نتائج الأفكار في نجاسة الكفار

- السيد محمد رضا الگلپايگاني المزيد...
246 /
53

نجاسة الكفّار. و لو فرض عدم وضوح دلالة كلّ واحد منها على ذلك فهي مشتملة على روايات صحيحة السند واضحة الدلالة ناطقة بنجاسة اليهود و النصارى و المجوس و هذه تكفينا، نعم لنا اخبار ربما تستظهر منها طهارتهم و نحن نتعرّض لها عند ذكر أدلّة القائلين بها و نجيب عنها إنشاء اللّه تعالى فانتظر.

____________

النجاسات: العاشر: الكافر نجس العين عند علمائنا كافّة لقوله تعالى

إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ

و

كَذٰلِكَ يَجْعَلُ اللّٰهُ

. و لأنّ أبا ثعلبة قال: قلت يا رسول اللّه آنا بأرض أهل الكتاب أ فنأكل في آنيتهم؟ فقال (عليه السلام): ان وجدتم غيرها فلا تأكلوا فيها، و ان لم تجدوا غيرها فاغسلوها و كلوا فيها، و قال (عليه السلام): المؤمن ليس ينجس، و التعليق على الوصف المناسب يشعر بالعلّية إلخ.

54

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

55

الكلام حول الإجماع على النجاسة

و من الوجوه التي تمسّك بها القائلون بنجاسة اليهود و النصارى- مضافا الى المشركين و الملاحدة- هو الإجماع، فنقول: ذهب علماء الأصحاب و فقهاء الشيعة خلفا عن سلف الى القول بنجاسة أهل الكتاب، و لم يظهر بينهم خلاف في ذلك، بحيث ادّعى الإجماع على نجاستهم [1] و عدم الخلاف في المسئلة، بعد‌

____________

[1]. أقول و ممّن ادّعى الإجماع هو السيّد و كثير من اعلام الشيعة فقال السيّد المرتضى علم الهدى في كتاب الطهارة من الانتصار: و ممّا انفردت به الإماميّة القول بنجاسة سؤر اليهودي و النصراني و كلّ كافر. و يدلّ على صحّة ذلك مضافا الى إجماع الشيعة عليه قوله تعالى

إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ

إلخ. و قال في الناصريّات: عندنا انّ سؤر كلّ كافر بأيّ ضرب من الكفر كان كافرا، نجس.

دليلنا على صحّة ما ذهبنا اليه بعد إجماع الفرقة المحقّة قوله تعالى

إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ

إلخ.

و قال الشيخ في التهذيب ج 1 ص 223: اجمع المسلمون على نجاسة المشركين و الكفّار إطلاقا و ذلك ايضا يوجب نجاسة أسئارهم إلخ. و قال العلّامة في المنتهى ج 1 ص 168: الكفّار أنجاس و هو مذهب علمائنا اجمع سواء كانوا أهل كتاب أو حربيّين أو مرتدّين و على اىّ صنف كانوا.

56

انّه لا خلاف قطعا في نجاسة المشركين و منكري الصانع و أمثالهم، و على الجملة فهذا هو مذهب علمائنا الأخيار المتفرّقين في البلدان و الأمصار، طيلة قرون و أعصار، فهم أجمعوا على نجاسة الكفار و لم يخالفوا في ذلك، نعم نسب الخلاف الى شاذّ منهم و هم الشيخان- المفيد و الطوسي- و القديمان- العمّاني و الإسكافي- و لكنّ الظاهر عدم خلافهم ايضا فيما هو المقصود، فانّ السبب في عدّ الشيخ من المخالفين انّه قال في النهاية (1): و يكره ان يدعو الإنسان أحدا من الكفار الى طعامه فيأكل معه فان دعاه فليأمره بغسل يديه ثم يأكل معه ان شاء انتهى.

حيث انّه عبّر بالكراهة و لم يقل يحرم و مفاد كلامه انّ المؤاكلة مع الكفار للمسلم مكروه، و كذا قال بأنّه لو دعاه الى طعامه فليأمره بأن يغسل يده ثم يأكل هذا المسلم مع الكافر الذي غسل يديه، فلو كان نجسا ذاتيّا فكيف يؤمر بغسل يديه؟ و هل غسل اليد يرفع النجاسة العينيّة و يزيلها؟.

