مباحث فقهية - الوصية، الشركة، صلة الرحم

- السيد تقي الطباطبائي القمي المزيد...
389 /
309

..........

____________

الإتلاف، فأمّا اليد فلا ضمان؛ إذ المفروض أن المالك- في الفرض- قد دفع ماله إلى الأمين بطيب نفسه و رضاه، و حينئذ فلا تكون هذه اليد يد عدوان و تعد.

و أمّا الإتلاف فأوضح من سابقه؛ إذ المفروض عدمه، فحينئذ لا تعدي و لا تقصير في البين، و خلاصة الكلام أن الحكم متسالم عليه عند جميع الأصحاب و لا حاجة إلى الإطناب.

310

[مسألة 8: عقد الشركة جائز]

[مسألة] (8): عقد الشركة من العقود الجائزة (1)، فيجوز لكل من الشريكين فسخه، لا بمعنى أن يكون الفسخ موجبا للانفساخ من الأول، أو من حينه، بحيث تبطل الشركة؛ إذ هي باقية ما لم تحصل القسمة، بل بمعنى جواز رجوع كل منهما عن الإذن في التصرف الذي بمنزلة عزل الوكيل عن الوكالة، أو بمعنى مطالبة القسمة.

و إذا رجع أحدهما عن إذنه دون الآخر- فيما لو كان كل منهما مأذونا- لم يجز التصرف للآخر، و يبقى الجواز بالنسبة إلى الأول، و إذا رجع كل منهما عن إذنه لم يجز لواحد منهما.

و بمطالبة القسمة يجب القبول على الآخر، و إذا أوقعا الشركة على وجه يكون لأحدهما زيادة في الربح أو نقصان في الخسارة يمكن الفسخ، بمعنى إبطال هذا القرار، بحيث لو حصل بعده ربح أو خسران كان بنسبة المالين على ما هو مقتضى إطلاق الشركة.

____________

(1) قد ذكر الماتن «رحمه الله» ضمن هذه المسألة فروعا، ينبغي التعرض لها كل على حده.

الفرع الأول: أن عقد الشركة من العقود الجائزة.

311

..........

____________

و قبل أن أبدي نظري في المقام لا بد من إطلالة قصيرة على بعض كلامات الأصحاب «(قدس الله أسرارهم)»، لكي نرى من خلالها ما هو المشهور بينهم.

قال (المحقق الحلي) في (الشرائع): «و لكل واحد من الشركاء الرجوع في الإذن، و المطالبة بالقسمة؛ إذ الشركة من العقود الجائزة من الطرفين»، و كذلك عبّر بنفس هذا التعبير (العلامة) في (القواعد)، و نحوه (المحقق الكركي) في (جامع المقاصد)، و (الشهيد الثاني) في (المسالك)، و غيرهم من الأصحاب، و في بعض الكلمات ادّعي الإجماع عليه، كما في (الغنية) و (التذكرة)، فمن خلال هذه الكلمات اتضح أن هذا التعبير أصبح مشهورا بينهم.

و لمعرفة الحق في المقام لا بد من التحقيق، فنقول: إنه لا إشكال و لا كلام في أن الاشتراك بعد تحققه في الخارج لا وجه لإزالته إلّا بالقسمة، فإذا كان الأمر كذلك فما هي الفائدة في كون العقد جائزا أو لازما؟

الظاهر أنه لا يترتب عليه أي أثر قابل للذكر، و لتوضيح المقام نذكر هذا المثال: و هو لو فرضنا أن مال زيد و عمرو قد امتزجا و صارت الشركة‌

312

..........

____________

متحققة في الخارج، و لنفرض أن عقد الشركة من العقود الجائزة، فالظاهر أن في هذه الحالة لا مدخلية لكون العقد جائزا أو لازما، و لا أثر في البين.

نعم، لو قلنا: بعدم امتزاج كل من مال زيد و عمرو مع تحقق عقد الشركة بين المالين ففي هذا الفرض يمكننا فرض اللزوم و عدمه، بحيث نقول: إذا كان الامر كذلك فلا يكون هذا العقد لازما، بل جائز؛ لأنه بالفسخ يصير الأمر منفسخا، و يصبح المال مختصا لمالكه، و المال الآخر يختص لشخص آخر، هذا كله بحسب مقام الثبوت، و لكن قد يلاحظ على هذا التقريب عدة أمور:

1- قد تقدم منا أنه لا دليل على صحة عقد الشركة من خلال النصوص؛ إذ لا يستفاد منها كون عقد الشركة من العقود، بل الموجود فيها عنوان التشريك لا عقد الشركة، و بهذا يكون أصل المطلب منتفيا من جذوره و أساسه، فكيف بفروعه؟! و قد ذكرنا في مطاوي الأبحاث المتقدمة مما يؤيد و يدعم ما أفدناه؛ و ذلك مع علو مكانة الماتن و قوة باعه في هذا الفن نراه لم يتمسك بدليل عقد الشركة، و إنما تمسك لإثبات‌

313

..........

____________

مدّعاه بقوله (صلى اللّه عليه و آله): «المؤمنون عند شروطهم» (1).

و خلاصة القول أنه لا دليل على صحة عقد الشركة.

2- إذا تنازلنا و أغمضنا النظر عما قلناه، و سلّمنا بأن عقد الشركة من العقود، فلا يمكننا أيضا أن نسلّم بذلك؛ و ذلك أنه يلزم فيه الامتزاج بين كلا المالين، و بعد الامتزاج تتحقق الشركة، و عند تحققها فلا وجه للانتفاء بالفسخ.

3- أنه لو فرضنا أن عقد الشركة من العقود، و كذلك يوجب تحقق الشركة بين كلا المالين بلا امتزاج، فعلى هذا الفرض يرد التساؤل أيضا و هو أيّ دليل قد دلّ على أن هذا العقد من العقود الجائزة؟ بل مقتضى قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ يكون العقد لازما لا جائزا.

فتحصّل من خلال هذ البيان عدم الركون لما أفاده الماتن (قدّس سرّه) من كون عقد الشركة من العقود الجائزة.

الفرع الثاني: يتوقف تصرف كل من الشريكين في المال على إجازة الآخر

____________

(1) الوسائل: 21/ 276/ ب 20 من أبواب المهور ح 4.

314

..........

____________

و هذ طبيعي جدا، و في كمال الوضوح، و قد تقدم الوجه فيه ضمن الأبحاث المتقدمة، و لا حاجة للإعادة.

الفرع الثالث: إذا أراد أو استدعى أحدهما القسمة وجب على الآخر القبول.

و هذا أيضا أوضح من سابقة، لما تعلم أنه قد ثبت بالضرورة الفقهية أن كل مالك مسلّط على ماله، فعلى ضوئه لا يحق لأي شخص من الأشخاص أن يمنعه عن حقه؛ فإذا فرضنا أنه طالب بالقسمة فلا يسمح الطرف الآخر أن يمتنع، بل يجب عليه تسليم ذلك، و عند امتناعه يرجع ما حصل إلى الحاكم الشرعي، و يتصدى كما هو وظيفته بالنسبة إلى الأمور الحسبية.

الفرع الرابع: إذا أوقعا الشركة على أن يكون لأحدهما زيادة في ربح، أو نقصان في الخسارة، يمكن الفسخ.

قد حكم «طاب ثراه» في هذا الفرع بالتساوي بينهما بعد الفسخ،

315

..........

____________

و يلاحظ على هذا الحكم أمران:

أ- قد تقدم منا سابقا القول بعدم صحة هذا الشرط- و هو شرط الربح و الخسارة-، بل هو مخالف للمقرر الشرعي، و بناء على هذا فلا يجوز اشتراطه، و عند عدم الجواز فلا إصغاء للقول بجواز الفسخ و عدمه؛ و ذلك أن أصل الاشتراط فاسد من أساسه، و مقتلع من جذوره.

