صلاة الجمعة

- الشيخ مرتضى الحائري المزيد...
333 /
253

و الصّعود على المنبر «التذكرة (1) و وضع المنبر على يمين القبلة (2) و التّسليم من عند المنبر، و التّسليم إذا صعد المنبر «التذكرة» (3)

____________

و يكفي لعدم الوجوب خلوّ موثّق سماعة عنه، مع كونه في مقام بيان ما ينبغي أن يكون عليه الخطيب من الهيئة. و الأولى هو القوس و العصا لورود الصحيح بذلك دون غيره.

قال (قدّس سرّه) في التذكرة: «لأنّ النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لمّا دخل المدينة خطب مستندا إلى جذع، فلمّا بني له المنبر، صعد عليه. و لأنّ فيه إبلاغا للبعيد» (1).

أقول: و يدلّ عليه حسن محمّد بن مسلم أو صحيحة، و فيه: «يخرج الإمام بعد الأذان فيصعد المنبر فيخطب و لا يصلّي النّاس ما دام الإمام على المنبر، ثمّ يقعد الإمام على المنبر قدر ما يقرأ قل هو اللّه أحد.» (2) و غير ذلك.

قال (قدّس سرّه) في التذكرة: «و هو الموضع الّذي على يمين الإمام إذا توجّه إلى القبلة، اقتداء بالنّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)» (3).

قال (قدّس سرّه) في التذكرة: «لأنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان إذا دنى من منبره يوم الجمعة سلّم على من عند منبره من الجلوس، ثمّ صعد و إذا استقبل النّاس بوجهه سلّم ثمّ جلس» (4).

و يشهد بذلك في الجملة، خبر عمرو بن جميع، رفعه عن عليّ- (عليه السلام)- «قال: من السّنّة إذا صعد الإمام المنبر أن يسلّم إذا استقبل النّاس» (5) و لعلّ تركه السّلام الأوّل الّذي في الحديث السّابق من جهة أنّه ليس‌

____________

(1) التذكرة ج 1 صلاة الجمعة البحث السّادس الخطبتان.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 39 ح 3 من باب 25 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) التذكرة ج 1 صلاة الجمعة البحث السادس الخطبتان.

(4) التذكرة ج 1 صلاة الجمعة البحث السادس الخطبتان.

(5) وسائل الشيعة ج 5 ص 43 ح 1 من باب 28 من أبواب صلاة الجمعة.

254

و الجلوس على المنبر بعد السّلام «التذكرة» (1)

____________

من آداب الخطبة بل هو من آداب الورود. و الرّواية و إن كانت ضعيفة إلّا أنّه يكفي في الاستحباب في الموردين عموم استحباب التّسليم و التّحيّة. و الأمر سهل.

و إذا سلّم وجب على السّامعين الرّد على الكفاية- كما في التّذكرة (1)- و العلّة فيه واضحة. و أمّا كون الوجوب كفائيّا فلأنّه تحيّة واحدة بالنّسبة إلى مجموع الحاضرين، و ليس منحلا إلى تحيّات متعدّدة بعددهم. بل يمكن أن يقال بذلك و لو كان مقصود المسلّم هو الدّعاء به لكلّ فرد بنحو العموم الاستغراقيّ، لأنّ الدّعاء بالسّلام غير عنوان التّحيّة، فإنّ التّحيّة ليست إلّا واحدة و لا تستوجب إلّا ردّا واحدا. فتأمّل.

قال (قدّس سرّه) في التّذكرة: «كان النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يخطب الخطبتين و يجلس جلستين، و من طريق الخاصّة قول الباقر (عليه السلام): «كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إذا خرج إلى الجمعة قعد على المنبر حتّى يفرغ المؤذّنون» (2).

أقول: رواه في الوسائل (3) عن الشّيخ بإسناده عن محمّد بن عليّ بن محبوب، عن الحسن بن عليّ، عن جعفر بن محمّد، عن عبد اللّه بن ميمون، عن جعفر، عن أبيه [(عليهما السلام)] و الظّاهر أنّ الحسن بن عليّ هو ابن عبد اللّه بن المغيرة و هو ثقة ثقة كما عن النّجاشيّ و غيره، و يمكن الاعتماد على جعفر بن محمّد الأشعريّ، و عبد اللّه ثقة أيضا على ما صرّح به أهل الفنّ، فالخبر معتبر، لكن إثبات الاستحباب به غير واضح، لأنّ قعوده (صلّى اللّه عليه و آله) على المنبر حين الأذان من العاديات، إذ لا داعي إلى القيام حينئذ، و ليس في نقل أبي جعفر (عليه السلام) ظهور في ذلك- من باب أنّه ليس (عليه السلام) بصدد نقل التّاريخ من دون أن يكون المقصود به البعث على‌

____________

(1) التذكرة ج 1 صلاة الجمعة البحث السّادس الخطبتان.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 43 ح 2 من باب 28 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 43 ح 2 من باب 28 من أبواب صلاة الجمعة.

255

[الشّرط الخامس: الجماعة فلا تقع فرادى و هي شرط الابتداء، لا الانتهاء]

[الشّرط الخامس]: الجماعة فلا تقع فرادى (1) و هي شرط الابتداء، لا الانتهاء (2)

____________

طبقه- إذ يمكن أن يكون المقصود الحثّ على مجي‌ء الإمام عند الأذان، و عدم التأخير إلى فراغهم عنه، أو بيان أنّه لا يقطع الأذان بمجي‌ء الإمام للخطبة، بل لا بدّ له من الصّبر إلى الفراق، أو جواز التّأخير عن أوّل الظّهر بمقدار فراغ المؤذّنين من الأذان، فالاستحباب المذكور غير واضح. و لذا لم يذكر في الرّوايات الواردة في آداب الخطبة و الخطيب، نعم لا بأس بذلك رجاء.

ففي الجواهر: فلا تصحّ ابتداء فرادى، إجماعا بين المسلمين فضلا عن المؤمنين، كما اعتراف به في المعتبر و التّذكرة و المنتهى و الذّكرى على ما حكي عن بعضها (1).

أقول: يدلّ على ذلك الكتاب و السّنة.

أمّا الكتاب: فإنّ الظّاهر من مساق الآيات الواردة في سورة الجمعة، هو الحثّ على الاجتماع خلف رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله).

و أمّا السّنّة فمثل صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: إنّما فرض اللّه عزّ و جلّ على النّاس من الجمعة إلى الجمعة خمسا و ثلاثين صلاة، منها صلاة واحدة فرضها اللّه عزّ و جلّ في جماعة و هي الجمعة» (2). و صحيح عمر بن يزيد و فيه: «إذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلّوا في جماعة» (3) إلى غير ذلك. فراجع.

و يدلّ عليه أيضا اشتراط العدد، فإنّه أخصّ من اشتراط الجماعة، و كذا الاشتراط بالسّلطان العادل على القول به مطلقا، أو في زمان بسط اليد. فالمسألة من الواضحات، لا ينبغي تطويل الكلام. و المقصود من الإشارة إلى بعض الأدلّة، هو الرّجوع إليها في بعض موارد الشّكّ الّتي تأتي التعرّض لها إن شاء اللّه تعالى بعد ذلك.

الظّاهر أنّ مرادهم أنّه ليس كذلك على الإطلاق، من جهة ورود الدّليل على‌

____________

(1) الجواهر، ج 11، ص 242.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 2 ح 1 من باب 1 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 9 ح 10 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

256

..........

____________

أنّ: من أدرك ركعة من الجمعة فقد أدركها، و أمّا كون المقصود أنّ شرطيّته مطلقا تكون كذلك- حتّى يجوز للمأموم بعد الايتمام العدول إلى الانفراد من غير عذر كما لعلّه الظّاهر من عبارة المتن و غيره- فإنّه مناف لتصريح غير واحد منهم بأنّه: لو مات الإمام في أثناء الصّلاة وجب عليهم تقديم من يتمّ الصّلاة بهم، فإنّه قد حكى في الجواهر عن الذّكرى و الجعفريّة و شرحها و جامع المقاصد و فوائد الشّرائع و الميسيّة و المسالك: التّصريح بوجوب التّقديم أو التقدّم في الفرض (1)، فإنّه لا وجه لذلك إلّا الاشتراط بالجماعة ابتداء و استدامة.

و كيف كان، فلا ريب أنّ مقتضى ما تقدّم من الدّليل هو الاشتراط بها ابتداء و استدامة.

و أمّا ما تقدّم من صحيح الفضل (2) من قول أبي عبد اللّه (عليه السلام) «من أدرك ركعة فقد أدرك الجمعة». فيمكن أن يقال: إنّه منصرف إلى إدراك الرّكعة الأخيرة. و على تقدير الإطلاق فلا ريب في عدم شموله لمن يأتمّ بها في الرّكعة الاولى ثمّ يعدل إلى الانفراد اختيارا، لأنّ كلمة الإدراك و الدّرك لا تصدق خارجا بالنّسبة إلى الرّكعة الواحدة إلّا مع عدم التّمكّن من درك الباقي و لو كان ذلك حاصلا باختياره، و حينئذ يمكن على فرض الإطلاق و عدم الانصراف الحكم بصحّة جمعة من لا يقدر إلّا على الايتمام بالإمام في الرّكعة الأولى لبعض الأعذار كالمرض و غيره، لصدق العنوان المذكور في الصّحيح، و إن كان فيه إشكال كما عرفت، إلّا أنّه لا يشمل صورة الاختيار قطعا.

فتحصّل من ذلك: أنّ العدول إلى الانفراد قبل أن يكون مع الإمام ركعة من الجمعة، لا وجه له أصلا، و أنّ العدول إليه بعد ما كان معه ركعة منها، له وجه ضعيف إذا كان متمكّنا من البقاء على القدوة، و أمّا إذا لم يكن متمكّنا من ذلك،

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 194.

(2) في ص 42.

257

[مسألتان]

مسألتان:

[الأولى: هل يجب على الإمام نيّة الجماعة؟]

الأولى: هل يجب على الإمام نيّة الجماعة؟ فيه تردّد (1) و الأقوى عدمه (2) لكنّ الاحتياط لا ينبغي تركه (1)

[الثّانية: لو بان أنّ الإمام محدث]

الثّانية: لو بان أنّ الإمام محدث فإن كان العدد لا يتمّ بدونه فالأقرب أنّه لا جمعة لهم (3)

____________

فيمكن القول بصحّتها جمعة، لكنّ الأحوط هو الإعادة ظهرا، لقوّة احتمال الانصراف إلى الرّكعة الأخيرة. و أمّا لو لم يدرك إلّا الأخيرة فلا إشكال في صحّة الصّلاة جمعة. و اللّه العالم.

كما عن الذكرى و غيره (2). و استقرب في الذّكرى و الدّروس و البيان و حاشية الإرشاد و شرح المفاتيح و غيرها، وجوبها (3) قال- (قدّس سرّه)- في الجواهر في وجه ذلك: و لعلّه من وجوب نيّة كلّ واجب (4).

لأنّ شرط صلاة الجمعة الّذي هو الجماعة حاصل بقصد ايتمام المأموم، فالصّلاة المتحقّقة في الخارج متّصفة بالجماعة. و لا دليل على كون عنوان الجماعة تعبّديّا يشترط في حصوله التقرّب، حتّى يتوقّف على قصد متعلّق أمره. فيمكن أن يكون الجماعة من قبيل اشتراط الصّلاة بطهارة البدن و اللّباس، و عدم كونه من محرّم الأكل، و غير ذلك من الشّرائط. و على هذا فلو تخيّل الإمام عدم تقوّم الجمعة- كالعيدين- بالجماعة، و قصد بصلاته الجمعة من دون توجّه إلى اقتداء ما يتمّ به العدد به كفى، لحصول قصد التّقرّب بامتثال الأمر بالجمعة مع كونها واجدة للشّرط واقعا.

و ذلك لانتفاء شرط العدد، لا لعدم صحّة الجماعة. و هذا من غير فرق بين‌

____________

(1) هذه المسألة بتمامها متّخذة من الجواهر ج 11 ص 244.

(2) الجواهر ج 11 ص 244.

(3) الجواهر ج 11 ص 244.

(4) الجواهر ج 11 ص 244.

258

..........

____________

كون العدد شرطا مطلقا، أو شرطا في ابتداء الصّلاة، لأنّ المفروض عدم تماميّة العدد من ابتدائها، فإنّ المفروض تبيّن كون الإمام محدثا من ابتداء الصّلاة.

لكن يمكن أن يوجّه الصّحّة بأمرين:

أحدهما: أنّ مقتضى «لا تعاد الصّلاة» هو الصّحّة.

ثانيهما: ما استدلّ به في محكيّ المدارك (1) من إطلاق قول أبى جعفر (عليه السلام) في صحيح زرارة «قال: سألته عن قوم صلّى بهم إمامهم و هو غير طاهر، أ تجوز صلاتهم أم يعيدونها؟ فقال [(عليه السلام)]: لا إعادة عليهم، تمّت صلاتهم، و عليه هو الإعادة، و ليس عليه أن يعلمهم، هذا عنه موضوع» (2).

لكن يمكن أن يورد على الأوّل- كما تقدّم سابقا في طيّ بعض الفروع المتعلّقة بالخطبة- بعدم شمول الحديث للمقام الّذي لا يترتّب على بطلانه الإعادة. فإنّ الجمعة على تقدير بطلانها لا تعاد، بل لا بدّ من الإتيان بالظّهر، فليس المورد ممّا تعاد الصّلاة على تقدير البطلان حتّى ينفى بالحديث.

و لكن يمكن دفع ذلك بأمرين:

أحدهما: أنّه قد مرّ أنّ المستفاد من بعض الأخبار، أنّ الجمعة بعينها هي الظّهر، فكما أنّ الظهر في السّفر صار قصرا، صار أيضا في الجمعة قصرا، لمكان الخطبتين.

فبهذا الاعتبار يصدق الإعادة فيكون مشمولا للحديث.

