صلاة الجمعة

- الشيخ مرتضى الحائري المزيد...
333 /
303

..........

____________

كون الاختيار بيدهم الّذي هو معنى الوضع، كما أنّه لا ينافي الحكم بكون بعض الصّلوات مستحبّا مع حرمة القطع أو الحكم بأنّ الحجّ مستحبّ و لكن يجب الإتمام على تقدير الشّروع. فتأمّل.

و منها: أنّ الوضع عنهم بعد الحضور لا يكون امتنانيّا، لأنّ الجمعة قصر و الظّهر أربع ركعات.

و منها: المناسبة التامّة بين الموضوع و الحكم تقتضي بحسب ارتكاز العرف أن يكون الوضع راجعا إلى السّعي بالنّسبة إلى البعيد و المريض و الأعمى و الكبير، و لا ينافي ذلك تناسبه على وجه الإطلاق بالنّسبة إلى الصّبيّ و المسافر و العبد و المجنون، لأنّ كونه مربوطا بالسّعي يناسب الكلّ، و كونه مربوطا بالتّرك حتّى بعد الحضور لا يناسب من يكون عذره من جهة السّعي. كما لا يخفى.

و منها: أنّ في صحيح أبي بصير و محمّد بن مسلم «إنّ اللّه عزّ و جلّ فرض في كلّ سبعة أيّام خمسا و ثلاثين صلاة، منها صلاة واجبة على كلّ مسلم أن يشهدها إلّا خمسة» الحديث (1) و مقتضى الاستثناء عدم وجوب الشّهود على الخمسة فيقيّد به إطلاق الوضع في غيره إن سلّم له إطلاق، لأنّ البناء على تقدّم المقيّد على المطلق، و إن لم يكونا متخالفين. و إن أبيت عن التقدّم فلا أقلّ من التّعارض بين الظّهورين، فلا إطلاق في البين، فلا مانع من التّمسّك بما يدلّ على الوجوب عليهم بعد الحضور ممّا تقدّم من الأدلّة. و اللّه العالم بحقائق الأحكام.

الفرع السّابع:

قد مرّ (2) جواز العقد بهم، و كون المريض و الأعرج و الهمّ و الأعمى ممّن ينعقد بهم الجمعة. و مقتضى إطلاق الدّليل، جواز العقد لهم مستقلّا، كما هو مقتضى‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 5 حديث 14 من باب 1 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) في ص 180.

304

..........

____________

إطلاق المحكيّ عن الخلاف، قال- (قدّس سرّه)- في الجواهر: «و في الخلاف: تنعقد بالمريض بلا خلاف. و في الرياض: لا خلاف ظاهرا في انعقادها فيمن عدا المسافر و العبد» (1) بل مقتضى إطلاق ما تقدّم- المقتضي لوجوب الجمعة على كلّ أحد إذا اجتمع الشّرائط من العدد و غيرها، و اختصاص ما يقتضي الوضع بالتفصيل الّذي مرّ الكلام فيه بالسّعي- هو وجوب العقد على المرضى و غيرهم منفردين و إن كان ذلك مظنّة الإجماع على خلافه كما يظهر من الجواهر (2). لكنّه غير ثابت. و عدم السّيرة عليه لعلّه من باب عدم اتّفاق ذلك، بحيث كانوا جماعة من المرضى بينهم الخطيب الإمام العادل و كانوا سبعة مثلا و لم يكن غيرهم ممّن يتمّ به العدد، أو جماعة كذلك من الأعرجين أو الشيوخ الكبار ليس فيهم غيرهم.

الفرع الثّامن:

مقتضى ما تقدّم في المسائل المتقدّمة، صحّتها عن العبد و انعقادها به، بل وجوبها عليه بعد الحضور. و خلاصة وجه ذلك إطلاق ما يدلّ على الصحّة و الوجوب، و عدم وفاء دليل الوضع إلّا بالوضع عن السّعي إلى الجمعة المنعقدة.

إن قلت: مقتضى قوله (عليه السلام) في صحيح منصور: «الجمعة واجبة على كلّ أحد، لا يعذر النّاس فيها إلّا خمسة: المرأة و المملوك و المسافر و المريض و الصبيّ» (3) هو وضع أصل الوجوب عنه، لأنّ المرأة و المسافر و الصبيّ تناسب ذلك، فلا وجه لاختصاصه بالسّعي. و مثله غيره.

قلت: يكفي لعدم انعقاد ظهوره في الإطلاق اشتماله على المريض الّذي لا يناسبه وضع أصل الصّلاة عنه، لأنّه لا امتنان بالنّسبة إليه بعد وجوب صلاة الظهر‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 275.

(2) الجواهر ج 11 ص 275.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 5 ح 16 من باب 1 من أبواب صلاة الجمعة.

305

..........

____________

عليه لو لا الجمعة، و مع ذلك فالأحوط: الاستيذان من السيّد ثم: الإتيان بها للعبد.

الفرع التّاسع:

قال- (قدّس سرّه)- في الجواهر: «و كلّ هؤلاء أي الّذين وضع عنهم الجمعة، عدا المجنون و الصبيّ الّذي لا يشرع له العبادة، إذا تكلّفوا الحضور للجمعة صحّت منهم و أجزأهم عن الظّهر، بلا خلاف أجده، بل عن المدارك أنّه مقطوع به في كلام الأصحاب، بل في المحكيّ عن المنتهى أنّه لا خلاف في إجزائها للمسافر و العبد» (1).

و المقصود من نقل العبارة المذكورة نقل إجماعهم على الجواز للمسافر، و نقول: يقع الكلام في المسافر، في فروع:

الأوّل: صحّتها عنه إذا حضر الجمعة المنعقدة بغيره- كما هو المتعارف في الخارج- و هو القدر المتيقّن من مورد الإجماع المذكور.

و يدلّ على ذلك أمور:

منها: ما تقدّم (2) من الإطلاقات الدّالّة على صحّة الجمعة، من غير أن يكون مقتضاها الوجوب، حتّى يشكل بأنّه بعد رفع الوجوب لا يبقى الدّليل على المشروعيّة. و قد تقدّم إمكان التّمسّك بالآية الشّريفة، و مقتضاها استحباب السّعي له و صحّة صلاته جمعة.

و منها: ما يدلّ على الوجوب، لما عرفت من الدّليل المطلق و عدم وفاء ما يقتضي الوضع إلّا بنفي وجوب السّعي لا بنفي وجوب الجمعة بعد السّعي فإذا وجبت كانت صحيحة بالضّرورة.

و منها: موثّق سماعة عن جعفر بن محمّد الصّادق- المرويّ عن ثواب الأعمال و المجالس بطريقين مختلفين- عن أبيه- (عليهما السلام)-: «قال: أيّما مسافر صلّى الجمعة‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 268.

(2) في ص 297 و 298 و 300.

306

..........

____________

رغبة فيها و حبّا لها أعطاه اللّه عزّ و جلّ أجر مائة جمعة للمقيم» (1).

و منها: رواية حفص بن غياث «قال: سمعت بعض مواليهم يسأل ابن أبي ليلى عن الجمعة، هل تجب على المرأة و العبد و المسافر؟ فقال ابن ابي ليلى: لا تجب الجمعة على واحد منهم و لا الخائف. فقال الرّجل فما تقول إن حضر واحد منهم الجمعة مع الإمام فصلّاها معه، هل يجزيه تلك الصّلاة عن ظهر يومه؟ فقال: نعم، فقال له الرّجل: و كيف يجزى ما لم يفترضه اللّه عليه عمّا فرضه اللّه عليه؟ و قد قلت إنّ الجمعة لا تجب عليه، و من لم تجب الجمعة عليه فالفرض عليه أن يصلّي أربعا، و يلزمك فيه معنى أنّ اللّه فرض عليه أربعا، فكيف أجزي عنه ركعتان؟ مع ما يلزمك أنّ من دخل فيما لم يفرضه اللّه عليه لم يجز عنه ممّا فرض اللّه عليه، فما كان عند أبي ليلى فيها جواب، و طلب إليه أن يفسّرها له فأبى، ثمّ سألته أنا عن ذلك، ففسّرها لي فقال:

الجواب عن ذلك: أنّ اللّه عزّ و جلّ فرض على جميع المؤمنين و المؤمنات و رخّص للمرأة و المسافر و العبد أن لا يأتوها فلمّا حضروها سقطت الرّخصة و لزمهم الفرض، فمن أجل ذلك أجزي عنهم فقلت: عمّن هذا؟ فقال: عن مولانا أبي عبد اللّه (ع)» (2).

