صلاة الجمعة

- الشيخ مرتضى الحائري المزيد...
333 /
203

..........

____________

الرّكعتين. و أمّا جعل الجمعة ركعتين من جهة جعل الخطبتين فهو غير دالّ على التنزيل. و أمّا قوله (عليه السلام): «فهما صلاة» فلعلّ المقصود إنّهما بمنزلة الصّلاة في الثّواب من باب الانتظار لها، كما يشير إليه ما في خبر العلل من قوله (عليه السلام):

«و لأنّ الإمام يحبسهم للخطبة و هم منتظرون للصّلاة، و من انتظر الصّلاة فهو في الصّلاة» الحديث (1) و على تقدير التنزيل، فالتّنزيل بمنزلة الصّلاة غير التنزيل بمنزلة الرّكعة الّتي فيها الرّكوع و السّجود. و عن الثّاني: بأنّ مقتضى الدليل إمّا شرطيّة الخطبة بوصف التقدّم للصّلاة، أو الأمر بالخطبة أيضا في ضمن الصّلاة، فكلّ واحد منهما مشروط بالآخر بشرط التّقدّم و التأخّر، و ذلك قد ارتفع بحديث «لا تعاد» و ليس في البين أمر استقلاليّ بالخطبة حتّى يبقى ذلك فيقتضي الامتثال.

و من ذلك يظهر الفرق بينه و بين الظّهر و العصر، فإنّ الظهر مورد للأمر الاستقلاليّ غير المشروط بالتقدّم على العصر. و لا فرق في ذلك بين حصول الالتفات، في الوقت القابل للإعادة أو بعد ذلك، فإنّ «لا تعاد» جار في الواقع في الصورتين.

الثّاني: لو سهى مع عدم بقاء الوقت- بأن قلنا في وقت الجمعة بالاشتراط بأوّل الوقت كما قوّيناه، أو قلنا بمقالة المشهور و لكن أخّر في الإقامة بحيث إذا صار موضوعا ل‍ «لا تعاد» لا يصحّ منه الإعادة جمعة بل لا بدّ له من الظّهر- فهل يحكم بالصّحّة كالفرض الأوّل أم لا؟

قد يشكل- كما في صلاة الوالد الماجد الأستاذ (2) (قدّس اللّه نفسه الشريفة)- بأنّ عدم الإعادة قطعيّ فلا معنى للحكم بعدم الإعادة، إنّما الشّكّ في لزوم الإتيان بالظّهر و هو غير مربوط بحديث «لا تعاد».

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 15 ح 3 من باب 6 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) ص 671.

204

..........

____________

أقول: يمكن الجواب عن ذلك بوجوه:

الأوّل: أنّ ذيل حديث «لا تعاد» صريح في أنّ المقصود هو الحكم بالصحّة، و أنّ عدم الإعادة من جهة صحّة الصّلاة المشتملة على الخمس. ففي صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «أنّه قال: لا تعاد الصّلاة إلا من خمسة: الطّهور، و الوقت، و القبلة، و الرّكوع، و السّجود، ثمّ قال (عليه السلام): القراءة سنّة و التشهّد سنّة و لا تنقض السّنّة الفريضة» (1) فإنّه ظاهرة الدّلالة في أنّ جميع الأجزاء و الشرائط الصّلاتيّة من السّنن، و صريح في أنّ المقصود عدم النّقض الّذي هو الصحّة، و إلّا لم يكن تناسب بين الصّدر و الذّيل.

الثّاني: أنّه يمكن أن يدلّ على ذلك أيضا معتبر منصور بن حازم، قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّي صلّيت المكتوبة، فنسيت أن أقرأ في صلاتي كلّها، فقال (عليه السلام): أ ليس قد أتمت الرّكوع و السجود؟ قلت: بلى، قال [(عليه السلام)]:

قد تمّت صلاتك.» (2).

فإنّ التعليل ظاهر في أنّ ملاك عدم البأس بترك القراءة نسيانا، تتميم الرّكوع و السّجود، و هو جار في جميع الأجزاء و الشّرائط كما لا يخفى.

الثّالث: ما يجي‌ء منه ((قدّس سرّه)) (3) من أنّ صلاة الجمعة هي الظهر بعينه، فهي فرد من الظهر كصلاة المسافر و الحاضر، و احتمال دخالة صدق الخصوصيّات الشخصيّة في صدق الإعادة مدفوع، بأنّ لازمه عدم جريان الحديث فيما أخلّ بالقراءة قائما فإذا ركع عرضت له حالة لا يقدر الا على الصّلاة جالسا، و لا أظنّ الالتزام بذلك الرّابع: ما ذكره ((قدّس سرّه)) في الجواب (4) باحتمال أن يكون الحكم بنفي‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 4 ص 770 ح 5 من باب 29 من أبواب القراءة في الصلاة.

(2) وسائل الشيعة ج 4 ص 769 ح 2 من باب 29 من أبواب القراءة في الصّلاة.

(3) كتاب الصّلاة لآية اللّه الحائريّ المؤسّس (قدّس سرّه) ص 682.

(4) كتاب الصّلاة لآية اللّه الحائريّ المؤسّس (قدّس سرّه) ص 671.

205

..........

____________

الإعادة كناية عن الصّحّة.

و توضيح ذلك: أنّه ليس من باب عدم الاعتناء باللّازم أصلا كما في بعض الكنايات، بل الظّاهر أنّ بيان عدم وجوب الإعادة، ملحوظ للمتكلّم، فالظّاهر أنّ المقصود منه أنّه لا تعاد من باب الصحّة فتصير الصحّة حينئذ بمنزلة التّعليل الّذي يكون هو ملاك الحكم.

و ربما يمكن تأييد ذلك بأنّ مقتضى العموم على تقدير البطلان وجوب الإعادة، فهذا العموم المغروس في الارتكازات ربما يؤيّد الصحّة، و أنّ المقصود عدم الإعادة من باب الصحّة.

الخامس: أن يقال: إنّ الحديث ظاهر- من باب السّكوت في مقام البيان- في أنّه لا يلزم شي‌ء آخر بترك غير الخمسة، و دلالته على ذلك ليست مرتبطة بدلالته على عدم الإعادة. فتأمّل.

الثّالث: لو انعقدت الجمعة المنسيّة خطبتها، بالعدد الّذي هو شرط في الصحّة، فهل يصحّ لمن يعلم بعدم الخطبة الاقتداء بتلك الجمعة؟ الظاهر عدم الجواز، لأنّ الظّاهر من مثل موثّق البزنطيّ الّذي هو بحكم الصّحيح: «لا جمعة إلّا بخطبة» الحديث (1) اشتراط كلّ جمعة بوجود الخطبة و لو لم يكن الاستماع و لا الحضور واجبا، لأنّ الظّاهر اشتراط كلّ جمعة يؤتى بها بوجود الخطبة قبلها، فالمسألة كما لو حضر أحد جماعة، فرأى كونهم متوجّهين إلى خلاف القبلة فيما بين المشرق و المغرب، فإنّ صلاتهم و إن كانت صحيحة إلّا أنّ الشّرط في صلاة من يريد الاقتداء ليس صحّة صلاة الإمام و باقي المقتدين فقط، بل لا بدّ له من إحراز شرائط صلاة نفسه فالمسألة مبنيّة على أنّ الخطبة شرط لصحّة صلاة الإمام و العدد، و شرط الباقين هو‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 16 ح 9 من باب 6 من أبواب صلاة الجمعة.

206

فلو عكس بطلت (1)

____________

صحّة صلاتهم؟ أو هي شرط لصحّة صلاة كلّ فرد من الجمعة؟ الظاهر هو الثاني.

الرّابع: لو فرض عدم جريان حديث «لا تعاد» أو فرض الكلام في مورد عدم جريانه كالجهل المركّب أو البسيط بالحكم عن تقصير، فقدّم الصّلاة و أخّر الخطبة، ففي صلاة الوالد الماجد الأستاذ (1) (قدّس سرّه)، أنّه لا يجب إعادة الخطبة بقصد التقديم، لو قصد امتثال الأمر الواقعيّ.

أقول: بل و لو لم يقصد إلّا خصوص الأمر بالخطبة المتأخّرة، بل و لو كان على وجه التقييد. و ذلك لحصول قصد القربة و عدم لزوم أمر آخر. و قد فصّلنا القول في ذلك بعونه تعالى و حمده و منّه و توفيقه في مبحث الوضوء في الشّرح على العروة الوثقى و هو المستعان.

و ذلك لأنّ مقتضى الأوامر الرّاجعة إلى المركّبات هو الشّرطيّة لا الوجوب النّفسيّ، كما هو المعروف المحقّق. مع أنّ المستفاد من خبر العلل جعل الخطبة في الجمعة قبل الصّلاة، و لعلّه أظهر في الشّرطيّة من الأوامر و الجمل الخبريّة.

لكن هنا فرعان:

أحدهما: أنّه نقل في الجواهر (2) عن جامع المقاصد: إنّه لا فرق في البطلان بين العامد و النّاسي، و لعلّ الوجه فيه أنّه على تقدير البطلان لا يكون حكمه وجوب الإعادة، لما تقدّم منّا أنّ الواجب في صلاة الجمعة هو الابتداء بها و لو بالشّروع في الخطبة حين زوال الشّمس، فالفرض المذكور ملازم لمضيّ الوقت، فعلى تقدير بطلان الجمعة يجب عليه صلاة الظهر. و هي ليست إعادة للصّلاة، فلا يكون الفرض مشمولا لحديث «لا تعاد الصّلاة إلّا من خمس».

____________

(1) ص 670.

(2) ج 11 ص 229.

207

[الرّابع: قيام الخطيب في وقت إيراد هما]

[الرّابع:] قيام الخطيب في [وقت إيراد] هما (1)

____________

نعم، لو قيل إنّه كناية عن صحّة ما مضى و لو لم يكن موردا للإعادة على تقدير البطلان، لكان مقتضى إطلاقه الصحّة للنّاسي في المقام.

لكنّه غير ثابت، فإنّ الكناية عن الصّحّة إنّما هي بقدر ما يدلّ عليه، و هو الصحّة في مورد صلاحيّة الإعادة، لا مطلقا.

مع أنّه يمكن أن يقال: إنّ الخطبتين بمنزلة الرّكعتين، فلا بدّ من إعادة الصّلاة، فإنّه داخل مع التّنزيل المذكور في المستثنى من الرّكوع و السّجود.

لكن فيه إشكال غير خفيّ.

ثانيهما: أنّه لو قلنا بعدم فوريّة وقت صلاة الجمعة على النّحو المختار، بل كان آخره إذا صار ظلّ كلّ شي‌ء مثله، أو ساعة من النّهار، أو القدمين، و كان الوقت باقيا، فهل يجب إعادة الخطبة بقصد التقديم- لأنّ ما أتى به كان بقصد كونه متأخّرا عن الصّلاة- أم يكفي إعادة الصّلاة فقط؟ الظّاهر هو الثّاني، إذ قصد التقديم و عدم قصد التّأخير لا يكون شرطا، إذ لا دليل على ذلك. فإذا تحقّق قصد القربة و كانت متقدّمة على الصّلاة كفى، كما هو واضح.

و ممّا ذكرنا يظهر أنّه على مبنى القوم من امتداد الوقت، لا ينبغي الإشكال في الفرع المتقدّم، في الحكم بالصحّة في النّاسي، لكونه مشمولا لحديث «لا تعاد».

و دليل التّنزيل لا يقتضي ذلك كما لعلّه واضح لمن أحاط خبرا بما تقدّم، ممّا يدلّ على التّنزيل.

في الجواهر: إجماعا في الخلاف و التذكرة و جامع المقاصد و الغريّة و إرشاد الجعفريّة و الرّوض و ظاهر كشف الحقّ و المدارك (1).

و يدلّ على ذلك أمور:

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 229.

208

..........

____________

الأوّل: موثّق سماعة في حديث قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): يخطب يعني إمام الجمعة و هو قائم، يحمد اللّه و يثني عليه، ثمّ يوصي بتقوى اللّه، ثمّ يقرأ سورة من القرآن صغيرة (قصيرة)، ثمّ يجلس، ثمّ يقوم فيحمد اللّه و يثني عليه و يصلّي على محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و على أئمّة المسلمين و يستغفر للمؤمنين و المؤمنات، فإذا فرغ من هذا أقام المؤذّن، فصلّى بالنّاس ركعتين يقرأ في الأولى بسورة الجمعة و في الثّانية بسورة المنافقين» (1). و الاشتمال على المستحبّ غير مضرّ بعد كون المقصود هو البعث، و كونه حجّة على الوجوب، كما لا يخفى.

إلّا أنّه قد يشكل بما في صدر الحديث «ينبغي للإمام الّذي يخطب بالنّاس يوم الجمعة أن يلبس عمامة في الشّتاء و الصيف. و يخطب» (2) فيحتمل أن يكون عطفا على «يلبس» أي: و ينبغي أن يخطب قائما.

لكن يردّ ذلك بأنّ سوق الكلام يشهد بأنّ قوله: «و يخطب» جملة أخرى، لكنّه غير واضح.

و يمكن أن يدفع. بأن «ينبغي» في المقام، لم يرد به خصوص الاستحباب، لاشتمال مدخولة على الواجبات، فالمقصود به البعث، و البعث حجّة على الوجوب.

الثّاني: مضمر ابن مسلم- الحسن أو الصّحيح- قال: «سألته [(عليه السلام)] عن الجمعة، فقال: أذان و إقامة، يخرج الإمام بعد الأذان، فيصعد المنبر فيخطب، و لا يصلّي النّاس ما دام الإمام على المنبر، ثمّ يقعد الإمام على المنبر قدر ما يقرأ «قل هو اللّه أحد»، ثمّ يقوم فيفتتح خطبة، ثمّ ينزل فيصلّي بالنّاس، ثمّ يقرأ بهم في الرّكعة الأولى بالجمعة و في الثّانية بالمنافقين» (3).

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 38 ح 2 من باب 25 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 37 ح 1 من باب 24 و ح 2 من باب 25 من أبواب صلاة الجمعة، و الوافي ج 1 باب خطبة صلاة الجمعة و آدابها.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 39 ح 3 من باب 25 من أبواب صلاة الجمعة.

209

..........

____________

و تقريب دلالته على المدّعى- بعد وضوحها بالنّسبة إلى الخطبة الثّانية، و عدم الفصل أو عدم القول به- أنّ الأمر بالقعود على المنبر يدلّ على مفروضيّة القيام قبله مطلقا. و هذا لا يتأتّى إلّا مع فرض الوجوب، و إلّا لم يكن مفروضا مطلقا، و أنّ الأمر بالقعود الظّاهر في الحدوث، يستلزم وجوب القيام قبله. و فيه نظر.