ثانيهما: أنّ مقتضى ما رواه في الوسائل في الصّحيح عن الفقيه أنّ المقصود بذلك هو الحكم بصحّة الصّلاة فقد روى عنه بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «أنّه قال: لا تعاد الصّلاة إلّا من خمسة: الطّهور، و الوقت، و القبلة، و الرّكوع، و السّجود. ثمّ قال [(عليه السلام)]: القراءة سنّة، و التشهّد سنّة، و لا تنقض‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 243.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 434 ح 5 من باب 36 من أبواب صلاة الجمعة.

259

و إن كان العدد حاصلا من غيره صحّت صلاتهم (1) عندنا (1)

____________

السّنة الفريضة» (2). فإنّ ذيله بمنزلة الحكم بأنّ ما عدا الخمسة سنّة، و لا تنقض السنّة الّتي هي ما عدا الخمسة الفريضة الّتي هي الخمسة، فيشمل صلاة الجمعة بلا إشكال.

و يمكن أن يورد على الثّاني بأنّ ظاهر الرّواية هو الحكم بصحّة صلاتهم من حيث فساد صلاة الإمام، و أنّه لا بأس بذلك من تلك الحيثيّة، و هذا لا ينافي الفساد من جهة فقد شرط من شرائط صلاة المأمومين، و المفروض في المقام أنّ صلاة المأمومين فاقدة للشّرط الّذي هو العدد، و إن كان ذلك من جهة فساد صلاة الإمام.

و الحاصل: أنّ الحكم، بأنّ فساد صلاة الإمام لا يوجب فساد صلاة المأمومين، غير الحكم بأنّ صلاة المأمومين- و لو كانت فاقدة للشّرط بواسطة فساد صلاة الإمام- محكومة بالصحّة. و بعبارة أخرى: الحكم بالصحّة إنّما هو من جهة الجماعة لا من جهة العدد. لكنّ الوجه الأوّل كاف في الحكم بالصحّة على الظّاهر. و اللّه العالم لكن هذا على تقدير عدم البطلان من حيث الجماعة، و أمّا لو قلنا بالبطلان في الشّقّ الآتي من جهة الجماعة فهذا الشّقّ أولى بالبطلان.

هذا واضح على تقدير كون الشّرط في الجماعة إحراز صحّة صلاة الإمام- كما أنّ الشرط أيضا إحراز عدالته- و لو كان ذلك من جهة أصالة الصحّة و غيرها، فحينئذ تكون الجماعة صحيحة منعقدة واقعا. و الكلام في تحقيق ذاك المبنى موكول إلى مبحث الجماعة.

و كذا على تقدير عدم إخلال المأمومين بوظيفة المنفرد مع جريان حديث «لا تعاد الصّلاة» بأن يقال: إنّ الجماعة و إن لم تنعقد- و الجمعة مشروطة بالجماعة، و مقتضى‌

____________

(1) هذه المسألة بتمامها متّخذة من المحكيّ عن الذكرى في الجواهر ج 11 ص 242.

(2) وسائل الشيعة ج 4 ص 770 ح 5 من باب 29 من أبواب القراءة في الصلاة.

260

[الشرط السّادس: الوحدة]

[الشرط] السّادس: الوحدة (1)

____________

ذلك البطلان- إلّا أنّ مقتضى قاعدة «لا تعاد الصّلاة» هو الحكم بالصحّة.

لكن في جريانه بالنّسبة إلى الجماعة إشكال، من جهة أنّ الجماعة فيها مستفادة من الكتاب المجيد، لقوله تعالى فَاسْعَوْا إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ و قوله تعالى وَ تَرَكُوكَ قٰائِماً فهي فرض اللّه تعالى، و هو الظّاهر من صحيح زرارة المتقدّم (1) حيث قال فيه: «منها صلاة واحدة فرضها اللّه عزّ و جلّ في جماعة و هي الجمعة» فعلى ذلك تكون الجماعة في الجمعة فرض اللّه، و مقتضى ذيل حديث «لا تعاد» المنقول عن الفقيه المتقدّم آنفا كون الجماعة ملحقة بالمستثنى لا المستثنى منه. و من ذلك [ظهر] أنّ الحكم بالصحّة في الشقّين من تلك المسألة، مبنيّ على صحّة الجماعة بإحراز صحّة صلاة الإمام. و على التّقدير المذكور لا إشكال في الشّقّ الأوّل من جهة الإخلال بالعدد. فافهم و تأمّل.

قال (قدّس سرّه) في الجواهر: «إجماعا محصّلا و منقولا، مستفيضا أو متواترا» (2). و في التذكرة: «عند علمائنا أجمع. و قال الشّافعيّ: لا تقام الجمعة في المصر الواحد إلّا في موضع واحد و إن تباعدت أقطاره. و عن أبي يوسف: إذا كان للبلد جانبان ليس بينهما جسر، كانا كالبلدين، فجاز أن يقام في كلّ جانب جمعة و عن بعضهم: جواز إقامة جمعتين في البلد الواحد لا أكثر. و عن داود و عطاء:

يجوز أن يصلّوا الجمعة في مساجدهم كما يصلّون سائر الصّلوات» انتهى ملخّصا (3) و يدلّ على المدّعى ما حكاه في الوسائل عن المشايخ الثلاثة ((قدّس سرّهم)) بطرق فيها الصّحيح و الموثّق و الحسن، عن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر- (عليه السلام)- و هو على ما في نقل الشّيخ (قدّس سرّه): «قال [(عليه السلام)]: تجب الجمعة على من كان منها على‌

____________

(1) في ص 255.

(2) الجواهر ج 11 ص 245.

(3) التذكرة ج 1 صلاة الجمعة البحث الخامس: الوحدة.

261

فلو كان هناك [جمعة] اخرى بينهما أقلّ من فرسخ، بطلتا، إن اقترنتا (1)

____________

فرسخين، و معنى ذلك إذا كان إمام عادل، و قال: إذا كان بين الجماعتين ثلاثة أميال فلا بأس أن يجمع هؤلاء و يجمع هؤلاء. و لا يكون بين الجماعتين أقلّ من ثلاثة أميال» (1). و في رواية الكافي عنه- (عليه السلام)- «قال: يكون بين الجماعتين ثلاثة أميال يعني لا تكون جمعة إلّا فيما بينه و بين ثلاثة أميال.» (2).

و كان الوجه في بطلان الجمعتين معا أمور:

أحدها: أن يقال: إنّ الظّاهر من الصّحيح أنّ شرط صحّة كلّ جمعة أن لا تكون جمعة أخرى صحيحة- مع قطع النّظر عن هذا الحكم المذكور في القضيّة- في المسافة المذكورة، و يكون مفاد الدّليل أنّ المسافة المذكورة شرط لصحّة الجمعتين جميعا بنحو الاستغراق لا بنحو المجموع، حتّى لا ينافي صحّة إحداهما. و لا ريب أنّ مقتضى ذلك هو الحكم ببطلان كلّ من الجمعتين مع التّقارن، لا من باب التّرجيح من غير مرجّح، بل يكون بطلان كلّ من الصّلاتين- الواقعتين في المسافة المفروضة في الصّحيح- بنفس مفاد الدّليل.

ثانيها: أن يكون الموضوع ما ذكر في الأمر الأوّل، لكن لا يكون المستفاد من الحكم إلّا دخالة المسافة في بطلان مجموع الجمعتين.

و فيه: أنّ الظّاهر من النهي عن وقوع الجمعتين كذلك، هو بطلانهما، كما في النّهي عن المعاملة الرّبويّة و الزّنا و غيرهما من الأمور المتضايفة، فإنّ قيام التّضايف بالطّرفين غير كون المانعيّة راجعة إليهما أيضا.

ثالثها: أن يكون المقصود من الجمعتين و الجماعتين هو الصّحيحة الفعليّة في‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 17 ح 2 من باب 7 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 16 ح 1 من باب 7 من أبواب صلاة الجمعة.

262

..........

____________

كلّ منهما، فيكون الفساد في صورة الاقتران لا من جهة التّمانع بل من جهة لزوم التّمانع على فرض الصحّة، فيلزم من الصحّة عدمها، فيحكم بالفساد في الصّورة المذكورة، و هو الّذي يستفاد من مصباح الفقيه (1) في مقام التّفصّي عن إشكال الفرق بين التّقدّم و التّقارن.

و فيه: أنّه لو كان المقصود هو الجمعتان الصّحيحتان من جميع الجهات، للزم من الحكم بالمانعيّة عدمها و من عدمها وجودها، فيلزم ارتفاع النقيضين و هو باطل.

رابعها: أن يقال: إنّ مفاد الخبر بطلان إحدى الجمعتين إمّا من جهة أنّ الشّرط في صحّة كلّ من الجمعتين أن لا يكون جمعة صحيحة فعليّة- حتّى بالنّظر إلى الحكم الملحوظ في القضيّة- في المسافة المفروضة، و لا ريب حينئذ أنّ الحكم بالبطلان بالنّسبة إلى كلّ من الجمعتين، ملازم لصحّة الجمعة الأخرى، لعدم المانع عن صحيتها بعد الحكم ببطلان صاحبتهما. فمفاد الدّليل حينئذ هو بطلان إحدى الجمعتين، و الحكم ببطلان الأخرى من جهة التّرجيح من غير المرجّح.

إن قلت: يلزم من فرض بطلان كلتا الجمعتين- و لو من جهة التّرجيح من غير المرجّح- صحّتها، إذ على فرض بطلان كلتيهما لا يكون مانع لصحّة كلّ منهما، لعدم الجمعة الصحيحة في المسافة.

قلت: المفروض هو الصحّة الفعليّة- و لو بلحاظ الحكم المذكور في القضيّة- لا من جهة التّرجيح من غير المرجّح. و أمّا من جهة أنّ المنهيّ إيقاع الجمعتين في المسافة المعيّنة، فلا يكون الجمعتان متّصفتين بالصحّة، و لا ينافي ذلك اتّصاف إحدى الجمعتين بالصحّة، فيحكم ببطلان إحدى الجمعتين بالنّصّ و ببطلان الأخرى من باب التّرجيح من غير المرجّح (2).

____________

(1) ج 2 ص 450.

(2) و توضيحه بأزيد من ذلك: أنّه لا يمكن أن يكون الموضوع لعدم الصحّة هو الجمعة الصّحيحة- حتّى مع قطع النّظر عن الحكم بعدمها- لكن يمكن أن يكون موضوع المانعيّة هي الجمعة الصّحيحة بالفعل، فلا يصحّ كلّ واحد، من الجمعتين- الصحيحتين مع قطع النظر عن الحكم بعدم الصحّة- إذا كانت إحداهما صحيحة في أقلّ من المسافة بالفعل، مع قطع النظر عن الحكم بالفساد، للزوم الترجيح من غير المرجّح.

263

..........

____________

و هو الّذي يلوح من الجواهر و عليه بنى الصحّة في الشّق الآتي (1)- و هو ما لو تقدّمت إحداهما- و ذلك لثبوت التّرجيح للأولى بالاستصحاب، بخلاف الفرض الّذي هو صورة التّقارن. و الظّاهر من الدّليل هو الوجه الأوّل فإنّه إذا كان في الخارج جمعتان في أقلّ من المسافة المذكورة و كانتا صحيحتين- مع قطع النّظر عن مانعيّة قرب المسافة- يصدق أنّ مورد النّهي في الصّحيح قد تحقّق في الخارج، و حيث إنّ النّفي في الصّحيح إرشاد إلى المانعيّة فيكون مفاده أنّ قرب المسافة في كلّ منهما بالنّسبة إلى الأخرى مانع عن صحّته، فإنّ القرب المذكور الّذي هو من أقسام التّضايف يكون صادقا على كلّ من طرفي الإضافة، فيكون المانع موجودا في كلّ من الجمعتين. و ارتفاعه بارتفاع أحدهما لا يستلزم أن يكون المانع عن الصحّة في إحداهما دون الأخرى.

و الحاصل: أنّ الظّاهر أنّ الموضوع هو الجمعة الصّحيحة مع قطع النّظر عن المانع المنشأ في نفس القضيّة، كما أنّ النّفي إرشاد إلى مانعيّة الوصف الموجود في كلّ من الجماعتين، و هو يقتضي بطلانهما، و إن كان الوصفان مرتفعا برفع إحداهما.

ثمّ إنّه على تقدير كون مفاد الدّليل بطلان إحدى الجمعتين، فالحكم ببطلان كلتيهما من باب التّرجيح من غير المرجّح غير واضح، إذ الترجيح ليس متعيّنا بل يمكن الإبقاء على ما هو المستفاد من الدّليل، و الحكم ببطلان إحدى الجمعتين و صحّة الأخرى واقعا، فيجب على إحدى الجماعتين إعادة الصّلاة جمعة أو ظهرا- على الوجهين من بقاء الوقت و عدمه- فإذا أعادوا جماعة يسقط ذلك عن الأخرى،

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 247.

264

و تصحّ السّابقة خاصّة (1) و لو بتكبيرة الإحرام.

____________

فيكون الإعادة الّتي هي أثر البطلان، نظير الواجب الكفائيّ بالنّسبة إلى الجماعتين. و ذلك نظير ما لو كان لأحد على الآخر دينارا فأدّى المديون دينارين بعنوان الوفاء اشتباها، فإنّه لا وجه عند العرف في عدم الوفاء أصلا و لا للوفاء بالدينارين، فالوفاء حاصل بأحد الدينارين دون الآخر. و لا إشكال في ذلك في الاعتباريّات كما حرّرناه غير مرّة.

قال (قدّس سرّه) في التذكرة: «فهي الصّحيحة [اي السابقة] إن كان الرّاتب فيها، إجماعا. و إن كان في الثّانية، فكذلك عندنا. و هو أشهر قولي الشّافعيّ، و الثّاني أنّ الصّحيحة، الّتي فيها الإمام» (1).

أقول: علله في الجواهر «مضافا إلى الإجماع المذكور، بأنّ الأولى قد انعقدت صحيحة جامعة للشّرائط، و لم يثبت إبطال المتأخّرة لها، إذا الخبران إنّما يدلّان على نفي الصحّة عنهما معا، لا كلّ منهما، فترجيح السّابقة بالاستصحاب و موافقتها لظاهر الأوامر في محلّه» انتهى ملخّصا (2).