ب- لو أغمضنا النظر عما قلناه، و سلّمنا بصحة هذا الاشتراط، فأيضا لا يمكن القول بما أفاده. و يمكن تقريب ذلك بهذا البيان: بأن نقول:

إن ما اشترطه أحدهما يعتبر حقا له، فعلى هذا يمكنه أن يقوم بإسقاط حقه، إذ لا مانع من ذلك؛ حيث إنه حق من حقوقه فله أن يسقطه إذا شاء.

و من خلال هذا البيان ينبثق سؤال، و قبل عرضه لا بد أن نلفت نظرك إلى ما هو المراد من الحق هنا، فنقول: إن الحق في المقام ينقسم إلى قسمين: فتارة يكون قابلا للإسقاط، و اخرى عكس ذلك تماما؛ فعلى الأول من له الحق يمكنه إسقاطه، و أمّا على الثاني فلا يستطيع صاحب الحق أن يسقط حقه، كما في مسألة الهبة، فإذا اتضح ذلك نرجع إلى السؤال الذي تقدمت الإشارة إليه لكي نطرحه، فنقول: ما هو الدليل الذي يمكن التمسك به على جواز إسقاط هذا الحق؟

316

[مسألة] (9): لو ذكر في عقد الشركة أجلا لا يلزم فيجوز لكل منهما الرجوع قبل انقضائه (1)، إلا أن يكون مشروطا في ضمن عقد لازم فيكون لازما.

____________

الجواب:

لا نرى دليلا على جواز إسقاط الحق، و عند ذلك تصل النوبة إلى بساط الشك، و على مائدته يكون مقتضى الأصل عدم الجواز؛ إذ نشك في أن الشارع الأقدس هل جعل لمن يكون له مثل هذا الحق حق الإسقاط أو لا؟

بطبيعة الحال يكون مقتضى الاستصحاب العدم، و على ضوئه نحكم بلزوم الحق و عدم كونه جائزا للإسقاط، فتحصّل أنه لا يمكننا القول بما أفاده (قدّس سرّه).

نعم يمكن للآذن رفع اليد عن إذنه في التصرف، و بعد زوال الإذن لا يبقى موضوع للزيادة و النقصان.

[مسألة 9: ذكر الأجل في عقد الشركة]

(1) قد فصل (قدّس سرّه) في اشتراط الأجل بالنسبة إلى الإذن بين أن‌

317

..........

____________

يكون- هذا الشرط- في ضمن عقد الشركة و بين أن يكون في ضمن عقد لازم، غير عقد الشركة، فحكم بلزوم الشرط في الثاني دون الأول.

و توضيح ذلك: إذا اشترطنا الأجل في ضمن عقد الشركة فلا مقتضي للزومه؛ إذ الفرع لا يكون زائدا على الأصل، و حيث إن عقد الشركة من العقود الجائزة فالشرط الواقع في ضمنه لا يكون لازما، بل يكون جائزا أيضا.

و أمّا إذا فرضنا أنهما اشترطا في ضمن عقد لازم، فبتبع لزوم العقد يكون لازما هذا ما يمكن ذكره في تقريب التفصيل.

و عند الحقيقة أن هذا التفصيل لا يرجع إلى محصّل صحيح؛ و الوجه في ذلك ما ذكرناه مررا و تكرارا في طي الابحاث المتقدمة، بأنه إذا تحقق الشرط بما له من المفهوم لا بد أن يكون لازما، و لا فرق في ذلك بين أن يقع الشرط ضمن عقد جائز، أو لازم، أو فاسد، أو ضمن اخبار من الأخبار؛ فإنه إذا تحقق هذا المفهوم و صدق في الخارج يرتكز على قوله (صلى اللّه عليه و آله):

«المؤمنون عند شروطهم»، فمن خلاله يكون الشرط لازما.

و بعبارة جلية، تارة نلتزم بلزوم الشرط الواقع في ضمن العقد، و ذلك على ضوء قوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ حيث إنه يدل على اللزوم،

318

..........

____________

و مقتضاه يكون العقد و ما يتعلق به لازما. فعلى هذا البيان يكون للتفصيل المزبور مجال؛ إذ لا يصبح العقد الجائز مصداقا لقوله تعالى: أَوْفُوا بِالْعُقُودِ.

و اخرى لم نقل بهذه المقالة، و انما نلتزم بلزوم الشرط من خلال قوله: (صلى اللّه عليه و آله) «المؤمنون عند شروطهم»، فعلى ضوئه لا يوجد فرق بين وقوع الشرط في ضمن العقد الفاسد أو الصحيح، و كذلك الصحيح لا فرق فيه بين أن يكون لازما أو جائزا، بل لا يلزم وقوعه في ضمن العقد، بل يكفي تحققه و لو في ضمن الإخبار لإثبات المدّعى.

319

[مسألة] (10): لو ادعى أحدهما على الآخر الخيانة أو التفريط في الحفظ فأنكر، عليه الحلف مع عدم البينة (1).

[مسألة] (11): إذا ادعى العامل التلف، قبل قوله مع اليمين؛ لأنه أمين (2).

[مسألة 10: دعوى أحدهما الخيانة على الآخر]

____________

(1) هذا ما تقتضيه موازين الدعاى، المستفادة من خلال كتاب القضاء؛ إذ المستفاد منها أن البينية على المدعي و اليمين على من أنكر.

فإذا فرضنا أن مورد الادعاء كان مخالفا للأصل الأولي، ففي هذه الحالة لو لا قيام الدليل الخاص لكان الميزان الكلي هو القول قول المنكر، و بهذا لو أقام المدعي البينة على مدعاه يكون الحق معه، و إلا فالقول قول المنكر مع الحلف.

[مسألة 11: إذا ادعى العامل التلف]

(2) يقع البحث في هذه المسألة من خلال زاويتين:

الزاوية الاولى: القاعدة الأولية.

الزاوية الثانية: النصوص الواردة في باب الإجارة.

فمن خلال القاعدة الأولية نستطيع أن نقول: بأن الحق مع الماتن (قدّس سرّه)، و الأمر عند الحقيقة كما أفاده، إذ مقتضى الأصل في حالة‌

320

..........

____________

الشك هو عدم التفريط، و ليس عليه في هذه الحالة إلا اليمين عند ما يترافعان إلى الحاكم الشرعي، هذا كله بحسب ما تقتضيه القاعدة الأولية.

و أمّا من خلال النصوص الواردة في باب الإجارة، فربما يقال: كما عليه سيّدنا الأستاذ (قدّس سرّه) من جعل الروايات الواردة في مورد التلف عند دعوى تلف مال الإجارة إلى ثلاث طوائف، و هي كما يلي:

أ- تدل على عدم الضمان على الإطلاق.

ب- تدل على الضمان على الإطلاق.

ج- تدل على التفصيل بين أن يكون المدعي متهما أو غير ذلك، فإذا كان متهما يلزمه إقامة البينة على مدعاه و لا ضمان عليه، و عند عدم إقامة البينة يلزمه الضمان.

و أمّا إذا لم يكن متهما، فالقول قوله مع اليمين، و بناء على هذا التقسيم تصبح النتيجة بين الطوائف الثلاث: تخصيص أو تقييد الطائفة الأولى و الثانية من قبل الطائفة الثالثة؛ و ذلك لما تعلم من أنه في بحث الأصول عند التعرض للعام و الخاص من رد العام إلى الخاص و تقييد المطلق بالمقيد.

و خلاصة القول: إذا لم يكن متهما ليس عليه شي‌ء سوى اليمين،

321

..........

____________

و أمّا إذا كان متهما يلزم عليه إقامة البينة، و كذلك الحال في المقام أيضا، هذا كله ما يريد أن يقوله سيدنا الأستاذ «طاب ثراه» (1)، و كذلك غيره ممن يرى هذا المسلك.

