مباحث فقهية - الوصية، الشركة، صلة الرحم

- السيد تقي الطباطبائي القمي المزيد...
389 /
109

..........

____________

كان أو غائبا فتوفي الموصى له قبل الموصي فالوصية لوارث الذي أوصي له، إلّا أن يرجع في وصيته قبل موته (1).

و هذه الرواية صحيحة السند؛ و ذلك أن المراد في سندها من محمد بن قيس، ابو عبد اللّه البجلي الثقة، بقرينة الراوي عنه عاصم بن حميد الحناط.

و امّا من حيث الدلالة فهي تدل على المدعى بوضوح، و لكن في قبال هذا النص نص معاكس له في الحكم، و هو ما رواه محمد بن مسلم.

2- ما رواه محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن رجل أوصى لرجل فمات الموصى له قبل الموصي؟

قال: ليس بشي‌ء (2).

فيستفاد من خلال هذا النص أنه إذا مات الموصى له فالوصية محكومة بالإلغاء، فعلى ضوءها يحصل التعارض بينها و بين الرواية، ألا و هي رواية محمد بن قيس، فإن رواية محمد بن قيس يستفاد منها نفوذ الوصية الى الوارث، فعلى هذا ما هي الحيلة و الوسيلة في الجمع بينهما؟

____________

(1) الوسائل: 19/ 333/ ب 30 من ابواب الوصايا/ ح 1.

(2) نفس المصدر السابق: ح 4.

110

..........

____________

أفاد (قدّس سرّه) في المقام أن رواية محمد بن مسلم لا اعتبار بها؛ و ذلك لإعراض المشهور عنها، و كما تعلم أن اعراض المشهور لا يسقطها عن الاعتبار، و أيضا لا مجال لترجيح ما ذكره (رحمه اللّه) من كون هذه الرواية موافقة للعامة، فيجب الأخذ بالاولى و طرح الثانية؛ لما تعلم أيضا أن هذا على مسلكه، و امّا على مسلكنا لا يتم به المطلوب، لما حققناه في بحث التعادل و التراجيح من كون المرجح الوحيد هو الأحدثية، و بناء عليه يكون الترجيح مع رواية محمد بن مسلم؛ و ذلك لكونها أحدث، إذ الاولى مروية عن الامام الباقر (روحي فداه) و الثانية مروية عن الإمام الصادق (صلوات الله و سلامه عليه) فتصبح النتيجة من خلال عرض هذه الوجوه أن الفرض المذكور في المتن خلاف الصناعة العلمية؛ إذ بحسب القاعدة الأولية و النص الخاص فإن الوصية ملغاة و لا اعتبار بها بعد موت الموصى له، و كذلك لا حصة لورثته على الإطلاق، و مما يؤيد المدعى:

ما رواه منصور بن حازم، عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن رجل أوصى لرجل بوصية إن حدث به حدث فمات الموصى له قبل الموصي، قال: ليس بشي‌ء (1).

____________

(1) نفس المصدر: ح 5.

111

..........

____________

و في المقام توجد رواية لربما يتوهم المتوهم أن لها مدخلية في البحث، و في الواقع و الحقيقة أنها لا ترتبط بالمقام أصلا، و إليك هذا النص.

عن العباس بن عامر، قال: سألته عن رجل أوصي له بوصية فمات قبل أن يقبضها، و لم يترك عقبا؟

قال: أطلب له وارثا أو مولى فادفعها إليه.

قلت: فإن لم أعلم له وليا؟

قال: اجهد على أن تقدر له على ولي، فإن لم تجد و علم اللّه منك الجد فتصدّق بها (1).

و توضيح عدم ارتباطها بالمقام، أن السؤال الصادر من الراوي قد وقع على أن الموصى له لم يتحقق منه القبض، لا أنه قد مات و الموصي حيّ، فعليه لا وجه لدخولها في دائرة البحث، بل هي أجنبية عن المقام.

و يفهم من خلال كلامه (عليه السلام) أن القبض غير مشروط في الوصية،

____________

(1) نفس المصدر: ح 2.

112

و على ما قوينا من عدم اعتبار القبول فيها بل كون الرد مانعا أيضا يكون الحكم على خلاف القاعدة في خصوص صورة موته قبل موت الموصى له؛ لعدم ملكيته في حياة الموصي.

لكن الاقوى مع ذلك هو اطلاق الصحة، كما هو المشهور؛ و ذلك لصحيحة محمد بن قيس الصريحة في ذلك، حتى في صورة موته في حياة الموصي، المؤيدة بخبر الساباطي و صحيح المثنى، و لا يعارضها صحيحتا محمد بن مسلم، و منصور بن حازم، بعد اعراض المشهور عنهما، و امكان حملهما على بعض المحامل، منها التقية؛ لأن المعروف بينهم عدم الصحة.

نعم يمكن دعوى انصراف الصحيحة عما إذا علم كون غرض الموصي خصوص شخص الموصى له على وجه التقييد.

بل ربما يقال: إن محل الخلاف غير هذه الصورة، لكن الانصراف

____________

و النسبة بينهما نسبة الخاص إلى العام، فتقيد المطلقة بالمقيدة، و ليس بعزيز، هذا ما يرجع الى هذه الرواية، و امّا رواية الباهلي فلا ربط لها بالمقام أيضا؛ إذ هي ناظرة الى الوصية العهدية، اضف إلى ذلك كله، ضعف سندها.

و على فرض التنزل فلا إشكال في كونها مطلقة، و كما تعلم أن‌

113

ممنوع، و على فرضه يختص الاشكال بما إذا كان موته قبل موت الموصي، و إلا فبناء على عدم اعتبار القبول بموت الموصي صار مالكا، بعد فرض عدم رده، فينتقل إلى ورثته (1).

____________

المطلق يقيد في وجود مقيد له، و المقيد في المقام هي رواية محمد بن مسلم.

[البحث في رد الوارث]

(1) ما أفاده (قدّس سرّه) من غرائب الكلام، و توضيح ذلك: أن الخصوصية التي ذكرها و دعوى الانصراف في غير محلها؛ إذ ما هو المراد من هذه الخصوصية؟ هل هي على نحو الداعي و الاشتياق القلبي؟

أم من موارد الإنشاء؟ فإذا كانت على نحو الداعي، بحيث لا يكون الموصى له بخصوصه مورد الوصية و الوصاية، بل هو مشترك بينه و بين وارثه،- فعلى هذا لا مجال للبحث، و لا تصل النوبة إلى الاستدلال بالنص أو الإجماع او غير ذلك ...

و إنما يبقى البحث ضمن دائرة القاعدة الأولية، و مقتضاها أنه إذا مات الموصى له تعطى وارثه؛ إذ المفروض أن الوارث أيضا موصى له، غاية ما في الباب على نحو الترتب، بأن يقال: هكذا (إذا كان زيد موجودا و إلا فوارثه)، و هذا لا نزاع فيه؛ و ذلك لكون الموصي، له كمال الصلاحية‌

114

بقي هنا امور ... الخ (1).

____________

في نطاق الوصية، حيث يجوز له الوصية بما يريد و على أي نحو كما تقدم.

و امّا إذا كانت الخصوصية مورد الإنشاء- كما هو كذلك في المقام-، فلا مجال للقول بالانصراف؛ و ذلك لو قلنا بكون الدليل منصرفا عنه فلا يبقى مصداق لغيره.

و بتعبير آخر أن تقوّم الانصراف يتحقق فيما إذا كان للمطلق مصداقان، فينصرف المطلق عن هذا إلى غيره، و إليك مثالا يتضح من خلاله المطلوب، و هو: إذا قال المولى اكرم العالم، فيمكن صدق العالم على العادل تارة و على الفاسق تارة أخرى، و لكن بمناسبة الحكم و الموضوع، ينصرف الإطلاق عن الفاسق. هذا فيما إذا تعددت الأفراد، و امّا إذا كان منحصرا في فرد واحد كما هو المفروض فيما نحن بصدده فعليه لا مجال للقول بالانصراف، فتحصل مما بيناه: أنه لا يمكننا الالتزام بما أفاده (قدّس سرّه).