و علّله في موضع آخر من المسألة بأنّه: «لو كان المراد من الخبرين النّهي كان مختصّا بالمتأخّر، لأنّه، به يحصل تعدّد الجمعتين، فيجب حينئذ عليهم السّعي إليها» (3) و هو الّذي استند إلى الوالد الأستاذ- (قدّس اللّه سرّه)- في مسألة محاذاة الرّجل للمرأة في حال الصّلاة (4) فذهب إلى صحّة السّابقة و بطلان اللاحقة من جهة أنّ الظّاهر من الأخبار هو المنع عن صلاة من يتحقّق به المحاذاة و هي جائية من فعل اللاحق و الممنوع صلاته، دون من لم يكن كذلك.

و علّله في مصباح الفقيه (5) بأنّ «المتبادر من النصّ و الإجماع: إنّما هو اعتبار‌

____________

(1) التذكرة صلاة الجمعة البحث الخامس الوحدة.

(2) الجواهر ج 11 ص 248.

(3) الجواهر ج 11 ص 253.

(4) كتاب الصّلاة ص 89.

(5) ج 2 ص 450.

265

..........

____________

الفصل بين الجمعتين الصّحيحتين. فلا مانع، عن صحّة الأولى، لأنّها انعقدت صحيحة، و معها يمتنع صحّة الثّانية، سواء قلنا بتأثيرها في إبطال الأولى أم لم نقل.

فالثّانية بذاتها لا تقع إلّا باطلة، و الباطلة ليست مانعة عن صحّة غيرها، فلا مانع عن صحّة الأولى».

أقول: و في الكلّ نظر:

أمّا الأوّل- الإجماع-: فلأنّه على تقدير ثبوته ليس إلّا مستندا إلى الجهات المذكورة كلّا أو بعضا، و ليس كاشفا عن وجود دليل لفظيّ معتبر دالّ على صحّة السّابقة و بطلان اللاحقة.

و أمّا الثّاني فلما فيه: أوّلا: ما عرفت من أنّ مقتضى الدّليل فساد كلتا الجمعتين، لوجود المانع فيهما. و ارتفاع ما هو المانع عنهما بارتفاع إحداهما لا يلازم وجود المانع في إحداهما دون الآخر. و ثانيا: على فرض كون مقتضاه ذلك، فيكون الحكم الواقعيّ بطلان إحدى الجمعتين و صحّة الأخرى، من غير تأثير للسّبق و اللّحوق في ذلك. و ثالثا: على فرض كون مقتضاه البطلان في المتقارنين لعدم التّرجيح من غير مرجّح، فالملاك المذكور متحقّق في الفرض أيضا، و صرف السّبق لا يكون مرجّحا، لأنّ المقصود من المرجّح في المقام ليس صرف امتياز مّا في أحدهما دون الآخر، بل [المقصود] ما يكون علّة لاتّصاف إحداهما بالبطلان دون الأخرى.

و أمّا الاستصحاب فوصول النّوبة إليه في فرض الشّكّ في الحكم الواقعيّ.

و بعد فرض الدّليل على البطلان بالنّسبة إلى إحداهما لا على وجه التّعيين، و قبح التّرجيح من غير المرجّح و امتناعه، يقطع ببطلان الجمعتين، فلا شكّ في الحكم الواقعيّ كما هو واضح.

و يمكن توجيه ذلك بأن يقال: ليس مقتضى الدّليل هو التخيير على نحو الإطلاق، بل الدّليل يدلّ على بطلان مجموع الجمعتين، مع السّكوت عن بطلانهما أو بطلان إحداهما غير المعيّن أو المعيّن. نعم، السّكوت في مقام البيان عن التّرجيح‌

266

..........

____________

دالّ على عدمه، لكن ذلك ليس دليلا، بل يصلح أن يكون أصلا أيضا، بأن يكون التّرجيح في بعض الأوقات لإحدى الجمعتين واقعا، لكن لم يترتّب على ذلك أثر عمليّ، فيحكم بمعاملة عدم التّرجيح، و الاستصحاب حينئذ يكون معيّنا، إذ التخيير لم يثبت أنّه واقعيّ أو أصل مقدّم على الاستصحاب، فالاستصحاب خال عن المعارض و الحاكم.

لكن يجاب: بأنّ الإجمال خلاف الظّاهر كما تقدّم، و أنّه لو كان مفاده التخيير- و لو ظاهرا- فلا معنى للحكم ببطلان كلتا الجمعتين في صورة التقارن كما تقدّم، و أنّ الإطلاق الوارد في مقام البيان- و لو من باب السّكوت عن التعرّض للمرجّح- ليس حكما ظاهريّا، لأنّ تقوّمه بفرض الشكّ، و هو خلاف إطلاقه المفروض، فهو مقدّم على الاستصحاب.

و أمّا الثّالث ففيه: أنّ النّهي كما يتوجّه إلى حدوث فعل يتوجّه إلى البقاء أيضا، و إلّا لما كان البقاء على الغصب مثلا محرّما. و التعدّد كما يحصل بفعل اللاحق، كذلك يحصل بإبقاء السّابق على ما كان عليه. و كون المحاذاة متحقّقة بفعل اللاحق في مسألة محاذاة الرّجل و المرأة ممنوع، كما أنّ اختصاص النصّ في المقام بمن يحدث ذلك لا بالأعمّ منه و من المنسوب إليه الفعل ممنوع أيضا، للإطلاق في المسألتين من حيث الدّليل.

و أمّا الرّابع ففيه: أوّلا: أنّ الموضوع للحكم بالمنع هو الصّلاة الصّحيحة مع قطع النّظر عن الحكم المذكور، و إلّا لامتنع اتّصاف الجمعتين بالبطلان في صورة الاقتران، لأنّه يلزم من الحكم بالبطلان عدمه، فإنّ بطلان كلّ من الجمعتين موجب لرفع المانع عن صحّة الأخرى، فمع فرض البطلان لا مانع من الصحّة، كما أنّ الاتّصاف بالصحّة أيضا محال، لأنّ فرض اتّصاف الجمعتين بالصحّة موجب لوجود المانع فيهما، فتبطل. فيلزم من بطلانهما الصحّة و من الصحّة البطلان، و ارتفاع النّقيضين أيضا باطل، و ليس ذلك إلّا لعدم تشخيص موضوع المنع، فالموضوع هو‌

267

..........

____________

الصّحيحة مع قطع النّظر عن الحكم بالمنع و طروّ البطلان لذلك. و حينئذ ففي فرض المسألة، كما أنّ السّابقة تصلح للمانعيّة، كذلك اللاحقة تصلح لذلك، لأنّها أيضا صحيحة مع قطع النّظر عن اعتبار المسافة المذكورة.

و ثانيا: على فرض كون الموضوع هو الصّلاة الصّحيحة من جميع الجهات، حتّى بلحاظ الحكم المذكور في تلك القضيّة، فلا يمكن أيضا ترجيح السّابقة على اللاحقة. لأنّ الحكم بصحّة السابقة متوقّف على فرض بطلان اللاحقة، و إلّا كانت باطلة، و بطلانها يتوقّف على صحّة السّابقة، إذ لو لا صحّة السّابقة لما كان وجه في بطلانها، فالحكم بصحّة السّابقة دوريّ، كما أنّ الحكم ببطلان اللاحقة تعيّنا كذلك، فإنّه يتوقّف على صحّة السّابقة، إذ على تقدير بطلانها لا وجه للحكم بالبطلان في اللاحقة؛ و صحّة السّابقة تتوقّف على بطلان اللاحقة، فإنّه لو كانت اللاحقة صحيحة لصارت السّابقة باطلة بلحاظ البقاء، و حينئذ لا بدّ إمّا من الحكم ببطلان الجمعتين- إن أغمض عن الإشكال السّابق من استلزام البطلان لعدمه- و إمّا من القول ببطلان إحدى الجمعتين من غير تعيين، كما في المتقارنتين. فتأمّل.

و يمكن التوجيه بوجوه أخر:

منها أن يقال: إنّ شرط الوحدة إنّما هي في الابتداء كما في العدد، و هو خلاف الظّاهر.

و منها أن يقال: كما في صلاة الوالد الماجد الأستاذ- رضي اللّه عنه و أرضاه- (1) بأنّ المانع متقوّم بمن يوجد الجمع، فمن يوجده فهو مانع عن صلاته، قال- (قدّس اللّه نفسه)-: و الّذي يرشد إلى ذلك قوله (عليه السلام): «فإذا كان بين الجماعتين ثلاثة أميال فلا بأس أن يجمع هؤلاء و يجمع هؤلاء» (2).

أقول: في إحدى الروايتين «لا تكون جمعة إلّا فيما بينه و بين ثلاثة أميال،

____________

(1) ص 672.

(2) وسائل الشيعة- ج 5 ص 17 ح 2 من باب 7 من أبواب صلاة الجمعة.

268

..........

____________

و ليس تكون جمعة إلّا بخطبة. فإذا كان بين الجماعتين في الجمعة ثلاثة أميال، فلا بأس أن يجمع هؤلاء و يجمع هؤلاء» (1) و لا يخفى أنّ الظاهر أنّ أصل الحكم قوله (عليه السلام): «لا تكون جمعة» و قوله (عليه السلام): «فإذا كان» تفريع عليه، و أنّ الأصل ما فرّع عليه ذلك.

و في الأخرى: ذكر العبارتين من دون تفريع. فإذا لم تكن العبارة الأولى دالّة على بطلان الجمعة الأولى- لأنّ المفهوم وجود البأس في إيجاد الجمعة و الإيجاد مستند إلى اللاحقة دون السّابقة- فما المانع من إطلاق الأخرى. هذا، مع أنّ الظّاهر منه- كما في غيره من الموانع- أنّ المانع وجود ذلك لا استناد الإيجاد إلى المكلّف. فلو قيل: «لا تلبس الميتة في الصّلاة» لا يشكّ العرف [في] أنّ لبس الميتة مانع عن الصّلاة، فيحكم ببطلان صلاته لو ألقى الغير عليه ذلك و لم يلبسها بنفسه.

و الّذي يظهر لي في حلّ العويصة: أنّه بعد فرض أنّ الظاهر هو الجمعتان الصّحيحتان من جميع الجهات إلّا ما لا يمكن ذلك عقلا، و بعد وضوح أنّ الأجزاء كالشّرائط، فالجمعة الأولى صحيحة من حيث الاشتمال على الأجزاء المتقدّمة من جميع الجهات، و الجمعة اللاحقة ليست كذلك، فالتكبيرة في الجمعة اللاحقة المقارنة لركوع الجمعة السّابقة تشترك معه في عدم فرض صحّتهما بنفسهما، و تفترقان في أنّ الرّكوع المقارن صحيح من جهات تقدّم التّكبيرة و القراءة و القيام الصّحاح فهي مانعة عن اللاحقة. كما لو كانت إحداهما باطلة من جهة بعض الشّرائط و الأخرى لم تكن كذلك، إذ لا فرق بين الأجزاء و الشّرائط. و اللّه العالم.

و كيف كان، فقد تحقّق ممّا ذكرناه أنّ الصّحيح بحسب الظّاهر هو بطلان الجمعتين من غير فرق بين التّقارن و السّبق. و اللّه العالم. فيسقط الفروع المترتّبة على الفرق بين المسألتين لكن نذكرها إن شاء اللّه تعالى بنحو الاختصار و الإجمال.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 16 ح 1 من باب 7 من أبواب صلاة الجمعة.

269

..........

____________

فرعان الأوّل: في الجواهر (1) و المصباح (2) و صلاة الوالد الماجد (3) عدم الفرق في الفساد بين العمد و النّسيان و الغفلة. لكنّ الأصحّ هو الحكم بالصحّة في الأخيرين لحديث «لا تعاد الصّلاة». بل المقام أولى من ترك الخطبة نسيانا، لعدم الإخلال من جهة الخطبة في المقام. و لا ينبغي الإشكال أصلا إذا فرض سعة الوقت و بقائه، لعدم تمشّي إيراد الوالد الماجد- (قدّس سرّه)- في المقام. و اللّه العالم بحقائق الأحكام.

الثاني: لو شكّ في وجود شرط الوحدة فله شقّان:

أحدهما: أن لا يعلم بوجود جمعة أصلا في الحدود المحتملة كونها من المسافة.

ثانيهما: أن يعلم بإقامة جمعة اخرى و يشكّ في المسافة.

و توضيح المسألة مبنيّة على أنّ المستفاد من الخبرين هل هو مانعيّة الجمعة الواقعة في المسافة القليلة المعيّنة، أو شرطيّة المسافة الكثيرة المعيّنة- أي ثلاثة أميال فما زاد- على فرض إقامة الجمعة، أو الدّخيل في الصحّة أحد الأمرين: من عدم إقامة الجمعة، أو كون المسافة كثيرة، فيكون الدّخيل أعمّ من الشّرط و عدم المانع، فلا بدّ أن لا يكون جمعة، أو تكون بينها و بين غيره المسافة الكثيرة.

الظّاهر أنّه لا إشكال في الشّقّ الأوّل على جميع التقادير، فيستصحب عدم وجود جمعة اخرى فيترتّب عليه عدم المانعيّة، أو عدم الاشتراط بعدم وجود شرطه، أو تحقّق أحد الأمرين الّذي يكون الصّلاة مشروطا به.

و أمّا الشقّ الثّاني أي صورة وجود الجمعة و الشّكّ في المسافة، فبناء على المانعيّة تجري البراءة و يحكم بعدم مانعيّة الموجود، مضافا إلى استصحاب عدم وجود جمعة في المسافة القليلة، و أمّا بناء على الشّرطيّة على تقدير وجود الجمعة، أو كون الدّخيل في‌

____________

(1) ج 11 ص 247.

(2) كتاب الصلاة ص 449.

(3) ص 671.

270

..........

____________

الصّلاة أحد الأمرين- من وجود المسافة الكثيرة أو عدم الجمعة- فلا بدّ من الإحراز للعلم بالتّكليف و الشّكّ الامتثال، فلا يجري البراءة و لا الاستحباب، لأنّ استصحاب عدم وجود الجمعة في المسافة القليلة لا يثبت ما هو الشّرط من كون المسافة كثيرة، كما هو واضح.

