مباحث فقهية - الوصية، الشركة، صلة الرحم

- السيد تقي الطباطبائي القمي المزيد...
389 /
359

..........

____________

المنكر جاء متأخرا، و الحال أنه من الواجبات، فعليه يكون من طريق الاولوية أن تكون الرحم واجبة.

و- الأصبغ بن نباتة، قال: سمعت أمير المؤمنين (عليه السلام) يقول: إنّ أحدكم ليغضب فما يرضى حتى يدخل به النار، فأيّما رجل منكم غضب على ذي رحمه فليدن منه؛ فإنّ الرحم إذا مستها الرحم استقرت، و إنها متعلّقة بالعرش ينتقضه انتقاض الحديد، فينادي اللّهمّ صل من وصلني، و اقطع من قطعني؛ و ذلك قول اللّه في كتابه وَ اتَّقُوا اللّٰهَ الَّذِي تَسٰائَلُونَ بِهِ وَ الْأَرْحٰامَ إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً (1)

و أيّما رجل غضب و هو قائم فليلزم الأرض من فوره؛ فإنه يذهب رجز الشيطان (2)

ز- العلاء بن الفضيل، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: سمعته يقول:

الرحم معلّقة بالعرش، تقول: اللّهمّ صل من وصلني، و اقطع من قطعني، و هي رحم آل محمد، و رحم كلّ مؤمن، و هو قول اللّه: وَ الَّذِينَ يَصِلُونَ مٰا أَمَرَ اللّٰهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ (3)

____________

(1) النساء: 1

(2) البحار: 71/ 97، 34.

(3) البحار: 71/ 98، ح 37.

360

..........

____________

ح- يونس بن عفان، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: أوّل ناطق يوم القيامة من الجوارح الرحم، يقول: يا ربّ من وصلني في الدّنيا فصل اليوم ما بينك و بينه، و من قطعني في الدّنيا فاقطع اليوم ما بينك و بينه (1)

ط- أبو بصير، عن أبي عبد اللّه، (عليه السلام) قال: قال: الرحم معلّقة بالعرش ينادي يوم القيامة اللّهمّ صل من وصلني، و اقطع من قطعني.

فقلت: أ هي رحم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)؟

فقال: بل رحم رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) منها ... الحديث (2)

ي- قال رسول: صل رحمك و لو بشربة من ماء، و أفضل ما يوصل به الرحم كف الأذى عنها (3).

ك- أبو بصير، عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، قال: إنّ الرحم معلّقة بالعرش تقول: اللّهمّ صل من وصلني، و اقطع من قطعني، و هي رحم آل محمد (صلى اللّه عليه و آله)- إلى أن قال-: و رحم كل ذي رحم (4).

ل- أبو حمزة، قال: قال أبو جعفر (عليه السلام): صلة الأرحام تزكي الأعمال، و تدفع البلوى، و تنهى الأموال، و تنسئ له في عمره، و توسّع‌

____________

(1) البحار: 71/ 101، ح 51.

(2) البحار: 71/ 101، ح 52.

(3) البحار: 71/ 103، ح 62.

(4) الوسائل: 21/ 534/ ب 17 من أبواب النفقات، ح 6.

361

..........

____________

في رزقه، و تحبّب في أهل بيته، فيتق اللّه و ليصل رحمه (1).

م- أحمد بن محمد بن أبي نصر، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام)، في حديث قال: لا تمل من الدعاء؛ فإنه من اللّه بمكان، و عليك بالصبر و طلب الحلال و صلة الرحم، و إيّاك و مكاشفة الناس، فإنّا أهل بيت نصل من قطعنا، و نحسن إلى من أساء إلينا، فنرى و اللّه في ذلك العاقبة الحسنة (2).

ن- و في خطبة النبي (صلى اللّه عليه و آله) في فضل شهر رمضان، قال: و صلوا أرحامكم ... (3)

إلى غير ذلك من الروايات، و لا شبهة في استفادة وجوب صلة الرحم من خلال النصوص الوارد في هذا المضمار، مضافا للارتكاز الموجود في أذهان المتشرعة.

____________

(1) الوسائل: 21/ 535/ ب 17 من أبواب النفقات، ح 10.

(2) الوسائل: 7/ 84/ ب 32 من أبواب الدعاء، ح 1.

