فتكون في البين جمعة واجبة و جمعة مستحبّة، بل الجمعة لا تجب و لا تستحبّ إلّا على سبعة نفر من المسلمين و لا تجب و لا تستحبّ على أقلّ منهم، فإذا وجبت على السّبعة فكما يصحّ منهم أن يجمّعوا بأجمعهم يصحّ منهم أن يجمّعوا خمسة منهم، و الثّانية جمعة واجبة أيضا. فتأمّل في أطراف ما ذكرناه فإنّه حقيق به و لا تبادر إلى الإيراد قبل التعمّق في فهم المراد و من اللّه التّوفيق و منه الهداية و الإرشاد.

الفرع الثّاني: لو كان شرط الوجوب الّذي هو السّبعة موجودا أوّل الوقت مثلا، فسافر أحدهم، فالظّاهر بقاء الوجوب بالنّسبة إلى الباقين لأنّ الشرط كان حاصلا عند حصول الجزاء الّذي هو الوجوب، و الوجوب بعد حصوله يبقى إلى أن يمتثل أو يعصى.

و بعبارة أخرى: الظّاهر من الشرط و الجزاء- في مثل الوجوب الّذي ليس أمرا متدرّج الحصول، بل هو أمر بسيط- أنّ الشرط يكون لأصل التّحقّق لا‌

186

..........

____________

للحدوث و البقاء، و مع الشّكّ يستصحب الوجوب، كما أنّ الأمر كذلك بالنّسبة إلى البعض الموجودين في محلّ إقامة الجمعة إذا تركوها عمدا، حتّى قام الإمام من الرّكعة الثانية، فإنّه يجب عليهم الإتمام جمعة على الظّاهر إذا كانوا واجدين لشرائط الصّحّة التي منها الخمسة، كما هو المفروض.

الفرع الثّالث: لو انفضّ بعض الخمسة في أثناء الصّلاة ثمّ عادوا بأشخاصهم، من دون تخلّل فصل موجب لوقوع بعض أفعال صلاة المتلبّسين، فاقدا لشرط العدد الدّخيل في الصحّة، فالظّاهر صحّة صلاتهم لكونهم محرزين للشّرط في جميع أفعال الصّلاة و أقوالها. و اشتراط الأكوان المتخلّلة بين الأفعال بالشّرط المذكور غير معلوم، فإنّ المتيقّن كون الخمسة شرطا و لا يكون النّقصان قاطعا كالحدث و الاستدبار و التكلّم.

الفرع الرّابع: الفرض الثّالث مع تبديل البعض المنفضّ بآخرين. و الظّاهر أنّ الحكم كما ذكر في الثّالث لإطلاق الدّليل.

الفرع الخامس: لو انفضّ العدد في الأثناء، و لم يعد إلى ما كان، و قلنا ببطلان صلاة المتلبّسين جمعة، فمقتضى ما تقدّم (1)- من جواز العدول إلى أربع ركعات، من جهة أنّ صلاة الجمعة هي صلاة الظّهر في يوم الجمعة مع وجود شرائطه فالعدول ليس إلّا من فرد من الظّهر إلى فرد آخر منه كالعدول من القصر إلى الإتمام أو بالعكس، و لا دليل على اشتراط قصد خصوص أربع ركعات- هو جواز العدول في المقام أيضا.

و العجب من صاحب الجواهر (قدّس اللّه سرّه) حيث قال- في مبحث موت الإمام في الأثناء و عدم من يصلح للإمامة-: «إنّ في العدول إلى الظّهر وجهان- و قال في وجه الصحّة-: إنّه يحتمل الفرديّة و إنّ المنويّ صلاة الظّهر، فهو أشبه شي‌ء بالقصر و الإتمام» (2) و قال في مسألة الانفضاض ما نصّه: «ثمّ إنّ الظّاهر‌

____________

(1) في ص 157.

(2) الجواهر ج 11 ص 194.

187

..........

____________

البطلان حيث تبطل الجمعة، لعدم النيّة، لكن احتمل الفاضل العدول إلى الظّهر لانعقادها صحيحة، فجاز العدول كما يعدل عن اللاحقة إلى السّابقة. و ضعفه واضح» (1) و الأقرب هو الصحّة و وجوب العدول، بناء على حرمة قطع الصّلاة الّتي يمكن إتمامها صحيحة، فإنّ القدر المتيقّن ممّا هو واجب في صلاة الظّهر إتيان الصّلاة بعنوان أنّه من الفرائض الذّاتيّة للظّهر. و أمّا لزوم قصد خصوص أربع ركعات فلا دليل عليه، فيحكم بعدم الاشتراط لجريان البراءة العقليّة و الشرعيّة في الأقلّ و الأكثر الارتباطيّين، و لو في مسألة الشّكّ في الشرطيّة. لكنّ الاحتياط لا يترك بالعدول إلى أربع ركعات ثم إعادتها. و اللّه المرشد.

الفرع السّادس: يمكن أن يقال: إنّ مقتضى مثل صحيح عمر بن يزيد: «إذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلّوا في جماعة» (2) و كذا معتبر محمّد بن مسلم: «تجب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين» (3) هو أنّ الشّرط وجود السّبعة في محلّ واحد من مصر أو قرية، و عدم وجوب الإحضار من محلّ آخر، و لو كان في رأس الفرسخين و ما دونه. أمّا عدم وجوب الحضور و الإحضار بالنّسبة إلى من كان في أزيد من فرسخين فواضح.