إذا عرفت ذلك، فالظّاهر من حسن محمّد بن مسلم الّذي تقدّم نقله عن الكافي (1) هو الشّرطيّة لقوله (عليه السلام) «يكون بين الجماعتين ثلاثة أميال» و قوله (عليه السلام): «لا تكون جمعة إلّا فيما بينه و بين ثلاثة أميال» لأنّه نظير «لا صلاة إلّا إلى القبلة» و «لا صلاة إلّا بطهور» في ظهوره في أنّ ملاك الصّحّة وجود مسافة ثلاثة أميال، و لو كان ملاك الصحّة عدم المسافة القليلة لكان المناسب أن يقول:

«إلّا إذا لم يكن فيما بينه و بين أقلّ من ثلاثة أميال جمعة اخرى». و قوله (عليه السلام): «إذا كان بين الجماعتين ثلاثة أميال فلا بأس أن يجمع هؤلاء و يجمع هؤلاء» الظّاهر في أنّ الموضوع لعدم البأس- الّذي هو عبارة أخرى عن الصحّة- وجود ثلاثة أميال.

و خبر الشّيخ- (قدّس سرّه)- المتقدّم أيضا (2) مشترك معه في القول الثّالث، لكن قوله (عليه السلام) في الذيل: «و لا يكون بين الجماعتين أقلّ من ثلاثة أميال» ظاهر في المانعيّة، و مقتضى حجّيّتهما وصول الجملتين، فيحكم بالمانعيّة و الشّرطيّة إمّا من باب وجود الملاكين، بأن يقال مثلا: إنّ الغرض هو كثرة الجماعة المتقوّمة بالمسافة الكثيرة، فذلك ملاك الشّرطيّة، و له أيضا غرض آخر و هو عدم الدّخل في حريم إحدى الجمعتين بإيجاد جمعة أخرى في المسافة القليلة. و إمّا من باب أنّ الملاك و إن كان مقتضيا لأحد الأمرين من المانعيّة أو الشّرطيّة، إلّا أنّ المصلحة في جعل كلا الأمرين على ذمّة المكلّف، لحفظ الشّرط أو التجنّب عن المانع في جميع موارد الشّكّ،

____________

(1) في ص 261 و 260.

(2) في ص 261 و 260.

271

فتصلّي الثانية الظهر (1)

____________

فإنّ مقتضى الشّرطيّة هو الإحراز في الشّقّ الثّاني، و مقتضى المانعيّة هو الإحراز في الشّقّ الأوّل، لو لم يجر الاستصحاب من جهة معارضته لاستصحاب وجود صلاة الجمعة في كلّ يوم من الجمعة، فالمانعيّة معلومة و المانع غير معلوم الوجود، فلا بدّ من إحرازه. و إن أبيت عن ذلك فالشّرطيّة مسلّمة، لدلالة الدّليلين على ذلك، فلا بدّ من الإحراز في المبحوث عنه. و اللّه العالم.

و لو كان وقت الجمعة باقيا، و ذلك لما أرسلوه في كلماتهم إرسال المسلّمات من عدم مشروعيّة عقد الجمعة بعد سبق جمعة صحيحة في مصر واحد. كما يلوح من التذكرة (1) و جامع المقاصد (2) و غير هما. لكن لم أجد المسألة محرّرة في كلماتهم.

و يمكن الاستدلال بعدّة من الأخبار الدّالّة على أنّ من لم يدرك الرّكعة الثانية فليصلّ أربعا- مثل صحيح الحلبيّ و فيه: «و إن أدركته بعد ما ركع فهي أربع بمنزلة الظّهر» (3) و صحيح البقباق و فيه: «إذا أدرك الرّجل ركعة فقد أدرك الجمعة، و إن فاتته فليصلّ أربعا» (4) و غير ذلك، فراجع الباب- بتقريب أنّه لو كانت إقامة جمعة اخرى بعد الأولى صحيحة، لا بدّ من التّفصيل بين بقاء الوقت و عدمه، فعلى الأوّل يجب عليه إقامة جمعة اخرى مع تماميّة الشّرائط.

و إن قيل: إنّ ذلك من جهة ما تقدّم من أنّ المستفاد من الأدلّة أنّ شرط الجمعة الصّحيحة أن تكون من أوّل الزّوال، و إذا زالت الشّمس و لم يتلبّس بالجمعة فقد فاتت، و ليس ذلك من جهة تقدّم الجمعة الصحيحة.

قلنا: بأنّ النتيجة واحدة، فالمتأخّرة المحكومة بالبطلان لا تجوز إعادتها جمعة.

____________

(1) ج 1 الخامس: الوحدة.

(2) ج 1 كتاب الصلاة ص 148 و 149.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 40 ح 1 من باب 26 من أبواب صلاة الجمعة.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 41 ح 2 من باب 26 من أبواب صلاة الجمعة.

272

و لا اعتبار بتقديم السّلام (1) و لا الخطبة (2) بل بتقديم التّحريم، و مع الاقتران يعيدون جمعة (3) و مع اشتباه السّابق بعد تعيينه أو لا بعده [يعيدون ظهرا] (4)

____________

اي سلام الصّلاة، فيكون ملاك السّبق، السّبق في الإتمام، لا السّبق في الشّروع.

خلافا لما في التّذكرة عن بعض الشّافعيّة من الاعتبار بالفراغ عنها بالسّلام (1).

قال (قدّس سرّه) في مصباح الفقيه ما معناه: «أنّ الملاك في التّقارن و السّبق عند علمائنا- على ما نسبه غير واحد إليهم بل و كذا عند أكثر العامّة على ما في المدارك و غيره- هو التّكبيرة» (2).

أقول: الوجه في ذلك أنّ المتبادر من قوله (عليه السلام) فيما تقدّم (3) «لا يكون بين الجماعتين أقلّ من ثلاثة أميال» و قوله (عليه السلام): «لا تكون جمعة إلّا فيما بينه و بين ثلاثة أميال» أنّ الشّرط أن لا يكون بين الصّلاتين أقلّ من ثلاثة أميال، فإنّ المتبادر من الجماعة هو صلاة الجماعة لا الأعمّ منها و الحاضرون للخطبة، و كذا المتبادر من الجمعة هي صلاتها لا الأعمّ منها و الاجتماع المتحقّق قبلها. و يترتّب على ذلك عدم البأس بكون الخطبتين في الأقلّ من ثلاثة أميال إذا كان التّباعد حاصلا حين إقامة الصّلاتين.

و ذلك لبطلان الصّلاتين، فلم تتقدّم جمعة صحيحة حتّى لا يشرع إقامة الجمعة، لكن ذلك على فرض امتداد الوقت، أمّا لو قلنا إنّ وقته أوّل الزّوال فلا بدّ من الظّهر أربع ركعات، كما لو قلنا بمقالة المشهور من الامتداد إلى أن يصير ظلّ كلّ شي‌ء مثله، فلا بدّ من تقييد ذلك أيضا ببقاء الوقت.

المقصود صورة العلم بعدم التّقارن، و وجود سابق في البين الموجب للعلم‌

____________

(1) التذكرة صلاة الجمعة البحث الخامس الوحدة.

(2) مصباح الفقيه كتاب الصلاة ص 451.

(3) في ص 261.

273

[و مع] اشتباه السّبق [ف‍]- الأجود إعادة جمعة و ظهر (1)

____________

بتحقّق جمعة صحيحة. و حينئذ كلّ من الفريقين لا يحتملون اشتغال ذمّتهم بصلاة الجمعة، لأنّه إن كان السّابق، فقد صلّى الجمعة الصّحيحة، و إن كان اللاحق، فيكون مسبوقا بالجمعة الصّحيحة و ليس عليه إلّا الظّهر، فلا يجب الجمعة قطعا.

أمّا وجوب إعادة الظّهر على كلّ من الفريقين جزما، فالوجه فيه هو اشتغال الذّمّة قطعا بصلاة الجمعة تعيينا أو تخييرا بينها و بين الظّهر، و مقتضى الاستصحاب عدم الإتيان بالجمعة الصّحيحة، فيجب عليه الظّهر.

لكن يمكن أن يقال: إنّ الشكّ في صحّة ما أتى به من الجمعة مسبّب عن الشكّ في تحقّق الجمعة الأخرى عند انعقاد جمعته، و مقتضى الاستصحاب لكلّ الفريقين عدم تحقّق الجمعة الأخرى عند شروعهم في الجمعة، و لا يعارض ذلك باستصحاب عدم الشّروع في الجمعة عند عدم تحقّق الجمعة الأخرى، لعدم كون ذلك موردا للأثر، و لا باستصحاب عدم الشّروع في الجمعة عند شروع الفريق الآخر فيها، لأنّه لا يقتضي إلّا صحّة جمعة الفريق الآخر، و لا يقتضي بطلان تلك الجمعة إلّا على النّحو المثبت.

هذا. مضافا إلى قاعدة الفراغ، إذ احتمل كلّ من الفريقين مراعاة السّبق، بل مطلقا على وجه معروف. و مخالفة الأصلين الجاريين لكلّ من الفريقين للعلم الإجماليّ الموجب لمخالفة أحد الفريقين ما هو الواجب عليه واقعا، غير ضائرة، من جهة أنّ مورد العلم الإجماليّ ليس هو التكليف المتعلّق بشخص واحد و فريق واحد، فهو كالعلم بوجوب الغسل لواجدي المنيّ في الثّوب المشترك.

المقصود أنّه يحتمل السبق و التقارن، فالفرق بين الشقّين أنّ في الأوّل كان السبق محقّقا و الاشتباه إنّما كان فيما هو السّابق، و في هذا الشقّ يكون الشكّ في أصل السّبق.

و الوجه في ذلك: استصحاب عدم الإتيان بالجمعة الصّحيحة، و حينئذ يجب‌

274

..........

____________

عليه إمّا الظّهر إن كانت الجمعة السّابقة مسبوقة بالجمعة الصّحيحة، و إمّا الجمعة إن لم يكن كذلك بل كانت الجمعتان متقارنتين.

و فيه أوّلا: أنّ مقتضى ما تقدّم منّا في الوقت (1) أنّ شرط الجمعة أن يؤتى بها أوّل الزّوال، و عند فوات وقت الجمعة فلا يجب إلّا الظّهر.

و ثانيا: على فرض القول بمقالة المشهور و بقاء الوقت، قد مرّ أنّ مقتضى القاعدة هو حكم كلّ من الفريقين بوقوع جمعتهم صحيحة، للاستصحاب المتقدّم- المقدّم على استصحاب عدم الإتيان بالجمعة الصحيحة- أو لقاعدة الفراغ.

و ثالثا: على فرض الغضّ عن جميع ذلك، فمقتضى الأصل عدم تحقّق الجمعة الصّحيحة أصلا، فيجب عليهم جميعا الجمعة مع بقاء الوقت.

و الحاصل: أنّ الحقّ عدم وجوب شي‌ء على الفريقين بمقتضى الأصل، أو قاعدة الفراغ. و على فرض الغضّ عن ذلك من جهة جريان أصالة عدم الإتيان بالجمعة الصّحيحة، فالواجب هو الظّهر فقط، لمضيّ الوقت بمضيّ الزّوال على ما تقدّم، و على فرض عدم تسليم ذلك، فالواجب هو الجمعة فقط. هذا مقتضى الأصول و القواعد الّتي بأيدينا. و اللّه العالم بحقائق أحكامه.

مسألة: لو قلنا بالوجوب التّعيينيّ و فرض انعقاد جمعة لا يصحّ الاقتداء بإمامها في نظر بعض من يعتقد ذلك فحكمه يبيّن إن شاء اللّه تعالى في طيّ فروع:

الأوّل: أن يعلم ببطلان الجمعة إماما و مأموما، من جهة فسقه، أو عدم طهارته، و عدم إحراز المأمومين عدالته أو عدم طهارتهم أيضا، و حينئذ لا مانع من عقد جمعة اخرى من غير ملاحظة تقدير المسافة، لعدم وجود الجمعة الصّحيحة. بل يجب بناء على مبنى المسألة من الوجوب التّعيينيّ. لكن هذا إذا لم يكن ضرر و حرج عليه في ذلك، و إذا لم يكن ما يزاحمها من استلزام الحرام كالإهانة و تفسيق الإمام أو‌

____________

(1) في ص 25 و 28.

275

..........

____________

الفساد، و إلّا يجي‌ء حكمه إن شاء اللّه في الفرع الرّابع.

و لا يجب عليه على فرض عدم التّمكّن من إقامة الجمعة لأحد الأمور الثّلاثة، المسير إلى مكان أزيد من الفرسخين، للّحوق بالجمعة المنعقدة أو لعقدها، كما لعلّه واضح.

الثّاني: أن يعلم بصحّة صلاة المأمومين و لو من باب أصالة الصّحّة، لكن يعلم بعدم جواز الاقتداء بالإمام، من جهة العلم بفسقه أو عدم طهارته، فحينئذ لا يجوز له عقد جمعة إلّا مع مراعاة المسافة، لأنّه إمّا تصحّ صلاة الجمعة المنعقدة إماما و مأموما من جهة إحراز المأمومين عدالته، و هو كاف في صحّة الجمعة حتّى للإمام، و إمّا تصحّ صلاة المأمومين جمعة و لا تصحّ صلاة الإمام أصلا، و هو فيما إذا كان الإمام، بغير طهارة بناء على عدم اشتراطها في صحّة جماعة المأمومين، و إمّا تصحّ صلاتهم جمعة بإسقاط اشتراط الجماعة من جهة «لا تعاد» بناء على اشتراط طهارة الإمام في صحّة جماعتهم فتنقلب فرادى و تصحّ جمعة، لإلقاء شرطيّة الجماعة في صورة الجهل بالموضوع، فلا تصحّ جمعة اخرى مع تحقّق جمعة صحيحة، و لو لم تكن بوصف الجماعة.