(1) لم يتعرض سيدنا الأستاذ (حفظه الله) لهذه الامور و ذلك لعدم الثمرة في التعرض لها.

115

[مسألة 8: عدم اعتبار القبول في الوصية العهدية]

[مسألة] (8): اشتراط القبول على القول به مختص بالتمليكية- كما عرفت- فلا يعتبر في العهدية، و يختص بما إذا كان لشخص معين أو أشخاص معينين، و امّا إذا كان للنوع أو للجهات- كالوصية للفقراء و العلماء أو للمساجد- فلا يعتبر قبولهم، أو قبول الحاكم فيها للجهات و إن احتمل ذلك أو قيل.

و دعوى أن الوصية لها، ليست من الوصية التمليكية بل هي عهدية، و إلا فلا يصح تمليك النوع أو الجهات، كما ترى.

و قد عرفت سابقا قوة عدم اعتبار القبول مطلقا، و إنما يكون الرد مانعا و هو أيضا لا يجري في مثل المذكور فلا تبطل برد بعض الفقراء مثلا، بل إذا انحصر النوع في ذلك الوقت في شخص فرد لا تبطل (1).

____________

(1) تعرض (قدّس سرّه) في هذه المسألة لفرعين:

الفرع الأول: أن القبول على فرض القول به إنما يشترط في الوصية التمليكيه، و امّا العهدية فلا يعتبر ذلك،

و لم يتعرض (قدّس سرّه) لمراده في الوصية التمليكية لأي من الطرفين، الموصي أم الموصى له، و امّا نحن فنتعرض لكلا الطرفين في المقام.

116

..........

____________

فأما بالنسبة إلى الوصي- مضافا إلى عدم اشتراط قبوله في الوصية- فيمكن الاستدلال على المدعى من خلال صحيحة منصور بن حازم عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا أوصى الرجل إلى أخيه و هو غائب فليس له أن يردّ عليه وصيّته؛ لأنه لو كان شاهدا فأبى أن يقبلها طلب غيره (1).

فيستفاد من خلال هذا النص أمران:

الأول: عدم اشتراط صحة الوصية بقبول الوصي، و من هنا تعرض الإمام (عليه السلام) لقضية الرد، بقوله: (فليس له أن يرد وصيته).

الثاني: أنه ليس له حق فيما إذا لم يبلغ الموصي ذلك، و لذا قال (عليه السلام): و لو كان غائبا (ليس له حق الرد)، فعلى هذا يتحتم عليه أن يعمل بالوصية.

و توضيح ذلك: أنه ليس كل رد قابلا لأن يقبل، إلا الرد البالغ إلى الموصي، لا مطلق الرد، و يستفاد هذا بوضوح من خلال كلام الامام (عليه السلام)، في التعليل الوارد في النص، بقوله: (لأنه لو كان شاهدا فأبى أن يقبلها طلب غيره).

____________

(1) الوسائل: 19/ 320- ب 23 من ابواب الوصايا- ح 3.

117

..........

____________

و معنى ذلك إذا كان ردّه قد وصل إلى الموصي لا مطلق الرد، و امّا في غيره فلا يكون شرطا و لا يمكنه الرد.

و ينبغي لنا في المقام أن نشير الى نكتتين:

الأولى: أن الوصية العهدية لا يشترط فيها القبول، و يجب على الموصى له تنفيذها، إلا في صورة الرد، و هذا مشروط بعدم عروض عنوان ثانوي رافع للتكليف، كالحرج على ما هو المسلم عنده و عندنا، أو الضرر على ما هو المشهور في مسلك القوم.

الثانية: لا إشكال في عدم نفوذ الوصية على الإطلاق.

مثال ذلك: أن يقول الموصي إلى الموصى له زوّج ابنتي من ابنك بعد موتي.

ففي هذه الحالة لا إشكال و لا ريب في عدم نفوذ هذه الوصية و أضرابها؛ و ذلك لكونه تصرفا في سلطان الغير، و التصرف في سلطان الغير غير جائز.

هذا كله ما يرجع الى تقريب الاستدلال بالرواية الآنفة الذكر، و يمكننا أيضا الاستدلال بتقريب آخر، و هو: مقتضى إطلاق أدلة نفوذ الوصية كتابا و سنة نفوذها و صحتها على نحو الإطلاق، من دون شرط أو‌

118

..........

____________

قيد أو خصوصية في مورد من الموارد، و حيث قد وجد دليل خاص كالإجماع، أو الشهرة، او الضرورة، نخرج من دائرة الإطلاق بمقدار ضيق، و هو بما دل عليه الدليل، و امّا الزائد فيبقى تحت نطاق الإطلاق.

فعلى ضوء ما أوضحناه يكون الأمر بالنسبة إلى قبول الوصي لا دليل عليه، فتكون الوصية على هذا نافذة، و إنما يرد الكلام حول الرد بكونه مؤثرا أو غير مؤثر، هذا بحسب الدليل المخصص، و إلا على ضوء الصناعة فالإطلاقات المنعقدة في الكتاب و السنة محكمة، و هي المرجع الاساسي في هذا المقام و غيره، هذا كله بالنسبة إلى الوصي.

و امّا بالنسبة إلى الموصى له فهل يكون قبوله شرطا أم لا؟

الإجابة عن هذا التساؤل قد اتضحت من خلال البيان المتقدم، و الكلام هو الكلام؛ و ذلك فإن مقتضى الإطلاق عدم الاشتراط، غاية ما في الباب قد وجدت خصوصية في البين، و هي أن الأمر الراجع الى الغير يقع على نحوين: فتارة يكون تنفيذ الأمر في الخارج غير متوقف على إعمال قدرته و إرادته، حتى في حالة عدم رضاه فإنه يجري و لا إشكال في ذلك، و إليك مثالا يتضح من خلاله المطلوب، إذا أوصى زيد إلى عمرو بأن يؤدي ما عليه من الديون بعد موته لفلان، و فلان المذكور لم‌

119

..........

____________

يرض بأداء الدين، ففي هذه الحالة لا أثر لرضاه و عدمه، بل لا بد من تنفيذ الوصية، و يجب على المتصدي لهذا أن يؤدي الدين المذكور في الوصية؛ و ذلك بمقتضى إنفاذ الوصية.

و أخرى لا يتحقق نفوذ مورد الوصية في الخارج إلا بتوقفه على اعمال قدرته، كما إذا أوصى بإعطاء الشي‌ء الفلاني هبة إلى زيد فبطبيعة الحال يتوقف ذلك على إرادته؛ حيث ان عقد الهبة قوامه الايجاب و القبول، و لا يمكن تحقق العقد بلا قبول هذا من ناحية.

و من ناحية أخرى ليس لأحد حق التصرف في نفس الغير، فعلى هذا لازمه أن يتحقق القبول منه و إلّا فلا.

فإذا اتضح ذلك نقول: إذا كان مورد الوصية عينا من الأعيان (كالدار)- على سبيل المثال، فيما إذا قال بع هذه الدار من زيد بمقدار من المال، كألف دينار، و بعنوان الهبة، أو المصالحة، إلى غير ذلك-، ففي هذه الصورة إذا لم يقبل فالكلام هو الكلام بعدم نفوذ الوصية، و على هذا تنتقل العين إلى الوارث، و ذلك أن كل ما تركه الميت فهو لوارثه، إلا في مورد الوصية بمقدار، و في الدين كذلك.

