مباحث فقهية - الوصية، الشركة، صلة الرحم

- السيد تقي الطباطبائي القمي المزيد...
389 /
159

..........

____________

تصرفاته و نفوذها تعليقا و تنجيزا، و إنما أوجد الشارع المانع بالنسبة إلى حصة خاصة، فعليه إذا فرضنا أنه وهب ماله لزيد، أو باع بيعا، فلا إشكال بنفوذ ذلك؛ إذ لا مانع في البين.

الفرع السادس: إذا أوصى قبل أن يحدث في نفسه شيئا ثم أحدث صحة وصيته.

و هذا لا إشكال فيه و قد تقدم البحث حوله من حين عرض الرواية.

و في نهاية المطاف أن جميع هذه الفروع كلها مستفادة من صحيحة أبي ولاد.

160

[مسألة 11: صحة وصية الأب و الجد على الأطفال]

[مسألة] (11): يصح لكل من الأب و الجد الوصية (1) بالولاية على الأطفال مع فقد الآخر، و لا تصح مع وجوده، كما لا يصح ذلك لغيرهما حتى الحاكم الشرعي، فإنه بعد فقدهما له الولاية عليهم ما دام حيا، و ليس له أن يوصي بها لغيره بعد موته، فيرجع الأمر بعد موته إلى الحاكم الآخر، فحاله حال كل من الأب و الجد مع وجود الآخر، و لا ولاية في ذلك للأم، خلافا لابن الجنيد حيث جعل لها بعد الأب إذا كانت رشيدة، و على ما ذكرنا فلو أوصى للأطفال واحد من أرحامهم أو غيرهم بمال و جعل أمره الى غير الأب و الجد و غير الحاكم لم يصح، بل يكون للأب و الجد مع وجود أحدهما، و للحاكم مع فقدهما.

نعم لو أوصى لهم على أن يبقى بيد الوصي ثم يملكه لهم بعد بلوغهم، أو على أن يصرفه عليهم من غير أن يملكهم، يمكن أن يقال:

بصحته و عدم رجوع أمره الى الأب و الجد أو الحاكم.

____________

(1) تتلخص المسألة في فقرات:

الفقرة الاولى: يجوز لكل من الأب و الجد الوصية على الأطفال.

ادعي عليه عدم الخلاف تارة، و الإجماع بكلا قسميه تارة أخرى، و ثالثة أنه محل النص و الوفاق.

161

..........

____________

و ما يمكن أن يستدل به على المدعى عدة نصوص، و هي كما يلي:

1- ما رواه محمد بن مسلم.

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سئل عن رجل أوصى إلى رجل بولده و بمال لهم و أذن له عند الوصية أن يعمل بالمال، و أن يكون الربح بينه و بينهم.

فقال: لا بأس به من أجل أن أباهم قد أذن له في ذلك و هو حي (1).

فيقع البحث في هذه الرواية من خلال جهتين:

الجهة الاولى: من حيث الدلالة.

الجهة الثانية: من حيث السند.

فأمّا الجهة الاولى فتارة يقع الكلام حول صدق الولد مع الواسطة، و أخرى عدم صدقه، فإذا قلنا: أن الولد يصدق مع الواسطة و الإطلاق محكم في المقام، فعلى هذا لا نحتاج الى إثبات المدعى الى دليل آخر؛ و ذلك لا فرق بين أن يكون الموصي الأب أو الجد، و امّا إذا قلنا: بعدم صدق الولد بالواسطة- إذ الظهور العرفي ناضر الى الولد المباشر و ليس للحفيد- ففي هذه الصورة نحتاج في سريان الحكم بالنسبة للجد الى‌

____________

(1) الوسائل: 19/ 427- الباب 92 من ابواب الوصايا- ح 1.

162

..........

____________

دليل آخر، و يمكن أن يستدل بهذا التقريب، و هو: حيث ان الرويات في باب النكاح قد انطوت على جواز التصرف بالنسبة إلى الجد؛ إذ له الأولوية في تزويج احفاده من الذكور و الإناث، و هذا لا خلاف فيه بين الأصحاب، فعلى هذا يقتضي سريان الحكم الى ما نحن بصدده؛ و ذلك إذا ثبت في النكاح فمن طريق أولى يثبت في الأموال.

و لكن قد تقدم منا في بعض الأبحاث أن هذه الأولوية لا تخلو من إشكال؛ و ذلك أن التوسعة في باب النكاح لا توجب سريان الحكم بالنسبة إلى غيره؛ إذ من المحتمل وجود مصلحة في النكاح دعت الشارع الأقدس الى توسيع دائرة الحكم بالنسبة إليه، فعلى ضوء ما بيناه لا يبقى مجال للتمسك بالأولوية.

هذا ما يرجع إلى الجهة الاولى و امّا الجهة الثانية فلا مجال للاعتماد على هذه الرواية؛ و ذلك لضعف سندها من حيث الترديد بين الحسن بن علي بن يوسف و حسن بن علي بن يونس، فأما الأول فلم يوثق، و امّا الثاني فلا وجود له في كتب الرجال.

2- ما رواه سعد بن إسماعيل.

عن أبيه قال: سألت الرضا (عليه السلام) عن وصي أيتام يدرك أيتامه‌

163

..........

____________

فيعرض عليهم أن يأخذوا الذي لهم فيأبون عليه كيف يصنع؟

قال: يردّ عليهم و يكرههم عليه (1).

و هذه ضعيفة السند بسعد بن اسماعيل.

3- ما رواه محمد بن عيسى.

عمن رواه، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: في رجل مات و أوصى إلى رجل و له ابن صغير فأدرك الغلام و ذهب إلى الوصيّ و قال له: ردّ عليّ مالي لأتزوج فأبى عليه، فذهب حتى زنى.

فقال: يلزم ثلثي إثم زنا هذا الرجل ذلك الوصي الذي منعه المال و لم يعطه فكان يتزوج (2).

و هذا النص مرسل لا اعتبار به، فعليه لا تصل النوبة إلى البحث حول متنه.

4- ما رواه العيص بن القاسم.

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن اليتيمة متى يدفع إليها مالها؟

____________

(1) الوسائل: 19/ 371- الباب 47 من ابواب الوصايا- ح 1.

(2) الوسائل: 19/ 370- الباب 46 من ابواب الوصايا- ح 1.

164

..........

____________

قال: إذا علمت أنها لا تفسد و لا تضيّع، فسألته إن كانت قد تزوّجت فقال: إذا تزوجت فقد انقطع ملك الوصي عنها (1).

و هذه الرواية تامة سندا و دلالة على المدعى، فعليه لا إشكال و لا ريب في صحة وصية الأب و الجد بالولاية على الأطفال، مضافا إلى السيرة و التسالم.

و من واقع هذا البيان لنا أن نتسائل، بأن نقول: هل يمكن للأب و الجد أن يجعلا وصيا قيما على الأطفال مع وجود أحدهما أو لا؟

قبل الإجابة عن هذا التساؤل نتعرض لما أفاده سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه) في مقام الاستدلال على المدعى؛ و ذلك أنه بعد أن عرض عدم الخلاف بين الأصحاب (قدّس سرّه) في عدم الصحة قال: الأولى أن يستدل للحكم بهذا التقريب: و هو أن ولاية الأب و الجد بمقتضى دليلها ولاية مطلقة و غير مقيدة.

و من هنا فلا تنسجم مع جعل الولاية لغيرهما، مع وجود واحد منهما في عرضه، حيث ان مقتضاه تقييد ولايته بعدم تصرف ذلك للغير قبل تصرفه، فهو نظير ما ذكرناه في باب الأوامر، من أن مقتضى إطلاق‌

____________

(1) الوسائل 19/ 366- الباب 45 من ابواب الوصايا- ح 1.

165

..........

____________

الأمر كونه تعيينيا لا تخييريا، باعتبار أن جعل البدل له ينافي اطلاقه.

ففيما نحن فيه: إطلاق الدليل ينافي كون الولي هو الجامع بين الباقي منهما و وصي الآخر، بل مقتضاه كون الباقي هو الولي لا غير (1) (انتهى).