أقول: إن هذا التقريب المزبور و إن كان على ضوء الصناعة، و لكن لا يجري في المقام، و إنما يختص في مورده فقط، و هي الإجارة، و أمّا تسرية الحكم إلى ما نحن بصدده فيعتبر تخرّصا بالغيب؛ لما تعلم من أن ملاكات الأحكام الشرعية بيد الشارع الأقدس، و أمّا عقولنا القاصرة فلا تنالها؛ إذ يمكن أن يكون للشارع الأقدس غرض و ملاك في باب الإجارة دون غيره من الموارد.

و دعوى عدم الفرق بين الإجارة و الشركة، مردودة، على مدّعيها، و خالية من الدليل.

و الحاصل من خلال ما بيّناه: أنه إذا لم يرد دليل معتبر يمكن من خلاله استفادة سريان الحكم لمثل المقام فلا بدلنا من العمل على ضوء القاعدة الأولية، و عليه يصبح الحق مع الماتن (قدّس سرّه) من أنه ليس على المنكر إلا اليمين.

____________

(1) انظر مباني العروة الوثقى: 269.

322

[مسألة 12: بطلان الشركة بالموت و نحوه]

[مسألة] (12): تبطل الشركة بالموت (1)، و الجنون (2) و الإغماء (3).

____________

(1) المعروف و المستفاد من كلامه (قدّس سرّه) أنه لا يجوز للشريك أن يتصرف بعد موت شريكه، و أمّا أصل الشركة فهي باقية على حالها، و هذا من الواضحات الأولية.

و على هذا الصعيد إذا فرضنا أن الشريك قد مات، ففي هذه الصورة ينتقل ما تركه إلى وارثه، و لا مجال للتصرف في ماله؛ إذ التصرف في مال الغير من دون إذنه حرام، و من البديهي سقوط الإذن عن الاعتبار في حالة موت الشريك.

(2) الكلام هو الكلام بعد ما بيّناه آنفا من كون المجنون لا شأن له، و ليس له حق التصرف في أيّ شي‌ء، بل إذنه كالعدم.

(3) لو لا الإجماع المدعى في المقام لدخلت هذه الجهة في ميدان النقاش على شكل واسع؛ حيث إنه لا فرق بين المغمى عليه و النائم، فكما أن الشركة لا تبطل بالنوم كذلك لا تبطل بالإغماء.

323

و الحجر، بالفلس (1) أو السفه (2)، بمعنى: أنه لا يجوز للآخر التصرف، و أما أصل الشركة فهي باقية، نعم: يبطل أيضا ما قرراه من زيادة أحدهما في النماء بالنسبة إلى ماله أو نقصان الخسارة كذلك (3)، و إذا تبيّن (4) بطلان الشركة فالمعاملات الواقعة قبله محكومة بالصحة، و يكون الربح على نسبة المالين؛ لكفاية الإذن المفروض حصوله، نعم لو كان مقيّدا بالصحة تكون كلها فضوليا،

____________

(1) إذ لا شأن للمفلس، و لا يمكنه التصرف في ماله، و إذنه ساقط عن الاعتبار.

(2) قد تقدم البحث حوله مستوفى في طي المسألة الرابعة، فراجع.

(3) قد مر الإشكال في صحة هذا الشرط- و هو شرط الزيادة-، نعم بالنسبة إلى خصوص الخسارة قد التزمنا بالجواز؛ و ذلك بواسطة حديث رفاعة.

(4) لا دخل للتبين و عدمه؛ إذ العلم بالموضوع إنما هو طريق فقط،

324

بالنسبة إلى من يكون إذنه مقيدا، و لكل منهما أجرة مثل عمله (1) بالنسبة إلى حصة الآخر، إذا كان العمل منهما، و إن كان من أحدهما فله أجرة مثل عمله.

____________

و لا أثر له في الواقعيات، و بناء عليه إذا فرضنا سقوطه عن الاعتبار تكون المعاملات الواقعة منه- أعم من أن يكون متبينا أو قبل العلم- كلها فضولية، و لا أثر لها، و بهذا يكون الجمع بين سقوط الزيادة عن الاعتبار و الحكم بالصحة قبل التبين جمعا بين الضدين، و النقيضين، و هو باطل.

و الصحيح أن يقال: إذا سقط إذنه بأيّ سبب من الأسباب، فحينئذ لا مجال لاعتبار التصرفات الواقعة بعده، حتى مع عدم التبين، بل كلها فضولية تفتقر إلى الإجازة و لا أثر لها.

(1) لا خصوصية للعلم و عدمه، بل المدار بقاء الشركة و بطلانها، و بعد فرض بطلان الشركة فلا مجال لصحة المعاملات الواقعة بعد البطلان، بل كلها فضولية، و عليه فلا وجه لثبوت أجرة المثل للعامل.

ثم أنه لا نرى وجها لاستحقاق العامل اجرة المثل، و لو مع عدم كون التصرف فضوليا؛ إذ لا مقتضي لثبوت الأجرة لعمل العامل من الشريكين؛ لأن العامل إنما يعمل و يتصرف في العين المشتركة بإذن شريكه، و مجرد‌

325

[مسألة] (13): إذا اشترى أحدهما متاعا و ادعى أنه اشتراه لنفسه و ادعى الآخر أنه اشتراه بالشركة، فمع عدم البينة القول قوله مع اليمين؛ لأنه أعرف بنيته (1).

____________

الإذن في التصرف في المال لا يوجب الأجرة، و لا يوجب ضمان الآذن فلاحظ.

[مسألة 13: النزاع في أنه اشترى لنفسه أو بالشركة]

(1) أمّا ما يرجع إلى أصل المدعى فلا مانع من الموافقة مع ما أفاده المصنف (رحمه اللّه)، و ما أبداه لا غبار عليه، و إنما الكلام معه من ناحية اخرى، ألا و هي استدلاله على المدعى فإنه لا يرجع إلى محصّل صحيح؛ إذ لا دليل على كل من كان أعرف بنيته يكون المقدم قوله، و إذا وصلت النوبة إلى الشك في وجود الدليل و عدمه يكون مقتضى الأصل في هذه الحالة عدم الاعتبار.

و قد وافق سيدنا الأستاذ (قدّس سرّه) ما أفاده الماتن «طاب ثراه» و لكن بيان آخر، و ملخصه: أن الشخص القائم بالتجارة إذا كانت تجارته بعنوان الشركة يحتاج إلى مؤنة زائدة، و أمّا إذا لم تكن تجارته بهذا العنوان كأن يبيع لنفسه، ففي هذه الصورة لا يحتاج إلى مؤنة زائدة، و عند الشك في‌

326

كما أنه كذلك لو ادعى أنه اشتراه بالشركة و قال الآخر: أنه اشتراه لنفسه، فإنه يقدم قوله أيضا؛ لأنه أعرف؛ و لأنه أمين (1).

____________

المئونة يكون مقتضى الأصل العدم، و بهذا لا يكون مشتركا مع غيره (1).

و الحق أن يقال: بأن المدعى كما أفاده المصنف (قدّس سرّه)، و لكن لا بد أن يكون الوجه بهذا البيان: أن الأصل عدم قصده الاشتراك.

إن قلت: ان مقتضى الأصل أيضا عدم قصده الانفراد.

قلت: لا يتمشى هذا الإشكال إلا على القول بالأصل المثبت، و حيث إننا لا نقول به فحينئذ لا مجال لهذا الإيراد.

و الحاصل من خلال هذا البيان: عدم قصد الاشتراك من قبل الشريك؛ و ذلك لجريان الأصل في البين، و مقتضاه نفي الاشتراك، فعلى ضوئه تكون النتيجة صحة ما أفاده الماتن من خلال ما بيناه، لا من خلال ما بيّنه سيدنا الأستاذ و كذلك الماتن.

(1) بل بالسيرة العقلائية و تؤيده قاعدة «من ملك شيئا ملك الإقرار به» و حيث ان الشريك مالكا و له حق التصرف ففي حالة دعواه يقدم قوله.

____________

(1) انظر مباني العروة الوثقى: 274.

327

..........