و ربما يقال: بعدم انتقالها إلى الوارث، كما تفضل بذلك سيدنا‌

120

..........

____________

الاستاذ (رحمه اللّه).

و إليك ملخص كلامه (قدّس سرّه)، حيث انه فرق بين الوصية التمليكية و العهدية، ففي الأولى عند فرض عدم قبول الموصى له حيث ان الميت أخرج هذه العين عن ملكه و رفضها و جعلها ملكا للغير، و المفروض أيضا عدم قبول الغير لهذه العين فعلى هذا تنتقل إلى الوارث، لما تعلم أن ما تركه الميت فهو لوارثه، و هذا مما تركه الميت، فتصبح النتيجة: ان هذه العين للوارث.

و امّا في الوصية العهدية فالأمر ليس كذلك، بل الميت قد جعل هذه العين في ملكه و ابقاها على ملكه، كما إذا أوصى بشي‌ء لفلان و فلان لم يقبل، ففي هذه الحالة يصرف في وجوه البر مع تحرّي الأقرب فالاقرب، و امّا الإرث فلا مجال لانتقاله في دائرته.

هذا ملخص ما أفاده (قدّس سرّه) كما في تقريره الشريف (1).

و يرد عليه:

أولا النقض:

____________

(1) انظر مباني العروة: 2/ 407.

121

..........

____________

إذ لو تنازلنا و سلمنا بما أفاده (رحمه اللّه)، فما هو الفرق بين الوصية التمليكية و العهدية، فإذا فرضنا أنه يلزم على الوصي مرعاة نظره و لم يتفوه بشي‌ء فعلى هذا لا فرق بين كلتا الوصيتين، و يتضح ذلك من خلال هذا المثال، و هو: إذا قال ملكت هذه العين لزيد و زيد لم يقبل و كان مصرحا بنحو الترتب فإن لم يقبله فلعمرو و إن لم يقبله فلبكر و هكذا ...،

فهل يوجد إشكال في البين؟

الظاهر أنه لا إشكال في ذلك، فعلى هذا لا فرق في التصريح و عدمه، و لا في التمليكية و العهدية، هذا كله من حيث النقض.

ثانيا الحل:

لا يمكن التسليم بالحكم على نحو الإطلاق، بل لا بد من التفصيل، بأن يقال: تارة يكون المقام بحسب المتفاهم العرفي يفهم ذلك من مراد المتكلم بوضوح، و بعبارة أجلى يكون المقدر كالموجود، كما هو الأمر في الشروط الارتكازية ضمن العقود، و عليه يرتبون الآثار في سوق العقلاء و المحاورات العرفية الدارجة بين أهل اللسان، و أخرى لا يكون الأمر كذلك.

فأمّا على الأول فالقول بالترتب و تحري الأقرب فالأقرب على‌

122

..........

____________

القاعدة؛ و ذلك لوجوب العمل بالوصية.

و امّا على الثاني فلا بد من الالتزام بالانتقال إلى الوارث.

الفرع الثاني: أن القبول في الوصية التمليكية- على القول به- مختص فيما إذا كان الموصى له فردا من الأفراد،

و امّا إذا كان جهة من الجهات كجهة المسجدية و أمثالها، أو كليّا، ككلي الفقراء أو العلماء فلا يعتبر فيها القبول.

و توضيح المطلب: يتضح من خلال تقريبين:

التقريب الأول: أن وجه عدم اشتراط القبول فيها، أن هذه الوصية ليست وصية تمليكية، بل عهدية؛

و ذلك أنه لا يمكن جعل الوصية التمليكية للكلي أو الجهة؛ لأن الجهة أو الكلي لا يكون قابلا للتملك، و حصول الملكية.

مناقشة التقريب الأول

و هذا التقريب ليس تحته شي‌ء؛ إذ من الظاهر الواضح أن الملكية من‌

123

..........

____________

الأمور الاعتبارية، و الاعتبار خفيف المئونة، و لا تناسب بين الاعتباريات و الواقعيات، كالأعراض، و الجواهر، فأمّا الأعراض الخارجية فلا يمكن وجودها بلا موضوع.

و امّا بالنسبة إلى الأمور الاعتبارية فقوام الاعتبار بنفس الاعتبار، و إن كان الاعتبار بحد ذاته من الأمور الواقعية، و لكن متعلق الاعتبار أمر اعتباري، كالتصور و أمثاله، فإذا اتضح ذلك، تبين لك أن التقريب المزبور في مقام الثبوت غير سديد، و في مقام الإثبات نظائره كثيرة، كما هو المعروف في الخارج، كأن يقول: هذا الفرش وقف لهذا المسجد، و هذه القناديل وقف لهذه الحسينية، و هكذا ... و معنى ذلك أن هذه الأشياء الموقوفة أصبحت ملكا لهذا المسجد أو الحسينية، و كذلك الحكم بالنسبة إلى الخمس و الزكاة، كما تقدم منا في بحث الخمس، حيث قلنا أن الخمس ملك لكلّيّ السيد، فتحصل: أن الإشكال المذكور في التقريب لا يرجع إلى محصّل صحيح.

التقريب الثاني: لا يخلو الأمر من ثلاث حالات:

أ- أن يكون القابل هو الفرد، و هذا غير تام؛ إذ الفرد لا يكون موصى له حتى يقبل أو لا يقبل.

124

..........

____________

ب- أن يكون القابل الكلي، و هذا أيضا كسابقه؛ حيث لا يتحقق القبول منه.

ج- أن يكون القابل الحاكم الشرعي، و الحكم أيضا كسابقه؛ حيث لا دليل عليه فعلى ذلك لا قبول في البين.

مناقشة التقريب الثاني

و هذا التقريب أيضا كسابقه في جهة الضعف، بل متداع من جميع أطرافه و مقتلع من جميع جذوره؛ و ذلك أننا إذا قلنا: أن القبول شرط في الوصية التمليكية، و كذلك قلنا: بأن الكلي أو الجهة قابل للتمليك، فلا إشكال بوصول النوبة إلى الحاكم الشرعي؛ إذ هذه الامور من الامور الحسبية، و هي موكولة في التصرف إلى الحاكم الشرعي، و دعوى عدم وجود الدليل في التقريب مدفوعة، بل الدليل موجود بلا شك و لا ريب.

و بعد إبطال هذين التقربين نعرض لك بيانا آخر، من خلاله يتم المطلوب، و هو أن مقتضى القاعدة الأولية مما يستفاد من خلال الإطلاقات عدم اعتبار القبول على نحو الإطلاق، و حيث انه دل دليل في‌

125

..........

____________

المقام على اعتبار القبول في مورد من الموارد،- و هو فيما إذا كان الموصى له شخص أو أشخاص لا بد من القبول،- و حيث ان الدليل القائم في المقام هو الإجماع فلا بد من الاقتصار عليه بالقدر المتيقن، و القدر المتيقن منه هو الشخص أو الأشخاص، فعلى هذا يبقى الكلي و الجهة مندرجين تحت الإطلاق، فعليه لا قبول في البين، لا أن الكلي غير قابل للملكية، و لا لأنه لا دليل على أن الحاكم قابل، بل الدليل المخصص هو الاجماع، و حيث انه قام على حصة، تبقى باقي الحصص تحت دائرة الاطلاق، و بهذا البيان لا يبقى إشكال في البين.

126

[مسألة 9: عدم اعتبار لفظ خاص في الوصية]

[مسألة] (9): الأقوى في تحقق الوصية كفاية كل ما دل عليها من الألفاظ، و لا يعتبر فيه لفظ خاص، بل يكفي كل فعل دال عليها، حتى الإشارة و الكتابة- و لو في حال الاختيار- إذا كانت صريحة في الدلالة، بل أو ظاهرة فإن ظاهر الأفعال معتبر كظاهر الأقوال.

