مباحث فقهية - الوصية، الشركة، صلة الرحم

- السيد تقي الطباطبائي القمي المزيد...
389 /
59

..........

____________

و أورد عليه سيدنا الاستاذ (طاب ثراه)، بقوله: أن وجوب الإتيان بها لا يتوقف على أمارات الموت، و كذلك لا يتوقف على الظن بالموت، بل يكفي مجرد احتمال العجز عنه، بأن يلزمه الإتيان فورا؛ و ذلك تحصيلا للفراغ اليقيني، فإن حكم العقل بالتخيير بين الأفراد الطولية و جواز التأخير و اختيار الفرد المتأخر يختص بما إذا احرز التمكن من ذلك ليكون محرزا، للتمكن من تفريغ الذمة يقينا، و مع عدم الإحراز المزبور و احتمال طرو المانع تسقط تلك الأفراد، عن الطرفية للتخيير العقلي المذكور (1) و أفاد سيد المستمسك (قدّس سرّه) في المقام، بأن الأمر دائر بين التعيين و التأخير، أي يكون الأمر دائرا بين وجوب الإتيان فورا و جواز التأخير، و لا مجال لجريان أصالة عدم التعيين في المقام.

و بعبارة أوضح يدور الامر بين التعيين و التخيير، و في حالة الشك ربما يقال: أن مقتضى الأصل عدم التعيين، فتكون النتيجة التخيير.

و هذا لا يمكن القول به في المقام في حالة تردد العقل بين أن هذا الأمر تعيينيا أو تخييريا، فعلى هذا لا مجال للأخذ بالتخيير، إذ لا مؤمّن‌

____________

(1) مباني العروة: 2/ 372- 373.

60

..........

____________

من العقاب، فيكون المحكم في المقام هو العقل، و العقل يحكم بالتعيين (1).

هذا ملخص ما أفاده (رحمه اللّه).

أقول: يرد على ما أفاده سيد المستمسك أمر، و على كلام السيد الاستاذ أمر اخر، و على ما أبداه الماتن (قدّس سرّه) شي‌ء ثالث.

و لنشرع أولا بما أفاده سيد المستمسك (قدّس سرّه).

فنقول: أمّا ما أفاده (قدّس سرّه) فلا يمكننا القول به؛ و ذلك كيف يمكن أن يكون الحاكم يحكم بحكم و مع ذلك يكون مرددا فيه، إنما الترديد في الحكم يمكن تصويره في حكم حاكم آخر، كما إذا شك المجتهد أو تردد فيما حكم به الشارع، كما إذا حصل له الشك في حكم من الأحكام هل هو على نحو التعيين أم التخيير، او على نحو الاطلاق او التقييد، او على نحو العموم أو الخصوص.

و أمّا شك الحاكم او تردده فيما إذا حكم بنفسه فهو غير معقول؛ إذ كيف يمكن أن يكون العقل حاكما و مع ذلك يكون مرددا في أنه على‌

____________

(1) لاحظ مستمسك العروة: 14/ 541.

61

..........

____________

نحو التعيين أو التخيير.

الظاهر أن ما أفاده لا يمكن التسليم به.

و أما بالنسبة الى ما أفاده سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه) فيرد عليه، أن المكلف لا يخلو من حالات ثلاث:

الاولى: يعلم بعدم الفوت، ففي هذه الحالة لا إشكال في جواز التأخير.

الثانية: يعلم بالفوت إما بالعلم الوجداني أو بالعلم العقلائي- أي الاطمئنان- ففي هذه الحالة يلزم العقل المكلف بالاتيان لكي لا يحصل الفوت.

الثالثة: لا يحصل له العلم بعدم الفوت، و لا بالفوت، بل يشك في الفوت و عدمه، ففي هذه الحالة لا يلزم عليه البدار؛ و ذلك لجريان الاستصحاب الاستقبالي في بقاء المكلف الى مدة زمنية، كالشهر مثلا، فإذا احتمل ذلك و ما دام الاحتمال باقيا فعلى هذا تكون أركان الاستصحاب تامة، فلا مانع إذا من جريان الاستصحاب في البقاء، و عليه يترتب عدم اللزوم بالإتيان و البدار.

إن قلت: قد حقق في محله أنه يشترط في جريان الاستصحاب إما‌

62

..........

____________

في الحكم الشرعي أو في موضوع يترتب عليه حكم شرعي، و إذا لم يكن الامر كذلك فلا مجال لجريان الاستصحاب، فعلى ضوئه لا يكون الاستصحاب جاريا في الحكم الشرعي و لا في موضوع يترتب عليه حكم شرعي، اذا فالاستصحاب لا وجه لجريانه في المقام.

قلت: اللازم في جريان الاستصحاب الارتباط بالحكم في وعاء الشرع، فإذا لم يكن الاستصحاب مؤثرا و مرتبطا بوعاء الشرع و لا يكون له أثر إلا الأثر العقلي فبالقطع و اليقين لا مجال لجريانه، إذ لا دليل عليه، و على هذا الاساس حكم الأصحاب بعدم جريان الأصل المثبت، و إليك مثالا: اذا فرضنا أنه يجب التصدق عند ظهور اللحية لابن زيد فهل يمكن إثباته بالاستصحاب؟

بطبيعة الحال كلا؛ إذ الاستصحاب يجري في بقاءه و على بقائه لا يترتب أثر شرعي، و انما الاثر الشرعي يترتب على لحيته، و خروج اللحية لا يثبت إلا باللزوم العقلي، و أمّا الاستصحاب فلا يثبت هذا و هنا واضح ظاهر و لا اشكال فيه.

و أمّا إذا فرضنا أنه له أثر في وعاء الشرع مرتبط بالشرع و التكليف و المكلف فيكون مقتضى إطلاق دليل الاستصحاب جريانه في المقام،

63

..........

____________

بلا شك و لا ريب.

و لكي يتضح المطلب وضوحا مشرقا لا بد من ذكر مثال آخر، و قبل ذكر المثال لا اشكال في جريان الاستصحاب بالنسبة الى ذوي الأعذار في أول الوقت و يصح لهم البدار.

مثال ذلك: إذا فرضنا أن شخصا من الأشخاص قد فقد الماء في أول الوقت، و يشك في وجدانه بعد ساعة، او ساعتين، او ثلاث، الى آخر الوقت، ففي هذه الحالة هل يمكن الالتزام بجواز البدار أم لا؟

الجواب:

الظاهر لا إشكال في جواز البدار؛ و ذلك لجريان الاستصحاب، فإن الاستصحاب الجاري في بقاء العذر و عدم وجدان الماء إلى آخر الوقت يحقق موضوع الجواز، و بهذا يجوز للمكلف ذلك، و أيضا يجري الكلام في الصائم إذا احتمل في يوم من ايام شهر رمضان، أنه إذا نام يحتلم فهل يجوز له النوم أم لا؟

يجوز له النوم بلا شك؛ إذ مقتضى استصحاب عدم احتلامه جواز النوم، و قس عليه بقية الموارد.

فإذا اتضح ما بيناه نقول:

64

..........

____________

أولا: إن الشخص الذي تقوم عنده امارات الموت إذا احتمل أن يعيش على قيد الحياة سنة- على سبيل المثال- أو أكثر عند حصول الاحتمال فلا مانع من جريان الاستصحاب، و مقتضى جريانه عدم إلزام العقل اياه بقيام العمل، فكما في ذلك المورد يجوز عدم البدار كذلك في غيره.

ثانيا: أن جريان الاستصحاب الذي سبق منا يترتب عليه حكم شرعي، و إذا كان الامر كذلك فلا مانع من جريانه و ترتيب الأثر عليه.

توضيح ذلك: إذا فرضنا أن الحكم موسع- كما هو المفروض- في قضاء الصلاة؛ لان قضاء الصلاة واجب موسع من المبدأ حتى المنتهى، و هو من زمان القضاء إلى زمان فوته- اي موته- فإذا فرضنا بالاستصحاب أننا أحرزنا بقاء المكلف فهو عين إحراز الموضوع، و بناء على إجراء الاستصحاب يلزم منه ترتب الحكم الشرعي، ففي المقام أيضا كذلك و هو جواز التأخير؛ لأن المستفاد من الدليل وجوب قضاء الصلاة في ضمن دائرة زمنية محددة، و هي من زمان القضاء الى زمان الموت، فإذا أحرزنا زمن الموت بالوجدان أو بالبينة فيجب الإتيان بالواجبات، و نفس الأمر فيما إذا احرزنا ذلك بالاستصحاب، فما أفدناه بحسب الظاهر لا‌

65

..........