قال- (قدّس سرّه)- في الجواهر: «لا وجه للقدح في الاستدلال بخبر حفص على المطلوب بالجهالة في سنده، لانجباره بما عرفت، مع أنّ حفصا و إن كان عامّيّ المذهب لكن له كتاب معتمد (الفهرست) و عن الشّيخ- (قدّس سرّه)- في العدّة: أنّه عملت الطّائفة بما رواه حفص عن أئمّتنا و لم ينكروه» (3) و في الوسائل عن الشّهيد في الذكرى بالنّسبة إلى خبر آخر منقول عن حفص: «و أمّا ضعف الرّاوي فلا يضرّ مع الاشتهار، على أنّ الشّيخ قال في الفهرست: إنّ كتاب حفص معتمد عليه» (4).

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 35 ح 2 من باب 19 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) الوافي ج 2 ص 168- وسائل الشيعة ج 5 ص 34 ح 1 من باب 18 من أبواب صلاة الجمعة (مع اختلاف).

(3) الجواهر ج 11 ص 273.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 33 ذيل ح 2 من باب 17 من أبواب صلاة الجمعة.

307

..........

____________

أقول: الاعتماد على كتاب حفص له معنيان لا ينتج الاعتماد على الخبر المزبور.

أحدهما: أنّ كون الكتاب لحفص معلوم بين الأصحاب، و يترتّب على ذلك أنّه لا يتنظّر إلى من يروي عن كتابه، فيؤخذ به و لو كان الرّاوي ضعيفا، لوضوح استناد الكتاب إلى حفص.

ثانيهما: كون حفص ثقة و أنّه صادق ممّا ينقله عنهم- (عليهم السلام)-، و ذلك يقتضي صحّة ما ينقله عنهم بلا واسطة أو بواسطة رجل معلوم، و لا ينتج شي‌ء من ذلك جواز الاعتماد على الخبر المزبور، إذ ليس منشأ الترديد حفصا و لا كتابه، بل من ينقل حفص عنه، لأنّه إمّا أن ينقله عن ابن أبي ليلى، و إمّا عن الرّجل المجهول، و كلاهما مجهولان، خصوصا إذا كان الرّاوي هو الرجل الّذي يكون من مواليهم.

و أمّا الانجبار بعمل الأصحاب فغير واضح، لعدم ثبوت الاستناد إليه في الحكم بصحّتها للمسافر، لوجود أدلّة أخر يمكن الاستناد إليها كما تقدّم.

و قد يحتمل كما في الجواهر (1) عدم صحّتها عن المسافر، لجملة من الأخبار.

منها: صحيح ربعيّ و الفضيل بن يسار جميعا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال:

ليس في السّفر جمعة و لا فطر و لا أضحى» (2).

و منها: صحيح محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال لنا:

صلّوا في السّفر صلاة الجمعة جماعة بغير خطبة و أجهروا بالقراءة، فقلت: إنّه ينكر علينا الجهر بها في السّفر، فقال: أجهروا بها» (3).

و منها: صحيح جميل قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الجماعة يوم الجمعة في السّفر، فقال [(عليه السلام)]: يصنعون كما يصنعون في غير يوم الجمعة في الظّهر‌

____________

(1) ج 11 ص 269.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 35 ح 1 من باب 19 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 820 ح 6 من باب 73 من أبواب القراءة في الصّلاة.

308

..........

____________

و لا يجهر الإمام فيها بالقراءة، إنّما يجهر إذا كانت خطبة» (1) و قريب منه صحيح محمّد بن مسلم المضمر (2).

و منها: خبر محمّد بن مروان قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن صلاة الظّهر يوم الجمعة كيف نصلّيها في السفر؟ فقال (عليه السلام): تصلّيها في السّفر ركعتين، و القراءة فيها جهرا» (3).

و قد يؤيّد ذلك بما ورد من أنّ الخطبتين بدل عن الرّكعتين، فلا بدّ أن يكون في مورد يكون الواجب على المكلّف أربع ركعات حتّى يجب الخطبتان بدلا عنهما.

و الجواب عن صحيح ربعيّ: أنّه لا يدلّ على عدم الصّحّة، لأنّه في مقام توهم الوجوب، فالقدر المتيقّن من ظهوره نفي الوجوب أي لا يجب الجمعة و العيدان في السّفر، فهو نظير وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ (4) و رفع ما استكرهوا عليه.

و على فرض دلالته عليه فالمنساق منه- كما قيل- عدم صحّة عقد الجمعة للمسافرين. و ربما يؤيّد ذلك أنّ القدر المتيقّن من السّفر هو زمان سير القوافل، فالمقصود أنّه لا يجب عليهم في حال الارتحال التوقّف في بعض المنازل لإقامة الجمعة و العيدين، و لا يجب عليهم في أوان التّوقّف القليل الّذي هو متعارف في الأسفار في اللّيل أو اليوم ذلك أيضا، فلا يشمل حال ورود القوافل الى المصر و تعطّلهم عن شغل السّفر أيّاما عديدة أقلّ من العشرة.

و على فرض الدّلالة على عدم صحّتها مطلقا، فلا بدّ من رفع اليد عنها، لما تقدّم من الموثّق (5) و الجمع بينه و بين الموثق، بالحمل على عدم الوجوب أو حمله على عدم‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 4 ص 820 ح 8 من باب 73 من أبواب القراءة في الصّلاة.

(2) وسائل الشيعة ج 4 ص 820 ح 9 من باب 73 من أبواب القراءة في الصّلاة.

(3) وسائل الشيعة ج 4 ص 820 ح 7 من باب 73 من أبواب القراءة في الصّلاة.

(4) الحجّ الآية 78.

(5) في ص 305.

309

..........

____________

صحّة عقدهم منفردا، و حمل الموثّق على السّعي إلى الجمعة المنعقدة. و الأوّل أوفق بالقواعد، إذ الجمع الثّاني خال عن الشّاهد.

و أمّا صحيح محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فهو في مقام جواز صلاة الظّهر يوم الجمعة في السّفر من غير خطبة، و ذلك لوضوح عدم لزوم الجماعة بلا خطبة على كلّ حال، فالمقصود بيان صحّة الجماعة بلا خطبة لا وجوب ذلك.

و أمّا صحيح جميل، ففيه:

أوّلا: أنّ المنساق منه بقرينة ذيله «و إنّما يجهر به إذا كانت خطبة» مفروضيّة عدم الجمعة، فالسّؤال، عن كيفيّة صلاة الجماعة إذا لم تكن الجمعة منعقدة.

و ثانيا: لو منع عن ذلك و قيل بأنّ المقصود هو السّؤال عن كيفيّة الجماعة في ظهر الجمعة في السّفر، و أنّه هل يصحّ أنّ يؤتى بها جمعة كما في حال الإقامة أم لا؟

فلا ريب أنّ قوله- (عليه السلام)- «و لا يجهر الإمام بالقراءة» دليل قطعيّ على كون المفروض هو إقامة الجمعة من طرف المسافرين، لا لشهود الجمعة المنعقدة من طرف الحاضرين، لأنّه يجهر فيها بالقراءة لمكان الخطبتين، كما هو واضح.

و أمّا خبر مروان، فالظّاهر أنّ المقصود فرض عدم الشّهود للجمعة، بأن يصلّيها فرادى، أو جماعة تكون منعقدة بالمسافرين، و أمّا لو فرض الشّهود لها فلا يدلّ على عدم صحّة الجمعة، لأنّها ركعتان يجهر فيها بالقراءة.

و الحاصل: أنّ المتأمّل في الرّوايات لا يرتاب في عدم نظر الرّوايات المتقدّمة إلى المنع عن حضور الجمعة للمسافر.

و يمكن أن يستدلّ على صحّتها للمسافر بصحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث: «إنّه قال في قوله تعالى حٰافِظُوا عَلَى الصَّلَوٰاتِ وَ الصَّلٰاةِ الْوُسْطىٰ (1) و هي صلاة الظّهر، قال (عليه السلام): و نزلت هذه الآيات يوم الجمعة‌

____________

(1) البقرة الآية 238.

310

..........