فما يظهر من جماعة اختصاص كفاية الإشارة و الكتابة بحال الضرورة، لا وجه له، بل يكفي وجود مكتوب منه بخطه و مهره إذا علم كونه إنما كتبه بعنوان الوصية، و يمكن أن يستدل عليه بقول (ع):

(لا ينبغي لامرء مسلم أن يبيت ليلة إلا و وصيته تحت رأسه) (1) بل يدل عليه ما رواه الصدوق عن ابراهيم بن محمد الهمداني قال: (كتبت إليه: كتب رجل كتابا بخطه، و لم يقل لورثته هذه وصيتي، و لم يقل إني قد أوصيت، إلا أنه كتب كتابا فيه ما أراد أن يوصي به، هل يجب على ورثته القيام بما في الكتاب، بخطه و لم يأمرهم بذلك؟ فكتب: إن كان له ولد ينفذون كل شي‌ء يجدون في كتاب أبيهم في وجه البر و غيره (1).

____________

(1) انطوت هذه المسألة على جهات من البحث:

____________

(1) الوسائل: 19/ 258/ ب 1 من ابواب الوصايا/ ح 5.

127

..........

الجهة الاولى: عدم اشتراط إنشاء لفظ خاص في تحقق الوصية.

____________

و هذا لا إشكال فيه و لا شبهة تعتريه؛ و ذلك بمقتضى الإطلاق المنعقد في أدلة نفوذ الوصية بكفاية كل مبرز، فلا يختص نفوذ الوصية و صحتها بلفظ خاص.

الجهة الثانيه: كفاية كل فعل دالّ على الوصية في تحققها.

و هذا أيضا لا ريب فيه، فإذا فرضنا أنه صدر منه فعل و كان دالا على مراده و مقصوده- أعم من كونه بنحو الإشارة أو الكتابة إلى غير ذلك ...-

فلا اشكال في اعتباره و ترتيب الأثر عليه، و لا فرق في الصحة بين كونه مختارا أو مضطرا، فما عن جماعة من الاصحاب بتخصيص الصحة في صورة المضطر لا وجه له؛ و ذلك أن الإطلاق الرافع لجميع القيود محكّم في حالة عدم قيام دليل يقيّده، و في المقام المحكّم هو الإطلاق، و حيث انه لم يقم دليل يقيده، نتمسك به و على ضوئه لا فرق بين المضطر و المختار.

128

..........

الجهة الثالثة: ظاهر الأفعال حجة كظاهر الألفاظ.

____________

لا يمكننا في هذه الجهة أن نوافق المصنف (قدّس سرّه) على نحو الإطلاق، و لكن في الجملة لا إشكال في ذلك؛ إذ لا يقال: أن كل فعل ظاهر في شي‌ء من الاشياء يكون ظهوره حجة، و عليه يترتب الأثر على نحو الإطلاق، فهذا ما يأباه العرف و سوق العقلاء، و لكن في بعض الاحيان يمكن ذلك.

الجهة الرابعة: يكفي وجود مكتوب منه يدل على وصيته إذا كان بخطه و مهره.

و هذا أيضا لا إشكال فيه و لا مجال لما ذكره الماتن (قدّس سرّه) بقوله: (إذا علم كونه إنما كتبه بعنوان الوصية).

الجهة الخامسة: استعراض ما ذكر من النصوص في المقام.

و هي كما يلي:

1- ما رواه الهمداني:

129

..........

____________

قال: كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام): رجل كتب كتابا بخطّه و لم يقل لورثته: هذه وصيتي، و لم يقل: إنّي قد أوصيت إلّا أنه كتب كتابا فيه ما أراد أن يوصي به، هل يجب على ورثته القيام بما في الكتاب بخطّه و لم يأمرهم بذلك؟

فكتب (عليه السلام): إن كان له ولد ينفذون كل شي‌ء يجدونه في كتاب أبيهم في وجه البر و غيره (1).

و هذه الرواية ضعيفة سندا بالهمداني‌

2- ما رواه سدير.

(عن حنان بن سدير، عن أبيه، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: دخلت على محمد بن علي بن الحنفيه و قد اعتقل لسانه فأمرته بالوصيّة فلم يجب، قال: فأمرت بطشت فجعل فيه الرمل فوضع فقلت له: خطّ بيدك، فخطّ وصيته بيده في الرمل و نسخت أنا في صحيفة» (2).

و هذه أيضا ضعيفة بسدير فإنه لم يوثق.

3- ما رواه ابن طاوس.

____________

(1) الوسائل: 19/ 372، ب 48 من ابواب الوصايا/ ح 2.

(2) نفس المصدر: ح 1.

130

..........

____________

قال: و قال (عليه السلام): ما ينبغي لامرئ مسلم أن يبيت ليلة إلّا و وصيته تحت رأسه (1).

و هذه الرواية ضعيفة سندا بالإرسال، فتحصل: أن الروايات التي يمكن أن يستدل بها على المدعى كلها ضعيفة من حيث السند، فعلى هذا لا يمكننا التعويل عليها. و على أي حال فالأمر ظاهر واضح، و لا يحتاج إلى إثباته بهذه الروايات.

____________

(1) الوسائل: 19/ 258/ ب 1 من ابواب الوصايا/ ح 7.

131

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

132

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

133

[مسألة 10: في شرائط الموصي]

[الأول البلوغ]

[مسألة] (10): يشترط في الموصي أمور:

الأول: البلوغ (1) فلا تصح وصية غير البالغ، نعم الأقوى- وفاقا للمشهور- صحة وصية البالغ عشرا، إذا كان عاقلا، في وجوه المعروف، للأرحام أو غيرهم؛ لجملة من الأخبار المعتبرة، خلافا لابن إدريس و تبعه جماعة.

____________

(1) العمدة في مقام الاستدلال على المدعى هي النصوص الواردة في البحث، فإليك عرضها ثم نرى ما يمكن أن يستفاد منها، و هي كما يلي:

1- ما رواه الساباطي.

عن عمار الساباطي، «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الغلام متى تجب عليه الصلاة؟

فقال: إذا أتى عليه ثلاث عشرة سنة، فإن احتلم قبل ذلك فقد وجبت عليه الصلاة، و جرى عليه القلم، و الجارية مثل ذلك إن أتى لها ثلاث عشرة سنة، أو حاضت قبل ذلك، فقد وجبت عليها الصلاة،

134

..........

____________

و جرى عليها القلم» (1).

إن هذا النص قد تضمن مفهوم الشرط، و بمقتضاه إذا لم يكن بالغا فلا يجري عليه القلم، و من الظاهر الواضح أن الإطلاق يشمل قلم التكليف و الوضع معا، فعلى هذا لا مجال لدخول غير البالغ ضمن هذه الدائرة، و لذا نلاحظ في المجتمع- أي العرف- عدم ترتيب الأثر على فعل غير البالغ، بل يعتبرونه كالعدم.

إذا: لو كنا نحن و هذه الرواية فلا مجال لأن نرتب الأثر على وصية غير البالغ؛ و ذلك لأن معنى نفوذ الوصية هو فيما إذا أوصى و قد أمضى الشارع الأقدس وصيته، و عند الإمضاء يجري عليه القلم، و الحال إذا لم يكن بالغا فلا إمضاء في البين، فعلى هذا لا وجه لجريان القلم عليه.

2- ما رواه محمد بن مسلم‌

عن محمد بن مسلم، «عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) قال: عمد الصبي و خطاه واحد» (2).

فمن خلال هذه الرواية نعلم أن عمد الصبي و خطأه واحد، و لا فرق‌

____________

(1) الوسائل: 1/ 45، ب 4 من أبواب مقدمة العبادات، ح 12.

(2) الوسائل: 29/ 400، ب 11 من ابواب العاقلة، ح 2.

135

..........