و على الجملة فكراهة الأكل معه و امره بغسل اليدين ينافيان النجاسة العينيّة الذاتية.

و فيه انّه (قدّس سرّه) قال في النهاية قبل العبارة المذكورة بأسطر قليلة: لا يجوز مؤاكلة الكفّار على اختلاف مللهم و لا استعمال أوانيهم إلّا بعد غسلها بالماء، و كلّ طعام تولّاه بعض الكفّار بأيديهم و باشروه بنفوسهم لم يجزأ كله لأنّهم أنجاس ينجس الطعام بمباشرتهم إيّاه و قد رخّص في جواز استعمال الحبوب و ما أشبهها ممّا لا يقبل النجاسة و ان باشروها بأيديهم، انتهى كلامه رفع‌

____________

و قال علم التحقيق شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه) في طهارته بعد ادعاءه الإجماعات المستفيضة:

بل يمكن دعوى الإجماع المحقّق.

____________

(1). كتاب الأطعمة و الأشربة باب الأطعمة المحظورة و المباحة ص 589

57

مقامه. (1)

و هذه العبائر كما ترى صريحة جدّا في نجاستهم بحيث لا تنالها أيدي الاحتمالات و هي نصوص قاطعة منه (قدّس سرّه) على موافقته للمشهور في نجاسة الكفّار، و انّهم من النجاسات، فهل يمكن ان يقال انّه نسي تلك العبارات الناطقة بالمطلوب، و غفل عنها أو انّه رجع عن الحكم في هذه المسافة القصيرة و الاسطر القليلة، و افتى بخلافه؟. فحينئذ لا بدّ من ردّ اللاحق الى السابق و حمل عبارته الأخيرة على ما لا تخالف كلامه الصريح، [1] و هذا بمكان من السهولة، و حمل الظاهر على النصّ أمر رائج عند الفقهاء.

و يؤيّد ذلك انّ ارادة الحرمة من الكراهة و استعمال الكراهة في الحرمة في كلمات أصحابنا السابقين و أساطير اعلامنا الماضين غير عزيز، و ارادة المعنى اللغويّ من الكراهة في عرف القدماء شايعة. [2]

و ان أبيت عن ذلك فنقول: سلّمنا إرادة الكراهة المصطلحة من لفظ الكراهة، الّا انّ المراد من المؤاكلة هنا المؤاكلة في اليابس.

و امّا الأمر بغسل يده ثمّ الأكل معه فلا يستلزم جواز الأكل معه بعد ذلك مطلقا حتّى في إناء واحد كي يستلزم ذلك كونه طاهرا بالذات بل المقصود من غسلها نظافتها و رفع القذارة عنها كيلا يتنفّر الجلساء [3] فيأكل هذا من إناء و ذاك‌

____________

[1]. بتنزيل الطعام على ما ليس برطب، و ما لا سراية فيه كطبخ الأرز، يأكل من جانب، و غسل اليدين لازالة ما عساه يعلّق بأيديهم من اقذارهم ثم ينتظر حتى يجفّ، كذا في وسائل الشيعة للفقيه الكاظميّ ص 145

[2]. أقول: و قد صرّح في المبسوط بنجاسة أواني المشركين و أهل الكتاب و سائر الكفار إذا باشروها بأجسامهم فراجع ج 1 منه ص 14

[3]. أقول: و قد تعرّض لهذا، المحقّق في نكت النهاية و أجاب ببعض ما افاده سيّدنا الأستاذ، دام ظلّه العالي و إليك عين العبارة: قوله و يكره ان يدعو الإنسان واحدا من الكفّار الى طعامه

____________

(1). نفس الصفحة المذكورة

58

من آخر و المؤاكلة مع أحد لا يستلزم وحدة الإناء أيضا.

هذا بالنسبة إلى شيخ الطائفة أعلى اللّه مقامه.

و امّا الشيخ المفيد (قدّس اللّه إسراره) فقد عبّر في الرسالة الغريّة بالكراهة في أسئارهم و صار هذا التعبير منه سببا في عدّه ايضا من المخالفين.