____________

و رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في سفر فقنت فيها و تركها على حالها في السّفر و الحضر، و أضاف للمقيم ركعتين، و إنّما وضعت الرّكعتان اللّتان أضافهما النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) يوم الجمعة للمقيم، لمكان الخطبتين مع الإمام، فمن صلّى يوم الجمعة في غير جماعة فليصلّها أربع ركعات كصلاة الظّهر في سائر الأيّام» (1). قال في الوسائل: و رواه الكلينيّ و الشّيخ- (قدّس سرّهما)-، كما مرّ في أعداد الصّلوات (2) فإنّه كاد أن يكون صريحا في أنّ بدو تشريع الجمعة كان في حال سفر رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). فتأمّل.

و الحاصل: أنّه لا ينبغي الإشكال فيما لعلّه مورد للإجماع أيضا من صحّة حضور جمعة الحاضرين للمسافرين. و اللّه أعلم.

الثّاني: وجوبها عليه إذا حضر الجمعة المنعقدة من قبل الحاضرين. قال- (قدّس سرّه)- في مصباح الفقيه: «إنّ كلمات الأصحاب فيه و في المرأة و العبد في غاية الاضطراب، بل ربّما صدر منهم دعوى الإجماع على طرفي النّقيض» (3).

أقول: يمكن أن يقال: إنّ مقتضى إطلاق بعض ما تقدّم و غيره- حتّى ما يدلّ على وجوب السّعي- هو وجوبها بعد السّعي، و لم ينهض دليل على عدم وجوبها على المسافر إذا حضر الجمعة المنعقدة من قبل أهل المصر أو القرية، فإنّ ما تقدّم من الأخبار (4) لا يدلّ على عدم وجوبها بعد الحضور- على الظّاهر- أمّا غير صحيح ربعيّ، فلأنّه ليس إلّا في مقام تجويز صلاة الجماعة للمسافر يوم الجمعة من دون خطبة و أنّ ذلك مشروع، أو في مقام كيفيّة الجماعة المنعقدة من قبل المسافرين، أو في كيفيّة الصّلاة الفرادى. و أمّا صحيح ربعيّ، فقد مرّ أنّ المتيقّن منه أنّه ناظر إلى حال الاشتغال بالرّحل و الارتحال. مع أنّه يمكن أن يقال: إنّ الجمعة أو المنصرف إليه‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 14 ح 1 من باب 6 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 14 ح 1 من باب 6 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) ج 2 كتاب الصّلاة ص 455.

(4) في ص 307.

311

..........

____________

هذا اللّفظ، هي مجموع الصّلاة المتقوّمة بالاجتماع، و أنّ المقصود أنّه ليس للمسافر أو ليس عليه إقامة الجمعة.

و الحاصل: أنّ القدر المتيقّن من ظهوره هو نفي الجمعة للمسافر بما هو كذلك. و أمّا الجمعة المنعقدة من قبل أهل المصر أو القرية فهي ليست جمعة في السّفر حتّى يكون متعلّقا للنّفي. و شهود بعض المسافرين لا يكون جمعة مستقلّة عرفا حتّى يكون موردا للنّفي، أو يشكّ في ظهوره في ذلك. و مقتضى الإطلاقات المشار إليها هو الوجوب بعد الحضور.

الثّالث: الإنصاف أنّ عقد الجمعة للمسافرين أو كونهم دخيلا في العقد لا يخلو عن إشكال، و ذلك لوجود الرّوايات المتقدّمة المنصرفة إلى ذلك، إلّا أنّ كونه في مقام توهم إيجاب الجمعة يوجب وهن ظهورها في عدم جواز العقد، فالظّاهر جواز العقد لهم و استكمال العدد بهم، لإطلاق ما دلّ على الحثّ على الجمعة إذا كانوا خمس نفر، مثل صحيح الفضل قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: إذا كان قوم في قرية صلّوا الجمعة أربع ركعات فإن كان لهم من يخطب لهم جمّعوا إذا كانوا خمس نفر» (1) الحديث، و صحيح عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال: إذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلّوا في جماعة» (2) الحديث. و قد مرّ عدم ظهور الأمر في الوجوب، بل الحقّ أنّه ظاهر في أصل الطلب، و هو حجّة على الوجوب إلّا فيما قامت القرينة على عدمه.

و لكنّ الاحتياط لا يترك بالإتيان بها بعنوان الظّهر، لعدم الإشكال في عدم الوجوب عليهم بالسّعي أو بالعقد تأسيسا أو تكميلا، لإطلاق الوضع خصوصا مثل صحيح الرّبعيّ بالنّسبة إلى ذلك.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 8 ح 6 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 9 ح 10 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

312

..........

____________

كما أنّ الاحتياط لهم- عند حضور الجمعة المنعقدة- الإتيان بها بعنوان ما هو المطلوب من الظّهر أو الجمعة، لأنّ فرضهم ركعتان على كلّ حال إن لم يكن التخيير محتملا، و إن كان محتملا و كان الجمعة أفضل الأفراد على فرض المشروعيّة، فيؤتى بها بعنوان ما هو الأحبّ عند اللّه تعالى، أو بعنوان امتثال الأمر التعيينيّ المتحقّق قطعا- إمّا على نحو الوجوب أو الاستحباب من باب كونه أفضل الأفراد- هذا إذا لم يحتمل التخيير بنحو التّساوي بأن لم يكن في البين ما هو الأفضل، و إلّا فيمكن له أن يأتي بها بداعي امتثال الأمر المعيّن، و على تقدير عدم التعيّن- لا على نحو الإلزام و لا على نحو الاستحباب- يأتي بها بقصد أحدهما من الظّهر أو الجمعة، إلّا أن يشكل في ذلك بالتّرديد في النيّة، و لا دليل على بطلانه مطلقا على الظاهر.

الفرع العاشر:

الظّاهر أنّه لا إشكال عندهم على ما يظهر من الجواهر (1) و غيرها في صحّة صلاة المرأة لو تكلّفت الحضور.

و يدلّ على ذلك أمور:

منها: الإطلاقات الدّالّة على محبوبيّة الجمعة من دون اقتضائها الوجوب و قد تقدّمت الإشارة إليها (2) و الى عدم دلالة ما يدلّ على الوضع، على عدم المشروعيّة و المحبوبيّة (3).

و منها: خبر حفص بن غياث المتقدّم (4) لكن قد عرفت الإشكال فيه.

و منها: ما عن قرب الإسناد عن عليّ بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) «قال: سألته عن النّساء هل عليهنّ من صلاة العيدين و الجمعة ما على الرجال؟

قال: نعم» (5).

____________

(1) ج 11 ص 268.

(2) في ص 297 و 298 و 300.

(3) في ص 302.

(4) في ص 306.

(5) وسائل الشيعة ج 5 ص 35 ح 2 من باب 18 من أبواب صلاة الجمعة.

313

..........

____________

و منها: صحيح أبي همام عن أبي الحسن (عليه السلام) «قال: إذا صلّت المرأة في المسجد مع الإمام يوم الجمعة، الجمعة ركعتين، فقد نقصت صلاتها، و إن صلّت في المسجد أربعا نقصت صلاتها، لتصلّ في بيتها أربعا أفضل» (1). قال- (قدّس سرّه)- في الجواهر: «و النّقصان بالصّاد كالصريح في الإجزاء» (2).

أقول: خصوصا بضمّ الحكم بالنّقصان إذا صلّت في المسجد أربعا، مع قيام الضّرورة بصحّة صلاتها، و الحكم بأنّ الصّلاة في البيت أفضل. فالمسألة خالية عن الإشكال بحسب الظاهر. و اللّه أعلم.

الفرع الحادي عشر:

أمّا الوجوب عليها بعد الحضور فقد قال- (قدّس سرّه)- في الجواهر: «إنّه المصرّح به أو كالمصرّح به في التّهذيب و النّهاية و الكافي و الغنية و الإشارة و السّرائر و التّحرير و المنتهى، و ظاهر غيرها، بل هو معقد إجماع الغنية أيضا، خلافا لما عن المحقّق في المعتبر و عن صاحب المدارك» انتهى ملخّصا (3).

أقول: يستدلّ على الوجوب عليها بعد الحضور بما تقدّم (4) من خبر حفص- لكن قد عرفت الإشكال في الاعتماد عليه- و بما تقدّم آنفا من خبر عليّ بن جعفر، و فيه:

- مضافا إلى عدم وضوح السّند- أنّ المنساق منه: السؤال عن تطابق كيفيّة صلاتهنّ في الجمعة و العيدين لصلاة الرّجال، و الجواب يكون راجعا إلى ذلك. كيف و لو كان المقصود هو وجوب الجمعة و العيدين على النّساء، لكانت مخالفة للأخبار المستفيضة الدّالّة على الوضع عنهنّ، و لو حمل على الاستحباب لكان منافيا لما تقدّم آنفا من صحيح أبي همام، و الحمل على الوجوب بعد الحضور كاد أن يكون مستهجنا كما‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 37 ح 1 من باب 22 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) الجواهر ج 11 ص 269.

