مباحث فقهية - الوصية، الشركة، صلة الرحم

- السيد تقي الطباطبائي القمي المزيد...
389 /
209

منه (1).

بل الأقوى (2) عدم السماع حتى مع العلم بصدقهم في دعواهم إلّا إذا علم كون إجازتهم مقيدة بكونه بمقدار كذا، فيرجع إلى عدم الاجازة، و معه يشكل السماع فيما ظنوه أيضا.

____________

(1) الظاهر أن ما أفاده الماتن (قدّس سرّه) تام؛ إذ اللازم العمل على طبق الظواهر، و العدول عنها يحتاج إلى قيام الدليل الصارف عنه.

(2) إذ تخلف الداعي لا يضر بالقصد الّا أن يكون على نحو لا يتحقق فلاحظ.

210

[مسألة 6: المدار اعتبار الثلث حال وفاة الموصي]

[مسألة] (6): المدار في اعتبار الثلث على حال وفاة الموصي، لا حال الوصية، بل على حال حصول قبض الوارث للتركة إن لم تكن بيدهم حال الوفاة، فلو أوصى بحصة مشاعة- كالربع أو الثلث- و كان ماله بمقدار ثم نقص كان النقص مشتركا بين الوارث و الموصي، و لو زاد كانت الزيادة لهما مطلقا، و إن كانت كثيرة جدا.

و قد يقيد بما إذا لم تكن كثيرة؛ إذ لا يعلم إرادته هذه الزيادة المتجددة، و الأصل عدم تعلق الوصية بها. و لكن لا وجه له؛ للزوم العمل بإطلاق الوصية. نعم لو كان هناك قرينة قطعية على عدم إرادته الزيادة المتجددة صح ما ذكر، لكن عليه لا فرق بين كثرة الزيادة و قلتها، و لو أوصى بعين معينة كانت بقدر الثلث أو أقل ثم حصل نقص في المال أو زيادة في قيمة تلك العين، بحيث صارت ازيد من الثلث حال الوفاة بطلت بالنسبة إلى الزائد مع عدم إجازة الوارث، و إن كانت أزيد من الثلث حال الوصية، ثم زادت التركة أو نقصت قيمة تلك العين فصارت بقدر الثلث أو أقل، صحت الوصية فيها. و كذا الحال إذا أوصى بمقدار معين كلي كمائة (دينار) مثلا (1).

____________

(1) تتلخص هذه المسألة في عدة نقاط:

النقطة الأولى: المدار في اعتبار الثلث على حال وفاة الموصي لا حال الوصية.

211

..........

____________

و الوجه في ذلك أن الوصية عبارة عن تمليك شي‌ء للغير معلق على وفاة الموصي؛ لما علمت في الأبحاث المتقدمة من أن وزان الوصية وزان الواجب المشروط، و من الظاهر الواضح أن الميزان في المشروط هو زمان تحقق الشرط، هذا كله على ضوء الأدلة المتقدمة كتابا و سنة، فعلى هذا إذا أوصى زيد لعمرو بمال معين و بعد وفاته ننظر في تركته، فإن وجدنا المال بمقدار الثلث أو أقل منه كانت وصيته نافدة، و إذا كان الموصى به أكثر من الثلث فيتوقف نفوذها على إجازة الورثة.

و امّا ما أفاده (قدّس سرّه) من أن الميزان بزمان حصول قبض الوارث فلا وجه له؛ إذ المفروض بمجرد موت الموصي ينتقل ماله للوارث، و ينتقل الموصى به- إذا لم يكن أزيد من الثلث- إلى الموصى له، و امّا القبض و عدمه فلا مدخلية له في دائرة الحكم.

النقطة الثانية: إذا أوصى الموصي بحصة مشاعة الخ ...

ما أفاده (رحمه اللّه) في هذه النقطة لا غبار عليه؛ و ذلك أن الوصية على هذا النحو لا إشكال فيها، هذا من جهة، و من جهة أخرى لا مدخلية للقبض‌

212

..........

____________

و عدمه في المقام، فعلى هذا تصبح النتيجة لا وجه لتقديم أحدهم على الآخر. و هذا بخلاف الدين، فإن دين الميت لا بد من إخراجه من التركة بأي نحو كان، و امّا الوصية فالمقدار الذي يحق للموصي أن يوصي به هو الثلث فقط، فعلى هذا يتحقق الربح في فرض و يتحقق الخسران في فرض آخر، على كلا التقديرين على نحو الإشاعة.

النقطة الثالثة: إذا أوصى بثلث تركته و في حال الوصية كان الثلث قليلا،

ثم بعد ذلك تجدد له مال كثير سواء كان بالإرث أو الوصية أو غير ذلك ... فهل تجري الوصية في الزائد أو لا؟.

أفاد الماتن (قدّس سرّه) بتعلق الوصية في الزائد متمسكا بالإطلاق الشامل للزيادة الكثيرة، و لزوم العمل على ضوئه، و بهذا قد نفى القول: بالتقييد، و ما أفاده (رحمه اللّه) هو الحق.

و توضيح ذلك: لو أوصى بالثلث ثم حصلت الزيادة بعد زمن الوصية فربما يقال: لا أثر للوصية في هذه الزيادة، بل الوصية أجنبية عنها؛ و الوجه فيه أننا نشك في إرادة الموصي بأنه هل أراد الوصية في المقدار الزائد أو لا؟ فعلى ذلك مقتضى الأصل عدم إرادته، فتصبح النتيجة لا‌

213

..........

____________

جريان للوصية في المقدار الزائد المتجدد.

و يلاحظ عليه أنه لا مجال لجريان الأصل العملي مع وجود الأمارة التي هي الظهور من كلام الموصي؛ حيث قال: ادفعوا ثلث مالي لزيد مثلا، نعم لو كان في كلامه قرينة حالية أو مقالية أو كان في كلامه إجمال ففي هذه الحالة لا مانع من العمل على ضوء القرينة، أو إجراء الأصل على ضوء الإجمال، و امّا عند عدم القرينة أو الإجمال فلا إشكال في ترتيب الأثر على الظهور.

النقطة الرابعة: إذا أوصى بعين معينة كانت الوصية بقدر الثلث أو أقل،

فإذا حصل نقص في المال أو زيادة في قيمة تلك العين بحيث صارت أزيد من الثلث حال الوفاة بطلت بالنسبة الى الزائد، الخ ... كلامه.

و هذا لا غبار عليه؛ إذ الوصية في هذه الصورة لا تكون صحيحة بالنسبة إلى الزيادة إلّا مع إجازة الورثة؛ و ذلك لأن العبرة بالثلث في حال الوفاة لا حال الوصية، و إذا فرضنا انعكس الامر تماما، ففي زمان الوصية لم تكن واجدة للشرط و لكن في زمان الوفاة كانت واجدة له فحينئذ الكلام هو الكلام.

214

[مسألة 7: الوصية بعين معينة بعد تلف بعض التركة]

[مسألة] (7): ربما يحتمل فيما لو أوصى بعين معينة أو بكلي- كمائة (دينار) مثلا- أنه إذا تلف من التركة بعد موت الموصي يرد النقص عليهما أيضا بالنسبة، كما في الحصة المشاعة، و إن كان الثلث وافيا؛ و ذلك بدعوى أن الوصية بها ترجع إلى الوصية بمقدار ما يساوي قيمتها، فيرجع الى الوصية بحصة مشاعة.

و الأقوى عدم ورود النقص عليهما ما دام الثلث وافيا، و رجوعهما الى الحصة المشاعة في الثلث، أو في التركة، لا وجه له، خصوصا في الوصية بالعين المعينة (1).

____________

(1) لا وجه لاحتساب النقص عليهما، و ما قيل: من أن الوصية في المعين راجعة الى الوصية بالكسر المشاع فلا وجه له؛ و ذلك أن الوصية قد تعلقت بالعين الخارجية.

و على هذا لا وجه لجعل الخسارة على الوارث، بل لا بد من النظر في الوصية لكي نرى هل يمكن نفوذها في العين أو لا؟ فإن أمكن ذلك فبها، و إلّا فلا.