لكن الظاهر عدم دلالته على كونه قائلا بطهارتهم، لإمكان إرادة الحرمة من الكراهة كما ذكرناه آنفا.

و يؤيد ذلك انّه في غير هذه الرسالة من كتبه افتى بالنجاسة.

هذا مضافا الى انّ اتباعه و تلاميذه الذين هم اعرف بمذهبه و فتاواه من غيرهم ادّعوا الإجماع على النجاسة، و لم ينقلوا عنه خلافا، و لا القول بكراهة أسئار الكفّار- اليهود و النصارى- و هو بمكانه الخاصّ به من كونه رئيس الفرقة، و عماد الأمّة، بل نقله عنه بعد ذلك المتوسّطون، فهو لم يحسب مخالفا في المسئلة عند أصحابه و اتباعه، و على ذلك فلا بدّ امّا من حمل الكراهة في كلامه على الحرمة، كما احتملنا ذلك في كلام شيخ الطائفة، و امّا من القول بأنّه قد عدل عن قوله كما يشهد بذلك شأن سائر كتبه، و ما ذكرنا من حال أصحابه و تلاميذه.

و على هذا فكيف يعدّ و يحسب المفيد مخالفا في المسئلة و الحال هذه؟ و هل يمكن نسبة المخالفة اليه مع تلك القرائن الظاهرة و الأمارات الدّالّة على قوله بالنجاسة؟.

____________

فيأكل معه فان دعاه فليأمره بغسل يده ثم يأكل معه ان شاء. ما الفائدة في الغسل و هو لا يطهر به؟ الجواب الكفّار لا يتورّعون عن كثير من النجاسات، فإذا غسل يده فقد زالت تلك النجاسة و هذا يحمل على حال الضرورة أو على مؤاكلة اليابس، و غسل اليد لزوال الاستقذار النفساني الذي يعرض من ملاقاة النجاسات العينية و ان لم يفد طهارة اليد. ثم استشهد المحقّق برواية عيص بن قاسم فراجع الجوامع الفقهيّة ص 437.

59

و امّا ابن ابى عقيل فهو و ان كان يقول بطهارة سؤر الذمي، الّا انّه ليس ذلك لأجل كونه قائلا بالطهارة، بل انّ فتواه بذلك ناشئة عمّا تحقّق عنده من عدم انفعال الماء القليل بملاقات النجس، و من نسب الخلاف اليه استفاد ذلك من تصريحه بطهارة سؤر الذمي، و الحال انّ افتاءه بطهارة سؤره مبنىّ على اجتهاد خاصّ به في الماء القليل حيث انّه على خلاف كافّة العلماء و الأصحاب- القائلين بأنّ الماء القليل يتنجّس بملاقات النجاسة، و انّ الكرّ لا يتنجّس إلّا إذا تغيّر أحد أوصافه الثلاثة بها- يقول انّ الماء القليل ايضا مثل الكثير لا يتنجّس بمجرّد الملاقاة، و بعبارة اخرى انّه قائل بعدم انفعال القليل بالنجاسة، و سؤر الذمي طاهر عنده لذلك- بعد تخصيص السؤر بالماء [1]- فلا يدلّ افتاءه بذلك على طهارتهم أصلا.

بقي من هؤلاء الذين قد يدّعى مخالفتهم للأصحاب ابن الجنيد الإسكافي. [2]

و الذي يسهّل الخطب و يهوّن الأمر أنّه مرميّ بشذوذ القول و الميل الى القياس و الإفتاء غالبا على طبق مذهب العامّة و قد شنعوا عليه في ذلك و صار‌

____________

[1]. أقول: كما عليه جملة من الأصحاب على ما صرّح به في المدارك. و قال في كشف الغطاء:

الأسئار جمع سؤر و هو فضلة الشرب من قليل الماء من حيوان ناطق أو صامت و ان اشتهر في الثاني أو ما أصاب أو اصابه فم حيوان أو جسم حيوان كذلك و الأظهر الأوّل.

[2]. فإنّ له كلامين ظاهرين في مخالفته للأصحاب و ذهابه إلى طهارة أهل الكتاب و قد نقلهما علم التقى الشيخ المرتضى (قدّس سرّه الشريف) في طهارته.

