مباحث فقهية - الوصية، الشركة، صلة الرحم

- السيد تقي الطباطبائي القمي المزيد...
389 /
259

..........

____________

إن قلت: يمكننا إثبات المدعى بوجه آخر، ألا و هو الدليل الالتزامي- أي دليل الاقتضاء- و بيان ذلك: أن الشارع الأقدس إذا أشار الى عقد من العقود و قال هذا لازم، ففي هذه الحالة نستكشف من ذلك الصحة؛ إذ كيف يحكم باللزوم و مع ذلك لا يكون صحيحا، و في المقام كذلك.

قلت: إنما يتم هذا التقريب في القضية الخارجية، حيث ان المولى يشير الى فرد خارجي و يحكم بلزومه، و في هذا المورد مما لا شبة في أن المولى يراه صحيحا؛ إذ كيف يمكن أن يكون العقد فاسدا و في نفس الوقت صحيحا.

و أمّا في القضايا الحقيقية فلا مجال لهذا التقريب؛ إذ القضية الحقيقية شرطية، و الشرطية تتوقف على صدق المقدم، و هذا بخلاف القضية الخارجية؛ إذ ثبوت شي‌ء لشي‌ء فرع ثبوت المثبت له، فلاحظ.

260

بأن يكون لكل منهما دار- مثلا- و أوقعا العقد على أن يكون منفعة كل منهما بينهما بالنصف- مثلا- و لو أرادا ذلك صالح أحدهما الآخر نصف منفعة داره بنصف منفعة دار الآخر، أو صالح نصف منفعة داره (بدينار)- مثلا- و صالحه الآخر نصف منفعة داره بذلك (الدينار).

و كذا لا تصح شركة الأعمال (1)، و تسمى شركة الأبدان أيضا، و هي أن يوقعا العقد على أن يكون أجرة عمل كل منهما مشتركا بينهما، سواء اتفق عملهما كالخياطة- مثلا- أو كان عمل أحدهما الخياطة و الآخر النساجة، و سواء كان ذلك في عمل معين أو في كل ما يعمل كل منهما.

[عدم صحة الشركة الأعمال]

____________

(1) أفاد (قدّس سرّه) بعدم صحة شركة الأعمال المسماة بالأبدان، و قبل بيان الحق في المقام، لا بد لنا من وقفة قصيرة مع ما أفاده سيدنا الأستاذ «طاب ثراه»، حيث قال:- كما في تقريره الشريف- بالتفصيل، فإن كان المراد من شركة الأبدان عقد الشركة في الاجرتين اللتين تحصل لهما من عملهما- كما هو غير بعيد من ظاهر كلماتهم- فلا ينبغي الإشكال في بطلانها؛ و ذلك لما تقدم غير مرة من عدم الدليل على صحة تمليك المعدوم، فإنه ليس للإنسان ان يملّك غيره ما لا يملكه بالفعل.

261

..........

____________

و إن كان المراد بها الشركة في نفس المنفعة بأن يملّك كل منهما نصف خياطته- مثلا- في ذلك اليوم لصاحبه في قبال تمليك صاحب نصف خياطته في ذلك اليوم له، فلا نعلم وجها لبطلانها؛ فإنها من شركة المنافع، و قد عرفت صحتها بناء على عدم اعتبار الامتزاج (1). انتهى كلامه زيد في علو مقامه.

و يلاحظ عليه أمران:

الأمر الأول: أمّا قوله كيف لا يعقل تمليك ما لا يملكه الآن و يملكه بعد فلا يمكن الإذعان به على الاطلاق، بل لا بد من التفصيل، فنقول: تارة يحكم العقل بأن الكل أعظم من الجزء، ففي هذه الحالة لا مجال للتخصيص؛ و ذلك لكونه حكما عقليا، و أمّا في الأحكام الشرعية فلا مانع من التخصيص، و في المقام كذلك، و بناء عليه فلا نرى مانعا من أن يملكه فيما بعد في مقام الثبوت؛ و ذلك على صعيد التعليق، بأن تكون الصيغة هكذا: على فرض أن يكون ذلك الشي‌ء ملكا لي أملّكك إياه بنحو الواجب المشروط. فعلى هذا يكون الأمر في دائرة الثبوت ممكنا، غاية ما في المقام أنه قد قام إجماع بعدم جواز التعليق في المقام، و لا غرو في‌

____________

(1) مباني العروة الوثقى: 244.

262

..........

____________

ذلك؛ إذ الإجماع دليل لبّي و لا يعوّل عليه، هذا من ناحية.

و من ناحية اخرى لا نرى مانعا من تمليك المعدوم بعد وجوده أيضا، و يتضح ذلك من خلال هذا المثال: العنقاء في زماننا المعاصر لا وجود لها، بل هي من الحيوانات المنقرضة، و بهذا نستطيع أن نقول هكذا: إذا وجدت العنقاء فهي ملك لزيد؛ إذ الاعتبار خفيف المؤونه، و لا إشكال في ذلك، و إنما الإشكال في المقام هو التعليق لا غير.

الأمر الثاني: أنه قد تقدم منّا عدم الدليل على صحة الشركة بنحو الإطلاق حتى يؤخذ به في كل مورد، بل لا بد من الاقتصار فيه على المورد الذي علم من الشرع مصداقيته للشركة الصحيحة.

و صفوة القول: أن ما أفاده الماتن (قدّس سرّه) هو الصحيح.

263

و لو أرادا الاشتراك في ذلك صالح أحدهما الآخر نصف منفعته المعينة، أو منافعه إلى مدة كذا، بنصف منفعة أو منافع الآخر، أو صالحه نصف منفعته بعوض معين، و صالحه الآخر أيضا نصف منفعته بذلك العوض. و لا تصح شركة الوجوه (1).

و هي أن يشترك اثنان وجيهان لا مال لهما بعقد الشركة على أن يبتاع كل منهما في ذمته إلى أجل، و يكون ما يبتاعه بينهما، فيبيعانه و يؤديان الثمن، و يكون ما حصل من الربح بينهما، و إذا أرادا ذلك على الوجه الصحيح و وكّل كل منهما الآخر في الشراء فاشترى لهما في ذمتهما.

[عدم صحة الشركة الوجوه]

____________

(1) يقع البحث في ثلاث جهات:

الجهة الأولى: في ضوء القاعدة الأولية مع قطع النظر عن أدلة الشركة العقدية.

الجهة الثانية: في ضوء ما يستفاد من أدلة الشركة العقدية مع فرض الإطلاق فيها.

الجهة الثالثة: بحسب ما يستفاد من أدلة الشركة العقدية مع فرض عدم الإطلاق في أدلتها.

264

..........

[الجهة الأولى: في ضوء القاعدة الأولية مع قطع النظر عن أدلة الشركة العقدية.]

____________

فأمّا بالنسبة إلى الجهة الأولى فينبغي التفصيل؛ فتارة نشترط في باب البيع- على ما هو المشهور بين القوم- بأن يخرج الثمن من كيس المشتري إلى كيس البائع، و يدخل المثمن في كيس المشتري. و اخرى نقول بعدم الاشتراط، لا في البيع و لا في المعاوضة.

و قد أنكرنا ذلك في بحث البيع على متن المكاسب للشيخ الأعظم (قدّس سرّه)، و مثّلنا بهذا المثال و هو: إذا قال أحد للخباز أعط لهذا المسكين الواقف رغيفا. و قام الخباز بإعطاء ذلك الرغيف للمسكين، ففي هذه الحالة خرج الثمن من كيس الرجل الآمر بالإعطاء و دخل الخبز في كيس المسكين، و هذا أمر لا ضير فيه، بل متعارف عليه بين سائر المجتمعات، و ليس من المتعارف أن يتملك الرجل الخبز ثم يهبه بعد ذلك إلى المسكين، و في المقام عقد واحد لا عقدان.

فعلى هذا البيان لا يشترط في البيع التبادل بين المالين حتى يدخل كل منهما مكان الآخر، و بناء على هذا تصبح النتيجة: أن ما أفاده المصنف «طاب ثراه» هو الصحيح و لا مانع من الحكم بالصحة.

و أمّا إذا قلنا إنه خلاف قانون المعاوضة، بل قد أشرب ذلك في ماهية المعاوضة، فلا يمكننا القول بالصحة بدليل البيع؛ إذ المفروض أن‌

265

..........

____________

القضية بشرط المحمول ضرورية، و على هذا لا يقال له بيع، و ذلك لتقوّم البيع بخروج أحد الأمرين من البائع إلى المشتري، و العكس كذلك.

«بقي شي‌ء»

و هو لا يمكن لأي شخص من الأشخاص أن يشتري شيئا لغيره من دون رضاه؛ و ذلك يعد تصرفا في استقلال الغير، و هذا غير جائز. و أمّا إذا حصل منه الرضا، و كان ذلك بإجازته، فلا مانع من ذلك.