215

[مسألة 8: حصول مال بعد الموت للموصي]

[مسألة] (8): إذا حصل للموصي مال بعد الموت- كما إذا نصب شبكة فوقع فيها صيد بعد موته- يخرج منه الوصية كما يخرج منه الديون، فلو كان أوصى بالثلث أو الربع أخذ ثلث ذلك المال أيضا مثلا، و إذا أوصى بعين، و كانت أزيد من الثلث حين الموت، و خرجت منه بضم ذلك المال، نفذت فيها. و كذا إذا أوصى بكلي (كمائة دينار)- مثلا-. بل لو اوصى ثم قتل حسبت ديته من جملة تركته، فيخرج منها الثلث كما يخرج منها ديونه إذا كان القتل خطأ، بل و إن كان عمدا و صولحوا على الدية؛ للنصوص الخاصة. مضافا إلى الاعتبار. و هو كونه أحق بعوض نفسه من غيره.

و كذا إذا أخذ دية جرحه خطأ، بل أو عمدا (1).

____________

(1) يقع البحث حول هذه المسألة من خلال مقامين:

المقام الأول: هل تقتضي القاعدة الأولية صيرورة الميت مالكا بعد موته أو لا؟

الظاهر أن القاعدة تقتضي عدم صيرورة الشخص مالكا بعد وفاته؛ و ذلك أن الأدلة الأولية قاصرة لشمول الملكية للشخص بعد وفاته، بل الدليل قائم على عدمه؛ إذ المستفاد من خلال أدلة الإرث أن الشخص‌

216

..........

____________

بعد موته ينسلخ عن جميع ممتلكاته، و تنتقل جميعها إلى ورثته، ما عدا الوصية بالثلث و الديون؛ فإنها لا تنتقل إلى الوارث.

و كون الشخص بعد موته مالكا لشي‌ء ما يحتاج إثباته إلى دليل معتبر، و إلّا فلا مجال للتفوه بهذه المقالة.

و ما استدل به في المقام من كون الميت إذا نصب شبكة فوقع فيها صيد بعد موته فالصيد ملكه- لأنه قد وضع الشبكة و حيث انه هو الواضع فلا بد أن يكون هو المالك- الظاهر غير كاف في مقام الاستدلال؛ و ذلك لعدم وجود دليل دل عليه.

و عند ذلك تصل النوبة إلى الشك و مقتضى الأصل حينئذ عدم كونه مالكا بعد موته، إلّا أن يقوم إجماع تعبدي على ذلك، و إلّا فلا يخلو الأمر من شائبة الإشكال.

هذا كله بالنسبة إلى المقام الاول.

المقام الثاني: إذا ثبت دليل ما في مورد من الموارد على كونه مملوكا للميت بعد وفاته ففي هذه الحالة هل تشمل الوصية هذا المملوك بعد وفاة الموصي أو لا؟

217

..........

____________

فيقع الكلام في هذا المقام من خلال جهتين:

الجهة الأولى: القاعدة الاولية.

الجهة الثانية: النص الخاص.

[الجهة الأولى: القاعدة الأولية.]

فأما القاعدة الأوليه فلا بد من النظر في دائرة الوصية، فإذا كانت متأطرة بإطار خاص فلا يحق التجاوز عن هذا الإطار، كما إذا فرضنا أنه أوصى بخصوص ما تركة حتى وفاته لا ما تركه فيما يكون مملوكا بعد الممات، فمن الواضح في هذه الدائرة لا تشمل الوصية ما يكون مملوكا له بعد الموت؛ إذ الوصية ضيقها و سعتها دائرة مدار قصد الموصي، و المفروض أنه لم يقصد أكثر من هذه الدائرة، فعلى هذا لا يكون المملوك بعد الموت مندرجا تحت الوصية.

و امّا إذا فرضنا أنه أطلق العنان للوصية، فأوصى بما ملكه في حال حياته و ما يملكه بعد مماته، ففي هذه الصورة لا إشكال في شمول الوصية لما يملكه بعد الموت، و لا فرق في ذلك بين أن يكون الموصي عارفا بالمسائل الشرعية و كان متوجها لذلك أو لا يكون متوجها للمسألة فالمدار إذا في قصده و عدمه، فإذا قصد ذلك تصح الوصية بلا شك و لا ريب، و امّا إذا حصل الشك في مورد من الموارد ففي هذه الصورة تكون‌

218

..........

____________

النتيجة تابعة لأخس المقدمتين؛ لأن الشك المزبور شك في مقام الجعل، و مقتضى القاعدة عدم السعة، فعلى هذا لا تشمل الوصية ما يملكه بعد موته.

هذا كله بحسب القاعدة،

[الجهة الثانية: النص الخاص.]

و امّا بحسب النص فإليك النصوص الواردة في المقام و هي كما يلي:

1- ما رواه يحيى الأزرق:

عن أبي الحسن (عليه السلام) في رجل قتل و عليه دين و لم يترك مالا، فأخذ أهله الدية من قاتله عليهم أن يقضوا دينه؟

قال: نعم.

قلت: و هو لم يترك شيئا؟

قال: إنما أخذوا الدية فعليهم أن يقضوا دينه (1).

2- ما رواه أبو بصير المرادي:

قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن رجل قتل و عليه دين و ليس له مال، فهل لأوليائه أن يهبوا دمه لقاتله و عليه دين؟

فقال: إنّ أصحاب الدين هم الخصماء للقاتل، فإن وهب أولياؤه دمه‌

____________

(1) الوسائل: 18/ 364، ب 24 من أبواب الدين و القرض، ح 1.

219

..........

____________

للقاتل ضمنوا الدية للغرماء، و إلّا فلا (1).

فهذه الرواية تامة من حيث السند و الدلالة.

3- ما رواه محمد بن قيس:

قال: قلت له: رجل أوصى لرجل بوصيّة من ماله ثلث أو ربع فيقتل الرجل خطأ- يعني الموصي- فقال: يجاز لهذا الوصيّة من ماله و من دينه (2).

4- ما رواه محمد بن قيس أيضا:

عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل أوصى لرجل بوصية مقطوعة غير مسمّاة من ماله ثلثا، أو ربعا، أو أقل من ذلك، أو أكثر، ثم قتل بعد ذلك الموصي فودي، فقضى في وصيّته أنّها تنفذ من ماله و من ديته كما أوصى (3).

و لا فرق في ذلك بين أن يكون قتله خطأ أو عمدا؛ و ذلك أن التصريح بالخطإ في أحد الخبرين من كلام الراوي لا من كلام الإمام (عليه السلام)

____________

(1) الوسائل: 29/ 123، ب 59 من ابواب القصاص في النفس، ح 1.

(2) الوسائل: 19/ 285، ب 14 من ابواب الوصايا، ح 1.

(3) نفس المصدر: ح 3.

220

..........

____________

و العبرة بقول: الإمام (عليه السلام) لا بقول: الراوي، و مما يؤيد المدعى ما رواه إسحاق بن عمّار، عن جعفر (عليه السلام): أن رسول الله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: إذا قبلت دية العمد فصارت مالا، فهي ميراث كسائر الأموال (1).

فقد صرح في متن هذا النص بخصوص العمد، و لكن الرواية من حيث السند ضعيفة بغياث بن كلوب، و مجرد عمل العصابة (2) برواياته ليس دليلا على توثيقه، و قد تقدم منا في بعض الأبحاث بأن مجرد العمل لا يكون جابرا لضعفه، و لا أدري لما ذا عبر سيدنا الاستاذ عن هذه الرواية بالمعتبرة.

و امّا قول الماتن (قدّس سرّه) (و كذا إذا أخذ دية جرحه خطأ ...)؛ إذ من الواضح أنه يكون من أمواله فيكون محكوما بحكم بقية أمواله، لكن هذا خارج عن دائرة البحث؛ إذ الكلام في الملك الحاصل بعد الموت لا الحاصل حال الحياة.

و بهذا قد تم البحث حول كتاب الوصية شرحا و تعليقا على متن‌

____________

(1) الوسائل: 26/ 41، ب 14 من أبواب موانع الإرث، ح 1.

(2) ذكر ذلك الشيخ في العدة بأنه ممن أجمعت الشيعة على العمل بروايتهم إذا خلت عن المعارض. لاحظ العدة: 1/ 380.

221

..........