الفرع السّابع: مقتضى إطلاق وجوب الجمعة على سبعة نفر من المسلمين، وجوب تحصيل شرائطها الّتي منها العدد في الانعقاد، فلو توقّف تكميل العدد على الاستدعاء أو بذل المال وجب، لوجوب تحصيل الشّرط. و احتمال كون الواجب لكلّ واحد من السّبعة هو الحضور لها بأنفسهم و عدم استناد التّرك إليه، خلاف إطلاق الوجوب، لأنّ مرجع ذلك إلى اشتراط الوجوب على كلّ واحد بحضور الآخر، مع‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 207.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 9 ح 10 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 9 ح 9 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

188

[ [الشرط] الرّابع: الخطبتان]

[الشرط] الرّابع: الخطبتان (1)

____________

وجوب الحضور عليه بحيث لا يكون التّرك مستندا إليه، و الدّليل الدّالّ على الوجوب مطلق. نعم، لو كان ذلك حرجيّا يسقط. كما أنّ الأمر كذلك بالنّسبة إلى جميع التكاليف الإلهيّة إلّا ما شذّ.

قال ((قدّس سرّه)) في التّذكرة: «الخطبة شرط في الجمعة و هو قول عامّة العلماء. و قال الحسن البصريّ لا تجب،. و خلافه منقرض و قوله متروك بالإجماع و فعل النبيّ و أهل بيته عليهم الصلاة و السّلام» (1).

أقول: و يدلّ عليه- مضافا إلى كون الحكم ضروريّا بين المسلمين أو قريبا منها- غير واحد من الرّوايات المعتبرة كحسن محمّد بن مسلم «قال: سألته (عليه السلام) عن الجمعة، فقال: بأذان و إقامة، يخرج الإمام بعد الأذان، فيصعد المنبر، فيخطب، و لا يصلّي النّاس ما دام الإمام على المنبر، ثمّ يعقد الإمام على المنبر قدر ما يقرء «قل هو اللّه أحد» ثمّ يقوم، فيفتتح خطبة، ثمّ ينزل فيصلّي بالنّاس.» (2)

و ما عن جامع البزنطيّ في الموثّق عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال: لا جمعة إلّا بخطبة و إنّما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين» (3). و لعلّه الّذي استدلّ به في التذكرة بقوله: «و لقول الصّادق ((عليه السلام)): لا جمعة إلّا بخطبة» (4) و غير ذلك من الرّوايات. و لعمري إنّ وضوح الحكم لا يناسب سرد الأدلّة الّتي تدلّ على وجوب الخطبة الّتي هي بمنزلة الصّلاة كما في بعض الرّوايات. هذا بالنّسبة إلى أصل وجوب الخطبة.

____________

(1) التذكرة ج 1 كتاب الصلاة المقصد الثالث في باقي الصلوات، الفصل الأوّل في الجمعة، البحث السادس، الخطبتان.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 15 ح 7 من باب 6 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 16 ح 9 من با 6 من أبواب صلاة الجمعة.

(4) التذكرة ج 1 كتاب الصّلاة المقصد الثالث في باقي الصلوات، الفصل الأوّل في الجمعة البحث السادس الخطبتان.

189

..........

____________

و أمّا وجوب التعدّد و لزوم الخطبتين فهو مورد لإجماع علمائنا كما في التذكرة و غيرها قال: «و به قال الشّافعيّ و أحمد- في رواية. و قال مالك و الأوزاعيّ و إسحاق و أبو ثور و ابن المنذر و أحمد- في رواية أخرى- و أصحاب الرّأي: يجزيه خطبة واحدة» (1).

أقول: و يدلّ على لزوم الخطبتين- مضافا إلى ظهور الإجماع الكاشف قطعا عن قول المعصوم- ما تقدم آنفا من حسن محمّد بن مسلم بل الموثّق أيضا، لقوله (عليه السلام) فيه: «و إنّما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين» و موثّق سماعة- في حديث- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال: يخطب يعني إمام الجمعة و هو قائم يحمد اللّه و يثني عليه، ثمّ يوصي بتقوى اللّه، ثمّ يقرء سورة من القرآن صغيرة «قصيرة» ثمّ يجلس، ثمّ يقوم، فيحمد اللّه و يثني عليه و يصلّي على محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و على أئمّة المسلمين (عليهم السلام)(2) و في صحيح معاوية بن وهب: «. الخطبة و هو قائم، خطبتان، يجلس بينهما جلسة لا يتكلّم فيها قدر ما يكون فصل ما بين الخطبتين» (3).

و يدلّ على المطلب أيضا المستفيضة الواردة في ضمن عدّة من الروايات، من أنّه: «إنّما جعلت ركعتين لمكان الخطبتين» أو ما يقرب من ذلك، بتقريب أنّه لو لم يكن الخطبتان دخيلا في ماهيّة صلاة الجمعة و كان الواجب إحدى الخطبتين لم يحسن التعبير المذكور. كما لا يخفى و غير ذلك ممّا يدلّ على الجلوس بين الخطبتين، و كيفيّتهما، و كونهما مقدّما على الصّلاة. و غير ذلك ممّا يدلّ على أنّ وجوبهما كان مفروغا عنه. فالمسألة واضحة مسلّمة بحمد اللّه تعالى.