(3) الوسائل: 10/ 313/ ب 18 من أبواب احكام شهر رمضان، ح 20.

362

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

363

القسم الثالث في حرمة قطع الرحم

____________

و ما يمكن أن يستدل به على قطع الرحم أمور و هي كالآتي:

الأمر الأول: الإجماع

و الكلام حوله عين الكلام المتقدم في وجوب صلة الرحم فراجع.

الأمر الثاني: الآية الشريفة:

قال اللّه سبحانه: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَ تُقَطِّعُوا أَرْحٰامَكُمْ (1)

بتقريب أن المستفاد من الآية الشريفة حرمة قطع الرحم.

و الانصاف أن المدّعى لا يستفاد من خلال الآية؛ إذ المستفاد من‌

____________

(1) محمد: 22

364

..........

____________

توليتم هو الهروب من الحرب.

و هذا لا يوجب قطع الفساد، و كذلك لا يوجب أن لا يقطع الرحم، و اما حكم القطع ما هو فلا يستفاد من الآية الشريفة، اضف إلى ذلك كله أن الآية تشير إلى خصوص القتل و الكلام في مطلق القطع.

الأمر الثالث: النصوص.

و هي كما يلي:

1- أبو عبيدة، عن أبي جعفر (عليه السلام)، قال في كتاب عليّ: (عليه السلام) ثلاثة لا يموت صاحبهن أبدا حتى يرى وبالهنّ: البغي، و قطيعة الرحم، و اليمين الكاذبة يبارز اللّه بها، و إنّ أعجل الطاعة ثوابا لصلة الرحم، و إنّ القوم ليكونون فجّارا فيتواصلون فتنمى أموالهم و يثرون، و إنّ اليمين الكاذبة و قطيعة الرحم لتذران الديار بلاقع (1) من أهلها، و تنقل الرحم، و إنّ نقل الرحم انقطاع النسل (2).

2- حذيفة بن منصور قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): اتّقوا الحالقة‌

____________

(1) اي خالية، و هو كناية عن خرابها و إبادة أهلها، و المراد هنا أن الذي يحلف كذبا و زورا، و كذلك الذي يقطع رحمه يصبه الفقر، و يصبح بيته خاليا، و يصفر من كل شي‌ء، و لذا يقال للأرض القفراء التي لا شي‌ء فيها: بلقع.

(2) الوسائل: 21/ 492، ب 95 من أبواب أحكام الأولاد، ح 1.

365

..........

____________

فإنّها تميت الرجال، قلت: و ما الحالقة؟

قال: قطيعة الرحم (1).

3- أبو حمزة الثمالي، قال: أمير المؤمنين (عليه السلام): أعوذ باللّه من الذنوب التي تعجّل الفناء، قيل: و ما هي؟

قال: قطيعة الرحم (2).

4- السكوني، عن الصادق جعفر بن محمد، عن آبائه (عليهم السلام)، قال:

قال رسول الله (صلى اللّه عليه و آله): إذا ظهر العلم و احترز العمل و ائتلفت الألسن و اختلفت القلوب و تقاطعت الأرحام هنالك لعنهم اللّه فأصمّهم و أعمى أبصارهم (3).

و هذه الأحاديث وافية لإثبات حرمة قطع الرحم.

الأمر الرابع: ضرورة الأمر عند المتشرعة.

حيث انهم يرون قطع الرحم من المحرمات، بل عدّ في بعض النصوص من الكبائر، يحدثنا عن ذلك عبد العظيم بن عبد اللّه الحسني، قال: حدّثني أبو جعفر الثاني (عليه السلام) قال: سمعت أبي يقول: سمعت أبي‌

____________

(1) الوسائل: 21/ 493، ب 95 من أبواب أحكام الأولاد، ح 4.

(2) الوسائل: 21/ 493، ب 95 من أبواب أحكام الأولاد، ح 5.

(3) الوسائل: 21/ 494، ب 95 من أبواب أحكام الأولاد، ح 7.

366

..........