الثّالث: صحيح معاوية بن وهب قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إنّ أوّل من خطب و هو جالس معاوية، و استأذن النّاس في ذلك من وجع كان بركبتيه، و كان يخطب خطبة و هو جالس و خطبة و هو قائم يجلس بينهما. ثمّ قال [(عليه السلام)]:

الخطبة و هو قائم خطبتان، يجلس بينهما جلسة لا يتكلّم فيها، قدر ما يكون فصل ما بين الخطبتين» (1).

فيمكن الاستدلال بصدره من جهة دلالته على إدامة السّيرة على القيام من زمان الرّسول الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) إلى زمان معاوية، و ما هذا شأنه يكون واجبا لا محالة. و بذيله من جهة ظهوره في البعث على القيام، و هو ظاهر في الوجوب و لو لم يكن بصيغة الأمر. بل يمكن أن يقال: إنّه ظاهر في بيان ما هو دخيل في الخطبة شرطا أو شطرا، و الظّاهر دخالة ذلك في ماهيّتها.

فدلالته على المدّعى من وجوه: منها: من جهة دلالته على تحقّق السّيرة الدّائمة قبل معاوية. و منها التعيير على معاوية، و لو كان مستحبّا لما استحقّ التعيير، خصوصا مع العذر المفروض و منها: ذيله على ما تقدّم.

ثمّ إنّه يمكن أن يستفاد منه و من خبر أبي بصير الآتي قاعدة، و هو حجّيّة السّيرة النبويّة (صلّى اللّه عليه و آله) الدّائمة في المخترعات الشّرعيّة على الوجوب، و هو المستفاد ممّا ورد في ذمّ عثمان على الإتمام في منى (2)، و جعل المقاصير في صلوات‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 31 ح 1 من باب 16 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 499 باب 3 من أبواب صلاة المسافر.

210

..........

____________

الجماعة (1)، و غير ذلك. فاغتنم.

الرّابع: خبر أبي بصير- الّذي لا يبعد صحّته- «أنّه سأل عن الجمعة: كيف يخطب الإمام؟ قال [(عليه السلام)]: يخطب قائما، إنّ اللّه يقول «وَ تَرَكُوكَ قٰائِماً» (2) و دلالته غير قابل للإنكار، إلّا أنّه هل المقصود الاستدلال بالآية على أنّه تعالى فرض القيام، فيكون القيام من فرائض اللّه فيقدّم عند الدّوران على غيره ممّا ليس من فرائضه أو يشكّ في ذلك، أو المقصود الاستدلال بها على السيرة النّبويّة (صلّى اللّه عليه و آله)؟. الظاهر هو الأخير، لعدم دلالة الآية الشريفة على الأوّل. فافهم و تأمّل.

و اشتمال بعض ما مرّ من الأخبار على المستحبّات لا يصلح أن يكون قرينة على الاستحباب بالنّسبة إلى غير ما ثبت استحبابه، لأنّ الكلّ مستعمل في البعث، و البعث حجّة على الوجوب، إلّا أن تقوم قرينة على خلافه. مع أنّ في بعضها الآخر الّذي لا يشتمل عليها، كفاية.

الخامس: ما دلّ على البدليّة عن الرّكعتين.

السادس: التأسّي بالنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و الأئمّة الحقّ من بعده.

السّابع: إطلاق الأمر بالجلوس بين الخطبتين في غير واحد من الأخبار الآتية إن شاء اللّه تعالى.

و في تماميّة الثلاثة الأخيرة تأمّل.

فرع:

هل يجب الطمأنينة على الخطيب حال إيراد الخطبة أم لا؟

قال (قدّس سرّه)، في الجواهر: قد يتوقّف في وجوب الطمأنينة فيه [أي القيام‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 460 باب 59 من أبواب صلاة الجماعة.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 32 ح 3 من باب 16 من أبواب صلاة الجمعة.

211

مع القدرة «شرائع الإسلام» (1)

____________

حال الخطبة] و إن صرّح جماعة به، بل في الحدائق: قالوا لكن دليلها منحصر في البدليّة المزبورة، و شمولها لنحو ذلك محلّ نظر، و لم يثبت استدامة النبيّ و الأئمّة عليها، بل ربما كان الظّنّ بخلافها إذا طالت الخطبة بالوعظ و نحوه» (1).

أقول: ما ذكره- (قدّس سرّه)- جيّد لكن يحتاج إلى توضيح فنقول:

أمّا وجه النّظر في شمول البدليّة لها، فلعدم الدّليل على البدليّة عن الرّكعتين كما تقدّم (2).

و أمّا ما دلّ على كونها صلاة حتّى ينزل الإمام، فلا يدلّ على وجوب الطّمأنينة، لعدم وجوبها في الصّلاة مطلقا، بل تجب في حال الذّكر في الصّلاة، لا في حال كون الذكر بنفسه صلاة، فتأمّل. مع أنّ المستفاد من خبر العلل أنّ كونها في الصّلاة من باب انتظار الصّلاة، و هو لا يقتضي الطّمأنينة قطعا. مع أنّ الظاهر أنّ ذلك راجع إلى تكليف المأمومين. فراجع و تأمّل.

و أمّا ما ذكره- (قدّس سرّه)- من «الظّنّ بخلافها» فيمكن تقريبه دليلا مستقلّا واضحا، و هو أنّ الخطبة مقرونة طبعا بعدم الطّمأنينة، و لو كانت واجبة لصرّح بذلك و كثر، حتّى يكون الخطيب مراقبا، و هو لا يخلو عن إشكال بل محتاج إلى التمرين و المراقبة الدّائمة، و حيث لا دليل عليه إلّا التّنزيل الّذي قد عرفت ما فيه فيقطع أو يطمأنّ بعدم وجوبها.

قال- (قدّس سرّه)- في الجواهر: أما مع العجز و لو بمستند، فقد صرّح جماعة بجواز الجلوس، بل هو المشهور على الظّاهر، بل قيل: إنّ ظاهرهم الإجماع عليه، بل ربما ظهر ذلك من المدارك، بل عن نجيب الدّين: أنّ شيخه- صاحب المعالم- ادّعى الإجماع على ذلك، و في التذكرة: أشكل في وجوب الاستنابة، و في جامع المقاصد‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 230.

(2) في ص 202.

212

..........

____________

و الغريّة و إرشاد الجعفريّة: أنّها أحوط. انتهى ملخّصا (1).

أقول: يستدلّ على جواز الخطبة جالسا، للعاجز عن القيام مطلقا و عدم وجوب القيام و الاستنابة عليه بأمور:

الأوّل: أنّ القدر المستفاد ممّا يدلّ على وجوب القيام و شرطيّته أنّه شرط في حال القدرة، لأنّ ما يشتمل على الأمر أو ما يجري مجراه من البعث لا يشمل صورة العجز و غيره، بل منصرف إلى حال القدرة، و مقتضى إطلاق باقي الأدلّة عدم الاشتراط للعاجز.

الثّاني: قاعدة الميسور، و يكفي دليلا عليها في صورة العجز عموم «رفع ما اضطرّوا اليه» و بالنّسبة إلى صورة العسر عموم ما يدلّ على رفع العسر و الحرج، بضمّ شهادة العرف على أنّ المرفوع بذلك خصوص ما اضطرّ إلى تركه، مع بقاء ما يقتضي الإتيان بباقي الأجزاء و الشرائط، نظير رفع الجزئيّة بالنّسبة إلى المشكوك في المركّبات الارتباطيّة. هذا. مضافا إلى وجود مدارك أخر للقاعدة.

الثّالث: أنّه قد يستفاد ذلك من صحيح معاوية المتقدّم (2) باعتبار عدم الإنكار على معاوية فعله لذلك.

و في الكلّ ما لا يخفى:

أمّا الأوّل: فلأنّه ليس فيما مرّ أمر. بل الأدلّة المذكورة دالّة على البعث من باب أنّها جمل خبريّة بداعي البعث. و الظّاهر في المركّبات و المقيّدات أنّ الدّاعي هو البعث الإرشاديّ إلى دخالة مورده في صحّة المركّب أو المقيّد، و حينئذ لا مانع من الإطلاق بالنّسبة إلى حال العجز.

و أمّا الثّاني: فلأنّه ليس الواجب على من صار إماما أن يكون إماما، و إنّما الواجب عليه الجمعة المخيّرة بين أن يكون إماما فيخطب أو مأموما فلا يكون عليه‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 230 و 231.

(2) في ص 209.

213

..........

____________

الخطبة، و لا معنى لسقوط الواجب الّذي هو الطبيعة بتعذّر بعض أفراده أو تعسّره.

و أمّا الثّالث: فواضح الدّفع، لأنّ الظّاهر أو المحتمل قويّا أن يكون الصّحيح في مقام ذكر بعض بدع المعاوية، و هو إنكار عليه. فربما يشعر الخبر بلزوم التجنّب عن ذلك، بل كان عليه أن يختصر في الخطبتين، فيكون بمقدار الخطبة الواحدة القائمة.

و في الخبر أنّه كان يخطب واحدة منهما قائما، و المظنون أنّه كان يأتي به على الطريق المتعارف.

و لكنّه اختار- (قدّس سرّه)- في الجواهر (1) تبعا لما ينسب إلى المشهور، سقوط القيام و الاكتفاء بها فاقدا له.

و ملخّص ما استدلّ به أمور:

الأوّل: دعوى أنّ دليل الشّرطيّة منصرف إلى حال الاختيار.

و فيه أوّلا: أنّه ليس واجبا على الخطيب أن يخطب، حتّى يكون مضطرّا في مقام العمل بوظيفته، بل وظيفته صلاة الجمعة، و هي إمّا بأن يورد الخطبة بشرائطها، أو يحوّل إلى الغير، فيكون أحد أفراد المصلّين، و المفروض قدرته على ذلك فالحال المفروض حال الاختيار، لا حال الاضطرار.

و ثانيا: المشهور بينهم أنّ التكليف المتوجّه إلى الأجزاء و الشّرائط إرشاد إلى الشرطيّة و الجزئيّة، فلا مانع من الإطلاق من جهة المرشد إليه.

و ثالثا: أنّ بعض أدلّة الاشتراط خال عن الدّلالة على البعث كصحيح معاوية بن وهب، «. الخطبة و هو قائم، خطبتان.» (2).

و رابعا: مقتضى إطلاق المادّة الّذي هو الإطلاق من حيث الجهات الدّخيلة في الملاك شرعا هو الاشتراط أيضا.

الثاني: أنّ المستشعر من صحيح معاوية بن وهب هو سقوط الاشتراط، باعتبار‌

____________

(1) ج 11 ص 230.

(2) تقدّم في ص 209.

214

..........

____________

عدم الإنكار على معاوية، و ذكره حكم الخطبة في حال القيام المشعر بأنّ لها حالا آخر و هو ما حكاه عن معاوية.

و فيه: قوله (عليه السلام): «إنّ أوّل من خطب» كاد أن يكون صريحا في الإنكار عليه، لأنّ الظّاهر أنّه المبدع في الدّين و إلّا لكان المقصود بيان تاريخ حال معاوية و أنّه أوّل من جلس في الخطبة لعذر، و كان معذورا و جائزا له ذلك، و هو ممّا يقطع ببطلانه. مضافا إلى دلالته على عدم إقدام السّلف على ذلك. و عدم عروض العارض لهم و لنوّابهم طول المدّة بعيد جدّا، فالمظنون أو المقطوع أنّهم كانوا يستخلفون في تلك المواقع. و لعلّ معاوية كان كذلك لو كان وجع ركبتيه موقّتا، مع أنّه لا فرق بين الموقّت و غيره في الملاك.

و كذا قوله (عليه السلام): «الخطبة و هو قائم» ظاهر في الإنكار عليه. و لا يحتمل أن يكون الكلام لبيان أنّ للخطيب حالين، إذ مقتضى ذلك أن يكون الخطبتان في حال القيام، و أمّا في حال الجلوس فالخطبة واحدة مثلا أو ثلاث، و هو ممّا لا يحتمل في الكلام المذكور.

الثّالث: أنّها بدل عن الرّكعتين، فحيث جاز الجلوس في المبدل عنه جاز في بدله بالأولويّة، بل الانتقال إلى الجلوس هو مقتضى إطلاق البدليّة.

و فيه: أنّه لا أولويّة في المقام، لأنّ القياس بالأصل على تقدير البدليّة مع الفارق، فإنّ الانتقال إلى الجلوس فيه لأجل عدم التمكّن من القيام بالوظيفة الاختياريّة، و في المقام يتمكّن من ذلك بالاستخلاف، كما هو واضح.

و أمّا التمسّك بإطلاق البدليّة: فقد أشكل فيه- (قدّس سرّه)- (1) في موارد: منها الطّمأنينة في الخطبة. مضافا إلى أنّه لو فرض دلالة الدّليل على البدليّة و فرض الإطلاق فالبدليّة تقتضي ذلك بإطلاقها إذا فرض عدم التمكّن من القيام بما هو‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 230.

215

..........

____________

تكليف المختار، و في المقام قادر على ذلك. فالمسألة خالية عن الإشكال بحمد اللّه الحقّ المتعال و هو العالم بالمبدإ و المآل.

فالمحصّل: أنّه لا ينبغي الارتياب في وجوب التفويض إلى غيره، فيخطب قائما و يأتمّ بالنّاس. هذا على تقدير التمكّن من ذلك.

و أمّا على تقدير عدم التمكّن فتارة لا يتمكّن من التفويض في الخطبة، كأن لا يكون في البين من يتمكّن من الخطبة و لو بمقدار أقلّ الواجب. و اخرى يتمكّن من ذلك و لكن لا يمكن الايتمام بذاك الخطيب من جهة فقد شرط العدالة، أو النّصب- إن قلنا باشتراطه- أو غير ذلك.

فعلى الأوّل: يمكن أن يقال بالاكتفاء بالجلوس، لأنّ «الميسور لا يسقط بالمعسور». و لقد ذكرنا أدلّة القاعدة في أحكام الجبائر من الشّرح على العروة، و بيّنّا أنّه لا ينحصر مدركها بما ذكر في فرائد الشّيخ الأنصاريّ- (قدّس سرّه)- (1) بل يمكن التمسّك ببعض الأدلّة الأخر، كرواية عبد الأعلى مولى آل سام الواردة في باب الجبائر من الحكم بالمسح على المرارة، مصدّرا بقوله (عليه السلام): «يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّه عزّ و جلّ» (2) و لا يخفى دلالته على العموم، لأنّه التّعليل في مقام الإثبات الّذي هو في العرف استدلال. و هو أدلّ على العموم من التّعليل في مقام الثّبوت، هذا.

و لكنّ الأحوط الإتيان بالظهر أيضا.