____________

مجال للإيراد عليه، و الحاصل أن ما أورده سيدنا الاستاذ على الماتن غير وارد.

هذا كله ما يرجع الى ما أفاده سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه).

و أما ما أفاده الماتن (قدّس سرّه) فلا بد من التفصيل.

فنقول: إذا كان مراده من أمارات الموت الأمارات التي توجب الاطمئنان أو القطع فنعم ما أفاده و الحق معه.

و أمّا إذا كان مراده من الأمارات أعم من كونها تفيد الاطمئنان أو القطع فتدخل ضمن الدائرة حالة الظن فلا نسلم بذلك، و يتوجه عليه عين ما وجهناه على سيدنا الاستاذ؛ إذ الظن لا يغني من الحق شيئا؛ و ذلك بصريح القرآن الكريم.

و في نهاية المطاف تحصّل: أن ما أفاده الماتن لا يمكننا التسليم به على نحو الاطلاق.

الفرع الثاني: إذا لم يتمكن من الاتيان بها تجب الوصية بها.

و تقريب المدعى أنه إذا وجب شي‌ء على المكلف يلزم عليه الإتيان به لا محالة، و حيث لم يستطع إتيانه بنفسه فيجب عليه أن ينيب شخصا‌

66

..........

____________

آخر؛ لكي يأتي بما وجب عليه، و كما علم أن النيابة بعد الموت أمر جائز فيجب عليه أن يوصي بإتيانها؛ و ذلك لفراغ ذمته، هذا ما يمكن أن يقال: في تقريب المدعى.

أقول: و يلاحظ عليه أمران:

1- أن الواجبات التي عدها في طي كلامه- و من جملتها النذور المطلقة كونها واجبة بعد الموت- أول الكلام و الإشكال؛ إذ لا يوجد دليل في الشريعة المقدسة يمكننا الاستفادة من خلاله بأن كل واجب وجب على المكلف في حال حياته- إذا لم يكن فوريا- يستقر الوجوب به بعد الموت عليه، فلا آية و لا رواية و لا اجماع يمكن ذكره.

و غاية ما يمكن أن يستدل به على المدعى هو الاستصحاب، و قد تقدم منا مررا و تكررا بأن جريان الاستصحاب في الأحكام الكلية مخدوش بمعارضته مع استصحاب عدم الجعل الزائد.

نعم في بعض الأمور المذكورة يبقى الوجوب عليه، كالصلاة و الصوم و الحج؛ و ذلك لورود الدليل الخاص، و أما كل واجب في حال الحياة يمتد الى ما بعد الموت، فالظاهر أنه لا يمكن القول به، بل هو في غاية الإشكال.

67

..........

____________

2- يقع النقاش في أصل الكبرى.

و ذلك بعد أن فرض وجود الاشتغال و أن هذه الوصية مصداق للامتثال- كما هو كذلك- فلا يخلو الأمر بالنسبة إلى المكلف من ثلاث حالات:

الاولى: يعلم بأن الوصي يقوم بما رسمه إليه من عمل.

الثانيه: يقطع (1) بعدم قيامه بالأعمال المطلوبة منه.

الثالثة: يحصل له الترديد بحيث لا يعلم و لا يقطع بذلك.

فعلى هذا إذا حصلت عنده أمارة، أو قطع بقيام الوصي بالاعمال المطلوبة منه بعد موت الموصي ففي هذه الحالة يجب عليه الإيصاء، و أمّا إذا كان عالما بالعدم فقطعا لا يجب عليه؛ و ذلك لأن الوصية بما هي وصية ليس لها موضوعية، و انما هي طريق يوصل الى المطلوب، و في الصورة المفروضة أن الشخص قد قطع بعدم الأثر المترتب على هذه الوصية، إذا: لا مجال للقول بوجوبها، و امّا في الحالة الثالثه- و هي الترديد- فأيضا الحكم كسابقه في عدم الوجوب؛ و ذلك لوجوه:

____________

(1) المراد من القطع هنا اعم من الوجدان و التعبد و العلم العقلائي، اي الجامع الكلي و هو الأمارة المعتبرة.

68

..........

____________

أ- مقتضى جريان أصالة البراءة عدم الوجوب.

بيان ذلك: أن الشخص يحصل له الشك في الوجوب و عدمه، و عند حصول الشك فلا مانع من جريان البراءة في المقام.

و لا بأس بالإشارة إلى كبرى كلية قد ثبتت في علم الأصول، و هي أنه هل يمكن جريان البراءة في الحكم من باب الشك في القدرة على الامتثال أم لا؟

الجواب: نعم، و تحقيق ذلك على نحو التفصيل موكول الى محله، و امّا على نحو الاجمال و الاختصار، فنقول: أن إطلاق أدلة البراءة الصادرة من الشارع الأقدس يستفاد من خلالها أنه في مورد الشك يرفع الحكم بمقتضى الأصل؛ إذ لا مانع من جريان البراءة عند الشك في التكليف من باب الشك في القدرة، و إليك مثالا يتضح به المطلوب، و هو فيما إذا استيقظ شخص من النوم مجنبا، و لا يمكنه الاغتسال بالماء البارد، و يشك أنه إذا طلع من الدار هل يمكنه الوصول الى الحمام لكي يغتسل أم لا؟

الظاهر أنه لا مانع من جريان البراءة هنا؛ اذ يشك في الالتزام بالغسل و عدمه، فعلى هذا يصبح المورد من موارد البراءة، و بهذا البيان نرجع الى‌

69

..........

____________

أصل المطلب، و هو: حيث ان هذا الشخص متردد في قيام الوصي بالمهمة المطلوبة منه، فعلى هذا يشك في وجوب الإيصاء و عدمه، فلا إشكال إذا في جريان البراءة، و بعد جريانها تصبح النتيجة عدم الإيصاء.

ب- يمكننا أيضا احراز عدم القيام بواسطة الاستصحاب، و هو الاستصحاب الاستقبالي.

و توضيحه هكذا: أنه يعلم في البداية عدم قيام الوصي بما يكلف به، و يشك بعد ذلك بالقيام و عدمه، فعلى هذا فإن مقتضى الاستصحاب عدم الإتيان، و بهذا يحكم بعدم قيامه، فتكون النتيجة عدم وجوب الوصية.

ج- مجرد الشك كاف في المقام بعدم الوجوب.

بيان ذلك: أن الموصي يشك في قيام المكلف بالأعمال المطلوبة هل يقوم بها أم لا؟ فأمّا دليل الوجوب فإنما ينطبق على تحقق الشخص بالقيام، و امّا في حالة الشك فلا يمكننا التمسك بدليل الوجوب؛ و ذلك لأنه عند التمسك به يدخل ضمن دائرة التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، و قد ثبت في محله أن التمسك بالعام في الشبهة المصداقية باطل.

70

..........

____________

إن قلت: لا يمكن رفع اليد عن العمل في حالة الشك، مع الفرض بعدم كونه مؤمّنا من قبل المولى؛ و توضيح ذلك: إذا فرضتم عدم جريان الاستصحاب و البراءة فلا مجال للقول بأن الشك كاف في المقام؛ و ذلك أن العبد مقهور في يد المولى، و مجرد احتمال العقاب منجز يلزم في نظر العقل تحقق مؤمّن للعبد من العقاب، حتى تطمئن نفسه، و إلا مع الشك لا يمكنه تحريك حتى إصبعه.

قلت: إذا وصلت النوبة الى هنا فيكفي للأمن من ذلك قاعدة (قبح العقاب بلا بيان)، و لا أرى مانعا من جريانها، و على ضوءها نحكم بقبح عقابه؛ إذ لا دليل على وجوب الاحتياط، و امّا على فرض وجود دليل على الاحتياط، فلا تصل النوبة لجريان هذه القاعدة، و امّا مع العدم فلا مانع من ذلك، فتحصل من خلال ما بيناه ثلاث مراحل:

الاولى: جريان (البراءة).

الثانية: جريان (الاستصحاب).

الثالثة: جريان قاعدة (قبح العقاب بلا بيان).

الفرع الثالث: يجب على الموصي ردّ الأمانات التي كانت عنده،

71

..........

____________

كالوديعة، و العارية، و مال المضاربة، و نحوها.

ما أفاده الماتن (رحمه اللّه) في هذا الفرع لا يمكننا التسليم به على نحو الإطلاق، بل لا بد من التفصيل.

فنقول: المعروف و الظاهر من الأدلة الشرعية من خلال الكتاب و السنة هو وجوب حفظ الأمانات، و عدم التفريط فيها، و إليك هذه الاية الكريمة و بعض الروايات قال اللّه سبحانه: إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا (1).