(3) الجواهر ج 11 ص 272.

(4) في ص 306.

314

و انعقدت بهم (1) سوى من خرج عن التّكليف (2) و المرأة (3) و في العبد تردّد (4) و لو حضر الكافر لم تصحّ منه و لم تنعقد به و إن كانت واجبة عليه (5) «شرائع الإسلام»

____________

لا يخفى. فالحمل على وروده مورد بيان الكيفيّة متعيّن، و ظهوره غير آب عن ذلك.

قد مرّ في طيّ المسائل المتقدّمة حكم انعقاد الجمعة بالمسافر و الصّبيّ و العبد، مستقلا و منضمّا، و كذلك بالنّسبة إلى من يكون على أزيد من فرسخين إذا تكلّف حضور الجمعة، أو كان شرائط الجمعة بالنّسبة إليه قابلة للتحقّق.

و أمّا المرأة، ففي الجواهر: دعوى الإجماع على عدم الانعقاد بها، ناقلا ذلك عن التّذكرة و غيرها، و قال: بل يمكن تحصيله مع اختصاص الرّهط و القوم و النّفر بل الخمسة و السبعة الواردين في نصوص العدد- من جهة تذكير المميّز- بغيرها (1).

أقول: لو لا الإجماع لكان إطلاق ما يكون خاليا عن العناوين الثّلاثة و عن المميّز المذكّر محكّما، كما في معتبر أبي بصير عن أبي جعفر «قال: لا تكون جماعة بأقلّ من خمسة» (2). و غير ذلك، فراجع الباب، مع أنّ مقتضى شهادة غير واحد من أهل اللّغة- منهم صاحب القاموس- أنّ القوم: الجماعة من النّساء و الرّجال، فراجع. مع أنّ إلقاء الخصوصيّة في الأحكام ظاهر عند العرف.

قد مرّ حكم الصّبيّ. و أمّا المجنون فحكمه واضح.

قد مرّ حكم المرأة أيضا، و أنّه لو لا خوف خرق الإجماع لكان مقتضى الدليل هو الانعقاد بهنّ.

قد مرّ حكمه أيضا، و أنّ مقتضى الدّليل هو الانعقاد. و أمّا وجه التردّد فهو ما نقل عن المبسوط من نفي الخلاف على عدم العقد به، و لأنّ الاعتداد بالعبد موجب للتصرّف في ملك الغير بغير إذنه، و هما كما ترى.

قال- (قدّس سرّه)- في الجواهر بعد العبارة المذكورة: «عندنا كما هو‌

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 277.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 8 ح 5 من باب 2 من أبواب صلاة الجمعة.

315

..........

____________

واضح» (1).

أقول: مقتضى ذلك وضوح تحقّق الإجماع في مسألتين، إحداهما: تكليف الكفّار بالفروع. ثانيتهما: اشتراط العبادات بالإسلام، و حينئذ لا تصحّ منهم، و يجب عليهم الإسلام نفسيّا و شرطيّا من جهة وجوب العبادات عليهم.

أمّا المسألة الأولى: ففي المنتهى: «إنّهم مخاطبون بها مطلقا، خلافا للحنفيّة مطلقا و لبعض النّاس في الأوامر» (2). و في الحدائق: «المشهور بين الأصحاب- (رضوان اللّه عليهم)- بل كاد أن يكون إجماعا أنّه يجب الغسل على الكافر لأنّ الكفّار مكلّفون بالفروع، و لم ينقلوا في المسألة خلافا إلّا عن أبي حنيفة» (3). و في المستند:

«إنّه المشهور، بل عليه اتّفاق فحول أصحابنا و عمدتهم، و المخالف شرذمة من متأخّري الأخباريّين» (4) و خالف في ذلك صاحب الحدائق (5) و حكاه عن المحدّث الكاشانيّ و استظهره من كلام المحدّث الأمين الأسترآباديّ (6).

أقول: حيث إنّ المسألة من أمّهات المسائل لكونها سيّالة في المباحث الفقهيّة نذكر أدلّة الطّرفين بعون مالك النّشأتين. فاستدلّ للمشهور بأمور:

الأوّل: ظهور غير واحد من الخطابات المشتملة على التكليف، كقوله تعالى يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ (7). و قوله تعالى وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ (8) و قوله تعالى يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ كُلُوا مِمّٰا فِي الْأَرْضِ حَلٰالًا طَيِّباً وَ لٰا تَتَّبِعُوا خُطُوٰاتِ الشَّيْطٰانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ إِنَّمٰا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَ الْفَحْشٰاءِ وَ أَنْ تَقُولُوا عَلَى اللّٰهِ مٰا لٰا تَعْلَمُونَ (9) و قوله تعالى وَ عِبٰادُ الرَّحْمٰنِ.

____________

(1) ج 11 ص 278.

(2) ج 1 ص 82.

(3) ج 3 ص 39.

(4) ج 1 ص 119.

(5) ج 3 ص 39.

(6) ج 3 ص 40.

(7) البقرة الآية 21.

(8) آل عمران الآية 97.

(9) البقرة الآية 168 و 169.

316

..........

____________

وَ لٰا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللّٰهُ إِلّٰا بِالْحَقِّ وَ لٰا يَزْنُونَ وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثٰاماً (1) و قوله تعالى مٰا سَلَكَكُمْ فِي سَقَرَ قٰالُوا لَمْ نَكُ مِنَ الْمُصَلِّينَ وَ لَمْ نَكُ نُطْعِمُ الْمِسْكِينَ وَ كُنّٰا نَخُوضُ مَعَ الْخٰائِضِينَ وَ كُنّٰا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ (2). و قوله تعالى فَلٰا صَدَّقَ وَ لٰا صَلّٰى وَ لٰكِنْ كَذَّبَ وَ تَوَلّٰى (3). و قوله تعالى:.

وَ وَيْلٌ لِلْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ لٰا يُؤْتُونَ الزَّكٰاةَ. الآية (4) و قوله تعالى وَ إِذٰا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لٰا يَرْكَعُونَ وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ (5). و قوله تعالى- في طيّ مخاطبته لبني إسرائيل و أمرهم بالإيمان بما أنزل اللّه مصدّقا لما معهم وَ أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ آتُوا الزَّكٰاةَ وَ ارْكَعُوا مَعَ الرّٰاكِعِينَ (6). و قوله تعالى- بعد ذلك بعد الفصل بآية مربوطة بهم- وَ اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَ الصَّلٰاةِ وَ إِنَّهٰا لَكَبِيرَةٌ إِلّٰا عَلَى الْخٰاشِعِينَ (7). قوله تعالى كَمٰا أَنْزَلْنٰا عَلَى الْمُقْتَسِمِينَ الَّذِينَ جَعَلُوا الْقُرْآنَ عِضِينَ فَوَ رَبِّكَ لَنَسْئَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ عَمّٰا كٰانُوا يَعْمَلُونَ (8). إلى غير ذلك من الآيات القرآنية ممّا يوجب القطع بأنّهم مسؤلون عن الفروع كما أنّهم مسؤلون عن الإيمان بالأصول.

و بعد ما ذكر فلا وقع لإيراد صاحب الحدائق بأنّ بعض الآيات الواردة في مقام التّكليف خاصّ بالمؤمنين، مثل قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصٰاصُ فِي الْقَتْلىٰ (9) و قوله تعال يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيٰامُ كَمٰا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ. الآية (10) و قوله تعالى يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا نُودِيَ لِلصَّلٰاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ. الآية (11) و حينئذ يقيّد إطلاق سائر الآيات بذلك لوحدة الحكم قطعا.

فإنّه قد اتّضح أوّلا أنّ بعض الآيات صريح في كونهم مسؤولين عن الفروع كما تقدّم. و ثانيا أنّ الظّهور في التقيّد بالإيمان من حيث الوجوب ممنوع، بل لعلّ ذلك‌

____________

(1) الفرقان الآية 68.

(2) المدّثّر الآية 42- 46.

(3) القيامة الآية 31.

(4) فصّلت الآية 6

(5) المرسلات الآية 48- 49.

(6) البقرة الآية 43.

(7) البقرة الآية 45.

(8) الحجر الآية 90- 93.

(9) البقرة الآية 178.