____________

و بهذا قد تم البحث حول الشركة شرحا و تعليقا على متن العروة الوثقى لسيد الطائفة اليزدي (قدّس سرّه) من محاضرات سيّدنا الأستاذ فقيه أهل البيت «(عليهم السلام)» آية الله العظمى الحاج السيّد تقي الطباطبائي القمي «دام عزه»، و كان البدء في البحث يوم الاثنين المصادف 3/ شوال لعام 1417 ه‍ الساعة 10 و 5 دقائق صباحا، و الانتهاء في 5 ذي القعدة الحرام لعام 1417 ه‍ في الساعة 10 و 40 دقيقة، و حرّره العبد الراجي شفاعة مولاه زهير بن الحاج يوسف الدرورة السنابسي عفى عنه و عن والديه.

و ذلك بجوار مرقد الطاهرة المعصومة كريمة الامام موسى بن جعفر (عليه السلام). راجيا منها الشفاعة يوم الحساب، و اخر دعوانا أَنِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ، و صلّى الله على محمد بن عبد الله و آله الطّاهرين، و اللعن الدائم المؤبد على أعدائهم من الآن إلى قيام يوم الدين.

328

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

329

المبحث الثّالث صلة الرّحم

330

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

331

..........

____________

بِسْمِ اللّٰهِ الرَّحْمٰنِ الرَّحِيمِ* صلة الرحم ينقسم البحث في صلة الرحم إلى ثمانية أقسام، و هي كالآتي:

القسم الأول [في معنى الرحم و المراد من وصل الرحم و قطعه]

1- الرحم‌

2- الوصل‌

3- القطع‌

و يقع البحث في هذا القسم من خلال جهتين:

الجهة الاولى: المراد من الرحم و بيان الموضوع

قال الراغب في مفرداته: استعير الرحم للقرابة؛ لكونهم خارجين من‌

332

..........

____________

رحم واحدة (1).

فمن خلال هذا التعريف يتضح ان كل البشرية جمعاء هم أرحام؛ و ذلك لأنهم بأجمعهم قد خرجوا من رحم واحدة، ألا و هو رحم حواء، فمن الواضح البديهي أن هذا التعريف لا يمكننا الاعتماد عليه؛ و ذلك لما له من السعة و الشمولية؛ إذ لا يبقى- بناء على هذا- شخص إلا و هو رحم لشخص آخر، و هكذا ...

و لذا نرى أن الرحم قد فسّر بالقريب، و الأرحام (2) قد فسرت بالقرابة، و هو الصحيح، و التقسيم قاطع للشركة، و من واقعه يبرز قسمان، قسم من الناس قريب و الآخر بعيد، و كذلك قسم منه داخل في دائرة الرحم و قسم خارج عنه، و في الحقيقة أن تشخيص الموضوعات بما لها من المفاهيم موكول إلى العرف، إلّا إذا تصرف الشارع الأقدس في موضوع من المواضيع على نحو الشرطية و القيدية.

فعلى هذا الأساس نقول: لا إشكال في أن العرف يشخص الرحم عن غيره،

فيبرز من تشخيص العرف حالات ثلاث:

____________

(1) لاحظ مفردات الراغب: 191.

(2) لاحظ مجمع البحرين حيث قال في (صلوا أرحامكم): جمع رحم، و هم القرابة ...

مجمع البحرين: مادة رحم. و قال أيضا في لسان العرب: ذو و الرّحم، هم الأقارب. لسان العرب: مادة رحم.

333

الأولى: القطع بعدم صدق الرحم.

____________

مثال ذلك: إذا فرضنا ان زيدا ينتسب مع عمرو و لكن بواسطة بعيدة جدا، اي بينه و بين عمرو بون شاسع في النسب، كما إذا التقى معه في جد من الأجداد بمراحل كثيرة، فعندئذ يقطع العرف بعدم صدق عنوان الرحم عليه.

الثانية: القطع بصدق الرحم.

كما يكون ذلك بين الأخ و الأخت، و بين ابن الأخ و عمه، و ابن الأخت و خاله، و هكذا ...

الثالثة: الشك في صدق الرحم و عدمه.

و قبل بيان هذه الصورة لا بد لنا من إشارة خاطفة لبيان ما هو المراد في قوله تعالى: وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ* (1) فإنه راجع إلى مسألة الإرث؛ إذ هو مترتب على الرحمية، فلو كنا نحن و هذا مع قطع النظر عن الدليل الدّال في باب الإرث لقلنا: ان المرجع في تشخيص ذلك هو العرف، و بناء عليه لا تتسع دائرته بهذه المساحة الواسعة، حتى تصل إلى الولاء أو الإمام (عليه السلام)، و لكن لقيام الدليل الخاص أدى إلى توسعة الحكم إلى غير الأرحام، فعلى هذا أن مطلق الرحمية لا يكون‌

____________

(1) الأنفال: 75.

334

..........

____________

موضوعا للإرث، و بعد هذا البيان نرجع إلى توضيح حالة الشك فنقول:

تارة يكون الشك في المصداق و اخرى في المفهوم- اي عنوان الرحم-، كما إذا شككنا في صدق أخويه زيد لعمرو، فحينئذ يكون مقتضى الأصل عدم كونه أخا له؛ و ذلك بالأصل الأزلي؛ إذ هذا الفرد الخارجي قبل وجوده لم يكن مصداقا للرحم، و بعد وجوده يكون الأمر كما كان.

إن قلت: ان الأصل الأزلي محل الكلام.

قلت: نأخذ بالأصل الحكمي؛ إذ نشك في هذا الموضوع، هل هو موضوع لهذا العنوان لكي ينطبق عليه، بحيث كلما انطبق عليه يجب علينا صلته، و يحرم قطعه أو لا؟ فبمقتضى رفع ما لا يعلمون «البراءة» ننفي الوجوب و الحرمة.

و أمّا إذا كانت الشبهة شبهة مفهومية، فقد تقدم منا في محله بأنه لا اشكال في جريان الأصل، و يتضح ذلك بهذا المثال و هو: إذا شككنا في عنوان المغرب، هل هو استتار القرص أو ذهاب الحمرة المشرقية، فحينئذ لا مجال لأن يقال: أن الأمر دائر بين متيقن الحدوث و متيقن العدم؛ فإنه لا يرجع إلى محصّل صحيح؛ إذ الكيفية تكون هكذا: قبل ربع ساعة- على سبيل المثال- كنا قاطعين بعدم تحقق المغرب بما له من المفهوم، و الآن كذلك بعد استتار القرص.

فإذا اتضح ذلك نقول: في المقام نشك في مفهوم الرحم من حيث‌

335

..........

____________

السعة و الضيق، مثال ذلك: إذا كان شخص حفيدا للعمة، ففي هذه الصورة نشك في صدق الرحم عليه و عدمه، فيكون مقتضى الأصل العدم.

توضيح ذلك: ان هذا الشخص الخارجي قبل ان يوجد على ساحة الوجود لم يكن مصداقا لهذا المفهوم، و بعد وجوده يكون الأمر كذلك، فعلى هذا لا يصدق عليه المفهوم؛ و ذلك لعدم وجوده، و بعد الوجود الأصل العدم.

و بتقريب آخر: لا شك و لا ريب ان لفظ الرحم من الموضوعات، و على هذا الأساس لا بد له من المرور على مراحل ثلاث:

1- الوضع‌

2- الواضع‌

3- الموضوع له‌

فنقول: قبل ان يجعل هذا اللفظ لهذا المفهوم من قبل الواضع لم يكن صادقا عليه؛ إذ الصدق يحتاج إلى الوضع، و بعد وضعه نشك في صدقه و عدمه، فعليه نحكم بالعدم.

و إن أبيت عن هذا و قلت: بأن الأصل لا يجري في المفاهيم، و على هذا الأساس لا يتم المطلوب.

قلت: بعد سقوط الأصل الموضوعي عن الاعتبار تصل النوبة إلى‌

336

..........