____________

العروة الوثقى لسيد الطائفة السيد كاظم اليزدي (قدّس سرّه) من محاضرات سيدنا الاستاذ المعظم، سماحة أية اللّه العظمى الحاج السيد تقي الطباطبائي القمي (دام ظله الشريف) سائلا من المولى (عز و جل) و متوسلا بالأئمة الأطهار (عليهم السلام) أن يمتعنا بطول بقائه و أن لا يحرمنا من فوائده و علمه.

و كان الفراغ من آخر محاضرة ألقاها سماحته في درسه الساعة العاشرة و النصف صباحا، المصادف الثلاثاء الموافق 19/ شوال لعام 1417 ه‍ على مهاجرها آلاف التحية و السلام، و كان الفراغ من تبيض هذه الصفحات على يد أقل الطلبة الراجي شفاعة مولاه زهير بن الحاج يوسف الدرورة السنابسي عفى الله عنه و عن والديه، في الساعة الحادية عشرة ليلة الأربعاء الموافق 20/ شوال 1417 ه‍؛ و ذلك بجوار مرقد الطاهرة المعصومة كريمة الإمام موسى بن جعفر عليه آلاف التحية و السلام، و آخر دعوانا أَنِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ، و صلّى اللّه على محمد و آله الطيبين الطاهرين، و العن الدائم المؤبد على أعدائهم أجمعين من الآن إلى قيام يوم الدين.

222

المبحث الثّاني الشركة

223

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

224

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

225

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ* كتاب الشركة فصل في احكام الشركة و هي عبارة عن كون الشي‌ء الواحد لاثنين أو أزيد ملكا أو حقا (1)

[في معنى الشركة]

____________

(1) لا يخفى أن الشركة في المعنى اللغوي عبارة عن اشتراك متعدد في أمر ما، و لا فرق بين الشّركة و الشّركة، بل هما سواء؛ و هي مخالطة الشريكين، يقال: اشتركنا بمعنى تشاركنا، و قد اشترك الرجلان و تشاركا، و شارك أحدهما الآخر.

و هذا المعنى الواسع الشامل لكل مصداق و فرد ليس محلا للكلام بين الفقهاء، بل محل البحث فيما ذكره الماتن (قدّس سرّه) بالمعنى الخاص، و هو عبارة عن كون الشى‌ء الواحد لاثنين أو أزيد ملكا أو حقا.

و ما ذكره ظاهر في مصاديقه بوضوح، و يتضح أيضا بهذا المثال: دار لزيد و عمرو، فعلى هذا يكونان شريكين فيها- أي في العين الخارجيه‌

226

..........

____________

و هي الدار- هذا من جهه، و من جهة اخرى يكون الاشتراك في المنفعة؛ و ذلك فيما اذا اشترك كل من زيد و عمرو في منفعة بستان ما، الى غير ذلك من المصاديق، و ثالثة يكون الاشتراك في حقّ من الحقوق، و من أجلى مصاديقه إرث الخيار، على فرض الالتزام به، بناء على القول بأنه ينتقل من الميت إلى الوارث، ففي ضوئه يكون الاشتراك مع الوارث.

[التقابل بين الملك و الحق]

و حيث ان الماتن قابل بين الحق و الملك فلا بد من تحقيق ما أفاده (قدّس سرّه) لكي نرى ما هو الحق الحقيق الذي يجب أن يتبع؟

الذي يجول في الذهن بعد التمعن فيما أفاده أنه لا وجه لهذه المقابلة، حيث لا أرضية لها في عالم الواقع و الحقيقة، و بعبارة اجلى لا تقابل بين الملك و الحق، و لذا نلاحظ في تعريفهم للخيار عند ما يعرفونه يعبرون عنه بالملك، اي ملك فسخ العقد، فعليه أيّ فرق بين الخيار و بين كون شخص مالكا للدار، إذ انما الفرق في المتعلق و الموضوع، فتارة يكون الشخص مالكا للعين، و أخرى للمنفعة، و ثالثة لحل العقد و فسخه.

ففي ضوء هذا التقسيم يكون الجامع بين جميع الأقسام واحدا لا غير، و هي الملكية، فعليه لا يوجد تقابل بين الملك و الحق، كما يظهر‌

227

..........

____________

من عبارته أعلى الله مقامه.

نعم: الحق المعبر عنه بالملك يختلف بحسب المستفاد من الدليل الشرعي، فقد يكون بعض الأحيان حكميا، و أخرى حقيا، و لا مشاحة في الاصطلاح؛ إذ تارة يكون الشخص مالكا لفسخ العقد و حله، و هذه الملكية غير قابلة للزوال و الإسقاط، و هذا ما يسمى بالخيار الحكمي، و أخرى يمكنه إسقاط الحق فيطلق عليه الخيار الحقي، و على قول آخر يمكنه ان ينقله إلى غيره، و هذه الجهة لا توجب افتراقا جذريا بين الحق و الحكم، بل هو أمر واقعي لا مجرد اصطلاح فقط؛ و بتعبير صريح لا فرق بين الملك و الحق، بل كلاهما من واد واحد،- و هو الملكية- و إنما الاختلاف في المتعلق و الموضوع لا غير.

و على صعيد آخر لا بد من طرح هذا التساؤل أيضا، و هو ما هو المراد في عبارته (قدّس سرّه) من قوله: أو حقا؟ و بأي وجه يتحقق في الخارج؟

الظاهر من عبارته- و سوف يأتي التعبير في طي كلامه- أنه يتحقق في ضمن دائرة الإرث، و هو فيما إذا انتقل الخيار إلى الوارث، فعليه يكون هذا الحق المقابل للملك مشتركا بين الورثة، و لا يتم هذا إلا بالالتزام بأمرين و هما كما يلي:

228

و هي (إما واقعية قهرية) (1) كما في المال أو الحق الموروث، (و إما واقعية اختيارية) من غير استناد إلى عقد، كما إذا أحيا شخصان أرضا مواتا بالاشتراك، أو حفرا بئرا أو اغترفا ماء، أو اقتلعا شجرا.

____________

1- أن نلتزم بإرث الخيار، و هذا محل الكلام و الإشكال، و قد استوفينا البحث حوله في بحث الخيارات على متن مكاسب الشيخ الأعظم أعلى الله مقامه، فإذا شئت فراجع (1).

2- أن يكون إرث الخيار من مصاديق الاشتراك في الحق، على فرض كون كل واحد من الورثة مالكا لهذا الحق.

و أمّا على القول بأن الوارث عبارة عن المجموع فلا تبقى موضوعية لهذا الكلام، كما هو ظاهر واضح، هذا كله بالنسبة إلى ما أفاده بداية.

[أقسام الشركة]

[الشركة الواقعية القهرية]

(1) المراد من الواقعية في طي كلامه مقابل الظاهرية، و أمّا ما أفاده بالنسبة إلى المال فهو في تمام الوضوح و لا يحتاج إلى إطالة البحث؛ إذ الدار التي يرثها زيد و عمرو من المورّث لا إشكال في كونها مشتركة بين كلا الشخصين، و كذلك المنفعة الموروثة أيضا.

و أمّا بالنسبة إلى الخيار فمتوقف على نقله إلى الأفراد، و ليس ذلك‌

____________

(1) قد دوناه في ضمن ما قررناه من بحث المكاسب في الدفتر رقم 4- ص 99.

229

(و اما ظاهرية قهرية) (1)، كما إذا امتزج مالهما من دون اختيارهما- و لو بفعل أجنبي- بحيث لا يتميز أحدهما من الآخر، سواء كانا من جنس واحد، كمزج حنطة بحنطة، أو جنسين كمزج دقيق الحنطة بدقيق الشعير، أو دهن اللوز بدهن الجوز، أو الخل بالدبس.

____________

على نحو المجموع.

و أمّا بالنسبة إلى الواقعية الاختيارية فيتضح ذلك من خلال ما ذكره (قدّس سرّه) من التمثيل، فيما إذا اغترف زيد و عمرو باختيارهما ماء، فعليه يكون الماء المغترف مشتركا بينهما، و بناء عليه فما أفاده ظاهر في مصاديقه، و إن كان في بعضها إشكال كإرث الخيار.

[الشركة الظاهرية القهرية]

(1) ما أفاده لا يمكننا المساعدة عليه؛ و ذلك أن رتبة الحكم الظاهري في قبال رتبة الحكم الواقعي، و إنما الاختلاف بين كلتا الرتبتين؛ إذ إن رتبة الحكم الظاهري متوقفة على الجهل و الشك، و أمّا في حالة العلم فلا مجال لأن يقال ان حكمه حكم ظاهري.