____________

في ذلك سواء كان متعمدا أو غير متعمد، و لا وجه لحملها على قضية الدية؛ و ذلك لا تنافي بين المثبتين، فعلى ضوء إطلاقها نلتزم في كل مورد لم يقم دليل بالخصوص بكون عمد الصبي كخطئه، و في ضوء ذلك إذا أوصى لا يترتب على وصيته أي أثر، و حيث انه يوجد نص بالخصوص نخرج من هذه الدائرة إلى دائرة أخرى، تتضمن نفوذ وصية الصبي في الأرحام دون غيرهم، و هو ما رواه محمد بن مسلم.

3- ما رواه محمد بن مسلم.

عن محمد بن مسلم «قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: إنّ الغلام إذا حضره الموت فأوصى و لم يدرك جازت وصيته لذوي الأرحام و لم تجز للغرباء» (1).

فعلى ضوء هذه الرواية نستفيد أن الغلام إذا حضره الموت فأوصى و لم يكن بالغا جازت وصيته لذوي الأرحام و لم تجز للغرباء، و بمقتضى المفهوم إذا لم يكن الأمر كذلك فلا مجال لنفوذها، مضافا إلى الإطلاق المحكم في المقام.

4- ما رواه ابو بصير.

____________

(1) الوسائل: 19/ 360، ب 44 من ابواب الوصايا، ح 1.

136

..........

____________

عن أبي بصير- يعنى المرادي- «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنه قال: إذا بلغ الغلام عشر سنين و أوصى بثلث ماله في حق جازت وصيته، و إذا كان ابن سبع سنين فأوصى من ماله باليسير في حق جازت وصيته» (1).

فلعله قد يتوهم المتوهم بمعارضه هذه الرواية مع الرواية الآنفة الذكر (2)، و الحال ان الامر ليس كذلك، بل الرواية الأولى شرطية و كذلك الثانية، و كما تعلم في الاصول أنه إذا وردت شرطيتان قد علّق الحكم في كل واحدة منهما على شرط من الشروط تكون النتيجة حينئذ تخصيص و تقييد كل منهما بمفهوم الأخرى، و المثال المعروف في ضوء الروايات هو (إذا خفي الاذان فقصر) فمفهومه إذا لم يخف الاذان فلا تقصر، و في رواية اخرى (اذا خفت الجدران فقصر) فمفهومه اذا لم تخف الجدران فلا تقصر، فعلى هذا لا بد من تخصيص أو تقيد مفهوم كل من الشرطيتين بمنطوق الآخر، فتصبح النتيجة هكذا (إذا خفي الأذان أو الجدران فقصر) فهذا هو الميزان الكلي عند ورود الشرطيتين.

فإذا اتضح ما بيناه، فالمقام أيضا كذلك، و على هذا الأساس يكون‌

____________

(1) نفس المصدر: ح 2.

(2) و هي رواية محمد بن مسلم.

137

..........

____________

مقتضى الرواية الاولى الالتزام بنفوذ وصيته فيما إذا حضره الموت و أوصى لأقرباءه، فتنفذ الوصية في الأقرباء دون غيرهم، و مقتضى الرواية الثانية مفهوما إذا لم يبلغ الغلام عشر سنين فلا تنفذ وصيته، فعلى هذا يحصل عندنا مفهومان و منطوقان فنقيد كل من المفهومين بمنطوق الآخر، فتضبح الحصيلة هكذا: (إذا كان سنه عشر سنين و كان عاقلا و أوصى تكون وصيته نافذة).

فعلى هذا ما أفاده الماتن في كمال الصحة.

بقي شي‌ء

و هو قد صرح الإمام (عليه السلام) في ذيل رواية أبي بصير بنفوذ وصية الصبي البالغ من العمر سبع سنين فيما إذا أوصى من ماله باليسير في حق، فهل يمكن الالتزام به أو لا؟

الجواب: إذا لم يقم إجماع أو تسالم و لم يكن خلاف الضرورة الفقهية فلا مانع من الالتزام به، و يؤيد المدعى (1) عدة من الروايات:

1- ما رواه ابو عبد اللّه البصري.

____________

(1) اي يستفاد من خلال النصوص المؤيدة نفوذ وصية غير البالغ في المال اليسير.

138

..........

____________

«عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)- في حديث- قال: إذا بلغ الغلام عشر سنين جازت وصيته» (1).

2- ما رواه زرارة.

عن زرارة، «عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إذا أتى على الغلام عشر سنين فإنه يجوز له في ماله ما أعتق أو تصدق أو أوصى على حد معروف و حق فهو جائز» (2).

3- ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه.

«عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إذا بلغ الصبي خمسة أشبار اكلت ذبيحته، و إذا بلغ عشر سنين جازت وصيته» (3).

4- ما رواه ابو بصير و ابو ايوب.

«عن ابي عبد اللّه (عليه السلام) في الغلام ابن عشر سنين يوصي، قال: إذا أصاب موضع الوصيّة جازت» (4).

____________

(1) نفس المصدر: ح 2.

(2) نفس المصدر: ح 4.

(3) نفس المصدر: ح 5.

(4) نفس المصدر: ح 6.

139

..........

____________

5- ما رواه منصور بن حازم.

«عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن وصيّة الغلام هل تجوز؟

قال: إذا كان ابن عشر سنين جازت وصيته» (1).

6- ما رواه ابن سنان.

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سأله أبي و أنا حاضر عن قول اللّه عزّ و جل: حَتّٰى إِذٰا بَلَغَ أَشُدَّهُ (2).

قال: الاحتلام.

قال: فقال: يحتلم في ستّ عشرة و سبع عشرة سنة و نحوها.

فقال: لا، إذا أتت عليه ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنات و كتب عليه السيئات، و جاز أمره الخ ....» (3).

فتحصل من خلال الحديث الاول و الثاني (4) و تأييد الباقي: أن الصبي إذا بلغ عشر سنين جاز وصيته.

____________

(1) نفس المصدر: ح 7.

(2) الأحقاف: 46/ 15.

(3) نفس المصدر: ح 8.

(4) المراد من الاول و الثاني هما: حديث محمد بن مسلم، و ابو بصير.

140

[الثاني: العقل]

الثاني: العقل، فلا تصح وصية المجنون (1).

ما يمكن أن يقال: أو قيل: في مقام الاستدلال على اشتراط العقل في نفوذ الوصية و صحتها أمور:

1- الاجماع:

____________

(1) و الإشكال فيه ظاهر واضح؛ إذ المنقول لا حجية له و المحصل غير حاصل.

2- النص الخاص:

و هو ما رواه ابن ظبيان «قال: أتي عمر بامرأة مجنونة قد زنت فأمر برجمها، فقال علي (عليه السلام): أما علمت أن القلم يرفع عن ثلاثة: عن الصبي حتى يحتلم، و عن المجنون حتى يفيق، و عن النائم حتى يستيقظ؟!» (1).

فمن خلال هذا النص لا إشكال في دلالته على المدعى، و انما الإشكال من حيث السند؛ فإنه مخدوش بجملة من الرواة (2) فتحصل أن‌

____________

(1) الوسائل: 1/ 45، ب 4 من أبواب مقدمة العبادات، ح 11.

(2) السكوني، و إبراهيم بن أبي معاوية، و كذلك والده، و الأعمش أيضا؛ إذ المراد منه في السند

141

نعم تصح وصية الأدواري منه إذا كانت في دور إفاقته (1) و كذا لا تصح وصية السكران حال سكره (2).

____________

هذه الرواية لا يمكن الاعتماد عليها.