____________

الأصل الحكمي، و على ضوئه يتم المراد؛ إذ نشك في وجوب الصلة و عدمه لهذا الشخص، و نشك أيضا في حرمة القطع و عدمها، فعليه أصالة الاباحة جارية، هذا تمام الكلام في هذه الجهة.

الجهة الثانية: الوصل و القطع.

هل هما متلازمان أو يمكن التفكيك بينهما؟

الظاهر أنهما متلازمان، و يتضح ذلك من خلال هذا المثال و هو: إذا فرضنا جسما في الخارج كان متصلا بجسم آخر، فعلى هذا يكون الاتصال بينهما متحققا، و لا يكون بينهما انقطاع، إذن: الصلة بين الجسمين و عدم القطع بينهما متلازمة، فإذا فرضنا انقطع أحد الجسمين عن الآخر فلا شك و لا ريب في عدم تحقق الصلة بينهما، و بعد ان أحرزنا الموضوع بهذا النحو فلا بد لنا من ملاحظة الأدلة لكي نرى ما هو المستفاد منها في المقام، هل هو وجوب الوصل و حرمة القطع أو لا؟

337

القسم الثاني الوجوه المستدل بها على وجوب صلة الرحم.

____________

ما يمكن أن يستدل به على وجوب صلة الرحم عدة أمور، و هي كما يلي:

1- الإجماع.

و هذا الاستدلال متداع من جميع أطرافه، و الحال فيه ظاهر، أضف إلى ذلك كله أنه يحتمل كون المجمعين قد استندوا إلى الآيات الكريمة، و الروايات الشريفة، و عليه فلا يكون الإجماع- بهذه المثابة- كاشفا عن راي المعصوم (عليه السلام)، و مجرد الاحتمال كاف في عدم التمسك به.

2- الآيات الكريمة.

و هي كالآتي:

338

..........

____________

أ- يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وٰاحِدَةٍ وَ خَلَقَ مِنْهٰا زَوْجَهٰا وَ بَثَّ مِنْهُمٰا رِجٰالًا كَثِيراً وَ نِسٰاءً وَ اتَّقُوا اللّٰهَ الَّذِي تَسٰائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحٰامَ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1).

و هذه الآية الشريفة لا يمكننا الاستدلال بها في ضوء متنها فقط؛ و ذلك لعدم وضوحها، و لكن يمكن الاستدلال بها من خلال الأحاديث الواردة عن أهل البيت (عليهم السلام) و إليك هذه النصوص:

1- ما رواه جميل بن درّاج‌

قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه جل ذكره: وَ اتَّقُوا اللّٰهَ الَّذِي تَسٰائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحٰامَ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً

قال: فقال: هي أرحام الناس، إن اللّه عز و جلّ أمر بصلتها و عظمها، ألا ترى أنّه جعلها منه (2)

فمن خلال هذا النص يتضح المراد من الآية الكريمة على وجوب صلة الرحم؛ و ذلك لتمامية سندها و وضوح دلالتها.

2- ما رواه محمد بن الفضيل الصيرفي عن الرضا (عليه السلام) قال: إن رحم آل محمد الائمة (عليهم السلام) لمعلقة بالعرش تقول: اللّهمّ صل من وصلني و اقطع من قطعني، ثمّ هي جارية بعدها في أرحام المؤمنين، ثم تلا هذه‌

____________

(1) النساء: 1

(2) الكافي: 2/ 150، ح 1، و البحار: 74/ 97/ ح 35 و 97/ ح 36 و 116/ 769.

339

..........

____________

الآية:

وَ اتَّقُوا اللّٰهَ الَّذِي تَسٰائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحٰامَ (1)

و هذا الحديث يستفاد منه كما يستفاد من سابقه، و بضعف سنده يكون مؤيدا للأول.

3- ما رواه الأصبغ بن نباته‌

قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: إن أحدكم ليغض فيما يرض حتى يدخل به النار، فأيما رجل منكم غضب على ذي رحمه فليدن منه، فإن الرحم إذا مسها الرحم إذا مسها الرحم استقرت و أنها متعلقة بالعرش ينقضنه انتقاض الحديد، فينادي اللّهم صل من وصلني و اقطع من قطعني؛ و ذلك قول اللّه في كتابه وَ اتَّقُوا اللّٰهَ الَّذِي تَسٰائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحٰامَ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً

و أيّما رجل غضب و هو قائم فليلزم الأرض من فوره؛ فإنه يذهب رجز الشيطان (2).

و الكلام في هذا الحديث كسابقه من دون فرق.

4- ما رواه عمر بن حنظلة‌

____________

(1) الكافي: 2/ 156/ ح 26.

(2) البرهان: 1/ 338/ ح 5.

340

..........

____________

عنه (1) (عليه السلام) عن قول اللّه: اتَّقُوا اللّٰهَ الَّذِي تَسٰائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحٰامَ، قال: هي ارحام الناس، إن اللّه امر بصلتها و عظمها، الا ترى أنه جعلها معه (2).

5- ما رواه ابو بصير، عن أبي عبد الله (عليه السلام) قال: أمير المؤمنين (عليه السلام): صلوا أرحامكم و لو بالتسليم، يقول الله تبارك و تعالى: وَ اتَّقُوا اللّٰهَ الَّذِي تَسٰائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحٰامَ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (3)

فتحصل من خلال هذه الآية الكريمة مع الروايات المفسرة لها- من قبل الائمة (عليهم السلام)- وجوب الصلة.

ب- الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّٰهِ وَ لٰا يَنْقُضُونَ الْمِيثٰاقَ وَ الَّذِينَ يَصِلُونَ مٰا أَمَرَ اللّٰهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَ يَخٰافُونَ سُوءَ الْحِسٰابِ (4)

فيستفاد من خلال الآية الكريمة أن الصلة مورد أمر الله سبحانه و تعالى؛ حيث قال: وَ الَّذِينَ يَصِلُونَ مٰا أَمَرَ اللّٰهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ،

____________

(1) المراد من الإمام (عليه السلام) هو أمّا الباقر او الصادق (عليهم السلام)؛ و ذلك لكون الراوي و هو (عمر بن حنظلة) العجلي الكوفي و هو من أصحاب الباقر و الصادق.

(2) البرهان: 1/ 338/ ح 6.

(3) الكافي: 2/ 155/ ح 22.

(4) الرعد: 20

341

..........

____________

فينطلق من واقع الاستدلال سؤال، ألّا و هو ما هو المراد من هذه الصلة؟

فهذه الروايات الشريفة هي التي تجيب عن هذا التساؤل و إليك ذيها.

1- ما رواه ابو بصير‌

عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سمعته يقول: إن الرحم معلقة بالعرش تقول: اللهم صل من وصلني، و اقطع من قطعني، و هي رحم آل محمد، و هو قول اللّه عزّ و جل: وَ الَّذِينَ يَصِلُونَ مٰا أَمَرَ اللّٰهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ و رحم كل ذي رحم (1).

فهذا الرواية من خلال متنها تدل على المدعى، و لكن لا يمكن الاعتماد عليها؛ و ذلك لضعف سندها بمعلى بن محمد، و علي بن أبي حمزة البطائني.

2- ما رواه صفوان الجمال:

قال: قال: وقع بين ابي عبد اللّه (عليه السلام) و بين عبد اللّه بن الحسن كلام، قال: وقعت الضوضاء بينهم و اجتمع الناس فافترقا عشيتهما بذلك، و غدوت في حاجة فإذا أنا بأبي عبد اللّه (عليه السلام) على باب عبد الله بن الحسن، و هو يقول: يا جارية قولي: لأبي محمد يخرج فخرج، فقال: يا أبا عبد الله ما بكر بك؟

____________

(1) البرهان: 2/ 287/ ح 1.

342

..........