و بتعبير آخر، إنما يتحقق الحكم الظاهري و يمكن القول به فيما إذا كان الحكم الواقعي غير معلوم لنا، ففي هذه الحالة يصح التعبير أن نقول هكذا: بحسب الظاهر الحكم الفلاني كذا ...

230

..........

____________

و أمّا إذا كان الواقع معلوما فلا يبقى موضوع للظاهر حتى يكون هناك حكم أو لا.

و لذا تصدّى الفقهاء للجمع بين الحكم الظاهري و الواقعي، فيما إذا كان الواقع محفوظا في محله، و لكن مجهول عند ما، و في قبال هذا المجهول حكم ظاهر.

و قد اتضح ذلك في أكثر الأبحاث في المثال المشهور عندهم بين صلاة الجمعة و الظهر؛ إذ لا ندري في زمن غيبة الامام صاحب العصر «روحي لتراب مقدمه الفداء» أن صلاة الجمعة أ هي واجبة أم لا؟ و ذلك لعدم وصول دليل على وجوبها أو عدم وجوبها، حتى نحكم من من خلاله على الوجوب أو العدم، ففي هذه الحالة لا بد من النظر إلى الحكم الظاهري لكي نرى هل يمكن الجمع بينه و بين الحكم الواقعي او لا؟

الجواب: ليس مقامنا هو كيفية الجمع بين كلا الحكمين؛ و ذلك لدخول هذا البحث في بحث أصول الفقه، و لكن ما نريد أن ننبه عليه هو أنه إذا كان الحكم الواقعي معلوما لدينا فلا مجال لأن نقول بأن الحكم ظاهر، أو شركة ظاهرية، و إليك توضيح المدعى‌

231

..........

____________

توضيح المدعى:

إذا امتزج أحد المالين بالآخر فتارة يكون الامتزاج موجبا لصيرورة الخليطين شيئا واحدا مباينا لكلا الخليطين، و اخرى لا يكون كذلك، و مثال ذلك فيما إذا اختلط أو امتزج السكر بالخل فينتج من مزجهما شي‌ء ثالث مباين لكلا الخليطين تماما، و بهذا يطلق عليه السكنجبين، و عليه يكون السكنجبين مشتركا بين الشخصين- المالك للخل و المالك للسكر- و لا إشكال في ذلك.

و لرب قائل يقول: لو فرضنا أن الشي‌ء الثالث قد انحل إلى ما كان عليه سابقا- أي رجع إلى الحالة السابقة- بحيث أصبح السكر على حده، و الخل أيضا، بأي سبب كان، سواء كان بدعاء ولي من أولياء الله، أو غيره من الأسباب الأخرى، لا غرو في ذلك، فعلى هذا فما هو الحكم حينئذ بعد أن حكمتم بالشركة الواقعية؟

الجواب: تارة نتحدث على ضوء الحكم العقلائي و الدخول في سوق العقلاء، و اخرى نغض الطرف عن الحكم العقلائي و لا نلحظه في المقام.

232

..........

____________

فعلى هذا نقول: بناء على الجهة الثانية لا ضير و لا إشكال في بقاء الاشتراك على حاله في كل جزء من الأجزاء؛ إذ المفروض أن الامتزاج صار سببا في تكوّن هذا الشي‌ء و جعله شيئا ثالثا، و بعد ذلك صدر الحكم بكونه مشتركا، و من الواضح أن العين المشتركة إذا انفك منها أحد الجزءين عن الآخر لا يزول الاشتراك، بل يبقى على حاله.

و أمّا بناء على الجهة الأولى- و هي ملاحظة سوق العقلاء- فلا يبعد أن يقال- كما في كلام سيدنا الأستاذ (1) أن العقلاء يحكمون بأن هذا الشي‌ء كان ملكا ممتازا عن الآخر، و بعد ذلك صار مشتركا، و في النهاية يرجع إلى ما كان حاله في الرتبة الاولى لا الثانية، فعلى هذا إذا كان حكم العرف كما قلنا فلا مانع من الالتزام به.

و الوجه فيه: أن الشارع الأقدس ليست له روية خاصة في الأمور العقلائية، و عليه ففي كل مورد يكون من العقلاء حكم في الأمور الاجتماعية و الماليه و غيرها و لم يرد من الشارع ردع بالخصوص، و كذلك لا يوجد دليل على تغيره فعلى هذا لا مانع من الالتزام به، و بناء على هذا الأساس يترتب الحكم على حجية الظواهر كما حققناه في‌

____________

(1) لاحظ مباني العروة: 234.

233

..........

____________

محله، و هكذا، و هكذا ... و إلّا لاختلّت جميع القوانين كالظواهر‌

و غيرها، فإنه لم يرد دليل على حجيتها، و إنما نلتزم بالحجية لكون ذلك محكوما بالحجية عند العقلاء، و الشارع لم يردع عنه، هذا من ناحية، و من ناحية أخرى، كما قلنا إن الشارع الأقدس ليست له روية خاصة في قبال روية العقلاء.

نعم: إذا ورد دليل رادع من قبل الشارع فلا بد من الالتزام به و العمل على ضوئه و هجران ما حكم به العرف، و إلّا فلا، و على أية حال إذا كان العرف يرى كما قلناه فبها، و أمّا إذا لم يكن كذلك كما إذا فرضنا أن الامتزاج لم يوجب و لم يكن سبا لصيرورة الخليطين شيئا ثالثا فلا يمكن التفوه بهذه المقالة، و هي (أن الاشتراك لم يتحقق في الواقع و مع ذلك يكون متحققا في الظاهر)؛ و ذلك لا وجه لهذا القول أصلا، هذا كله مع قطع النظر عن الدليل الخاص.

و الوجه فيه: أن المفروض بأن هذا المال لزيد، و المال الآخر لعمرو، و إنما لم يحصل لنا التمييز بين هذا المملوك و بين ذاك الآخر، فالاشتباه عند الحقيقة إنما نشأ في تميز أحدهما دون الآخر، لا أن هذا المال و ذاك المال اختلطا أم لا، فعلى ذلك إذا لم يحصل لنا التمييز فلا‌

234

..........

____________

يمكننا الحكم بجعل هذا المال لهذا و ذاك المال لذاك، لا أنه نحكم بالاشتراك الظاهري و نحن نعلم بعدم الاشتراك، و مع العلم فلا مجال للحكم بالاشتراك.

نعم: إذا فرضنا أن الحنطة الكربلائية اختلطت مع الحنطة النجفية بلا فرق في أوصاف الحنطة من أي جهة كانت، فعلى الظاهر مما نرى من كلمات الأصحاب أن هذا المورد (يدخل في موارد الاشتراك الواقعي و ليس الظاهري، و هذا أمر لا يمكن إنكاره.

و صفوة القول: إذا اختلط احدهما بالآخر و لا يمكن التمييز يكون الحكم في هذه الصورة بالشركة الواقعية.

فتحصّل مما قلناه عدم مساعدة الماتن (قدّس سرّه) فيما إذا كان مراده ما هو ظاهر كلامه، و كأنه اتبع في هذه الجهة صاحب الجواهر في بعض كلماته، و بهذا يتم الكلام حول الصورة الاولى و هي صيرورة الخليطين شيئا ثالثا.

و أمّا إذا اختلط كلاهما مع الآخر و لم يتولد شي‌ء ثالث مغاير و مباين لكلا الخليطين، كما إذا اختلط دهن اللوز مع دهن الجوز و بقي الجوز مميزا، و لكن الاختلاف في الوجود لا غير.

235

..........

____________

فالظاهر في هذه الصورة أن العقلاء و الشارع الأقدس يحكمان بتحقق الشركة، مضافا إلى ذلك كله أنه يظهر من بعض الكلمات وجود الإجماع في المقام، و كذلك الاتفاق، و أيضا يكون الحكم مماثلا فيما إذا افرض عدم تميز أحدهما عن الآخر بعد عملية الامتزاج و الاختلاط.

و لا إشكال في أن الشركة في المقام هي شركة واقعية لا ظاهرية، بل لا يمكن التفوّه بالظاهرية على الإطلاق.