(10) البقرة الآية 183

(11) الجمعة الآية 9.

317

..........

____________

من حيث إنّه لا يصحّ إلّا منهم أو من جهة عدم صلاحيّة الانبعاث إلى الفروع فيهم مع فرض عدم إيمانهم بالأصول.

و كما عن الكافي عن أبي اليسع قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أخبرني بدعائم الإسلام الّتي لا يسع أحدا التقصير عن معرفة شي‌ء منها- إلى أن قال- فقال (عليه السلام): شهادة أن لا إله إلّا اللّه، و الإيمان بأنّ محمّدا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و الإقرار بما جاء به من عند اللّه، و حقّ في الأموال الزكاة، و الولاية الّتي أمر اللّه عزّ و جلّ بها.» (1).

و ما عنه عن عليّ بن أبي حمزة عن أبي بصير قال: سمعته يسأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقال له: «جعلت فداك، أخبرني عن الدّين الّذي افترض اللّه على العباد، ما لا يسعهم جهله و لا يقبل منهم غيره ما هو؟. فقال: شهادة أن لا إله إلّا اللّه، و أنّ محمّدا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، و إقام الصّلاة، و إيتاء الزّكاة، و حجّ البيت من استطاع إليه سبيلا، و صوم شهر رمضان.» (2).

الثّاني: انّ في الأحكام ما يدرك العقل حسنها أو قبحها كوجوب ردّ الوديعة و حرمة أكل مال الغير. فالعقل لا يفرّق في ذلك بين الكافر و المؤمن. و في معظم الأحكام التوصّليّة أو التعبّديّة يعلم أنّ الملاك فيها لا يكون متقوّما بالمسلم و أنّه يفوت من الكافر كما يفوت من المسلم.

الثّالث: الإجماع المشار إليه في صدر المسألة. هذا شرح مقالة المشهور المنصور.

و أمّا ما استدلّ به صاحب الحدائق (3) على عدم تكليفهم بها فأمور:

الأوّل: صحيح زرارة قال: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): أخبرني عن معرفة‌

____________

(1) الكافي الأصول ج 2 ص 19 كتاب الإيمان و الكفر باب دعائم الإسلام ح 6.

(2) الكافي، الأصول ج 2 ص 22 كتاب الإيمان و الكفر باب دعائم الإسلام ح 11.

(3) الحدائق ج 3 ص 39.

318

..........

____________

الإمام منكم واجبة على جميع الخلق؟ فقال: إنّ اللّه عزّ و جلّ بعث محمّدا (صلّى اللّه عليه و آله) إلى النّاس أجمعين رسولا و حجّة للّه على جميع خلقه في أرضه، فمن آمن باللّه و بمحمّد رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و اتّبعه و صدّقه فإنّ معرفة الإمام منّا واجبة عليه، و من لم يؤمن باللّه و برسوله و لم يتّبعه و لم يصدّقه و يعرف حقّهما فكيف يجب عليه معرفة الإمام و هو لا يؤمن باللّه و رسوله و يعرف حقّهما.» (1).

و فيه: أنّ المتيقّن من ظهوره أنّ الوجوب المنفيّ هو وجوب معرفته من دون أن يكون متوقّفا على معرفة اللّه تعالى و معرفة النّبيّ، بل هو الظّاهر منه بقرينة قوله:

«فكيف يجب عليه معرفة الإمام» الظّاهر منه أنّ ذلك واضح عند العقل، و ما هو الواضح عنده: ما ذكر من عدم وجوب معرفته و لو مع فرض عدم الإيمان باللّه تعالى و رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم).

لكنّ الإنصاف: أنّه لا يخلو عن الظّهور فيما استدلّ به، من جهة أنّ الوجوب عند الجهل ليس ممّا يحتمله أحد من العقلاء حتّى يكون الإمام (عليه السلام) بصدد نفيه، فإنّ الاعتقاد بأنّ عليّا (عليه السلام) خليفة من جانب الرّسول الحقّ الّذي هو من عند اللّه، غير معقول إلّا بعد الإيمان به تعالى و برسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و أمّا الاعتقاد بالإمامة و الخلافة على فرض نبوّة النّبيّ، فهو ليس من الاعتقاد بالإمامة و الولاية الإلهيّة كما هو واضح، فالظّاهر أنّ المنفيّ هو الوجوب المطلق الموجود قبل معرفة النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و لو بلزوم مقدّمته.

و الّذي يزيد ذلك وضوحا: أنّه ليس نفي الوجوب في المقام بملاحظة العمل، فإنّه ليس في البين كافر مفروض أنّه بصدد معرفة الإمام حتّى ينفى وجوبه، بل المقصود بيان ما هو متحقّق في الواقع و مورد للعقوبة و المثوبة.

إلّا أن يقال: إنّ مفاده عدم التّكليف بغير المقدور، في حال الكفر الّذي هو‌

____________

(1) الكافي الأصول، ج 1 ص 180 كتاب الحجّة باب معرفة الإمام و الرّد اليه ح 3.

319

..........

____________

معرفة الإمام، و عدم الاعتبار بالبعث من جهة كونه مقدورا بالواسطة، و ذلك لا يدلّ على نفي التكليف بالنّسبة إلى ما يكون مقدورا بالفعل كالتوصّليّات بل و التّعبّديّات، إن لم يكن الإسلام شرطا في صحّتها كما يبحث عنه إن شاء اللّه تعالى في المسألة الآتية.

الثّاني: أخبار ذكرها في الحدائق، كلّها ضعيفة السّند، فلا نتكلّم فيها.

الثّالث: لزوم تكليف ما لا يطاق، إذ تكليف الجاهل بما هو جاهل به تصوّرا و تصديقا عين تكليف ما لا يطاق.

و فيه: ما لا يخفى، إذ التّكليف بمعرفة اللّه و معرفة الأنبياء و معرفة الإمام و التكليف بتعلّم المسائل، كلّها متوجّهة إلى الجاهل، و استحالة ذلك خلاف الضّرورة، و مستلزمة لمعذوريّة الكفّار كلّهم إلّا العالمون المعاندون.

و الأولى: أن يقرّر حكم العقل بأنّه إذا فرض أنّ صحّة الأعمال مشروطة بالإسلام، فالتّكليف بالأعمال العباديّة مع فرض الكفر غير مقدور عليه. و أمّا البعث بداعي الانبعاث إلى الأعمال المشروطة بالإسلام بتحصيل شرطها فهو كاللّغو، لعدم انبعاث غير المسلم من الأمر المفروض قبل الإسلام، فلا فائدة في البعث إلّا بعده.

و يمكن أن يجاب عن ذلك: بحصول الانبعاث، فإنّ من يعلم بأنّه مكلّف على الفروع على تقدير صحّة دين الإسلام، و أنّه لو لا التّديّن به يعاقب على تركه الإسلام و الأحكام على فرض صحّته، ربما يحصل له من الخوف ما لا يحصل لمن يعلم بأنّه غير مكلّف بالفروع أصلا.

لكن الإنصاف: أنّ صرف ذلك ليس من الجهات الملحوظة عند العقلاء في البعث، خصوصا بعد كون جزاء الكفر هو الخلود، فإنّ من لا ينبعث عن خوف الخلود، كيف ينبعث عن خوف العقوبة على ترك الصّلاة و الصّيام.

و يمكن أن يجاب: بأنّ حقيقة التّكليف الّتي هي العلم بالمصلحة الملزمة‌

320

..........

____________

و الإرادة الإلزاميّة في النّفوس الصّالحة لذلك موجودة، و هي كافية لاستحقاق العقوبة و إن لم يكن بعث بداعي الانبعاث.

هذا. مع أنّ ذلك لا يتمّ في التّوصّليّات و لا في العباديّات إن لم نقل باشتراطها بالإسلام، فالإشكال المذكور، على تقدير الاشتراط بالإسلام، كما في العبادات- على المشهور أو المجمع عليه- و كذا بالنّسبة إلى مثل معرفة الإمام المتوقّفة عقلا على معرفة اللّه تعالى و معرفة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) كما عرفته آنفا.

الرّابع: الأخبار الدّالّة على وجوب طلب العلم على كلّ مسلم، و هو دالّ على الاختصاص به.

و فيه: أنّ وجوب التّعلّم مقدّميّ للعمل، و الحقّ أنّ متعلّقه المقدّمة الموصلة لا المطلقة، فلا وجه حينئذ لوجوبه على الكافر الّذي لا يعمل بالأحكام، حسب فرض كونه كافرا.