و كذلك الحكم في مسألة الشركة؛ إذ هما يشتركان و يجعلان هذا الشي‌ء موجودا على هذا التقدير.

هذا كله بحسب ما يستفاد من الأدلة الأولية، بغض النظر عن أدلة الشركة العقدية و ما تقتضيه.

[الجهة الثانية: في ضوء ما يستفاد من أدلة الشركة العقدية مع فرض الإطلاق فيها.]

و أمّا بالنسبة إلى الجهة الثانية، فإذا فرضنا أن أدلة الشركة العقدية متضمنة للإطلاق و شاملة للمقام، فمن الواضح الظاهر أن نحكم بالصحة، و لا إشكال في البين، و لا حاجة إلى إطالة البحث الذي لا طائل تحته.

[الجهة الثالثة: بحسب ما يستفاد من أدلة الشركة العقدية مع فرض عدم الإطلاق في أدلتها.]

و أمّا ما يرجع إلى الجهة الثالثة، حيث لا إطلاق في أدلة الشركة‌

266

و شركة المفاوضة أيضا باطلة (1)، و هي أن يشترك اثنان أو أزيد على أن يكون كل ما يحصل لأحدهما من ربح تجارة، أو زراعة، أو كسب آخر، أو إرث، أو وصية، أو نحو ذلك، مشتركا بينهما.

و كذا كل غرامة ترد على أحدهما تكون عليهما.

فانحصرت الشركة العقدية الصحيحة بالشركة في الأعيان المملوكة فعلا، و تسمى شركة العنان.

____________

العقدية و لا دليل في المقام سوى الإجماع المدعى، أو التمسك بأدلة العقود، ففي هذه الصورة تصبح النتيجة: عدم الجواز، سواء قطعنا النظر عن مسألة البيع أم لم نقطع، لا فرق في ذلك، بل الحكم عدم الصحة، و ذلك لاشتراط المعاوضة بذلك النحو و حيث لا دليل في المقام، فيبقى الحكم بالفساد متوجه.

[بطلان شركة المفاوضة]

(1) حكم الكثير بالبطلان، معتمدين على الإجماع، كما في (الجواهر) بكلا قسميه، و كذلك (السرائر)، و (جامع المقاصد)، و غيره من كتب الأصحاب.

و أفاد سيدنا الأستاذ بأن الوجه فيه أوضح من سابقه، فإنه تمليك ما‌

267

..........

____________

قد يملكه في المستقبل، و هو باطل جزما (1)

أقول: تارة لا يوجد دليل في باب الشركة شاملا لهذا القسم، و اخرى قد وجد الدليل الشامل لهذا النحو من الشركة؛ فعلى الأول لا نحتاج إلى هذه التفاصيل، و مجرد عدم الدليل يكفي للحكم بالبطلان؛ و ذلك لما ذكرناه في مطاوي الأبحاث السابقه من أن الميزان الكلي في دائرة الشك في الامور الوضعية هو الضيق.

و أمّا على الثاني- من كون الدليل شاملا لمثل هذه الشركة- ففي ضوئه لا يبقى لما أفاده سيدنا الأستاذ (قدّس سرّه) وجه قابل للذكر؛ و ذلك ايّ دليل دلّ على أنه لا يمكن تمليك ما يملكه في المستقبل، هل دلّ عليه دليل عقلي أو شرعي؟!!

الظاهر أنه لا دليل عليه، بل مجرد دعوى لا غير.

و على أية حال، يدور الأمر بين الإطلاق الشامل لمثل هذا النحو و عدمه؛ فعلى الأول لا بد من الالتزام بالصحة، و على الثاني بعدم الصحة، لا من جهة ما أفاده سيدنا الأستاذ، بل من عدم المقتضي.

و في نهاية المطاف حيث لا دليل عليه و لا إطلاق يشمله، فتكون‌

____________

(1) مباني العروة الوثقى: 246.

268

[مسألة] (2): لو أستأجر اثنين لعمل واحد بأجرة معلومة صح (1).

____________

النتيجة عدم الصحة لمثل هذه الشركة، أضف إلى ذلك كله أن هذه الشركة غير منطوية تحت معاملة من المعاملات- كالبيع مثلا- حتى يمكننا أن نتحدث عبر جهة اخرى، فتحصّل: أن ما أفاده الماتن تام و لا خدشة فيه؛ و ذلك بحسب ما بيناه.

[مسألة 2: استئجار اثنين لعمل واحد]

(1) تقريب ما أفاده يتضح بهذا البيان، و هو أن المقتضي للصحة موجود و المانع مفقود، فأمّا المقتضي للصحة فهو دليل الإجارة، و أمّا عدم المانع فلأن ما يمكن أن يكون مانعا في المقام هو عبارة عن الغرر، و هو منتف هنا، إذ إن الاجرة معلومة كما عبّر في المتن بذلك، و العلم بالخصوصيات غير لازم كما في بعض الكلمات- كالبيع-، و كما أن بيع عين واحدة من شخصين بثمن معين لا إشكال فيه فكذلك المقام يقاس عليه.

و على هذا الأساس ينبغي أن يقع الكلام على المقاس، ثم نعود إلى المقام مرة اخرى لنرى بأن القياس المزبور في موضعه أم لا؟

فنقول: إن بيع عين واحدة من شخصين يمكن تصويره بنحوين:

269

..........

____________

النحو الأول: أن يقوم البائع ببيع العين من شخصين ببيع واحد، و تكون الوحدة في دائرة الإثبات لا الإنشاء.

و بعبارة أجلى لا يوجد عند الحقيقة بيع واحد، بل بيعان، كأن يبيع داره من شخصين؛ النصف الأول لزيد و النصف الآخر لعمرو، و لكن في مقام الإثبات و الإنشاء ينشئ الأمرين بواحد و لا مانع من ذلك في كل عقد.

و لكن هل يمكن أن يقال بأن العلم بثمن هذين العينين كاف في المقام أو لا؟

الظاهر عدم الكفاية؛ إذ المفروض أنه يبيع العين ببيعين، فكل واحد من هذين البيعين و العقدين يشترط فيه الشرائط اللازمة، فعلى ذلك إذا توفرت الشرائط اللازمه بالنسبة إلى كليهما يكون كل منهما صحيحا، و أمّا إذا توفرت في واحد دون الآخر، فعليه يكون أحدهما صحيحا و الآخر فاسدا، و بناء عليه نلتزم بالصحة في هذا و نقيس عليه ذلك، و حكم الأمثال فيما يجوز و لا يجوز واحد.

و في ضوء هذا البيان تكون الإجارة صحيحة، و لكن ليست إجارة واحدة بل اثنتين، احداهما لهذا الشخص و الأخرى للشخص الثاني.

270

..........

____________

و الظاهر أن الماتن لم ينظر إلى هذه الجهة، بل صرح كما في المتن بكون الاجرة لا بد أن تكون معلومة.

و أمّا العلم بالأجرة من حيث المجموع فغير كاف في المقام.

النحو الثاني: يمكن تصويره في باب البيع، بأن يبيع البائع عينا معينة من شخصين في بيع واحد بما هما شخصان، هذا كله في دائرة الثبوت و التصور، و من هنا ينبثق السؤال؛ و هو هل يمكن الالتزام بصحة مثل هذا البيع أو لا؟

الجواب: بالطبع كلا؛ و ذلك لوجهين:

1- لا دليل على صحة مثل هذا البيع الذي يكون فيه المشتري عنوان المجموع لا كل واحد من الأشخاص، لا من ناحية العرف و سوق العقلاء، و لا من ناحية الأدلة الشرعية المعتبرة.

2- لعروض اللوازم الفاسدة في حالة الالتزام بصحة مثل هذا؛ إذ يلزم من ذلك أنه لو مات أحد الشخصين لا ينتقل شي‌ء إلى وارثه أصلا؛ إذ المفروض أنه لم يكن مالكا، بل هو جزء المالك، و انما المالك عند‌

271

..........

____________

الحقيقة كل من زيد و عمرو من حيث المجموع لهذه العين. و بناء عليه فهذا بنفسه لا يملك شيئا، و كذلك الشخص الآخر بنفسه لا يملك شيئا أيضا.

و يلزم من هذا القول أيضا أن نلتزم في ضوء «البيعان بالخيار ما لم يفترقا» ان يكون الخيار للمجموع بما هو مجموع لا كل واحد منهما.

و عليه إذا أسقط أحدهما الخيار لا يترتب عليه اي أثر في البين؛ إذ ليس هذا موضوعا للحكم، و إنما طرف المعاملة هو المجموع، و بهذا البيان تصبح النتيجة: أن الصحة منحصرة في الصورة الأولى- و هي فيما إذا باع العين من زيد و عمرو و عند الحقيقة بيعان لا بيع واحد-، و بهذا لا يمكن تمامية الأمر في هذا القسم فما بالك بالمقيس.