و لرب تسأل ما هو الحكم في المقام عند حالة الشك؟

الجواب: مقتضى الاستصحاب عدم الحكم بالشركة الواقعية في حالة الشك. و إليك بيان ذلك: عند ما نواجه هذه الحالة ننظر إلى عالم الشرع لكي نرى هل حكم الشارع الأقدس في هذه الصورة بالشركة الواقعية بين المالكين أم لا؟

بطبيعة الحال نجري الأصل العملي في مثل هذه الحالات، و الأصل المحكّم هنا هو الاستصحاب، و مقتضاه عدم الحكم بالشركة الواقعية؛ و لا يخفى على الخبير المتأمل أن الاستصحاب إذا جرى في الأمر العدمي لا مجال لأن يقال بمعارضته مع استصحاب عدم الجعل الزائد، إذ المراد و المقصود من الاستصحاب ضمن هذه الدائرة هو استصحاب‌

236

..........

____________

عدم الجعل، و بهذا التوضيح الجلي لا يبقى مجال للتفوّه بالمعارضة.

فإذا عرفت كل ذلك، فيسهل عليك أن تفهم ما يدور في مقام إجراء الأصل العملي في حالة الشك، فعليه نقول: لا يخلو المقام من طرح صور ثلاث و هي كما يلي:

1- أن يحصل لنا الاطمئنان و العلم بحكم العرف بالشركة الواقعية، كما تبين ذلك من الأمثلة المتقدمة، ففي هذه الصوره لا غرو و لا إشكال في تحقق الشركة.

2- أن نعلم بعدم الحكم من قبل العقلاء، ففي هذه الحالة لا إشكال في الحكم بعدم الشركة، و هذا واضح ظاهر.

3- أن يحصل لنا الشك بذلك، و في هذه الصورة يكون الحكم كما في الصورة الثانية؛ و ذلك بمقتضى الاستصحاب.

توضيح ذلك: إذا قامت شبهة في البين قد نشئت من كثرة الخليطين، كما إذا اختلط كل من الشعير و الحنطة، و لا يمكننا تميز احدهما عن الآخر، ففي هذه الصورة ما هو الحكم؟ هل نحكم بالشركة الحكمية كما هو الظاهر من عبارة سيد المستمسك (1) أم لا؟

____________

(1) لاحظ مستمسك العروة الوثقى: 13/ 7.

237

..........

____________

الجواب: إذا فرضنا في المقام أن الشركة الواقعية غير متحققة، و الظاهرية لا واقع لها، كما يسلّم هو بذلك أيضا، فعلى هذا كيف يحكم بأن الشركة في هذه الصورة شركة حكمية؟! حيث قال: لا يجوز لأحدهما التصرف بدون إذن الآخر؛ و ذلك لعدم التميز، و هذا بطبيعة الأمر غير تام، بل لا نرى وجها لتسمية هذه الشركه بالشركة الحكميه، و انما نقول:

ان هذه الصورة من موارد خلط أحد المالين بالآخر، و أمّا قولنا لا شركة واقعية و لا ظاهرية و مع ذلك عندنا قسم ثالث- و هي الشركة الحكمية- فالظاهر لا وجه له؛ إذ مجرد عدم جواز التصرف لا يقتضي إطلاق اسم جديد، ألا و هو الشركة الحكمية، بل هو مطلب آخر لا ربط له بالمقام.

فتمخض مما بيّناه و وضحناه أن الميزان الكلي يكون بهذه الكيفية، و هي: إذا صار الامتزاج سببا لصيرورة الخليطين شيئا ثالثا و ماهية اخرى- و لو بالنظر العرفي- فيتحقق الاشتراك من دون كلام.

و أمّا إذا صار الشيئان المختلطان و الممتزجان شيئا واحدا، و الاتصال مساوق مع الوحدة، ففي هذه الحالة تتحقق الشركة الواقعية، و يكون الأمر أمرا حقيقيا موافقا مع البرهان الفلسفي.

و أمّا إذا فرضنا لا هذا و لا ذاك، بل لم يكن شيئا واحدا، فالظاهر أن‌

238

(و إمّا ظاهرية اختيارية) كما إذا مزجا باختيارهما لا بقصد الشركة، فإن مال كل منهما في الواقع ممتاز عن الآخر، و لذا لو فرض تمييزهما اختص كل منهما بماله (1)، و أمّا الاختلاط مع التمييز فلا يوجب الشركة (2) و لو ظاهرا؛ إذ مع الاشتباه مرجعه الصلح القهري (3) أو القرعة.

____________

العرف يحكم بالشركة الواقعية كامتزاج الحنطة بمثلها.

[الشركة الظاهرية الاختيارية]

(1) قد ظهر الاشكال في طي البحث المتقدم.

(2) على ما هو الظاهر؛ إذ لا مقتضي للشركة.

(3) المراد من الصلح القهري هو ما يقابل الصلح الاختياري، و سوف يتضح ذلك في طي كلامه الآتي، و الصلح القهري هنا هو ما اجبر عليه الطرفان، لا أن المراد منه حصول الصلح قهرا من دون اي سبب يذكر من الأسباب، و لا ما أفاده سيد المستمسك، من كون المراد من الصلح القهري هو الشركة الحكمية (1)، و عليه يلاحظ على هذا البيان أمران:

الأمر الأول: قد تقدم في مطاوي البحث أنه ليس للشركة الحكمية‌

____________

(1) انظر مستمسك العروة الوثقى: 13/ 10.

239

..........

____________

وجه معتبر.

الأمر الثاني: كيف يمكن أن نفسر الصلح القهري بالشركة الحكمية مع تصريح الماتن (قدّس سرّه) بدوران الأمر بين الصلح القهري و القرعة، إذ في ضوء ما أفاده الحكيم ( (طاب ثراه)) لا يبقى مجال لذكر القرعة بعد ذلك، و لا الترديد أيضا، و انما الصحيح هو ما بيّناه هذا كله ما يرجع إلى ما أفاده سيد المستمسك (قدّس سرّه).

و أمّا ما أفاده الماتن ( (طاب ثراه))، فلرب قائل يقول لا وجه للترديد في مثل هذا الكتاب، حيث انه كتاب قد اعدّ للفتوى.

الظاهر أن هذا التساؤل قد يدور في خلد البعض لأول وهلة، و لكن بعد التمعن لا يبقى لهذا السؤال أرضية على بساط البحث، و يتضح لك ذلك بهذا البيان: و هو أن المفتي إذا صدّر الفتوى في حق المقلّد بأنه يجب عليه أن يصلي صلاة الظهر إمّا قصرا أو تماما، و كان غرضه من هذا الترديد هو حالة المكلف، فإذا كان مسافرا يجب عليه القصر و إن كان حاضرا يجب عليه التمام، فإذا كان الترديد بهذه المثابة فالظاهر لا إشكال فيه و لا ريب يعتريه، و المقام من قبيل هذا النحو؛ إذ ربما يكون الخليط مع الاخر مميزا و كل واحد مشخصا عن الآخر فلا وجه حينئذ للإشاعة،

240

..........

____________

هذا مع كون المالك مجهولا بحيث لا يعلم من هو، و في هذه الحالة تكون المحكّمة هي القرعة، على ما رامه (رحمه اللّه)، و بها يحصل التعيّن لكل واحد منهما.

و اخرى يختلط مقدار من الشعير و لا يمكن إفراز أحد الخليطين عن الآخر، بحيث يكون الأمر متعسرا، أو لا يكون كذلك، بل يمكننا إفرازه، و لكن التكاليف التي تصرف في افرازه اكثر من أصل القيمة، ففي هذه الصورة لا بد من المصالحة بين الطرفين، حتى يرتفع النزاع، هذا كله إذا كان المالك مجهولا.

و ثالثة: قد يجتمع الأمران بحيث تكون كلفة الإفراز من حيث القيمة أكثر، و كون المالك مجهولا، ففي هذه الصورة نحتاج الى أمرين:

الأول: تمييز المالك بالقرعة.

الثاني: الصلح.

و الذي يجول في الذهن أن المصالحة بين المالكين لا تتوقف على معرفة المال، بل افرض أن المال غير معلوم من حيث المالك، فأيّ موجب لتخصيص المالك حتى يقال: نحتاج إلى القرعة. نعم، في بعض الفروض نحتاج إليها، كما إذا فرضنا أن أحد الخليطين اغلى قيمة من‌

241

(و إما واقعية) مستندة إلى عقد غير عقد الشركة، كما إذا ملكا شيئا واحدا بالشراء أو الهبة أو نحوها (1).