____________

موسى بن جعفر (عليه السلام) يقول: دخل عمرو بن عبيد على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فلمّا سلّم و جلس تلا هذه الآية: وَ الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبٰائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَوٰاحِشَ (1) ثم أمسك، فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام) ما أسكتك؟

قال: أحبّ أن أعرف الكبائر من كتاب الله عزّ و جل، فقال: نعم يا عمرو أكبر الكبائر الإشراك باللّه يقول اللّه: مَنْ يُشْرِكْ بِاللّٰهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّٰهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ (2) و بعده الإياس من روح اللّه؛ لأن اللّه عزّ و جل يقول:

لٰا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللّٰهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكٰافِرُونَ (3) ثم الأمن من مكر اللّه؛ لأن اللّه عزّ و جل يقول: فَلٰا يَأْمَنُ مَكْرَ اللّٰهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخٰاسِرُونَ (4)، و منها عقوق الوالدين؛ لأن اللّه سبحانه جعل العاق جَبّٰاراً شَقِيًّا، و قتل النفس الَّتِي حَرَّمَ اللّٰهُ إِلّٰا بِالْحَقِّ؛ لأن اللّه عزّ و جل يقول: فَجَزٰاؤُهُ جَهَنَّمُ خٰالِداً فِيهٰا (5) إلى آخر الآية، و قذف المحصنه؛ لأن اللّه عزّ و جلّ يقول:

لُعِنُوا فِي الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ (6)، و أكل مال اليتيم؛ لأن اللّه عزّ و جل يقول: إِنَّمٰا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نٰاراً وَ سَيَصْلَوْنَ

____________

(1) الشورى: 37

(2) المائدة: 72

(3) يوسف: 87

(4) الأعراف: 99

(5) النساء: 93

(6) النور: 23

367

..........

____________

سَعِيراً (1)، و الفرار من الزحف؛ لأن اللّه عزّ و جل يقول:

وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلّٰا مُتَحَرِّفاً لِقِتٰالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بٰاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّٰهِ وَ مَأْوٰاهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ (2) و أكل الربا؛ لأن اللّه عزّ و جل يقول: الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبٰا لٰا يَقُومُونَ إِلّٰا كَمٰا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطٰانُ مِنَ الْمَسِّ (3) و السحر؛ لأن اللّه عزّ و جل يقول:

وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرٰاهُ مٰا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلٰاقٍ (4) و الزنا؛ لأن اللّه عزّ و جل يقول: وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثٰاماً يُضٰاعَفْ لَهُ الْعَذٰابُ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهٰاناً (5) و اليمين الغموس الفاجرة؛ لأن اللّه عزّ و جل يقول: إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّٰهِ وَ أَيْمٰانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولٰئِكَ لٰا خَلٰاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ (6) و الغلول؛ لأن اللّه عزّ و جل يقول: وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمٰا غَلَّ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ (7) و منع الزكاة المفروضة؛ لأنّ اللّه‌

____________

(1) النساء: 1

(2) الأنفال: 16

(3) البقرة: 275

(4) البقرة: 102

(5) الفرقان: 68، 69

(6) آل عمران: 77

(7) آل عمران: 161

368

..........

____________

عزّ و جل يقول: فَتُكْوىٰ بِهٰا جِبٰاهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ (1) و شهادة الزور و كتمان الشهادة؛ لأنّ اللّه عزّ و جل يقول: وَ مَنْ يَكْتُمْهٰا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ (2) و شرب الخمر؛ لأن اللّه عزّ و جل نهى عنها كما نهى عن عبادة الأوثان و ترك الصلاة متعمدا، أو شيئا ممّا فرض اللّه عزّ و جل؛ لأن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال: من ترك الصلاة متعمدا فقد برئ من ذمّة اللّه و ذمّة رسوله، و نقض العهد و قطيعة الرحم؛ لأنّ اللّه عزّ و جل يقول: لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدّٰارِ (3) قال: فخرج عمرو و له صراخ من بكائه و هو يقول: هلك من قال برأيه، و نازعكم في الفضل و العلم (4).

فتدل هذه الرواية بوضوح على أن قطيعة الرحم من الكبائر، فعلى ضوء هذا الحديث و الأحاديث المتقدمة في القسم الاول تحصّل: أن الصلة واجبة و القطع حرام.

و قد سبق منا أنه يمكن اجتماع كلا الحكمين و لا تنافي بينهما، غاية الأمر أن الدليل قائم على أن القطع من الكبائر، و أما ترك الصلة- اي ترك الواجب- فلم يدل على كونه من الكبائر، إلّا ان يقال: إن المستفاد من دليل الحسني أن ترك ما فرضه اللّه من الكبائر فلاحظ.