قال في أحد كلاميه: التجنّب من سؤر من يستحلّ المحرّمات من مليّ أو ذميّ أحبّ إليه إذا كان الماء قليلا.

و في الآخر: انّ التجنّب ممّا صنعه أهل الكتاب من ذبائحهم و في آنيتهم و ممّا صنع في أواني مستحلي الميتة و مؤاكلتهم ما لم تيقّن طهارة آنيتهم و أيديهم أحوط، انتهى.

فتارة عبّر، بأنّ التجنّب أحبّ و اخرى بأنّه أحوط فتأمّل.

60

هذا سببا لرفض أقواله عند الأصحاب و عدم اعتنائهم بفتاويه [1] و على هذا فافتاءه بطهارة أهل الكتاب غير ضائر بالإجماع بعد ان كان رأيه متروكا.

و لذا لم يوافقه في هذه الفتوى أحد من المتقدّمين و لم يسلك سبيله في هذا الرأي من عرف بدقّة النظر و جودة الرأي من المتأخرين.

نعم مال اليه المحقّق السبزواري [2] و المحدّث الفيض الكاشاني (رضوان اللّه عليهما) إلّا أنّهما ايضا معروفان بشذوذ القول و مرميّان بالفتاوى الغريبة و الآراء النادرة حتّى انّه قد يقال في حقّ الأوّل منهما انّه في المتأخرين كابن الجنيد في المتقدّمين.

فتحصّل ممّا ذكرنا في هذا المضمار انّ الإجماع قائم على نجاستهم بلا خلاف قادح في المسئلة.

نعم يمكن ان يقال: انّ الإجماع لا يعتدّ به في المقام لعدم كونه دليلا مستقلّا ممتازا عن الأدلّة اللفظيّة الواردة. و الإجماع حجّة إذا لم يكن في المسئلة دليل صالح للاستناد إليه، فإنّه يحدس هناك وجود دليل معتبر عند المجمعين و‌

____________

[1]. أقول يؤيّد ما افاده سيّدنا الأستاذ دام ظله ما ذكره المحقّق التستري في المقابيس. فإنّه بعد ان مدح الإسكافي بألفاظ شريفة و اطراه الاطراء الجميل الفائق كقوله: العزيز النظير البالغ في الفقه و سائر فنون العلم أقصى المراتب. قال: و صنّف كتبا كثيرة جيّدة حسنة بديعة و ان كان بعضها ممّا يتعلّق بالقياس و الاجتهاد فاسد الوضع كما بيّناه في موضع آخر و قد نقلوا عنه انّه كان يرى القول بالقياس فتركت لذلك كتبه و لم يعوّل عليها. انتهى.

و في مقدّمة كتاب المقنع: و حكى بعض انّ الشيخ المفيد (قدّس سرّه) صرّح في بعض أجوبة المسائل الواردة عليه انّه نسب اليه- ابن الجنيد- العمل بالقياس و اتّهم بالسلوك مسالك العامّة في الفقه.

[1]. قال في الكفاية: و لا خلاف بين الأصحاب في نجاسة غير أهل الكتاب من أصناف الكفار، و في نجاسة أهل الكتاب خلاف و المشهور بين الأصحاب نجاستهم و ذهب المفيد في أحد قوليه و ابن الجنيد إلى الطهارة و أدلّة النجاسة محلّ بحث و الاخبار المعتبرة دالّة على الطهارة لكن لا ينبغي الجرأة على مخالفة المشهور المدّعى عليه الإجماع.

61

عثورهم عليه، حيث انّ بناءهم كان على ان لا يتكلّموا من عند أنفسهم و بدون دليل معتبر موثوق به و امّا إذا كان في المسئلة دليل صالح لان يستند اليه المجمعون فالاعتماد هناك عليه و الاستناد اليه، و ليس الإجماع شيئا ورائه، و اللّازم حينئذ الإقبال و التوجّه الى هذا الدليل الذي يصلح للاستناد اليه و لو بالنسبة الى بعض دون الآخرين.