____________

الآخر، و كل من الشخصين يتنازع عليه، ففي هذا الفرض لا يمكننا جريان التصالح؛ و ذلك للزوم الضرر على من كان له حقيقة، و بهذا يكون المتعين هو القرعة، على فرض جريانها و الالتزام بها.

و بهذا البيان و الإيضاح يكون ما أفاده الماتن (رحمه اللّه) هو الصحيح، و لا غبار عليه.

[الشركة الواقعية مستندة إلى عقد غير عقد الشركة]

(1) الذي يتصور في حصول الشركة بالشراء، أو الصلح، أو الهبة، أو نحوها، أن يشتري كل منهما كسرا مشاعا.

242

[الشركة بنحو التشريك]

(و إما واقعية) منشأة بتشريك أحدهما الآخر في ماله، كما إذا اشترى شيئا فطلب منه شخص أن يشركه فيه، و يسمى عندهم بالتشريك، و هو صحيح لجملة من الاخبار (1).

____________

(1) منها ما رواه هشام بن سالم و محمد بن مسلم:

1- هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يشارك في السلعة؟

قال: إن ربح فله، و إن وضع فعليه (1).

2- محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال: سألته عن الرجل يشتري الدابة و ليس عنده نقدها، فأتى رجل من أصحابه، فقال:

يا فلان، انقد عني ثمن هذه الدابة و الربح بيني و بينك، فنقد عنه فنفقت الدابة.

قال: ثمنها عليهما؛ لأنه لو كان ربح فيها لكان بينهما (2).

إلى غير ذلك من النصوص الواردة في هذا الباب و غيره، و هذا هو المعروف بين القوم، و لا يحتاج إلى القيل و القال و النقض و الابرام.

____________

(1) الوسائل: 19/ 5/ ب 1 من أبواب الشركة، ح 1.

(2) المصدر نفسه: ح 2.

243

(و إما واقعية) منشأة بتشريك كل منهما الآخر في ماله، و يسمى هذا بالشركة العقدية و معدود من العقود، ثم إن الشركة قد تكون في عين، و قد تكون في منفعة، و قد تكون في حق، و بحسب الكيفية إما بنحو الإشاعة و إما بنحو الكلي في المعين (1).

____________

و لرب متوهم يتوهم أن الشركة في المقام في قبال الشركة العقدية، و لكن هذا التوهم خلاف التقسيم؛ إذ الشركة تتحقق على نحوين:

أ- الشركة بنحو التشريك، التي هي مفاد الرويات.

ب- الشركة العقدية، و التي سوف نتعرض لها عند تعرض الماتن (قدّس سرّه) لذلك.

[الشركة العقدية]

(1) عن (الجواهر) عدم الإشكال في صدق الشركة معه، و لا إشاعة، اللهم إلّا أن يراد منها عدم التعيين.

و أورد عليه السيد الحكيم في مستمسكه، بقوله: و ما ذكره غير ظاهر، فإن معنى الشركة في المملوك هو كون الملك على نحو الجزء المشاع، كما ذكره الأصحاب، و حمل الإشاعة على معنى عدم التعيين خلاف المقطوع به من كلامهم، فحملها على ذلك لا مقتضي له.

و عليه فلا شركة في المقام، و لا وجه لنفي الإشكال في صدقها، إلّا‌

244

..........

____________

أن يراد بها الاشتراك في عنوان من العناوين، و المماثلة فيه كما في البيت الواحد، الذي يملك حجارته شخص و خشبه آخر، و طينه ثالث، فإن هؤلاء اشتركوا في وصف من الأوصاف، و هو تملك شي‌ء من هذا البيت، و الشركة في ملك الصاع من الصبرة من هذا القبيل لاشتراك المالكين في صفة المالكية في الصبرة، و إن اختلف المملوك، و هذا خلاف معنى الشركة في المملوك التي هي محل الكلام (1). انتهى كلامه زيد في علو مقامه.

و أورد عليه سيدنا الأستاذ من دون ذكر اسمه، بل عبر عنه كما في تقريره الشريف بهذه العبارة (و قد أورد عليه في بعض الكلمات (2)) و إليك تقريب الإبراد: و هو أن قياس المقام على مثال الدار قياس مع الفارق. و توضيح ذلك: أن الشركة في الشي‌ء الواحد تتوقف على وحدة الوجود في الخارج بنظر العرف حتى يقال: ان هذا الوجود الواحد لهذا أو لذاك بنحو الاشتراك، و أمّا إذا كان في الخارج موجودان أو ثلاثة أو أربعة ...، بحيث يكون كل واحد لشخص ما فلا موضوع في المقام، و هذا‌

____________

(1) لاحظ مستمسك العروة الوثقى: 14/ 13.

(2) انظر مباني العروة الوثقى: 238.

245

..........

____________

خارج تخصصا. و عليه فلا معنى لأن يقال: بأن هذه الدار إذا كان خشبها لزيد و طابوقها لعمرو فهما مشتركان، بل الخشب مملوك لزيد و الطابوق لعمرو، و لكن عند الكلي في المعين ليس الأمر كذلك؛ إذا لكلي وجوده بوجود أفراده، و من هنا فالموجود الواحد في الخارج بالفعل مضاف إلى مالكين، و لكن بنحوين من الإضافة، فإنه و بلحاظ الأفراد مملوك بتمامه للمالك، و بلحاظ الكلي- الذي هو الثاني- موجود بوجود الأفراد، مضاف و مملوك للمشتري. و الحاصل: أن الوجود الواحد، لما كان مضافا إلى شخصين، تحققت الشركة بينهما فيه و إن اختلفت نحو الإضافة اليهما.

هذا تمام الإيراد الذي أورده سيدنا الأستاذ (قدّس سرّه) على سيد المستمسك.

و الذي يجول في الذهن، أن هذا البحث خلاف القاعدة، و صرف الوقت فيه يدخل في دائرة التطويل بلا طائل، و خلاصة القول: أنه لا يخلو الكلام من أصعدة ثلاثة: إما أن نتكلم حول ما هو المراد من الشركة في المقام، و إمّا أن يقع الكلام بأن الشركة هل تصدق على هذا بالمعنى الواسع الشامل أم لا.

و إمّا أن يقع البحث حول أحكام الشركة التي تترتب على الموضوع؛

246

و قد تكون على وجه يكون كل من الشريكين أو الشركاء مستقلا في التصرف، كما في شركة الفقراء في الزكاة، و السادة في الخمس، و الموقوف عليهم في الأوقاف العامة، و نحوها (1).

____________

فأمّا على الصعيد الأول فما أفاده الحكيم ( (طاب ثراه)) هو الصحيح؛ إذ لا إشكال في أن مقصود الفقهاء و الأصحاب (قدّس سرّه) من الملك المشاع هو ما أفاده (قدّس سرّه)، و بناء عليه فما أفاده صاحب الجواهر لا وجه له، و إيراد الحكيم عليه وارد. و أمّا على الصعيد الثاني فالكلام هو الكلام- اي الحق مع سيد المستمسك- إذ لا اشكال في أن الدار إذا كان مجموعها من الخشب و الطابق و غيره مملوكا لعدة أشخاص، فلا ريب أن العرف يرى بحسب رؤيته أن الدار مشتركة لهؤلاء الأشخاص، و لا دليل على أن هذا الإطلاق يلزم فيه وحدة الوجود في الخارج، لا من طريق القرآن و لا السنة و لا العقل.

و الكلام أيضا كذلك على الصعيد الثالث، فتحصّل مما قلناه: أن الحق في المقام مع السيد الحكيم.

[شركة الفقراء و السادة و الموقوف عليهم]

(1) لعل المصنف نظر الى ما ورد في رواية أبي المعزاء عن ابي عبد‌

247

..........

____________

الله (عليه السلام)، قال: إن الله تبارك و تعالى أشرك بين الأغنياء و الفقراء في الأموال، فليس لهم أن يصرفوا إلى غير شركائهم (1).