____________

فقال: إني تلوت آية في كتاب اللّه عزّ و جل البارحة فاقلقتني، قال: و ما هي؟

قال: قول الله عزّ و جل ذكره: الَّذِينَ يَصِلُونَ مٰا أَمَرَ اللّٰهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَ يَخٰافُونَ سُوءَ الْحِسٰابِ

فقال: صدقت، لكأني لم أقرأ هذه الآية من كتاب اللّه قط، فاعتنقا و بكيا (1).

3- ما رواه عمر بن يزيد‌

قال: سألت أبا عبد الله (عليه السلام) عن قوله الله عزّ و جل: الَّذِينَ يَصِلُونَ مٰا أَمَرَ اللّٰهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ

فقال: قرابتك (2).

4- ما رواه عمر بن يزيد أيضا قال: قلت: لأبي عبد الله (عليه السلام) الَّذِينَ يَصِلُونَ مٰا أَمَرَ اللّٰهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ

قال: نزلت في رحم آل محمد، و قد يكون في قرابتك، ثم قال: فلا تكونن ممن يقول: للشي‌ء أنه في شي‌ء واحد (3).

____________

(1) البرهان: 2/ 288/ ح 2.

(2) البرهان: 2/ 288/ ح 3.

(3) البرهان: 2/ 288/ ح 4.

343

..........

____________

5- ما رواه محمد بن الفضيل‌

عن أبي الحسن (عليه السلام)، قال: إن رحم آل محمد معلقة بالعرش، تقول: اللهم صل من وصلني، و اقطع من قطعني، و هي تجري في كل رحم، و نزلت هذه الآية في آل محمد، و ما عاهدهم عليه، و ما أخذ عليهم من الميثاق في الذر، من ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام)، و الأئمة من بعده، و هو قوله: الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللّٰهِ وَ لٰا يَنْقُضُونَ الْمِيثٰاقَ ... الآية ثم ذكر أعدائهم‌

فقال: وَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّٰهِ مِنْ بَعْدِ مِيثٰاقِهِ، يعني في أمير المؤمنين [ (عليه السلام)]، و هو الذي أخذ اللّه عليهم في الذر، لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدّٰارِ (1).

فاتضح من خلال هذه الأحاديث أن الصلة التي أمر الله سبحانه بها هي صلة الرحم على نحو الإطلاق.

ج- وَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّٰهِ مِنْ بَعْدِ مِيثٰاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ مٰا أَمَرَ اللّٰهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولٰئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدّٰارِ (2)

____________

(1) البرهان: 2/ 228/ ح 6.

(2) الرعد: 25

344

..........

____________

و هذه الآية الشريفة لا يمكننا الاستدلال بها على المدعى؛ و ذلك لعدم وضوحها من خلال المتن، و لرب قائل يقول: إن رواية محمد بن فضيل قد أوضحت ما كان غامضا في هذه الآية الكريمة.

قلت: إن الرواية المتقدمة قد ذكرت في تفسير الآية السابقة، و لم تنظر إلى هذه الآية، و بهذا لا يمكن الاستدلال بها.

د- الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّٰهِ مِنْ بَعْدِ مِيثٰاقِهِ وَ يَقْطَعُونَ مٰا أَمَرَ اللّٰهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولٰئِكَ هُمُ الْخٰاسِرُونَ (1)

و تقريب الاستدلال بها على المدّعى، انه يستفاد منها وجوب الصلة؛ و ذلك من خلال قوله سبحانه: وَ يَقْطَعُونَ مٰا أَمَرَ اللّٰهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ إذ الأمر ظاهر في الوجوب، فعليه تجب الصلة.

و فيه: ان الآية بنفسها لا تدل على أن المراد من صلة هو صلتها الرحم على نحو الإطلاق، و لم نجد في ذيلها ما يدل على المعنى المذكور، بل يمكن أن يكون المراد منها صلة الامام أمير المؤمنين و الأئمة الطاهرين (عليهم السلام)، كما في رواية معلى بن خنيس عن ابي عبد الله (عليه السلام) أن هذا المثل ضربه الله لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام)

____________

(1) البقرة: 27

345

..........

____________

فالبعوضة أمير المؤمنين (عليه السلام) و ما فوقها رسول الله (صلى اللّه عليه و آله) و الدليل على ذلك قوله: فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ (1)

يعني أمير المؤمنين، كما أخذ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) الميثاق عليهم له، وَ أَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مٰا ذٰا أَرٰادَ اللّٰهُ بِهٰذٰا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَ يَهْدِي بِهِ كَثِيراً (2)

فردّ اللّه عليهم فقال: وَ مٰا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفٰاسِقِينَ الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللّٰهِ مِنْ بَعْدِ مِيثٰاقِهِ (3) في علي وَ يَقْطَعُونَ مٰا أَمَرَ اللّٰهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ يعني من صلة أمير المؤمنين و الائمة (عليهم السلام) وَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولٰئِكَ هُمُ الْخٰاسِرُونَ (4)

ه‍- وَ إِذْ أَخَذْنٰا مِيثٰاقَ بَنِي إِسْرٰائِيلَ لٰا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللّٰهَ وَ بِالْوٰالِدَيْنِ إِحْسٰاناً وَ ذِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ قُولُوا لِلنّٰاسِ حُسْناً وَ أَقِيمُوا الصَّلٰاةَ وَ آتُوا الزَّكٰاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلّٰا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَ أَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (5).

____________

(1) البقرة: 26.

(2) البقرة: 26.

(3) البقرة: 27.

(4) أنظر البرهان: 1/ 70.

(5) البقرة: 83

346

..........

____________

بتقريب أن المستفاد من خلال الآية الشريفة وجوب الإحسان لعدة أفراد، و من جملتهم ذي القربى، و هم الرحم، فعلى ذلك تكون الصلة واجبة.

و يلاحظ على هذا التقريب أمران:

1- إن هذا الحكم المذكور في الآية الكريمة وارد في بني إسرائيل و ليس له اي ارتباط بالأمة الإسلامية، و لا مجال لجريان الاستصحاب في المقام، حتى على القول بجريان الاستصحاب في الأحكام الكلية؛ و ذلك إنما يجري الاستصحاب في ضمن حدود خاصة، و اطار مقيد، و هو فيما يكون الموضوع مقطوع الحكم بالنسبة إلى الزمان السابق بقاء، و يحصل الشك في بقاء ذلك الحكم، فعند ذلك يرد التساؤل على مائدة الاستصحاب، بأن نقول: هل يجري الأصل أو يوجد له معارض؟

و أما إذا كان الحكم ثابت لموضوع ما، فحينئذ لا معنى لإسراء ذلك الحكم إلى موضوع آخر، و ما نحن بصدده قد ثبت الحكم إلى بني إسرائيل، و لا يرتبط بالمقام على الإطلاق.

2- إن الصلة عبارة عن اتصال أحد الأمرين بالآخر، و الحال أن الإحسان إلى اي شخص من الأشخاص لا يستلزم اتصال المحسن بالمحسن إليه؛ إذ يمكن الإحسان إلى الآخرين من دون معرفة من هو‌

347

..........

____________

المحسن، و هذا ما عرفناه من خلال سيرة الائمة (صلوات اللّه و سلامه عليهم)، و يتضح ذلك بوضح لمن تتبع سيرة الامام زين العابدين (عليه السلام)، يجد أن الامام كان أبرّ الناس بجيرانه و أهل نحلته، فكان يرعاهم كما يرعى أهله، و يعول ضعفائهم و فقرائهم، و لم يترك لونا من ألوان البر و الإحسان إلا أسداه إليهم، و لم يعرف أحد بذلك، إلى أن انقضت حياته (صلوات الله و سلامه عليه)، يحدثنا عن ذلك العالم الجليل أبو حمزة الثمالي حيث يقول: كان علي بن الحسين (عليه السلام) ليخرج في الليلة الظلماء، فيحمل الجراب فيه الصرر من «الدنانير» و «الدراهم»، حتى يأتي بابا بابا فيقرعه، ثم يناول من يخرج إليه، فلما مات علي بن الحسين (عليه السلام) فقدوا ذلك، فعلموا أن علي بن الحسين (عليه السلام) الذي كان يفعل ذلك (1).