و قياس باب الإجارة على باب البيع كما في كلام سيد المستمسك «طاب ثراه» ليستدعي وقفة قصيرة معه، لطرح بعض التساؤلات على هذه المقالة، و هي كالتالي:

ما هو مرادك منه؟ و ما هو غرضك؟ و اي قسم قد نظرت إليه؟!

فإن كان نظرك للمجموع فلا يصح ذلك، لا في المقيس و لا في المقاس عليه؛ و إن كان نظرك إلى ذلك القسم فليس البيع بيعا واحدا، و لا‌

272

..........

____________

إجارة واحدة، و إنما على بساط الواقع و الحقيقة بيعان و إجارتان، فيلزم من ذلك أن تكون الشرائط موجودة في كل واحد، فلو قلنا بأن الجهل مضر و يلزم منه الغرر، فعليه تكون الإجارة باطلة؛ و ذلك تارة نقول: بأن الغرر ملزم للفساد، و كل جهل يلزم منه الغرر، إذا: يلزم الحكم ببطلان الإجارة، كما في كلام الماتن (قدّس سرّه).

و اخرى لا نقول بذلك، كما أننا لانتفوه به؛ إذ لا دليل على كون الغرر مفسدا للعقد سوى رواية نبوية و إجماع متداع من جميع أطرافه؛ و ذلك أن الرواية ساقطة عن الاعتبار لضعف سندها، و الإجماع الحال فيه ظاهر؛ حيث المتكي على مدرك لا يخلو من وجهين:

أ- إما أن يكون المتكى عليه معتبرا، ففي هذه الحالة لا حاجة الى المشي وراء الإجماع، بل الكفاية في المتكى عليه بوحده.

ب- و إمّا إذا لم يكن معتبرا في نفسه فلا مجال إذا للاستناد إليه و الاتكاء عليه.

هذا كله من جهة، و من جهة اخرى أن كل جهل لا يستلزم الغرر؛ و ذلك أن الغرر قد فسر بالخطر، و الجهل لا يستلزم ذلك، و بهذا يصبح الدليل أخص من المدعى.

273

و كانت الأجرة مقسمة عليهما بنسبة عملهما (1).

____________

و في نهاية المطاف أن حصاد ما قلناه يصبح الحقّ بهذا التقريب: و هو إذا كان هناك إجارتان و في كل إجارة لا نعلم مقدار الأجرة و لكن كان من حيث المجموع معلوما، فبناء عليه نحكم بالصحة؛ إذ المفروض أن كل واحد له إجارة خاصة، و من ناحية اخرى ليس الغرر موجبا للفساد، مضافا إلى أن كل جهل لا يكون موجبا للغرر.

[الفرق بين الجعالة و الإجارة]

(1) ما أفاده (قدّس سرّه) لا يمكننا القول بتماميته؛ و ذلك أن الإجارة عبارة عن تمليك المؤجر المستأجر المنفعة الكذائية، و هو أعم من أن تكون المنفعة من عوارض العين الخارجية أو عملا لشخص ما، لا فرق في ذلك، فعلى هذا الصعيد لا بد أن نلاحظ الفرق بين الجعالة و الإجارة؛ ففي الجعالة إذا لم يتحقق العمل من العامل فلا يستحق الجعل، و إليك مثالا يتضح من خلاله المراد: و هو إذا قال زيد من ردّ عليّ عبدي فله عشرة دراهم. ففي هذه الحالة إذا تحقق العمل- و هو رد العبد في المثال- يعطى من رده عشرة دراهم، و أمّا إذا لم يتحقق منه العمل فلا موجب إذا للاستحقاق، فإن الجعل لا يستحقه إلّا بعد تحقق العمل منه. هذا كله ما يرجع إلى الجعالة.

274

و لا يضر الجهل بمقدار حصة كل منهما حين العقد، لكفاية معلومية المجموع، و لا يكون من شركة الأعمال التي تكون باطلة، بل من شركة الأموال، فهو كما لو استأجر كلا منهما لعمل و أعطاهما شيئا واحدا بإزاء أجرتهما.

____________

و أمّا على صعيد الإجارة، فالعمل مترتب على عقدها، لا أن الأجرة مترتبة على العمل. مثال ذلك: إذا استأجر شخص شخصا آخر لخياطة ثوب أو كنس بيت، ففي هذه الحالة عند ما تتحقق الإجارة يستحق أحدهما العمل و الأخر الأجرة، و هو أعم من أن يتحقق العمل في الخارج أم لا، غاية ما في الباب إذا لم يعمل على طبق الإجارة بأن لم يقم بالعمل أو قام به و لكن لم يتمّه، ففي هذه الصورة لا يمكنه الاستدعاء إلى أخذ الأجرة، و بمقتض الشرط الارتكازي العقلائي ما دام لم يوجد العمل في الخارج لم يستحق الأخذ؛ لأنه غير مستحق لأخذها، و كم فرق بين الأمرين؛ إذ تارة يكون الاستحقاق مترتبا على العمل و اخرى مترتبا على الأخذ، و لكن بمجرد تحقق الإجارة يتحقق الاستحقاق، ففي ضوء هذا الإيضاح نقول: إذا عمل و تم العمل في الخارج استحق بذلك الأخذ، و أمّا إذا لم يقم بالعمل حتى فات الوقت المحدد له فحينئذ‌

275

و لو اشتبه (1) مقدار عمل كل منهما، فإن احتمل التساوي حمل عليه؛ لأصالة عدم زيادة أحدهما على الآخر، و إن علم زيادة أحدهما على الآخر، فيحتمل القرعة في المقدار الزائد، و يحتمل الصلح القهري.

____________

يتحقق للمستأجر الخيار بين إمضاء العقد و إبقائه و أخذ أجرة المثل بالنسبة إلى العمل، و بين أن يفسخ الإجارة.

[اشتباه مقدار العمل]

(1) ففي هذا الفرض تارة نسلك مسلك المشهور من كون العلم الإجمالي منجّزا بالجملة، و اخرى يكون مقتض القاعدة التفصيل في الجملة، فحينئذ يكون بالنسبة إلى أحدهما الاحتياط و الآخر الأصل.

و مع غض النظر عما سلكناه يجب عليه على صعيد العلم الإجمالي بأن يدفع إلى كل منهما المقدار الزائد؛ إذ ما دام لم يدفع الزائد لا يمكنه حصول العلم، لا بالطريق الوجداني، و لا بالتعبدي بفراغ الذمة.

فأمّا الوجداني فواضح، و أمّا العلم التعبدي فلا يمكن جريان الأصل؛ حيث أن الأصل على مسلك المشهور يعارض هذا الطرف مع الطرف الآخر، و عند حصول المعارضة يكون الامر بطبيعة الحال عدم جريان الأصل، و العلم يوجب التنجّز على الإطلاق.

276

[مسألة] (3): لو اقتلعا شجرة، أو اغترفا ماء بآنية واحدة، أو نصبا معا شبكة للصيد، أو أحييا أرضا معا؛ فإن ملك كل منهما نصف منفعته بنصف منفعة الآخر اشتركا فيه بالتساوي، و إلّا فلكل منهما بنسبة عمله، و لو بحسب القوة و الضعف.

و لو اشتبه الحال فكالمسألة السابقة (1).

____________

و أمّا على مسلكنا المنصور فيلزم جريان الاحتياط في طرف، و الأصل في الطرف الآخر، و على جميع التقادير لا وجه لجريان الصلح القهري و لا القرعة اللتين ذكرهما (قدّس سرّه)، مضافا إلى عدم تمامية قاعدة القرعة بالجملة كما تقدم بيانه.

[مسألة 3: حكم الاشتراك في حيازة شي‌ء]

(1) أمّا على الاحتمال فيحمل على التساوي؛ و ذلك لأصالة العدم الجارية في كلا الطرفين، و أمّا مع العلم بالزيادة فأمّا القرعة، أو الصلح القهري.

و يلاحظ عليه: أن الأصل لا مجال لجريانه في الزيادة و التساوي، و لا فرق في ذلك بين كلتا الصورتين.

و أمّا بالنسبة إلى القرعة، فإنما يتوجه كلامه (قدّس سرّه) فيما إذا قلنا بشمولية دليل القرعة على نحو الإطلاق لجميع موارد الشك و الشبهة،

277

و ربما يحتمل التساوي مطلقا (1) لصدق اتحاد فعلهما في السببية و اندراجهما في قوله: «من حاز ملك». و هو كما ترى.

____________

ففي ضوئه يصح الالتزام بجريانها.