و توضيح ذلك: أمّا على الوجوب التخييريّ: فلا بدّ في الفرض من الظّهر. و ذلك لأنّ مفاد دليل التخيير: أنّ المصلحة اللّزوميّة الاختياريّة قائمة بإحدى الصّلاتين، و مقتضى دليل التقييد أنّ القيد له مدخليّة في الملاك- و لو بنحو تعدّد المطلوب- فالعقل يحكم بالأخذ بما فيه المصلحة الكاملة. فتأمّل. هذا في مقام الثبوت، و أمّا في‌

____________

(1) فرائد الأصول ص 294.

(2) وسائل الشيعة ج 1 ص 327 ح 5 من باب 39 من أبواب الوضوء.

216

..........

____________

مقام الإثبات، فمقتضى التخيير ذلك. و لا ينافيه قاعدة الميسور، لأنّ متعلّق التّكليف الإلزاميّ لا ينقسم إلى الميسور و المعسور، لأنّه إحدى الصّلاتين و هو ميسور، و متعلّق التّرخيص لا يتّصف بالسّقوط، لأنّ كون المقصود هو سقوط الإلزام، غير خفيّ.

و أمّا على الوجوب التعيينيّ: فالظّاهر هو الاكتفاء بالجمعة و الخطبة من غير قيام، و عدم الانتقال إلى الظهر كما ذكر.

و الإيراد عليه بأنّ مقتضى الحكم بالإتيان بالظّهر في غير واحد من موارد فقد الشّرائط- كما في صورة انقضاء الوقت، أو عدم درك الجماعة، أو عدم كون الإمام مرضيّا، أو في المطر، أو عدم وجود من يخطب- عدم إعمال قاعدة الميسور في الجمعة و الانتقال إلى الظّهر، و إلّا كان اللازم في جميع الموارد المتقدّمة هو الإتيان بالميسور من الجمعة، فالقاعدة المستفادة من خصوص روايات باب الجمعة- الدالّة على الانتقال إلى الظّهر بصرف عدم القدرة على بعض أجزائها و شرائطها- أخصّ من دليل قاعدة الميسور.

مدفوع: بأنّ الموارد المذكورة مشتركة في فقد بعض شرائط نفس الجمعة، و لا يدلّ على إلقاء قاعدة الميسور فيما هو شرط في الشّرط. ففي مورد البحث، القيام شرط للخطبة لا لصلاة الجمعة، و يترتّب على ذلك عدم بطلان الصّلاة بإيراد الخطبة جالسا، بل لا بدّ من إعادتها [الخطبة].

إن قلت: عدالة الإمام شرط في الجماعة و هي شرط في الجمعة.

قلت: ما ورد من الانتقال إلى الظهر في صورة إقامة جمعة المخالفين لكونه من جهة فقد شرط العدالة أو الإيمان، غير معلوم، بل لعلّه من جهة فقد الإذن اللازم في فرض تيسّر الوصول إلى المعصوم (عليه السلام)، و لعلّه شرط في أصل الجمعة لا في الجماعة الخاصّة. فتأمّل. مضافا إلى أنّه لو كان من باب فقد العدالة فالإنصاف أنّه لا يقاس به كلّ ما هو شرط في الشّرط. و من هنا ينقدح احتمال الاقتداء بغير‌

217

..........

____________

العادل في صورة الاضطرار و الاكتفاء به و عدم الانتقال إلى الظّهر.

كما أنّ الإيراد عليه بأنّ مقتضى ما تقدّم من الموارد المذكورة هو السقوط و الانتقال إلى الظّهر في فرض عدم التّمكّن من الإتيان بجميع مالها من الأجزاء و الشرائط، و لو كان في مورد فقد شرط الجمعة لا شرط الشّرط.

مدفوع أيضا: بأنّ الحكم بالانتقال إلى الظّهر و عدم وجوب الجمعة مسلّم في فرض عدم القدرة على الجمعة و لو ببعض مراتبها، لا في فرض عدم القدرة على الإتيان بجميع الأجزاء، فقاعدة الميسور واردة عليه. مع أنّه لو كان مفاد ما استخرج من الموارد المذكورة هو عدم وجوب الجمعة و سقوطها و الانتقال إلى الظّهر في صورة عدم القدرة على الإتيان بجميع الأجزاء و الشّرائط الأوّليّة، فالتّعارض بينهما بنحو العموم من وجه، فيرجع في مادّة الاجتماع إلى إطلاق دليل شرطيّة القيام و لا وجه لتقدّم ذلك عليها.

كما أنّ الإيراد عليه بأنّ مورد القاعدة ما لم يجعل له بدل في صورة عدم التمكّن.

مدفوع، لورود خبر عبد الأعلى مولى آل سام في خصوص الوضوء، مع أنّ له البدل، و مقتضى متنه كون ذلك على وفق القاعدة كما مرّ تقريبه.

و على الثّاني: فالاكتفاء به و عدمه مبنيّ على اشتراط وحدة الخطيب و الإمام و عدمه.

فالمسألة ذات صور ثلاثة:

الأولى: فرض التمكّن من التّفويض إلى إمام يخطب، و قد عرفت أنّه يجب عليه على الظّاهر تفويض الخطبة إليه بمعنى أنّه لا يجوز له الاكتفاء بالخطبة جالسا.

الثانية: صورة عدم التمكّن من التّفويض إلى خطيب آخر، لعدم وجود ذلك في محلّ الاجتماع مثلا، و قد مرّ أنّ الظّاهر جواز الاكتفاء بالجلوس و إن كان الأحوط الإتيان بالظّهر أيضا.

الثّالثة: ما لم يكن من يجمع بين الخطبة قائما و الإمامة، بأن يكون الواجد‌

218

..........

____________

لشرائط إمامة الجمعة موجودا في محلّ الاجتماع، و حينئذ فإن لم يكن وحدة الخطيب و الإمام شرطا في صحّة الجمعة فيكون بحكم الصّورة الاولى، و إن كانت شرطا لها فالأمر يدور بين رفع اليد عن وجوب القيام في الخطبة، أو لزوم وحدة الإمام و الخطيب، أو إلقاء بعض ما فرض كونه شرطا لإمامة الجمعة، فالظاهر أنّه لا إشكال في الصّورة المذكورة في الإتيان بالخطبة جالسا و لو من باب التزاحم و الحكم بالتّخيير، و إن كان الأحوط الإتيان بالظّهر أيضا.

و حيث تبيّن ابتناء المسألة في الجملة على لزوم كون الخطيب هو الإمام و عدمه، فلا بدّ من البحث عنه أيضا، كما أشير إليه في الجواهر (1) و مصباح الفقيه (2).

هل يلزم اتّحاد الخطيب و الإمام أم لا؟ قال- (قدّس سرّه)- في الجواهر: إنّه اعترف الفاضل في محكيّ منتهاه بظهور عبارات الأصحاب في الاتّحاد، و في الذكرى: لو غاير الإمام الخطيب ففي الجواز نظر- إلى أن قال:- و ذهب الرّاونديّ إلى الأوّل أي عدم الجواز، و عن المصابيح: أنّه المشهور، و عن الفاضل في النّهاية: جواز التعدّد، و عن الجعفريّة و إرشادها: موافقته، و في جامع المقاصد: أنّ فيه قوّة. انتهى ملخّصا (3).

أقول: المستفاد من الأخبار المتفرّقة- الواردة في غير واحد من أبواب صلاة الجمعة- هو الاتّحاد.

ففي صحيح زرارة عن أبي جعفر- (عليه السلام)-: «. و إنما وضعت الرّكعتان اللّتان أضافهما النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يوم الجمعة للمقيم، لمكان الخطبتين مع الإمام.» (4).

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 231 و 232.

(2) ج 2 ص 448.

(3) الجواهر ج 11 ص 231 و 232.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 14 ح 1 من باب 6 من أبواب صلاة الجمعة.

219

..........

____________

و في صحيح محمّد بن مسلم فقال (عليه السلام): «بأذان و إقامة، يخرج الإمام بعد الأذان فيصعد المنبر، فيخطب. و لا يصلّي النّاس ما دام الإمام على المنبر.

ثمّ يقوم فيفتتح خطبة، ثمّ ينزل فيصلّى بالنّاس.» (1).

و في صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال:

إذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلّوا في جماعة، و ليلبس البرد و العمامة، و يتوكّأ على قوس أو عصا، و ليقعد قعدة بين الخطبتين و يجهر بالقراءة و يقنت في الرّكعة الأولى منهما قبل الرّكوع» (2).

و يدلّ عليه أيضا ثبوت سيرة الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله) و الخلفاء من بعده على ذلك، كما يظهر من غير واحد من الأخبار، بل يظهر من الآية الشّريفة: قوله تعالى «وَ تَرَكُوكَ قٰائِماً» لا سيّما بعد ما ورد الاستدلال به في خبر أبي بصير المتقدّم (3) على القيام في حال الخطبة.

و يدلّ عليه أيضا الأخبار الواردة في بيان حكم آخر، لكن يعلم منه مفروضيّة كون الخطيب هو الإمام، كالوارد في عدم التكلّم حين الخطبة، مثل ما عن الفقيه قال: «قال أمير المؤمنين- (عليه السلام)-: لا كلام و الإمام يخطب.

فهما صلاة حتّى ينزل الإمام» (4) و ما ورد في النّهي عن الصّلاة و الإمام يخطب، مثل ما عن عليّ بن جعفر عن أخيه- (عليهما السلام)- «قال: سألته عن الإمام إذا خرج يوم الجمعة هل يقطع خروجه الصّلاة؟ أو يصلّي النّاس و هو يخطب؟ قال [(عليه السلام)]: لا يصلح الصّلاة و الإمام يخطب.» (5)

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 15 ح 7 من باب 6 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 15 ح 5 من باب 6 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) في ص 210.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 29 ح 2 من باب 14 من أبواب صلاة الجمعة.

(5) وسائل الشيعة ج 5 ص 93 ح 2 من باب 58 من أبواب صلاة الجمعة.

220

[ [الخامس:] الفصل بينهما بجلسة]

[الخامس:] الفصل بينهما بجلسة (1)

____________

و ليس المقصود النّهي عن التّكلّم أو الصّلاة حين كون الخطيب هو الإمام، حتّى لا يكون بأس بما إذا كان الخطيب غيره، بل المقصود على الظّاهر هو النّهي عنهما حال الخطبة، و لم يفرض غير كون الإمام هو الخطيب، كما لعلّه واضح عرفا.

و يدلّ عليه أيضا صحيح زرارة، و فيه: «فإذا اجتمع سبعة و لم يخافوا أمّهم بعضهم و خطبهم» (1) فإنّ الظّاهر أنّ المقصود أنّه يخطب البعض الّذي أمّهم لا بعض آخر منهم.

هذا كلّه. مع أنّه بعد ما فرض أنّ سيرة النّبيّ الأكرم (صلّى اللّه عليه و آله) كان على ذلك، فلا يستفاد من الدّليل الدّالّ على وجوب صلاة الجمعة إلّا ذلك، فإنّ الإطلاق ناظر إلى ما يقع في الخارج، فكما أنّه لو دلّ الدّليل على وجوب صلاة الظّهر و صلّى- (صلّى اللّه عليه و آله)- الظّهر أربع ركعات بتشهّدين و تسليم واحد، لا يمكن التمسّك بإطلاقه لجوازها بكيفيّة أخرى، كذلك الأمر بالنّسبة إلى الكيفيّة المعمولة في صلاة الجمعة من الخطبة و القيام و الفصل بينهما و اشتراط الوحدة و غير ذلك من الشّرائط.

و لا ينافي ذلك ما حقّقناه من عدم اشتراطها بالمعصوم، و ذلك لورود كثير من الإطلاقات في فرض عدم المعصوم كالوارد في إقامتها في القرى، أو إذا كانوا خمسة، أو سبعة، و لأنّ إطلاق مثل الآية الشّريفة حكم كلّيّ للقرون و العصور مع وضوح خلوّ بعض الأزمان عن المعصوم المبسوط اليد، فالإطلاق في ذلك محكّم. و قد أطلنا الكلام في ذلك لعدم وضوح المسألة عند الأساطين.

قال في الجواهر: على المشهور بين الأصحاب نقلا و تحصيلا، بل في ظاهر‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 8 ح 4 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

221

..........

____________

الغنية: الإجماع عليه. و في الرّياض: الأشهر، بل عليه عامّة من تأخّر، مع عدم ظهور قائل بالاستحباب صريحا بين الطّائفة. قلت: و هو كذلك، لأنّ بعضهم عبّر بكلمة «ينبغي» و في النّافع و عن التّنقيح: التردّد، و أنّ الوجوب أحوط، و في المعتبر:

احتمال الاستحباب، و نحوه عن المنتهى. انتهى ملخّصا (1).

أقول: يستدلّ على الوجوب بأخبار:

منها: ما تقدّم (2) من صحيح معاوية، و فيه: «الخطبة و هو قائم، خطبتان، يجلس بينهما جلسة لا يتكلّم فيها قدر ما يكون فصل ما بين الخطبتين».

و منها: حسن محمّد بن مسلم، و فيه: «ثمّ يقعد الإمام على المنبر قدر ما يقرأ:

قل هو اللّه أحد» (3).

و منها: صحيحة الآخر عن أبي جعفر- (عليه السلام)- و فيه: «ثمّ تجلس قدر ما يمكن هنيئة ثمّ تقوم.» (4).

و منها: موثّق سماعة و فيه: «ثمّ يقرأ سورة من القرآن صغيرة (قصيرة) ثمّ يجلس، ثمّ يقوم.» (5). إلى غير ذلك. و ليس في البين ما يدلّ على التّرخيص في التّرك.

نعم يمكن أن يقال: إنّ المستفاد من صحيح معاوية أنّ الجلوس المذكور من باب تحقّق الفصل بين الخطبتين، و أنّه لا خصوصيّة للجلوس، فلو انصرف الإمام بعد الخطبة الأولى عن مقامه بخطوات، لتحقّق الفصل أيضا.

لكن فيه أنّه يحتمل أن يكون قوله (عليه السلام) «قدر ما يكون» بيانا لعدم‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 233.

(2) في ص 209.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 15 ح 7 من باب 6 من أبواب صلاة الجمعة.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 38 ح 1 من باب 25 من أبواب صلاة الجمعة.

(5) وسائل الشيعة ج 5 ص 38 ح 2 من باب 25 من أبواب صلاة الجمعة.

222

خفيفة (1)

[ [السّادس:] رفع الصوت بحيث يسمعه العدد فصاعدا]

[السّادس:] رفع الصوت بحيث يسمعه العدد فصاعدا (2)

____________

التّكلّم و أنّه لا يتكلّم فيها بقدر حصول الفصل، لا أنّه يجلس بهذا المقدار، مع أنّه لو كان راجعا إلى الجلوس كما هو الأقرب بلحاظ سوق الكلام، فلا ريب أنّه لا يستفاد منه أن يكون في مقام التّعليل، بل الظّاهر أنّ المقصود أنّه يجلس بذاك المقدار، لا لأجل حصول الفصل بذلك.