و عن الحلبي عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: صاحب الوديعة و البضاعة مؤتمنان (2).

إذا: فتارة يحصل للأمين الذي اؤتمن على هذه الامانة العلم بحفظها بعد موته، كما كانت محفوظة في حال حياته؛ و ذلك لكون ورثته من الأشخاص الصلحاء الحافظين لأمانات الآخرين، و لا يطرأ عليه أدنى شك بأنهم يتصرفون في أمانات الغير بعد موته، بل يقطع أنهم يحافظون عليها أتم المحافظة و يردّونها الى أصحابها، ففي هذه الصورة لا يمكننا‌

____________

(1) النساء: 58.

(2) الوسائل: 19/ 79/ ب 4 من أبواب الوديعة/ ح 1.

72

..........

____________

القول بالوجوب عليه، لكي يردها عند ظهور أمارات الموت.

و أخرى عكس ذلك تماما فإنه يقطع أن الورثة بعد موته يتصرفون في أمانات الناس؛ و ذلك لعدم صلاحهم، ففي هذه الصورة يجب عليه عند ظهور أمارات‌

الموت أن يؤدي الأمانات إلى أهلها.

فتحصل من خلال التفصيل أن في الصورة الاولى لا يجب، و في الصورة الثانية يجب، و امّا على نحو الإطلاق فلا يمكن التسليم به.

الفرع الرابع: إذا لم يتمكن من أداء الأمانات عند ظهور أمارات الموت تجب عليه الوصية.

و تقريب المدعى: أن الوصية مصداق للإيصال، و حيث انه يجب عليه الإيصال، فعلى هذا تجب الوصية.

و في هذا الفرع لا بد من التفصيل أيضا و يتضح ذلك من خلال صورتين:

الصورة الأولى: أن من تظهر عليه أمارات الموت يحصل له العلم و القطع بإيصال المال لصاحبه؛

و ذلك من خلال معرفته بالقائم على هذه‌

73

..........

____________

المهمة، حيث انه رجل صالح متدين و لا يمكن الاحتمال او الخدش في دينه و تقواه، و من كانت سيرته هكذا فإنه بلا اشكال و لا ريب يؤدي الأمانات إلى أهلها، فعلى هذا لا وجه للوصية، إذ الوصية بما هي وصية لا تكون واجبة، بل مقدمة لوصول المال إلى أربابه، و طالما يحصل ذلك، فلا مجال للقول بالوجوب.

الصورة الثانية: عدم حصول الاطمئنان لمن تظهر عليه أمارات الموت في رد الأمانات إلى أصحابها،

و في هذه الصورة لا بد من التفصيل، إذ تارة يرى الموصي بأن هذه الوصية لها أثر في الخارج، حيث أنها توجب إيصال المال لصاحبه، و أخرى يعلم بعدم ترتب الأثر على هذه الوصية- أي وصى أو لم يوص لا فرق في ذلك- بل وجودها و عدمها واحد. و ثالثة يشك في ذلك- أي لا يعلم بترتب الأثر و لا بعدمه- فعلى هذا إذا حصل له العلم بتأثير الوصية فلا إشكال في أنها تجب عليه؛ و ذلك أن إيصال المال لصاحبه واجب عليه، و الوصية نحو من الإيصال.

و امّا مع العلم بعدم ترتب الاثر عليها فلا إشكال في عدم وجوب الوصية؛ و ذلك لما تقدم من أن الوصية بما هي وصية لا تكون واجبة‌

74

..........

____________

بحسب الموضوعية، و امّا في حالة الشك فالحكم أيضا كسابقه في حالة عدم ترتب الأثر؛ و ذلك بجريان الاستصحاب الاستقبالي.

الفرع الخامس: يجب عليه أداء ديون الناس الحالة.

و الكلام في هذا الفرع عين الكلام المتقدم في الفرع السابق؛ إذ تارة يعلم برضا المالك أي أنه يرضى ببقاء الدين في كأس ذمته، و أخرى لا يعلم بذلك، فعلى الأول يجب عليه الأداء، إذ هو أعم من أن نقول بأن الإبقاء في الذمة نحو من التصرف أم لا، و الظاهر من كلام سيد المستمسك (رحمه اللّه) (1) أن الإبقاء في الذمة يعد تصرفا، و أنكره سيدنا الاستاذ بقوله (و ما قيل من أن بقاءها حينئذ عنده و عدم دفعها إلى أربابها تصرف في مال الغير بغير إذنه، أو حبس للحق عن مالكه، و كلاهما حرام، بل يعدان من الكبائر.

مدفوع: بأن التصرف يتوقف على تقليب المال، فلا يشمل البقاء في الذمة فإنه باق على حاله و لا يعد تصرفا، كما أن البقاء إذا كان مستندا الى‌

____________

(1) لاحظ مستمسك العروة: 14/ 543.

75

..........

____________

عدم مطالبة المالك لم يعتبر حبسا للحق عن مالكه.

بل يمكن دعوى قيام السيرة القطعية عليه، فإن المديون لا يبادر إلى ادائها ما لم يطالبه المالك، كما هو الحال في مهور الزوجات) انتهى (1).

و على كلا القولين إذا لم يكن راضيا فلا مجال لهذا التفصيل، إذ التصرف في مال الغير من دون إذنه حرام، و امّا مع الرضا فلا اشكال فيه، و امّا إذا لم يكن راضيا فلا ريب في وجوب الاداء؛ اذ المفروض أن الحبس حرام، و هذا من مصاديقه، فعلى ضوئه يجب عليه أداء ديون الناس.

الفرع السادس: إذا لم يمكنه أداء الديون أو كانت مؤجلة وجب الإيصاء بها،

إلّا إذا كانت معلومة أو موثقة بالأسانيد المعتبرة.

و لكي يتضح المراد في هذا الفرع لا بد من ذكر صور ثلاث:

الصورة الاولى: أن يكون طريق الإيصال منحصرا بالوصية،

ففي هذه الصورة تجب الوصية عليه، و لا فرق في ذلك بين كونها موثقة بالاسانيد المعتبرة أم لا؛ إذ بمجرد وجود السند و معلومية الدين لا يكون‌

____________

(1) مباني العروة: 2/ 374.

76

..........

____________

مؤثرا في إمكان التصور، و طالما الإيصال قد انحصر في الوصية إذا لا إشكال في وجوبها.

الصورة الثانية: أنه يعلم بأن الوصية لا أثر لها في ذلك،

ففي هذه الصورة لا تجب الوصية عليه.

الصورة الثالثة: يشك في كونها مؤثرة أم لا،

ففي هذه الصورة حكمها كحكم سابقتها في عدم الوجوب.

الفرع السابع: إذا كان عليه زكاة أو خمس أو نحو ذلك فإنه يجب عليه أداؤها أو الوصية بها.

ما أفاده في هذا الفرع على طبق القاعدة، و يتضح ذلك من خلال هذا الشكل و هو: إذا فرضنا أن الدين يجب أداؤه، و الحقوق الشرعية من الديون، ففي هذه الحالة يتكون عندنا قياس اقتراني منطقي من الشكل الأول مركب من الكبرى و الصغرى:

الكبرى: الدين يجب أداؤه.

الصغرى: الحقوق الشرعية من الديون.

النتيجة: يجب أداء الحقوق الشرعية.

77

..........

____________

و يؤيد المدعى ما رواه وهب، عن جعفر بن محمد، عن ابيه، عن علي (عليهم السلام) قال: الوصية تمام ما نقص من الزكاة (1).

الفرع الثامن: لا فرق فيما ذكر بين ما لو كانت له تركة او لا.

التفصيل المتقدم يجري أيضا هنا؛ إذ لا يخلو الأمر إمّا أن يعلم بتأثير الوصية كأن يقوم أحد من المؤمنين او الحاكم الشرعي بأداء دينه او لا، ففي الحالة السابقة يجب عليه الوصية؛ إذ الدين أداؤه واجب، و هذا مصداق للأداء، فعلى هذا يجب. إلّا أن يوجد مانع في المقام يحول بينه و بين ذلك، كالحرج، و امّا في الحالة الثانية فلا تجب.

____________

(1) الوسائل: 19/ 259/ ب 2 من أبواب الوصايا/ ح 2.