و لكن نحن لا نلتزم بذلك، بل نرى ضيق دائرة دليل القرعة ضمن إطار خاص في بعض الموارد دون غيرها، و بناء عليه ينحصر الأمر بالصلح الاختياري في الدرجة الأولى، و القهري في الدرجة الثانية.

هذا كله فيما إذا حصل العصيان منهما و لم يتصالحا.

(1) الاحتمال المذكور قد ذكره صاحب الجواهر «طاب ثراه»، و قد علق سيدنا الأستاذ على ما ذكره بالتفصيل، قائلا: ان ما أفاده صحيح في الجملة لا مطلقا، ثم فصّل بين ما إذا كان الأمر بسيطا و بين كونه مركبا، فأمّا بالنسبة إلى البسيط فما أفاده صاحب الجواهر في محله و لا مانع من الالتزام به، و أمّا في المركب- كالكتابة، و الخياطة، و البناء- فلا محيص عن الالتزام بملكية كل منهما بنسبة عمله و لا وجه للتنصيف بعد فرض اختلاف مقدار عمل أحدهما عن الآخر (1).

هذا ملخص ما أفاده سيدنا الأستاذ (قدّس سرّه).

أقول: المسألة مطرح الخلاف بين الاعلام و كثر النقض فيها‌

____________

(1) انظر مباني العروة الوثقى: 252.

278

..........

____________

و الإبرام، و قد أجاد سيدنا الأستاذ في المقام، و ما أفاده متين جدا و لا خدشة فيه؛ إذ على كون الامر بسيطا فلا مدخلية حينئذ للقوة و الضعف، و بهذا تكون النتيجة التساوي، و أمّا إذا كان مركبا فمن كان عمله أزيد تكون أجرته أكثر.

و توضيح ذلك: تارة يشتركان في خياطة ثوب واحد، ففي هذه الصورة من كانت خياطته أكثر تصبح أجرته أزيد من شريكه؛ و ذلك بالارتكاز العرفي، إذ ميزان الأجرة بكثرة العمل، كما إذا خاط أحدهما ساعة و الأخر نصف ساعة، فمن الواضح البديهي تكون أجرة الأول أكثر من الثاني، و لا فرق بين الاستقلال و الامتزاج.

و اخرى يكون السبب واحدا كالاقتلاع أو الاغتراف، كاغتراف الماء بآنية واحدة، ففي هذه الحالة يغترفان الماء بدلو واحد، و كذلك‌

الحال في اقتلاع الشجرة، و هذا أمر بسيط لا أثر للأكثرية فيه و عدمها، بل النتيجة واحدة، و هي القلع، أو الاغتراف، و كلاهما أمر بسيط غير قابل للتجزئة، و الأمر البسيط إذا كان سببا فلا معنى لأن يقال بزيادة أجرة أحدهما على الآخر. و في نهاية المطاف فما أفاده سيدنا الأستاذ من التفصيل في محله و موقعه.

279

[مسألة 4: اشتراط الامتزاج في الشركة العقدية]

[مسألة] (4): يشترط- على ما هو ظاهر كلماتهم في الشركة العقدية، مضافا إلى الإيجاب و القبول، و البلوغ، و العقل، و الاختيار، و عدم الحجر لفلس أو سفه- امتزاج المالين سابقا على العقد أو لاحقا، بحيث لا يتميز أحدهما من الآخر، من النقود كانا أو من العروض، بل اشترط جماعة اتحادهما في الجنس و الوصف.

و الأظهر عدم اعتباره، بل يكفي الامتزاج على وجه لا يتميز أحدهما من الآخر، كما لو امتزج دقيق الحنطة بدقيق الشعير و نحوه، أو امتزج نوع من الحنطة بنوع آخر، بل لا يبعد كفاية امتزاج الحنطة بالشعير؛ و ذلك للعمومات العامة، كقوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1)، و قوله (عليه السلام): «المؤمنون عند شروطهم» (2) و غيرهما، بل لو لا ظهور الإجماع على اعتبار الامتزاج أمكن منعه مطلقا، عملا بالعمومات.

و دعوى عدم كفايتها لإثبات ذلك كما ترى، لكن الأحوط مع ذلك أن يبيع كل منهما حصة مما هو له بحصة مما للآخر، أو يهبها كل منهما للآخر، أو نحو ذلك، في غير صورة الامتزاج الذي هو المتيقن.

هذا و يكفي في الايجاب و القبول كل ما دل على الشركة من قول،

____________

(1) المائدة: 1.

(2) الوسائل: 21/ 276/ ب 20 من أبواب المهور ح 4.

280

أو فعل (1).

____________

(1) قد تعرض (قدّس سرّه) في هذه المسألة إلى أمور ينبغي التعرض لها على بساط البحث بنحو الشمولية و التفصيل، و هي كما يلي:

الأمر الأول: يلزم في الشركة العقدية الإيجاب و القبول؛

لأنه قد فرض كون عقد الشركة من العقود، و قوام العقد بالإيجاب و القبول، فمن الواضح أن يكون الايجاب و القبول مشترطين.

الأمر الثاني: البلوغ:

و هذا كسابقه في الوضوح؛ إذ غير البالغ لا يجري عليه القلم، و لا فرق في ذلك بين قلم التكليف و الوضع، و كذلك لا أثر لفعله؛ و ذلك من خلال قوله (عليه السلام) «عمده و خطأه واحد»، و من الظاهر أنه لا يترتب على الخطأ أثر، فتصبح النتيجة لا يترتب على فعله أثر.

الأمر الثالث: العقل:

و هذا أيضا في كمال الوضوح و لا يحتاج إلى البحث، و ذلك لا يخفى على من كان له أدنى تأمل، بأن كل شخص إذا أراد أن يتصدى لعقد من‌

281

..........

____________

العقود، أو إيقاع من الايقاعات، لا بد أن يكون عاقلا، و إلّا يكون عقده أو إيقاعه لغوا و لا أثر له، بل وجوده و عدمه واحد، هذا ما تعرفه العقلاء و يقره العرف.

إذا: اشتراط العقل يعد من الواضحات الأولية عند الأصحاب، أضف إلى ذلك كله أن مثل هذه الموارد أصبحت ضمن دائرة إمضاء الشارع الأقدس، و قد أشرنا في طي الأبحاث المتقدمة إلى أن في غير الأمور العبادية، و في غير الموارد التي علمنا من خلال الشرع الأقدس دخالته في خصوصية من الخصوصيات، أنه لا إشكال في أن الشارع ممض على ما يفعله العقلاء؛ إذ ليس للشارع طريق خاص في قبال الطريقة العقلائيه، بل هو سيد العقلاء.

الأمر الرابع: الاختيار.

و هذا أيضا ممّا لا إشكال فيه، و ذلك بمقتضى قوله (صلى اللّه عليه و آله): «رفع عن أمّتي تسع خصال: إلى أن يقول: و ما استكرهوا عليه» (1)، و على ضوء ما‌

____________

(1) لاحظ الوسائل: 15/ 369/ ب 56 من أبواب جهاد النفس و ما يناسبه/ ح 1- 2 و ج 23/ 237 ب 16 من أبواب الأيمان ح 3- 5.

282

..........

____________

قاله النبي (صلى اللّه عليه و آله) تصبح النتيجة عدم ترتب الأثر على الفعل الصادر من المكره، و من هنا كان بناء الأصحاب على أن العقد الإكراهي لا أثر له.

الأمر الخامس: الحجر.

و لا فرق في السبب الموجب له، سواء كان الفلس أو غيره، و الوجه فيه: عند ما يكون محجورا عن التصرف لا يكون مختارا في تصرفه، فعلى هذا لا يصح له أن يعقد لأي أحد.

الأمر السادس: السفه.

بحيث لا يكون العاقد سفيها، و ما يمكن أن يذكر في مقام الاستدلال على المدّعى وجوه، و هي كما يلي:

1- الإجماع:

و الإشكال فيه ظاهر؛ إذ على فرض حصوله يحتمل بأن يكون استناد المجمعين إلى أحد الوجوه الآتية في مطاوي البحث، و عند ذلك لا يكون الإجماع المزبور إجماعا تعبديا كاشفا عن راي المعصوم (عليه السلام)، فعلى هذا لا يمكن التعويل عليه.

2- الآية الكريمة:

283

..........

____________

وَ ابْتَلُوا الْيَتٰامىٰ حَتّٰى إِذٰا بَلَغُوا النِّكٰاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوٰالَهُمْ ... الآية (1) و تقريب الاستدلال بهذه الآية الشريفة أن البلوغ بحد ذاته غير كاف في مقام التصرف، بل يلزم في ذلك إضافة إلى البلوغ أن يكون المتصرف رشيدا، و أمّا إذا كان بالغا سفيها فلا يترتب على فعله الأثر المطلوب؛ و ذلك بمقتضى قوله تعالى فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً.