كما في القواعد و الشّرائع. و في الجواهر عن الرّوض: أنّه لو أطالها بما لا يخلّ بالموالاة لم يضرّ. قال (رحمه اللّه): و هو لا يخلو عن وجه (1).

أقول: و ذلك لأنّ ما دلّ على كونها خفيفة كصحيح معاوية و صحيح محمّد بن مسلم و غير هما، يمكن أن يكون في مقام بيان ما هو الواجب، و أنّ الواجب يحصل بالجلسة الخفيفة، لتحقّق الفصل بذلك. كما يشعر به ما تقدّم من الصّحيح آنفا لا أنّه يشترط فيها الخفّة بحيث لو أطالها بطلت الخطبة، فيجب عليه استينافها، أو أنّه يبطل بذلك أصل صلاة الجمعة فينتقل تكليفه إلى الظّهر أربع ركعات. و إن شكّ في ذلك فمقتضى إطلاق موثّق سماعة المتقدّم (2) كفاية الجلوس غير الخفيف أيضا.

لكن لا يترك الاحتياط، للأوامر المتقدّمة في الأخبار المذكورة و احتمال كونها في بيان أنّ الموالاة بين الخطبتين إنّما تكون بذلك، و أنّه لو أطالها أكثر من مقدار قراءة «قل هو اللّه أحد» لأخلّ بالموالاة الواجبة فيهما. و التّمسّك بإطلاق الموثّق غير واضح بعد احتمال كونه منصرفا إلى المتعارف في أمثال المقام، إذا لا داعي لطول الجلوس، لأنّه لا داعي لذلك إلّا الامتثال للأمر الحاصل بصرف المسمّى. و من ذلك يظهر أنّ ما في القواعد و الشرائع أشبه بظاهر الأدلّة. و اللّه العالم.

كما في القواعد، و قريب منه عبارة الشّرائع، و نقل في الجواهر عن غيرهما أيضا (3).

____________

(1) ج 11 ص 234.

(2) في ص 208.

(3) ج 11 ص 240.

223

..........

____________

و يستدلّ عليه بأمور:

الأوّل: أنّ الإطلاق ينصرف إلى ما يكون معهودا و متعارفا من الخطبة المستلزم نوعا لسماع عدّة، و كون الكلام بحيث يسمعه عدّة من الحاضرين، فلا دليل على الاكتفاء بالخطبة الفاقدة لهذا الشّرط. و مقتضى البراءة اليقينيّة في مقام القطع بالتكليف هو مراعاة ما ذكر في الخطبة. و هذا مطابق لما أشار إليه ((قدّس سرّه)) في الجواهر في أوّل كلامه (1).

و فيه ما لا يخفى، إذ مقتضى جريان البراءة في القيد المشكوك- كما هو المعروف في بحث الأقلّ و الأكثر الارتباطيّين- هو الاكتفاء بالفاقد لما يشكّ في قيديّته.

الثّاني: ادّعاء الانصراف على وجه التقييد من جهة المعهوديّة و التّعارف، فلا يرد عليه الإيراد المتقدّم.

الثّالث: دعوى عدم صدق الخطبة على الصّوت المنخفض الّذي لا يسمعه ستّة نفر من الحضّار.

الرّابع: عدم صدق الإضافة الواقعة في بعض الأخبار، كقوله (عليه السلام) في صحيح زرارة: «فإذا اجتمع سبعة و لم يخافوا أمّهم بعضهم و خطبهم» (2). فإنّه على تقدير صدق عنوان الخطبة لا يصدق عنوان «خطبهم» إذ الملاك لصدق إضافة الخطبة إليهم ليس في العرف إلّا كونها بحيث يسمعون، إذ لا فرق بين عدم الحضور في المجلس أو الحضور و كون الكلام غير صالح للاستماع.

الخامس: عدم صدق الوعظ الوارد في صحيح محمّد بن مسلم (3) و كذلك‌

____________

(1) ج 11 ص 240.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 8 ح 4 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 38 ح 1 من باب 25 من أبواب صلاة الجمعة.

224

[السّابع: اشتمال كلّ واحدة منهما على الحمد للّه]

[السّابع:] اشتمال كلّ واحدة [منهما] على «الحمد للّه» (1)

____________

الوصيّة بتقوى اللّه الواردة فيه و في غيره (1) إذا لم يكن الصّوت بحيث يسمعه الحاضرون. و الظّاهر أنّ المقصود وعظ العدد و إيصائهم بتقوى اللّه بمناسبة المقام، لا وعظ جميع الحاضرين و لا وعظ واحد منهم.

السّادس: ما ورد ممّا يظهر منه أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) «كان يداوم على رفع الصّوت، فقد روي أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان إذا خطب يرفع صوته كأنّه منذر جيش» (2).

و الإنصاف: أنّ بعض الوجوه المذكورة قويّة. و لا يخفى أنّ مقتضى بعضها عدم الاكتفاء بالعربيّ إذا لم يكن الحاضرون ممّن يفهم العربيّة. و سيأتي الكلام في ذلك إن شاء اللّه تعالى.

قال- (قدّس سرّه)- في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه، بل في الخلاف و الغنية و ظاهر كشف الحقّ و غيره: الإجماع عليه» (3).

أقول: ينبغي أوّلا ذكر ما وصل إلينا من الأخبار في كيفيّة خطبة الجمعة، حتّى يتّضح حكم المسألة و المسائل الآتية المربوطة بكيفيّة الخطبة.

1- روى الكافي في الموثّق عن سماعة قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):

ينبغي للإمام الّذي يخطب النّاس يوم الجمعة أن يلبس عمامة في الشّتاء و الصّيف، و يتردّى ببرد يمنيّ أو عدنيّ، و يخطب و هو قائم: يحمد اللّه و يثني عليه، ثمّ يوصي بتقوى اللّه و يقرأ سورة من القرآن صغيرة ثمّ يجلس، ثمّ يقوم، فيحمد اللّه و يثني عليه و يصلّي على محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و على أئمّة المسلمين، و يستغفر للمؤمنين و المؤمنات، فإذا فرغ من هذا أقام المؤذّن، فصلّى بالنّاس ركعتين يقرأ في‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 38 ح 2 من باب 25 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) الجواهر ج 11 ص 240- تعليقة- صحيح مسلم ج 3 ص 11.

(3) ج 11 ص 208.

225

..........

____________

الأولى بسورة الجمعة و في الثّانية بسورة المنافقين» (1).

2- و فيه أيضا في الصّحيح عن ابن مسلم عن أبي جعفر- (عليه السلام)- في خطبة يوم الجمعة- الخطبة الأولى-: «الحمد للّه نحمده و نستعينه و نستغفره و نستهديه و نعوذ باللّه من شرور أنفسنا و من سيّئات أعمالنا- إلى أن قال:- و أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله- إلى أن قال:- و صلّى اللّه على محمّد و آله و (عليهم السلام)، أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه- إلى أن قال:- نسأل اللّه الّذي جمعنا لهذا الجمع أن يبارك لنا في يومنا هذا و أن يرحمنا جميعا، إنّه على كلّ شي‌ء قدير. إنّ كتاب اللّه أصدق الحديث و أحسن القصص و قال اللّه عزّ و جلّ:

وَ إِذٰا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (2). فاسمعوا طاعة اللّه و أنصتوا ابتغاء رحمته.

ثمّ اقرأ سورة من القرآن و ادع ربّك و صلّ على النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و ادع للمؤمنين و المؤمنات ثمّ تجلس قدر ما تمكّن هنيئة ثمّ تقوم فتقول:

الحمد للّه نحمده و نستعينه- إلى أن قال:- و أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له و أشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله أرسله بالهدي و دين الحقّ- إلى أن قال:- و جعله رحمة للعالمين بشيرا و نذيرا و داعيا إلى اللّه بإذنه و سراجا منيرا (3). إلى أن قال:- أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه. و في ضمن الموعظة قال:- و قد بلّغ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) الّذي أرسل به- إلى أن قال:- ثمّ تقول: اللّهمّ صلّ على محمّد عبدك و رسولك سيّد المرسلين و إمام المتّقين و رسول ربّ العالمين. ثمّ تقول: اللّهمّ صلّ على أمير المؤمنين و وصيّ رسول ربّ العالمين. ثم تسمّي الأئمّة حتّى تنتهي إلى صاحبك، ثمّ تقول: افتح له فتحا يسيرا و انصره نصرا عزيزا- إلى أن قال:- ثمّ يدعو‌

____________

(1) الكافي- الفروع- ج 1 ص 421 ح 1 من باب تهيئة الإمام للجمعة من كتاب الصّلاة.

(2) الأعراف الآية 203.

(3) و لم يذكر الصلاة (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

226

..........

____________

اللّه على عدوّه و يسأل لنفسه و أصحابه ثمّ يرفعون أيديهم فيسألون اللّه حوائجهم كلّها حتّى إذا فرغ من ذلك قال: اللّهمّ استجب لنا. و يكون آخر كلامه أن يقول: إنّ اللّه يأمر بالعدل و الإحسان و إيتاء ذي القربى و ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي، يعظكم لعلّكم تذكّرون (1) ثمّ يقول: اللّهمّ اجعلنا ممّن تذكّر فتنفعه الذّكرى، ثمّ ينزل» (2).

3- في الفقيه: و خطب أمير المؤمنين- (عليه السلام)- في الجمعة فقال: «الحمد للّه الوليّ الحميد الحكيم المجيد الفعّال لما يريد- إلى أن قال:- و نشهد أن لا إله إلّا اللّه وجده لا شريك له، ملك الملوك و سيّد السّادات- إلى أن قال:- و نشهد أنّ محمّدا عبده و رسوله، أرسله بالحقّ داعيا إلى الحقّ- إلى أن قال:- (صلّى اللّه عليه و آله)، أوصيكم عباد اللّه بتقوى اللّه و اغتنام ما استطعتم- إلى أن قال:- إنّ أحسن الحديث و أبلغ الموعظة كتاب اللّه عزّ و جلّ، أعوذ باللّه من الشيطان الرّجيم إنّ اللّه هو الفتّاح العليم، بسم اللّه الرّحمن الرّحيم، ثمّ يبدأ بعد الحمد ب‍: قل هو اللّه أحد، أو ب‍: قل يا أيّها الكافرون، أو ب‍: إذا زلزلت الأرض زلزالها، أو ب‍: ألهيكم التّكاثر، أو ب‍: و العصر، و كان ممّا يدوم عليه: قل هو اللّه أحد. ثمّ يجلس جلسة خفيفة ثمّ يقوم فيقول: الحمد للّه نحمده و نستعينه و نؤمن به و نتوكّل عليه و نشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له، و أنّ محمّدا عبده و رسوله، (صلوات اللّه و سلامه عليه و آله) و مغفرته و رضوانه، اللّهمّ صلّ على محمّد عبدك و رسولك و نبيّك صلاة نامية زاكية ترفع بها درجته و تبين بها فضله و صلّ على محمّد و آل محمّد و بارك على محمّد و آل محمّد- إلى أن قال:- اللّهمّ عذّب كفرة أهل الكتاب الّذين يصدّون عن سبيلك- إلى أن قال:- اللّهمّ اغفر للمؤمنين و المؤمنات- إلى أن قال: إنّ اللّه يأمر بالعدل و الإحسان‌

____________

(1) النحل الآية 90.

(2) الفروع من الكافي ج 1 ص 422 ح 6 من باب تهيئة الإمام للجمعة من كتاب الصلاة.

227

..........

____________

الى آخر الآية (1) اذكروا اللّه يذكركم- إلى أن قال- رَبَّنٰا آتِنٰا فِي الدُّنْيٰا حَسَنَةً وَ فِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَ قِنٰا عَذٰابَ النّٰارِ (2) 4- في روضة الكافي عن عليّ بن إبراهيم عن أبيه عن الحسن بن محبوب عن محمّد بن النعمان أو غيره، عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه ذكر هذه الخطبة لأمير المؤمنين (عليه السلام) يوم الجمعة:

«الحمد للّه أهل الحمد و وليّه و منتهى الحمد و محلّه، المبدئ البديع- إلى أن قال:- و أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له- إلى أن قال:- و أشهد أنّ محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) عبده و رسوله و خيرته من خلقه اختاره بعلمه- إلى أن قال:- و أشهد أن لا إله إلّا اللّه وحده لا شريك له- إلى أن قال:- و أشهد أنّ محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) تسليما كثيرا-: أوصيكم عباد اللّه و أوصى نفسي بتقوى اللّه الّذي ابتدأ الأمور بعلمه و إليه يصير غدا ميعادها- إلى أن قال:- ثمّ إنّ أحسن القصص و أبلغ الموعظة و أنفع التّذكّر كتاب اللّه جلّ و عزّ، قال اللّه عزّ و جلّ:

وَ إِذٰا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَ أَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (3) أستعيذ باللّه من الشّيطان الرّجيم، بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ وَ الْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسٰانَ لَفِي خُسْرٍ- إلى آخر السّورة- إِنَّ اللّٰهَ وَ مَلٰائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَ سَلِّمُوا تَسْلِيماً (4). اللّهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد و بارك على محمّد و آل محمّد- إلى أن قال:- اللّهمّ أعط محمّدا أشرف المقام و حباء السّلام و شفاعة الإسلام، اللّهمّ و ألحقنا به غير خزايا و لا ناكبين- إلى أن قال:- ثمّ جلس قليلا ثمّ قام فقال: الحمد للّه أحقّ من خشي و حمد و أفضل من اتّقي و عبد و أولى من عظّم و مجّد- إلى أن قال:- اللّهمّ اغفر لنا و للمؤمنين و المؤمنات، الأحياء منهم و الأموات الّذين توفّيتهم على دينك و ملّة نبيّك» (5).

____________

(1) النحل الآية 90.

(2)- البقرة الآية 201- من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 427 ح 1263.

(3) الأعراف الآية 204.

(4) الأحزاب الآية 56.

(5) الروضة من الكافي ح 194.

228

..........

____________

و يختم الخطبة من غير ذكر صلاة عليه (صلّى اللّه عليه و آله) بعد ذلك.