____________

(1) التوبة: 35

(2) البقرة: 283

(3) الرعد: 25

(4) الوسائل: 15/ 318، ب 46 من أبواب جهاد النفس، ح 2.

369

القسم الرابع هل يختص وجوب صلة الرحم بمن يكون وصولا، أو يشمل الوصول و غيره؟

____________

الإجابة عن هذا التساؤل تتضح من خلال جهتين:

الجهة الاولى: القاعدة الأولية

و هي تقتضي عدم التقييد، اي لا تختص الصلة بالواصل فقط، بل تشمل كل رحم، سواء كان وصولا أم قاطعا؛ و ذلك بمقتضى إطلاق وجوب الصلة، حيث ان الإطلاق رفض القيود، و ان كان الذوق و مناسبة الحكم و الموضوع يقتضيان تضييق الدائرة في الواصل فقط، و لكن امثال هذه الامور لا تكون مانعة عن التمسك بالإطلاق.

الجهة الثانية: الأحاديث الشريفة

370

..........

____________

و هي كما يلي:

1- أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: صلوا أرحامكم و إن قطعوكم (1).

2- هشام بن أحمر، عن سالمة مولاة أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: كنت عند أبي عبد اللّه جعفر بن محمد (عليه السلام) حين حضرته الوفاة و اغمي عليه، فلما أفاق قال: أعطوا الحسن بن عليّ بن عليّ بن الحسين و هو الأفطس سبعين دينارا، و أعط فلانا كذا، و فلانا كذا، فقلت: أ تعطي رجلا حمل عليك بالشفرة يريد أن يقتلك؟!

قال: تريدين أن لا أكون من الّذين قال اللّه عزّ و جلّ: وَ الَّذِينَ يَصِلُونَ مٰا أَمَرَ اللّٰهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَ يَخٰافُونَ سُوءَ الْحِسٰابِ (2) نعم يا سالمة إنّ اللّه خلق الجنة فطيّبها و طيّب ريحها، و إنّ ريحها ليوجد من مسيرة ألفي عام، فلا يجد ريحها عاق و لا قاطع رحم (3).

3- صفوان بن مهران الجمّال قال: وقع بين عبد اللّه بن الحسن و بين أبي عبد اللّه (عليه السلام) كلام حتّى ارتفعت أصواتهما و اجتمع الناس عليهما حتّى افترقا تلك العشيّة، فلما أصبحت غدوت في حاجة لي فإذا أبو عبد‌

____________

(1) البحار: 71/ 92 ح 19.

(2) الرعد: 21

(3) البحار: 71/ 96 ح 29.

371

..........

____________

اللّه [ (عليه السلام)] على باب عبد اللّه بن الحسن و هو يقول: قولي يا جارية لأبي محمد هذا أبو عبد اللّه بالباب، فخرج عبد اللّه بن الحسن و هو يقول: يا أبا عبد اللّه ما بكّر بك؟

قال: إنه مررت البارحة بآية من كتاب اللّه فأقلقني قال: و ما هي؟

قال: قوله عزّ و جل: الَّذِينَ يَصِلُونَ مٰا أَمَرَ اللّٰهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَ يَخٰافُونَ سُوءَ الْحِسٰابِ قال: فاعتنقا و بكيا جميعا ثمّ قال: عبد اللّه بن الحسن: صدقت و اللّه يا أبا عبد اللّه كأنّي لم أقرأ هذه الآية قط (1)

4- علىّ بن إسماعيل التميمي، عن عبد اللّه بن طلحة قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: إنّ رجلا أتى النبي (صلى اللّه عليه و آله) فقال: يا رسول اللّه إنّ لي أهلا قد كنت أصلهم و هم يؤذوني، و قد أردت رفضهم، فقال: له رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) إذن يرفضكم اللّه جميعا.

قال: و كيف أصنع؟

قال: تعطي من حرمك، و تصل من قطعك، و تعفو عمّن ظلمك، فإذا فعلت ذلك كان اللّه عزّ و جلّ لك عليهم ظهيرا.