3- أن المجنون ليس له قصد:

و هذا الوجه كسابقه في الضعف؛ و ذلك أن المجنون ليس مسلوب القصد، بل القصد حاصل عنده، و لذا تراه يهرب إلى ملجإ يأويه عند ملاحقة الضارب له، و كذلك يسعى للأكل و الشرب في حالة الجوع و العطش، الى غير ذلك من الأمور ... إذا: ما أدّعي في هذا الوجه غير صحيح و مع التنزل ليس على نحو الإطلاق.

4- التسالم على عدم نفوذ وصية المجنون.

و هذا هو الوجه السليم الذي يمكن من خلاله الالتزام بعدم نفوذ وصية المجنون، فعليه نلتزم بالشرط المزبور.

[صحة وصية الأدواري لا السكران]

(1) لوجود المقتضي و فقدان المانع.

(2) تارة يكون السكر موجبا لزوال القصد منه، بحيث يسلب منه ذلك في عباراته و كلامه، فيتكلم بلا قصد و لا شعور، فعلى هذا لا تصح‌

____________

هو سليمان بن مهران، و إن ورد في حقه مدح و لكن لم يوثق، و كذلك يونس بن ظبيان.

142

و لا يعتبر استمرار العقل فلو أوصى ثم جن لم تبطل (1) كما أنه لو اغمي عليه أو سكر لا تبطل وصيته، فاعتبار العقل إنما هو حال إنشاء الوصية.

____________

وصيته، و أخرى يوصله السكر الى الجنون- و العياذ باللّه- فالأمر أوضح من أن يخفى؛ و ذلك لاندراجه تحت عنوان المجنون، و لا فرق في ذلك سواء كان سبب الجنون السكر أو غيره.

و ثالثة: أنه لا يصل الى حد بحيث يكون مسلوب الإرادة، ففي هذه الصورة لا وجه للجزم بالحكم.

(1) إذا كانت الوصية عقد من العقود، و فرضنا أن الوصي قد أوصى ثم طرأ عليه الجنون فأصبح مجنونا قبل قبول الموصى له، ففي هذه الحالة تكون الوصية باطلة؛ و ذلك أن العقد قوامه بالإيجاب و القبول، هذا من ناحية، و من ناحية اخرى أن الموجب إذا سقط عن قابلية لحوق قبول القابل بإيجابه فلا مجال إذا لصحة الوصية، و نظير ذلك في البيع، فلو باع زيد داره من عمرو و قبل قبول المشتري- و هو عمرو- جنّ البائع ففي هذه الصورة لا إشكال في بطلان العقد؛ إذ المفروض أن العقد مركب من الإيجاب و القبول، و يلزم في تحقق القبول بقاء الإيجاب على نحو‌

143

[الثالث: الاختيار]

الثالث: الاختيار (1)

____________

يكون قابلا للحوق القبول به.

و امّا إذا كانت الوصية إيقاعا من الإيقاعات- كما هو كذلك على مسلكنا- فلا نرى مانعا من صحة الوصية، و عدم اختلالها بالجنون اللاحق؛ و ذلك بمقتضى الإطلاق، فالحاصل: أن ما أفاده الماتن (قدّس سرّه) هو الصحيح و كذلك عين الكلام يجري في الإغماء و السكر.

الاختيار‌

(1) يقع الكلام في الاختيار من خلال مقامين:

المقام الأول- على نطاق القاعدة الأولية.

المقام الثاني- على نطاق القاعدة الثانوية.

[المقام الأول- على نطاق القاعدة الأولية.]

فأمّا على ضوء القاعدة الأولية فلا إشكال في الصحة حتى مع الإكراه؛ إذ الإكراه لا يوجب عدم الإنشاء.

[المقام الثاني- على نطاق القاعدة الثانوية.]

و امّا على ضوء القاعدة الثانوية فالحكم بالبطلان ظاهر واضح؛ و ذلك من خلال النصوص الواردة في المقام و هي كما يلي:

1- ما رواه ربعي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): عفي عن أمتي ثلاث: الخطأ، و النسيان، و الاستكراه.

144

..........

____________

قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): و هنا رابعة، و هي ما لا يطيقون (1).

2- ما رواه الحلبي، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): وضع عن امتي الخطأ، و النسيان، و ما استكرهوا عليه (2).

3- ما رواه أحمد بن محمد بن أبي نصر عن أبي الحسن (عليه السلام) قال:

سألته في الرجل يستكره على اليمين فيحلف بالطلاق و العتاق و صدقة ما يملك، أ يلزمه ذلك؟

فقال: لا، قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): وضع عن أمتي ما اكرهوا عليه، و ما لم يطيقوا، و ما أخطئوا (3).

فيستفاد من خلال هذه النصوص أنه كلّ ما صدر من المكره لا يترتب عليه الأثر، بلا فرق بين الآثار التكليفية و الآثار الوضعية، و لذا لو فرضنا أن شخصا من الأشخاص أكره شخصا آخر على شرب الخمر- و العياذ باللّه- فهل يكون حراما بالنسبة إلى المكره أو لا؟ بلا إشكال لا يكون حراما؛ و ذلك لأنه مكره، و كذلك في ما إذا صدر من المكره نكاح، أو بيع، أو‌

____________

(1) الوسائل: 23/ 237- ب 16 من ابواب الإيمان، ح 4.

(2) نفس المصدر: ح 5.

(3) الوسائل: 23/ 226- ب 12 من ابواب الأيمان، ح 12.

145

..........

____________

عتق، أو إبراء، أو وصية، الى غير ذلك ... فلا مجال حينئذ للقول بترتب الأثر عليه؛ إذ مقتضى الإطلاق عدم الفرق بين الآثار.

و امّا ما ذكر في المقام من كون الأثر المرفوع عبارة عن خصوص المؤاخذة فلا يمكن التسليم به، و يلاحظ عليه:

أولا: إن مقتضى الإطلاق رفع القيود، فعلى هذا لا وجه لتخصيص الحكم بخصوص فرد دون آخر.

ثانيا: أن الشارع الأقدس حيث انه المقنن للأحكام الشرعية، و له كمال الصلاحية في التصرف، فقد تصرف في وعاء الشرع في المقام، و جعل هذا الحكم حاكما على أدلة الأحكام، فعلى هذا أن هذه الروايات توجب تخصيصا و تقييدا في جميع الأحكام، أعم من كونها وضعية أو تكليفية، أضف الى ذلك كله أن المؤاخذة تختص في عالم الآخرة، و الأحاديث الواردة ليست ناظرة إلى ذلك.

146

[الرابع: الرشد]

الرابع: الرشد، فلا تصح وصية (1) السفيه و إن كانت بالمعروف سواء كانت قبل حجر الحاكم أو بعده، و امّا المفلس فلا مانع من وصيته و إن كانت بعد حجر الحاكم.

الرشد‌

____________

(1) لرواية أبي الحسين الخادم.

عن أبي الحسين الخادم بياع اللؤلؤ، «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

سأله أبي- و أنا حاضر- عن اليتيم متى يجوز أمره؟

قال: حتى يبلغ أشدّه.

قال: و ما أشدّه؟

قال: احتلامه.

قال: قلت: قد يكون الغلام ابن ثمان عشرة سنة أو أقل أو أكثر و لم يحتلم.

قال: إذا بلغ و كتب عليه الشي‌ء جاز أمره، إلّا أن يكون سفيها أو ضعيفا» (1).

فمن خلال هذه الرواية نستفيد أن السفيه أمره غير جائز، و إذا صدر‌

____________

(1) الوسائل: 18/ 412، ب 2 من ابواب الحجر، ح 5.

147

..........

____________

منه فلا اعتبار به، و لكن للمناقشة في سندها مجال؛ و ذلك أن أبا الحسين بياع اللؤلؤ مشترك بين الموثق و غيره، و حيث لا يمكننا تمييز الموثق عن غيره فعليه يرد الاحتمال، و هو يمكن أن يكون الراوي غير الموثق، و بناء عليه تسقط الرواية عن الاعتبار، و إن استبعد سيدنا الاستاذ (قدّس سرّه) ذلك.