5- في الوسائل عن العلل و عيون الأخبار، عن الرّضا- (عليه السلام)- «قال:

إنّما جعلت الخطبة يوم الجمعة لأنّ الجمعة مشهد عامّ فأراد أن يكون للأمير سبب إلى موعظتهم و ترغيبهم في الطّاعة و ترهيبهم من المعصية، و توقيفهم على ما أراد من مصلحة دينهم و دنياهم، و يخبرهم بما ورد عليهم من الآفاق (و) من الأهوال الّتي لهم فيها المضرّة و المنفعة، و لا يكون الصّابر في الصّلاة منفصلا و ليس بفاعل غيره ممّن يؤمّ النّاس في غير يوم الجمعة، و إنّما جعلت خطبتين، ليكون واحدة للثّناء على اللّه و التمجيد و التقديس للّه عزّ و جلّ، و الأخرى للحوائج و الأعذار و الإنذار و الدّعاء، و لما يريد أن يعلمهم من أمره و نهيه ما فيه الصّلاح و الفساد» (1).

إذا تحقّق ذلك فنقول: هنا مسائل تأتي في طيّ نقل المتن، منها ما تقدّم من وجوب التحميد في الخطبتين، و قد مرّ أنّه نقل على ذلك الإجماع.

و يدلّ على ذلك موثّق سماعة المتقدّم (2) و الظّاهر أنّ قوله- (عليه السلام)- «ينبغي» راجع إلى لبس العمامة و البرد اليمنيّ أو العدنيّ، فإنّ قوله: «ينبغي للإمام الّذي يخطب» لا يكون المقصود منه بيان جميع ما يتعلّق بالخطبة من الشّرائط و الكيفيّات. و الشّاهد على ذلك خلوّ قوله: «يحمد اللّه» عن العاطف، فهو بحسب الظّاهر جملة مستقلّة، مع أنّ ظهور «ينبغي» في الأخبار في خصوص الاستحباب محلّ منع، بل يمكن دعوى أنّ الظّاهر منه، البعث الجامع بين الوجوب و الاستحباب، و البعث حجّة على الوجوب.

و أمّا دلالة باقي الرّوايات على وجوبه محلّ نظر، لأنّها إمّا في مقام تعليم الخطبة المعلوم عدم كون الخطبة الخاصّة من الواجبات، و إمّا في مقام نقل الخطبة. نعم‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 39 ح 6 من باب 25 من أبواب صلاة الجمعة و قد مرّ في ص 81 مع اختلاف يسير.

(2) في ص 224.

229

..........

____________

ما ورد فيها من البعث الخارج عن مقام تعليم الخطبة، يدلّ على الوجوب بحسب الظّاهر لو لا المعارض، كقوله (عليه السلام) في صحيح محمّد بن مسلم المتقدّم (1) «ثمّ اقرأ سورة من القرآن و ادع ربّك و صلّ على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و ادع للمؤمنين.».

و لا ينافي ما ذكر، قوله- (عليه السلام)- على ما في خبر العلل و العيون المتقدّم آنفا-: «و إنّما جعلت خطبتين ليكون واحدة للثّناء على اللّه و التمجيد و التّقديس للّه عزّ و جلّ، و الأخرى للحوائج و الأعذار و الإنذار و الدّعاء و لما يريد أن يعلمهم من أمره و نهيه ما فيه الصّلاح و الفساد».

و ذلك لأنّ الظاهر أنّه لم يقصد به بيان كيفيّة الخطبتين، بل لعلّ المقصود بيان الغرض الأصليّ من تشريعهما، فلا ينافي لزوم كون الخطبتين مفتتحتين بالحمد، خصوصا مع ما يقال من تقوّم الخطبة في الصّلاة عرفا بالحمد، بحيث لو لم يكن أمر بذلك لانصرف إليه، لاستنكار الخطبة في مقام التّعبّد خالية عن الحمد للّه تعالى، فحينئذ فالمفروض تحقّق الحمد في الخطبتين.

و ربّما يومئ إلى ذلك ما في العلل من أنّ الدّعاء للمؤمنين و المؤمنات و الدّعاء على الكفّار و الدّعاء لمحمّد و آله (صلوات اللّه عليهم) بالصّلاة و الرّحمة و التحنّن، و الدّعاء لجيوش المسلمين، يكون في الخطبة الثّانية. فما أشرنا إليه من خطبتي أمير المؤمنين و إن كان في الخطبة الأولى أيضا- فيما ذكره في روضة الكافي- دعاء، إلّا أنّ العمدة تكون في الثّانية. و كذا الكلام بالنّسبة إلى صحيح محمّد بن مسلم المتقدّم (2) فإنّ في الاولى ليس إلّا الأمر بالدّعاء لهم في الجملة، و في الثّانية هكذا: «ثمّ يدعو اللّه على عدوّه و يسأل لنفسه و أصحابه، ثمّ يرفعون أيديهم فيسألون اللّه حوائجهم كلّها، حتّى إذا فرغ من ذلك قال: اللّهمّ استجب لنا».

____________

(1) في ص 225.

(2) في ص 225.

230

و تتعيّن هذه اللّفظة (1)

____________

قال- (قدّس سرّه)- في الجواهر-: «إنّ في التذكرة: و يجب في كلّ خطبة منهما حمد اللّه تعالى، و يتعيّن «الحمد للّه» عند علمائنا أجمع [انتهى] و استدلّ بالتأسّي لأنّه (صلّى اللّه عليه و آله) داوم عليه، و بالاحتياط، و بقول الصّادق (عليه السلام): «يحمد اللّه» (1) ثمّ قال: إذا عرفت ذلك فهل يجزيه لو قال: الحمد للرّحمن، أو لربّ العالمين؟ [انتهى] و من ذلك يظهر أنّ مراده بمعقد الإجماع لفظ التحميد لا لفظ الجلالة» انتهى ملخّصا (2).

و يستدلّ على تعيّن لفظ «الحمد للّه» بما تقدّم من صحيح ابن مسلم (3)، و بما ورد في الخطب الأربع المتقدّم عن أمير المؤمنين و غيره (صلوات اللّه و سلامه عليهم أجمعين)، و بما تقدّم من نقل الإجماع عن التّذكرة.

و في الكلّ نظر: لأنّه ليس في نقل الخطبة و كذلك تعليمها دلالة على لزوم الألفاظ الخاصّة، كما هو واضح عند العرف، و إلّا كان اللازم الاقتصار على الخطب المأثورة و عدم التخطّي عنها، فلا يصحّ الاستدلال على التّعيّن بورود اللّفظ المذكور في خطبتي أمير المؤمنين، و بكونه مذكورا في الخطبة الّتي علّمها أبو جعفر (عليه السلام) على ما في صحيح ابن مسلم.

و أمّا الإجماع فلعلّ المقصود لزوم عنوان الحمد، و لذا استدلّ بقول الصّادق (عليه السلام): «يحمد اللّه» إذ لا يستفاد من الكلمة المذكورة لزوم قول «الحمد للّه».

و احتمال كون «يحمد اللّه» مشتقّا من لفظ «الحمد للّه» فيكون كالحوقلة من الألفاظ الحاكية عن الألفاظ، خلاف الظّاهر قطعا.

فالتّحقيق بحسب الأدلّة: لزوم عنوان الحمد و عدم كفاية ما يصدق عليه الحمل‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 38 ح 2 من باب 25 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) الجواهر ج 11 ص 208 و 209.

(3) في ص 225.

231

و [اشتمال كلّ واحدة منهما] على الصّلاة على رسول اللّه «ص» (1)

____________

بالحمل الشّائع، و ذلك لقوله (عليه السلام) في موثّق سماعة المتقدّم (1) «فيحمد اللّه و يثني عليه» فإنّ الحمد في قبال الثّناء ظاهر في نفس العنوان، و إلّا فالثّناء أيضا مصداق للحمد. فلو فرض لفظ مرادف للحمد في العربيّة لكان مقتضى ذلك كفايته، كما أنّه لو فرض عدم لزوم العربيّة لكان مقتضى ذلك كفاية ما يرادفه في سائر اللّغات.

و الظّاهر أنّه لا دليل على لزوم لفظ الجلالة لصدق «يحمد اللّه» على من حمده تعالى، لأنّ الظّاهر أنّ اللّفظ حاك عن المعنى، و ليست القضيّة لفظيّة، و كون المقصود هو المعنى و اللّفظ الخاصّ- على فرض إمكانه- خلاف الظّاهر قطعا، إلّا أنّ الأولى و الأحوط الإتيان بكلمة «الحمد للّه». و اللّه أعلم.

قال- (قدّس سرّه)- في الجواهر ما ملخّصه: «لا يبعد اعتبار الثّناء زيادة على ذلك، كما في موثّق سماعة و صحيح ابن مسلم و خطبتي أمير المؤمنين (عليه السلام) و معقد إجماع الخلاف و الغنية و ظاهر كشف الحقّ. و احتمال كون العطف في موثّق سماعة في الموضعين تفسيرا لما سبق، لا يخلو عن بعد» (2).

أقول: ما ذكره لا يخلو عن جودة، فالأقرب أو الأحوط هو الثّناء عليه تعالى في الخطبتين زيادة على الحمد و لو بأن يكون بالشّهادة له تعالى على التّوحيد، كما في بعض خطب أمير المؤمنين- عليه الصلاة و السّلام.

قال في الجواهر: «و أمّا الصّلاة على النبيّ و آله (عليهم السلام) فخيرة الأكثر- نقلا و تحصيلا- وجوبها، بل هو معقد إجماع الخلاف و الغنية و التّذكرة و غيرها، بل لا خلاف فيه فيما أجد في الثّانية. نعم خيرة المصنّف في النّافع و المعتبر و المحكيّ عن السيّد و موضع من السّرائر: عدم وجوبها في الاولى» (3).

____________

(1) في ص 224.

(2) الجواهر ج 11 ص 209.

(3) الجواهر ج 11 ص 209.

232

و آله (عليهم السلام) (1)

____________

أقول: قد يشكل وجوبها مطلقا:

أمّا في الخطبة الأولى: فلخلوّ موثّق سماعة المتقدّم (1) الوارد في بيان كيفيّة الخطبة، الحاكم بالصّلاة على النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) في الخطبة الثانية.

و أمّا في الثانية: فلخلوّ الثانية عنها- على ما يقال- فيما نقله في روضة الكافي.

لكن مقتضى الدّليل: هو اللّزوم في الثّانية لموثّق سماعة- و لا يعارضه المنقول عن روضة الكافي، لما فيه من عدم صحّة سنده كما لا يخفى. و لاحتمال الاكتفاء في ذلك بقوله (عليه السلام): «و ملّة نبيّك» بذكر الصّلاة عليه بعد ذلك، و عدم اللّزوم في الأولى لخلوّ الموثّق عنه مع كونه في مقام البيان.

و كونها في الأولى أيضا في غير واحد من الخطيب أو الأمر بها في صحيح ابن مسلم لا يدلّ على الوجوب، أمّا الأوّل: فواضح، و أمّا الثّاني: فلأنّه بعد فرض تقدّم الصّلاة عليه لا يكون إعادته إلّا على وجه الاستحباب بالاتّفاق، لعدم معهوديّة القول بوجوب الصّلاة في الأولى مرّتين بين المسلمين. إلّا أنّ الأحوط الأولى هو الصّلاة عليه و على آله في الخطبتين مكرّرا، كما في الصحيح بالنّسبة إلى الاولى و في بعض الخطب في الثانية.

لم يفصّل أحد بين الصّلاة عليه و على آله فيما أعلم، و لعلّه لوضوح المسألة عندهم، و أنّه كلّ ما يجب الصّلاة عليه يجب أن يكون معقّبا بالصّلاة على آله. لكن صحيح ابن مسلم في مقام الصّلوات على أئمّة المسلمين واحدا بعد واحد خال عن التعقّب بالصّلاة على الآل بنحو الإجمال. و مقتضاه أنّ التّفصيل يغني عن الإجمال و إن كان الإجمال أعمّ، لشموله لمثل فاطمة- (عليها السلام). فلعلّ الظّاهر أنّه لا بدّ من التعقّب بالآل إذا خلى عن التّفصيل و عدم لزوم الآل إذا كان متعقّبا‌

____________

(1) في ص 224

233

و يتعيّن لفظ الصّلاة (1) و [اشتمال كلّ واحدة منهما على] الوعظ (2)

____________

بالتفصيل و هو الّذي يومئ إليه موثّق سماعة حيث قال (عليه السلام): «و يصلّي على محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و على أئمّة المسلمين». لكن الأحوط ذكر الآل، بمعنى عدم خلوّ الخطبة عن الصّلاة عليهم و إن ذكر أئمّة المسلمين أيضا على نحو التّفصيل.

ثمّ إنّ مقتضى موثّق سماعة هو الصّلاة على أئمّة المسلمين، و لعلّ الظّاهر منه التفصيل. و صحيح محمّد بن مسلم صريح في الأمر بالتّفصيل، لقوله (عليه السلام):

«ثمّ تسمّي الأئمّة حتّى تنتهي إلى صاحبك» و لا ريب أنّه أحوط إن لم يكن أقوى فلا يترك ذلك قطعا في الخطبة الثّانية.

قد صرّح بذلك في الرّوضة (1) و جامع المقاصد (2). و لعلّه لانصراف العنوان المذكور في الرّوايات إلى الفرد المتعارف، و المتعارف بين المسلمين هو الصّلاة عليه و على آله بتلك المادّة. أو لعلّه من جهة أنّ الصّلاة المأمور بها- في غير واحد من الأخبار المتقدّمة- هو التّلفّظ باللّفظ المذكور، كما في البسملة و الحوقلة.

و في كلا الوجهين خصوصا في الأخير نظر و إشكال لا يخفى، إلّا أنّه لا يترك الاحتياط بإتيان اللّفظ المذكور كما في المتن المأخوذ من القواعد.

قال- (قدّس سرّه)- في الجواهر: «فوجوبه خيرة الأكثر نقلا و تحصيلا، بل هو من معقد إجماع الخلاف و الغنية و ظاهر كشف الحقّ» (3).

أقول: يدلّ على وجوب الوعظ في الجملة في الخطبة الأولى، موثّق سماعة المتقدّم (4) و قد اتّفق في ذلك جميع ما تقدّم من صحيح ابن مسلم و خطبتي أمير المؤمنين فلا معارض له، بل يكون مؤيّدا بما أشير إليه.

____________

(1) كتاب الصّلاة الفصل السادس في بقيّة الصّلوات.

(2) ج 1 ص 146 المقصد الثالث في بقيّة الصّلوات.

(3) ج 11 ص 210.

(4) في ص 224.

234

..........

____________

نعم يمكن أن يتوهّم معارضته بما تقدّم عن العلل (1) من قوله (عليه السلام):

«ليكون واحدة للثّناء و التمجيد و التّقديس للّه عزّ و جلّ و الأخرى للحوائج و الأعذار و الإنذار». و لكن تقدّم الجواب عن ذلك في البحث عن وجوب التحميد من أنّ ما في الخبر يكون موردا للغرض الأصليّ، فلا ينافي وجوب أمور أخر. مضافا إلى إمكان أن يقال: إنّه غير دالّ على أنّ الثاني للأعذار و الإنذار و الأوّل للتّحميد، فيمكن أن يكون الأوّل للأعذار و الإنذار و الثّاني للتّحميد. فتأمّل. و الظّاهر، أنّه لم يظهر خلاف من أحد في ذلك.