قال: ابن طلحة: فقلت له (عليه السلام) ما الظهير؟

____________

(1) البحار: 71/ 98 ح 41.

372

..........

____________

قال: العون (1).

5- إسحاق بن عمّار، قال: قال بلغني عن أبي عبد اللّه أنّ رجلا أتى النبي (صلى اللّه عليه و آله) فقال: يا رسول اللّه أهل بيتي أبوا إلّا توثبا عليّ و قطيعة لي و شتيمة فأرفضهم؟

قال: إذ يرفضكم اللّه جميعا، قال: فكيف أصنع؟

قال: تصل من قطعك، و تعطي من حرمك و تعفو عمّن ظلمك فإنك إذا فعلت ذلك كان لك من اللّه عليهم ظهير (2).

6- عبد اللّه بن سنان، قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): إنّ لي ابن عمّ أصله فيقطعني، و أصله فيقطعني حتّى لقد هممت لقطيعته إيّاي أن أقطعه.

قال: إنك إذا وصلته و قطعك، وصلكما اللّه جميعا، و إن قطعته و قطعك قطعكما اللّه (3).

فالنتيجة: أن مضمون هذه الروايات هو اشتراط الصلة، و لا يختص ذلك بالواصل دون غيره، بل يجب على كل فرد أن يصل كل شخص من أرحامه، سواء وصله أم لم يصله، لا فرق في ذلك.

____________

(1) البحار: 71/ 100 ح 50.

(2) البحار: 71/ 113 ح 72.

(3) البحار: 71/ 128 ح 91.

373

القسم الخامس بما ذا يحصل الوصل؟

____________

الإجابة عن هذا التساؤل تتضح من خلال زاويتين:

الزاوية الاولى: القاعدة الأولية‌

الزاوية الثانية: النص الخاص‌

[الزاوية الأولى: القاعدة الأولية]

فأمّا القاعدة الأولية فمقتضاها الرجوع إلى العرف؛ و ذلك لكونه محكما في تشخيص أو تعيين المفاهيم، و يمكن أن يقال: إن للزمان و المكان مدخلية في تحقق صلة الرحم، ففي بعض الاماكن تتحقق بالاتصال التلفوني كما في زماننا المعاصر، و في بعض الاماكن لا بد من زيارة الرحم إلى بيته و هكذا ...

[الزاوية الثانية: النص الخاص]

و أمّا النص الخاص فيظهر من خلاله أن الصلة تتحقق بمجرد كف الأذى عن الأرحام، بل أفضل ما توصل به الرحم، هذا ما رواه لنا ابن أبي‌

374

..........

____________

نصر البزنطي، عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: قال: أبو عبد اللّه (عليه السلام):

صل رحمك و لو بشرية من ماء، و أفضل ما توصل به الرحم كفّ الأذى عنها، و صلة الرحم منسأة في الأجل، مثراة في المال، محببة في الأهل (1)

فعلى ضوء هذا الحديث الشريف نستطيع أن نقول بمجرد كف الأذى يتحقق الوصل، و الالتزام بمفاد الحديث يسهل الامر؛ لما تعلم أنه قد يصل الأمر بالإنسان في بعض الأحيان إلى العسر و الحرج.

و يؤيد هذا الحديث روايتان:

1- قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): صل رحمك و لو بشربة من ماء، و أفضل ما يوصل به الرحم كفّ الأذى عنها (2).

2- الوصافي، قال: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): عظّموا كباركم و صلوا أرحامكم، و ليس تصلونهم بشي‌ء أفضل من كفّ الأذى عنهم (3).

فعلى ضوء هذه الأحاديث تحصّل: أنّ الصلة تتحقق بكف الأذى؛ لأن حديث البزنطي ناظر إلى موضوع تلك الروايات المتقدمة، فيكون حاكما عليها، و على هذا الأساس لا تعارض بين الأحاديث السالفة الذكر‌

____________

(1) لاحظ الكافي: 2/ 151، ح 9، و البحار: 71/ 88/ ح 1.

(2) البحار: 74/ 103، ح 62.

(3) الكافي: 2/ 165/ ح 3.

375

..........

____________

و حديث البزنطي.

و لرب قائل يقول: لا يمكننا التسليم بما جاء في حديث البزنطي؛ و ذلك لما يراه العرف من عدم تحقق الصلة بكفّ الأذى، و الحال أن الصلة واجبة، فحينئذ لا بد من تحققها بطريق آخر غير كفّ الأذى.