و ما أفاده (رحمه اللّه) لا يمكننا القول: به؛ و ذلك لا يخلو الأمر إمّا أن يقوم دليل على المدعى أم لا، فإذا دل دليل على أن لكل واحد منهما له الصلاحية في أن يعين وصيا، فبمقتضى إطلاقه لا مانع من ذلك.

و امّا إذا قلنا: قد حصل العلم من طريق أو آخر بعدم إمكان اجتماعهما، فغاية ما في الباب يقع التعارض بين كلا الدليلين.

و امّا إذا لم يقم دليل في البين، فلا مانع من الالتزام بولاية كليهما، فتحصّل: أن ما أفاده (قدّس سرّه) غير سديد.

و ما ينبغي أن يقال: في المقام هو أن الدليل على المدعى منحصر في أمرين: الأول السيرة، و الثاني حديث العيص بن القاسم، فأما السيرة فلا إطلاق لها؛ و ذلك أنها دليل لبي لا بد فيها من الاقتصار على القدر المتيقن، و القدر المتيقن منها هو اعتبار الوصية في حالة عدم وجود‌

____________

(1) لاحظ مباني العروة: 2/ 428.

166

..........

____________

الآخر، و امّا رواية العيص بن القاسم فلا إطلاق لها حتى يمكن التمسك به، فعلى هذا لا بد من الرجوع إلى القاعدة الأولية و مقتضاها عدم (1) الصحة.

الفقرة الثانية: لا ولاية للحاكم الشرعي مع وجود أحدهما.

بمعنى أنه لا حق للحاكم أن يعين بعد موته شخصا قيما على القصر، و ما أفاده (رحمه اللّه) في كمال المتانة؛ و ذلك أنه لا ولاية لأحد على الآخر، إلا عند قيام الدليل، و امّا مع عدم الدليل فمقتضى القاعدة الأولية العدم، و حيث ان الدليل قام بخصوص الأب و الجد فعليه لا معنى لدخول الحاكم في دائرة الولاية، فيبقى مندرجا تحت القاعدة الأولية و مقتضاها عدم الحق له.

غاية ما في الباب إذا لم يوجد ولي على القصر و كان الحاكم الشرعي موجودا تصل النوبة إليه؛ و ذلك من باب كونه مرجعا في الأمور الحسبية، و لا حق له أن يوصي بعد مماته لأحد على الإطلاق.

____________

(1) و ذلك أن الولاية على الآخرين خلاف الأصل الأولي، إلّا أن يقوم دليل على المدعى، و عند حصول الشك يكون مقتضى الاستصحاب عدم الولاية.

167

..........

(عود على بدء)

____________

لا بد لنا في المقام أن نشير إلى جهة قد تكون متعارفة في الخارج، و هي أن الحاكم الشرعي في حال حياته يعين شخصا للقيمومة على الأطفال، و هذا على الظاهر أمر متعارف، و لكن ليس مندرجا تحت دليل من الأدلة، نعم يصح له أن يأذن لشخص في التصرف و هذا لا إشكال فيه؛ إذ هو وكيله، و امّا جعله قيما بحيث تبقى ولايته ممتدة إلى زمان موته فالظاهر لا دليل عليه أن يعطي هذا المنصب إلى غيره.

الفقرة الثالثة: لا ولاية للأم.

و هو الحق؛ إذ مقتضى الأصل عدم الدليل، و لا دليل في البين حتى يمكن الاستدلال به.

الفقرة الرابعة: لو أوصى واحد من الأرحام أو غيرهم للأطفال بمال و جعل أمره الى غير الأب و الجد و غير الحاكم هل يصح ذلك أم لا؟

أفاد المصنف (قدّس سرّه) بعدم الصحة و هو الحق؛ إذ دليل الوصية‌

168

..........

____________

ليس من الأدلة المشرعة حتى يمكن للموصي أن يتصرف بالأحكام الشرعية.

الفقرة الخامسة: لو أوصى بأن يكون المال في يد الوصي، و بعد ذلك يملكه الطفل بعد بلوغه، أو يصرفه عليه، من دون تمليك، هل تجوز الوصية أم لا؟

بلا إشكال تجوز الوصية؛ و ذلك لأنه أمر مشروع و متضمن للمنفعة.

169

فصل في الموصى به

170

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

171

فصل في الموصى به تصح الوصية بكل ما يكون فيه غرض عقلائي محلل من عين أو منفعة أو حق قابل للنقل، و لا فرق في العين بين أن تكون موجودة فعلا أو قوة، فتصح الوصية بما تحمله الجارية أو الدابة أو الشجرة، و تصح بالعبد الآبق منفردا و لو لم يصح بيعه إلا بالضميمة.

و لا تصح بالمحرمات كالخمر و الخنزير و نحوهما، و لا بآلات اللهو، و لا بما لا نفع فيه و لا غرض عقلائي، كالحشرات و كلب الهراش.

و امّا كلب الصيد فلا مانع منه، و كذا كلب الحائط و الماشية و الزرع، و إن قلنا بعدم مملوكية ما عدا كلب الصيد إذ يكفي وجود الفائدة فيها، و لا تصح بما لا يقبل النقل من الحقوق كحق القذف و نحوه.

و تصح بالخمر المتخذ للتخليل، و لا فرق في عدم صحة الوصية بالخمر و الخنزير بين كون الموصي و الموصي له مسلمين أو كافرين، أو مختلفين؛ لأن الكفار أيضا مكلفون بالفروع.

172

نعم هم يقرون على مذهبهم و إن لم يكن عملهم صحيحا.

و لا تصح الوصية بمال الغير و لو أجاز ذلك الغير إذا أوصى لنفسه.

نعم لو أوصى فضولا عن الغير احتمل صحته إذا أجاز (1)

____________

قد تعرض الماتن (قدّس سرّه) في المقام إلى عدة فروع

و هي كما يلي:

الفرع الاول: تصح الوصية بكل ما يكون فيه غرض عقلائي محلل،

من عين، أو منفعه، أو حق قابل للنقل.

فإذا فرضنا ان شيئا من الأشياء قابل للانتقال، و هو اعم من كونه عينا أو منفعة، فلا إشكال في جواز الوصية بالنسبة إليه، و الوجه فيه إطلاق أدلة الوصية كتابا و سنة.

و بعبارة أخرى، إذا صدق عنوان ما تركه الميت على شي‌ء من الأشياء فلا إشكال في جواز الوصية به، بلا فرق بين أن يكون متعلق الوصية عينا من الأعيان، أو حقا من الحقوق، و لكن لو شككنا في جواز انتقال متعلق الوصية إلى الغير، فهل تجوز الوصية او لا؟

الجواب:

لا تجوز الوصية بالنسبة إليه؛ و ذلك لعدم صدق عنوان ما تركه الميت عليه، كحق الغصب على ما يقولون، بل ينعدم بانعدام الموضوع.

173

..........

____________

و امّا إذا فرضنا أنه غير مصداق لما تركه الميت، ففي هذه الحالة لا مجال للوصية به؛ و ذلك لما علمت بعدم الجواز في حالة الشك، فما بالك في صورة إحراز عدم جواز الانتقال.

و بعبارة أجلى: أن مجرد الشك يكفي في عدم الجواز، لما تعلم أن الأخذ بالدليل في الشبهة المصداقية غير جائز.

و امّا إذا فرضنا أن الاصل اقتضى عدم كونه قابلا للانتقال، فهل تصح الوصية أم لا؟

الجواب:

بلا شك و لا ريب لا تصح الوصية، و إليك مثالا يتضح من خلاله ذلك: و هو إذا شككنا في أن حق التحجير هل يكون قابلا للانتقال أم لا؟

مقتضى الاستصحاب عدم انتقاله إلى الغير، و عليه فلا تجوز الوصية به.

فإذا اتضح ذلك، تبين لك أن الميزان الكلي هو عدم الانتقال، في عدم صحة الوصية.

فإذا فرضنا أن عينا من الأعيان قد حرّمت من قبل الشارع الأقدس، كالخمر على سبيل المثال، فهل تجوز الوصية بها أم لا؟

174

..........