و هذا الاستدلال لا يتمشى مع القاعدة و الصناعة؛ حيث ان المستفاد من الآية الكريمة عدم جواز دفع المال إلى السفيه فيما إذا كان بعد بلوغه سفيها، و بتعبير آخر أن غاية ما يستفاد منها ممنوعية دفع مال السفيه إليه، و الجمود على ظاهر الآية الشريفة يقتضي أن نقول: أنه لا يدفع إليه ماله في هذه الحالة، و لا يستفاد منها عدم جواز تصرفاته الجامعة للشرائط، و يترتب على ما ذكرناه أنه إذا تصرف السفيه تصرفا عقلائيا، كما إذا باع متاعا له بأغلى ثمن، فأيّ دلالة في الآية الكريمة على أن هذا التصرف يعدّ باطلا.

3- النصوص:

____________

(1) النساء: 6.

284

..........

____________

و هي كما يلي:

أ- هشام، عن ابي عبد الله (عليه السلام)، قال: انقطاع يتم اليتيم بالاحتلام، و هو اشدّه، و إن احتلم و لم يؤنس منه رشده و كان سفيها أو ضعيفا فليمسك عنه وليه ماله (1).

و الكلام هو الكلام، و الإشكال عين الإشكال المتقدم في الآية الشريفة من حيث الدلالة.

ب- الأصبغ بن نباته، عن أمير المؤمنين (عليه السلام)، أنه قضى أن يحجر على الغلام المفسد حتى يعقل (2)

و هذه الرواية لا اشكال و لا خدشة فيها من حيث الدلالة على المدعى؛ إذ السفيه مفسد بلا إشكال، و هذا لا كلام فيه و إنما الكلام في السند فإنه ضعيف لضعف اسناد الشيخ الى الأصبغ و كذلك اسناد الصدوق إليه.

ج- أبو الحسين الخادم بياع اللؤلؤ، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال:

سأله أبي- و أنا حاضر- عن اليتيم متى يجوز أمره؟

____________

(1) الوسائل: 17/ 360/ ب 14 من ابواب عقد البيع و شروطه، ح 2 و ج 18/ 409/ ب 1 من ابواب الحجر، ح 1.

(2) الوسائل: 18/ 410/ ب 1 من أبواب الحجر، ح 4.

285

..........

____________

قال: حَتّٰى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ*.

قال: و ما أشدّه؟

قال: احتلامه.

قال: قلت: قد يكون الغلام ابن ثمان عشرة سنة، أو أقل، أو أكثر و لم يحتلم‌

قال: إذا بلغ و كتب عليه الشي‌ء جاز أمره، إلّا أن يكون سفيها أو ضعيفا (1).

فتارة نتحدث حول دلالتها، و اخرى حول سندها، فأمّا من حيث الدلالة فهي تامة على المدّعى؛ إذ المستفاد منها هو كون السفه مانعا عن جواز الأمر، و أمّا من حيث السند فلا يمكننا القول بتماميته؛ إذ الموثق عند النجاشي ليس ابو الحسين الخادم، و المذكور في الرواية هو ابي الحسين بياع اللؤلؤ و هو لم يوثق.

د- عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سأله أبي و أنا حاضر عن قول الله عز و جل: حَتّٰى إِذٰا بَلَغَ أَشُدَّهُ (2)، قال:

____________

(1) الوسائل: 18/ 412/ ب 2 من أبواب الحجر، ح 5.

(2) الأحقاف: 15.

286

..........

____________

الاحتلام.

قال: فقال: يحتلم في ست عشرة و سبع عشرة سنة و نحوها.

فقال: لا، إذا أتت عليه ثلاث عشرة سنة كتبت له الحسنات و كتبت عليه السيئات، و جاز أمره إلّا أن يكون سفيها أو ضعيفا.

فقال: و ما السفيه؟

فقال: الذي يشتري الدرهم بأضعافه‌

قال: و ما الضعيف؟

قال: الأبله (1).

و هذا الحديث ضعيف باسناد الشيخ إلى ابن فضال، و عليه فلا تصل النوبة إلى الدلالة.

ه‍- عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: إذا بلغ أشدّه ثلاث عشرة سنة و دخل في الأربع عشرة وجب عليه ما وجب على المحتلمين احتلم أو لم يحتلم و كتب عليه السيئات، و كتبت له الحسنات، و جاز له كل شي، إلّا أن يكون ضعيفا أو سفيها (2).

____________

(1) الوسائل: 19/ 363/ ب 44 من أبواب الوصايا، ح 8.

(2) الوسائل: 19/ 364/ ب 44 من أبواب الوصايا، ح 11.

287

..........

____________

و هذا الحديث أيضا كسابقه في الضعف من حيث السند؛ و ذلك لوجود الوشاء في طريقه.

ز- العيص بن القاسم، عن أبي عبد الله (عليه السلام)، قال: سألته عن اليتيمة متى يدفع إليها مالها؟

قال: إذا علمت أنّها لا تفسد و لا تضيع، فسألته إن كانت قد زوّجت، فقال: إذا زوّجت فقد انقطع ملك الوصي عنها (1).

و الإشكال هو الإشكال المتقدم في الاستدلال بالآية الشريفة.

فتحصّل في نهاية المشوار: عدم تمامية جميع الوجوه المستدل بها على المدّعى، و لكن الاحتياط لا ينبغي تركه؛ لشهرته بين الأصحاب، و أمّا الصناعة فتقتضي ما قلناه.

الأمر السابع: هل يشترط الامتزاج أو لا؟

يقع البحث في جهتين:

الأولى: في دائرة الثبوت.

الثانية: في دائرة الإثبات.

____________

(1) الوسائل: 18/ 410/ ب 1 من أبواب الحجر، ح 3.

288

..........

[الجهة الأولى: في دائرة الثبوت.]

____________

فأمّا بالنسبة إلى الجهة الأولى فيمكننا أن نصور الامتزاج المزبور على ثلاثة أوجه:

1- أن يكون سابقا على عقد الشركة.

2- أن يكون مقارنا على عقد الشركة.

3- أن يكون لاحقا.

فأمّا إذا فرضنا سابقية الامتزاج و تحققه في الخارج على عقد الشركة ففي هذه الحالة الظاهر لا يمكن القول بالشرطية؛ إذ المفروض أن الامتزاج بنفسه يوجب الشركة، و عليه قد حصل، و بما أن تحصيل الحاصل محال فكيف يمكن أن يقال: بأن عقد الشركة يؤثر في الاشتراك!! و ذلك أن نفس الامتزاج صار سببا في تحقق الشركة.

و أمّا بالنسبة إلى الفرض الثاني- و هو المقارنه- فالكلام هو الكلام؛ و ذلك إذا فرضنا أن الامتزاج بنفسه يوجب الشركة فيصبح الأمر من ضم عقد الشركة إليه كضم الحجر إلى جنب الإنسان.

و أمّا بالنسبة إلى الفرض الثالث فالإشكال أيضا باق على حاله، و هو كما ترى؛ إذ المفروض أن الامتزاج بنفسه يوجب الاشتراك فلا أثر للعقد، إلّا أن يقال: إن العقد يؤثر بشرط الامتزاج الحاصل على نحو‌

289

..........

____________

الشرط المتأخر، و بالامتزاج ينكشف كون العقد مؤثرا في الشركة من زمان تحقق العقد، لكن هذا المدّعى لا دليل عليه، و هو بعيد عن أذهان أهل العرف؛ إذ يرى العرف و العقلاء أن الشركة تحصل بالامتزاج بنحو الشرط المقارن لا المتأخر، هذا تمام الكلام في الجهة الأولى.

[الجهة الثانية: في دائرة الإثبات.]

و أمّا الجهة الثانية فقد أفاد الماتن «رحمه الله» بأن العمومات تكفي لإثبات الصحة و لو مع عدم الامتزاج، غاية الأمر أن الإجماع على الاشتراط يمنعنا عن الأخذ بالعمومات و يلزم علينا القول بالاشتراط، و بيّن العمومات و فسّرها بقوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ (1)

و بالحديث المشهور «المؤمنون عند شروطهم» (2).

و يلاحظ عليه أمران:

الأمر الأول: أنه لا عموم و لا خصوص في المقام من خلال قوله سبحانه: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ؛ إذ دليل وجوب الوفاء بالعقود- قد تقدم منا على نحو التفصيل- هو دليل اللزوم، و لا يمكن أن يكون دليلا للصحة،

____________

(1) المائدة: 1.

(2) الوسائل: 21/ 276/ ب 20 من أبواب المهور ح 4.

290

..........