الخامس: أنّه كما لم يعلم منه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أنّه أمر أحدا ممّن دخل في الإسلام بقضاء صلواته، لم يعلم منه أنّه أمر أحدا منهم بالغسل من الجنابة بعد الإسلام، مع أنّه قلّما ينفكّ أحد منهم من الجنابة في تلك الأزمنة المتطاولة. و لو أمر بذلك لصار معلوما كغيره من أوامره و سيرته. و أمّا ما في المنتهى (1) عن قيس ممّا يدلّ على أمره (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) بالغسل لمن أراد الدّخول في الإسلام، فخبر عامّيّ لا ينهض حجّة.

أقول: و لعلّه يكفي في ذلك ما في المنتهى- مضافا إلى ما أشير إليه من خبر قيس- من أنّه «روي عن سعد بن معاذ و أسيد بن حسين- أرادا الإسلام- أنّهما سئلا مصعب بن عمر و أسعد بن زرارة: كيف تصنعون إذا دخلتم في هذا الأمر؟ قالا: نغتسل و نشهد شهادة الحقّ» ذلك يدلّ على استفاضة الأمر بالغسل انتهى (2).

____________

(1) ج 1 ص 82.

(2) المنتهى، ج 1 ص 82.

321

..........

____________

هذا. مضافا إلى أنّ عدم وجوب الغسل بعد الإسلام لا يدلّ على عدم كونهم مكلّفين بالفروع مطلقا، بل لعلّه لا يدلّ على عدم تكليفهم بخصوص الغسل، بناء على فرض صحّة الغسل منهم في حال الكفر و كونه مرتفعا بالإسلام لكونه من مصاديق ما يحبّ عنه، و لو بغير حديث الجبّ، فالظّاهر أنّ ما عليه المشهور هو الصّحيح من كونهم مكلّفين بالفروع، إلّا بعض ما يتعلّق بالمسلمين بحسب الدّليل، أو كان في البين وجه عقليّ لعدم التّكليف، كما عن صاحب المدارك (1) و غيره بالنّسبة إلى التّكليف بالقضاء، و ذلك لعدم القدرة عليه من جهة أنّه لا يصحّ منه حال الكفر، و لا يجب عليه بعد الإسلام، فإنّ الإسلام يجبّ ما قبله بالضّرورة.

و تصوير التّكليف بالقضاء- كما هو المستفاد من كتاب الصّلاة للوالد الأستاذ (قدّس سرّه) الشريف- (2) بأنّه مكلّف في الوقت على فرض ترك الصّلاة بأحد الأمرين: إمّا الإسلام في الوقت و بقائه إلى ما بعد الوقت حتّى يصحّ منه القضاء، و إمّا الإسلام خارج الوقت حتّى يرتفع عنه التّكليف، فإذا لم يأت بالأمرين فهو معاقب على تركهما غير واضح عندي، من جهة أنّه لا يكون مكلّفا حتّى في الوقت- على تقدير ترك الصّلاة- من ناحية الأمر بوجوب القضاء بالإسلام في الوقت، لأنّه شرط في وجوب القضاء من جهة أنّ الإسلام خارج الوقت رافع للوجوب، فالوجوب يتوقّف على عدم الإسلام خارج الوقت توقّف الشي‌ء على عدم رافعه، و هو غير قابل التّحقّق إلّا بالإسلام في الوقت. و أمّا عدم الإسلام أصلا فلا يمكن أن يكون شرطا للوجوب، للزوم التّكليف بغير المقدور.

و الحاصل: أنّ الإسلام في الوقت لا يعقل أن يكون شرطا لصحّة الصّلاة القضائيّة الواقعة خارج الوقت، بل هو محصّل لما هو شرط للوجوب، و هو عدم الإسلام خارج الوقت، فلا يكون الإسلام في الوقت واجبا من جهة وجوب‌

____________

(1) مدارك الأحكام، ص 223.

(2) ص 557.

322

..........

____________

القضاء، لأنّه ملازم لشرط الوجوب، و لا يكون شرطا في الصحّة. هذا تمام الكلام في المسألة الاولى.

و أمّا المسألة الثّانية- و هي كون الإسلام شرطا في صحّة العبادات- ففي مصباح الفقيه (1): أنّه المنسوب إلى المشهور، بل ادّعي على ذلك الإجماع، و استدلّ لهم بأنّه لا يتأتّى قصد القربة من الكافر، و أنّ مقتضى الأخبار الكثيرة أنّه لا يقبل اللّه تعالى شيئا ما لم يؤمن به و برسوله و أوصيائه. ثمّ أورد على الأوّل بإمكان حصول قصد. التّقرّب من بعض الكفّار المعتقدين باللّه تعالى، خصوصا من منتحلي الإسلام الّذين أنكروا بعض ضروريّات الدّين كالخوارج و النواصب. و على الثّاني بأنّ المراد بها على الظّاهر عدم كون أعمالهم مقبولة على وجه تؤثّر في حصول القرب و استحقاق الأجر و الثّواب. ثمّ قال في آخر كلامه: إنّ الحكم بالبطلان يحتاج إلى مزيد التأمّل في الأخبار و كلمات الأصحاب.

____________

(1) ج 1 ص 227.

323

[المطلب الثالث: في ماهيّتها و آدابها]

المطلب الثالث: في ماهيّتها و آدابها

324

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

325

و هي ركعتان عوض الظّهر و يستحب فيها الجهر إجماعا (1)

..........

____________

قال (قدّس سرّه) في الجواهر: «إجماعا في القواعد و الذكرى و البيان و المدارك و المحكيّ عن التّذكرة و نهاية الأحكام و جامع المقاصد و الرّوضة- في بحث الكسوف- و الغريّة و إرشاد الجعفريّة و المقاصد العلية و الفوائد المليّة و المفاتيح و الحدائق، فهو كالمتواتر، بل في المعتبر: لا يختلف فيه أهل العلم» (1).

لكن يوهن الإجماع المذكور ما «عن المنتهى [من] أنّه أجمع كلّ من يحفظ عنه العلم على أنّه يجهر بالقراءة في صلاة الجمعة، و لم أقف على قول للأصحاب في الوجوب و عدمه، بل في كشف اللّثام: أكثر الأصحاب ذكروا الجهر فيها على وجه يحتمل الوجوب» (2).

و لذا قال (قدّس سرّه): «لكن ظنّي أنّ المراد منه مطلق الرّجحان مقابل وجوب الإخفات في الظّهر في غير يوم الجمعة، لعدم التّصريح بالنّدب قبل المصنّف.» (3).

و يستدلّ على الوجوب بروايات:

1- ما في صحيح زرارة: «و القراءة فيها جهار، و الغسل فيها واجب» (4).

____________

(1) الجواهر ج 11 ص 133.

(2) الجواهر ج 11 ص 133.

(3) الجواهر ج 11 ص 133.

(4) وسائل الشيعة ج 5 ص 2 ح 2 من باب 1 من أبواب صلاة الجمعة.

326

..........

____________

و توهّم أنّه حيث يكون في مقام توهّم الحظر فلا يدلّ على الوجوب، بل لا يدلّ على الاستحباب، لأنّه يكفي في عدم الحظر مشروعيّة الجهر، مدفوع بأنّه فرق عرفا بين أن يقال: «أجهر بالقراءة» أو سئل سائل عن الجهر فقال: «أجهر بها»، حيث إنّه يكون في مقام بيان حال فعل المكلّف ابتداء، و بين أن يكون الظّاهر في الجعل الابتدائيّ، و العبارة المنقولة من قبيل الثّاني، فتكون ظاهرة في أنّ مشروعيّة القراءة فيها إنّما هي بنحو الجهار، فلا يجزي غيرها.

2- صحيح عمر بن يزيد أو معتبرة (1) عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و فيه «قال [(عليه السلام)]: ليقعد قعدة بين الخطبتين و يجهر بالقراءة» (2).

و احتمال كونه في مقام توهّم الحظر ضعيف، بقرينة قوله (عليه السلام)- فيما قبله- «إذا كانوا سبعة يوم الجمعة فليصلّوا في جماعة و ليلبس البرد و العمامة»- و ما بعده- «و يقنت في الرّكعة الأولى منهما قبل الرّكوع» (3) فإنّ كلّ ذلك ظاهر أو صريح في البعث، فبعيد أن يكون قوله (عليه السلام): «و يجهر بالقراءة» في مقام رفع توهّم الحظر، إلّا أن يقال: إن كان صدوره من الإمام (عليه السلام) «بالسّكون» حتّى يكون عطفا على «يقعد» فيكون في قوّة أن يقول (عليه السلام): «و ليجهر بالقراءة» فهو صريح في البعث و هو حجّة على الوجوب، و إن كان صدوره منه «بالرّفع» فتغيير الأسلوب قرينة على كونه في مقام توهّم الحظر، و ليس حجّة في البين على أحد الأمرين.