____________

قد فصل الماتن (رحمه اللّه) بين كون العين المترتب عليها منفعة من المنافع، و بين غيرها، فحكم بجواز الوصية في الاولى، و مثّل لذلك بالخمر فيما إذا اتخذت للتخليل، و حكم بعدم الجواز في الثانية.

و حريّ بنا أن نبحث أولا في الكبرى الكلية، لكي نرى أن ميزان تحقق الملكية في أي مورد من الموارد، و عدمه في أي مورد من الموارد الأخرى، ثم ننتقل إلى جهة ثانية من البحث، من خلالها نسلط الضوء على كون الحق قابلا للانتقال في مورد من الموارد، لكي يكون موضوعا لجواز الوصية أم لا؟

فنقول: لا ملازمة بين كون المالية في شي‌ء و كون الملكية فيها، فالنسبة بين المال و بين الملك نسبة العموم و الخصوص من وجه، فيمكن أن يصدق على شي‌ء أنه مال و لا يكون ملكا، و مصاديق هذا القسم كثيرة كالجواهر المتكونة في قعر البحار، و المعادن التي لا تكون مملوكة لأحد، فالجواهر بلا شبهة أموال و مورد لرغبات العقلاء، و مع ذلك كله لا تكون مملوكة لأحد، إلى غير ذلك من الموارد التي يطول سردها، و أيضا يمكننا أن نفرض كون شي‌ء مملوكا لأحد من الأشخاص و مع ذلك لا يكون مصداقا للمال، كحبة من الحنطة، فيما إذا فرضنا أن زيدا‌

175

..........

____________

كان مالكا لمن من الحنطة، فلا اشكال في ان كل حبة من الحنطة هي ملك لزيد، و كل واحدة من الحنطة على حده لا تكون مالا من الاموال، و لذا يمكننا أن نقول إذا أتلف أحد حبة من هذه الحنطة لا يكون ضامنا؛ لأن الذي يوجب الضمان هو إتلاف المال، و امّا ما لا مالية له فلا يوجب ذلك.

فعلى هذا يصح أن يكون مملوكا و لا يكون مالا، فهذه الجهتين المفترقتين.

و امّا جهة الالتقاء بينهما فلا حاجة لذكر مصداق من المصاديق؛ و ذلك لتعددها و كثرتها، كدار زيد، و دابته، الى غير ذلك ...

فإذا اتضح ذلك: لا بد أن نرى في أي مورد قد ألغى الشارع الأقدس مالية شي‌ء من الاشياء.

فنقول: الملاحظ في كلمات الأصحاب أن الشارع الأقدس قد الغى مالية الكثير من الموارد، كالخمر، و الخنزير، فعلى هذا إذا أتلف أحد خمر غيره فلا يكون ضامنا؛ و ذلك لإلغاء مالية الخمر من قبل الشارع الأقدس، و لكن هذا لا يخرجه عن ملك الغير، و ما ادعيّ في كلماتهم بل جعل من المسلمات كما يظهر من عبارة الماتن (قدّس سرّه)، و السيد‌

176

..........

____________

الحكيم (رحمه اللّه)، فيما إذا اتخذ للتخليل أو التعقيم لا يكون مملوكا لأحد، و إنما له حق الاختصاص ..

الظاهر أنها مجرد دعوى خالية عن الدليل؛ إذ لا دليل في المقام يخرج هذه العين عن ملك مالكها، و مجرد إلغاء المالية ليس دليلا في البين، بل تبقى العين ملكا لمالكها و لو لم تكن لها مالية.

فعلى هذا الأساس نقول: أنه لا وجه للقول بعدم جواز الوصية فيما إذا كان الشي‌ء محرما، و كذلك ليس فيه غرض عقلائي، و ليس فيه نفع معتد به؛ و ذلك لعدم قيام دليل يدل على عدم الجواز، و لذا لو فرضنا أن الخمر غير قابل للتعقيم، و لا التخليل، و لا غير ذلك من المنافع، و لكنه ملك لأحد، مقتضى أدلة الوصية جوازها في كل شي‌ء يكون قابلا للنقل، فما المانع من الحكم بالجواز؟

الظاهر لا مانع في ذلك، إلا أن يقوم إجماع تعبدي على عدم الجواز و أنى لنا ذلك، أو انصراف دليل الوصية عن مثله، و هذا كسابقه.

فتحصّل من خلال هذا البيان، بمقتضى الصناعة العلمية أمران:

الأمر الأول: عدم وجود دليل في المقام يمكن من خلاله خروج العين عن ملك المالك؛ إذ لا نسلّم الملازمة بين الملكية و المالية.

177

..........

____________

الأمر الثاني: إذا كان شي‌ء مملوكا و قابلا للانتقال فلا إشكال في جواز الوصية به، حتى مع الفرض بعدم ترتب أثر من الأثار عليه، نعم في عدم وجوب الضمان عند حالة الإتلاف لا مانع من الالتزام بذلك، إذا كان المستفاد من دليل الضمان أن مورد الإتلاف يلزم أن يكون المتلوف مالا من الأموال، فعلى هذا يمكن للفقيه أن يلتزم بعدم الضمان، و مع ذلك يفتي بعدم جواز الإتلاف؛ إذ التصرف في مال الغير من دون إذنه حرام، كما في المثال المتقدم؛ و ذلك بمقتضى السيرة الممضاة.

هذا كله ما تقتضيه الصناعة العلمية.

الفرع الثاني: لا فرق بين أن تكون موجودة بالفعل، أو بالقوة،

كالحمل بالنسبة إلى الجارية، أو الدّابة، أو الشجرة.

و هذا صحيح بلا إشكال و لا ريب؛ إذ تارة نقول أن دليل نفوذ الوصية فيه قصور من حيث السعة و الضيق، ففي هذه الحالة يلزم علينا أن نتحفظ على جميع القيود الممكنة و المتصورة.

و اخرى لم نقل بذلك، بل قلنا أن أدلة الوصية كتابا و سنة- من خلال الإطلاق- تقتضي التوسعة في مورد الوصية، ففي ضوئه يصبح الأمر كما‌

178

..........

____________

أفاده (قدّس سرّه).

و لا دليل على وجود مورد الوصية بالفعل، و لذا لو أوصى أحد بثمرة الشجرة التي تحصل بعد أربعة أشهر، أو بحمل الدابة التي تلد بعد ستة أشهر- على سبيل المثال- إلى غير ذلك من الموارد، فلا مانع من صحة الوصية في مثل هذه الأمور، و لا يشترط وجودها بالفعل؛ و ذلك بمقتضى إطلاق الدليل.

إن قلت: كيف يمكن الوصية بما لا يكون موجودا بالفعل، مع أن الملكية تتوقف على كون الشي‌ء موجودا بالفعل، و المملوك يلزم أن يكون شيئا.

قلت: يمكننا أن نجيب على هذا الإشكال بنحوين:

النحو الأول بالنقض: كيف يمكن للشخص في حال حياته أن يؤجر دراه من زيد عشرين عاما، و بعد يومين أو أقل يتوفاه الأجل، و مع العلم أن المنافع المتأخرة إلى عشرين سنة أمور متجددة، و غير قابلة للإنكار عند المتشرعة و العقلاء.

النحو الثاني بالحل: إن الامور الاعتبارية لا وجه لقياسها بالامور الواقعية الخارجية؛ حيث ان الأمور الخارجية كالعرض و الجوهر‌

179

..........

____________

و أمثالهما لا يمكن تحقق بعضها دون الآخر كالعرض بلا جوهر، و لكن في الامور الاعتبارية لا مجرى لهذا؛ لأن الاعتبار خفيف المئونة، و لذا نرى في سيرة العقلاء أن المالك للعين مالك لمنافعه، إلى ما لا نهاية له.

فتحصّل مما أوضحناه: عدم المانع من صحة الوصية في كلا الأمرين، سواء كانت موجودة بالفعل أو بالقوة، فعلى هذا ما أفاده الماتن (رحمه اللّه) في كمال الصحة و المتانة.

الفرع الثالث: تصح الوصية بالعبد الآبق منفردا.