و أمّا الخطبة الثّانية: ففي وجوب الوعظ فيها إشكال، من خلوّ موثّق سماعة المتقدّم (2)- مع كونه في مقام البيان- عن وجوبه في الثّانية، و خلوّ الثّانية من خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) المنقولة عن روضة الكافي، و قد تقدّم شطر منها (3). مضافا إلى عدم ما يدلّ على وجوبه في الثّانية، ما مرّ من أنّ نقل الخطبة أو تعليمها لا يدلّ على الوجوب قطعا، و من أنّه- كما عرفت- ظاهر بعض معاقد الإجماعات.

لكن لعلّ الأصحّ عدم الوجوب، لقوّة احتمال كون مورد الإجماع أصل لزوم الوعظ في الخطبتين في الجملة من دون أن يكون المقصود وجوبه في كلّ منهما.

و الأحوط الّذي لا يترك إن لم يكن أقوى أن يكون الوعظ مشتملا على الإيصاء بالتّقوى لورود ذلك في موثّق سماعة و جميع ما تقدّم- من الصّحيح و الخطبتين- في الأولى الّتي قد عرفت وجوبه فيها. و إن ترك ذلك فلا يترك ملاحظة كون الوعظ متعلّقا بما يرجع إليه تعالى من الإيصاء بتقواه أو التنبيه على أطاعته أو تذكّر نعمائه.

بل لو فرض الوعظ في الثّانية فالأحوط أن يكون مشتملا على الإيصاء بالتّقوى، و لو بأن يكون العنوان المذكور صادقا عليه بالحمل الشائع، كأن يقول: إنّ اللّه ينهى عن الفحشاء و المنكر و البغي.

____________

(1) في ص 228.

(2) في ص 224.

(3) في ص 227.

235

..........

____________

فرع نقل في الجواهر (1) عن المدارك أنّ الأقرب هو الاجتزاء بالوعظ و التّحميد بذكر الآية المشتملة عليهما، لكن قوّى عدم الاجتزاء لأصالة عدم التّداخل.

أقول:

إن كان المفروض قراءة ما يجب عليه من القرآن بعنوان الموعظة، فيأتي بسورة خفيفة بعنوان القرآن و الموعظة، كسورة «و العصر» مثلا، فهو خلاف ظاهر موثّق سماعة: في «يحمد اللّه ثمّ يوصي بتقوى اللّه و يقرأ سورة من القرآن» و إن كان الأصل هو التّداخل كما هو الظّاهر.

و إن كان المفروض هو التّحميد أو الموعظة بالقرآن و قراءة السّورة بعد ذلك، فالظّاهر أنّه لا إشكال في ذلك إذا أريد الموعظة بالألفاظ القرآنيّة، كما هو الظّاهر من خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) المنقولة في الفقيه (2) و فيها: «إنّ أحسن الحديث و أبلغ الموعظة كتاب اللّه عزّ و جلّ: أعوذ باللّه من الشيطان الرّجيم، إنّ اللّه هو الفتّاح العليم، بسم اللّه الرّحمن الرّحيم. ثمّ يبدأ بعد الحمد ب‍ «قل هو اللّه أحد» أو ب‍ «قل يا أيّها الكافرون» أو ب‍ «إذا زلزلت».

و إشكال الجمع بين قصد القرآنيّة المبنيّ على حكاية الألفاظ عن الألفاظ النّازلة على محمّد- (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)-، و قصد الموعظة المبنيّ على حكاية الألفاظ عن المعنى، مندفع:

أوّلا: بعدم امتناع استعمال اللّفظ في المعنيين و لو كان الاستعمال هو الحكاية و الإفناء، و قد حقّقناه في كتابنا مباني الأحكام.

و ثانيا: بأنّه يمكن أن يكون الألفاظ المذكورة حاكية عن الألفاظ الخاصّة‌

____________

(1) ج 11 ص 211.

(2) من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 427 ح 1263.

236

و قراءة سورة (1)

____________

القرآنيّة، و يقصد من تلك الألفاظ الخاصّة الّتي هي المعنى، معناه الّذي هو الموعظة أو التّحميد.

و ثالثا: بأنّه يمكن أن يقصد الألفاظ القرآنيّة، و يقصد حصول الوعظ بتوجّه النّاس إلى المعاني القرآنيّة، من دون أن يستعملها الخطيب في ذلك.

و لا يخفى أنّ الجواب الأخير غير واضح بالنّسبة إلى الحمد الّذي لا بدّ أن يكون إنشاء نفس الخطيب.

قال (قدّس سرّه) في الجواهر: «الوجوب فيهما هو المشهور بين الأصحاب، و عن ظاهر الكافي و الإشارة: عدم وجوب قراءة القرآن أصلا. و يحتمل أن يكون مقصودهما عدم كون القرآن داخلا في الخطبة، بل يكون بنفسه واجبا مستقلّا في قبال الخطبة. و عن ابن سعيد ما يظهر منه انّ الجلسة و السّورة الخفيفة تكونان فصلا بين الخطبتين. و يظهر من المحقّق في المعتبر وجوبها في الخطبة الأولى دون الثّانية، و عن بعضهم قراءة ما تيسّر من القرآن، و في جامع المقاصد و غيره: انّ الشّيخ- (قدّس سرّه)- في الخلاف و أكثر المتأخّرين اختاروا الاجتزاء بالآية التامّة. انتهى ملخّصا (1).

أقول: الظّاهر من الأدلة الواردة في هذا الباب لزوم السّورة عقيب الخطبة الاولى، و عدم لزوم شي‌ء من القرآن في الثّانية.

و يدلّ على الأمرين قوله في موثّق سماعة المتقدّم (2): «و يقرأ سورة من القرآن صغيرة ثمّ يجلس ثمّ يقوم فيحمد اللّه و يثني عليه و يصلّي على محمّد (صلّى اللّه عليه و آله) و على أئمّة المسلمين و يستغفر للمؤمنين و المؤمنات، فإذا فرغ من هذا أقام المؤذّن» و لا ريب في وضوح دلالته على لأمرين: عدم وجوب شي‌ء من القرآن في الثّانية، و وجوب السّورة التامّة في الأولى.

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 211 الى 214.

(2) في ص 224.

237

..........

____________

و في صحيح محمّد بن مسلم المتقدّم (1) الأمر بقراءة سورة من القرآن في الاولى، و أن يكون آخر كلامه في الثانية «إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسٰانِ(2).

و في خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) المنقولة في الفقيه المتقدّمة (3): «ثمّ يبدأ بعد «الحمد»- الظّاهر في كون المقصود هو الحمد الّذي في الخطبة لا سورة الحمد- ب‍ «قل هو اللّه أحد»، أو ب‍ «قل يا أيّها الكافرون»، أو ب‍ «إذا زلزلت الأرض زلزالها»، أو ب‍ «إلهكم التّكاثر»، أو ب‍ «و العصر»، و كان ممّا يدوم عليه قل هو اللّه أحد، ثمّ يجلس جلسة خفيفة». و الخطبة الثّانية خالية عن السّورة، و قرأ في آخرها: «إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ.» و «رَبَّنٰا آتِنٰا فِي الدُّنْيٰا حَسَنَةً.».

و أمّا الخطبة المنقولة عنه (عليه السلام) في روضة الكافي المتقدّمة (4) فالخطبة الأولى منهما مشتملة على سورة «و العصر» و الثّانية خالية عن القرآن. فالكلّ متّفق على السّورة التّامّة في الاولى و على عدم السّورة في الثّانية.

و أمّا الآية في الثّانية فقد عرفت أنّ مقتضى الموثّق الساكت عن ذلك في مقام البيان، و صريح الخطبة المنقولة في الرّوضة، عدم وجوبها. و ما في الصّحيح و في الخطبة المنقولة عن الفقيه لا يدلّ على الوجوب.

ثمّ لا يخفى أنّ مقتضى غير واحد من كلمات الأصحاب ذلك، ففي الجواهر عن الغنية: «صعد المنبر فخطب خطبتين مقصورتين على حمد اللّه سبحانه و الثّناء عليه و الصّلاة على محمّد و آله (صلوات اللّه عليهم)، و الوعظ و الزّجر، يفصل بينهما بجلسة و يقرأ سورة خفيفة من القرآن- إلى أن قال:- كلّ ذلك بدليل الإجماع» (5) فإنّ ذكر السّورة بعد الفصل بالجلسة ظاهر أو صريح في أنّها ليست من مقوّمات الخطبة حتّى تجب في الثّانية أيضا، بل هي واجبة بين الخطبتين. و مثلها عبارة النّهاية (6) و أصرح‌

____________

(1) في ص 225.

(2) النحل الآية 90.

(3) في ص 226.

(4) في ص 227.

(5) الجواهر ج 11 ص 212.

(6) الجواهر ج 11 ص 212.

238

خفيفة (1)

____________

من ذلك ما نقله عن الاقتصاد (1) حيث إنّ فيها «و قراءة سورة خفيفة من القرآن بين الخطبتين» و قال- قدّس سرّة- بعد ذلك: «و نحو ذلك في البينيّة المحكيّ عن الإصباح أيضا» (2) و نقل عن ابن سعيد: «و أن يخطب خطبتين قائما- إلّا من عذر- متطهّرا، فاصلا بينهما بجلسة و سورة خفيفتين.» (3).

فالمسألة واضحة بحمد اللّه تعالى من حيث النصّ و الفتوى. و محصّلها وجوب السّورة التّامّة في آخر الخطبة الأولى تقريبا، و عدم وجوب شي‌ء من القرآن في الثّانية، و يستحبّ فيها قراءة آية كاملة، بل يمكن أن يقال باستحباب خصوص آية «إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسٰانِ» للأمر بذلك في صحيح ابن مسلم المتقدّم (4) و لعلّه من باب أنّه جمع بين القرآن و الموعظة.

لما تقدّم في الموثّق (5) و فيه: «و يقرأ سورة من القرآن صغيرة» المؤيّد بما نقل في خطبتي أمير المؤمنين (عليه السلام) من قراءة سورة «و العصر» أو «قل هو اللّه أحد» أو غير ذلك مما مرّ (6) و لم ينقل قراءة السّور الطّوال من أحد من أئمّة الدّين أو الخلفاء المدّعين.

و لكن يمكن أن يقال: إنّ مقتضى إطلاق صحيح محمّد بن مسلم المتقدّم (7) جواز قراءة السّورة الطّويلة أيضا، فالأمر يدور بين الأخذ بإطلاقه و حمل الموثّق على نفي وجوب الزّائد، و أنّ مقدار الواجب ليس إلّا السّورة الصّغيرة، أو الأخذ بظهور الموثّق في تعلّق الإيجاب بخصوص الصّغيرة و التقييد في الصّحيح. و لا ريب أنّ الأوّل أولى بنظر العرف.

هذا إذا سلّمنا ظهور الموثّق في الإيجاب و أنّه لا بدّ من الصّغيرة، و أمّا لو منعناه‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 212.

(2) الجواهر ج 11 ص 212.

(3) الجواهر ج 11 ص 213.

(4) في ص 225.

(5) في ص 224

(6) في ص 226.

(7) في ص 225

239

..........

____________

- إذا تناسب الموضوع لإيجاب الصّغيرة من جهة حفظ الموالاة و ملاحظة النّاس المجتمعين من أطراف البلاد، لا يوجب عدم تناسبه لرفع الإيجاب أيضا- فالموضوع مناسب للأمرين، و مع ذلك فلا يطمأنّ بظهور اللّفظ في التقييد على نحو الإيجاب، فإطلاق الصحيح محكّم بحسب الظّاهر.

و لكن لا يترك الاحتياط بقراءة خصوص القصيرة، خصوصا مع ملاحظة التأسّي بالمولى أمير المؤمنين (عليه السلام)، مع احتمال عدم الإطلاق للصّحيح، من جهة تعارف السّورة القصيرة في عصر الصّدور بحيث لعلّه لم يكن يخطر بالبال قراءة سورة البقرة مثلا في آخر الخطبة. و لكن مع ذلك إطلاق الصّحيح حجّة لمن يقرأ السّورة الطّويلة، من دون معارضته بظهور أقوى.

و المحصّل ممّا ذكرناه إلى هنا في كيفيّة الخطبة أمور:

الأوّل: لزوم التّحميد في الخطبتين بالعنوان الأوّليّ، فيكفي ما يرادف كلمة «الحمد» و لا يكفي الثّناء بأمور أخر. و لا يلزم أن يؤتى بلفظ الجلالة، بل يكفي غيره من أسمائه الحسنى. و لكن الأحوط الاقتصار على مادّة الحمد متعلّقة بلفظ الجلالة.

الثّاني: لزوم الثّناء زيادة على الحمد في الخطبتين.

الثّالث: لزوم الصّلاة على أئمّة المسلمين في الخطبة الثّانية بعد الصّلاة على النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و الأقرب أن يكون بالتفصيل لا بنحو الإجمال.

الرّابع: عدم لزوم الصّلاة في الأولى أصلا، و إن كان الأحوط الّذي لا يترك هو الصّلاة عليه و على آله في الخطبتين.

الخامس: لزوم الوعظ في الخطبة الاولى- و الأحوط الّذي لا يترك أن يكون مشتملا على الإيصاء بتقوى اللّه تعالى، و لو بما يصدق عليه ذلك العنوان بالصّدق الشّائع، كالنّهي عن الفحشاء و المنكر و البغي من باب الاجتناب عمّا نهي عنه، لا من باب أنّها قبيحة بالذّات- و عدم لزومه في الثّانية، و إن كان الأحوط الّذي لا يترك هو الوعظ في الثّانية أيضا.

240

..........

____________

السّادس: أنّه يصحّ أن يكون الوعظ بالقرآن بغير السّورة الواجبة في الخطبة، و كذا التّحميد، إن قصد بذلك أيضا إنشائه.

السّابع: لزوم قراءة سورة تامّة- و الأحوط أن تكون قصيرة- في أواخر الخطبة الاولى، و عدم لزوم شي‌ء من القرآن في الخطبة الثّانية. و يستحبّ فيها شي‌ء من القرآن، و الأولى قراءة آية «إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسٰانِ.».

ثمّ إنّ الأقرب الأحوط، هو وجوب الدّعاء للمؤمنين و المؤمنات في الثّانية بالغفران أو غيره. و يدلّ على ذلك في الجملة موثّق سماعة المتقدّم (1) و الجمع بينه و بين صحيح محمّد بن مسلم المتقدّم (2) يقتضي الاكتفاء بمطلق الدّعاء لهم، و لعلّ الأفضل هو الاستغفار، لوروده في الموثّق و خطبتي أمير المؤمنين (عليه السلام).