____________

و أمّا دليل وجوب الوفاء بالشرط فقد ذكرنا في محله أنه لا يكون مشرّعا، و إلّا لزم من ذلك جواز كل منكر بالشرط، و هو كما ترى، فلا بد إذا من فرض الجواز في الرتبة السابقة لكي يشمله دليل الشرط و يوجب لازم ذلك الجواز.

و إن شئت فقل: الإشكال الذي ذكرناه بالنسبة الى الآية الشريفة بعينه جار و سار في الحديث المذكور؛ و ذلك أن الآية كالرواية في كونها دليلا على اللزوم لا الصحة، هذا مضافا الى عدم تعقل إمكان صدق الشرط بنفسه على العقد؛ إذ الاشتراط ارتباط أحد الأمرين بالآخر، كارتباط وجوب الصلاة بالزوال و الفجر، و كارتباط لزوم العقد بتفرق المتعاقدين عن مجلس البيع، و أمّا تحقق عنوان الاشتراط بنفس العقد فلا مجال له، هذا كله بالنسبة الى الأدلة العامة.

و أمّا الدليل الخاص فالظاهر لا دليل على صحة عقد الشرط، و لذا لم يتعرض له الماتن «طاب ثراه» فلا مقتضي حينئذ للصحة، و على هذا الأساس لا بد من الالتزام بالاشتراط؛ إذ مقتضى الأصل العملي في باب الوضعيات التضييق لا التوسعة.

الأمر الثاني: أنه لو أغمضنا النظر عمّا ذكرناه، و قلنا بكفاية‌

291

..........

____________

العمومات لإثبات الصحة، فلا يكون الإجماع المزبور عندئذ مانعا عن الالتزام بعدم الاشتراط؛ و ذلك أن الإجماع المنقول لا يكون حجة، و كذلك المحصّل منه، و لا إجماع يكشف عن رأي المعصوم (عليه السلام) في البين؛ إذ هو على فرض تحققه يكون محتمل المدرك فحينئذ لا يكون تعبديا.

292

[مسألة 5: حكم اشتراط الزيادة لأحد الشركين]

[مسألة] (5): يتساوى الشريكان في الربح و الخسران مع تساوي المالين، و مع زيادة فنسبة الزيادة ربحا أو خسرانا سواء كان العمل من أحدهما أو منهما، مع التساوي فيه أو الاختلاف أو من متبرع أو من اجير هذا مع الإطلاق (1)، و لو شرطا في العقد (2) زيادة لأحدهما فإن كان للعامل منهما أو لمن عمله أزيد فلا إشكال و لا خلاف عندهم في صحته، أما لو شرطا لغير العامل منهما أو لغير من عمله أزيد ففي صحة الشرط و العقد و بطلانهما و في صحة العقد و بطلان الشرط فيكون كصورة الإطلاق أقوال، أقواها الأول، و كذا لو شرطا كون الخسارة على أحدهما أزيد و ذلك لعموم «المؤمنون عند شروطهم» (1).

____________

(1) هذا على طبق القاعدة الأولية؛ فإن الربح و الخسران تابعان للمال، و من هنا يكون ما أفاده «رحمه الله» موافقا للعرف و السيرة العقلائية.

(2) فصّل (قدّس سرّه) فيما إذا شرطا الزيادة لأحدهما بين صورة كون الزيادة للعامل، أو لمن يكون عمله أزيد، و بين كون الاشتراط لغير‌

____________

(1) الوسائل: 21/ 276/ ب 20 من أبواب المهور ح 4.

293

و دعوى: أنه مخالف لمقتضى العقد، كما ترى.

نعم هو مخالف لمقتضى إطلاقه، و القول بأن جعل الزيادة لأحدهما من غير أن يكون له عمل يكون في مقابلتها ليس تجارة بل هو أكل الباطل، كما ترى باطل.

و دعوى: أن العمل بالشرط غير لازم لأنه في عقد جائز، مدفوعة.

أولا: بأنه مشترك الورود إذ لازمه عدم وجوب الوفاء به في صورة العمل أو زيادة.

و ثانيا: بأن غاية الأمر جواز فسخ العقد فيسقط وجوب الوفاء بالشرط، و المفروض في صورة عدم الفسخ، فما لم يفسخ يجب الوفاء به، و ليس معنى الفسخ حل العقد من الأول، بل من حينه، فيجب الوفاء بمقتضاه مع الشرط إلى ذلك الحين، هذا و لو شرط تمام الربح لأحدهما بطل العقد، لأنه خلاف مقتضاه.

نعم لو شرطا كون تمام الخسارة على أحدهما، فالظاهر صحته لعدم كونه منافيا.

____________

العامل، أو لمن لا يكون عمله أزيد، ففي الصورة الأولى جزم بالصحة و ادعى على ذلك الإجماع، و في الصورة الثانية نقل اختلافا في المسألة،

294

..........

____________

و قوّى الصحة، فعلى هذا يقع البحث في كلتا الصورتين:

فأقول: أمّا في الصورة الأولى. فما يمكن أن يذكر في تقريب الصحة وجوه، و هي كالآتي:

الوجه الأول: حديث «المؤمنون عند شروطهم» (1)

و هذا الاستدلال لا يمكننا الاعتماد عليه؛ و ذلك أن دليل نفوذ الشرط لا يكون مشرّعا، بل ناظر إلى لزوم ما يكون جائزا و صحيحا في حد نفسه، فعلى هذا لا مجال للاستدلال بدليل الشرط على الصحة.

الوجه الثاني: أن الاشتراط المذكور شرط للمضاربة في ضمن عقد الشركة، و من الظاهر الواضح أن المضاربة من العقود الصحيحة، فلا مانع من اشتراطها في ضمن عقد الشركة.

و لا يمكننا مساعدة هذا الاستدلال أيضا؛ و ذلك لعدم خلوه من الإشكال، لا من باب أن المتعاقدين لا يقصدان القراض، فإن قصد العنوان بما هو غير دخيل في صحة العقد، و بعبارة اخرى يكفي قصد ما هو في الواقع.

بل الإشكال من ناحية اخرى، و هي أن المضاربة عبارة عن المعاقدة‌

____________

(1) نفس المصدر.

295

..........

____________

بين الموجب و القابل، بأن يكون المال لأحدهما و العمل للآخر، بشرط كسر من الربح للعامل و الخسارة بتمامها على المالك، و كيف يمكن قصد هذا المعنى في ضمن عقد الشركة، و الحال أن المال مشترك بين الشريكين!! و كذلك كيف يمكن أن يكون المال مشتركا بين الشريكين و مع ذلك تختص المعاملة بحصة أحدهما!! أ ليس هذا جمعا بين المتنافيين؟!!

الوجه الثالث: عدم الخلاف، بل المسألة مورد الإجماع.

و فيه: أن الإجماع المدعى في المقام امّا منقول أو محصّل، و على كلا التقديرين فقد ثبت في محله عدم اعتباره، مضافا إلى أنه محتمل المدرك، فلا مجال إذا للاستدلال به على المدّعى، بتقريب أن إجماع المرؤوسين يكشف عن موافقة الرئيس، و لو تم هذا البيان إنما يتم فيما لا يكون احتمال استناد المجمعين إلى المدرك الفلاني، فتحصّل: عدم تمامية هذا الوجه أيضا.

إلّا أن يكون الجواز بمثابة من الوضوح، بحيث لا يكون قابلا للإنكار و الترديد، فلاحظ.

296

..........

____________

هذا تمام الكلام في الصورة الأولى.

و أمّا بالنسبة إلى الصورة الثانية فقد وقع البحث بأن مقتضى القاعدة صحة العقد و الشرط، أو بطلانهما معا، أو صحة العقد و بطلان الشرط.

و الماتن (رحمه اللّه) اختار القول الأول، و على ضوئه حكم بالصحة في العقد و الشرط، و استند في دعواه إلى دليل نفوذ الشرط «المؤمنون عند شروطهم» (1).

و الحق فساد الشرط المذكور؛ و لكن لا لكون الشرط المشار إليه مخالفا لمقتضى العقد؛ إذ عقد الشركة لا يقتضي شيئا إلا الاشتراك، و لا تعرض فيه لكون الربح لمن و الخسارة على من. و بعبارة أجلى إن عقد الشركة يقتضي الاشتراك، و لا ينفي الزيادة في طرف و النقيصة في الطرف الآخر، و لا لأنه من الأكل بالباطل، بتقريب أنه أكل للمال بلا غرض، فإن الجار في الآية الشريفة لا يكون للمقابلة بل للسببية، و لا لأن الشرط في ضمن العقد الجائز جائز و غير لازم، و إن كان هذا الكلام مشهورا و لكن لا أساس له؛ و ذلك أن الشرط ملزم و لو كان في ضمن العقد الفاسد، فكيف بوقوعه تلو العقد الجائز، بل يكون لازما حتى لو وقع ضمن وعد من‌

____________

(1) الوسائل: 21/ 276/ ب 20 من أبواب المهور ح 4.