و جوابه: بناء على هذه المقالة يبرز التعارض من واقع هذا الإشكال بين خبر البزنطي القائل بتحقق الصلة بكفّ الأذى و بين الروايات المتقدمة، فتصبح النتيجة أن خبر البزنطي يدل على عدم وجوب الصلة، و الأحاديث الآنفة الذكر تدل على وجوب الصلة، و بما أن المتأخر من هذه الروايات هو خبر البزنطي فيكون حق الترجيح معه، فنأخذ به و نطرح تلك الأحاديث القائلة بوجوب الصلة؛ لما حققناه في مباحثنا الأصولية من كون المرجح الوحيد منحصرا في الأحدثية.

إن قلت: كيف يمكن الالتزام بهذه المقالة، و الحال أن المرتكز في أذهان المتشرعة وجوب الصلة و حرمة قطعها، فلا بد إذا من إرجاع حديث البزنطي إلى أهله.

قلت: المستفاد من حديث ابن مسلم أن الحديث ينسخ كما ينسخ القرآن، فيمكن أن يكون الحكم مسلّما و غير قابل للخدش فيه و مع ذلك ينسخ، و على ضوء هذه الرواية قلنا: بأن المتعارض من الحديثين أو الأحاديث يقدم و يرجح على غيره، و بعبارة أوضح يكون الترجيح مع الأحدث.

376

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

377

القسم السادس بناء على وجوب الصلة هل يحصل الامتثال في الجملة أو دائما؟

____________

بادئ ذي بدء أشير في الإجابة على السؤال المطروح، إلى أنه قد حقق في الاصول في بحث الأوامر عند التعرض لمادة الامر و هيئة من طرح سؤال على مائدة البحث، ألا و هو هل يدل الأمر على التكرار أو المرة الواحدة؟

الجواب: لا تعرض من خلال الأمر على المرة و التكرار، و انما يتحقق الامتثال بالمرة الواحدة؛ لأن الأمر يتعلق بالطبيعة متى ما وجدت في الخارج حصل الامتثال، و هو اعم من ايجادها بفرد واحد أو أفراد متعددة، و لكي يتضح المراد نطرح مثالا و هو: إذا قال المولى لعبده: اكرم العالم و في زمن واحد اكرم عدة من العلماء، فلا إشكال أنه يحصل الامتثال باكرام واحد من العلماء؛ و الوجه في ذلك ان انطباق المأمور به‌

378

..........

____________

على المأتي به طبيعي، و الإجزاء حكم عقلي، و لكن هذا البيان لا يتمشى في المقام.

بل المقام داخل في دائرة تحكيم العرف، نظير العشرة الزوجية، فإنه إذا ورد الدليل بوجوب مباشرة المعروف مع الزوجه، كأن يقال: يجب على الزوج مباشرة زوجته بالمعروف، و كذلك فيما إذا ورد الدليل على وجوب مباشرة الوالدين بالمعروف، فلا يمكن أن يقال: تحقق الامتثال بأن يباشر الزوج زوجته مرة واحدة بالمعروف، أو الولد يباشر والديه مرة واحدة، بل لا بد من الاستمرار.

فإذا عرفت ذلك نقول ان التكاليف تنقسم الى قسمين، تارة على نحو الاستمرار باستمرار موضوعها، و اخرى لا يكون كذلك، فموضوع صلة الرحم من القسم الأول، فعند ما يرد الدليل بوجوب صلة الرحم لا نرى خصوصية في زمان دون آخر، بل يستمر هذا العمل- و هو صلة الرحم- على جميع الفترات الزمنية، و لا معنى لأن يقال: يحصل الامتثال بالمرة الواحدة فقط، بل يجب على نحو الاستمرار، و عند ما نلاحظ العرف في ذلك يرون الوصول إلى رحمه فيما إذا يصلهم على الاستمرار، و اما إذا وصلهم مرة واحدة او حتى مرتين لا يقال له وصولا.

فتحصّل من خلال هذا البيان: أن المقام أمر عرفي و ليس له ميزان كلي، بل الميزان صدق الصلة و عدمها، و كذلك مباشرة الزوج لزوجته،

379

..........