و لكن في باب الزكاة اختلاف الحكم باختلاف الموارد، و أمّا الموارد التي تعرض لها الماتن (قدّس سرّه)، من الزكاة، و الخمس، و الوقف، فنتعرض أولا لما يتعلق بالزكاة ثم نعطف البحث إلى الخمس، و نعقّبه بالوقف؛ و عليه نقول: أمّا بالنسبة إلى الزكاة فيختلف الامر على ما نرى في بعض الأقسام دون الاخرى؛ فتارة يكون على نحو الإشاعة، و اخرى على نحو الكلي في المعين، و ثالثة على نحو الشركة في المالية، كما في بعض الروايات (2)، و تحقيق هذا موكول إلى محله، و قد استوفينا البحث في بعض كتاباتنا، هذا كله ما يرجع إلى الزكاة.

و أمّا ما يرجع إلى الخمس فقد ذكرنا في بحث الخمس على متن العروة أن ما يستفاد من الأدلة و الآية الكريمة: وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ

____________

(1) الوسائل: 9/ 215/ ب 2 من ابواب المستحقين للزكاة/ ح 4.

(2) لاحظ ما رواه عبد الرحمن بن الحجاج، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: في خمس قلائص شاة، و ليس فيما دون الخمس شي‌ء، و في عشر شاتان، و في خمس عشرة ثلاث شياه، و في عشرين أربع، و في خمس و عشرين خمس، و في ست و عشرين بنت مخاض إلى خمس و ثلاثين. الوسائل: 9/ 110، ب 2 من ابواب زكاة الأنعام، ح 4.

248

..........

____________

شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ وَ لِلرَّسُولِ .. الآية (1) هو الإشاعة، و بهذا يختلف الخمس عن الزكاة من هذه الجهة.

و أمّا بالنسبة إلى الأوقاف فكل بحسبه؛ فتارة يكون صرف الوقف المجعول من طرف الواقف في أقسام خاصة، و على هذا لا موضوع للشركة فيه،- حيث لا ملك في المقام.

و اخرى يكون الموقوف عليه مالكا للانتفاع، و هذا أيضا كسابقه خارج عن محل الكلام.

و ثالثة يكون على نحو التمليك لطائفة خاصة، سواء كان وقفا عاما أو خاصا لا فرق في ذلك، و هذا أيضا لا مجال لشركة الأفراد فيه؛ و ذلك أن الأفراد كما في الزكاة و الخمس لا يكونون مالكين، بل المالك هو الجامع، و لذا لو مات أحد الأفراد لا ينتقل سهمه إلى وارثه، و لا مجال للقول بالشركة إلا على القول بالأفراد.

و توضيح ذلك: أن الشركة لا تتصور إلّا على نحو الإشاعة أو الكلي في المعين، أو الشركة في المالية، و لا رابع في البين.

و لا تحقق لواحد من هذه الأقسام في المقام. نعم في المشاع يكون‌

____________

(1) الأنفال: 41.

249

[مسألة] (1): لا تصح الشركة العقدية إلا في الأموال (1).

____________

كل من الشريكين مستقلا في التصرف الاعتباري بأن يبيع- مثلا- حصته من العين و يترتب عليه خيار الشفعه، و امّا التصرف الخارجي فلا يجوز إلّا بأذن الشريك.

[فصل في أحكام الشركة]

[مسألة 1: عدم صحة الشركة في المنافع]

(1) قبل الخوض فيما أفاده (قدّس سرّه) لا بد من الإشارة إلى ضابط كلي، ألا و هو الميزان الكلي في باب الوضعيات عند عدم الدليل الخاص، و نتيجة هذا الضابط هي ضيق الدائرة، و هذا بخلاف الأمور التكليفية فإن النتيجة فيها التوسعة. و إليك توضيح ذلك: أن في كل أمر وضعي كالملكية، و الزوجية، و نحوهما، تكون النتيجة التضييق؛ إذ لو شككنا في تحقق الملكية بسبب ما و عدمه يكون مقتضى الأصل عدمها، و الحال كذلك فيما إذا شككنا في الشركة الفلانية هل تصبح أيضا بلا رعاية الشرط الذي يحتمل وقوعه أم لا؟

الأصل عدم الصحة؛ إذ معنى الصحة عبارة عن جعل الشارع الأقدس هذا الأمر مطلقا.

و من الظاهر الواضح أن مقتضى الاستصحاب عدم جعله بنحو الإطلاق، و عدم رفع اليد عن الشرطية.

250

..........

____________

و لا تتوهم بأن هذا الاستصحاب معارض باستصحاب عدم جعل التقييد؛ و ذلك أن المفروض في مثل هذه المعارضة لا توجب نفعا و نتيجة في المدّعى؛ إذ عدم جعل المقيد يكون مقتضيا لجعل الإطلاق، إلا على القول بالمثبت الذي لا نقول به، مضافا إلى وجود المعارضة من هذا الطرف أيضا؛ و ذلك أن عدم لحاظ الإطلاق يوجب وجود التقييد.

ففي ضوء ما وضحناه تكون النتيجة هكذا: أن في كل مورد شككنا في الأمور الوضعية تكون الدائرة مضيقة، و هذا عكس باب التكاليف، فالنتيجة هي التوسعة؛ و ذلك بمقتضى البراءة و الاستصحاب فيكون الأمر عدم التكليف- أي لا يكون المكلف مكلفا بالزائد- فافهم و اغتنم.

إذا عرفت كل ذلك فنرجع إلى ما أفاده الماتن (قدّس سرّه)، مستعرضين قبل ذلك ما أفاده سيدنا الأستاذ (قدّس سرّه) في المقام، و إليك نص كلامه، حيث قال: أمّا بناء على اعتبار الامتزاج في عقد الشركة فالأمر واضح، نظرا لعدم امكانه؛ إذ لا معنى لامتزاج دين كل منهما بدين الآخر، فإن كلا منهما مستقل في الوجود و منحاز عن الآخر.

و أمّا بناء على عدم اعتباره، كما لم يستبعده الماتن (قدّس سرّه)، نظرا لعدم الدليل عليه غير الإجماع المدعى في كلمات البعض على ما سيأتي في‌

251

..........

____________

المسألة الرابعة، فلأن حقيقة الشركة هذه ترجع إلى تمليك كل من المتعاقدين حصة مما له في ذمة مدينه للآخر، بإزاء تمليكه له حصة مما له ذمة مدينه، فهي في الحقيقة معاوضة بلفظ الشركة و هي ممنوعة، لنهي النبي (صلى اللّه عليه و آله) عن ببيع الدين بالدين، فإن المنصرف منه هو النهي عن المعاوضة بالدين مطلقا، و من غير اختصاص بعنوان البيع كما يشهد له ما ورد في جملة من النصوص من النهي عن قسمة الدين، بان يجعل تمام ما في ذمة المدين الأول لأحد الورثة في قبال كون تمام ما في ذمة المدين الثاني للوارث الآخر، فإنها تؤكد منع الشارع المقدس عن تعويض الدين بالدين، و مبادلته، تحت اي عنوان من بالعناوين. انتهى (1).

و يرد عليه: أن هذا العنوان- و هو النهي عن معاوضة الدين بالدين- إنما يختص بالبيع فقط، و أمّا سريانه و الالتزام بعدم الجواز في مطلق المعاوضة فلا يمكن القول به، و لا وجه يد عمه، بل لا بد من الالتزام بمقدار ما دل عليه الدليل، و هو بيع الدين بالدين، و أمّا الزائد على هذا المقدار فلا يمكن الالتزام به. و بناء على هذا إذا قلنا بأن الامتزاج ليس شرطا، و قلنا ان المقتضي للجواز موجود، فعليه نلتزم بالجواز، و لا يكون‌

____________

(1) مباني العروة الوثقى: 242.

252

بل الأعيان، فلا تصح في الديون، فلو كان لكل منهما دين على شخص فأوقعا العقد على كون كل منهما بينهما لم يصح، و كذا لا تصح في المنافع (1).

____________

النهي الوارد عن بيع الدين بالدين مانعا، في المقام؛ إذ البيع خارج عن نطاق البحث.

(1) أمّا على فرض الاشتراط الامتزاجى فعدم الصحة واضح ظاهر، و أمّا إذا قلنا: بأنه لا يشترط الامتزاج في صحة الشركة العقدية فما هو مقتضى القاعدة؟!