78

[مسألة 4: بطلان الوصية برد الموصى له]

[مسألة] (4): رد الموصى له للوصية مبطل لها اذا كان قبل حصول الملكية، و اذا كان بعد حصولها لا يكون مبطلا لها، فعلا هذا اذا كان الرد منه بعد الموت و قبل القبول، او بعد القبول الواقع حال حياة الموصي مع كون الرد أيضا كذلك يكون مبطلا لها، لعدم حصول الملكية بعد، و اذا كان بعد الموت و بعد القبول لا يكون مبطلا، سواء كان القبول بعد الموت أيضا او قبله، و سواء كان قبل القبض او بعده، بناء على الاقوى من عدم اشتراط القبض في صحتها، لعدم الدليل على اعتباره؛ و ذلك لحصول الملكية حينئذ له، فلا تزول بالرد.

و لا دليل على كون الوصية جائزة بعد تماميتها بالنسبة الى الموصى له، كما انها جائزة بالنسبة الى الموصي، حيث انه يجوز له الرجوع في وصيته، كما سيأتي.

و ظاهر كلمات العلماء حيث حكموا ببطلانها بالرد عدم صحة القبول بعده؛ لأنه عندهم مبطل للإيجاب الصادر من الموصي كما ان الامر كذلك في سائر العقود، حيث ان الرد بعد الايجاب يبطله و ان رجع و قبل بلا تأخير، و كما في إجازة الفضولي، حيث أنها لا تصح بعد الرد.

لكن لا يخلو عن اشكال، اذا كان الموصي باقيا على ايجابه.

بل في سائر العقود أيضا مشكل، إن لم يكن اجماع، خصوصا في

79

الفضولي؛ حيث ان مقتضى بعض الاخبار صحتها و لو بعد الرد.

و دعوى: عدم صدق المعاهدة عرفا اذا كان القبول بعد الرد، ممنوعة.

ثم انهم ذكروا انه لو كان القبول بعد الرد الواقع حال الحياة صح، و هو أيضا مشكل على ما ذكروه من كونه مبطلا للإيجاب؛ اذ لا فرق حينئذ بين ما كان في حال الحياة او بعد الموت، إلا إذا قلنا: أن الرد و القبول لا أثر لهما حال الحياة، و أن محلهما إنما هو بعد الموت و هو محل منع (1).

..........

____________

(1) تتفهرس هذه المسألة في عدة فقرات:

الفقرة الأولى: إذا رد الموصى له الوصية قبل حصول الملكية فرده مبطل لها.

و هذا لا كلام فيه و لا إشكال يعتريه، بل متسالم عليه بين الأصحاب، و ادعي عليه الإجماع بكلا قسميه كما في الجواهر، و عدم الخلاف كما في التذكرة.

الفقرة الثانية: إذا تحققت الملكية للموصى له و بعد تحققها حصل منه الرد فهل تكون الوصية باطلة أم لا؟

أفاد الماتن (قدّس سرّه) بعدم بطلانها و لا أثر لرده، و قبل الحكم في هذه‌

80

..........

____________

الفقرة لا بد لنا من التساؤل عن جهة في المقام، و هي: بأيّ سبب يتحقق الملك!! فهل يتحقق بالإيجاب و القبول و موت الموصي أم لا؟

الظاهر من كلماتهم (قدّس سرّه) أنه يتحقق بذلك، و إنما حصل الخلاف بينهم في كون القبض شرطا في تحقق الملك أم لا؟

و بعد معرفة هذه الجهة نقول: إذا قلنا بأن الوصية التمليكية لا تتحقق إلا بالقبول و بناء على هذا- تصبح من العقود- و فرضنا أيضا أن الملكية تحصل بعد الموت و بعد تحققها يحصل الرد منه- أي من الموصى له- فالظاهر أنه لا أثر له و هذا بلا إشكال و لا ريب و ذلك لوجهين:

1- الاستصحاب:

بعد أن تحققت الملكية على نحو الدوام يحصل الشك، و عند حصوله لا بد من طرح هذا التساؤل: هل جعل حق الرد للموصى له أم لا؟

الجواب: مقتضى الاصل عدمه؛ إذ من الواضح أن هذا الأمر من الحوادث، و كل حادث مسبوق بالعدم، فمقتضى الاستصحاب عدم تحقق هذا الشي‌ء في الشريعة المقدسة.

2- أَوْفُوا بِالْعُقُودِ:

و توضيح ذلك: أنه إذا فرضنا أن الوصية التمليكة من العقود فبطبيعة‌

81

..........

____________

الحال بعد تحقق الملكية و القبول تكون الوصية مع القبول مصداقا للعقد فيترتب عليه اللزوم بمقتضى قوله تعالى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ، و على هذا فبمقتضى أَوْفُوا بِالْعُقُودِ نحكم بلزوم العقد، و صفوة القول أن الرد لا أثر له بلا شك و لا ريب.

و لا يخفى أن الفروع المذكورة بحسب القاعدة الأولية لا مجال للتعرض لها؛ و ذلك لما ثبت سابقا من كون مقتضى القاعدة الأولية تحقق الوصية، و هو أعم من كونها تمليكة او لا؛ و ذلك لأن الوصية على إطلاقها مؤثرة و لا تكون قابلة للرد، غاية ما في الامر أنه في بعض مصاديق هذه الكبرى يمكن دعوى الإجماع، و على اي حال فإننا مجاراة للمصنف (قدّس سرّه) لا بأس أن نتعرض لها.

الفقرة الثالثة: إذا كان الرد بعد الموت و قبل القبول يكون مبطلا للوصية.

يمكن أن يقال في تقريب المدعى وجهان:

أ- أن الوصية مشروطة بعدم الرد على نحو الشرط المتأخر،

و المفروض عدم تحقق الشرط، فعلى هذا لا تكون الوصية صحيحة.

82

..........

ب- أن الوصية من العقود، و العقد قوامه بالقبول، و الحال أن الرد حصل قبل القبول،

____________

و بتعبير آخر أن القبول مشروط بعدم الرد و المفروض لم يتحقق، فعلى هذا لا تكون الوصية صحيحة.

مناقشة التقريب الاول

أقول: كلا التقريبين لا يمكن الاعتماد عليهما، و لا القول بهما؛ و ذلك إنما يصح ما قيل في التقريب الاول بناء على التسليم بشرطية عدم الرد و كون الوصية من العقود، و كما تعلم فقد ظهر فساده؛ إذ لا دليل على ذلك، بل مقتضى إطلاقات الوصية نفوذها، و لو مع الرد اللاحق، إلّا أن يقوم إجماع تعبدي كاشف عن رأي المعصوم (عليه السلام) و امّا عند عدم قيام الإجماع الكاشف أو الضرورة الفقهية فلا أثر لهذا الرد.

و بعبارة جلية فإن مقتضى إطلاقات أدلة الوصية كتابا و سنة عدم اشتراط الوصية بالشرط المزبور.

هذا كله ما يرجع إلى بطلان التقريب الأول.

83

..........

مناقشة التقريب الثاني

____________

و امّا التقريب الثاني فالكلام هو الكلام؛ إذ المفروض أن الموجب لم يرجع عن إيجابه، و الرد كالعدم؛ و ذلك أن الرد لا يوجب انعدام ايجاب الموجب، و إذا كان ايجاب الموجب باقيا- على حاله- فلا مانع من كونه قابلا لإلحاق القبول به، هذا ما تقتضيه القاعدة الاولية.

و امّا من ناحية النصوص فإليك هذه الرواية و هي ما رواه محمد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال: قضى في وليدة باعها ابن سيّدها و أبوه غائب فاشتراها رجل فولدت منه غلاما، ثمّ قدم سيّدها الأول فخاصم سيّدها الاخير فقال: هذه وليدتي باعها ابني بغير اذني.

فقال: خذ وليدتك و ابنها، فناشده المشتري، فقال: خذ ابنه- يعني الذي باع الوليدة- حتى ينفذ لك ما باعك، فلما أخذ البيع الابن قال ابوه:

أرسل ابني فقال: لا أرسل ابنك حتى ترسل ابني، فلما رأى ذلك سيّد‌

84

..........

____________

الوليدة الأول أجاز بيع ابنه» (1).

فعلى ضوء هذا النص نستفيد أن القبول بعد الرد لا إشكال فيه؛ إذ المفروض أن البيع ردّ من قبل المالك، و لكن بعد أن ابتلى بالمحذور أجاز.

و لرب قائل يقول: كيف يتحقق القبول بعد الموت و الحال أن الموجب قد مات و لا وجود له؟

الجواب: عن هذا الاشكال ظهر في ضمن الابحاث السابقة فلا مجال للإعادة.

الفقرة الرابعة: إذا كان الرد قبل الموت و بعد القبول تكون الوصية باطلة.