فاتضح أنه لا ملازمة بين الإحسان و الاتصال بالمحسن إليه.

و- لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَ الْمَغْرِبِ وَ لٰكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ وَ الْمَلٰائِكَةِ وَ الْكِتٰابِ وَ النَّبِيِّينَ وَ آتَى الْمٰالَ عَلىٰ حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبىٰ وَ الْيَتٰامىٰ وَ الْمَسٰاكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ

____________

(1) بكاء الإمام السجاد (عليه السلام) «للمؤلف» (مخطوط) الورقة: 15.

348

..........

____________

وَ السّٰائِلِينَ وَ فِي الرِّقٰابِ وَ أَقٰامَ الصَّلٰاةَ وَ آتَى الزَّكٰاةَ وَ الْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذٰا عٰاهَدُوا وَ الصّٰابِرِينَ فِي الْبَأْسٰاءِ وَ الضَّرّٰاءِ وَ حِينَ الْبَأْسِ أُولٰئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (1)

بتقريب أن الآية الكريمة قد انطوت على وجوب إيتاء المال إلى ذي القربى، فعليه تكون الصلة واجبة.

و يلاحظ على هذا التقريب امور:

الأول: لا دليل من خلال الآية الشريفة على وجوب إيتاء المال إلى ذي القربى، بل المستفاد الجامع بين الوجوب و الاستحباب، و مما لا شبهة في أن إيتاء المال إلى ذي القربى أمر حسن موافق للشرع الأقدس، و امّا كونه واجبا فلا دلالة عليه من الآية الكريمة.

الثاني: أن المال المتوهم وجوب إيتائه من الآية هو مال مقيد؛ إذ إمّا كونه محبوبا للشخص، و إمّا مع قصد القربة، و من الظاهر الواضح أن قصد القربة لا يشترك في صلة الرحم؛ و ذلك لكونها من التوصليات، كما أنه لا يكون مقيدا بكونه محبوبا.

الثالث: أن إيتاء المال للقربة لا يستلزم الصلة كما تقدم في طي‌

____________

(1) البقرة: 177

349

..........

____________

البحث حول الآية السابقة.

الرابع: يمكن أو يحتمل من إعطاء المال في الآية الشريفة الخمس كما ذكر في محله، و عند الاحتمال يبطل الاستدلال.

الخامس: لو سلّمنا بالوجوب، فليس الوجوب على نحو العام الاستغراقي، بل على نحو العام المجموعي، اي يجب مجموع هذه الأمور، لا كل واحد على حده، و عليه إذا ورد الاحتمال بالعام المجموعي فلا ربط لهذا الاستدلال بالمقام.

فالحاصل: أن الآية الشريفة اجنبية عن البحث، و لا علاقة لها بوجوب صلة الرحم.

ز- إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَ الْإِحْسٰانِ وَ إِيتٰاءِ ذِي الْقُرْبىٰ وَ يَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ وَ الْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (1).

و وجه الاستدلال بها على المدعى أن المستفاد من خلال الآية وجوب إيتاء ذي القربى، و بما أن الإيتاء يستلزم الصلة فعليه تكون صلة الرحم واجبة.

____________

(1) النحل: 90

350

..........

____________

و فيه:

أولا: أن الإيتاء لا يستلزم الصلة كما تقدم.

ثانيا: يحتمل من أن المراد من الإيتاء هو ما يختص بالخمس.

ثالثا: احتمال كون المراد هو المجموع كما تقدم.

فالحاصل: أنه لا ربط للآية بمقام البحث، بل هي أجنبية عن المقام.

ح- وَ آتِ ذَا الْقُرْبىٰ حَقَّهُ وَ الْمِسْكِينَ وَ ابْنَ السَّبِيلِ .... الآية (1) بتقريب أن المقصود من القربى هم الرحم، و بما أن إيتاء القربى واجب فعليه تجب صلة الرحم.

و يلاحظ على هذا الاستدلال أربعة أمور:

1- لا بد أن نفرض حقا لذوي الرحم في بادئ الأمر حتى يترتب عليه هذا الحكم، و صلة الرحم من الحقوق التي ترجع إلى الرحم أول الكلام و الإشكال؛ و ذلك أننا لو أحرزنا هذا المعنى فحينئذ لا حاجة لنا بالاستدلال المذكور، لأنه ينطوي تحت دائرة تحصيل الحاصل، و هو محال.

و من الواضح أن الحكم لا يكون متعرّضا لموضوع نفسه، بل لا بد أن‌

____________

(1) الإسراء: 26

351

..........

____________

يكون الموضوع محرزا في الرتبة السابقه؛ و ذلك إمّا بالعلم الوجداني أو التعبدي من الأمارة و الأصل، فعند ذلك يترتب عليه الحكم، و أما في المقام فلم يتحقق إحرازهما، بل محرزين العدم.

فبناء عليه يرد التساؤل من أن الصلة المتعرض لها هل تكون من الحقوق الشرعية و يجب القيام بها أو لا؟

الجواب: عدم تحقق هذا الحق؛ و ذلك بمقتضى الاستصحاب.

2- يحتمل أن يكون المراد من قوله سبحانه: وَ آتِ ذَا الْقُرْبىٰ حَقَّهُ الخمس.

3- ان إيتاء الحق إلى شخص من الأشخاص لا يستلزم صلته كما تقدم في طي البحث حول الآيتين المتقدمتين.

4- ان الآية الكريمة وردت في بيان قضية فدك و لا ربط لها بالمقام، هذا ما ذكره لنا إمامنا الصادق (عليه السلام) قال: لما بويع لأبي بكر و استقام له الأمر على جميع المهاجرين و الأنصار، بعث إلى فدك من اخراج وكيل فاطمة بنت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) منها، فجاءت فاطمة [ (عليها السلام)] إلى أبي بكر فقالت: يا أبا بكر منعتني ميراثي من رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) و اخرجت وكيلي من فدك و قد جعلها إليّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) بأمر اللّه.

فقال لها: هاتي على ذلك شهودا، فجاءت بام أمين فقالت: لا أشهد حتى احتج يا أبا بكر عليك بما قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فقال انشدك اللّه‌

352

..........

____________

أ لست تعلم أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال: ان أم أمين امراة من أهل الجنة، قال: بلى، قال: فاشهد ان اللّه أوحى إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) وَ آتِ ذَا الْقُرْبىٰ حَقَّهُ وَ الْمِسْكِينَ فجعل فدك لفاطمة (عليها السلام) بامر اللّه، و جاء علي (عليه السلام) فشهد بمثل ذلك فكتب لها كتابا برد فدك و دفعه إليها ...

الحديث (1).

فتمخض مما أوضحناه: عدم تمامية الاستدلال المزبور بالآية الشريفة على المدّعى.

ط- فَآتِ ذَا الْقُرْبىٰ حَقَّهُ ... الآية (2)

و التقريب المتقدم في الآية السابقة هو التقريب، و الجواب هو الجواب، فلا وجه للإعادة.

ي- وَ لٰا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَ السَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبىٰ وَ الْمَسٰاكِينَ ... الآية (3).

بتقريب أن المستفاد من الآية الشريفة المنع عن امساك المال عن‌

____________

(1) البرهان: 3/ 263.

(2) الروم: 38

(3) النور: 22

353

..........

____________

القريب، فتجب صلة الرحم.