و ليكن ذلك: ثامن الأمور الّتي لا بدّ من مراعاتها في الخطبة، و إن لم نتعرّض له في ما مضى.

مسألتان الأولى: قال- (قدّس سرّه)- في الجواهر: «و المشهور كما عن الذّخيرة، اعتبار عربيّتهما، و في المدارك: منع أكثر الأصحاب من إجزاء الخطبة بغير العربيّة، للتأسّي. و هو حسن [انتهى]. قلت: قد يفرّق فيهما بين الحمد و الصّلاة و بين الوعظ، فيجوز بغيرها اختيارا مع فهم العدد، بخلافهما لظهور الأدلّة في إرادة اللّفظ فيهما و المعنى فيه.» (3).

أقول: قد مرّ أنّه لا دليل على لزوم اللّفظ الخاصّ، بل لا بدّ أن يكون الخطبة مشتملة على عنوان الحمد في قبال الثّناء فيكفي على الظّاهر لفظ «ستايش» في الفارسيّة المعمولة في عصرنا بالنّسبة إلى الحمد و لفظ «درود» بدلا عن الصّلاة و إن‌

____________

(1) في ص 224 و 225.

(2) في ص 224 و 225.

(3) الجواهر ج 11 ص 216.

241

..........

____________

كان ترادفه معها غير واضح، فالأحوط هو الجمع بين الصّلاة و ما ذكر من الفارسيّة إذا كان العدد كلّهم فارسيّين.

و كيف كان، لا دليل على لزوم العربيّة- حتّى فيما إذا كان العدد كلّهم عارفين بالعربيّة- إذا كانوا يفهمون غيرها. و ما ذكر من التأسّي لا يكون دليلا فيما يكون جاريا على مجرى العادة، و إلّا للزم على كلّ مسلم التّكلّم بالعربيّة في جميع شؤونه. بل لعلّ التأسّي يقتضي التكلّم بلسان القوم، لأنّه- (عليه السلام)- خطب بلسان القوم. فعلى الخطيب أن يخاطب في البلاد الغير العربيّة بلسانهم.

و تفصيل الكلام في المقام أنّ للمسألة شقوق:

1- أن يكون العدد عربيّا و لا يفهمون غير العربيّة، و الظّاهر في هذا الشّقّ وجوب العربيّة مطلقا حتّى بالنّسبة إلى التّحميد و الصّلاة، لأنّ الظّاهر من مثل صحيح زرارة المتقدّم (1) قوله «خطبهم» هو إضافة الخطبة إلى العدد، و المحقّق للإضافة المزبورة ليس إلّا صلاحيّة إدراك معانيها، مضافا إلى أنّ إطلاق الخطبة للخطبة التّركيّة المقروّة في القوم العربيّ المحض الّذي لا يفهمون غيرها غير شامل على الظّاهر.

2- أن يكون العدد عربيّا و لكن يفهمون الفارسيّة مثلا، و الظّاهر في المقام عدم لزوم العربيّة لصدق الخطبة و الإضافة، و إن كان الأحوط هو العربيّة، لاحتمال انصراف الخطبة خصوصا مع مراعاة الإضافة إلى المعمول بين النّاس في الخطبات، و المعمول هو إلقاء الخطبة في كلّ قوم بلسانهم، إلّا أن يكون الخطيب عاجزا عن ذلك، فيتوسّط في البين من يكون مترجما لكلامه، بل لا يترك الاحتياط، بل لعلّه أقرب لقوّة الانصراف المذكور، و إن لم يكن الانصراف إلى الفرد المتعارف من الكبريات الكلّيّة، إلّا أنّ المناسبة بين الخطبة الّتي للتّفهيم و لسان القوم الّذي أقرب‌

____________

(1) في ص 223.

242

و الأقرب عدم اشتراط الطّهارة (1)

____________

لذلك بضمّ التّعارف، تقتضي الانصراف. و اللّه العالم.

3- أن يكون العدد من قوم آخر و لكن يفهمون العربيّة، و لا ريب أنّ مقتضى ما تقدّم في الشّقّ السّابق هو أن يكون الخطبة بلسانهم حتّى الحمد و الصّلاة و الدّعاء، و الأحوط الجمع بينهما، لاحتمال لزوم كونها عربيّة، و لو من جهة فتوى بعض الفقهاء، لكنّ الاقتصار على العربيّة في الفرض المذكور خلاف الاحتياط قطعا.

4- أن لا يكون العدد ممّن يفهمون العربيّة، فيتعيّن حينئذ أن يكون الخطبتان بلسانهم. و الأحوط هو الجمع أيضا كما لا يخفى.

الثّانية: قال- (قدّس سرّه)- في الجواهر: «و أمّا ترتيب بعض أجزاء الخطبة بتقديم الحمد ثمّ الصّلاة ثمّ الوعظ ثمّ القرآن، ففي الذكرى و غيرها وجوبه، بل عن بعضهم نسبته إلى المشهور» (1).

أقول: ظاهر قوله في موثّق سماعة المتقدّم (2): «ثمّ يوصي بتقوى اللّه و يقرأ سورة من القرآن» هو لزوم تأخّر الوعظ و القراءة عن الحمد و الثّناء. كما أنّ ظاهر قوله في رواية محمّد بن مسلم المتقدّم (3): «ثمّ اقرأ سورة من القرآن» لزوم تأخير السّورة عن الوعظ أيضا. فمحصّل المستفاد من المعتبرين هو الترتيب بين الوعظ و الحمد و الثّناء، و الترتيب بين الوعظ و القراءة. هذا في الخطبة الاولى. و أمّا الثّانية فظاهر الصّحيح تأخّر الصلاة على الأئمّة (عليهم السلام) عن الحمد و الموعظة، و تأخّر الدّعاء للمؤمنين عنها، و تأخّر القرآن عن الجميع، لقوله (عليه السلام): «و ليكن آخر كلامه أن يقول:

إنّ اللّه يأمر بالعدل و الإحسان.».

كما أفتى به في الشّرائع أيضا، و نقله في الجواهر عن النّافع و المعتبر وفاقا للسّرائر و كشف الرّموز و المختلف و التّبصرة و الذّخيرة و الشّافعية، و ظاهر تركه في‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 217.

(2) في ص 224 و 225.

(3) في ص 224 و 225.

243

..........

____________

النّهاية و الجملين و الغنية و الإشارة و المراسم، على ما حكي عن بعضها (1) و عن بعضهم اعتبار الطّهارة (2)- و المقصود طهارة الخطيب- و أمّا المأمومون، فقد صرّح الشّهيد الثّاني في المحكيّ عنه تارة بأنّ ظاهر الأصحاب أنّها مخصوصة بالخطيب دون المأمومين و اخرى بأنّه لم أقف على قائل بوجوبها على المأموم (3).

و عمدة ما يستدلّ به على الاشتراط بها ما يدلّ على بدليّة الخطبتين عن الرّكعتين كصحيح عبد اللّه بن سنان و فيه: «إنّما جعلت الجمعة ركعتين، من أجل الخطبتين فهي صلاة حتّى ينزل الإمام» (4). و مرسل الفقيه و فيه: و قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «لا كلام و الإمام يخطب، و لا التفات إلّا كما يحلّ في الصّلاة، و إنّما جعلت الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين، جعلتا مكان الرّكعتين الأخيرتين، فهي صلاة حتّى ينزل الإمام» (5).

قال- (قدّس سرّه)- في الجواهر: «و رواه في كشف اللثام: فهما صلاة» (6) و في الوسائل أيضا عن الفقيه و المقنع: «فهما صلاة» (7) و ما في المستدرك عن الدّعائم عن جعفر بن محمّد- (عليهما السلام)- «أنّه قال: إنّما جعلت الخطبة عوضا عن الرّكعتين اللّتين أسقطتا من صلاة الظّهر، فهي كالصّلاة، لا يحلّ فيها إلّا ما يحلّ في الصّلاة» (8). و خبره الآخر المنقول صدره في المستدرك عن عليّ- (عليه السلام)- أنّه قال: «يستقبل النّاس الإمام عند الخطبة بوجوههم و يصغون إليه» (9) «و لا‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 235.

(2) الجواهر ج 11 ص 239.

(3) الجواهر ج 11 ص 237.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 15 ح 4 من باب 6 من أبواب صلاة الجمعة.

(5) من لا يحضره الفقيه ج 1 ص 416 ح 1230 وسائل الشيعة ج 5 ص 29 ح 2 من باب 14 من أبواب صلاة الجمعة.

(6) الجواهر ج 11 ص 235.

(7) وسائل الشيعة ج 5 ص 29 ح 2 من باب 14 من أبواب صلاة الجمعة.

(8) مستدرك الوسائل ج 1 ص 408 ح 2 من باب 6 من أبواب صلاة الجمعة.

(9) مستدرك الوسائل ج 1 ص 409 ح 5 من باب 12 من أبواب صلاة الجمعة.

244

..........

____________

يتكلّمون بل يستمعون فهم في الصّلاة» (1).

لكن فيه أوّلا: أنّ التنزيل ليس في جميع الأحكام و الأجزاء و الشّرائط، لأنّه لا يكون حينئذ خطبة، و لأنّه مستلزم لتخصيص الأكثر، بل القدر المتيقّن من مفاده هو التنزيل بالنّسبة إلى ما يترتّب على الصّلاة من الآثار بعد الوجود. فالخطبة المتحقّقة خارجا بما لها من الأجزاء و الشّرائط منزّلة منزلة الصّلاة المتحقّقة في الخارج بما لها من الأجزاء و الشّرائط، فلا يحلّ فيها الكلام، و لا الاستدبار، و لا القهقهة، و لا غير ذلك من القواطع.

و ثانيا: أنّه لا يستفاد من الصّحيح- بقرينة التّفريع على جعل الجمعة ركعتين من أجل الخطبتين- إلّا وجوبهما و كونهما امتثالا للأمر الوجوبيّ كالرّكعتين، فلا يحلّ تركهما و أمّا مرسل الفقيه و الخبر الثّاني المنقول عن الدّعائم، فحيث إنّ مفاد هما أنّهما صلاة بالنّسبة إلى المستمعين أيضا- من جهة ترتيب عدم الكلام و عدم الالتفات على التّنزيل بالصّلاة- فهما مخالف للمقطوع بين الأصحاب من عدم لزوم مراعاة الطّهارة على المستمعين، و مخالف لظاهر قوله (عليه السلام) في خبر العلل: «و لأنّ الإمام يحبسهم للخطبة و هم منتظرون للصّلاة، و من انتظر الصّلاة فهو في الصّلاة».

الحديث (2) فإنّه كالصّريح في أنّ كونهم في الصّلاة من جهة انتظار الصّلاة، لا من باب لزوم مراعاة شرائط الصّلاة و موانعها. فتأمّل.

و أمّا الخبر الأوّل المنقول عن المستدرك عن الدّعائم- فمضافا إلى ضعف السّند- ليس ظاهرا في أنّها كالصّلاة من حيث لزوم مراعاة شرائطها فيهما، بل الظّاهر أنّهما مثلها في مراعاة ترك ما لا يحلّ فيها. و قد مرّ بعض الكلام في ذلك في بحث النيّة، فراجع و تأمّل.

____________

(1) ذيله منقول عن الجواهر ج 11 ص 236 و في التعليق عليه أنّه في الدعائم ج 1 ص 220 طبع مصر، عام 1370.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 15 ح 3 من باب 6 من أبواب صلاة الجمعة.

245

و عدم وجوب الإصغاء إليه (1) و انتقاء تحريم الكلام (2)

____________

كما عن الشيخ (قدّس سرّه) و المحقّق في المعتبر، حكاه في جامع المقاصد لكن نسب إلى الأكثر وجوبه (1).

و الظّاهر هو الأوّل، لعدم الدّليل على ذلك- و لو قلنا بحرمة التكلّم- إذ لا تلازم بينهما كما هو واضح و الاستدلال عليه بأنّ الغرض من الخطبة لا يحصل إلّا بالإصغاء فيكون واجبا، مردود بإمكان كون الغرض حصول السّماع قهرا لغير واحد من الحاضرين. و هو حاصل نوعا من غير استلزام ذلك لإيجاب الإصغاء.

و ما تقدّم آنفا من خبر الدّعائم- المشتمل على البعث إلى الإصغاء- ضعيف السّند و لم أر أحدا من الأصحاب أتّكل في القول بالوجوب إليه، مضافا إلى أنّ قوله بعد ذلك «فهم في الصّلاة» قرينة على عدم الوجوب، إذ الظّاهر أنّهم لا يوجبون الإصغاء على المأموم في صلاة الجماعة إذا كانت الصّلاة جهريّة كما هو المستفاد من العروة و تعليقاتها.

نقله في الحدائق عن الشّيخ في المبسوط و موضع من الخلاف، و المحقّق، و الفاضل الخراسانيّ في الذخيرة، و نسب- (قدّس سرّه)- القول بالتّحريم إلى المشهور (2) و قال في آخر كلامه: «و لا فرق في تحريم الكلام بين الإمام و المأموم، و ربّما فرّق بينهما و خصّ التحريم بغير الإمام، لتكلّم النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) حال الخطبة. ثمّ ردّه بأنّ ذلك إنّما هو من طريق العامّة و ليس في أخبارنا». انتهى ملخّصا (3).

أقول: ما يستدلّ على تحريم الكلام في أثناء الخطبة في الجملة، أمور:

الأوّل: ما تقدّم آنفا من مرسل الفقيه المحكوم بحجّيّته، خصوصا إذا كان‌

____________

(1) جامع المقاصد ج 1 ص 147 «صلاة الجمعة».

(2) الحدائق ج 10 ص 96.

(3) الحدائق ج 10 ص 101.

246

..........

____________

مسندا إلى الإمام- (عليه السلام)- بنحو الجزم.

الثّاني: صحيح محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- «قال: إذا خطب الإمام يوم الجمعة، فلا ينبغي لأحد أن يتكلّم حتّى يفرغ الإمام من خطبته، فإذا فرغ الإمام من الخطبتين تكلّم ما بينه و بين أن يقام للصّلاة فإن سمع القراءة أو لم يسمع أجزأه» (1) و لا يخفى عدم دلالته على الحرمة لمكان «ينبغي» و لوحدته سياقا مع النّهى عن التّكلّم حين الإقامة، مع أنّه مكروه على الظّاهر، لكنّه لا ينافي ما دلّ على الحرمة.