إذ مقتضى دليل نفوذ الوصية هو الجواز، و لا وجه لقياس المقام ببيع العبد؛ و ذلك لقيام الدليل الخاص هناك.

و امّا بالنسبة إلى الوصية فما أفاده الماتن (قدّس سرّه) في كمال المتانة؛ إذ المقتضي موجود و المانع مفقود.

الفرع الرابع: لا تصح الوصية بالمحرمات،

كالخمر، و الخنزير، و آلات اللهو، الى غير ذلك ...

180

..........

____________

قد ظهر الوجه فيه ضمن مطاوي البحث، عند تعرضنا للفرع الأول، و لأهمية المطلب لا بأس بالإشارة اليه مرة أخرى.

فنقول: في المقام أمران ينبغي التعرض لهما:

1- لا وجه للالتزام بعدم ملكية هذه الأشياء لمالك ما، بعد ما فرضنا أن الارتكاز العقلائي و الحكم في سوق العقلاء مقتضي لكون هذه الأشياء مملوكة لمالكها، كما هو كذلك، بلا شك و لا ريب، و على هذا نلتزم بكونها مورد الحق.

2- و بعد فرض كونها مملوكة لا مانع من القول بجواز الوصية بها، حتى مع الفرض بعدم المالية، و الغرض العقلائي، أو وجود منفعة محرمة، و عليه فلا وجه لقياس عدم الضمان بعدم جواز الوصية؛ لأن كليهما على طبق القاعدة، فأمّا عدم الضمان فلإلغاء الشارع المالية، و امّا جواز الوصية فلإطلاق دليلها، و بناء على ما قلناه تترتب أمور كثيرة، و من جملتها جواز الوصية بكلب الهراش، و لا وجه للتفصيل بين كلب الصيد، و الزراعة، و الماشية، و الحائط، بأن يقال: كلب الصيد مملوك و كلب الزرع و الماشية و الحائط مورد الحق، و كلب الهراش خارج عن كلا الدائرتين، بل كلها مملوكة لمالكها، و لو أن كلب‌

181

..........

____________

الهراش لا يوجب إتلافه ضمان لعدم وجود مالية له من قبل الشارع.

و امّا إذا أغمظنا النظر عما قلناه، و سلمنا بدخول جملة من الموارد المتقدمة في دائرة الحق، كالخنفساء و غيرها، فيلزم من ذلك التفصيل، إذ تارة يحصل لنا الشك في كون هذا الحق هل يقبل الانتقال أو لا؟

فعلى فرض الشك لا يجوز ذلك؛ لأنه تمسك بالعام في الشبهة المصداقية، و أخرى نجزم بالعدم؛ و ذلك بمقتضى الاستصحاب، و ثالثة نقطع بكونها مملوكة، فلا إشكال في الجواز، كما أن الحكم كذلك في حالة القطع بكونها مورد الحق.

«بقي شي‌ء»

و هو أن الكبرى التي ذكرها الماتن (قدّس سرّه) من كون آلات اللهو كالخمر و الخنزير على الاطلاق، فالظاهر الجزم بها في غاية الإشكال؛ إذ ليس كل ما صدق عليه للهو حراما، إنما الحرام في آلات مخصوصة، و توسيع البحث موكول إلى محله.

182

..........

الفرع الخامس: لا تصح الوصية بما لا يقبل النقل من الحقوق.

____________

و ما أفاده (قدّس سرّه) لا غبار عليه؛ إذ الوصية عبارة عن نقل شي‌ء من ملكه إلى غيره، مشروطا و معلقا على الموت.

فإذا فرضنا أن هذا الشي‌ء- أعم من كونه حقا أو عينا- غير قابل للنقل، فلا مجال للقول بجواز الوصية به؛ و ذلك لعدم صدق ما تركه الميت عليه، و عند انعدام الموضوع فلا وجه لترتب الحكم عليه، و هذا لا يحتاج إلى البحث و الاطناب فيه.

الفرع السادس: تصح الوصية بالخمر المتخذ للتخليل.

قد ظهر الوجه فيه ضمن مطاوي البحث، فلا مجال للإعادة.

الفرع السابع: لا فرق في عدم صحة الوصية بالخمر و الخنزير، بين كون الموصي و الموصى له مسلمين أو كافرين، أو مختلفين؛

لأن الكفار مكلفون بالفروع.

الحق كما إفادة (قدّس سرّه)، فكما أن الكفار مكلفون بالاصول كذلك مكلفون بالفروع، و لا مجال لذكر ما قاله سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه) في المقام،

183

..........

____________

إذ نحن مخالفون معه في أصل المبنى، و بناء عليه فلا وجه للتفصيل، و قد استوفينا البحث في كتابنا (مباني منهاج الصالحين) فإني أحيلك إلى صفحاته لما فيه من الشمولية.

و امّا إقرارهم و إلزامهم بمذهبهم بمقتضى قاعدة الإلزام فلا يمكن القول به؛ و ذلك أن تلك القاعدة على نحو الإطلاق لا دليل عليها، و البحث حول هذه الجهة موكول إلى مجال آخر.

الفرع الثامن: لا تصح الوصية بمال الغير و لو أجاز ذلك الغير إذا أوصى لنفسه،

نعم لو اوصى فضولا عن الغير احتمل صحته إذا أجاز.

لا بد من التفصيل في هذا الفرع، فيما إذا أوصى المكلف لأحد بمال الغير، فتارة يجيز، و أخرى لا يجيز.

فنقول: إذا لم يجز المالك تكون الوصية باطلة بلا إشكال؛ و ذلك أن التصرف في مال الغير من دون إذنه حرام.

و امّا إذا أجاز ففيه صورتان:

الصورة الأولى: أن يوصي المكلف بمال الغير من قبل نفسه، اي يتصرف من تلقاء نفسه.

184

..........

____________

الصورة الثانية: أن تكون الوصية بمال الغير عن الغير بإذن صاحب المال.

فأمّا الصورة الأولى فقد أفتى الماتن (قدّس سرّه) بالفساد، و لو مع إجازة المالك، و امّا في الصورة الثانية فاحتمل الجواز مع الإجازة.

و الوجه فيه أن في الصورة الثانية يمكننا الالتزام بصحة الفضولي مع الإجازة فيما إذا كانت المباشرة صحيحة؛ و ذلك إمّا على القاعدة كما هو المشهور بينهم، و امّا على ضوء النص المتقدم على ما هو الحق عندنا.

و امّا إذا أوصى بمال زيد عند وفاة زيد، فإن الماتن في هذه الصورة قد احتمل الصحة، و الحق أنه لا مانع من الالتزام بالصحة؛ لأن الرواية التي وردت في نكاح العبد من دون إذن مولاه تدل على الجواز، و بمقتضى عموم العلة نلتزم بالصحة في كل مورد تكون العلة موجودة، و هكذا ...

185

[مسألة 1: نفوذ الوصية بمقدار الثلث أو أقل]

(مسألة 1): يشترط في نفوذ الوصية كونها بمقدار الثلث، أو بأقل منه (1)

يقع الكلام في مقامين:

____________

(1) المقام الأول: ما تقتضيه القاعدة الأولية.

المقام الثاني: ما يقتضيه الإجماع، و الضرورة، و النصوص الواردة في المقام.

[المقام الأول: ما تقتضيه القاعدة الأولية.]

فأمّا ما تقتضيه القاعدة الأولية فالظاهر عدم الجواز على الاطلاق؛ إذ بعد ما فرضنا أن الميت بعد موته ينفصل عن ممتلكاته، و تننتقل إلى ورثته، و ذلك بمقتضى دليل الإرث، فعلى هذا لا وجه للجواز، و تخصيص المقدار المعين مفتقر إلى الدليل، و على ضوء القاعدة الأولية يكون الأمر عدم نفوذ وصيته و إنشائه، و حيث ان النصوص قائمة على الجواز فلا بد من رفع اليد عن القاعدة الأولية و العمل على ضوء النصوص الواردة، هذا كله بحسب القاعدة الاولية.

[المقام الثاني: ما يقتضيه الإجماع، و الضرورة، و النصوص الواردة في المقام.]