و ما في الحسن و الموثّق المتقدّمين (1) من قوله (عليه السلام): «يكون بين الجماعتين ثلاثة أميال» و قوله: «و لا يكون بين الجماعتين أقلّ من ثلاثة أميال» الظّاهر في أنّ اشتراط المسافة الخاصّة إنّما هو بين الجماعتين، فهو محمول على الغالب، فلا مانع من الأخذ بإطلاق قوله في الحسن بعد العبارة الأولى المنقولة:

«يعني لا تكون جمعة إلّا فيما بينه و بين ثلاثة أميال» خصوصا مع التّصدّر بقوله «يعني» فإنّ ظهور الحاكم مقدّم على ظهور المحكوم، إن كان له ظهور. فتأمّل.

الثّالث: أن يحتمل عدالة الإمام و جواز الاقتداء به، فحينئذ إن تمكّن من عقد‌

____________

(1) في ص 261.

276

..........

____________

جمعة اخرى مع مراعاة المسافة يجب عليه تحصيلا للامتثال اليقينيّ، و إن لم يتمكّن من ذلك فمقتضى استصحاب عدم عدالة الإمام، جواز الاكتفاء بالظّهر. و مع فقد الحالة السابقة يحتاط وجوبا بالجمع بالاقتداء و إعادتها ظهرا، للعلم الإجماليّ.

و استصحاب عدم وجوب الجمعة لا يوجب انحلال العلم الإجماليّ، إلّا أن يكون وجوب الجمعة موضوعا لعدم وجوب الظّهر دون العكس، كما يستفاد من مصباح الفقيه و قد مرّ أنّه محلّ إشكال بل منع.

الرّابع: قد ظهر بحمد اللّه تعالى أنّه يجب عقد جمعة أخرى في الفروض المتقدّمة مع التمكّن، و أمّا مع عدم التّمكّن من ذلك فهل يسقط الجمعة أو يؤتى به حتّى في صورة العلم بعدم جواز الاقتداء بالإمام من باب قاعدة الميسور؟ وجهان: أقواهما الأوّل، بمقتضى ما يستفاد من الحكم بسقوطها في المطر، و السّقوط عن المريض و الأعمى و الكبير، و الحكم بالظّهر مع عدم درك جماعة الإمام حتّى في الرّكعة الثّانية، و الحكم ببطلان الاقتداء بالمخالفين و جواز الإتيان بالظّهر كما يظهر من غير واحد من الأخبار الّتي منها خبر أبي بكر الحضرميّ الآتي (1) إن شاء اللّه تعالى. فإنّ جميع ذلك دليل على عدم جريان قاعدة الميسور. فتأمّل. و هو العالم.

الخامس: أنّه في فرض عدم التّمكّن من الجمعة الصّحيحة هل يجب الصّبر إلى انقضاء وقت الجمعة- من جهة أنّ شرط الظّهر في يوم الجمعة إيقاعها بالكيفيّة الخاصّة و هو غير ميسور في أوّل الوقت، فيجب الصّبر لكي يقدر من الإتيان بالظّهر الصّحيح لسقوط الشّرطيّة- أو لا يجب بل يجوز له الإتيان بالظّهر في أوّل وقته؟ لعلّ الثّاني هو المستفاد من الأخبار، و ذلك لأمرين:

أحدهما: أنّ الظّاهر من الحكم بالسّقوط في موارد المرض و الهرم و المطر و غيره- من الموارد الّتي تشمل الحرج القليل و الكثير و عدم التّمكّن- أنّ السّاقط هو الموضوع‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 44 ح 3 من باب 29 من أبواب صلاة الجمعة.

277

..........

____________

في الإطلاق و ليس إلّا الشّرطيّة بالنّسبة إلى صلاة الظّهر.

ثانيهما: عدم الإشارة في جميع موارد السّقوط إلى الصّبر حتّى ينقضي وقت الجمعة، مع كونه محلّ بيان ذلك.

و يدلّ على الفرعين أي عدم الأخذ بالميسور من الجمعة، و جواز المبادرة إلى الظّهر في الجملة:، خبر أبي بكر الحضرميّ «قال: قلت لأبي جعفر (عليه السلام): كيف تصنع يوم الجمعة؟ قال: كيف تصنع أنت؟ قلت: أصلّي في منزلي ثمّ أخرج فأصلّي معهم، قال: كذلك أصنع أنا» (1).

السّادس: الظّاهر أنّه إذا كانت إقامة جمعة أخرى موجبة للوقوع في خلاف ما هو اللازم مراعاته في الشّرع، فلا بدّ من مراعاة ما هو الأهمّ، و لا دليل على كون موضوع وجوب الجمعة هو التّمكّن العقليّ و الشرعيّ معا حتّى يكون دليل مراعاة كلّ واجب أو حرام واردا عليه، كما يقال بالنّسبة إلى التيمّم و الحجّ. لكن ينبغي أن يعلم أنّ في الغالب يقدّم ترك الجمعة لأنّ المستفاد من السّقوط عن التّسعة و عمّن يقع في المطر، و من وجود البدل له، احتمال عدم الاهتمام بمراعاتها مطلقا، فيقدّم غيره عليه و لو بصرف الاحتمال، كما هو المعروف في باب المتزاحمين من تقدّم محتمل الأهمّيّة على غيره.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 44 ح 3 من باب 29 من أبواب صلاة الجمعة.

278

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

279

[المطلب الثاني: في المكلّف]

المطلب الثاني: في المكلّف

280

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

281

و يشترط فيه [أمور:

[الأوّل: البلوغ]

الأوّل: البلوغ

[ [الثاني: العقل]

[الثاني: العقل

[ [الثّالث: الذكورة]

[الثّالث: الذكورة (1)

____________

قال- (قدّس سرّه)- في الجواهر: «في المعتبر و المنتهى و التذكرة و إرشاد الجعفريّة و الذخيرة على ما حكي عن بعضها: الإجماع على اشتراط الذكورة، بل في الأوّل منها: إجماع العلماء، كما عن الثّاني: لا تجب على المرية، و هو قول كلّ من يحفظ عنه العلم» (1).

و يدلّ على ذلك غير واحد من الأخبار:

منها: صحيح زرارة، و فيه: «و وضعها عن تسعة: عن الصّغير و الكبير و المجنون و المسافر و العبد و المرأة و المريض و الأعمى و من كان على رأس فرسخين» (2).

و منها: صحيح أبى بصير و محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

«إنّ اللّه عزّ و جلّ فرض في كلّ سبعة أيّام خمسا و ثلاثين صلاة، منها صلاة واجبة على كلّ مسلم أن يشهدها إلّا خمسة: المريض و المملوك و المسافر و المرأة و الصّبيّ» (3) و كأنّ الأعمى و المجنون و الكبير داخل في المريض، فإنّ الكبير داخل في ما هو الملاك في استثناء المريض بالنّسبة إلى نوع أقسامه، و لعلّ عدم ذكر المجنون من باب وضوح‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 258.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 2 ح 1 من باب 1 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 5 ح 14 من باب 1 من أبواب صلاة الجمعة.

282

[ [الرّابع: الحرّيّة]

[الرّابع: الحرّيّة (1)

[ [الخامس: الحضر]

[الخامس:] الحضر (2)

____________

استثنائه، بحيث لا يحتاج إلى الذّكر.

و منها: صحيح صفوان عن منصور عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال «الجمعة واجبة على كلّ أحد، لا يعذر النّاس فيها إلّا خمسة: المرأة و المملوك و المسافر و المريض و الصبيّ» (1) إلى غير ذلك من الرّوايات، مضافا إلى ما عرفت من إجماع علماء الإسلام على ذلك.

و في التّذكرة- بعد دعوى الإجماع و نقل حديث عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من طرق العامّة دالّا على استثناء المرأة و نقل صحيح أبي بصير و محمّد بن مسلم من طرق الخاصّة- قال: و قال الشّافعيّ: يستحبّ لهنّ [اي للعجائز] الحضور مع إذن أزواجهنّ لانتفاء الفتنة فيهنّ (2).

قال (قدّس سرّه) في التّذكرة: «لا تجب على العبد عند علمائنا أجمع، و به قال عامّة العلماء. و قال داود: تجب، و عن أحمد روايتان- إلى أن قال (قدّس سرّه)-: و لو أذن له السيّد استحبّ له الحضور و لا يجب عليه» (3).

أقول: و يدلّ عليه جميع ما تقدّم آنفا من الصّحاح- صحيح زرارة و أبي بصير و صفوان- و مقتضاه عدم الفرق بالنّسبة إلى رفع الوجوب بين إذن السيّد و عدمه.

قال (قدّس سرّه) في التذكرة: «لا تجب على المسافر عند عامّة العلماء.

و قال الزّهريّ و النّخعيّ: تجب عليه الجمعة إن سمع النّداء» (4).

أقول: و يدلّ عليه أيضا جميع ما تقدّم- في الصفحة المتقدّمة و غيرها- من الرّوايات.

فلا إشكال في ذلك في الجملة، إنّما الإشكال في الفروع الّتي ذكرها في التّذكرة في ذيل هذا الشّرط.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 5 ح 16 من باب 1 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) التذكرة صلاة الجمعة المطلب الثاني فيمن تجب عليه.

(3) التذكرة كتاب صلاة الجمعة المطلب الثاني فيمن تجب عليه.

(4) التذكرة كتاب صلاة الجمعة المطلب الثاني فيمن تجب عليه.

283

..........

____________

قال- (قدّس سرّه)- فروع:

الف: إنّما تسقط الجمعة في السّفر المباح. أمّا المحرّم فلا، لمنافاته الترخيص.

ب: إنّما تسقط في السّفر المبيح للقصر، فمن كان سفره أكثر من حضره لا تسقط عنه الجمعة، و كذا في المواضع الّتي يستحبّ الإتمام فيها.

ج: لو نوى الإقامة عشرة أيّام صار بحكم المقيم. انتهى ملخّصا (1).

أقول: أمّا عدم السّقوط في سفر المعصية فكأنّه لأنّ المستفاد من بعض الأخبار أنّ وجه ذلك عدم كون سفره حينئذ صالحا لأن يكون موردا للامتنان، و سقوط الصّوم و قصر الصّلاة إنّما يكون من باب الامتنان، و العلّة المذكورة موجودة أيضا بالنّسبة إلى سقوط الجمعة، فإنّه أيضا للامتنان، و مقتضى التّعليل عدم صلاحيّة من يكون سفره في معصية اللّه أن يكون موردا للامتنان، لأجل ذاك السّفر.

و أمّا ما يدلّ على أنّ علّة التقصير و الإفطار ذلك، و أنّ علّة التّمام و وجوب الصّوم على من كان سفره في معصية اللّه عدم صلاحيّته للامتنان: فهو ما عن عمران بن محمّد بن عمران القمّيّ عن بعض أصحابنا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

قال: «قلت له: الرّجل يخرج إلى الصّيد مسيرة يوم أو يومين (أو ثلاثة) يقصّر أو يتمّ؟ فقال (عليه السلام): إن خرج لقوته و قوت عياله فليفطر و ليقصّر، و إن خرج لطلب الفضول، فلا، و لا كرامة» (2). فإنّ قوله «و لا كرامة» ظاهر في أنّ الملاك في التقصير و الإفطار هو الإكرام و مراعاة المسافر، و لا كرامة لمن يريد الفضول بصيد الحيوانات، كما أنّه لا كرامة لمن يقصد بسفره معصية اللّه بالطريق الأولى.

هذا. و لكنّ الخبر ضعيف السّند، و دلالته على التّعليل غير واضح، لملائمته مع كون ذلك حكمة في عدم القصر و الإفطار، فلا يتعدّى منه إلى المورد. فالأشبه‌

____________

(1) التذكرة صلاة الجمعة المطلب الثاني فيمن تجب عليه.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 512 ح 5 من باب 9 من أبواب صلاة المسافر.

284

..........

____________

بحسب الأدلّة هو سقوط الجمعة عن المسافر الّذي سفره في معصية اللّه، لإطلاق الدّليل، و عدم مخصّص في البين.

و أمّا عدم السّقوط عن الّذي يكون سفره أكثر من حضره، كالمكاري و الجمّال و البريد و الاشتقان فالظّاهر أنّه قريب، من جهة أنّ المستفاد من التّعليل الوارد في ذيل صحيح زرارة (1) عن أبي جعفر (عليه السلام) «لأنّه عملهم» هو الحكومة على دليل السّفر، و أنّ شبهة الانصراف- الّتي ربما تختلج في ذهن أهل العرف من جهة مناسبة الحكم و الموضوع- عمّن يكون شغله السّفر فكأنّه في الوطن دائما، أو لا عسر عليه، أو لا معنى لرفع أحكام الحاضرين عنه دائما، إنّما يكون في محلّها، و أنّ الانصراف المذكور صحيح.

لكنّ الإنصاف: أنّ استفادة الحكومة منه مشكل، إذ التّعليل كما يناسب أن يكون راجعا إلى مقام الإثبات و مبيّنا لعدم شمول ما يدلّ على حكم المسافر، كذلك يلائم مقام الثبوت أيضا، كما لا يخفى. فدليل السّقوط عن المسافر في باب الجمعة محكّم غير محكوم عليه. فتأمّل.

و أمّا عدم سقوط الجمعة في مواضع استحباب الإتمام، فخال عن الوجه، لأنّ المقصود في المقام سقوط وجوبها، و المفروض سقوط وجوب التّمام في المواضع المشار إليها، فلا وجه لعدم سقوط وجوب الجمعة. و أمّا أصل المشروعيّة فيجي‌ء إنّها متحقّقة و لو بالنّسبة إلى المسافر الّذي يجب عليه التّقصير و الإفطار.

و أمّا كون المقيم بمنزلة المتوطّن في وجوب الجمعة عليه، فيدلّ عليه خبر زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: من قدم قبل التّروية بعشرة أيّام وجب عليه إتمام الصّلاة، و هو بمنزلة أهل مكّة، فإذا خرج إلى منى وجب عليه التقصير.» (2).

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 515 ح 2 من باب 11 من أبواب صلاة المسافر.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 526 ح 10 من باب 15 من أبواب صلاة المسافر.