297

..........

____________

الوعود، و عهدة إثبات هذا المعنى عليّ.

فأقول: المستفاد من دليل الشرط أنه لو صدق عنوان الاشتراط، و كان متعلق الشرط أمرا جائزا في الشريعة المقدسة، لكان لازمه الوفاء، و مقتضى إطلاق دليل نفوذ الشرط عدم الفرق بين أفراده و مصاديقه؛ إذ الإطلاق معناه رفض القيود، و لازمه سريان الحكم إلى جميع الأفراد، فعلى هذا لا تنافي بين جواز العقد و لزوم الشرط، و أيضا لا تنافي بين فساد العقد و لزوم الشرط، بل لا يتوقف لزومه على كونه خلال العقد، بل قوام الشرط بصدق الارتباط، فلو قال زيد لصديقه: «إن شوفي ولدي من المرض الفلاني أعطيتك دينارا» ففي هذه الحالة يجب عليه الإعطاء لنفوذ الشرط، إلّا أن تقوم ضرورة على خلافه، و أنّى لنا بذلك.

و انما الإشكال في الشرط المذكور من ناحية أخرى؛ إذ هو لا يخلو إمّا ان يكون شرطا للفعل أو شرطا للنتيجة، فأمّا على الأول فلا إشكال فيه، و لكن هذا ليس محل الكلام.

و أمّا على الثاني فيكون الشرط خلاف المقرر الشرعي؛ إذا لا وجه لصيرورة مال شخص لغيره بلا وجه، و بتعبير آخر أن مقتضى القاعدة التساوي في الربح، و الزيادة تحتاج إلى سبب شرعي، و المفروض‌

298

..........

____________

عدمه، فالشرط شرط مخالف مع المقرر الشرعي.

فالنتيجة: أن الشرط المذكور فاسد و لكن لا يوجب فساد العقد؛ إذ لا وجه لكونه مفسدا للعقد بعد تمامية أركانه كما هو المفروض.

و قد استدل سيّدنا الأستاذ (قدّس سرّه) على عدم كون الشرط الفاسد مفسدا للعقد مضافا إلى القاعدة الأولية بحديث رفاعة قال: سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام) عن رجل شارك رجلا في جارية له، و قال: إن ربحنا فيها فلك نصف الربح، و إن كانت وضيعة فليس عليك شي‌ء؟

فقال: لا أرى بهذا بأسا إذا طابت نفس صاحب الجارية (1).

بتقريب أن عدم البأس في كلام الإمام (عليه السلام) قد علّق على طيب نفس مالك الجارية، و لا يمكن أن يكون طيب النفس شرطا لأصل صحة العقد- أي عقد الشركة-؛ إذ المفروض أن طيب نفسه قد حقق كما هو ظاهر، فالتعليق لغو، فيكون التعليق راجعا و مرتبطا بالشرط، و حيث ان الشرط إذا كان صحيحا لم يكن وجه للتعليق، بل مقتضى صحة الشرط عدم الفرق بين الطيب و عدمه، فينكشف أن الشرط فاسد، و الحال أن العقد صحيح، غاية الأمر أن مالك الجارية إذا طابت نفسه يتحمّل الخسارة،

____________

(1) الوسائل: 19/ 7/ ب 1 من أبواب الشركة ح 8.

299

..........

____________

و لا يحسب على الشريك شيئا منها (1).

و يرد عليه: أن ما أفاده (قدّس سرّه) خلاف الظاهر؛ إذ الظاهر من الحديث أن التشريك المذكور على النحو المفروض في السؤال صحيح و لا بأس به، و لا مانع من التعليق، و كذلك لا يكون لغوا؛ إذ الحكم الصادر عن الإمام (صلوات الله و سلامه عليه) على نحو القضية الحقيقية، و الحكم حكم كلّي، و حيث ان عدم البأس مقيد بخصوص صورة طيب النفس علّق (عليه السلام) الجواز بهذه الصورة.

و بمقتضى مفهوم الشرط يستفاد من الحديث أنه لا يصح مع عدم الطيب، و هذا التعبير سار و جار في جميع المحاورات العرفية،- مثلا- يسأل السائل المجتهد بأن زوجة زيد تعلم برضا زوجها في حالة خروجها من البيت، و المجتهد يجيب (إذا كان الأمر كذلك فلا بأس بخروجها)، فتصبح النتيجة حينئذ: أن الشرط المزبور و إن كان فاسدا في حدّ نفسه و لكن لا مانع من الالتزام بصحته بالخصوص؛ و ذلك للحديث المذكور في المقام.

فإذا عرفت ما أوضحناه‌

ففي المقام جهات ينبغي التعرض لها

____________

(1) انظر مباني العروة الوثقى: 260- 261.

300

..........

____________

و هي كما يلي:

الجهة الأولى: إن الماتن «رحمه الله» أفاد بأنه لا تنافي بين وجوب الوفاء و كون العقد جائزا،

فما دام لم يفسخ من له الخيار يجب عليه أن يفي بالعقد.

و الحق أنه لا يمكن تصور اجتماع الأمرين، اي لا يتصور كون العقد جائزا و مع ذلك يكون الوفاء واجبا؛ و ذلك لما تقدم منّا في طيّ الابحاث المتقدمة من أن وجوب الوفاء إرشاد إلى اللزوم، فعلى هذا فإنّ العقد إمّا يجب الوفاء به فلا يكون فيه الخيار، و إمّا يجوز فسخه فلا يجب الوفاء به.

نعم هذا إنما يتم على مسلك من يرى وجوب الوفاء بالعقد وجوبا تكليفيا فلاحظ.

الجهة الثانية: إن الماتن «رحمه الله» فرّق بين جعل بعض الربح لأحدهما و بين جعل تمام الربح له، و اختار الجواز في الأول، و منع عنه في الثاني؛

بدعوى أن جعل تمام الربح لأحدهما مناف مع مقتضى العقد.

و يلاحظ عليه أمران:

الأول: أنه لا اقتضاء لعقد الشركة بالنسبة إلى النفع و الخسارة.

301

..........

____________

الثاني: أنه لا وجه للتفريق بين الصورتين؛ فإن عقد الشركة إن كان متعرضا للربح و الخسران فعلى كلا التقديرين يكون الاشتراط المذكور منافيا لمقتضاه، و إن لم يكن متعرضا- كما قلناه- فلا تنافي بين الاشتراط، و مقتضى العقد كذلك، فلا وجه إذا للتفصيل و التفريق.

الجهة الثالثة: في أن الماتن (قدّس سرّه) أفاد بأنه لو جعلت الخسارة بتمامها على أحدهما صح؛

لعدم كونه منافيا مع العقد.

و الحق أن الاشتراط المذكور صحيح لا لما ذكره (قدّس سرّه)، بل للنص الخاص الوارد في المقام، و هو حديث رفاعة المتقدم ذكره فلاحظ.

الجهة الرابعة: أنه ربما يفصل في جعل الربح لأحدهما بين أن ينتقل الربح أولا إلى المالك ثم إلى الغير، و بين الانتقال مباشرة إلى الغير،

بأن يقال: يصح في الصورة الأولى و لا يصح في الصورة الثانية.

بتقريب أن الانتقال في الصورة الثانية مخالف للشرع الأقدس، فعليه يكون الاشتراط فاسدا، و أمّا في الصورة الأولى فلا إشكال؛ إذ الانتقال من المالك، و مالك المال يتصرف في مملوكه كيف يشاء.

302

..........

____________

و أورد سيّدنا الأستاذ «طاب ثراه» على التفصيل المذكور بأن التمليك متوقف على وجود متعلقه في الخارج، و إلّا فلا يمكن تعلّق التمليك بالمعدوم.

و بعبارة أوضح يمكن تمليك الموجود، و أمّا المعدوم فلا مجال لتمليكه.

هذا ملخص ما أفاده (قدّس سرّه) (1).

و فيه: أنه ما المانع من تمليك المعدوم معلقا على وجوده؟!! و إن شئت قلت: مع التعليق لا يكون مملّكا للمعدوم، بل تمليك للموجود، غاية الأمر على نحو التعليق و الاشتراط.

إن قلت: إن التعليق مبطل.

قلت: إن بطلان التعليق ليس بحكم العقل كي يقال: إن الحكم العقلي غير قابل للتخصيص، بل بطلانه بالإجماع، و الإجماع غير شامل لصورة التعليق على ما يتوقف عليه صحة العقد، و لذا لو قال أحد: إن كانت‌

هذه العين مملوكة لي بعتك إيّاها، يصح هذا البيع بلا إشكال و لا ريب؛ لأن صحة البيع تتوقف على الملكية، فلاحظ و اغتنم، فحينئذ لا‌

____________

(1) لاحظ مباني العروة الوثقى: 262- 263.