بتقريب أن الملكية لم تحصل، و في فرض عدم حصولها يكون رد الموصى له مبطلا للوصية.

و هذا التقريب لا يمكن القول به؛ إذ المفروض أن القبول قد تحقق من الموصى له، و الرد وقع بعد القبول، غاية الأمر أن الملكية المسببة من‌

____________

(1) الوسائل: 21/ 203/ ب 88 من ابواب نكاح العبيد و الاماء/ ح 1.

85

..........

____________

الوصية إنّما تحصل بعد الموت، و هذا لا يقتضي فساد العقد و عدم تماميته؛ و ذلك لتمامية العقد بجميع شرائطه- حتى على القول بأن القبول شرط او جزء في العقد-، فعلى هذا لا أثر للرد في المقام، أضف الى ذلك كله أن القبض لا يشترط في تحقق الملك.

إن قلت: كيف تقولون بالصحة مع أن الأمر في باب الصرف و السلم ليس كذلك، و لذا لو حصلت معاملة بين الطرفين على نحو الصرف أو السلم و قبل تحقق القبض في المجلس صدر الرد من المشتري ففي هذه الحالة لم تتحقق الملكية، و المقام كذلك؛ إذ لا فرق بينهما، إذا لا بد من الحكم بالبطلان؛ لأن كلا المقامين من واد واحد. قلت: لا وجه لقياس أحد المقامين بالآخر؛ و ذلك أن صحة العقد في الصرف و السلم مشروط بالتقابض قبل الافتراق، فلو لم يتقابضا حتى افترقا بطل البيع؛ اذ العقد غير تام في وعاء الشرع، و بعد فرض عدم التمامية لا وجه للقول بالصحة، و هذا خلاف ما نحن فيه؛ إذ لم يشترط في تمامية العقد القبض، فعلى هذا يكون العقد تاما و مشمولا لدائرة أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.

و صفوة القول: أن الرد المزبور لغو و لا أثر له، غاية ما في الباب أن أثار العقود مختلفة بحسب الفترة الزمنية، فتارة يترتب الأثر على العقد‌

86

..........

____________

بلا فاصل زماني، و أخرى يترتب الأثر على العقد بعد فترة زمنية كما نحن بصدده؛ و ذلك أن وزان الوصية وزان الواجب المشروط، فإذا لم يتحقق الشرط في الخارج لا يعقل تحقق المشروط، فإن الملكية التي أنشأها الموصي للموصى له هي ملكية مشروطة و معلقة على الموت، فما دام لم يتحقق الموت فلا وجه لتحقق متعلق الوصية.

و بعبارة أجلى: فلا ملازمة بين صحة العقد و تحقق الملكية، لأن متعلق العقد متوقف على مفاد الإنشاء، فإذا كان مفاده على نحو الواجب المنجز يتحقق، و امّا إذا كان على نحو الواجب المشروط- كما هو كذلك- فلا مجال لتحققه.

و لا وجه لقياس رد الموصى له برد الموصي حال الحياة؛ و ذلك لقيام الدليل الخاص في رد الوصي دون غيره، و سوف نتعرض اليه عند تعرض الماتن (قدّس سرّه) له.

الفقرة الخامسة: إذا كان القبول بعد الرد الواقع حال الحياة صح.

لا إشكال في الصحة، و قد تقدم الكلام حول هذه الجهة، فلا مجال للإعادة.

87

[مسألة 5: قبول الموصى له أحد الشيئين]

[مسألة] (5): لو أوصى له بشيئين بإيجاب واحد، فقبل الموصى له احدهما دون الآخر، صح فيما قبل و بطل فيما رد.

و كذا لو أوصى له بشي‌ء فقبل بعضه مشاعا، أو مفروزا، ورد بعضه الآخر، و إن لم نقل بصحة مثل ذلك في البيع و نحوه، بدعوى:

عدم التطابق حينئذ بين الإيجاب و القبول؛ لأن مقتضى القاعدة الصحة في البيع أيضا، إن لم يكن إجماع.

و دعوى: عدم التطابق ممنوعة. نعم لو علم من حال الموصي ارادته تمليك المجموع من حيث المجموع لم يصح التبعيض (1).

____________

(1) أشتهر بين الأصحاب (قدّس سرّه) فيما إذا أوصى شخص لشخص أخر بشيئين بايجاب واحد فقبل الموصى له أحد الشيئين ورد الآخر، فإن الوصية تصح فيما قبله و تبطل فيما رده، و كذا الحكم فيما إذا أوصى له بشي‌ء فقبل بعضه- سواء كان مشاعا أو مفروزا- و ردّ بعضه الآخر، كما في (الحدائق) و (الجواهر) و (جامع المقاصد).

و قد كثر النقض و الإبرام في مقام الاستدلال، و التحقيق يقتضي التفصيل فنقول:

تارة يكون الإنشاء المتعلق بشيئين على نحو الاتحاد في دائرة الاثبات، كأن يقول الموصي ملكت هذا على نحو المجموع، فعلى هذه‌

88

..........

____________

الكيفية يكون كل واحد من الشيئين لا ربط له بالآخر، في مقام الثبوت؛ إذ هما تمليكان كل واحد منهما اجنبي عن الآخر، و في مقام الإثبات تمليك واحد، و نظير هذا في البيع أيضا، كما إذا قال البائع:

للمشتري بعتك هذين الشيئين، ففي هذه الصورة لا إشكال في أن كل واحد من هذين الشيئين بيع مستقل، و بهذا يترتب الأثر على كل واحد منهما.

فإذا اتضح ما بيناه يجري الكلام في الوصية أيضا؛ إذ يقبل الموصى له أحد الشيئين و يرد الأخر، فعلى الاول تتحقق الملكية له و على الثاني لا تتحقق.

إذا: ففي هذه الصورة لا إشكال في صحة الوصية.

و اخرى يقوم الموجب بتمليك مجموع الشيئين، و مثاله معروف في البيع، و هو إذا ملك البائع المشتري مصراعي الباب لا كل مصراع منه بثمن، بل المبيع هو مصراعا الباب على نحو المجموع، كذلك في الوصية كما إذا أوصى له بمصراعي باب من الأبواب، ففي هذه الحالة إذا قبل الموصى له احد جزئي الموصى به و ردّ الآخر، فلا إشكال إذا في بطلانها، و لا فرق في ذلك بين أن نقول بكون القبول جزء أو مقوما، أو‌

89

..........

____________

شرطا كاشفا أو ناقلا.

و ما ورد في المقام من كون المجموع من حيث المجموع أمرا انتزاعيا و غير قابل للتمليك فلا يمكن التسليم به؛ إذ يرد التساؤل على هذه المقالة بما هو المراد من كون المجموع امرا انتزاعيا؟! هل المراد عدم صحة البيع فيما إذا وقع على كلا المصراعين، أم لا؟

فإذا كان الثاني لا يقع أي إشكال في البين؛ و ذلك أن المجموع من حيث المجموع في الامور الوضعية و الاعتبارية مما لا ريب فيه، و امّا على الاول فيلزم التسلسل؛ لأن الشخص البائع لهذه الدار هل يبيع المجموع بما هو مجموع؟ أو يبيع النصف على حده و النصف الآخر على حده؟ أو الربع؟ أو الثلث؟ أو العشر؟ الى ما لا نهاية له ...؛ إذ الجزء لا يتجزأ كما ثبت في محله، فعلى هذا لا بد لنا من القول بوقوع العقد و الإنشاء على امر واحد، و لذا تقدم منا عدم الالتزام بتعدد الخيارات، و كذلك تبعض الصفقة.

فإذا عرفت ذلك نقول: إذا فرضنا أن الموصى له قبل أحدهما دون الآخر، فعلى هذا لا إشكال في بطلان الوصية، سواء قلنا بشرطية القبول أو جزئيته؛ إذ المفروض أن الموصي ملّك المجموع المركب و الموصى‌

90

..........

____________

له لم يقبل، و الوصية مشروطة بالإيجاب و القبول، و المركب ينتفي بانتفاء أحد أجزائه، كما أن المشروط ينتفي بانتفاء أحد شروطه، فتحصل مما قلناه: على ضوء الصناعة العلمية أن الوصية باطلة، و امّا ما أفاده سيدنا الاستاذ (قدّس سرّه) في المقام فإليك ملخصه ثم مناقشته.