و امّا المقام الثاني فلا إشكال فيما أفاده الماتن (رحمه اللّه) و يدعمه الإجماع بكلا قسميه، و عدم الخلاف، و النصوص المتظافرة، و إليك بعضها و بها يتم المطلوب:

منها ما رواه معاوية بن عمار، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كان البراء‌

186

..........

____________

بن معرور الأنصاري بالمدينة، و كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بمكّة، و أنه حضره الموت، و كان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و المسلمون يصلون إلى بيت المقدس، فأوصى البراء بن معرور (إذا دفن) أن يجعل وجهه إلى تلقاء النبي (صلى اللّه عليه و آله) إلى القبلة، و أوصى بثلث ماله فجرت به السنة (1).

فهذه الرواية تدل بوضوح على أن الوصية بالثلث أمر جائز بلا شك و لا ريب، و في قبال هذا القول قول معاكس في الحكم، حيث حكم ابن بابويه بجواز الوصية بكل ما ترك الميت، و المنشأ في ذلك بعض الروايات و هي كما يلي:

1- محمد بن عبدوس قال: أوصى رجل بتركته متاع و غير ذلك لأبي محمد (عليه السلام) فكتبت إليه: رجل أوصى إليّ بجميع ما خلّف لك، و خلف ابنتي أخت له، فرأيك في ذلك؟

فكتب إليّ: بع ما خلّف و ابعث به إليّ، فبعت و بعثت به اليه.

فكتب إليّ: قد وصل (2).

2- علي بن الحسن قال: مات محمد بن عبد اللّه بن زرارة، و و أوصى‌

____________

(1) الوسائل: 19/ 271، ب 10 من ابواب الوصايا، ح 1.

(2) الوسائل: 19/ 280- ب 10، من ابواب الوصايا، ح 16.

187

..........

____________

إلى أخي أحمد بن الحسن، و خلّف دارا و كان أوصى في جميع تركته أن تباع و يحمل ثمنها إلى أبي الحسن (عليه السلام) فباعها، فاعترض فيها ابن اخت له و ابن عمّ له، فأصلحنا أمره بثلاثة دنانير، و كتب إليه أحمد بن الحسن، و دفع الشي‌ء بحضرتي إلى أيوب بن نوح فأخبره أنّه جميع ما خلّف و ابن عمّ له و ابن اخته عرض، و أصلحنا أمره بثلاثة دنانير.

فكتب: قد وصل ذلك، و ترحم على الميت، و قرأت الجواب (1).

3- علي بن الحسن قال: مات الحسين بن أحمد الحلبي و خلّف دراهم مائتين، فأوصى لامرأته بشي‌ء من صداقها و غير ذلك، و أوصى بالبقية لأبي الحسن (عليه السلام)، فدفعها أحمد بن الحسن إلى أيوب بحضرتي و كتبت إليه كتابا، فورد الجواب بقبضها و دعا للميت (2).

4- عمّار بن موسى، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: الرجل أحقّ بماله ما دام فيه الروح إذا أوصى به كلّه فهو جائز (3).

____________

(1) نفس المصدر: ح 17.

(2) نفس المصدر: ح 18.

(3) نفس المصدر: ح 19.

188

فلو كانت بأزيد بطلت في الزائد إلّا مع إجازة الورثة بلا إشكال (1) و ما عن علي بن بابويه من نفوذها مطلقا على تقدير ثبوت النسبة شاذ.

____________

و هذه كلها ضعيفة السند، و إن كانت تدل على مدعاه، أضف إلى ذلك كله أنه لو فرضنا قيام دليل صحيح من حيث السند و واضح الدلالة لا بد من إرجاعه إلى أهله؛ و ذلك لوضوح المطلب بعدم جواز الوصية في اكثر من الثلث عند عدم إجازة الورثة.

[بطلان الوصية في الزائد إلا مع اجازة الورثة]

(1) يقع البحث في جهتين:

الجهة الاولى: على ضوء القاعدة الاولية،

و مقتضاها عدم الجواز في الثلث الزائد عن الثلث حتى مع اجازة الورثة.

و الذي يظهر من كلام سيدنا الاستاذ (رحمه اللّه) بنحو الوضوح- كما في تقريره الشريف- أن الوارث مالك لما تركه الميت، و حيث ان الشخص المالك مختار في ملكه فعلى هذا إذا أجاز الوارث يتم الأمر و لا إشكال (1).

و ما أفاده (قدّس سرّه) في غاية الغرابة؛ إذ أيّ ارتباط بين كون الشخص‌

____________

(1) لاحظ مباني العروة: 2/ 426.

189

..........

____________

مالكا لملك ما و بين ما أفاده الماتن (قدّس سرّه) و بقية الأصحاب في المقام؛ إذ كون الناس مسلطين على أموالهم ليس أمرا مشرعا حتى يسوّغ للمالك جميع التصرفات حيث ما يريد، و إنما يكون المالك مسلطا على ماله ضمن إطار خاص، و هو بمقدار الذي علم من الشرع الاقدس، و بعبارة أوضح لا تكون هذه القاعدة مشرعة بحيث يكون للمالك كمال الصلاحية يتصرف كيفما أراد من دون حدود و لا قيود، فإذا اتضح ذلك.

نقول: إنما الإجازة تكون مؤثرة فيما إذا كان الشي‌ء بيد الشخص نفسه و قد صدر منه مباشرة بلا واسطة، فعلى هذا لا مانع من الحكم بالصحة، هذا كله على ضوء القاعدة الأولية.

الجهة الثانية: على ضوء النصوص الخاصة

و هي كما يلي:

1- أحمد بن محمد، قال: كتب أحمد بن إسحاق إلى أبي الحسن (عليه السلام): أن درّة بنت مقاتل توفّيت و تركت ضيعة أشقاصا (1) في مواضع، و أوصت لسيّدنا في أشقاصها بما يبلغ أكثر من الثلث، و نحن أوصياؤها و أحببنا إنهاء ذلك إلى سيّدنا، فإن أمرنا بإمضاء الوصية على وجهها أمضيناها، و إن أمرنا بغير ذلك انتهينا إلى أمره في جميع ما يأمر‌

____________

(1) جمع شقص و هو القطعة من الأرض.

190

..........

____________

به إن شاء اللّه.

قال: فكتب (عليه السلام) بخطّه: ليس يجب لها في تركتها إلا الثلث، و إن تفضلتم و كنتم الورثة كان جائزا لكم إن شاء اللّه (1).

و هذه الرواية تدل بوضوح على المدعى فإن أجازوا الورثة جاز ذلك و إلا فلا.

2- العباس بن معروف قال: كان لمحمد بن الحسن بن أبي خالد غلام لم يكن به بأس عارف يقال له: ميمون، فحضره الموت فأوصى إلى أبي العبّاس الفضل بن معروف بجميع ميراثه و تركته أن اجعله (دراهم) و أبعث بها إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) و ترك أهلا حاملا و إخوة قد دخلوا في الإسلام و امّا مجوسيّة.

قال: ففعلت ما أوصى به و جمعت الدراهم و دفعتها إلى محمد بن الحسن- إلى أن قال- و أوصلتها إليه (عليه السلام) فأمره أن يعزل منها الثلث فدفعها إليه و يرد الباقي إلى وصيه يردها على ورثته (2).

فاتضح من خلال النصوص أن الأمر كما أفاده الماتن (قدّس سرّه)؛ إذ‌

____________

(1) الوسائل: 19/ 275، ب 11 من ابواب الوصايا، ح 1.

(2) نفس المصدر: ح 7.

191

و لا فرق بين أن يكون بحصة مشاعة من التركة أو بعين معينة (1) و لو كانت زائدة و أجازها بعض الورثة دون بعض نفذت في حصة المجيز فقط.

____________

الرواية الاولى دلت على نفوذ الوصية بالزائد في حالة إجازة الورثة، و الثانية دلت على التبعيض و بهذا لا مجال لإجراء القاعدة و العمل بها مع وجود الأدلة الخاصة.

[عدم الفرق بين الحصة المشاعة و العين المعينة]

(1) ما أفاده بالنسبة إلى الإشاعة فقد دلت عليه الرواية المتقدمة المتضمنة لقصة درة بنت مقاتل.