____________

(1) و الترديد من باب الترديد بين السّابريّ و الصّيقل، و إن رجّح في تنقيح المقال- ج 2 ص 349- و خاتمة المستدرك- ج 3 ص 638- أنّ الرّبعيّ راو عن السّابريّ، و يظهر من صاحب المدارك أيضا تصحيح خبر فيه «ربعيّ» عن عمر بن يزيد- تنقيح المقال ج 2 ص 349.

و الظّاهر أيضا كون الصّيقل معتمدا لرواية محمّد بن زياد الّذي هو ابن أبي عمير بكتابه، و رواية غير واحد من الأجلّاء عنه، مضافا إلى أنّ في الطّريق مثل حمّاد.

(2) وسائل الشيعة ج 4 ص 819 ح 4 من باب 73 من أبواب القراءة في الصلاة.

(3) وسائل الشيعة ج 5 ص 15 ح 5 من باب 6 من أبواب صلاة الجمعة.

327

..........

____________

3- و هو العمدة- صحيح جميل قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الجماعة يوم الجمعة في السفر، فقال: يصنعون كما يصنعون في غير يوم الجمعة في الظّهر، و لا يجهر الإمام فيها بالقراءة، إنّما يجهر إذا كانت خطبة» (1) و يقرب منه صحيح محمّد بن مسلم مضمرا (2).

و دلالته على الوجوب بعد مقدّمات واضحة:

الأولى: استحباب الجهر بالقراءة في صلاة الظّهر يوم الجمعة، كما يدلّ عليه صحيح محمّد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال لنا: صلّوا في السّفر صلاة الجمعة جماعة بغير خطبة و أجهروا بالقراءة، فقلت: إنّه ينكر علينا الجهر بها في السّفر، فقال (عليه السلام): أجهروا بها» (3).

فإنّ تكرار الأمر بالجهر خصوصا مع فرض كونه منكرا لدى العامّة كاد أن يكون صريحا في الاستحباب، و ليس المقصود من الأمر إثبات المشروعيّة و رفع البدعة، إذ لم يكن الصّادق (عليه السلام) بصدد القيام لرفع البدع، فإنّه لم يكن منحصرا بالمورد المزبور، مع أنّه أيضا أمر بذلك، فهو مستحبّ أو واجب فيؤخذ بإطلاقه.

الثّانية: أنّ الحمل على تأكّد الاستحباب خلاف الظّاهر في المورد، فإنّه كيف يحمل النّفي أو النّهي على عدم تأكّد الاستحباب.

الثّالثة: انّ حمل الصّحيحين على التّقيّة- بقرينة كون الجهر في غير صلاة الجمعة منكرا، و كون الحكم الواقعيّ هو استحباب الجهر في الظّهر و الجمعة بلا فرق بينهما- خلاف الظّاهر جدّا. إذ يكفي في أدائها «و لا يجهر الإمام» بل و قوله: «يصنعون‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 4 ص 820 ح 8 من باب 73 من أبواب القراءة في الصلاة.

(2) وسائل الشيعة ج 4 ص 820 ح 9 من باب 73 من أبواب القراءة في الصلاة.

(3) وسائل الشيعة ج 4 ص 820 ح 6 من باب 73 من أبواب القراءة في الصلاة.

328

..........

____________

كما يصنعون في غير يوم الجمعة» مع أنّ الأمر بالجهر مع الإنكار دليل على عدم التّقيّة بمعنى الخوف، و إلّا لم يأمر الإمام بذلك قطعا، فهو دالّ على عدم تقيّة في الجهر، بل كان غير متعارف عندهم.

الرّابعة: صراحة الصّحيحين في الفرق بين الظّهر و الجمعة في يوم الجمعة، فلا يكون ذلك إلّا بأن يكون المقصود من قوله: «و لا يجهر» عدم الوجوب، و من قوله:

«إنّما يجهر» هو الوجوب.

و أمّا معارضة ذلك بما ورد عن عليّ بن جعفر، عن أخيه موسى (عليهما السلام)، قال: «سألته عن الرّجل يصلّي من الفريضة، ما يجهر فيه بالقراءة، هل عليه أن لا يجهر؟ قال (عليه السلام): إن شاء جهر و إن شاء لم يفعل» (1).

فمدفوعة: أوّلا: بأنّه معرض عنه، لأنّ مقتضاه عدم وجوب الجهر أصلا، و أنّ الجهر في جميع موارده على نحو الاستحباب، و الحمل على خصوص صلاة الجمعة حمل على الفرد النّادر.

و ثانيا: يمكن حمله على التقيّة في العمل بقرينة أنّ المفروض أنّه يجهر فيه، فيكون السؤال «هل عليه أن لا يجهر؟» لكنّه بعيد، لقوله: «إن شاء جهر» فتأمّل. أو التقيّة في الفتوى، و هو أيضا بعيد لأنّ الرّاوي هو عليّ بن جعفر (عليه السلام).

و ثالثا: يحتمل أن يكون المقصود شخص الصّلاة الّتي يجهر فيها، بأن يجهر فيها الإمام، فهل يجب على المأموم الإخفات في الذكر أو القرآن حين جهر الإمام بالقراءة؟ فيكون مربوطا بصلاة الجماعة.

إن قلت: مقتضى خبر عليّ بن جعفر- قال: «سألته عن رجل صلّى العيدين وحده و الجمعة، هل يجهر فيهما بالقراءة؟ قال: لا يجهر إلّا الإمام» (2)- أنّ الظّهر‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 4 ص 765 ح 6 من باب 25 من أبواب القراءة في الصلاة.

(2) وسائل الشيعة ج 4 ص 820 ح 10 من باب 73 من أبواب القراءة في الصّلاة.

329

[و الجمعة و المنافقون] (1)

____________

في يوم الجمعة ليس فيه الجهر، فيمكن أن يكون المقصود من الأخبار المتقدّمة- استحباب الجهر في الجمعة في قبال الظّهر فيها.

قلت: يعارضه صريحا حسن الحلبيّ- قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن القراءة في الجمعة إذا صلّيت وحدي أربعا، أجهر بالقراءة؟ فقال [(عليه السلام)]:

نعم» (1) الحديث، فحينئذ لا بدّ إمّا من حمل «لا يجهر إلّا الإمام» على عدم الاستحباب بالخصوص، أو عدم الوجوب إلّا للإمام، و لا يتعيّن الأوّل، فيمكن أن يستحبّ الجهر مطلقا، و لا يجب إلّا على الإمام.

فتحصّل: أنّ مقتضى الدّليل هو الوجوب، و لم يتّضح عقد الإجماع على الاستحباب كما تقدّم. و هو العالم.

ذكروه في باب القراءة. قال (قدّس سرّه) في مفتاح الكرامة: «استحباب قراءة الجمعة و المنافقين في الجمعة و ظهريها إجماعيّ، كما في الانتصار و الخلاف و الغنية. و في المهذّب البارع و المقتصر: أنّه الأظهر بين الأصحاب. و في المختلف و تخليص التلخيص: أنّ المشهور استحبابهما فيها و في ظهريها. و معقد إجماع الغنية: أنّ الجمعة في الاولى و المنافقين في الثّانية. و في الفقيه كما نقل عن المقنع و التقيّ:

وجوب السّورتين في ظهر الجمعة للمختار. و قال جماعة: يلزمهم ذلك في الجمعة بالطّريق الأولى. و عن المرتضى في الإصباح: إيجابهما في الجمعة» انتهى ملخّصا (2) أقول: قبل ذكر الأدلّة ينبغي تقديم مقدّمة، و هي أنّ إقامة صلاة الجمعة في عصر صدور أكثر الرّوايات الواردة في الباب، و إن كانت متحقّقة في الجملة كما مرّ، لكنّها لم تكن شائعة، بل كانت نادرة خفيّة، و أكثر الإماميّة إمّا لم يكونوا‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 4 ص 819 ح 3 من باب 73 من أبواب القراءة في الصّلاة.

(2) مفتاح الكرامة ج 2 ص 404.

330

..........