303

[مسألة] (6): إذا اشترطا في ضمن العقد كون العمل من أحدهما، أو منهما مع استقلال كل منهما، أو مع انضمامهما فهو المتّبع، و لا يجوز التعدي، و إن أطلقا لم يجز لواحد منهما التصرف، إلا بأذن الآخر.

و مع الإذن بعد العقد أو الاشتراط فيه، فإن كان مقيدا بنوع خاص من التجارة لم يجز التعدي عنه، و كذا مع تعيين كيفية خاصة، و إن كان مطلقا فاللازم الاقتصار على المتعارف (1) من حيث النوع و الكيفية.

____________

إشكال من هذه الناحية.

بل الإشكال- كما ذكر- ناشئ من ناحية أن الشرط لا يكون مشرّعا، بل يلزم فرض مشروعيته في الرتبة السابقة، و حيث لا دليل عليها فلا يجوز الاشتراط المذكور.

[مسألة 6: حكم التصرف في المال المشترك]

(1) ما أفاده (قدّس سرّه) على طبق القاعدة الأولية، و صفوة القول: أن التصرف في مال الغير غير جائز، و لا فرق بين أن يكون التصرف تصرفا خارجيا، أو اعتباريا.

و على ضوء هذا، فيما لو فرضنا أن كل واحد من الشريكين، أو أحدهما، قد عيّن إلى شريكه أن يتصرف ضمن دائرة محددة، و في إطار‌

304

..........

____________

خاص، فعليه لا يجوز التعدي إلى غير هذا لنطاق المحدد، إلا بإذن من الآخر.

و أمّا إذا فرضنا انفتاح الدائرة و إطلاق عنان التصرف، فيا هل ترى كيف يكون التصرف؟

بطبيعة الحال يلزم أن يكون التصرف على ما هو المتعارف، و لا يتعدى عن ذلك.

و الوجه فيه: أن جواز التصرف موقوف على الإذن كما تقدم، فإذا قلنا: أن المطلق ينصرف بحسب المتعارف إلى نوع خاص، أو حصة محددة، فبالطبع لا يجوز التصرف في غير هذه الدائرة أو الحصة المعينة.

و بعبارة أجلى، أن جواز التصرف يتوقف على إحراز الإطلاق، هذا كله في هذه الصورة، و أمّا إذا وصلت النوبة إلى الشك فما هو مقتضى الأصل؟

الجواب:

ان مقتضى الأصل الأولي و القاعدة الأولية عدم الجواز؛ و ذلك أن الجواز يحتاج إلى إحراز المجوّز، ففي حالة إحراز المجوّز من قبل العامل أو المتصرف في المال- بأي نحو من الأنحاء- يجوز له التصرف.

305

و يكون حال المأذون حال العامل في المضاربة، فلا يجوز البيع بالنسيئة، بل و لا الشراء بها، و لا يجوز السفر بالمال، و إن تعدى عمّا عيّن له، أو عن المتعارف ضمن الخسارة و التلف (1)، و لكن يبقى الأذن بعد التعدي أيضا، إذ لا ينافي الضمان بقاءه.

____________

و أمّا مع عدم الإحراز- كأن يشك فيما هو المتعارف عند الإطلاق، هل المتعارف التصرف في ضمن هذه الدائرة أو أوسع منها و هكذا ...

ففي هذه الحالة لا يجوز له التصرف، و هذا طبيعي جدا؛ إذ الشك في الإطلاق كاف في عدم التصرف.

و لعلك تسأل ما هو غرضك من هذا البيان؟

غرضي من هذا البيان أنه لا يلزم لعدم جواز التصرف إحراز الانصراف، بل اللازم في جواز التصرف إحراز الإطلاق، ففي عدم إحراز الإطلاق تكون النتيجة: هي عدم الجواز، و هذا واضح ظاهر و لا يحتاج إلى إطالة الكلام؛ إذ التصرف في مال الغير على صعيد الوضع، أو التكليف، يتوقف على إذن المالك، و عند عدم إحراز الإذن فلا يحق له التصرف.

(1) حكم (قدّس سرّه) بالضمان في صورة التعدي على نحو الإطلاق،

306

..........

____________

و ينبغي لنا أن نفصّل في المقام و ذلك ضمن صورتين:

الصورة الأولى: أنه يتحقق تلف المال في الخارج و يكون ناتجا عن التعدي، و لا فرق في ذلك بين أن يكون تلفا حقيقيا أو حكميا.

ففي هذه الصورة لا إشكال في كون المتعدي ضامنا؛ و ذلك لقاعدة «من أتلف مال الغير فهو له ضامن» و على ضوئها يكون الشخص المتعدي ضامنا؛ إذ بالتعدي يتحقق الإتلاف، و هذا من مصاديق القاعدة المزبورة، و انطباقها عليه من دون شك و لا ريب.

هذا كله في صورة تحقق التلف.

الصورة الثانية: أنه لم يتحقق التلف في الخارج، و إنما المتحقق من التعدي هي الخسارة لا غير، و لتوضيح المطلب نذكر هذ المثال: إذا قام بكر بتجارة ما، كأن يتاجر بالسيارات، و كان المال الذي تاجر به ملكا لزيد، فهو في الحقيقة لا يتاجر بماله و إنما يتاجر بمال غيره، و في هذه التجارة حصلت له الخسارة، ففي هذه الحالة يكون الأمر بيد المالك؛ إذ غاية ما يمكن أن يقال: في ضوء هذه الصورة، ان هذه التجارة هي من مصاديق الفضولي؛ و ذلك أن المفروض لا إذن في المقام، فالتصرف الذي لا يندرج تحت إذن المالك لا إشكال في دخوله ضمن دائرة‌

307

و الأحوط مع اطلاق الإذن ملاحظة المصلحة، و إن كان لا يبعد كفاية عدم المفسدة (1).

____________

الفضولي، و يصبح في النهاية من مصاديقها، و على هذا يكون قابلا للإجازة، فإن أجاز المالك فلا كلام، و أمّا في حالة عدم صدور الإجازة‌

من المالك فعليه أن يستردّ العين منه، و لا يمكن أن يقال: بأن مجرد التعدي على مال الغير و الخروج عن دائرة الإذن يوجب الضمان، بل الضمان يتوقف على تحقق التلف في الخارج، سواء كان حقيقيا أو حكميا.

و من خلال هذا البيان ينبثق سؤال، و هو: لو فرضنا أنه تعدى و صار ضامنا، فهل يسقط الإذن السابق بالنسبة إلى غير المتعدي أم لا؟

الجواب:

كما أفاده الماتن «طاب ثراه»؛ إذ أنه لا وجه للسقوط، حيث لا ملازمة بين التعدي و تمامية الإذن.

(1) في عبارة الجواهر (لا يخلو من قوة)، و في المتن الأحوط، و الظاهر لا الأقوى، و لا الأحوط، بل الأظهر؛ إذ إن دائرة التصرف مخصوصة بمورد إذن المالك، هذا من ناحية، و من ناحية أخرى؛ إذا قام‌

308

[مسألة] (7): العامل أمين، فلا يضمن التلف ما لم يفرّط أو يتعدى (1).

____________

المالك أو الموكّل في معاملة ما فتقع المعاملة في نطاق الدائرة العقلائية، و أمّا إذا لم تكن كذلك فلا تكون الوكالة شاملة له؛ و ذلك أن المالك إذا أقدم على معاملة بالنسبة إلى ماله فلا بد أن يراعي ذلك، فكيف إذا بما إذا وكّل غيره، فمن طريق أولى لا بد أن يكون مراعيا إلى جعل المعاملة على الوجه الصحيح.

و ينبغي أن يعبّر في المقام بهذا التعبير، و هو لا بد أن تكون المعاملة في سوق العقلاء عقلائية، لا أن يعبّر بالمصلحة او المفسدة، و بناء عليه إذا كانت المعاملة عقلائية يصبح الحكم الجواز و العكس عدم الجواز.

و أمّا في صورة الشك فلا مجال للتمسك بإطلاق الإذن؛ إذ المفروض أنه قد تأطّر الإذن ضمن إطار خاص، و عليه فلا مجال إذا للتمسك بالإطلاق؛ لما تعلم أن التمسك بالإطلاق و العموم في الشبهات المصداقية غير جائز، و إنما البساط في المقام قد فرّش للاستصحاب.

و توضيح ذلك: أن هذه المعاملة قبل وجودها لم تكن عقلائية، و بعد وجودها، يكون الأمر كما كان سابقا، و مقتضاه عدم الجواز.

[مسألة 7: الأمين لا يضمن إلّا مع التعدي أو التفريط]

(1) على طبق القاعدة؛ و ذلك أن الضمان إنما يتحقق باليد أو‌