مناقشة السيد الخوئي

ملخص ما أفاده يمكننا طرحه بهذا البيان، و هو: إذا فرضنا أن الموصي أوصى على نحو المجموع و الموصى له قبل ذلك، ففي هذه الحالة لا إشكال في صحة أحدهما؛ إذ المفروض أنه ليس عقدا، بل هو اشتراط في الوصية، و الشرط من قبل الموصي، و هو انضمام أحد الأمرين بالآخر، و تخلف الشرط لا يوجب الفساد بل يوجب الخيار، فعلى هذا يكون تخلف الشرط يقتضي الخيار للموصي، و حيث انه ميت فلا مجال للقول برجوع الخيار إليه، بل ينتقل إلى ورثته، هذا ملخص ما أفاده (رحمه اللّه) (1).

____________

(1) لاحظ مباني العروة: 2/ 381.

91

..........

و يرد على ما أفاده (قدّس سرّه) ثلاثة امور:

____________

1- إن الاشتراط المزبور ليس شرطا شخصيا، حتى يقال: أن الموصي يملك الشي‌ء الفلاني شريطة قبول الموصى له، بل الاشتراط المذكور- إن صح التعبير- هو اشتراط شارعي- أي من قبل الشارع- و لذا الملاحظ في لسان الادلة الشرعية في حالة اعتبار شرط من الشروط يكون المقنن له أساسا هو الشارع الأقدس، لا الفرد، إذا: الشخص ليس له صلاحية في جعل الشرط و عدمه، و إن ابيت عن هذا البيان و قلت أن الاشتراط المفروض هو اشتراط شخصي.

قلت: يلزم من هذه المقالة الدور؛ اذ كما ذكرنا سابقا فيما إذا توقف ايجاب الموجب على قبول القابل، و الحال أن القبول يتوقف على تحقق الإيجاب، فتصبح النتيجة أن الشي‌ء متوقف على نفسه، و توقف الشي‌ء على نفسه دور و الدور محال.

2- ما هو الدليل الدال على أن تخلف الشرط يوجب الخيار؟ هل قام عليه إجماع، أم رواية، أم آية؟ الظاهر أنه لا يوجد دليل في المقام، و ما هي إلا مجرد دعوى تحتاج الى دليل يدعمها.

فإذا اشترط أحدهما على الآخر في حال تخلف الشرط هل يوجب‌

92

..........

____________

الخيار أم لا؟ الظاهر لا؛ إذ لا يعتبر دليل الشرط مشرعا، حتى يقال:

أن كل شرط جائز، بل الأمر ليس كذلك، فعلى هذا يلزم في الرتبة السابقة قيام الدليل على جواز الشرط المزبور في الشريعة المقدسة، و بعد الفراغ من هذه الجهة ننتقل الى جهة أخرى و هي الحكم بلزومه و لا يتم الا بمقتضى دليل الاشتراط، و بهذا البيان يمكننا أن نقول: ففي كل مورد حصل لنا العلم من طريق الشارع الأقدس بجواز شرط من الشروط نلتزم به، و امّا عند عدم وجود الدليل فلا مجال للقول بالالتزام، كما في المقام.

3- قد أثبتنا بأن الخيار لا ينتقل بالإرث، و مما ذكرناه ظهر الإشكال في ما أفاده بقوله (و كذا لو أوصى بشي‌ء فقبل بعضه مشاعا) فإنه لا تصح في جميع هذه الصور؛ و ذلك لوحدة الملاك و سريان الإشكال، نعم في خصوص بيع جميع ما يملك و ما لا يملك قد ورد نص في المقام، و إليك نصّه: محمد بن الحسن الصفار، أنه كتب إلى أبي محمّد الحسن بن علي العسكري (عليه السلام) في رجل باع قطاع أرضين فيحضره الخروج إلى مكة و القرية على مراحل من منزله، و لم يكن له من المقام ما يأتي بحدود أرضه، و عرف حدود القرية الأربعة، فقال للشهود: اشهدوا أنّي قد بعت فلانا- يعني المشتري- جميع القرية التي حدّ منها كذا، و الثاني و الثالث‌

93

..........

____________

و الرابع و إنّما له في هذه القرية قطاع أرضين، فهل يصلح للمشتري ذلك و إنما له بعض هذه القرية و قد أقرّ له بكلّها؟

فوقع (عليه السلام): لا يجوز بيع ما ليس يملك، و قد وجب الشراء من البائع على ما يملك (1).

فمن خلال هذه الرواية نستدل على الصحة فيما يملك، و الفساد في ما لا يملك، و هذا على خلاف القاعدة الأولية.

و دعوى عدم التطابق ممنوعة، و الإنصاف أن ما ذكرناه مطابق؛ إذ يظهر من ذيل المسألة ان المصنف معترف بمقالتنا كبرويا و إن كان مخالفا صغرويا كما في بعض الموارد و الأمر سهل.

____________

(1) الوسائل: 17/ 339- ب 2 من أبواب عقد البيع و شروطه، ح 1.

94

[مسألة 6: عدم جواز تصرف الورثة في العين الموصى بها]

[مسألة] (6): لا يجوز للورثة التصرف في العين الموصى بها قبل أن يختار الموصى له أحد الأمرين من القبول أو الرد و ليس لهم إجباره على اختيار أحدهما معجلا، إلا إذا كان تأخيره موجبا للضرر عليهم، فيجبره الحاكم حينئذ على اختيار أحدهما (1).

____________

(1) تتلخص هذه المسألة في عدة فقرات:

الفقرة الأولى: لا يجوز للورثة التصرف في العين الموصى بها قبل اختيار الموصى له أحد الأمرين من القبول أو الرد.

و يمكننا أن نصور هذه الفقرة في خمس صور:

أ- كون الوصية من الإيقاعات،

و على هذا لا مجال لاشتراط القبول فيها، سواء كان شرطا مقوما أو كاشفا أو ناقلا كما أنه لا يضر بها الرد.

و هذا هو المختار عندنا، إلا أن يقوم دليل معتبر في مورد من الموارد على خلافه، و بناء على هذا لا يبقى مجال للبحث، و إنما البحث يكون في دائرة مفرغة؛ إذ لا مجال للتصرف على الإطلاق.

ب- عكس الاولى، أي كون القبول جزءا مقوما للوصية، و الوصية التمليكية من العقود.

فعلى هذا إذا فرضنا أن الموصى له لم يصدر منه القبول، و حصل‌

95

..........

____________

الشك عند الوارث، فما هي الوظيفة؟

الجواب: وظيفته الحكم بعدم القبول؛ و ذلك بمقتضى جريان الاستصحاب الاستقبالي في المقام، و على ضوئه يترتب الأثر من انتقال العين إلى الوارث و كذلك لا مجال للقول بعدم التصرف؛ و ذلك بمقتضى القاعدة الأولية، إذ المفروض عدم تمامية الوصية في المقام، لأن تماميتها متوقفة على تحقق القبول إذ هو جزء مقوم، و الحال أن المكلف يشك في تحقق المقوّم و عدمه، فعلى ضوء الاستصحاب الاستقبالي عدم تحققه، و حيث ان الاستصحاب أمارة حيث لا أمارة فعليه يحكم بعدم القبول.

فتكون النتيجة: انتقال المال إلى الوارث، و عند الانتقال لا إشكال في جواز التصرف و لو بالحكم الظاهري.

و بهذا البيان لا أثر لرده و عدمه؛ إذ لا فرق في ذلك، و انما تتحقق الوصية بتحقق القبول، و حيث انه لم يتحقق إذا: لا وصية في المقام، و عند انعدام الوصية فلا مجال للبحث حول الرد و عدمه.

ج- أن تكون مشروطة بالقبول على نحو الكشف أو النقل،

و يظهر حال هذه الصورة من خلال البيان المتقدم في الصورة السابقة، و عليه فلا‌

96

..........

____________

مجال للإعادة؛ إذ الوارث يشك في تحقق الشرط المقرر من قبل الشارع الأقدس و عدمه، و مقتضى الأصل عدم تحققه، و بهذا يترتب عليه الأثر الشرعي من انتقال المال إليه، و جواز التصرف في العين.

د- أن يكون الرد مانعا،

و عليه تكون الوصية فاسدة؛ و ذلك أن نفوذ الوصية مشروط بعدم الرد من قبل الموصى له، و على هذا الاساس إذا فرضنا أن الوارث شك في رد الموصى له و عدمه، ففي هذه الحالة ينعكس الأمر تماما؛ إذ بمقتضى الاستصحاب الاستقبالي عليه أن يحكم بعدم الرد، و بهذا ينتقل المال إلى الموصى له، و لا يجوز للوارث التصرف فيه؛ و ذلك لعدم جواز التصرف في مال الغير من دون إذنه.