____________

(1) التذكرة ج 1 كتاب الصلاة المقصد الثالث في باقي الصلوات الفصل الأوّل في الجمعة البحث السادس الخطبتان.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 38 ح 2 من باب 25 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 31 ح 1 من باب 16 من أبواب صلاة الجمعة.

190

[و يجب فيهما أمور]

و يجب فيهما [أمور:

[الأوّل: النيّة]

الأوّل: النيّة (1)

____________

الشّرط المذكور مأخوذ من الرّوضة. و الظاهر أنّ المقصود نيّة التقرّب و الإتيان بهما بداعي أمره تعالى. و ما عثرت على ذلك في كلام الأكثر. لكن يمكن الاستدلال عليه:

1- بما استدلّ به في مصباح الفقيه (1) من صحيح ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يصلّي الجمعة حين تزول الشّمس قدر شراك، و يخطب في الظّلّ الأوّل، فيقول جبرئيل (عليه السلام): يا محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله)- قد زالت الشمس فانزل فصلّ، و إنّما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين، فهي صلاة حتّى ينزل الإمام» (2).

2- و بمرسل الفقيه قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا كلام و الإمام يخطب، و لا التفات إلّا كما يحلّ في الصّلاة و إنّما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين، جعلتا مكان الرّكعتين الأخيرتين فهما صلاة حتّى ينزل الإمام» قال في الوسائل: و رواه في «المقنع» أيضا مرسلا (3).

3- و بما عن دعائم الإسلام عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام)، أنّه (عليه السلام) قال: «إنّما جعلت الخطبة عوضا عن الرّكعتين اللّتين أسقطتا من صلاة الظّهر فهي كالصّلاة لا يحلّ فيها إلّا ما يحلّ في الصّلاة» (4) 4- و بما عن الفقه الرضويّ (عليه السلام) قال: «و قال أمير المؤمنين (عليه السلام):

لا كلام و الإمام يخطب يوم الجمعة، و لا التفات، و إنما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين جعلت مكان الرّكعتين الأخريين» (5).

____________

(1) ج 2 ص 445.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 18 ح 4 من باب 8 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 29 ح 2 من باب 14 من أبواب صلاة الجمعة.

(4) المستدرك ج 1 ص 408 ح 2 من باب 6 من أبواب صلاة الجمعة.

(5) نقلناه عن المواهب السنيّة، و في المستدرك فرّقه، فروى صدره في باب 12 ح 7 و ذيله في باب 6 ح 4 من أبواب صلاة الجمعة.

191

..........

____________

5- و بما في الجواهر (1) عن دعائم الإسلام: «يستقبل النّاس الإمام عند الخطبة بوجوههم، و يصغون إليه، و لا يتكلّمون، بل يستمعون فهم في الصّلاة» (2).

و لا يخفى أنّه لو تمّ الاستدلال بما تقدّم لتعبّديّة الخطبة لاقتضى ذلك أيضا تعبّديّة ما يرجع إلى المأمومين أيضا، لأنّ قوله (عليه السلام) «فهي صلاة» كما في الصّحيح، لعلّه ظاهر في أنّه بمنزلة صلاة الجماعة لا الفرادى. و أمّا المرسل فالقدر المتيقّن من دلالته هو بيان تكليف المأمومين بالنّسبة إلى حال الخطبة لا تكليف الخطيب.

و كذا لو تمّ لاقتضى ذلك تأسيس أصل كلّيّ بالنّسبة إلى الخطبتين من لزوم مراعاة جميع الموانع و الشّرائط و الأحكام و الآثار الّتي في الصّلاة بالنّسبة إلى الخطبتين، إماما و مأموما. فاللازم فيهما أن يكون الخطيب و المأمومون طاهرين، و أن لا يكونوا لا بسين لغير المأكول و المتنجّس، و أن يكون الخطيب عادلا، و غير ذلك من الشّرائط و الموانع و القواطع. و اللازم هو الحكم بالصحّة إذا شكّ في الخطبتين، لأنّهما بمنزلة الرّكعتين الأخيرتين، كما في بعض ما تقدّم من الرّوايات، فيستفاد من ذلك قاعدة بالنّسبة إلى الخطبة نتمسّك بها إذا لم يكن دليل على خلافها.

لكن ذلك مخدوش بأنّه إذا فرض كونه (عليه السلام) في مقام تنزيل الخطبة بمنزلة الصّلاة في جميع الأحكام، فلا وجه لإخراج الأجزاء من ذلك، فلا بدّ أن يكون دليلا على لزوم الفاتحة و الرّكوع و السّجود و السّلام و التّكبيرة، فلا بدّ من الالتزام بدلالة الدليل على ذلك، و خروج ما خرج بالضّرورة، و هو مستلزم للتّخصيص الكثير بل الأكثر، و هو مناف لفرض التّعدّد أيضا في مفاد نفس دليل التّنزيل.

و ذلك دليل قطعيّ على كون المراد ممّا تقدّم معنى آخر غير التّنزيل في جميع الأحكام‌

____________

(1) ج 11 ص 236.

(2) نقل في المستدرك صدره- في ح 5 من باب 12 من أبواب صلاة الجمعة- إلى «و يصغون إليه» عن عليّ (عليه السلام).

192

..........

____________

من الأجزاء و الشّرائط و الموانع و القواطع و الآثار. هذا.