و لكي نعرف صحة هذا الاستدلال لا بد أن نبحث الآية من جميع جوانبها، فنقول: قد ذكر في سبب نزول الآية ثلاثة أقوال:

الأول: أنها نزلت في أبي بكر‌

يحدثنا عن ذلك (ابن عباس)، و (عائشة) و (ابن زيد) يقولون: أن الآية نزلت في أبي بكر و مسطح بن أثاثه، و كان ابن خالة أبي بكر، و كان من المهاجرين، و من جملة البدريين، و كان فقيرا، و كان أبو بكر يجري عليه و يقوم بنفقته، فلما خاض في الإفك قطعها، و حلف أن لا ينفعه بنفع أبدا، فلما نزلت الآية عاد أبو بكر إلى ما كان، و قال: و اللّه إني لأحب أن يغفر اللّه لي، و اللّه لا أنزعها عنه أبدا (1).

الثاني: أنها نزلت في يتيم من الأيتام‌

يحدثنا عن ذلك (الحسن)، و (مجاهد)، قالا: إن الآية نزلت في يتيم كان في حجر أبي بكر حلف لا ينفق عليه (2).

____________

(1) لاحظ مجمع البيان: 7/ 176، و التفسير الكبير: 8/ 348.

(2) مجمع البيان: 7/ 176.

354

..........

____________

الثالث: أنها نزلت في جمع من الصحابة‌

يروي لنا ذلك حبر الأمة (عبد الله بن عباس)، حيث يقول: إن الآية نزلت في جماعة من الصحابة، أقسموا على أن لا يتصدقوا على رجل تكلّم بشي‌ء من الإفك و لا يواسوهم (1).

فاتضح من خلال عرض هذه الأقوال أن سبب النزول مختلف فيه، و غير مسلّم عندهم، و لكن لا يمنعنا هذا عن الاستدلال بالآية إذا كانت تامة الدلالة، و لكي نعرف ذلك لا بد لنا من ملاحظة المتن من دون النظر إلى حقل روايات أهل البيت (عليهم السلام)، فنرى ما هو المستفاد؟

فنقول: قد ورد لمعنى الإيلاء ثلاثه معان:

1- التقصير‌

2- الترك‌

3- الحلف‌

و عند الحقيقه أن كل هذه المعاني لا تخلو من مناسبة، و لكن المهم عندنا المعنى الثاني و هو الترك الذي يمكن أن يكون دخيلا في مقام الاستدلال على وجوب صلة الرحم؛ حيث يستفاد من قوله عزّ و جل:

وَ لٰا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَ السَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبىٰ وَ الْمَسٰاكِينَ

____________

(1) نفس المصدر.

355

..........

____________

اي لا تتركوا إيتاء قرابتكم بمعنى صلوهم، و لكن عند التأمل يظهر من خلال سياق الآية الشريفة أن لايتاء ليس هو الوصل، بل معناه الإعطاء و الإحسان؛ و ذلك من خلال توجيه الخطاب إلى شريحة خاصة من المجتمع و هم الأغنياء، بقوله: أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَ السَّعَةِ و بهذا البيان تصبح الآية الكريمة أجنبية عن البحث، و يبرز من واقع هذا البيان ثلاثة أمور:

الأمر الأول: ان الدليل أخص من المدعى‌

الأمر الثاني: انه لا إشكال في عدم وجوب الصلة باعطاء المال، و إن شئت قلت: الآية تدل على وجوب إيتاء المال لكل قريب، و هذا خلاف الضرورة، و بعبارة اخرى تصبح الآية مجملة، و غير قابلة للاستدلال.

الأمر الثالث: ان الإيتاء لا يستلزم الصلة كما تقدم.

هذا كله بمعزل عن روايات أهل البيت (عليهم السلام)، و أمّا إذا نظرنا إلى رواياتهم نجد أن المراد من أولى القربى في الآية الشريفة هم أهل البيت (عليهم السلام)، هذا ما ذكر في تفسير علي بن إبراهيم القمي، حيث روى ذلك عن باقر علم النبيين «عليه الصلاة و السلام» قائلا: «أولى القربى هم قرابة رسول اللّه صلى عليه و آله» (1)

____________

(1) تفسير القمي: 2/ 100، و البرهان: 3/ 129، و تفسير الصافي: 3/ 426.

356

«الخلاصة»

____________

فتحصّل مما عرضناه من الآيات الشريفة: عدم دلالتها بحد نفسها على وجوب صلة الرحم؛ و إنما بعضها يدل على ذلك بواسطة الأحاديث الصادرة من مخزن الوحي عليهم الصلاة و السلام، و البعض الآخر لا دلالة فيه على وجوب صلة الرحم؛ و ذلك لعدم وجود أخبار تدل على ذلك.

3- النصوص

الدليل الثالث على وجوب صلة الرحم الأحاديث الواردة من طريق أهل البيت (عليهم السلام)، و هي كثيرة جدا، نكتفي في مقام الاستدلال على المدعى بكوكبة منها، و بها الكفاية و الزيادة لإثبات المدّعى، و هي كما يلي:

أ- قال أمير المؤمنين (عليه السلام) لنوفل البكاليّ: يا نوف صل رحمك يزيد اللّه في عمرك (1)

____________

(1) البحار: 71/ 89، ح 4.

357

..........

____________

و يناسب ان نتعرض إلى دقيقة انطلاقا من واقع الحديث، ألا و هي إذا ذكرت فائدة مع الأمر هل تصرفه عن الوجوب أو لا؟

الإجابة عن هذا التساؤل تستدعي التفصيل، فنقول: مجرد ذكر الفائدة لا يكون صارفا عن الوجوب؛ إذ تارة يتعرض المولى لفائدة شي‌ء بلا كونه أمرا به، ففي هذه الحالة لا مجال للقول بالانصراف؛ لأنه لا أمر في البين، و اخرى يأمر المولى بشي‌ء مع ذكر الفائدة، كما إذا قال: (صل ف‍ إِنَّ الصَّلٰاةَ تَنْهىٰ عَنِ الْفَحْشٰاءِ وَ الْمُنْكَرِ) فهل يمكن القول في هذه الصورة بعدم دلالة الأمر على الوجوب؟ بالطبع لا يمكن القول به، بل هو ظاهر في الوجوب من دون شك و لا ريب.

نعم لو وجدت قرينة مقامية و غيرها دالة على أن المولى ليس في مقام الايجاب يصح ذلك، و إلّا فلا.

ب- قال: أمير المؤمنين (عليه السلام) صلوا أرحامكم و لو بالسلام، يقول اللّه تبارك و تعالى: وَ اتَّقُوا اللّٰهَ الَّذِي تَسٰائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحٰامَ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1)

ج- قال أمير المؤمنين (عليه السلام) صلوا أرحامكم و إن قطعوكم (2)

____________

(1) البحار: 71/ 91، ح 14.

(2) البحار: 71/ 92، 19.

358

..........

____________

د- عمرو بن جميع، قال: كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) مع نفر من أصحابه، فسمعته و هو يقول: إنّ رحم الأئمة (عليهم السلام) من آل محمد (صلى اللّه عليه و آله) ليتعلق بالعرش يوم القيامة، و تتعلق بها أرحام المؤمنين، تقول: يا ربّ صل من وصلنا، و أقطع من قطعنا.

قال: فيقول اللّه تبارك و تعالى: أنا الرحمن و أنت الرحم، شققت اسمك من اسمي، فمن وصلك وصلته، و من قطعك قطعته، و لذلك قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): الرّحم شجنة (1) من اللّه تعالى عزّ و جل (2).

ه‍- قال: الإمام الصادق (عليه السلام): أن رجلا من خثعم جاء إلى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)، فقال له: أخبرني ما أفضل الإسلام؟

فقال: الإيمان باللّه.

قال: ثمّ ما ذا؟

قال: صلة الرحم.

قال: ثمّ ما ذا؟

فقال: الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر (3)

نلاحظ من خلال هذا الحديث أن الأمر بالمعروف و النهي عن‌

____________

(1) القرابة المشتبكة كاشتباك العروق، و لذا يقال: للعضو المشتبك شجن.

(2) البحار: 71/ 96، ح 25.

(3) البحار: 71/ 96، ح 30.