فعلى هذا نبني المسألة على الاحتياط.

و امّا ما ذكر في المقام من أن تصرفه في ماله بعنوان الوصية لا يمكن رفعه بالنص-؛ و ذلك لأن حجره أمر امتناني، و حيث لا امتنان في المقام فعليه لا يمكن ذلك- فغير صحيح؛ إذ لا يوجد دليل على كون الحكم امتنانيا، و لو سلّمنا ذلك فالحكم من أجلى مصاديق الامتنان؛ و ذلك أن السفيه لا يحجزه حاجز عن تصرفاته في أي مورد من الموارد، سواء كانت محللة أم محرمة، و البيئة التي يعيش فيها بيئة ملوثة من جميع أطرافها، فعلى هذا يتأثر من المجتمع الفاسد الذي يحيط به، فيتصرف في ماله بلا قيود و لا حساب، و لأجل ذلك كله منعه الشارع الأقدس و حجر على ماله، و هذا يعتبر امتنان منه لحفظ أموال هذا السفيه، و إليك مثالا يتضح من خلاله المراد، و هو: إذا فرضنا أن الوالد يرى ولده غير رشيد، و على هذا يمنعه عن المعاملة مع الغير، و الهدف من ذلك حفظ أمواله حتى لا‌

148

لعدم الضرر بها على الغرماء (1) لتقدم الدين على الوصية.

الخامس: الحرية (2).

____________

يكون مغبونا، فلا إشكال في كون منعه امتنانيا بالنسبة إلى ولده.

فالحاصل: أن الإشكال المذكور غير وارد، و إنما الإشكال في الحكم من حيث السند لا غير.

(1) و ذلك لعدم التزاحم بين حق الدين، و الغرماء، و الوصية؛ إذا انها حصلت بعد الدين، فعليه المقتضي موجود و المانع مفقود.

[الخامس: الحرية]

(2) الحرية- لا بد من التفصيل في المقام؛ إذ تارة نقول: من لم يكن حرا لا يملك شيئا، و أخرى نقول: بأن العبد يملك، غاية ما في الباب قد أطّر اختياره باطار خاص، و ضمن دائرة محدودة، فإذا قلنا: بالمقالة الاولى- أي أن العبد لا يملك شيئا- فما أفاده الماتن (قدّس سرّه) من بطلان وصيته هو الصحيح، و هو أعم من أن تلحقه إجازة المولى أم لا؛ و ذلك أن الوصية عبارة عن التمليك بعد الموت، هذا من ناحية، و من ناحية أخرى أن العبد لا مال له، فعليه لا مجال لصحة الوصية؛ إذ الوصية تمليك المال من قبل‌

149

..........

____________

الموصي إلى الموصى له بعد موته، و في المقام لا مال عند العبد حتى تصل النوبة إلى الإجازة، إذا: لا أثر لهذه الوصية من أساسها.

و امّا إذا قلنا: بالمقالة الثانية- أي أن العبد له أن يملك- فيا هل ترى هل تصح وصيته على الإطلاق، أم تحتاج في مجال النفوذ إلى إجازة المولى؟

الظاهر لا تنفذ وصيته إلا بإجازة مولاه؛ و ذلك من خلال الأدلة و هي كما يلي:

1- الآية الكريمة ضَرَبَ اللّٰهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ ... الآية (1).

فيتضح من خلال الآية الشريفة ان العبد المملوك لا يقدر على شي‌ء، و المراد منه على نحو الإطلاق هي القدرة في وعاء الشرع، أي لا يجوز له التصرف، فعلى هذا ان الوصية شي‌ء من الأشياء فإذا كان الأمر كذلك فلا مجال لنفوذ وصيته.

و بتعبير آخر أن العبد لا يقدر على شي‌ء، و الوصية شي‌ء، فتصبح النتيجة أن العبد لا يقدر على الوصية.

____________

(1) النحل: 75.

150

..........

____________

2- النصوص:

و يمكننا أن نستدل على المدعى بروايتين:

الاولى: رواية محمد بن قيس.

«عن محمد بن قيس، عن أبي جعفر (عليه السلام) أنّه قال: في المملوك ما دام عبدا فإنه و ماله لأهله لا يجوز له تحرير، و لا كثير عطاء، و لا وصية، إلا أن يشاء سيده» (1).

الثانية: رواية عبد الرحمن بن الحجاج.

«عبد الرحمن بن الحجاج، عن أحدهما (عليهما السلام) أنّه قال: لا وصية لمملوك (2)».

فاتضح من خلال الكتاب و السنة الشريفة أن وصية العبد لا أثر لها، و إن كان في نقاش سند هاتين الروايتين مجال، و لكن يكفي لإثبات المدعى الآية الشريفة، هذا في حالة عدم إجازة مولاه، و امّا إذا فرضنا أنه أجاز المولى بعد ذلك فهل تصح وصيته و تكون نافذة أم لا؟

الظاهر لا إشكال في ذلك، بل لا بد من الالتزام بصحة وصيته فيما إذا‌

____________

(1) الوسائل: 19/ 410، الباب 78 من ابواب الوصايا، ح 1.

(2) الوسائل: 19/ 410، الباب 78 من ابواب الوصايا، ح 2.

151

..........

____________

أجاز مولاه، و إن استشكلنا في بحث البيع عند ما مررنا ببحث الفضولي، و لكن لوجود رواية في المقام يمكننا من خلالها الالتزام بالصحة مع الإجازة في الفضولي، و على نحو الإطلاق أيضا؛ و ذلك لورود التعليل فيها و إليك هذا النص:

و هو ما رواه «زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن مملوك تزوّج بغير إذن سيّده، فقال: ذاك إلى سيّده، إن شاء أجازه و إن شاء فرق بينهما.

قلت: أصلحك اللّه، إنّ الحكم بن عتيبه و ابراهيم النخعي و أصحابهما يقولون: إنّ أصل النكاح فاسد، و لا تحلّ إجازة السيد له.

فقال أبو جعفر (عليه السلام): إنّه لم يعص اللّه، و إنّما عصى سيّده، فإذا أجازه فهو له جائز (1)».

فعلى ضوء هذا النص يتضح أن كل شي فيه خلاف لحق اللّه و يتضمن خلاف حق الناس إذا حصلت الإجازة جاز؛ و ذلك بسبب التعليل الوارد في النص، و عليه لا فرق في الصحة بين النكاح و غيره، إذا: تصبح النتيجة‌

____________

(1) الوسائل: 21/ 114/ الباب 24 من ابواب نكاح العبيد و الإماء، ح 1.

152

فلا تصح وصية المملوك، بناء على عدم ملكه، و إن أجاز مولاه، بل و كذا بناء على ما هو الأقوى من ملكه؛ لعموم أدلة الحجر و قوله (عليه السلام): (لا وصية لمملوك)، بناء على إرادة نفي وصيته لغيره، لا نفي الوصية له. نعم لو أجاز مولاه صح، على البناء المذكور.

و لو أوصى بماله ثم انعتق و كان المال باقيا في يده صحت على إشكال (1). نعم لو علقها على الحرية (2) فالأقوى صحتها.

____________

صحة الوصية و نفوذها فيما إذا أجاز المولى.

(1) لا وجه للإشكال؛ إذ المفروض أنه كان حين الوصية متلبسا بالعبودية، و ما يصدر من العبد لا أثر له، و كذلك الأمر في الصبي فإنه إذا صدر منه عقد ثم بلغ لا إشكال في عدم صحته.

[بطلان الوصية بالتعليق]

(2) لا وجه لهذا التعليق؛ و ذلك إذا كان المراد من التعليق الشرط اللاحق على نحو الشرط المتأخر فلا إشكال في بطلان وصيته؛ إذ المفروض مقارنته بالمانع و مع وجود المانع لا يمكنه الوصية.