الثّالث: خبره الآخر- الّذي رواه العلاء عنه كما أنّ سابقه أيضا كذلك- عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال: لا بأس أن يتكلّم الرّجل إذا فرغ الإمام من الخطبة يوم الجمعة، ما بينه و بين أن يقام الصّلاة. و إن سمع القراءة أو لم يسمع، أجزأه» (2) و الظّاهر كون الرّوايتين واحدة كما لا يخفى، و قد مرّ عدم الدلالة في الأولى.

الرّابع: ما في حديث المناهي من نهيه (صلّى اللّه عليه و آله) عن الكلام يوم الجمعة و الإمام يخطب (3).

الخامس: حديث أبي البختريّ «أنّ عليّا- (عليه السلام)- قال: يكره الكلام يوم الجمعة و الإمام يخطب» الحديث (4). و عنه أيضا: «أنّ عليّا- (عليه السلام)- كان يكره ردّ السّلام و الإمام يخطب» (5).

السّادس: ما ورد في النّهي عن الصّلاة و الإمام يخطب (6).

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 29 ح 1 من باب 14 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 29 ح 3 من باب 14 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 30 ح 4 من باب 14 من أبواب صلاة الجمعة.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 30 ح 5 من باب 14 من أبواب صلاة الجمعة.

(5) وسائل الشيعة ج 5 ص 30 ح 6 من باب 14 من أبواب صلاة الجمعة.

(6) وسائل الشيعة ج 5 ص 93 باب 58 من أبواب صلاة الجمعة.

247

..........

____________

و لكنّ العمدة في المقام: هو مرسل الفقيه الّذي لا حجّة لنا في ردّه، لأنّك قد عرفت ضعف دلالة الصّحيح.

و أمّا ما ورد في النهي عن الصلاة و الإمام يخطب، فمن المعلوم أنّه لا تلازم بين النّهي عن الصّلاة و حرمة الكلام، إذ الصّلاة أظهر دلالة في عدم الاعتناء بالخطيب، بخلاف الكلام الهمس، خصوصا إذا لم يكن متوجّها إلى غيره، و كان يحدّث نفسه. و أمّا باقي الأخبار فلا يخلو عن الضّعف من حيث السّند، مع أنّ حديث المناهي أظهر في الكراهة، لإدخاله في عنوان اللّغو و هو يناسب الكراهة.

فتحصّل: أنّ الأقرب الأحوط هو التّحريم، لمرسل الفقيه المؤيّد بما أشير إليه من الأخبار و الشّهرة المنقولة. و اللّه العالم.

ثمّ إنّ مقتضى المرسل و المناسبة بين الحكم و الموضوع هو التجنّب عن الكلام في حال الخطبة، فلا إشكال في الكلام بين الخطبتين على الظّاهر، و إن كان الأحوط التجنّب عنه فيه أيضا، للجمود على ظاهر قوله في الصّحيح: «فإذا فرغ الإمام من الخطبتين تكلّم». لكن في ظهوره في المفهوم إشكال من جهة قوّة احتمال أن يكون المقصود هو النّهي عن الكلام في الخطبتين، و لا يكون ناظرا إلى ما بين الخطبتين، مع أنّه معارض بمفهوم قوله في الصّدر: «فلا ينبغي لأحد أن يتكلّم حتّى يفرغ الإمام من خطبته» لصدق الفراغ بعد تماميّة الخطبة الأولى، مضافا الى ما مرّ من أنّ المناسبة تقتضي الاحتراز عن الكلام حين الخطبة، مع أنّك عرفت أيضا عدم دلالة الصّحيح على التّحريم و العمدة في المقام هو مرسل الفقيه.

كما أنّ ظاهر المرسل هو منع المأمومين عن الكلام، لا منع الخطيب عنه لأنّه إذا تكلّم بما لا يصدق عليه الخطبة، فلا يصدق العنوان المذكور في المرسل من قوله: «لا كلام و الإمام يخطب» و التّنزيل إنّما يقتضي أن تكون الخطبة بمنزلة الصّلاة، و في حال التّكلّم لا يكون خطبة حتّى تكون بمنزلة الصّلاة، و لم‌

248

و ليس مبطلا لو فعله (1)

____________

يثبت أنّ حال الخطبة يكون كحال الصّلاة فتكون الآنات المتخلّلة بين أجزاء الخطبة كالآنات المتخلّلة بين أجزاء الصّلاة يعدّ منها شرعا و عرفا فيجوز الاقتداء به في تلك الحال.

و قال في التّذكرة: هل يحرم الكلام على الخطيب في الأثناء؟ الأقرب العدم، للأصل، و لأنّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كلّم. في الخطبة (1).

و الأحوط الّذي لا يترك: أن يتجنّب الخطيب عن الكلام الخارج عن الخطبة حتّى فيما إذا كان ما فرض كونه خارجا عن الخطبة مصداقا لعنوان الذّكر، كأن يدعو لنفسه خفيّا. و ذلك لأنّ مقتضى التّنزيل هو التجنّب عن الكلام الخارج عن الخطبة كالتجنّب عن الكلام الخارج عن الصّلاة. و كون الذّكر داخلا في عنوان الصّلاة لا يقتضي دخوله في عنوان الخطبة. فتأمّل، فإنّه لا يخلو عن الدّقّة.

و منه يظهر الكلام في الذّكر بالنّسبة إلى المستمعين، مضافا إلى أنّ إطلاق النّهي عن الكلام يشمله و التّنزيل لا يدفعه، و هو مؤيّد بالنّهي عن الصّلاة حال الخطبة. فتأمّل.

قال- (قدّس سرّه)- في الحدائق: «الظّاهر أنّ غاية الأمر هو التّحريم لا البطلان فإنّه لم يصرّح أحد به فيما أعلم، و بذلك صرّح بعضهم» انتهى ملخّصا (2).

أقول: قد يشكل الأمر بأنّ مقتضى التّنزيل هو البطلان أي بطلان الخطبة، فعلى الخطيب الاستيناف إن كان الوقت باقيا. نعم، لا يترتّب عليه أثر بالنسبة إلى المأموم لأنّه يكون كمن لم يدرك الخطبة إلى آن التّكلّم عمدا، فلا يترتّب على كلامه أثر وضعيّ بناء على تماميّة التّنزيل.

____________

(1) التذكرة ج 1 صلاة الجمعة البحث الثالث الخطبتان.

(2) الحدائق ج 10 ص 100.

249

..........

____________

و يمكن أن يقال- كما أشير إليه سابقا بالنّسبة إلى صحيح عبد اللّه بن سنان المتقدّم (1)-: إنّ تفريع «فهي صلاة» على كون الخطبتين بدلا عن الرّكعتين في مرسل الفقيه المتقدّم (2)، مانع عن انعقاد ظهور الكلام في التّنزيل المطلق، لأنّ ما يناسب التّفريع عليه هو وجوبهما كالرّكعتين. و أمّا اشتمالهما على الأحكام الّتي تكون في الرّكعتين فهو ليس ممّا يصلح أن يكون مترتّبا على البدليّة عنهما.

لكنّ الإنصاف: أنّه لا يمكن إنكار ظهور المرسل في التّنزيل. فبناء على شموله بالنّسبة إلى الخطيب- كما هو مبنى المسألة- لا ريب أنّ مقتضاه هو بطلان الخطبة، كما أنّ مقتضى التّنزيل عدم البأس بالكلام السّهويّ.

مسألة ذكر- (قدّس سرّه)- في التذكرة أنّه: «لا ينبغي التنفّل و الإمام يخطب» (3) و لكن ظاهر الحدائق (4) و الوسائل (5)، عدم جواز الصّلاة حال الخطبة.

و يستدلّ على ذلك بجملة من الأخبار:

1- صحيح محمّد بن مسلم أو الحسن المضمر، و فيه: «و لا يصلّي النّاس ما دام الإمام على المنبر» (6).

2- صحيح بكر عن الصّادق عن آبائه- (عليهم السلام)- قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «النّاس في الجمعة على ثلاثة منازل- إلى أن قال:- و رجل أتاها و الإمام يخطب، فقام يصلّي فقد خالف السنّة و هو يسأل اللّه عزّ و جلّ‌

____________

(1) في ص 243.

(2) في ص 243.

(3) التذكرة ج 1 صلاة الجمعة البحث السادس، الخطبتان.

(4) ج 10 ص 97.

(5) ج 5 ص 93.

(6) وسائل الشيعة ج 5 ص 39 ح 3 من باب 25 من أبواب صلاة الجمعة.

250

[الصفات التي يستحب توفرها في إمام الجمعة]

و يستحبّ بلاغة الخطيب و يستحبّ بلاغة الخطيب (1)

____________

إن شاء أعطاه و إن شاء حرمة» (1) أي ما ذكره في الصّدر من الأجر من كونها كفّارة لذنوبه من الجمعة إلى الجمعة و زيادة.

3- ما عن قرب الاسناد عن عبد اللّه بن الحسن، عن جدّه عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) «قال: سألته عن الإمام إذا خرج يوم الجمعة هل يقطع خروجه الصّلاة؟ أو يصلّي النّاس و هو يخطب؟ قال (عليه السلام): لا يصلح الصّلاة و الإمام يخطب، إلّا أن يكون قد صلّى ركعة فيضيف إليها أخرى، و لا يصلّي حتّى يفرغ الإمام من خطبته» (2).

هذا. و لكنّ الإنصاف: أنّ في نفس الرّوايات قرائن ربما يستفاد منها الكراهة و التنزيه:

منها: قوله (عليه السلام) على ما في صحيح بكر: «فقد خالف السنّة و هو يسأل اللّه عزّ و جلّ» الحديث. فإنّ المستفاد منه عدم ترتّب الأجر المذكور عليه، و لو كان حراما لكان الأولى أن يذكر استحقاقه للعقوبة الإلهيّة، فترك ذلك و ذكر عدم الأجر دليل على الكراهة.

و منها: قوله (عليه السلام) على ما في رواية علي بن جعفر: «لا يصلح» فإنّه أنسب بالكراهة.

و منها: الحكم بالمضيّ إذا شرع فيها قبل الخطبة و عدم الحكم بالقطع، مع و رود الحكم بقطع الصّلاة لبعض الحوائج العرفيّة على ما هو يبالي.

و لكن لا يترك الاحتياط بترك الصّلاة ما لم يفرغ الإمام عن الخطبتين.

ذكره غير واحد من الأصحاب من غير نقل خلاف و إشكال كما في‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 93 ح 1 من باب 58 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 93 ح 2 من باب 58 من أبواب صلاة الجمعة.

251

و مواظبته على الفرائض (1) حافظا لمواقيتها (2) و التعمّم شتاء و صيفا (3)

____________

التذكرة (1) و جامع المقاصد (2) و الحدائق (3) لكن لم نقف على دليل لفظيّ يدلّ على الحكم المذكور.

نعم، حيث إنّ المقصود من الخطبة هو توجيه القلوب إليه تعالى و الموعظة و الدّعاء و بيان ما يحتاج النّاس إليه من أمور دينهم، و حصول هذا الغرض يكون أحسن و أبلغ إذا كان الخطيب بليغا، فيقطع بكونه محبوبا للمولى.

و يمكن التمسّك لذلك بما ورد في صحيح محمّد بن مسلم و فيه: «انتفعوا بموعظة اللّه و ألزموا كتابه فإنّه أبلغ الموعظة.» (4) بل يستفاد منه أيضا استحباب أن يكون الموعظة على طبق الكتاب المجيد.

بناء على ما تقدّم من اتّحاد الخطيب و الإمام و اشتراط العدالة فيه، فلا ريب أنّه شرط لزوميّ. و أمّا الاستحباب فهو إمّا مبنيّ على عدم لزوم الاتّحاد أو يكون المقصود ما يذكره بعد ذلك من قوله (رحمه اللّه): «حافظا لمواقيتها» فيكون الكلام الأخير تفسيرا لكلامه الأوّل.

لأنّ كلامه حينئذ أوقع في النّفوس، كذا علّل في جامع المقاصد (5) و قد تقدّم أنّ الغرض من الخطبة حيث يكون للتّأثير في قلوب النّاس و نفوسهم فكلّما يكون دخيلا في أن يحصل الغرض المذكور على النّحو الأكمل، كان محبوبا لا محالة.

كما في موثّق سماعة، و فيه: «ينبغي للإمام الّذي يخطب بالنّاس يوم الجمعة أن يلبس عمامة في الشّتاء و الصّيف.» (6).

و في التذكرة: «لأنّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) كان يعتمّ و يرتدي و يخرج في‌

____________

(1) ج 1 صلاة الجمعة البحث السادس الخطبتان.

(2) ج 1 ص 147.

(3) ج 10 ص 111.

(4) الكافي «الفروع» ج 1 ص 422 ح 6 من باب تهيئة الإمام للجمعة.

(5) ج 1 ص 147.

(6) وسائل الشيعة ج 5 ص 37 ح 1 من باب 24 من أبواب صلاة الجمعة.

252

و الارتداء (1) ببرد (2) يمنيّة (3) و الاعتماد (4).

____________

الجمعة و العيدين على أحسن هيئة لأنّه أدخل في الوقار» (1).

و في صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال: إذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلّوا في جماعة و ليلبس البرد و العمامة و يتوكّأ على قوس أو عصا». الحديث (2) و يكفي لعدم وجوب ذلك تسلّم الاستحباب بين المسلمين و خلوّ الأخبار و الأدلّة عن ذلك إلّا ما أشير إليه.

كما في موثّق سماعة المتقدّم: «و يتردّى ببرد يمنيّة أو عدنيّ» و قد تقدّم أيضا لبس البرد في صحيح عمر بن يزيد.

ثمّ لا يخفى أنّه يحتمل أن لا يكون للبرد اليمنيّ خصوصيّة تعبّديّة، بل كان ذلك من باب أنّه من الألبسة الفاخرة. و قد يؤيّد ذلك- مضافا إلى أنّه مقتضى الارتكاز- قوله (عليه السلام) في الموثّق: «أو عدنيّ» و إطلاق البرد في صحيح عمر بن يزيد.

هو ثوب مخطّط، و قد يقال لغير المخطّط كما عن المجمع و غيره.

كما في موثّق سماعة المتقدّم. و قد مرّ أنّ فيه التخيير بينها و بين العدنيّ، و لعلّ المقصود هو الارتداء بالفاخر.

كما في صحيح عمر بن يزيد المتقدّم آنفا و فيه: «و يتوكّأ على قوس أو عصا» و في التّذكرة: «أن يعتمد على شي‌ء حال الخطبة من سيف أو عكاز أو قضيب أو عنزة، اقتداء بالنّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فإنّه كان يعتمد على عنزته اعتمادا» (3).

____________

(1) التذكرة ج 1 صلاة الجمعة البحث السّادس الخطبتان.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 38 ح 2 من باب 24 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) التذكرة ج 1 صلاة الجمعة البحث السّادس الخطبتان.