و امّا بالنسبة إلى التعيين فتدل عليه رواية حمران عن أبي جعفر (عليه السلام) في رجل أوصى عند موته و قال: اعتق فلانا و فلانا حتى ذكر خمسة، فنظر في ثلثه فلم يبلغ ثلثه أثمان قيمة المماليك الخمسة الذين أمر بعتقهم.

قال: ينظر إلى الذين سماهم و بدأ بعتقهم فيقوّمون، و ينظر إلى ثلثه فيعتق منه أوّل شي‌ء ذكر، ثمّ الثاني و الثالث ثم الرابع ثم الخامس، فإن عجز الثلث كان في الذين سمى أخيرا؛ لأنه أعتق بعد مبلغ الثلث مالا يملك فلا يجوز له ذلك (1).

____________

(1) الوسائل: 19/ 398، ب 66، من ابواب الوصايا، ح 1.

192

و لا يضر التبعيض (1)،- كما في سائر العقود- فلو خلّف ابنا و بنتا و أوصى بنصف تركته فأجاز الابن دون البنت كان للموصى له ثلاثة إلا ثلث من ستة، و لو انعكس كان له اثنان و ثلث من ستة.

____________

و هذه الرواية و إن كانت مخدوشة من حيث السند إلا أنها مؤيدة للحكم؛ و ذلك أن الحكم على طبق القاعدة و المشهور كذلك؛ لأن الوصية بأزيد من الثلث لا تصح، و لا فرق في ذلك بين الإشاعة و التعيين.

[عدم القول بالتبعيض]

(1) لا يمكننا القول بالتبعيض، و قد تقدم منا القول بأن التبعيض على خلاف القاعدة الأولية، و عند عدم التسليم به فلا بد أن نسلك جادة أخرى توصلنا إلى تمامية الأمر.

فنقول: ان مقتضى مناسبة الحكم و الموضوع عدم ارتباط أحد الإجازتين بالأخرى، و هذا لا شبهة فيه، و لكن حيث ان الأمر مورد من موارد الابتلاء فلو كان الارتباط شرطا بين كلا الفردين من الإجازة لأشار إليه الإمام (عليه السلام)؛ و ذلك أن الامام كان في مقام البيان، و الروايات المروية في هذا المضمار لم تشر لهذا المعنى، فيستفاد من خلالها ترخيص الامام (عليه السلام) في الإجازة بالنسبة إلى مقدار الثلث و توقف الصحة على إجازة الوارث، و لم يفصّل بين الأقسام.

193

[مسألة] (2): لا يشترط في نفوذها قصد الموصي كونها من الثلث الذي جعله الشارع له (1)، فلو أوصى بعين غير ملتفت إلى ثلثه و كانت بقدره أو أقل صحت، و لو قصد كونها من الأصل أو من ثلثي الورثة و بقاء ثلثه سليما مع وصيته بالثلث سابقا أو لا حقا بطلت مع عدم إجازة الورثة (2).

____________

فعلى هذا يكفي هذا المقدار للجزم بما أفاده الماتن (رحمه اللّه) و طريق الاحتياط سبيل النجاة.

[مسألة 2: عدم اشتراط قصد الموصي]

(1) ما أفاده على طبق القاعدة، و لذا لو فرضنا أن الموصي أوصى بمقدار الثلث أو أقل منه و لم يكن ملتفتا لذلك أو كان جاهلا بالحكم الشرعي فعلى جميع التقادير تصح الوصية؛ إذ صدرت من أهلها و وقعت في محلها.

و بتعبير آخر أن مقتضى إطلاق أدلة الوصية رفع القيود، فعلى هذا الالتزام بالاشتراط يعد تشريعا و خلاف القاعدة، فتصبح النتيجة هكذا:

إذا أوصى بمقدار الثلث أو أقل منه أو أكثر فالمقدار الصحيح الثلث و الزائد عليه يتوقف على إجازة الوارث.

(2) إذ المفروض أن الموصي قصد الوصية بهذا الوصف العنواني‌

194

بل و كذا ان اتفق انه لم يوصي بالثلث أصلا لأن الوصية المفروضة مخالف للشرع، و إن لم تكن حينئذ زائدة عن الثلث نعم لو كانت في واجب نفذت؛ لإنه يخرج من الأصل (1) إلا مع تصريحه باخراجه من الثلث.

____________

و ما قصد من هذا الوصف على خلاف ما قرر في الشريعة المقدسة؛ لأن المستفاد من الشارع الأقدس نفوذ الوصية في الثلث، و امّا وصية الموصي في غير الثلث فلا تكون نافذة إلّا مع الإجازة، و مجرد القصد غير كاف في المقام، و لا فرق بين أن تتعلق وصيته بالثلث أو لا.

(1) هذا إنما يخص الواجبات المالية الواجبة بالأصالة، كالخمس، و الزكاة، و حجة الإسلام، و نحو ذلك ...

و امّا سائر الواجبات البدنية و المالية فلا يمكننا التسليم به، و على كل حال فالمسألة مبنائية.

195

[مسألة] (3): إذا أوصى بالأزيد أو بتمام تركته و لم يعلم كونها في واجب حتى تنفذ، أو لا حتى يتوقف الزائد على اجازة الورثة فهل الأصل النفوذ إلا إذا ثبت عدم كونها بالواجب، أو عدمه إلا إذا ثبت كونها بالواجب؟

وجهان: ربما يقال بالأول و يحمل عليه ما دل من الأخبار على أنه إذا أوصى بماله كله جاز، و انه احق بماله ما دام فيه الروح.

لكن الاظهر الثاني؛ لأن مقتضى ما دل على عدم صحتها إذا كانت أزيد من ذلك، و الخارج منه كونها بالواجب، و هو غير معلوم (1).

[مسألة 3: خروج الواجبات المالية من الأصل]

____________

(1) إذ المستفاد من أدلة الوصية أن الوصية في أكثر من الثلث متوقفة على إجازة الورثة هذا من ناحية، و من ناحية اخرى يجوز له أن يوصي من الأصل فيما إذا كانت عليه ديون كالخمس، أو الزكاة، أو حق الناس، فإذا فرضنا أن هذا الشخص أوصى بتمام المال أو أكثر من الثلث، و شككنا في منشأ الوصية، هل فيما أوصى به زيادة على الثلث متعلق لحق الغير أو لا؟

ففي هذه الحالة يكون مقتضى القاعدة توقف صحة هذه الوصية على إجازة الورثة؛ إذ المفروض أنه لا حق له إلا في الثلث، و مقتضى الأصل عدم كونها في حق من الحقوق المسوغة للوصية بازيد من الثلث، فعلى‌

196

نعم إذا أقر بكون ما أوصى به من الواجب عليه يخرج من الاصل (1) بل و كذا اذا قال: اعطوا مقدار كذا خمسا أو زكاة أو نذرا أو نحو ذلك، و شك في انها واجبة عليه أو من باب الاحتياط المستحبي فإنها أيضا تخرج من الأصل؛ لأن الظاهر من الخمس و الزكاة الواجب منهما و الظاهر من كلامه اشتغال ذمته بهما.

____________

هذا لا يمكن العمل بمثل هذه الوصية إلّا مع الإجازة.

(1) كما إذا أقرّ بأنه مديون لزيد (بألف دينار) على سبيل المثال، أو قال: إن ذمتي مشغولة بالخمس أو الزكاة ...، ففي هذه الصورة نقطع بأن وصيته في الزائد تامة، و عليه تخرج من الأصل؛ و ذلك لقاعدة إقرار العقلاء على أنفسهم.

إن قلت: الإقرار إنّما يكون نافذا بالنسبة إلى المقر؛ إذ إقرار العقلاء على أنفسهم جائز، و امّا بالنسبة إلى الغير فلا مجال لإجراء هذه القاعده، و الإقرار المزبور يوجب الضرر على الوارث، فعلى هذا لا يكون الإقرار نافذا.

قلت: إن الإقرار في زمان حياة الموصي نافذ بالنسبة إلى نفس المقر، ففي ضوئه يحكم بكونه مديونا، و أيضا عند ما يقر الموصي في حال‌

197

..........