____________

و الإحسان للوالدين، فهو حكم لم يأطر بإطار زمني محدود، و هذا بخلاف لو زالت الشمس فصلّ، ففي هذه الحالة يتحقق الامتثال و لو بالمرة الواحد، لأن الأمر قد تعلق بالطبيعة كما تقدم الكلام في صدر البحث.

أضف إلى ذلك كله أنه قد تقدم في القسم الثالث حرمة قطع الرحم، فإذا فرضنا أنه من الترك يلزم القطع، و القطع حرام، فإذا لم يمكن إثبات الوجوب للصلة فالقطع حرام فإذا فرضنا أنه من الترك يلزم القطع و القطع حرام فلا معنى لأن يقال يقتصر في تحققه على فرد واحد؛ و ذلك للفرق الشاسع بين الايجاب و التحريم، فالأول يتحقق و لو بالمرة الواحدة، و الثاني لا يتحقق إلّا بترك جميع الأفراد.

380

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

381

القسم السابع هل يشترط في وجوب الصلة أن تكون الرحم عادلة، أو مؤمنة، أو مسلمة، و أن لا يكون حربيا و ناصيا أو لا؟

____________

الإجابة عن هذا التساؤل تتضح من خلال مقامين:

المقام الاول: القاعدة الأولية.

المقام الثاني: الأدلة الثانوية.

[المقام الأول: القاعدة الأولية.]

فأمّا الأول فمقتضى إطلاق الأدلة عدم الاشتراط.

[المقام الثاني: الأدلة الثانوية.]

و أمّا الثاني فيمكن أن يستدل على أن صلة الرحم تختص بالمؤمن من خلال وجهين و هما كما يلي:

الوجه الأول: الآية الشريفة

قوله سبحانه و تعالى: قٰالَ يٰا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صٰالِحٍ فَلٰا تَسْئَلْنِ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ ... الآية (1)

____________

(1) هود: 46

382

..........

____________

بتقريب أن اللّه سبحانه و تعالى منع نوحا (عليه السلام) أن يسأل عن ابنه؛ لأنه عمل عملا غير صالح، فعلى هذا إذا كان الرحم مؤمنا يجب صلته و إلّا فلا؛ لأنه لا يكون أهلا للصلة، فبهذا الملاك نستطيع ان نحكم بعدم وجوب الصلة في كل رحم و قريب منحرفا.

و جوابه يتضح من ثلاثة أمور:

الأول: إن دائرة الرحم أوسع نطاقا من دائرة الأهل، فليس كل قريب أهل، فعلى ذلك نفي الأهلية لا ينفي القرابة و الرحم.

الثاني: مقتضى الآية الشريفة عدم صلة الفاسق من الرحم؛ و ذلك لأنه يعمل عملا غير صالح، غاية الأمر أن المراتب مختلفة، فهذه مرتبة راقية من الانحراف، و هذه نازلة، و أخرى أقلّ و هكذا ... و هو كما ترى.

الثالث: إن الخطاب الصادر من المولى عزّ و جل خاص بشريعة نوح (عليه السلام)، و حتى على القول بجريان الاستصحاب في الاحكام الكلية- مع قطع النظر عن معارضته باستصحاب عدم الجعل الزائد- لا يجري في المقام، كما تقدم توضيحه مستوفى في القسم الأول عند تعرضنا إلى الآية الخامسة، فاتضح أنه لا مجال للتمسك بالآية الكريمة على المدعى.

الوجه الثاني: ما روي عن النبي (صلى اللّه عليه و آله)

حيث قال: «قطع الإسلام أرحام الجاهلية» (1)

و هذا الحديث لا إشكال في أن دلالته بالنسبة إلى قطع رحم الكافر‌

____________

(1) بحار الأنوار: 71/ 109.

383

..........

____________

تامة، و انما الكلام و الإشكال في سند هذا الحديث، فإننا لا يمكننا التعويل عليه؛ و ذلك للإرسال.

و على أية حال تحصّل من خلال ما بيناه: أن الإطلاق محكم، و يؤيده حديث الجهم بن حميد حيث قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): تكون لي القرابة على غير أمري، ألهم عليّ حق؟

قال: نعم حقّ الرّحم لا يقطعه شي‌ء، و إذا كانوا على أمرك كان لهم حقان: حقّ الرّحم و حقّ الإسلام (1)

و زبدة المخاض أنه لا فرق في وجوب الصلة بين أن يكون الرحم مؤمنا، او فاسقا، او كافرا، و كذلك لا تنافي بين هذا الحكم و بين ما يختص ببعض الفرق.