مضافا إلى أنّ المستفاد من قوله (عليه السلام): «فهي صلاة حتّى ينزل الإمام» أنّ مورد التنزيل فرض وجود الخطبة بما لها من الأجزاء و الشّرائط بالشّروع فيها، فمورد التنزيل هو الخطبة المفروضة تحقّقها، فهو راجع إلى تنزيلها منزلة الصّلاة بالنسبة إلى الآثار المترتّبة عليها بعد الوجود من حرمة الكلام و الاستدبار، كما هو المشار إليه في مرسل الفقيه و خبر دعائم الإسلام.

و يمكن أن يكون معنى الصّحيح: أنّ الخطبة صلاة بحسب ما يترتّب عليها من الثّواب بالنّسبة إلى المأمومين، كما يستفاد من رواية العلل المتقدّمة (1) و فيه في مقام بيان علل جعل صلاة الجمعة ركعتين: «و منها أنّ الإمام يجسهم للخطبة و هم منتظرون للصّلاة، و من انتظر الصلاة فهو في الصّلاة في حكم التّمام» إذ من المعلوم أنّ المنتظر للصّلاة ليس في حال الصّلاة في جميع الأحكام من الأجزاء و الشّرائط و الموانع و القواطع و الآثار، بل المقصود أنّه يتفضّل اللّه عليه بثواب من يصلّي.

و الحاصل: أنّ التنزيل إمّا راجع إلى الكون الموجود في الخطبة و أنّ الكون في الخطبة بمنزلة الكون الصّلاتيّ، و هو الظّاهر من الدّليل مع قطع النّظر عن خبر العلل، و إمّا راجع إلى التّنزيل في المثوبة بقرينة خبر العلل. ثمّ إنّ الحكم بالنّسبة إلى ترك القواطع الصّلاتيّة لعلّه على وجه الاستحباب بقرينة ما يأتي إن شاء اللّه في الكلام و الاستقبال و عدم استقبال الإمام بالضّرورة.

و الحاصل: أنّه لا دليل على كون إلقاء الخطبة و استماعها و الحضور عنده من التعبّديّات. و لعلّه لذلك أهمل كثير من الفقهاء في مقام بيان الشّرائط ذكر النّيّة، كما أشرنا إلى ذلك في أوّل المبحث، لكن لا يترك الاحتياط بقصد التّقرّب و الخلوص الّذي هو روح الأعمال.

____________

(1) في ص 80.

193

[ [الثّاني:] الوقت و هو زوال الشّمس لا قبله على رأي]

[الثّاني:] الوقت و هو زوال الشّمس لا قبله على رأي (1)

____________

ثمّ لا يخفى أنّ بعض الأخبار لا يكون في مقام التّنزيل في الآثار قطعا و إنّما هو في مقام أنّه أسقطت الرّكعتان من جهة جعل الخطبتين من دون أن يكون متكفّلا لبيان أنّ الخطبة بمنزلة الصّلاة. و بعضها الآخر في مقام بيان الثّواب كخبر العلل، من جهة انتظارهم حين إلقاء الخطبة للصّلاة. و بعضها يمكن أن يكون في مقام تنزيلها منزلة الصّلاة فيما لا يحلّ فيها كخبر الدّعائم. و بعضها مطلق بحسب الظّاهر.

و قد عرفت الإيراد على المطلق فلا تغفل.

قال (قدّس سرّه) في الجواهر: «و القائل: المعظم، في الذكرى. و الأشهر، في التذكرة. و المشهور، فيما عن الرّوض. بل في ظاهر الغنية: الإجماع عليه. و في المحكيّ عن السّرائر: هو الّذي يقتضيه أصول المذهب، و يعضده الاعتبار و العمل في جميع الأعصار. و حاشية المدارك للأستاذ الأكبر أنّه الموافق لطريقة المسلمين في الأعصار و الأمصار» (1).

و القول الآخر: هو جواز التّقديم على الزّوال و هو الّذي حكاه في الجواهر عن الخلاف مدّعيا الإجماع عليه و النّهاية و المبسوط و القاضي و المعتبر و الذّخيرة و الكفاية و الفاضل الهنديّ، و يعزى إلى الظّاهر من الآبي (2) و استظهره في الشّرائع (3).

و ظاهر بعض القائلين بالجواز هو استحباب التّقديم. فعن الشّيخ ((قدّس سرّه)) في المبسوط (4) و النّهاية (5): «انّه ينبغي للإمام إذا قرب الزّوال أن يصعد المنبر و يأخذ في الخطبة بمقدار ما إذا خطب الخطبتين زالت الشّمس فإذا زالت الشّمس نزل فصلّى بالنّاس».

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 226.

(2) الجواهر ج 11 ص 226.

(3) الجواهر ج 11 ص 228.

(4) ج 1 ص 151.

(5) باب الجمعة و أحكامها.

194

..........

____________

و عن بعضهم (قدّس اللّه أسرارهم) هو وجوب التقديم كما حكاه في الجواهر عن ابن حمزة و حكى أيضا في الجواهر و غيرها نسبة ذلك في كشف اللّثام إلى محتمل الإصباح و المهذّب و المقنعة و فقه القرآن للراونديّ (1).

فملخّص ما يظهر منهم أنّ الأقوال أربعة: الأوّل: جواز التقديم. الثّاني:

استحبابه. الثالث: وجوبه. الرّابع: عدم جوازه. و الأخير هو الأشهر كما تقدّم نقله عن التذكرة آنفا.