و الظاهر عندي انّ مسئلتنا كذلك فانّ الدليل على نجاستهم هو الآية الكريمة الظاهرة في نجاستهم، و الروايات الشريفة الدّالّة على ذلك، غاية الأمر انّ الخاصّة و أصحاب الأئمة أخذوا بظاهر الآية و حكموا بالنّجاسة العينيّة الذاتيّة كما انّ الأئمة (عليهم السلام) أخذوا هذا المعنى من القرآن الشريف و الآية الكريمة و نشروه و روّجوه بأخبارهم فاتّخذ الشيعة سبيلهم و سلكوا طريقهم و على منهاجهم.

و امّا العامّة فهم قالوا بالنجاسة الحكمية مؤوّلين الآية الكريمة عليها و هذا أيضا أثر سيّئ من آثار انحرافهم عن معاهد أهل البيت و ثمرة تباعدهم عن ولاية أسره رسول اللّه خزّان علم اللّه و مهابط وحيه و تراجمة كتابه و ينابيع أحكامه. أجل انحرفوا عنهم فصاروا يتيهون في كلّ واد و يسيرون خلف كلّ ناعق. و على الجملة فهذا كما ذكرنا تأويل منهم في الآية حيث انّها ظاهرة في النجاسة الذاتية، و فيما ذكره الشيخ الطوسي (قدّس سرّه): (انّ الكفار نجس في الجملة) إشارة الى ما ذكرناه فانّ قوله: (في الجملة يعنى امّا ذاتا كما يقوله الشيعة و امّا حكما كما جنح إليه العامّة هذا و قد علمت ممّا ذكرنا انّ استناد الأصحاب في الحكم بالنجاسة مطلقا الى الآية الكريمة و الروايات، فهم قد فهموا و استظهروا النجاسة، و أفتوا بها، و أجمعوا عليها، و لم يظهر بينهم طوال الأعصار الكثيرة و السنوات المتمادية خلاف يعبأ به، فالإعراض عن هذا النظر و غمض العين عن فتوى الاعلام و الأجلّة، و الرغبة عن الحكم بالنجاسة في غاية الإشكال.

62

لا يقال انّ الحكم بنجاسة البئر كان مجمعا عليه بين المتقدّمين فكانوا يفتون بوجوب نزح المقدّرات عند تنجّسه، قاطعين به، ثمّ بعد مضىّ قرون متوالية على هذا اعرض العلماء عن ذلك و أفتوا بعدم تنجّسه بالملاقاة و قالوا باستحباب المنزوحات و اشتهر هذا القول حتّى اتّفقت كلمة المتأخّرين على ذلك، بلا قيل و قال، فأيّ إشكال أو بعد في كون مسئلتنا ايضا كذلك و ان يفتي المتأخرون بطهارة أهل الكتاب و يوافقوا المحقّق السبزواري مثلا و زملاءه في الإفتاء بذلك بعد ان كان السابقون مجمعين على النجاسة؟

فإنّا نقول: بين المسألتين بون بعيد و فرق ظاهر، فانّ مسئلة البئر و نزحه حكم لم يكن له عرق قرآني بل مأخذه اخبار واردة في الباب فقط، و هذه الاخبار و ان كانت مسلّمة الصّدور عنهم (عليهم السلام) و لم يكن صدورها للتّقية لكنّها مع ذلك لم تكن بنحو يوجب حكم الفقهاء جزما بنجاسة البئر لأجلها.

فترى الشيخ الصدوق (قدّس سرّه) قال في الهداية: ماء البئر واسع لا يفسده شي‌ء، [1] ثم ذكر مقادير النزح من دون تصريح بالنجاسة و هذا سواء كان عين فتواه و نظره أو انّه كانت رواية نقلها بصورة الفتوى لا يدلّ على أكثر من حسن النزح و استحبابه، أو على الوجوب تعبّدا، و لا دلالة فيه على النجاسة، و لا تصريح فيه بذلك.

و ذهب شيخ الطائفة ايضا الى القول بعدم الانفعال و التنجّس على ما نسب إليه العلّامة في المختلف، و مال إليه جماعة ذكر أسمائهم في مفتاح الكرامة (1) و آل الأمر الى ان قال بعض العلماء: [2] انّ الإجماع القائم على انفعال البئر بالملاقاة‌

____________

[1]. الهداية ص 14، لكن في النسخة الموجودة عندي: ماء النهر. فراجع

[2]. هو المحقّق الهمداني على ما يستفاد من كلامه (قدّس سرّه).