ه‍- أن يكون للموصى له حق الفسخ،

ففي هذه الصورة لا يجوز للوارث التصرف في الموصى به، حتى مع العلم بتحقق الفسخ؛ إذ المفروض أن الوصية تامة، و في فرض تماميتها ينتقل المال إلى الموصى له، غاية ما في الباب يستطيع الموصى له أن يرفع هذه الملكية، و حيث انه لم يرفعها فلا يجوز للوارث التصرف في المال.

فهذه جميع الصور التي يمكن تصويرها في مقام الثبوت، و من خلالها ينبثق سؤال في المقام، و هو: هل يصح ما أفاده الماتن في صدر‌

97

..........

____________

المسألة أم لا؟

الجواب: لا يصح ذلك؛ إذ كيف يعقل الجمع بين هذين الأمرين، بل لا بد من اختيار أحدهما دون الآخر؛ لأنه إذا كان القبول جزءا او شرطا معتبرا شرعا فلا أثر لرد الموصى له و لا قيمة له، سواء تقدم أو تأخر، وجد أم لم يوجد، لا فرق في ذلك.

و امّا إذا كان الأثر مترتبا على الرد، فعلى هذا لا فرق بين قبول الموصى له و عدمه.

و امّا إذا كان له حق الفسخ فالأمر أوضح من أن يخفى، فتحصل: أنه لا مجال لما أفاده (قدّس سرّه).

الفقرة الثانية: ليس للورثة إجبار الموصى له على اختيار أحد الأمرين معجلا.

و في هذه الفقرة لو أغمضنا النظر عما قلناه في الفقرة السابقة، و قلنا أنه لا يجوز التصرف للوارث إلا بعد اختيار الموصى له أحد الأمرين، فعلى هذا هل يصح للوارث أن يجبر الموصى له على أن يختار القبول أو الرد؟

98

..........

____________

الظاهر أن الأمر كما أفاده الماتن (طاب ثراه)؛ و الوجه فيه أن إجبار الغير و إكراهه يعد تصرفا في نفسه، و هذا على خلاف القاعدة، و على خلاف المقرر في الشريعة المقدسة، سواء على نطاق الدليل أو الأصل، لا فرق في ذلك، بل كل واحد منهما يوصلنا إلى المطلوب؛ و لذا نقول: يحرم إكراه الغير على شي‌ء ما تكليفا، و كذلك التصرف في نفس الغير فاسد وضعا.

الفقرة الثالثه: يجوز إجبار الموصى له في صورة ترتب الضرر على التأخير.

و تقريب ذلك: أن قاعدة لا ضرر قد جعلت في الشريعة المقدسة لكي تكون حاكمة على أدلة الأحكام، و بالنتيجة توجب رفع الأحكام الضررية، و بناء عليه، إذا فرضنا أن الموصى له يتماطل و لا يختار أحد الأمرين، فبهذا التأخير يكون مسببا للضرر على الورثة، و عند حصوله يجوز للورثة إكراهه و إجباره على اختيار أحد الأمرين، و في فرض عدم إقدامه على ما خيّر فيه يقوم الحاكم الشرعي بإجباره.

هذا غاية ما يمكن أن يقال: في تقريب المدعى.

99

..........

____________

و يلاحظ على هذا التقريب ثلاثة امور:

1- قد تقدم منا البحث حول (قاعدة لا ضرر) و قلنا: أن ما أفاده شيخ الشريعة (قدّس سرّه) هو الصحيح، و لذا قد اخترنا مسلكه، و هو أن دليل لا ضرر لا يكون حاكما على أدلة الأحكام، بل ناظرا الى النهي عن الإضرار بالغير، و تفصيل ذلك موكول إلى محله، و بناء عليه فلا مجال لجريان القاعدة في البين.

2- لو سلّمنا بما أفاده المشهور في المقام، فلن يكون هناك مجال لتحققها فيما نحن بصدده؛ و ذلك أنها إنما تتحقق و تصدق فيما إذا كان الضرر حاصلا في البين لا عدم النفع؛ إذ من الواضح أن الوارث بسبب التأخير لم يحصل على الفائدة، لا أنه يتضرر بسببه، فعليه لا مجال لإجراء هذه القاعدة على كلا المسلكين.

3- لو تنزلنا عما بيناه في الأول و الثاني؛ و وافقنا على إجراء القاعدة في المقام، و لكن هل تسلم القاعدة من المعارضة أم لا؟ الظاهر لا، بل يحصل التعارض بين الضرر الوارد على الوارث و الضرر الوارد على الموصى له؛ إذ التصرف في نفسه و أخذ اختياره و سلب قدرته في حد ذاته موجب للضرر الاعتباري.

100

..........

____________

و ربما يكون الضرر الاعتباري أعظم من الضرر المالي، كما هو واضح لمن كان له أدنى تأمل؛ بل يمكننا تصوير الضرر المالي على الموصى له أيضا؛ إذ يمكن في حالة تعجيله أن يخسر قسما من المال.

أضف إلى ذلك كله أنه هل يمكن التمسك بدليل لا ضرر بناء على ما سلكه المشهور في كل مورد تحقق موضوعه أم لا؟

من الطبيعي جدا أن هذا لا يتفوه به أحد، و إليك مثالا يتضح من خلاله ما قلناه و هو: لو فرضنا وجود تاجرين في مدينة من المدن، أحدهما اشترى بضاعة من الأرز بثمن معين بحيث يلزم في حقه- من باب عدم تضرره- أن يبيع كل كيلوغرام منه بعشرة (دنانير)، و في نفس الوقت اشترى التاجر الآخر نفس البضاعة بثمن بخس، و على هذا يبيع كل كيلوغرام منها ب‍ خمسة (دنانير) فهل يمكننا أن نقول بمقتضى دليل لا ضرر بحرمة تجارة التاجر الثاني بالأرز تكليفا، و نحكم أيضا بفساد بيعه؟

من الواضح البديهي عدم جواز التفوه بهذه المقالة، فتحصل من خلال ما أبديناه: عدم الجزم بما أفاده (قدّس سرّه).

101

[مسألة 7: موت الموصى له قبل القبول أو الرد]

[مسألة] (7): إذا مات الموصى له قبل القبول أو الرد فالمشهور قيام وارثه مقامه في ذلك (1)، فله القبول إذا لم يرجع الموصي عن وصيته، من غير فرق بين كون موته في حياة الموصي أو بعد موته، و بين علم الموصي بموته و عدمه.

و قيل: بالبطلان بموته قبل القبول.

و قيل: بالتفصيل بين ما إذا علم ان غرض الموصي خصوص الموصى له فتبطل، و بين غيره فلورثته. و القول الاول و ان كان على خلاف القاعدة مطلقا- بناء على اعتبار القبول في صحتها- لأن المفروض ان الإيجاب مختص بالموصى له.

و كون قبول الوارث بمنزلة قبوله ممنوع. كما ان دعوى انتقال حق القبول الى الوارث أيضا محل منع صغرى و كبرى؛ لمنع كونه حقا، و منع كون كل حق منتقلا الى الوارث حتى مثل ما نحن فيه من الحق الخاص به، الذي لا يصدق كونه من تركته.

يقع البحث في جهتين:

____________

(1) الجهة الاولى: ما تقتضيه القاعدة الاولية.

الجهة الثانية: ما تقتضيه القاعدة الثانوية.

[الجهة الأولى: ما تقتضيه القاعدة الأولية]

فأمّا على الأولى فلا مجال لهذا البحث؛ إذ المفروض أن الموصي‌

102

..........

____________

أوصى إلى الموصى له، و فرض في المقام موت الموصى له قبل الموصي، و لم يتحقق منه القبول، فعلى هذا لم تتحقق الملكية بالنسبة إلى الموصى له، و إذا لم تتحقق فلا مجال لأن يقال بالإرث هنا؛ إذ الإرث متفرع على كون المورث مالكا لشي‌ء ما، و في الفرض قبل تحقق زمانه و موضوعه و قابليته للتملك انعدم و مات، إذا: لم تحصل الملكية، فعلى ضوئه لا وجه لأن يقال: (يقوم وارثه مقامه في القبول).

[الجهة الثانية بحسب القاعدة الثانوية]

و امّا بحسب القاعدة الثانوية فقد استدل على المدعى بوجوه:

الوجه الاول: أن قبول الموصى له هو حق له،

و قد مات بعد تعلق الحق، هذا من جهة، و من جهة أخرى قد ثبت في الدليل أن ما تركه الميت فهو لوارثه، فعلى هذا تصبح النتيجة من ضم الصغرى الى الكبرى أن الوارث له حق القبول؛ لإنه وارث له.