و يدلّ على الأوّل:

1- صحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يصلّى الجمعة حين تزول الشّمس قدر شراك، و يخطب في الظلّ الأوّل، فيقول جبرئيل: يا محمّد قد زالت الشّمس فانزل فصلّ، و إنّما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين، فهي صلاة حتّى ينزل الإمام» (2).

و تقريب دلالته أنّ المقصود ب‍ «الظّلّ الأوّل» هو الظلّ الّذي يكون للشّاخص قبل وصول الشّمس إلى دائرة نصف النّهار أي الظلّ الغربيّ الحادث بطلوع الشّمس و الباقي إلى وصولها إلى دائرة نصف النّهار. و المقصود بقوله (عليه السلام) «قدر شراك» هو الوقت الّذي يعلم بوقوع الزّوال، و أقلّه أن يكون ذلك بقدر شراك، فإنّ الشّراك أحد سيور النّعل كما في مجمع البحرين و غيره، و المقصود عرضه، لأنّه المناسب لقول جبرئيل: «قد زالت الشمس» لا طوله الّذي يكون ذلك بعد الزّوال بمدّة طويلة.

و المناقشة فيه: باحتمال أن يكون المقصود من الخطبة التأهّب لها و الصّعود على المنبر و غيرها من مقدّماتها، كما في التّذكرة (3) أو بأنّ المقصود من «الظلّ الأوّل»‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 226.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 18 ح 4 من باب 8 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) كتاب الصّلاة المقصد الثالث في باقي الصّلوات الفصل الأوّل في الجمعة البحث السادس الخطبتان.

195

..........

____________

هو أوّل الفي‌ء كما عن المنتهى (1) أو تأويل «الظلّ الأوّل» بما قبل المثل من الفي‌ء و تأويل الزّوال بالزّوال عن المثل، كما عن المختلف (2) أو أنّ الشّروع في الخطبة كان في الظلّ الأوّل و لم يكن هو خطبة الجمعة حتّى إذا زالت الشّمس كان يأتي بالواجب منها للصّلاة.

مدفوعة: بأنّ ذلك كلّه مخالف لظاهر الرّواية من وجوه:

منها: قوله (عليه السلام) «يصلّي الجمعة حين تزول الشّمس قدر شراك» إذ ليس المقصود طول الشّراك لأنّه ليس ممّا يقاس به الطّول عرفا، مع أنّ طول الشّراك مختلف بالنّسبة إلى فعل واحد، مع أنّ كون أوّل الوقت في الجمعة محدودا بطول الشّراك، ممّا لم يعهد في الأمّة الإسلاميّة. فالمقصود بحسب الظّاهر بل المقطوع إنّما هو عرض الشّراك، و المقصود من ذلك بيان العلم بالزّوال الّذي لا يحصل نوعا إلّا بذلك. فالظاهر أنّه كناية عن أوّل مرتبة يحصل بها العلم بالزّوال، و ليس لذلك موضوعيّة.

و منها: قوله (عليه السلام): «و يخطب في الظلّ الأوّل» إذ ما يتّصف بالأوّليّة و الثّانويّة بحسب الطّبع و التّكوين ليس إلّا الظلّ الحادث بالطّلوع في الجانب الغربيّ و بالزّوال في الجانب الشّرقيّ. و أمّا تقسيم الحادث في الجانب الشرقيّ بالأوّل و الثّاني و الثّالث، فليس له مميّز إلّا بحسب الجعل و الاعتبار، و ذلك خلاف ما هو المتفاهم منه عرفا قطعا.

و منها: قوله (عليه السلام) نقلا عن جبرئيل (عليه السلام): «يا محمّد قد زالت الشّمس فانزل فصلّ».

و خلاصة الكلام: أنّ دلالة الصّحيح على جواز إيقاع الخطبتين قبل الزّوال واضحة، بل الظّاهر منه وقوع ذلك منه (صلّى اللّه عليه و آله) مستمرّا، و هو دليل على‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 227.

(2) الجواهر ج 11 ص 227.

196

..........

____________

الرّجحان، إلّا أن يعارض ظهوره في الاستمرار بخبر عبد اللّه بن ميمون، عن جعفر عن أبيه (عليهما السلام)، «قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذا خرج إلى الجمعة قعد على المنبر حتّى يفرغ المؤذّنون» (1) الظّاهر أيضا في استمراره على إلقاء الخطبة بعد الزّوال. و الجمع بينهما يقتضي وقوع الأمرين منه كثيرا، فلا دلالة له حينئذ على الرّجحان.

2- الرّوايات الّتي تقدّم بعضها في أوّل الكتاب من أنّ «وقت صلاة الجمعة عند الزّوال» (2) أو «وقت الجمعة زوال الشّمس» (3) أو «حين تزول الشّمس» (4) أو «إذا زالت الشّمس يوم الجمعة فابدأ بالمكتوبة» (5) أو «بدأت بالفريضة» (6)، أو «ساعة تزول الشّمس» (7)، لا سيّما بملاحظة ما دلّ على وجود الفرق بين صلاة الجمعة و صلاة الظّهر في غير يوم الجمعة، و أنّ «وقت صلاة الجمعة عند الزّوال، و وقت العصر يوم الجمعة وقت صلاة الظّهر في غير يوم الجمعة» (8) الدالّ على أنّه لا ينتظر بعد الزّوال لأمر آخر، و أنّه لا ينبغي تأخير صلاة الجمعة و لو بملاحظة أمر آخر، كما أنّ الأمر في صلاة ظهر غير يوم الجمعة كذلك، فإنّ تأخيرها ليس من جهة عدم صلاحيّة الوقت، بل من جهة استحباب النّافلة، فهو لدى التأمّل دليل على أنّه لا يستحبّ تأخير الخطبة إلى تحقّق الزّوال، و إلّا لكان وقت‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 43 ح 2 من باب 28 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 18 ح 5 من باب 8 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 19 ح 11 من باب 8 من أبواب صلاة الجمعة.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 18 ح 8 من باب 8 من أبواب صلاة الجمعة.