285

[ [السّادس: انتفاء العمى]

[السّادس:] انتفاء العمى (1)

____________

و أمّا المقيم ثلاثين يوما، فيدلّ عليه خبر إسحاق بن عمّار، و فيه: «المقيم بمكّة إلى شهر بمنزلتهم» (1) و لا يبعد اعتبار الخبرين، و إن كان فيه إشكال.

قال (قدّس سرّه) في الجواهر: «في التّذكرة و عن المنتهى نسبة السّلامة من العمى إلى علمائنا، و المعتبر و الذكرى إلى الأصحاب، و عن مصابيح الظّلام الإجماع عليه» (2) قال في التّذكرة: و به قال أبو حنيفة. و قال الشّافعيّ و أحمد تجب عليه مع المكنة (3).

أقول: و يدلّ عليه خبر زرارة المتقدّم (4) الّذي نقله المشايخ الثّلاثة (قدّس اللّه أسرارهم)- في الكتب المعروفة و غيرها من الخصال و الأمالي- بطرق متعدّدة فيها الصّحيح و الحسن، و كذا ما في الفقيه من خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) و فيها:

«و الجمعة واجبة على كلّ مؤمن إلّا على الصّبيّ و المريض و المجنون و الشّيخ الكبير و الأعمى و المسافر و المرأة و العبد المملوك، و من كان على رأس فرسخين» (5).

و لا ينافي ذلك عدم التعرّض في بعض الرّوايات الأخر- مع كونه في مقام التّحديد- كصحيح محمّد بن مسلم و أبي بصير المتقدّم (6) و فيه: «أنّها واجبة على كلّ مسلم أن يشهدها إلّا خمسة» و ليس من جملتها الأعمى، و ذلك لما أشرنا إليه من إمكان إرادته من المريض. قال في الجواهر: «لا فرق في إطلاق النّصّ و الفتوى بين ما يشقّ معه الحضور و عدمه، كما صرّح به بعضهم» (7) و قال في التّذكرة: «الأعمى لا تجب عليه الجمعة عند علمائنا، سواء كان قريبا من الجامع يتمكّن من الحضور إليه من غير قائد أو بعيدا يحتاج إلى القائد» (8).

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 527 ح 11 من باب 15 من أبواب صلاة المسافر.

(2) الجواهر، ج 11، ص 261.

(3) التذكرة، ج 1، صلاة الجمعة، المطلب الثاني فيمن تجب عليه.

(4) في ص 281.

(5) وسائل الشيعة ج 5 ص 3 ح 6 من باب 1 من أبواب صلاة الجمعة.

(6) في ص 281.

(7) الجواهر، ج 11، ص 261.

(8) التذكرة، ج 1، صلاة الجمعة، المطلب الثاني فيمن تجب عليه.

286

[ [السابع: انتفاء العرج]

[السابع: انتفاء] العرج (1).

____________

قال في التذكرة: «الأعرج و الشّيخ الّذي لا حراك به لا جمعة عليهما عند علمائنا أجمع، إن بلغ العرج الإقعاد، لأنّ المشقّة هنا أعظم من المشقّة في المريض، فتثبت الرّخصة هنا كما ثبتت هناك. و الشّيخ (قدّس سرّه) أطلق الإسقاط، و لم يذكره المفيد في المسقطات» (1).

أقول: لا دليل على استثناء الأعرج إلّا ما في المستدرك عن كتاب العروس بإسناده عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) حيث روى الخبر على طبق ما نقلناه (2) إلّا فيما لا يضرّ بالمفاد، قال بعد ذلك: «و روي مكان المجنون، الأعرج» (3). و ما في الجواهر عن مصباح السيّد أنّه قال: «و قد روي أنّ العرج عذر» (4).

و من المعلوم عدم جواز الاستدلال بهما:

أمّا الأوّل فلأنّ مقتضى الصّحيح و الحسن و غيرهما: عدم وجود الأعرج في ما صدر عن أبي جعفر (عليه السلام)، فالدّليل المعتبر دلّ على عدم وجود الأعرج فيما نقله زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام).

و أمّا الثّاني فلاحتمال كونه ما ذكر، و على تقدير كونه غير ما ذكر فهو ضعيف. و الظّاهر من عبارات الأصحاب الّتي تقدّم بعضها: عدم الاستناد إليه، فلا دليل على استثناء الأعرج.

نعم، يمكن أن يقال بسقوط الوجوب عن كلّ من كان حضوره مستلزما للحرج أو الضّرر، كما في سائر التكاليف الشّرعيّة لعموم أدلّة الحرج و الضرر و الاضطرار، فالحكم في غير ما ورد فيه النصّ يدور مدار الحرج الفعليّ.

____________

(1) التذكرة، ج 1، كتاب صلاة الجمعة المطلب الثاني في من تجب عليه.

(2) في ص 281.

(3) المستدرك ج 1 ص 407 ح 1 من باب 1 من أبواب صلاة الجمعة.

(4) الجواهر ج 11 ص 262.

287

[الثّامن: انتفاء المرض]

[الثّامن: انتفاء] المرض (1)

____________

قال (قدّس سرّه) في الجواهر: «و في المعتبر و عن المنتهى و مصابيح الظّلام:

الإجماع على السّلامة من المرض» (1).

أقول: و يدلّ عليه جميع ما تقدّم (2) و غيرها ممّا هو مذكور في الباب المشار إليه من الوسائل (3).

قال- (قدّس سرّه)- في التّذكرة: «لا تجب على المريض الجمعة لما تقدّم من الأحاديث و للمشقّة، سواء خاف زيادة المرض، أو المشقّة الغير المتحمّلة، أو لا» (4).

أقول: لا ينبغي الإشكال في شمول الإطلاق للمريض الّذي يوجب حضور الجمعة عليه مشقّة في الجملة- و لو كانت يسيرة- للإطلاق و عدم الانصراف. إنّما الإشكال في صورة عدم المشقّة أصلا، بأن كان مرضه مناسبا للسير و حضور الجمعة- كأمراض الأعصاب و الأمراض الرّوحيّة- فالظّاهر هو الانصراف عنه بمناسبة المقام، فإنّ الظّاهر أنّ الرّفع امتنانيّ، و يكون من باب اقتضاء المرض للامتنان، لا الامتنان المتحقّق في جميع موارد رفع التكليف.

و من هنا يتّجه أن يقال: إنّ في جميع موارد الاستثناء الواقع في الرّوايات- المعلوم بحسب المناسبات العرفيّة أنّه من باب الامتنان و مراعاة الوضع الطّاري، كالأعمى و الكبير- يكون الأمر كذلك للانصراف و الرّجوع الى الإطلاق.

نعم، لا يدور الحكم فيها مدار الحرج الرّافع للتّكليف، بل لو كان في البين مشقّة يسيرة، أو ضرر يسير، أو خوف ذلك من جهة وجود العناوين المذكورة لا يتّجه التمسّك بالإطلاق.

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 261.

(2) في ص 281 و 282

(3) باب 1 من أبواب صلاة الجمعة ج 5.

(4) التذكرة ج 1 صلاة الجمعة المطلب الثاني فيمن تجب عليه.

288

[التّاسع: انتفاء الشيخوخة البالغة حدّ العجز]

[التّاسع: انتفاء] الشيخوخة البالغة حدّ العجز (1)

____________

و يؤيّد الإطلاق ما ورد في الصّحيح من السّقوط عند نزول المطر، فعن عبد الرّحمن عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «أنّه قال: لا بأس أن تدع الجمعة في المطر» (1) فإنّ المستفاد منه جواز ترك الجمعة لمشقّة يسيرة، فلو لم يكن ذلك قاعدة في باب حضور الجمعة، لكنّه موجب لعدم انصراف الإطلاق إلى صورة الحرج الرّافع للتّكليف منحصرا، بل الظّاهر أنّه يعمّه و يعمّ كلّ ما يكون فيه مشقّة يسيرة من قبيل الخروج في المطر أو غير ذلك.

ثمّ إنّ الرّفع عن المسافر يمكن أن لا يكون امتنانيّا، بل كان من باب عدم وجوب أربع ركعات عليه، من جهة أنّه لا يجب عليه أربع ركعات حتّى يجب عليه الصّلاة المشتملة على الخطبتين اللّتين هما بدل للرّكعتين، فيؤخذ بالإطلاق، فلا يجب على المسافر مطلقا.

قال (قدّس سرّه) في الجواهر ما ملخّصه: أنّ السقوط عن الكبير- الّذي يتعذّر عليه، أو يشقّ مشقّة شديدة- من الواضحات المستغنية عن صريح إجماع التّذكرة و غيرها، إنّما الكلام في الكبير الّذي لم يبلغ ذلك، فإنّ إطلاق معقد ظاهر الإجماع المحكيّ عن المعتبر و المنتهى يقتضي السّقوط، لكن ورد التّقييد في كلام غير واحد منهم- ثمّ ذكر عدّة من الكتب، ثمّ قال-: و لم أعرف الوجه في التقييد بذلك في خصوص هذا العذر، مع أنّ النّصوص أطلقت فيه كغيره من الأعذار، فالمتّجه التقييد فيها جميعها أو الإطلاق (2).

أقول: لعلّ الوجه للتّقييد فيه بالخصوص، عدم كونه في غير واحد من الأخبار الواردة في مقام التّحديد، مثل صحيح محمّد بن مسلم و أبي بصير المتقدّم (3) فلا بدّ‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 37 ح 1 من باب 23 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) الجواهر ج 11 ص 264.

(3) في ص 281.

289

[العاشر: انتفاء الزيادة على الفرسخين بينها و بين موطنه]

[العاشر: انتفاء] الزيادة على الفرسخين بينها و بين موطنه (1)

____________

من الجمع بينهما بكونه مقصودا من المريض- و لا ريب أنّه لا يمكن إرادة كلّ كبير من المريض- أو كون تركه لمعلوميّته، فلا بدّ أن يكون عاجزا أو ملحقا به.

و من ذلك يظهر أنّ الأصحّ هو التّقييد بما إذا كانت الشّيخوخة بحدّ توجب مشقّة كالمرض الموجب لها و لو كانت يسيرة. و ذلك قضاء لحفظ ظهور باقي الأخبار و الأخذ بإطلاق صحيح زرارة. و اللّه العالم.

نسب ذلك إلى المشهور بين الأصحاب، قال- (قدّس سرّه)- في الجواهر:

«فالمشهور بين الأصحاب نقلا و تحصيلا شهرة عظيمة- بل لا أجد فيها خلافا بين المتأخّرين- الوجوب، بل في الخلاف و الغنية و شرح نجيب الدّين و ظاهر المنتهى و كشف الحقّ: الإجماع عليه» (1).

و هنا أقوال أخر:

الأوّل: القول بأنّ البعد الّذي لا يجب معه السّعي هو الكون على رأس الفرسخين فما زاد، لا الكون في الزّائد عليهما فصاعدا. و هو الّذي نقل عن الصّدوق في المقنع (2) و الأمالي، و فيها: أنّه ذكر ذلك في وصف دين الإماميّة (3).

و روى في الفقيه ما يدلّ على ذلك أيضا (4). و هو الّذي حكي عن ابن حمزة أيضا (5).

الثّاني: ما حكي عن ابن أبي عقيل أنّه قال: «و من كان خارجا من مصر أو قرية إذا غدا من أهله بعد ما يصلّي الغداة فيدرك الجمعة مع الإمام، فإتيان الجمعة عليه فرض. و إن لم يدركها إذا غدا إليها بعد صلاة الغداة، فلا جمعة عليه» (6).

الثّالث: ما عن ابن الجنيد من وجوب السّعي إليها على من يسمع النّداء بها أو‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 266.

(2) الحدائق ج 10 ص 152 و مصباح الفقيه ج 2 ص 452.

(3) الحدائق ج 10 ص 152 و مصباح الفقيه ج 2 ص 452.

(4) الحدائق ج 10 ص 152 و مصباح الفقيه ج 2 ص 452.

(5) الحدائق ج 10 ص 152 و مصباح الفقيه ج 2 ص 452.

(6) الحدائق ج 10 ص 152 و مصباح الفقيه ج 2 ص 452.

290

..........

____________

كان يصل إلى منزله إذا راح منها قبل خروج نهار يومه (1).

فالمحصّل: أنّ الأقوال في المسألة أربعة: الأوّل: أنّ البعد هو الزّائد على الفرسخين. الثّاني: أنّه نفس الفرسخين. الثّالث: عدم إدراك الجمعة إن غدا إليها بعد صلاة الغداة. الرّابع: عدم الوصول إلى منزله في نهار يومه بعد الجمعة.

حجّة المشهور جملة من الأخبار، منها: صحيح محمّد بن مسلم و زرارة أو الحسن بإبراهيم عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: تجب الجمعة على كلّ من كان منها على فرسخين». قال في الوسائل: و رواه الشّيخ عن محمّد بن عليّ بن محبوب، عن عليّ بن السّنديّ عن محمّد بن أبي عمير مثله (2).

و منها: صحيح محمّد بن مسلم أو الحسن بإبراهيم قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الجمعة، فقال: تجب على كلّ من كان منها على رأس فرسخين، فإن زاد على ذلك فليس عليه شي‌ء» (3).

و منها: صحيح محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: تجب الجمعة على من كان منها على فرسخين» (4). و لعلّه متّحد مع الخبر الأوّل.

و منها: ما عن العلل و عيون الأخبار بإسناده عن الفضل بن شاذان، عن الرّضا (عليه السلام) «قال: إنّما وجبت الجمعة على من يكون على فرسخين لا أكثر من ذلك لأنّ ما يقصّر فيه الصّلاة بريدان ذاهبا أو بريد ذاهبا و بريد جائيا، و البريد أربعة فراسخ، فوجبت الجمعة على من هو على نصف البريد الّذي يجب فيه التّقصير و ذلك أنّه يجي‌ء فرسخين و يذهب فرسخين فذلك أربعة فراسخ و هو نصف طريق‌

____________

(1) الحدائق ج 10 ص 152 و مصباح الفقيه ج 2 ص 452.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 12 ح 5 من باب 4 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 12 ح 6 من باب 4 من أبواب صلاة الجمعة.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 11 ح 2 من باب 4 من أبواب صلاة الجمعة.