____________

حياته بكونه مديونا يوجب هذا الإقرار عدم صدق ما تركه من هذا المال على ما تركه الميت، حتى يدخل ضمن دائرة الإرث، و بهذا يخرج عن الإرث فلا معنى لإجازة الورثة، في هذه الصور.

و إن شئت قلت: إنّما أقر به من باب كونه دافعا لا رافعا، و كم فرق بينهما، فتحصل: أنه لا اعتبار بهذا الإشكال.

و يلحق أيضا بالمقام ما ذكره الماتن (قدّس سرّه) فيما إذا قال: اعطوا مقدار كذا خمسا أو زكاة ...

فإنّه على طبق القاعدة؛ إذ الحمل على الاحتياط الاستحبابي خلاف الظاهر.

و بتعبير آخر: أن الظواهر حجة إلّا فيما يوجب انهدامها.

198

[مسألة] (4): إذا أجاز الوارث بعد وفاة الموصي فلا إشكال في نفوذها، و لا يجوز له الرجوع في إجازته، و امّا إذا أجاز في حياة الموصي ففي نفوذها و عدمه قولان:

أقواهما الأول، كما هو المشهور؛ للأخبار المؤيدة باحتمال كونه ذا حق في الثلثين، فيرجع اجازته إلى إسقاط حقه، كما لا يبعد استفادته من الأخبار الدالة على أن ليس للميت من ماله إلّا الثلث، هذا و الإجازة من الوارث تنفيذ لعمل الموصي و ليست ابتداء عطية من الوارث، فلا ينتقل الزائد إلى الموصى له من الوارث- بأن ينتقل إليه بموت الموصي أولا ثم ينتقل إلى الموصى له- بل و لا بتقدير ملكه، بل ينتقل إليه من الموصي من الأول (1).

[مسألة 4: إجازة الوارث بعد وفاة الموصي]

____________

(1) يقع الكلام في هذه المسألة من خلال مقامين:

المقام الأول: إجازة الوارث بعد وفاة الموصي.

ففي هذا المقام أدعي الاجماع بكلا قسميه، بصحة إجازة الوارث بعد وفاة الموصي، و في مقام تقريب الاستدلال أفاد سيدنا الاستاذ (قدّس سرّه) بما حاصله: أن المال قد انتقل إلى الوارث بعد موت الموصي، و كل مالك له حق التصرف في مملوكه بأي كيفية شاء، و على أي نحو من‌

199

..........

____________

الأنحاء، فعلى ذلك إذا أجاز الوارث تكون الوصية نافذة بإجازة الوارث (1).

و فيه: أن ما أفاده (رحمه اللّه) لا دليل عليه بل مجرد دعوى؛ إذ أي دليل دل على أن المالك له هذا الحق، إنما هذا الحق للّه سبحانه و تعالى، نعم في البيع و الهبة و الصلح و غيرها ... قد دل عليها الدليل من الشرع الأقدس و لكن ليس على نحو الإطلاق، و قد مر الدليل على ضوء النص المتقدم، حيث قال الإمام (عليه السلام): في جواز ذلك مع الإجازة و لو في أكثر من الثلث، «و إن تفضلتم و كنتم الورثة كان جائزا لكم إن شاء اللّه» (2).

فينبغي الاستدلال بالنص لا ما أفاده (قدّس سرّه) بمقتضى القاعدة الأولية، بل القاعدة تقتضي خلاف ذلك؛ لأن الواجبات الشرعية المقتضية للتمليك محصورة في امور خاصة.

ثم أنه هل يمكن للوارث بعد إجازته حق الفسخ أو لا؟

أفاد الماتن (رحمه اللّه) بعدم الجواز، و الأمر كما رامه، و يمكننا الاستدلال على ما أفاده (قدّس سرّه) من خلال وجهين:

____________

(1) انظر مباني العروة الوثقى: 2/ 443.

(2) الوسائل: 19/ 275، ب 11 من أبواب الوصايا، ح 1.

200

..........

____________

1- أن الخيار و الفسخ في جميع الموارد على خلاف القاعدة، فإذا شككنا في أن هذه الملكية لازمة أم جائزة و هل يكون له حق الفسخ أو لا؟ فحينئذ يكون مقتضى الأصل العدم، فعليه ليس له حق الفسخ.

2- يستفاد من خلال النص المتقدم على ضوء كلام الامام (عليه السلام) «و إن تفضلتم و كنتم الورثة كان جائزا لكم إن شاء اللّه» (1) ان تحقق الملكية قبل الفسخ و بعده؛ و ذلك للإطلاق في النص، فعلى هذا لا أثر للفسخ.

المقام الثاني: إجازة الوارث في حياة الموصي.

ففي هذا المقام يقع البحث من خلال زاويتين:

الزاوية الأولى: القاعدة الأولية:

فعلى ضوئها لا أثر لهذه الإجازة؛ و ذلك أن الوارث ما دام الموصي حيا لا علاقة بينه و بين هذا المال، و إنما هو ملك للموصي، فخلاصة الكلام أنه لا أثر لهذه الإجازة.

الزاوية الثانية: النصوص الواردة في المقام

و هي كما يلي:

أ- ما رواه محمد بن مسلم، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل أوصى بوصية و ورثته شهود فأجازوا ذلك، فلما مات الرجل نقضوا الوصية، هل‌

____________

(1) نفس المصدر المتقدم.

201

..........

____________

لهم أن يردوا ما أقروا به؟

فقال: ليس لهم ذلك، و الوصية جائزة عليهم إذا أقروا بها في حياته (1).

تدل هذه الرواية على أمرين:

1- صحة الإجازة و تحقق الوصية بمقتضى إجازتهم حال حياة الموصي.

2- عدم جواز نقض الوصية من قبل الوارث بعد إجازته، و بعد وفاة الموصي.

ب- ما رواه منصور بن حازم، قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل أوصى بوصية أكثر من الثلث و ورثته شهود فأجازوا ذلك له.

قال: جائز (2).

و امّا قول الماتن (رحمه اللّه): (باحتمال كونه ذا حق ... الخ) فمجرد الاحتمال غير كاف في المقام؛ إذ في مقابل هذا الاحتمال يوجد احتمال معاكس له في الحكم.

____________

(1) الوسائل: 19/ 283، ب 13 من أبواب الوصايا، ح 1.

(2) نفس المصدر: ح 2.

202

..........

____________

و امّا الأخبار التي لم يستعبد المصنف (قدّس سرّه) الحكم من خلالها فلا يمكننا أيضا المساعدة معه؛ لأن المستفاد من النصوص المتقدمة ترتب الحكم على صورة دون أخرى، و لكن منشأ الأمر أيّ شي‌ء غير معلوم و لا ظاهر منها، و على أي حال الأمر سهل؛ لوضوح الأمر و ظهور الأخبار المتقدمة في جواز إجازة الورثة و كونها مؤثرة.

[الإجازة تنفيذ لعمل الموصي]

و امّا قوله (قدّس سرّه) (هذا و الإجازة من الوارث تنفيذ لعمل الموصي و ليست ابتداء عطية من الوارث ... الخ).

فيقع البحث من خلال موضعين:

الموضع الأول: هل يترتب على النزاع الحاصل من اختلاف المسلكين أثر فقهي عملي أو لا؟

ففي ضوء هذا الموضع نقول: إذا قلنا إن إجازة الوارث تنفيذ للوصية و ينتقل المال من الوصي رأسا الى الموصى له فلا مجال و لا موضوعية لبحث الهبة، و لا يترتب على هذه الإجازة الأثر المترتب على الهبة، و امّا على المسلك الثاني القائل: بالعطية و الهبة فعليه حينئذ يترتب الأثر، و الفارق بينه و بين المسلك الأول أنه إذا فرضنا أن الوارث أجاز‌

203

..........

____________

الوصية الجائزة و قبل تحقق القبض من الموصى له مات المجيز، ففي هذه الحالة لا ينتقل المال الى الموصى له، بناء على القول الثاني، القائل:

بالهبة؛ إذ المفروض يشترط في صحة الهبة القبض من الموصى الموهوب له، و الحال لم يتحقق فعلى هذا لا مجال للقول: بانتقال المال الى الموصى له.