(5) وسائل الشيعة ج 5 ص 19 ح 15 من باب 8 من أبواب صلاة الجمعة.

(6) وسائل الشيعة ج 5 ص 18 ح 9 من باب 8 من أبواب صلاة الجمعة.

(7) وسائل الشيعة ج 5 ص 19 ح 13 من باب 8 من أبواب صلاة الجمعة.

(8) وسائل الشيعة ج 5 ص 18 ح 5 من باب 8 من أبواب صلاة الجمعة.

197

..........

____________

صلاة الجمعة متأخّرا عن وقت صلاة الظّهر في سائر الأيّام، لاحتياج الخطبتين إلى وقت أزيد من النّافلة في الغالب، خصوصا مع ملاحظة ما في خبر العلل من أنّ الخطيب «يخبرهم بما ورد عليهم من الآفاق من الأحوال الّتي لهم فيها المضرّة و المنفعة» (1).

و كون المراد من صلاة الجمعة أعمّ من الخطبتين ممّا لا ينبغي احتماله في الرّوايات المتقدّمة، خصوصا في مثل صحيح الحلبيّ (على الظّاهر): «وقت صلاة الجمعة يوم الجمعة ساعة تزول الشّمس و وقتها في السّفر و الحضر واحد.» (2)

إذ من المعلوم عدم الخطبة في السّفر، و المقصود منهما أمر واحد و هو الصّلاة الخالية عن الخطبة و من ذلك يعرف أنّه لو لا ورود المعتبر الآتي و غيره بجواز التّأخير لكان مقتضى ذلك هو وجوب التّقديم، لأنّ وقتها بمقتضى الأخبار المتقدّمة هو أوّل الزّوال، و وقتها مضيّق بمقتضى غير واحد من الرّوايات المذكورة في الباب الثامن من أبواب صلاة الجمعة.

و لا يعارض ذلك بظهور قوله تعالى إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ (3) بدعوى أنّه ظاهر في أنّ الخطبة بعد النّداء الّذي هو الأذان غير المشروع قبل دخول الوقت. و لا بما تقدّم من خبر عبد اللّه بن ميمون من أنّه: «كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذا خرج إلى الجمعة قعد على المنبر حتّى يفرغ المؤذّنون» (4). و لا بحسن محمّد بن مسلم: «قال: سألته [(عليه السلام)] عن الجمعة فقال [(عليه السلام)]: بأذان و إقامة، يخرج الإمام بعد الأذان، فيصعد المنبر، فيخطب، و لا يصلّى النّاس ما دام الإمام على المنبر، ثمّ يقعد الإمام على المنبر قدر ما يقرأ «قل هو اللّه أحد» ثمّ يقوم، فيفتتح خطبة.» (5).

____________

(1) تقدّم في ص 81.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 19 ح 12 من باب 8 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) سورة الجمعة.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 43 ح 2 من باب 28 من أبواب صلاة الجمعة.

(5) وسائل الشيعة ج 5 ص 15 ح 7 من باب 6 من أبواب صلاة الجمعة.

198

..........

____________

أمّا الآية الشريفة فلضعف دلالتها على وجوب التّأخير فإنّه يمكن أن يقال:

أوّلا: إنّ عدم مشروعيّة الأذان يوم الجمعة قبل الزّوال غير واضح. و قد منعه السّبزواريّ في محكيّ الذّخيرة (1) من جهة أنّ القدر المسلّم عدم مشروعيّة الأذان لما هو شرط فيه قبل حلول وقت المشروط، و إذا قلنا إنّ وقت الخطبة قبل الزّوال، فليس الأذان بالنّسبة إلى الخطبة من أفراد الأذان قبل الوقت.

و ثانيا: إنّ مقتضى الآية عدم وجوب السّعي إلى الجمعة قبل سماع النّداء الّذي هو الأذان بعد حصول الزّوال- و هو لا ينفي جواز السّعي. فلا ينافي ذلك مشروعيّة الخطبة و صحّتها على تقدير حصول الاجتماع، و إن لم يكن ذلك واجبا عليهم و ثالثا: إنّ الظّاهر من الآية عدم وجوب السّعي إلى الجمعة المنعقدة إلّا بعد دخول الوقت الّذي هو بزوال الشّمس، و ذلك لا يدلّ على عدم وجوب عقدها قبله بجمع العدد الكافي للخطبة و إلقائها، بل الظّاهر منها أنّ في مفروض الآية كانت الجمعة منعقدة قبل النّداء، و أنّهم معاتبون بتركهم النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قائما في الخطبة ينتظرهم اللّحوق به في الصّلاة.