و امّا إذا كان المقصود من الشرط هو الشرط المقارن، بمعنى أن يعلق‌

153

..........

____________

الوصية على زمان الحرية فينبثق التساؤل في المقام، و هو هل أوصى أو لا؟

فإذا لم يوص فلا مجال للبحث، و امّا إذا أوصى فأيضا يرد السؤال، و هو هل إنشاء أو لا؟ و على فرض الإنشاء هل الإنشاء معلق أو المنشئ؟

فإذا كان المنشئ معلقا- و هو الوصية- فلا إشكال في بطلانها، و امّا إذا كان الإنشاء معلقا فلا بحث في البين؛ و ذلك لخروجه عن دائرة البحث؛ لإنه إخبار.

فتحصّل: من خلال هذا البيان بطلان الوصية على جميع التقادير، و لا ينقضي عجبي من سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه) كيف قال: إن هذا من أجلى مصاديق التعليق.

154

و لا يضر التعليق المفروض، كما لا يضر إذا قال: هذا لزيد إن مت في سفري. و لو أوصى بدفنه في مكان خاص لا يحتاج إلى صرف مال فالاقوى الصحة (1)، و كذا ما كان من هذا القبيل.

السادس: أن لا يكون قاتل نفسه (2) بأن أوصى بعد ما أحدث في نفسه ما يوجب هلاكه- من جرح، أو شرب سم، أو نحو ذلك- فإنه لا تصح وصيته على المشهور المدعى عليه الإجماع للنص الصحيح، الصريح. خلافا لابن إدريس، و تبعه بعض، و القدر المنصرف إليه الإطلاق الوصية بالمال. و امّا الوصية بما يتعلق بالتجهيز و نحوه مما لا تعلق له بالمال فالظاهر صحتها، كما أن الحكم مختص بما إذا كان فعل ذلك عمدا لا سهوا أو خطأ- و برجاء أن يموت- لا لغرض آخر- و على وجه العصيان- لا مثل الجهاد في سبيل الله- و بما لو مات من ذلك.

____________

(1) بل الأقوى عدم الصحة؛ و ذلك لأدلة الحجر، فبمقتضى إطلاقها تكون شاملة للمقام، و أيضا مقتضى الآية الشريفة المتقدمة (1) ذلك، فعلى هذا يكون محجورا و لا يقدر على أي شي‌ء، و هو أعم من كون تصرفه ماليا أو غيره.

[السادس: أن لا يكون قاتل نفسه]

(2) انطوت هذه المسألة على عدة فروع:

____________

(1) (ضَرَبَ اللّٰهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ).

155

و امّا إذا عوفي ثم أوصى صحت وصيته بلا إشكال.

و هل تصح وصيته قبل المعافاة إشكال، و لا يلحق التنجيز بالوصية هذا و لو أوصى قبل أن يحدث في نفسه ذلك ثم أحدث صحت وصيته، و إن كان حين الوصية بانيا على أن يحدث ذلك بعدها، للصحيح المتقدم، مضافا الى العمومات.

الفرع الاول: إذا أحدث في نفسه ما يوجب قتله

____________

من جرح، أو شرب خمر، أو سم، أو نحو ذلك، فلا تصح وصيته.

ادعيّ التسالم و عدم الخلاف تارة، و المشهور تارة أخرى، و الأمر كذلك كما في عبارة (المسالك) و (الحدائق) و (الجواهر) و (الايضاح).

و العمدة في مقام الاستدلال صحيحة أبي ولاد قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: من قتل نفسه متعمدا فهو في نار جهنم خالدا فيها.

قلت: أ رأيت إن كان أوصى بوصيّة ثم قتل نفسه من ساعته تنفذ وصيته؟

قال: فقال: إن كان أوصى قبل أن يحدث حدثا في نفسه من جراحة أو قتل أجيزت وصيته في ثلثه، و إن كان أوصى بوصيّة بعد ما أحدث في‌

156

..........

____________

نفسه من جراحة أو قتل لعله يموت لم تجز وصيته (1).

فعلى ضوء هذا النص لا بد من التفصيل على نحوين:

النحو الأول: إذا أوصى قبل أن يحدث حدثا في نفسه من جراحة أو غيره ففي هذه الحالة تنفذ وصيته، و لا إشكال فيها كما يتعرض الماتن (قدّس سرّه) إلى ذلك في ذيل كلامه.

النحو الثاني: إذا صدرت الوصية بعد ما أحدث الحدث من جراحة، أو قتل، ففي هذه الصورة لا تنفذ وصيته، و لا بد من التحفظ- كما في عبارة الماتن (رحمه اللّه)- على جملة من القيود و هي كما يلي:

1- أن يفعل الحدث عصيانا.

و يستفاد هذا بوضوح من خلال النص، حيث قال الامام (عليه السلام):

«من قتل نفسه متعمدا فهو في نار جهنم» و من البديهي أن العقوبة الصادرة نحو الفاعل لهذه الجريمة لا شك أنها مترتبة على العصيان، و إلا فمن الواضح إذا لم يكن الإنسان عاصيا لا يصدر الحكم من قبل المولى في حقه، و من هذا المنطلق توجه السؤال من قبل الراوي نحو الإمام (عليه السلام).

2- أن يكون الشخص متعمدا في ارتكاب الحدث، و امّا إذا صدر‌

____________

(1) الوسائل: 19/ 378- الباب 52 من ابواب الوصايا، ح 1.

157

..........

____________

منه غفلة، أو خطأ، فلا مجال لشمول الحكم له؛ و ذلك قد صرح في متن النص، أضف إلى ذلك كله أن ترتب الجزاء لا يكون إلا في حالة التعمد.

3- أن يكون هدفه من ارتكاب الحدث الموت، و امّا إذا كان غرضه شيئا آخر فلا مجال لدخوله في دائرة البحث، و عليه ففي هذه الحالة تكون وصيته صحيحة؛ إذ المقتضي موجود و المانع مفقود، أضف إلى ذلك كله أنه قد صرح في الحديث الشريف حيث قال (عليه السلام) «لعله يموت».

فتحصّل: أنه يجب التحفظ على هذه القيود، و كلها مستفادة من صحيحة أبي ولاد المعتمدة في مقام الاستدلال.

الفرع الثاني: هل يختص عدم نفوذ الوصية بثلث المال أم يشمل باقي أقسام الوصية.

ربما يقال بتخصيص الحكم في حصة واحدة من الوصية، و هي حصة المال فقط كما عليه الماتن (رحمه اللّه) و غيره، و إن كان الجزم به في غاية الإشكال.

158

..........

الفرع الثالث: إذا عوفي ثم أوصى صحت وصيته.

____________

إذ يستفاد ذلك بوضوح من خلال النص، حيث قال الامام (عليه السلام): «لعله يموت» فعلى ذلك إذا فرضنا أنه عوفي و لم يمت فلا وجه إذا للقول بعدم نفوذ الوصية؛ إذ المقتضي موجود و المانع مفقود، و بعبارة أوضح أن المستفاد من النص: إذا كانت الوصية مقارنة مع احتمال الموت لم تكن نافذة.

الفرع الرابع: هل تصح وصيته قبل المعافاة أم لا؟

الظاهر الثاني؛ إذ المستفاد من النص أن المقارنة بين إيجاد السبب و الوصية، هو المنع من نفوذها، فعلى هذا إذا فرضنا أن فعله- أي وصيته- قارن الحدث ثم بعد ذلك عوفي فبمقتضى الإطلاق المحكم نحكم بعدم صحة وصيته.

الفرع الخامس: أن المنع مختص بالوصية.

إذ المفروض أن الشخص الذي قتل نفسه ليس فيه قصور من حيث‌