____________

يحضرون جمعة، أو كانوا يحضرون جمعة العامّة، فلم تكن القراءة موردا لابتلائهم، حتّى يصدر الرّوايات لعملهم، أو يسئلوا عن ذلك. فليكن ذلك في ذكرك في مقام الاستدلال بالرّوايات.

فمنها: ما عن الخصال في حديث الأربعمأة، قال- (عليه السلام)-: «القنوت في صلاة الجمعة قبل الرّكوع، و يقرأ في الأولى: الحمد و الجمعة، و في الثّانية: الحمد و المنافقين» (1).

و منها: حسن محمّد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: «إنّ اللّه أكرم بالجمعة المؤمنين فسنّها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بشارة لهم، و المنافقين توبيخا للمنافقين، و لا ينبغي تركهما، فمن تركهما متعمّدا فلا صلاة له» (2).

و دلالته على رجحان قرائتهما في صلاة الجمعة بل على الوجوب- لا سيّما الثّاني- غير قابل للإنكار، لعدم تمشّي الإشكال المتقدّم في المقدّمة، حيث إنّ الأوّل عن عليّ (عليه السلام) و الثّاني حاك لسنّة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله). و اشتمال الثّاني على كلمة «لا ينبغي»- المشهور ظهوره في الاستحباب أو كراهة التّرك- غير مضرّ بدلالة ذيله على الوجوب، فإنّ دلالة المادّة المذكورة على الرّجحان أو المرجوحيّة بالمعنى الخاصّ إنّما هو فيما إذا لم يكن ذلك بعناية أخرى و هي تقديم ملاك التشريع في المورد، فكان المقصود أنّه مع فرض كونهما سنّة من جانب الرّسول (صلّى اللّه عليه و آله) للبشارة و التوبيخ، فكيف ينبغي ترك مثل ذلك الّذي هو معلوم الصّلاح من جهة مراعاة ما رآه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) من الملاك، و من جهة الاحترام بسنّته (صلّى اللّه عليه و آله). كيف و لو لا ذلك لم يكن تناسب بين الإتيان بما هو ظاهر في الاستحباب و بما هو يقرب من الصّريح في الوجوب في كلام واحد.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 4 ص 790 ح 7 من باب 49 من أبواب القراءة في الصّلاة.

(2) وسائل الشيعة ج 4 ص 815 ح 3 من باب 70 من أبواب القراءة في الصّلاة.

331

..........

____________

و منها: ما رواه الفريقان عن ابن أبي رافع عن أبي هريرة «أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يقرء بهما في الجمعة» (1).

و في كتاب الأمّ للشافعيّ «أنّ أبا هريرة قرأ بالجمعة و المنافقين في صلاة الجمعة و قال له عبد اللّه بن أبي رافع: قرأت بما كان يقرأ به عليّ- (عليه السلام)-؟ فقال أبو هريرة: إنّ رسول اللّه كان يقرأ بهما» (2).

و منها: ما عن جعفر بن محمّد عن عبد اللّه بن أبي رافع «أنّ أمير المؤمنين- (عليه السلام)- كان يقرأ في الجمعة في الأولى الجمعة و في الثانية المنافقين» (3).

و منها صحيح البزنطيّ عن الرضا- (عليه السلام)- و فيه: «و في الجمعة الجمعة و المنافقين و القنوت في الركعة الأولى قبل الركوع» (4).

و دلالته واضحة من جهة قوله- (عليه السلام)- «و القنوت في الركعة الأولى قبل الركوع».

و منها: خبر الأحول عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- «و القنوت في الركعة الأولى قبل الركوع» و منها: خبر الأحوال عن أبي عبد اللّه- (عليه السلام)- قال: «من لم يقرأ في الجمعة بالجمعة و المنافقين فلا جمعة له» (5).

و دلالته على حكم الجمعة و أن ليس المقصود خصوص صلاة الظهر- و إن كان يطلق على ظهر الجمعة لفظ الجمعة في الروايات- أنّه ليس في مقام القضيّة الخارجيّة بل هو حكم كلّيّ ربما يكون له مصاديق خارجيّة موردا لابتلاء الشيعة كما يظهر من خبر البزنطيّ المتقدّم أيضا، و ربما كان المقصود أيضا هو الإيراد على جمعة العامّة بعدم مراعاتهم سنّة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله)، فإنّهم يقرؤون غيرهما كما يظهر من خبر ابن أبي رافع فكأنّه تعجّب من قراءة أبي هريرة و إحيائه سنّة عليّ (عليه السلام)، و كما يظهر من أمّ الشافعيّ، فإنّه نقل بعد حديث أبي هريرة حديثا آخر أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)

____________

(1) وسائل الشيعة: ج 4 ص 816 ح 9 من باب 70 من أبواب القراءة في الصلاة.

(2) الأمّ: ج 1 ص 205 في القراءة في صلاة الجمعة، و فيه: قال له عبيد اللّه بن أبي رافع.

(3) وسائل الشيعة: ج 4 ص 205 في القراءة في صلاة الجمعة.

(4) وسائل الشيعة: ج 4 ص 816 ح 11 من باب 70 من أبواب القراءة في الصلاة.

(5) وسائل الشيعة: ج 4 ص 816 ح 7 من باب 70 من أبواب القراءة في الصلاة.

332

..........

____________

كان يقرأ في الجمعة سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الأَعْلى، و هَلْ أتٰاكَ حَديثُ الْغاشِيَةِ.

أقول: لا حجّة لهم، لأنّه لعلّ قرائته (صلّى اللّه عليه و آله) كان قبل جعل الجمعة و المنافقين سنّة. فتأمّل.

و كيف كان، فدلالة ما تقدّم على الوجوب غير قابل للإنكار. و يدلّ عليه أيضا غيره كخبر محمّد بن مسلم (1) و خبر سماعة (2). لكنّه لا بدّ من رفع اليد عن ذلك بصحيح عليّ بن يقطين، قال: «سألت أبا الحسن الأوّل (عليه السلام) عن الرّجل يقرأ في صلاة الجمعة بغير سورة الجمعة متعمّدا، قال: لا بأس بذلك» (3). و قريب منه ما رواه محمّد بن سهل عن أبيه عنه عليه الصّلاة و السّلام (4). و الثّاني أيضا لا يخلو عن صلاحيّة الاعتماد، من جهة عدم التوقّف إلّا في محمّد بن سهل الرّاوي لكتاب أبيه. و نقل أحمد بن محمّد بن عيسى كتابه عنه دليل على الوثوق به أو على كتابه، و على أيّ حال يصحّ الاستدلال به. و حيث إنّه ليس في مقام السؤال عن عمل نفسه- إذ لا يترك نفسه الجمعة متعمّدا ثم يسأل أمامة عن ذلك- بل هو حكم كلّيّ، فهو وارد في الجمعة بالخصوص، أو هو القدر المتيقّن من مورد إطلاق لفظ الجمعة.

و يؤيّد الاستحباب بأمور:

الأوّل: الشهرة أو الإجماع على ذلك كما تقدّم.

الثّاني: حكمهم بعدم جواز العدول إليهما بعد تجاوز النّصف في الجملة.

الثالث: عدم تقوّم الجمعة في ابتداء الأمر بصورتها، كما هو واضح من بعض‌

____________

(1) وسائل الشيعة ج 5 ص 15 ح 7 من باب 6 من أبواب صلاة الجمعة.

(2) وسائل الشيعة ج 5 ص 38 ح 2 من باب 25 من أبواب صلاة الجمعة.

(3) وسائل الشيعة ج 4 ص 817 ح 1 من باب 71 من أبواب القراءة في الصّلاة.

(4) وسائل الشيعة ج 4 ص 817 ح 4 من باب 71 من أبواب القراءة في الصّلاة.

333

..........

____________

الآيات الواردة فيها.

الرّابع: إشعار حسن محمّد بن مسلم المتقدّم (1) بذلك، من جهة التعليل بالبشارة و التّوبيخ الّذي يبعد أن يكون لهما في الصّلاة مصلحة ملزمة، و إن كان أصلهما ذا مصلحة كذلك.

الخامس: صراحة خبر العلل (2) في تأكّد الاستحباب بالنّسبة إلى خصوص ظهر الجمعة، فهو إمّا أعمّ من الجمعة، و إمّا يؤيّد التأكّد في الجمعة، و الحمل عليه لا يكون بعيدا. و اللّه العالم.

____________

(1) في ص 330.

(2) وسائل الشيعة ج 4 ص 789 ح 6 من باب 49 من أبواب القراءة في الصّلاة.