و أمّا خبر ابن ميمون: ففيه- مضافا إلى عدم وضوح السّند لجعفر-: أوّلا: أنّ الأذان لعلّه كان قبل الزّوال، لدخول وقت الخطبة. و ثانيا: أنّه لعلّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان يقعد على المنبر بعد الخطبة حتّى يفرغ المؤذّنون. و ثالثا: لا يدلّ إلّا على جواز تأخير الخطبة فلا ينافي جواز التّقديم كما هو المدّعى.

و أمّا حسن ابن مسلم: فحمله على صورة تأخير الخطبة إلى الزّوال، و أنّه إن فرض التّأخير فليكن بعد الأذان تحرّزا عن إيقاع الخطبة قبل الأذان، حتّى يكون كالإقامة بعد الخطبتين أهون عند العرف من التصرفات البعيدة بل المقطوع خلافها في صحيح ابن سنان المتقدّم (2). و ترك التّقييد لعلّه لما كان معمولا في عصر صدور‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 227.

(2) في ص 194.

199

[ [الثّالث:] تقديمهما على الصّلاة]

[الثّالث:] تقديمهما على الصّلاة (1)

____________

الخبر من التّأخير إلى الزّوال، و لعلّ وجه كون ذلك معمولا عدم حصول الاجتماع قبل ذلك، لعدم النّداء الّذي هو الأذان، على الظاهر.

فتحصّل: أنّ الأقوى، وفاقا لعدّة من الأصحاب الّذين منهم الشّيخ و المحقّق (قدّس سرّهما): جواز التقديم، بل لا يبعد القول بالاستحباب لدرك أوّل وقت صلاة الجمعة. و اللّه العالم.

في الجواهر: «هو المشهور نقلا و تحصيلا، شهرة عظيمة لا بأس بدعوى الإجماع معها، بل في كشف اللّثام استظهار دعواه كما أنّ المحكيّ عن المنتهى نفي العلم بالخلاف». انتهى ملخّصا (1).

أقول: لم يعلم الخلاف في ذلك إلّا ما حكي عن ظاهر الصّدوق في الفقيه و العيون و العلل و الهداية و المقنع: من وجوب تأخيرهما كالعيدين (2).

و يستدلّ على المشهور بأمور:

الأوّل: سيرة النّبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) المحكيّة بالنّصوص، كصحيح عبد اللّه بن سنان المتقدّم (3)، و موثّق أبي مريم الأنصاريّ- الّذي هو بحكم الصّحيح، لأنّ رجاله كلّهم مصرّحون بالتوثيق، إلّا عثمان بن عيسى الّذي قالوا فيه: «إنّه وقف فتاب» لكنّه من أصحاب الإجماع- عن أبى جعفر (عليه السلام) قال:

«سألته [(عليه السلام)] عن خطبة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، أقبل الصّلاة أو بعدها؟ قال [(عليه السلام)]: قبل الصّلاة، ثمّ يصلّي» (4). و ما عن الحلبيّ عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يخطب النّاس يوم الجمعة في الظلّ الأوّل، فإذا زالت الشّمس أتاه جبرئيل، فقال له قد زالت الشّمس فصلّ» (5)

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 228.

(2) الجواهر ج 11 ص 229.

(3) في ص 194.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 30 ح 2 من باب 15 من أبواب صلاة الجمعة.

(5) المستدرك ج 1 ص 410 ح 1 من باب 13 من أبواب صلاة الجمعة.

200

..........

____________

و غير ذلك.

أقول: دلالة ذلك على عدم وجوب التأخير بل على رجحان التّقديم واضح، فهو بنفسه دليل قاطع على خلاف الصّدوق (قدّس سرّه)، لكن لا يدلّ على الوجوب، و على فرض دلالته على الوجوب لا يدلّ على شرطيّة التقدّم، بحيث يكون التأخير موجبا لبطلان صلاة الجمعة. فتبصّر.

الثّاني: ما تقدّم من خبر العلل و فيه: «إنّما جعلت الخطبة يوم الجمعة في أوّل الصّلاة و جعلت في العيدين بعد الصّلاة لأنّ الجمعة أمر دائم و تكون في الشّهر مرارا» الحديث (1). فإنّ الظّاهر أنّ المقصود أصل الجعل لا سيّما في قبال العيدين، لا الرّجحان، مع كون المجعول على وجه الإطلاق.

الثّالث: حسن محمّد بن مسلم المتقدّم (2) و فيه: «ثمّ يقوم فيفتتح خطبة، ثمّ ينزل فيصلّي بالنّاس».

الرّابع: موثّق سماعة (3) و فيه: «فإذا فرغ من هذا [أي الخطبتين] أقام المؤذّن فصلّى بالنّاس ركعتين.» و اشتمال بعض ما تقدّم على المستحبّات غير ضارّ بالاستدلال، بناء على أنّ الملاك في الدلالة على الوجود هو البعث، كما هو الحقّ الّذي عليه المحقّقون.

الخامس: السّيرة القطعيّة المستمرّة المستفادة استمرارها أيضا من خلال غير واحد من الأخبار، مثل ما تقدّم من خبر العلل (4) و صحيح محمّد بن مسلم و فيه:

«فإذا فرغ الإمام من الخطبتين تكلّم ما بينه و بين أن يقام للصّلاة» (5) و صحيح ابن سنان عن أبى عبد اللّه (عليه السلام): «قال: الجمعة لا تكون إلّا لمن أدرك‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 31 ح 4 من باب 15 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) في ص 197

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 38 ح 2 من باب 25 من أبواب صلاة الجمعة.