الظاهر لا يمكن الالتزام بالصحة،

و ما يمكن أن يستدل به على المدعى وجوه أربعة:

الوجه الأول: الإجماع:

و هذا الدليل متداع من جميع أطرافه، و مخدوش من جميع جوانبه، و الخدشة فيه ليس عدم حجيته فقط، و إنما لا يمكن الاعتماد و التعويل عليه من جهة اخرى؛ و ذلك لكونه دليلا لبيا و لا يتضمن الإطلاق أو العموم، حتى يشمل جميع الموارد، بحيث يقال: ان الإجماع قائم على‌

253

..........

____________

الصحة، و لم يقيد فيه هذا الشرط.

أضف الى ذلك كله أن هذه الجهة مورد الخلاف و النزاع؛ إذ وقع البحث على شرطية الامتزاج و عدمها. فالحاصل: أن الإجماع لا يمكن القول به.

الوجه الثاني: النصوص:

و هي كما يلي:

1- هشام بن سالم، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يشارك في السلعة؟

قال: إن ربح فله، و إن وضع فعليه. (1)

2- محمد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يشتري الدابة و ليس عنده نقدها، فأتي رجل من أصحابه، فقال يا فلان، انقد عني ثمن هذه الدابة و الربح بيني و بينك، فنقد عنه فنفقت الدابة.

قال: ثمنهما عليهما لأنه لو كان ربح فيها لكان بينهما (2).

____________

(1) الوسائل: 19/ 5/ ب 1 من أبواب الشركة/ ح 1.

(2) الوسائل: 19/ 5/ ب 1 من أبواب الشركة/ ح 2.

254

..........

____________

3- داود الأبزاري، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: سألته عن رجل اشترى بيعا و لم يكن عنده نقد، فأتى صاحبا له و قال: انقد عني و الربح بيني و بينك فقال: إن كان ربحا فهو بينهما، و إن كان نقصا فعليهما (1).

4- إسحاق بن عمار، قال: قلت للعبد الصالح: الرجل يدل الرجل على السلعة فيقول: اشترها ولي نصفها، فيشتريها الرجل و ينقد من ماله، قال: له نصف الربح.

قلت: فإن وضع يلحقه من الوضيعة شي‌ء؟

قال: عليه من الوضيعة كما أخذ الربح (2).

5- أبو بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في الرجل يشاركه الرجل في السلعة يدل عليها.

قال: إن ربح فله، و إن وضع فعليه (3).

6- وهيب بن حفص، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يشارك الرجل على السلعة و يولّيه عليها.

____________

(1) الوسائل: 19/ 6/ ب 1 من أبواب الشركة/ ح 3.

(2) الوسائل: 19/ 6/ ب 1 من أبواب الشركة/ ح 4.

(3) الوسائل: 19/ 6/ ب 1 من أبواب الشركة/ ح 5.

255

..........

____________

قال: إن ربح فله، و إن وضع فعليه (1).

7- الحلبي، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، في الرجل يأتي الرجل فيقول له: انقد عني في سلعة فتموت أو يصيبها شي‌ء.

قال: له الربح و عليه الوضيعة (2).

8- رفاعة، قال: سألت أبا الحسن موسى عن رجل شارك رجلا في جارية له، و قال: إن ربحنا فيها فلك نصف الربح، و إن كانت وضيعة فليس عليك شي‌ء.

فقال: لا أرى بهذا بأسا إذا طابت نفس صاحب الجارية (3).

هذه جميع النصوص التي يمكن أن يستدل بها على المدعى، و لا يخفى على المتأمل عند ملاحظتها يرى أن الرواية الاولى ناظرة إلى التشريك و ليس إلى الشركة العقدية، و كذلك الثانية إذ هي أظهر من سابقتها في التشريك، و أمّا باقي الروايات فلا ترتبط بالمقام اصلا، و لا يمكن الاستدلال بها على الشركة العقدية، فكيف يمكن القول بإطلاقها؟!

____________

(1) الوسائل: 19/ 7/ ب 1 من أبواب الشركة/ ح 6.

(2) الوسائل: 19/ 7/ ب 1 من أبواب الشركة/ ح 7.

(3) الوسائل: 19/ 7/ ب 1 من أبواب الشركة/ ح 8.

256

..........

الوجه الثالث: قوله تعالى: لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ إِلّٰا أَنْ تَكُونَ تِجٰارَةً عَنْ تَرٰاضٍ ...

(1)

____________

و تقريب الاستدلال بالآية الشريفة على المدعى: أن المراد من التجارة هو مطلق الاكتساب، و النهي الوارد فيها قد سلّط على الأكل بالباطل. و على هذا فإنّ مقتضى اطلاقها عدم القيد، فعلى هذا نلتزم بالشركة العقدية، فتصبح النتيجة: عدم الفرق بين العين، و الدين، و المنفعة.

هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب الاستدلال بالآية الكريمة.

و يلاحظ على هذا التقريب أمران:

أ- أن الجزم بصدق عنوان التجارة في غير البيع في غاية الإشكال، و قد ذكرنا في بعض أبحاثنا أننا لا يمكننا الجزم بما تفوه به أهل اللغة من كون التجارة مرادفة للبيع، بل من المحتمل اختصاص اللفظ بخصوص البيع، و من الظاهر توقف الإطلاق على انطباق عنوان الموضوع، و مع عدم الانطباق أو الشك فيه لا مجال للأخذ بالإطلاق كما هو ظاهر عند الخبير بالصناعة، بل مقتضى الأصل- كما بنينا عليه- عدم الانطباق، فإن‌

____________

(1) النساء: 29.

257

..........

____________

مقتضى الاستصحاب عدم كونه موضوعا للأعم.

ب- لا دليل على أن المراد من التجارة مطلق الاكتساب، فعليه لا مجال للالتزام بالجواز.

فتحصّل: أن هذا الوجه كسابقه أيضا في البطلان.

الوجه الرابع: قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ

(1) بتقريب أن الشارع الأقدس حكم بصحة العقود على نحو العموم الاستغراقي، و في ضوء هذا الاستدلال نحكم بالصحة في كل مورد تحقق العقد في الخارج؛ و ذلك بمقتضى «أَوْفُوا بِالْعُقُودِ»، و بناء عليه لا حاجة لنا بالإجماع و النصوص؛ إذ الآية مقدمة على جميع هذه الوجوه.

و فيه: قد تقدم منا في أكثر من موضع في مطاوي بعض الأبحاث بأن الآية غير ناظرة إلى الصحة و إنما ناظرة إلى اللزوم.

و توضيح ذلك: أن المستفاد من الآية الشريفة هو ارشاد إلى عدم تأثير فسخ العقد من قبل المكلف، و إنما فسخه كالعدم و لا أثر له، و يبقى العقد صحيحا و لا إشكال فيه، لا أن الآية ناظرة إلى الحكم التكليفي‌

____________

(1) المائدة: 1.

258

..........

____________

بحيث إذا فسخ المكلف يكون بهذا قد ارتكب محرما- و العياذ بالله-، و هذا بطبيعة الحال لا يلتزم به فقيه على الإطلاق، هذا من ناحية.

و من ناحية اخرى أن اللزوم يترتب على الصحة؛ إذ الصحة عارضة على العقد، و ليس العقد في حدّ نفسه صحيح، بل لا بد من فرضه في الخارج موضوعا ثم يحمل عليه المحمول، و بناء عليه نقول: إن العقد في عالم اللحاظ لا يخلو من جهات أربع، و هي: إما مهمل، أو فاسد، أو صحيح، أو أعم من ذلك، و لا خامس في البين؛ فأمّا الإهمال فهو غير معقول، مضافا الى هذا أنه لا أثر له، و قد ثبت في المنطق أن المهمل في قوة الجزئية.

و أمّا خصوص الفاسد فهو أوضح من أن يخفى، و كذلك الأعم إذ يلحق به في الفساد أيضا؛ و ذلك لا مجال للقول بالأعم مع الالتزام باللزوم، فيبقى الأمر منحصرا بكون العقد الموضوع للحكم هو الصحيح.

فتحصّل: من خلال ما أوضحناه أنه يلزم علينا في الدرجة الأولى أن نحرز الصحيح ثم نحكم بلزومه، و أمّا إذا وصلت النوبة إلى الشك فمقتضى القاعدة الأولية الفساد.