إن قلت: كيف يمكن الالتزام بوجوب صلة الرحم على نحو الإطلاق؟! و الحال أن المستفاد من الأدلة عدم جواز السلام على الكافر، فكيف بتكريمه و الإحسان إليه؟!

قلت: لا تنافي بين الأمرين، فإن باب الصلة واسعة، و للصلة انواع و أقسام، فيمكن امتثال الأمر بها في ضمن فرد لا يكون موردا للنهي الشرعي.

____________

(1) الكافي: 2/ 157/ ح 30.

384

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

385

القسم الثامن هل يشترط في الصلة أن تكون مؤثرة في الطرف المقابل، بحيث يحصل منها المحبة و المودة أو لا؟

____________

الذي يجول في الذهن في هذه العجالة أنّ المناسبة بين الحكم و الموضوع تقتضي الاختصاص، بل لنا أن نقول: المراد من الصلة هي الوصل، و من الظاهر أن الوصل في المقام هو وصل معنوي، لا خارجي، فلو فرض عدم ترتب الأثر عليه فما هي فائدته؟ و كيف يتحقق الوصل؟!

و يتضح المدعى في صورة تأثيرها في الطرف المقابل أثرا منافيا للقرب و المحبة، سيما إذا كان ذلك موجبا للإذاء، فيمكن ان يقال في هذه الحالة بالحرمة؛ و ذلك لحرمة الإيذاء، و طريق الاحتياط ظاهر.

نعم في صورة جلبها الأذية يكون مقتضى حرمة الإيذاء حرمتها فلاحظ.

386

..........

____________

و بهذا قد تم البحث في صلة الرحم من محاضرات سيدنا الأستاذ آية اللّه العظمى الحاج السيد تقي الطباطبائي القمي «دام عزه»، و كان ذلك في صبيحة التاسع و العشرين من شهر شوال لعام 1417 ه‍، على مهاجرها آلاف التحية و السلام، و حرره الراجي شفاعة مولاه زهير بن الحاج يوسف الدرورة السنابسي، عفى الله عنه و عن والديه، بجواز مرقد كريمة الإمام موسى بن جعفر عليه آلاف التحية و السلام.

و الحمد للّه أولا و آخرا و ظاهرا و باطنا، و آخر دعوانا أَنِ الْحَمْدُ لِلّٰهِ رَبِّ الْعٰالَمِينَ، و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء و المرسلين، محمد بن عبد اللّه و آله الطيبين الطاهرين، و اللعن الدائم المؤبد على أعدائهم من الآن إلى قيام يوم الدين.

387

مصادر البحث

388

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

389

1- القرآن الكريم.

2- وسائل الشيعة، محمد بن الحسن الحر العاملي (ت 1104 ه‍) ط، مؤسسة آل البيت (عليهم السلام) لإحياء التراث، قم- ايران.

3- تفسير البرهان، السيد هاشم البحراني (ت 1107 ه‍) ط، قم- ايران 1375 ه‍.

4- تفسير الصافي، محسن الملقب بالفيض الكاشاني (ت 1091 ه‍) ط، مكتبة الصدر، طهران- ايران.

5- مجمع البيان في تفسير القرآن، أبو علي الفضل بن الحسن الطبرسي، (471- 548 ه‍) ط دار أحياء التراث العربي بيروت- لبنان ط الأولى 1406 ه‍.

6- بحار الأنوار، محمد باقر المجلسي (ت 1110 ه‍) ط، دار احياء التراث العربي، بيروت- لبنان، ط الثانية 1403 ه‍.

7- مباني العروة الوثقى، محمد تقي الخوئي ط، الأولى 1408 ه‍ قم- ايران.

8- مستمسك العروة الوثقى، محسن الحكيم، ط الرابعة 1391 ه‍ النجف الأشرف- العراق.

9- تفسير القمي، علي بن إبراهيم القمي (من أعلام القرنين الثالث و الرابع الهجري) ط، دار الكتاب، قم- ايران 1404 ه‍.