(4) في ص 80.

(5) وسائل الشيعة ج 5 ص 29 ح 1 من باب 14 من أبواب صلاة الجمعة.

201

..........

____________

الخطبتين» (1). فإنّه لو كانت الخطبتان بعد الصلاة لا معنى لقوله (عليه السلام):

«الجمعة لا تكون» لأنّ الظاهر أنّ المقصود صلاة الجمعة، فإنّه لم يتحقّق صلاة أصلا (2). و ما تقدّم من خبر ابن ميمون و فيه: أنّه: «كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذا خرج إلى الجمعة قعد على المنبر حتّى يفرغ المؤذّنون» (3) فإنّه لو لا التّهيّؤ للخطبة لما كان للقعود على المنبر وجه. و صحيح ابن سنان و فيه: «السّاعة الّتي تستجاب فيها الدّعاء يوم الجمعة ما بين فراغ الإمام من الخطبة إلى أن يستوي النّاس في الصّفوف» (4).

و لا يخفى: أنّ في قوله تعالى وَ إِذٰا رَأَوْا تِجٰارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهٰا وَ تَرَكُوكَ قٰائِماً (5) دلالة على كون الخطبة قبل الصّلاة، و إلّا لم يكن وقع لقوله تعالى:

وَ تَرَكُوكَ قٰائِماً كما لا يخفى. بل يدلّ عليه بلا إشكال قوله تعالى فَإِذٰا قُضِيَتِ الصَّلٰاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ فإنّ جواز الانتشار بعد الصّلاة مطلقا دليل على عدم جواز التأخير، و إلّا لم يجز لهم الانتشار في تلك الصّورة.

و أمّا خلاف الصّدوق فقد نشأ ممّا أرسله في الفقيه، قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أوّل من قدّم الخطبة على الصّلاة يوم الجمعة عثمان، لأنّه كان إذا صلّى لم يقف النّاس على خطبته و تفرّقوا، و قالوا: ما نصنع بمواعظه و هو لا يتّعظ بها، و قد أحدث ما أحدث، فلمّا رأى ذلك قدّم الخطبتين على الصّلاة» (6) و من الواضح أنّه مصداق الشّاذّ النّادر الّذي لا بدّ من تركه. مع أنّه مرسل لا يصلح للاعتماد.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 42 ح 7 من باب 26 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) و ما في وسائل الشيعة ج 5 ص 40 باب 26 من أبواب صلاة الجمعة- ممّا يدلّ على الفوت بعدم إدراك الرّكعة الأخيرة مطلقا- بضمّ ذلك يدلّ على أنّ الخطبة تكون قبل الصّلاة. فتأمّل.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 43 ح 2 من باب 28 من أبواب صلاة الجمعة.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 45 ح 1 من باب 30 من أبواب صلاة الجمعة.

(5) سورة الجمعة الآية 11.

(6) وسائل الشيعة ج 5 ص 31 ح 3 من باب 15 من أبواب صلاة الجمعة.

202

..........

____________

مضافا إلى أنّه بعد ورود هذا المضمون بعينه في غير واحد من الرّوايات بالنّسبة إلى صلاة العيدين، يقطع بحصول الاشتباه من بعض رواة الحديث. و من المقطوع أنّه ليس الاشتباه من النسّاخ لما في الجواهر (1) نقله عن الفقيه و المقنع و الهداية و العيون و العلل، فالاشتباه إمّا من الصدوق و إمّا ممّن روى الصّدوق عنه (2).

فروع الأوّل: لو سهى عن تقديم الخطبة و فرض بقاء الوقت لصلاة الجمعة ثانيا- بأن قلنا بمقالة المشهور مثلا في وقت الجمعة- فيمكن القول بصحّة الصّلاة، لحديث «لا تعاد الصّلاة إلّا من خمسة» (3) و عدم لزوم الخطبة بعد الصّلاة.

إن قلت: في كلا الأمرين إيراد، أمّا الأوّل: فلأنّ المستفاد من غير واحد من الأخبار أنّ الخطبتين في محلّ الركعتين، ففي ما أرسله الصّدوق (قدّس سرّه): «و إنّما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين، جعلتا مكان الرّكعتين داخل الأخيرتين، فهما صلاة حتّى ينزل الإمام» (4). و من المعلوم أنّ ترك الرّكعتين داخل في المستثنى.

و أمّا الثّاني: فلأنّ مقتضى «لا تعاد» هو الصحّة، و ذلك لا ينافي لزوم الخطبة بإسقاط الترتيب، كما في العصر المقدّم على الظّهر.

قلت: يجاب عن الأوّل: بأنّه لم نقف على دليل على تنزيل الخطبتين مكان‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 229.

(2) قد حصل لي التوفيق لإعادة النّظر من أوّل هذا الكتاب الى هنا في السّفرة الثانية عشر من التشرّف بزيارة مولانا أبي الحسن الرّضا (عليه السلام) أعني أبا الحسن بن موسى خير من يوما عليه أظلّت الخضراء (صلوات اللّه و سلامه عليهما).

(3) وسائل الشيعة ج 1 ص 260 ح 8 من باب 3 من أبواب الوضوء.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 29 ح 2 من باب 14 من أبواب صلاة الجمعة.