291

..........

____________

المسافر» (1).

و لعلّ المقصود: أنّ السّفر التّمام شاغل ليوم واحد، فجعل نصفه للجمعة لأن يكون مع الإتيان بالجمعة و مقدّماتها بمنزلة سفر واحد. و ربما يشير إلى ذلك ما يجي‌ء ممّا يشعر بأنّ الملاك هو الوصول إلى الجمعة بعد صلاة الغداة و الوصول إلى المنزل بعد الإتيان بالجمعة و العصر، من صحيح زرارة.

و كيف كان، لا شبهة في تماميّة الاستدلال بتلك الأخبار مع قطع النّظر عمّا يعارضه ممّا يأتي إن شاء اللّه تعالى.

و أمّا حجّة ما عن الصّدوق و ابن حمزة- من عدم الوجوب على من كان على رأس فرسخين- فهي أمران:

أحدهما: ما تقدّم (2) من خبر زرارة المرويّ بطرق متعدّدة في الكتب الأربعة و غيرها، فيها الصحيح و الحسن، و فيه: «و وضعها عن تسعة» فعدّها إلى أن قال: «و من كان على رأس فرسخين».

ثانيهما: ما في خطبة أمير المؤمنين (عليه السلام) على ما في الفقيه، «قال: و الجمعة واجبة على كلّ مؤمن إلّا على الصبيّ و المريض و المجنون و الشّيخ الكبير و الأعمى و المسافر و المرأة و العبد المملوك و من كان على رأس فرسخين» (3).

و حجّة قول ابن أبي عقيل، فلعلّها صحيح زرارة، قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام): الجمعة واجبة على من إن صلّى الغداة في أهله أدرك الجمعة. و كان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) إنّما يصلّي العصر في وقت الظهر في سائر الأيّام كي إذا قضوا الصّلاة مع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) رجعوا إلى رحالهم قبل اللّيل‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 11 ح 4 من باب 4 من أبواب صلاة الجمعة و قد مرّ اعتبار سنده في هامش ص 80.

(2) في ص 281.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 3 ح 6 من باب 1 من أبواب صلاة الجمعة.

292

..........

____________

و ذلك سنّة إلى يوم القيامة» (1).

بيان الاستدلال به: أنّ الظّاهر أنّ شرط وجوب الجمعة هو ما ذكره أوّلا، و أمّا الرجوع إلى رحالهم قبل اللّيل فهو ليس مربوطا بوجوب الجمعة، بل هو علّة لتعجيل رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في صلاة العصر و إقامتها وقت الظّهر في سائر الأيّام.

و أمّا حجّة قول ابن الجنيد، فالظّاهر أنّه هو الصّحيح المتقدّم بدعوى أنّ مقتضى المناسبات العرفيّة أنّ الشّرط وصول النّاس إلى رحالهم قبل اللّيل، فإنّ الّذي يوجب الحرج و المشقّة على النّوع هو الاستطراق في اللّيل، أو البقاء في المصر أو القرية الّتي تقام فيها الجمعة، فالعمدة أن تكون المسافة بمقدار يكون الوافدون لصلاة الجمعة متمكّنين من الرّجوع إلى أوطانهم قبل ظلام الليل.

إذا تمهّد ذلك، نقول مستعينا باللّه تعالى: إنّه لا ينبغي الإشكال في مردوديّة القولين الأخيرين، لأنّه- مضافا إلى شذوذهما بين الأصحاب- مخالف لصريح الأخبار المتقدّمة الّتي فيها الصّحيح و الحسن، الدالّة على عدم وجوب الجمعة على من كان بينه و بين الجمعة زائدا على الفرسخين. فعلى فرض التّعارض لا بدّ من الأخذ بالمشهور. و لا ريب أنّه المشهور رواية و فتوى، و مستند القولين الأخيرين من مصاديق الشّاذّ النّادر.

هذا على فرض التّعارض. كيف؟! و لا تعارض بينهما، لأنّ الحمل على تأكّد الاستحباب جمع عرفيّ، و الّذي يؤدّي إليه النّظر في الجمع بينهما- بعد التّتبّع في أخبار المسافة- أنّ ما في صحيح زرارة منزّل على سير القوافل.

و توضيح ذلك: أنّ المستفاد من الأخبار الواردة في المسافة الموجبة للقصر أنّ «ثمانية فراسخ» من باب أنّها «مسيرة يوم»، و المقصود منها ما عليه سير القوافل، و المقصود من «مسيرة يوم» هو السّير الّذي يكون عادة القوافل في اليوم و اللّيلة بأن‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 11 ح 1 من باب 4 من أبواب صلاة الجمعة.

293

..........

____________

يسيرون في اليوم و يستريحون في اللّيل أو بالعكس. فعن الفقيه عن الرّضا عليه آلاف التحيّة و الثناء: «إنّما وجب التقصير في ثمانية فراسخ، لا أقلّ من ذلك و لا أكثر، لأنّ ثمانية فراسخ مسيرة يوم للعامّة و القوافل و الأثقال، فوجب التّقصير في مسيرة يوم». الحديث (1) و زاد في محكيّ العلل: «و قد يختلف المسير، فسير البقر إنّما هو أربعة فراسخ، و سير الفرس عشرون فرسخا و إنّما جعل مسير يوم ثمانية فراسخ، لأنّ ثمانية فراسخ هو سير الجمال و القوافل، و هو الغالب على المسير» الحديث (2) و في رواية الكاهليّ عن الصّادق عليه الصّلاة و السّلام «قال: كان أبي يقول: إنّ التقصير لم يوضع على البغلة السفواء و الدّابّة النّاجية، و إنّما وضع على سير القطار» (3) و في مكاتبة أبي الحسن الرّضا- عليه آلاف التحيّة و الثّناء- إلى زكريّا على ما نقل عن الفقيه: «التقصير في مسير يوم و ليلة» (4).

و يظهر من مجموع ذلك: أنّ المسافة الّتي هي ملاك القصر مسيرة يوم، و مسيرة يوم و ليلة، و ثمانية فراسخ، و كلّها واحد، لا اختلاف في مصداقها. و المستفاد من خبر العلل في المقام: أنّ الفرسخين بضمّ الرّجوع هو مسير بياض اليوم، لا مسير يوم و ليلة، و مسير بياض اليوم على طبق سير القوافل- و بالقياس إليه في الأسفار البعيدة- لا بدّ أن يكون نصف مسير يوم بليلته، لأنّ من يسير فرسخين يحتاج إلى الاستراحة حتّى يتهيّأ للفرسخين الآخرين الذّهابيّين. فما في الصّحيح الّذي ذكر مستندا للقولين الشّاذّين بعد ما ذكرناه، ينطبق على الفرسخين من دون اختلاف، لأنّه محمول على سير القوافل. و سير القوافل في نصف اليوم و اللّيلة، لا بدّ أن يكون نصف‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 490 ح 1 من باب 1 من أبواب صلاة المسافر.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 491 ح 2 من باب 1 من أبواب صلاة المسافر.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 491 ح 3 من باب 1 من أبواب صلاة المسافر.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 491 ح 5 من باب 1 من أبواب صلاة المسافر.

294

..........

____________

سيرهم في اليوم و اللّيلة، كما لا يخفى، فلا اختلاف بين صحيح زرارة و باقي الأخبار.

بقي الكلام في وجه الجمع بين ما ذكر من الأخبار حجّة للمشهور، و بين ما ذكر من صحيح زرارة و غيره حجّة للصّدوق- (قدّس سرّه)- فنقول: إذا أطلق رأس الفرسخين مثلا فليس المراد هو الحدّ الحقيقيّ، لأنّه ليس قابلا للإقامة، لأنّه خطّ فرضيّ ليس له إلّا الطّول الفرضي، بل المقصود: الأعمّ من أوائله الدّاخلة في الفرسخين أو ما يقرب منه الخارج عنه، أو الملفّق من الدّاخل و الخارج، فهو صادق على القسمة الخارجة عن الحدّ الحقيقيّ القريبة منه، فالقدر الميتقّن ممّا يدلّ على نفي الوجوب هو الواقع في القسمة الخارجة عن الحدّ المشترك الملازم لقطع مسافة أكثر من الفرسخين نوعا. فصحيح زرارة نصّ في ذلك و ظاهر بالنّسبة إلى القسمة الدّاخليّة، بخلاف باقي الأخبار، فإنّها ناصّة بالنّسبة إلى القسمة الدّاخليّة من الحدّ المشترك. و أمّا الملفّق من الدّاخل و الخارج، و الخارج الّذي لا يقطع أكثر من فرسخين، كالقائم في خارج الحدّ الملاصق بالحدّ حقيقة، فلعلّ دخوله فيما يدلّ على الوجوب أظهر، فإنّ خبر العلل أظهر من حيث التّحديد بنصف البريد من صحيح زرارة، مع أنّه معلوم عند العرف أنّ الحدّ هو الفرسخان. و لو كان صحيح زرارة شاملا للمسافة الدّاخلة في الفرسخين القريبة من الحدّ، يكون الحدّ أقلّ من الفرسخين دائما.

مضافا إلى أنّه مع فرض التّعارض يؤخذ بالأشهر، و مع الغضّ عنه يرجع إلى إطلاق دليل الوجوب.

و يمكن أن يقال: إنّ إطلاق غير واحد من الأخبار الّتي تقدّمت- حجّة للمشهور- مثل خبر العلل و صحيح محمّد بن مسلم و زرارة المتقدّمين (1)، يدلّ على الوجوب على من كان على فرسخين فما دون، فليس المقصود هو الوجوب على‌

____________

(1) في ص 290.

295

..........

____________

خصوص من كان على رأس فرسخين، بل من كان على فرسخين فما دونهما. و حيث إنّ الموضوع فيه ذلك، فلا يشمل المسافة القريبة من الحدّ الخارجة عن الفرسخين، و ذلك قطعيّ بالنّسبة إلى خبر العلل المصرّح فيه بالملاك، و هذا بخلاف صحيح زرارة و ما في الخطبة، فإنّ الموضوع فيهما خصوص من يكون على رأس الفرسخين.

و يمكن أن يدّعى أنّه ليس إلّا المسافة الخارجة عن الحدّ القريبة منه، لأنّه لا يعلم عادة بتحقّق المصداق خارجا إلّا مع حصول زيادة ما على الفرسخين. فتأمّل.

ثمّ إنّ مقتضى ظاهر الأدلّة المتقدّمة- مثل قول أبي جعفر- (عليه السلام)- على ما في صحيح زرارة و محمّد بن مسلم: «تجب الجمعة على كلّ من كان منها على فرسخين»- اعتبار المسافة بين مكان الشّخص بنفسه و مكان جماعة المصلّين كما في الجواهر و نقله عن كشف اللّثام، لا البلدين و لا المنزل و الجامع، كما عن التّذكرة و نهاية الأحكام (1). و مقضتى ذلك الوجوب على من كان موطنه في أزيد من فرسخين، فارتحل إلى داخل المسافة. كما أنّ مقتضى ذلك عدم الوجوب على من كان موطنه فيما دون المسافة، لكنّه خرج قبل يوم الجمعة إلى ما يكون بينه و بين الجمعة أربعة فراسخ مثلا من دون حصول السّفر له بذلك.

قال- (قدّس سرّه)- في مصباح الفقيه بعد نقل ذلك عن الجواهر: «و هو جيّد و لكن بالنّسبة إلى من كان موطنه قريبا فبعد، و أمّا في عكسه فلا يخلو إطلاقه عن تأمّل. فإنّ من كان رحله على رأس الأزيد من فرسخين، لو خرج لقضاء حاجة فبلغ ما دون المسافة لا يلاحظ بالنّسبة إلى هذا الشّخص، المكان الّذي وصل إليه لقضاء حاجته» (2).

أقول: إن كان لا بدّ له من الرّجوع إلى رحله في الفرض المذكور، فيمكن أن يقال: إنّ المسافة الّتي لا بدّ له من قطعها تكون أزيد، لأنّه لا بدّ له من الرّجوع إلى‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 267- 268

(2) مصباح الفقيه ج 2 ص 453.

296

..........

____________

رحله و الذّهاب منه إلى الجمعة، أو يقال بسقوط السّعي إلى الجمعة من دون المراجعة إلى رحله للزوم الحرج، و بعد المراجعة يسقط لعدم التكليف بالسّعي.

فتأمّل. و أمّا إن لم يكن له حاجة إلى الرّجوع إلى منزله و رحله، فما أرى وجها لعدم شمول ما يدلّ على الوجوب على من كان على فرسخين منها.

هذا كلّه بالنّسبة إلى الأعذار المنصوصة، و قد يحتمل أن يكون المدار على المطلق صدق العذر، و قد نقله- (قدّس سرّه)- في الجواهر عن المبسوط، فقال: «يجوز ترك الجمعة لعذر في نفسه أو أهله أو قرابته أو أخيه في الدّين مثل أن يكون مريضا يهتمّ بمراعاته. ثمّ قال في الجواهر- و قيل: إنّ نحوه ما في المختلف و التّذكرة و نهاية الأحكام و الموجز و الدّروس و الذكرى و كشف الالتباس. [حتّى أنّ] في الذكرى: أنّ من له خبزا يخاف احتراقه كذلك، و عن السّرائر روي: انّ من يخاف ظلما يجري على نفسه أو ماله هو أيضا معذور في الإخلال بها و كذلك من كان متشاغلا بجهاز ميّت أو تعليل الوالد. و من يجري مجراه من ذوي الحرمات الأكيدة يسعه أن يتأخّر عنها، و نحوه عن السيّد» (1) قال في الجواهر: لكن لا دليل على السّقوط ما لم يندرج تحت عموم الحرج أو الضرر أو المزاحمة لواجب آخر أهمّ. و دعوى ظهور فحوى إطلاق الأعذار المنصوصة في ذلك، فيه ما لا يخفى، خصوصا بعد تأكيد وجوب صلاة الجمعة بما سمعت في الكتاب و السنّة. انتهى ملخّصا و محرّرا (2) «نعم قد يخرج من ذلك المطر لما في صحيح عبد الرّحمن» (3).