و قبل مناقشة هذه الدعوى لا بد لنا من توضيح جهة في البين، ألا و هي الفرق بين الحق و الحكم.

و ما يمكن أن يقال: في جهة الفرق بينهما أن الحكم مرتبط بالشارع الاقدس، و هو المقنن للأحكام الشرعية، فعلى هذا لا يرتبط بالمكلف على الإطلاق، فحكم الوجوب- مثلا- هو اعتبار شي‌ء في ذمة‌

103

..........

____________

المكلف، و الإباحة ترخيص للمكلف في دائرة العمل الشرعي،- أي اعتبار كونه مرسل العنان بالنسبة إلى كلا الطرفين- و التحريم عبارة عن جعل حاجز و حريم بين المكلف و بين شرب الخمر على سبيل المثال، و على هذا فقس الاستحباب و الكراهة و امّا بالنسبة الى الحق المستعمل في باب الفقه في مقابل الحكم فهو عبارة عن نحو من الملكية، فتارة يملك زيد دارا فيقال: هذه الدار أو هذا المال ملك لزيد، و اخرى يملك غير ذلك، و مثاله الظاهر في الخيار، و لذا يقال إن الشخص الفلاني مالك لفسخ هذا العقد (1)، و من هذا المنطلق عرّف الشيخ الانصاري الخيار، بقوله نقلا عن جماعة من المتأخرين بأنه (ملك فسخ العقد) و نعم ما أفيد في المقام.

إذا: فالحق المقابل للحكم هو عبارة عن كون شخص مالكا لأمر من الأمور، من الفسخ أو الامضاء الى غير ذلك ...

و الحق أيضا ينقسم إلى قسمين:

____________

(1) كحق الحضانه، و الولاية، و حق الشفعة، و حق الخيار.

104

..........

____________

1- الحق الحكمي‌

2- الحق الحقي‌

فأما المراد من الحق الحكمي هو الحق الذي لا يقبل الإسقاط او النقل، كالخيار الثابت في الهبة، فإنه لا يمكن إسقاطه و لا نقله، و امّا الخيار الحقي فيمكن لمن بيده الخيار أن يسقطه أو ينقله إلى الغير على بعض الآراء، على إشكال قد تقدم منا في محله، فتحصّل مما قلنا: أن الحق عبارة عن ملكية شي‌ء لذي الحق، فعلى هذا.

أقول: لا موضوع لهذا البحث في المقام على الإطلاق؛ إذ لا معنى لأن يقال: أن الموصى له له حق القبول؛ إذ هذا باطل بلا إشكال و لا ريب، و لذا هل يمكن لأحد ان يقول: فيما إذا مات القابل للبيع قبل قبوله فللوارث أن يرث ذلك؟

الظاهر أن القول بهذه المقالة في غاية الإشكال؛ و ذلك أنه موضوع و حكم، فإذا صدر الايجاب من الموجب و القبول من القابل ترتب الأثر و إلّا فلا، كما أنه لو وقع الماء النجس على الفرش فإن الفرش يتنجس؛ و امّا إذا لم يقع فلا مجال للقول بنجاسته، و لا حق في المقام حتى يقال بالحقيّة للقابل؛ و ذلك لعدم تتحقق الملكية له، و عند عدم تحققها فلا‌

105

..........

____________

مجال للكلام حول الوارث؛ فإذا اتضح ما بيناه نرجع الى مناقشة الاستدلال السابق فنقول: يرد على الاستدلال المزبور ثلاثة أمور:

1- أنه لا موضوعية للحق حتى تصل النوبة إلى بقية الإشكالات.

2- لو سلمنا بوجود حق في المقام فهل الحق المفروض حكمي أم حقي و هل يقبل الانتقال أم لا؟

الجواب: أن دليل الإرث هو: كلما تركه الميت فهو لوارثه، فيلزم في المرحلة السابقة أن نحرز ما تركه الميت حتى يرثه وارثه، و امّا في المقام فلم يحرز ذلك، فعلى هذا يحصل الشك في كون الحق قابلا لأن يترك أم لا، و بعبارة أوضح أن الحق المدعى في المقام هل هو من الاشياء القابلة للترك حتى تدخل في دائرة دليل الإرث أم لا؟

الظاهر أن الأمر ليس كذلك اذا: فما هي الوظيفة في حالة الشك؟

ربما يقال: لإحراز ذلك نتمسك بالعام و عليه يندرج المقام و ينطوي تحته، و به يثبت المطلوب.

قلت: إن هذا تمسك بالعام في الشبهات المصداقية، و كما علمت منا اكثر من مرة أن التمسك بالعام في الشبهة المصداقية لا يجوز، و قد حقق ذلك في الاصول.

106

..........

____________

إذا: فما هو الأصل الجاري في المقام؟

الاصل الجاري هو الاستصحاب، و به نحرز عدم قابليته للترك؛ و ذلك أننا نتسائل: قبل تحققه في الشريعة المقدسة هل كان قابلا أم لا؟

فنجري الاستصحاب. و مقتضاه عدم كونه قابلا، هذا من ناحية، و من ناحية أخرى بعد أن تحقق هل بقى على حاله أم تغير؟

بمقتضى الاستصحاب أيضا نحكم بعدم قابليته للانتقال، إذا: فلا مجال للأخذ بدليل الإرث.

3- قد أثبتنا في محله أنه لا دليل على انتقال الحق، و الرواية التي استدل بها على المدعى ضعيفة من حيث السند، فعلى هذا لو أغمضنا النظر عن الايراد الأول و الثاني يكفي في ضعف المدعى و سقوطه عن الاعتبار ما ذكرناه في هذا الايراد.

و على هذا الأساس بنينا على عدم إرث الخيار و إن كان خلاف المشهور و لا غرو في ذلك.

الوجه الثاني: الإجماع

و توضيح ذلك: أن الإجماع قد قام على لزوم القبول، و إلا فمقتضى إطلاقات أدلة الوصية كتابا و سنة عدم اشتراط صحة الوصية بالقبول،

107

..........

____________

و مما حدانا إلى الخروج عن هذه الدائرة هو الإجماع، حيث انه دليل لبّي، و لا بد فيه من الاقتصار على القدر المتيقن، و القدر المتيقن منه في الجملة هو القبول.

و بتعبير آخر فإننا إنما نلتزم بكون القبول جزءا أو شرطا بمقتضى الإجماع، و بناء عليه فإذا صدر القبول من القابل كفى في تحقق الأمر، و كذلك إذا صدر من وارثه.

هذا ما يريده المستدل في مقام الاستدلال بالإجماع.

و فيه:

أولا: أنه بعد موت الموصى له لا مجال لتحقق الملكية له؛ و الوجه في ذلك كما ذكرنا سابقا من أن الموصي ينشئ الملكية المشروطة و المعلقة على موته، فما دام لم يتحقق موت الموصي لم يتحقق الزمان القابل لانتقال العين الى الموصى له، و بعبارة أخرى أن وزان الوصية وزان الواجب المشروط، و مثاله: إذا قال المولى لعبده إذا جاء حسن فأكرمه، ففي هذه الحالة فإن وجوب الإكرام معلق على مجي‌ء حسن، فقبل مجيئه لا وجوب في البين، و الأمر في المقام كذلك، فإنه قبل موت الموصي لا مجال و لا ظرف زماني لتحقق الملكية، و المفروض أن الموصى له قد‌

108

..........

____________

مات قبل الموصي، و من الواضح- و لو على الفرض الموضوعي- أن الميت غير قابل لأن يكون موردا للوصية، و لذا لا يمكن أن يقال: بأن زيدا يستطيع أن يوصي بمال لعمرو و قد مات قبل مائة عام، و الحاصل:

أنه غير قابل للوصية حتى يقال: بأنه يرث أم لا.

ثانيا: أن تقريب الاستدلال بالإجماع المزبور غير متين؛ إذ الإجماع دليل لبّي فلا بد من الاقتصار فيه على القدر المتيقن، فإذا كان الأمر كذلك فكيف توسّع دائرته حتى يستدل به في المقام، بل لا بد من تضييق الدائرة على ما هو القدر المتيقن، فالحاصل: أن التقريب متناقض في حد نفسه، فالإنصاف أن هذا التقريب في غاية السقوط.

الوجه الثالث: النصوص الواردة في المقام.

و هي كما يلي:

1- ما رواه محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل أوصى لآخر و الموصى له غائب، فتوفي الموصى له- الذي أوصي له- قبل الموصي.

قال: الوصيّة لوارث الذي أوصي له، قال: و من أوصى لأحد شاهدا‌