و امّا على المسلك الأول القائل: بأن الإجازة تنفيذ لعمل الموصي فلا موضوع لهذا الكلام.

و الحق أنه لا ربط بين المقام و الهبة أصلا؛ إذ المستفاد من النصوص الواردة في البحث هو انتقال الشي‌ء المتوقف على إجازة الوارث، و الظاهر من النص أن الإجازة من الوارث تنفيذ لوصية الموصي. فما أفاده الماتن (قدّس سرّه) تام و لا غبار عليه.

الموضع الثاني: الكلام في أصل المطلب.

فأما الكلام في الموضع الثاني فينبغي التفصيل، فنقول: إذا كان الوارث مجيزا للوصية حال حياة الموصي ففي هذه الصورة ينتقل المال مباشرة الى الموصى له؛ لأن المستفاد من الدليل المتقدم أنه إذا أوصى‌

204

..........

____________

الموصي لأحد و الورثة أجازوا ذلك تكون الوصية حينئذ ممضاة بحكم الشارع الأقدس، فعندئذ بطبيعة الحال ينتقل المال إلى الموصى له بعد موت الموصي بلا حاجة إلى توسط الوارث؛ إذ ما دام الشخص حيا يكون المال ملكا له؛ لأن الوصية تمليك مشروط و معلق على وفاة الموصي، و عليه فلا وجه لانتقال المال إلى الوارث، بل مباشرة ينتقل إلى الموصى له، هذا كله فيما يرجع الى الإجازة من قبل الورثة حال حياة الموصي.

و امّا إذا أوصى الموصي للموصى له بالزائد على الثلث و بعد موته أجاز الورثة، ففي هذه الحالة ينتقل المال في المرحلة الأولى إلى الورثة، ثم بعد إجازتهم ينتقل إلى الموصى له؛ و ذلك أن الموصي بعد موته لا يكون مالكا للمال، و بطبيعة الحال ينتقل ماله الى ورثته، إلّا فيما تكون الوصية نافذة كالثلث، و المفروض أن المستفاد من خلال الأدلة عدم انتقال هذا المال الموصى به- الزائد على الثلث- الى الموصى له إلّا بإجازة الورثة، ففي هذه الصورة يرد التساؤل حول هذه الإجازة- أي اجازة الوارث- هل تكون مجرد أمارة و منشأ للعلم أو جزء للسبب؟

الجواب: تارة نقول: إن الإجازة لا أثر لها في تمامية الأمر، و إنما‌

205

..........

____________

الأمر تام من البداية، غاية ما في الباب تكون الإجازة كاشفة لا غير، كما عرفت ذلك في البيع الفضولي، ففي هذه الصورة ينتقل المال مباشرة إلى الموصى له.

و أخرى نقول: إن الإجازة مقومة و جزء للسبب ففي هذه الصورة إذا لم يتحقق السبب في الخارج فلا مجال لتحقق المسبب، و هذا بديهي جدا لا يحتاج إلى البحث: فعلى ذلك إذا لم تحقق الإجازة لا ينتقل المال إلى الموصى له، بل ينتقل إلى الورثة، و بعد صدور الإجازة منهم ينتقل إليه.

و استدل سيدنا الاستاذ (قدّس سرّه) في المقام على المدعى بنصين:

الأول: ما رواه أحمد بن محمد، قال: كتب أحمد بن إسحاق إلى أبي الحسن (عليه السلام): انّ درّة بنت مقاتل توفّيت و تركت ضيعة أشقاصا في مواضع، و أوصت لسيّدنا في أشقاصها بما يبلغ أكثر من الثلث، و نحن أوصياؤها و أحببنا إنهاء ذلك إلى سيّدنا، فإن أمرنا بإمضاء الوصية على وجهها أمضيناها، و إن أمرنا بغير ذلك انتهينا إلى أمره في جميع ما يأمر به إن شاء اللّه.

قال: فكتب (عليه السلام) بخطّه: ليس يجب لها في تركتها إلّا الثلث، و إن‌

206

..........

____________

تفضلتم و كنتم الورثة كان جائزا لكم إن شاء اللّه (1).

و وجه الاستدلال بها على المدعى أفاد (رحمه اللّه) (بأن الظاهر منها أن التفضل انما هو إمضاء الوصية لا إهداء المال إليه (عليه السلام)، و يؤكد قوله (عليه السلام): «و كنتم الورثة»، فإن تقييده (عليه السلام) بذلك لا معنى محصل له غير كون حق إجازة الوصية لهم، و إلّا فهبة المال جائزة، سواء كان قد استحصله عن طريق الإرث أم من غيره) انتهى (2).

و فيه: أن هذا الاستدلال المدعى استفادته من الخبر خلاف الظاهر؛ إذ المستفاد بحسب المتفاهم العرفي أن الإجازة التي تكون مؤثرة هي الإجازة الصادرة من الورثة لا من أي شخص كان.

و بعبارة أوضح أنها لم تكن مسوقة لهذه الجهة، بل المسوق بحسب المتفاهم العرفي هكذا: أيها السائل إذا كانت الوصية متحققة كما تقول:

و تزعم أنك وارث فإذا تفضلت يترتب الأثر و إلّا فلا.

الثاني: ما رواه علي بن الحسن قال: مات محمّد بن عبد اللّه بن زرارة، و أوصى إلى أخي أحمد بن الحسن، و خلّف دارا و كان أوصى في جميع‌

____________

(1) الوسائل: 19/ 275، ب 11 من أبواب الوصايا، ح 1.

(2) لاحظ مباني العروة الوثقى: 2/ 447.

207

..........

____________

تركته أن تباع و يحمل ثمنها إلى أبي الحسن (عليه السلام) فباعها، فاعترض فيها ابن اخت له، و ابن عمّ له، فأصلحنا أمره (بثلاثة دنانير)، و كتب إليه أحمد بن الحسن و دفع الشي‌ء بحضرتي إلى أيّوب بن نوح، فأخبره أنّه جميع ما خلّف و ابن عمّ له، و ابن اخته عرض، و أصلحنا أمره (بثلاثة دنانير)، فكتب: قد وصل ذلك، و ترحم على الميت، و قرأت الجواب (1).

و هذه الرواية كسابقتها في الدلالة؛ حيث إنها أجنبية عن كون الوصية بعنوان التنفيد، أو العطية، و الحق هو التفصيل الذي بيناه في مطاوي البحث، و لا يترتب على هذا الانتقال أثر الهبة على الإطلاق.

____________

(1) الوسائل: 19/ 281، ب 11 من أبواب الوصايا، ح 17.

208

[مسألة 5: لو ادعى الوارث ظن قلة المجاز]

[مسألة] (5): ذكر بعضهم أنه لو أوصى بنصف ماله مثلا فأجاز الورثة، ثم قالوا: ظننا أنه قليل، قضى عليهم بما ظنوه، و عليهم الحلف على الزائد، فلو قالوا: ظننا أنه ألف (درهم)، فبان أنه ألف (دينار)، قضى عليهم بصحة الإجازة في خمسمائة (درهم)، و أحلفوا على نفي ظن الزائد، فللموصى له نصف ألف (درهم) من التركة و ثلث البقية؛ و ذلك لأصالة عدم تعلق الإجازة بالزائد، و أصالة عدم علمهم بالزائد.

بخلاف ما إذا أوصى بعين معينة- كدار أو عبد- فأجازوا ثم ادعوا أنهم ظنوا أن ذلك أزيد من الثلث بقليل، فبان أنه أزيد بكثير، فإنه لا يسمع منهم ذلك؛ لأنّ إجازتهم تعلقت بمعلوم و هو الدار أو العبد.

و منهم من سوى بين المسألتين في القبول، و منهم من سوى بينهما في عدم القبول، و هذا هو الأقوى، أخذا بظاهر كلامهم في الإجازة، كما في سائر المقامات، كما إذا أقر بشي‌ء ثم ادعى أنه ظن كذا، أو وهب أو صالح أو نحو ذلك ثم ادعى أنه ظن كذا، فإنه لا يسمع