أقول: قد رواه في الوسائل عنه عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- أنّه «قال: لا بأس أن تدع الجمعة في المطر» (4). و الإنصاف بعد وجود الخصوصيّة في المطر، فلعلّ العرف يلحق به ما هو أولى بالعذر، مثل نزول الثّلج من السّماء. و اللّه العالم.

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 263.

(2) الجواهر ج 11 ص 262.

(3) الجواهر ج 11 ص 264.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 37 ح 1 من باب 23 من أبواب صلاة الجمعة.

297

و كلّهم لو حضروا وجبت عليهم (1)

____________

هنا فروع:

الفرع الأوّل: لا إشكال عندهم في أنّ من كان على أزيد من فرسخين من الجمعة يجب عليه لو حضر. و ذلك واضح، بناء على ما تقدّم في التّعليق السّابق، من أنّ الشّرط في وجوب الجمعة هو كون المسافة بين مكان المكلّف و مكان إقامة الجمعة فرسخين فما دونهما، لأنّه بعد الحضور يكون شرط الوجوب حاصلا، بل مقتضى ذلك: الوجوب عليه إذا تجاوز الحدّ و ورد في الفرسخين كما هو واضح. و أمّا بناء على كون الشّرط هو اعتبار المسافة المذكورة بين وطنه و الجامع، أو منزله و الجامع- كما تقدّم- فلأنّ المناسبة العرفيّة بين الشّرط و المشروط تقتضي أن يكون الحدّ المذكور شرطا لوجوب السّعي، فعدم وجوب الجمعة من باب عدم وجوب السّعي، و مقتضى الإطلاق تتميم العدد به، بل مقتضاه جواز استقلالهم بعقد الجمعة، فيقيمون الجمعة من بعد من المصر بأزيد من فرسخين.

الفرع الثّاني: الظّاهر صحّة جمعة الصّبيّ المميّز، بناء على صحّة عباداته، إذ بعد ذلك لا يحتاج الحكم بصحّة جمعته إلّا بوجود إطلاق يشمل غير المكلّف أيضا.

و لعلّه يكفي في ذلك ما عن الصّدوق «قال: جاء نفر من اليهود إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فسألوه عن سبع خصال، فقال: أمّا يوم الجمعة فيوم يجمع اللّه فيه الأوّلين و الآخرين، فما من مؤمن مشى فيه إلى الجمعة إلّا خفّف اللّه عليه أهوال يوم القيامة. ثمّ يأمر به إلى الجنّة» (1). و قد نقل تقويته في خاتمة المستدرك عن الشّارح الّذي هو المجلسيّ الأوّل على الظّاهر و أيّده بذكر طريق آخر له (2).

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 4 ح 9 من باب 1 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) مستدرك الوسائل ج 3 ص 709.

298

..........

____________

و ما عن الأمالي في المعتبر عن جابر عن أبي جعفر- (عليه السلام)- «قال: إذا كان حيث يبعث اللّه العباد أتي بالأيّام يعرفها الخلائق باسمها و حليتها، يقدّمها يوم الجمعة له نور ساطع يتبعه سائر الأيّام كأنّها عروس كريمة ذات وقار تهدى إلى ذي حلم و يسار، ثمّ يكون يوم الجمعة شاهدا و حافظا لمن سارع إلى الجمعة، ثمّ يدخلون (يدخل) المؤمنين إلى الجنّة على قدر سبقهم إلى الجمعة» (1). و لعلّه يكفي لذلك مشروعيّة صلاة الظّهر للصبيّ بضمّ ما يستفاد من غير واحد من الأخبار: أنّ صلاة الجمعة هي صلاة الظّهر في يوم الجمعة، و إنّما أسقطت الرّكعتان و جعل بدلهما الخطبتين. فراجع (2).

و الحاصل: أنّه لا ينبغي الإشكال في مشروعيّته للصّبيّ لما عرفت، بل لعلّ الظّاهر- كما نبّه عليه في الجواهر- عدم مشروعيّة أربع ركعات عليه (3) لأنّ صلاة الظّهر المشروعة في الجمعة أوّل الزّوال، هي الرّكعتان بالكيفيّة الخاصّة، فيكون كما لو أراد الصّبيّ أن يصلّي في السفر.

الفرع الثّالث: هل يتمّ بالصبيّ المميّز العدد الّذي هو شرط لصحّة الجمعة أو لوجوبها، أم لا؟ ففي الجواهر: «عن كشف اللّثام: كأنّه لا خلاف في عدم انعقاد جمعة البالغين به و بالمجنون عندنا. و عن الشّافعيّ قول بالانعقاد بالصّبيّ المميّز. و في المبسوط: نفي الخلاف عن العدم منّا و من العامّة. قال- (قدّس سرّه)-: قلت: لا يخفى انسياق نصوص من تنعقد به إلى غيره» (4).

أقول: قد تقدّم الكلام في ذلك مفصّلا (5) و خلاصته أنّ الأصحّ انعقادها به‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 70 ح 2 من باب 42 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) وسائل الشيعة باب 6 من أبواب صلاة الجمعة ح 1 و 2 و غير ذلك.

(3) الجواهر ج 11 ص 274.

(4) الجواهر ج 11 ص 8- 277.

(5) في ص 178.

299

..........

____________

بحسب الدّليل. و الظّاهر أنّ الإجماع ليس مبنيّا إلّا على بعض الوجوه غير التامّة، لكن لا ينبغي ترك الاحتياط.

الفرع الرّابع:

هل يجوز لغير البالغين عقد جمعة مستقلّة أم لا؟ في الجواهر أنّه: «قد يقال على إشكال بانعقاد جمعة لغير البالغين في مثل أزمنة التخيير، لعموم ما دلّ على مشروعيّة سائر عبادات البالغين، و منها الجمعة، و الإجماع إنّما هو على عدم انعقاد جمعة البالغين به بأن يكون مكمّلا للعدد» (1) و لا تلازم بين المسألتين. و أمّا اشتراط عدالة الإمام فيمكن فرض عدالة الصّبيّ بأن يكون واجدا لملكة الاجتناب عن الكبائر و الإصرار على الصّغائر بالنّسبة إلى ذنوب البالغين.

أقول: ما أشير إليه من العموم غير واضح، بأن يكون في البين دليل يدلّ على مشروعيّة جميع عبادات البالغين للصبيّ، بحيث لا يكون متوقّفا على إطلاق دليل مشروعيّة العبادة في كلّ عبادة بالخصوص، كما أنّ وجود إطلاق في خصوص صلاة الجمعة- كان مقتضاه جواز عقد الجمعة لغير البالغين- غير واضح. فالأحوط لهم اللّحوق بجمعة البالغين.

الفرع الخامس:

لا إشكال عندهم على الظّاهر في أنّ المريض و الأعرج و الهمّ و الأعمى يصحّ منهم الجمعة إذا حضروها، ففي الجواهر: «الإجماع على الوجوب- على ذوي الأعذار إذا حضروها- عن الغنية و ظاهر الإيضاح و شرح القواعد فيما عدا المرأة و المسافر و العبد و غير المكلّف كالصّبيّ و المجنون» (2) نعم، نقل عن كشف اللّثام: احتمال‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 278.

(2) الجواهر ج 11 ص 271.

300

..........

____________

العزيمة في السّقوط عنهم فيما عدا البعيد (1) و لكنّه شاذّ.

أقول: يدلّ على صحّتها بالنّسبة إلى من ذكر أمور:

الف: المطلقات الدّالّة على محبوبيّة صلاة الجمعة من غير أن تكون دالّة على وجوبها، و قد مرّ منها: خبر الصّدوق (2) و منها: ما عن الفقيه أيضا «قال: و قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): من أتى الجمعة إيمانا و احتسابا استأنف العمل» (3) و منها: خبر عبد الرّحمن بن زيد عن أبي عبد اللّه عن أبيه عن جدّه- (عليهم السلام)- «قال: جاء أعرابيّ إلى النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يقال له: قليب، فقال: يا رسول اللّه إنّي تهيّأت إلى الحجّ كذا و كذا مرّة فما قدر لي. فقال: يا قليب عليك بالجمعة فإنّها حجّ المساكين» (4). فإنّ جملة «فإنّها حجّ المساكين» مطلق قابل للتمسّك به في جميع موارد الشّكّ في المشروعيّة و المحبوبيّة.

ب: و من ذلك يظهر جواز التمسّك بجميع المطلقات الواردة في بيان الثّواب و العقاب، و ليس ذلك قرينة على عدم كونه في مقام التّشريع- و أنّ المقصود هو البعث و الإرشاد كما في الواعظ بالنّسبة إلى المتّعظ- و ذلك لكثرة بيان التّشريع بذكر الثّواب في الصّلوات المستحبّة و الأدعية و الأذكار. و تقييد الموضوع بالمشروع خلاف الإطلاق، فيتمسّك بالإطلاق و يحكم بالمشروعيّة مطلقا، كما في الأمر المتعلّق بالعبادات، بناء على الأعمّ، فإنّه قد يشكل فيه بأنّه لا يتمسّك بالإطلاق- حتّى بناء عليه- من باب أنّ الأمر قرينة على كون المقصود هو الصحيح التامّ للأجزاء و الشّرائط، و يجاب: بأنّه حيث يكون على المتكلّم بيان ذلك، فتعلّق الأمر و عدم التقييد يكشف عن عدم الدّخالة، و إلّا لم يمكن التّمسّك بالمطلقات في غير‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 269.

(2) في ص 297 و 298.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 3 ح 3 من باب 1 من أبواب صلاة الجمعة.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 5 ح 17 من باب 1 من أبواب صلاة الجمعة.

301

..........

____________

العبادات أيضا إذا كان متعلّقا للأمر. فتأمّل.

ج: و يمكن التّمسّك للمطلوب أيضا بالآية الشريفة، بناء على ما هو المحقّق من عدم كون المعنى المستعمل فيه في هيئة «افعل» هو الوجوب، بل هو الطّلب الجامع، و هو حجّة على الوجوب فيما إذا لم يكن قرينة على الخلاف.

د: و يمكن أيضا التمسّك لصحّة صلاة الأعرج و الهمّ و الأعمى بصحيح صفوان عن منصور المتقدّم (1) «الجمعة واجبة على كلّ أحد لا يعذر النّاس فيها إلّا خمسة:

المرأة و المملوك و المسافر و المريض و الصبيّ» و ذلك لعدم صدق المريض على الأعرج و الأعمى و الهمّ.

الفرع السّادس:

قد ظهر ممّا نقلناه في الفرع المتقدّم عن عدّة من الأصحاب: أنّ الجمعة تجب عليهم أي الأربعة المتقدّمة في الفرع السابق، بعد الحضور.

و يدلّ على ذلك: ما يدلّ على وجوب الجمعة على كلّ مؤمن، مثل ما روي عن زرارة عن أبي جعفر الباقر (عليه السلام) بطرق عديدة معتبرة «قال: صلاة الجمعة فريضة، و الاجتماع إليها فريضة مع الإمام، فإن ترك رجل من غير علّة ثلاث جمع فقد ترك ثلاث فرائض، و لا يدع ثلاث فرائض من غير علّة إلّا منافق» (2) و هذا واضح إذا كان المقصود هو العلّة العرفيّة، لأنّ ترك الأعرج بعد حضوره يكون من غير علّة و كذا الباقي حتّى المريض، كما لا يخفى. و كذا لو كان الأعمّ منها و من الإذن الشّرعيّ من جانب الشّارع، لمنع صدق ذلك بصرف احتمال الإذن، و هو غير ثابت قطعا، كما يجي‌ء بيانه إن شاء اللّه تعالى.

و أوضح من ذلك ما يدلّ على الوجوب مطلقا إذا كان القوم خمسة أو سبعة مثل‌

____________

(1) في ص 282.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 4 ح 8 و 12 من باب 1 من أبواب صلاة الجمعة.

302

..........

____________

قول أبي جعفر- (عليه السلام)- على ما في صحيح زرارة: «تجب [الجمعة] على سبعة نفر من المسلمين» (1) و غيره.

و كذا ما دلّ على وجوبها على من كان في الفرسخين. و كون مثل ذلك متعرّضا لجهة أخرى من المسافة أو العدد، لا يضرّ بالأخذ بالإطلاق- كما في آية الوضوء المتعرّضة لكيفيّته- فإنّ التّعرّض لجهة أخرى أيضا لا يدلّ على عدم التّعرضّ لأصل الوجوب، فيتمسّك بإطلاقه، كما أنّه يتمسّك بإطلاق مثل «أعتق رقبة مؤمنة».

و لا يصحّ أن يقال: إنّه متعرّض لخصوص التّقيّد بالإيمان فيما إذا كان أصل وجوب العتق محرزا.

و يدلّ أيضا على وجوبها على غير المريض من الهمّ و الأعرج و الأعمى: صحيح منصور «الجمعة واجبة على كلّ أحد، لا يعذر النّاس فيها إلّا خمسة.» (2). و لا يكون ما ذكر منها.

و لا يعارض ذلك ما دلّ على الوضع عنهم، كصحيح زرارة المتقدّم (3) و ذلك لعدم الظّهور في الوضع بعد الحضور، بل المقصود بحسب الظّاهر أنّه لا يجب عليهم السّعي إليها، أو هو القدر المتيقّن من ظهوره.

و ما يكون مانعا عن ظهوره في إطلاق الوضع أمور:

منها: ذكر «من كان على رأس فرسخين» في طيّ التسعة الموضوعة عنهم. فإنّ الوضع عنه، لا يمكن أن يكون بالنّسبة إلى ما بعد الحضور، لعدم صدق العنوان عليه بعده كما عرفت.

و منها: أنّه يمكن أن يقال: يكفي في صدق الوضع عنهم جواز ترك الجمعة لهم و لو بترك الشّهود. و وجوبها عليهم بالشّهود حيث يكون بالاختيار منهم، لا ينافي‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 8 ح 4 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 5 ح 16 من باب 1 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) في ص 281.