____________

(1). ج 1 ص 79

63

إجماع اجتهاديّ، اى انّ البحث في الدلالة، فهم قد فهموا من تلك الاخبار نجاسته، و بحذائهم قوم لم يفهموا ذلك و لم يستظهروه منها بل استفادوا و استظهروا منها الطهارة، لكنّهم يرون أنفسهم في معرض الاتّهام لو أفتوا بما تحقّق عندهم أو انّهم كانوا يراعون الأدب بالنسبة إلى الأعاظم و رؤساء المذهب القائلين بالنجاسة فلم يبدو ما علموا و استمرّوا على ذلك، الى ان تجرّأ بعض و فتح باب المخالفة و افتى فرقة ضئيلة بالطهارة نظرا الى كون رواياتها أقوى عندهم و بمجرّد افتتاح هذا الطريق الصعب اقبل المتأخرون اليه و اتّبعوا هذه الجماعة القليلة فرحين بذلك فأفتوا بالطهارة مع كونهم بحيث نعرفهم بعدم بناءهم على مخالفة الاخبار أو الخروج عن مقتضى الأدب بالنسبة إلى ساحة الأكابر، و القدماء الأخيار، و السلف الأبرار، بل كان لهم كمال الاهتمام بالأدب الى مقامهم العظيم و شأنهم الرفيع و هذا هو الدليل على كونه اجتهاديّا و عدم وجود عرق أصيل للمسئلة حيث انّهم مع غاية اهتمامهم بكلمات الاعلام السابقين اتّفقوا على خلافهم حتّى انّ الفقيه الهمداني (رضوان اللّه عليه) دعا لهم و شكر مساعى من أبدى المخالفة و هوّن الخطب (1) هذا حال تلك المسئلة.

و امّا مسئلتنا هذه فقد خالف المحقّق السبزواري مثلا رأى القدماء، و افتى بطهارتهم، و لكنّهم لم يتّبعوه بل كلّ من قال بالطهارة تركه العلماء وحيدا و رفضوا كلامه، و أعرضوا عن طريقه جدّا فكم فرق بين مسئلتنا الّتي تدلّ عليها الآية الكريمة، و ظاهر الروايات تبعيّتها- غاية الأمر أنّه وردت أخبار في طهارة أهل الكتاب المعلوم صدورها تقيّة من أهل السنة و الحكّام الظالمين- و بين مسئلة البئر الّتي هي اجتهادية محضة، و إفتاء القدماء فيها بخلاف أخبار الطهارة لا يوجب طرحها.

____________

(1). راجع مصباح الفقيه كتاب الطهارة ص 35

64

إذا عرفت ذلك فاعلم انّه لا حجّة لي فيما بيني و بين اللّه في القول بطهارتهم و لا في الاعتماد على اخبار الطهارة مع أعراض المشهور [1] و أعاظم العلماء بل كلّهم عنها، و ذلك لعدم الوثوق بها و الحال هذه.

ان قيل انّ بعض المتأخرين قال بأنّه لا يلزم في الأخذ بالخبر و الاعتماد عليه و العمل به كون الرواية بنفسها موثوقا بها بل يكفي في ذلك كون الراوي محلّ الوثوق فمجرّد الاطمئنان براوي الخبر كاف في العمل به و ان لم يكن الخبر بنفسه كذلك، و ما نحن فيه من هذا الباب فإنّ الأخبار الدّالّة على الطهارة أخبار رواها العدول و الموثّقون، و هذا يوجب الاطمئنان بها و الوثوق بصدورها و صحّتها فكيف تطرحونها و تفتون بخلافها؟.

نقول: اللازم هو الوثوق بنفس الرواية، غاية الأمر انّ لإثبات وثاقة الخبر طرقا من جملتها وثاقة الراوي، فإذا لم يكن شأن الخبر معلوما فوثاقة الرواة امارة توجب الوثوق بالرواية، لا ان يكون وثاقة الراوي كافية مطلقا حتّى و ان ظهرت علامات الكذب و لاحت أمارات بطلان الرواية اتّفاقا، فليس معنى قول الراوي:

أ فيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه معالم ديني [2] انّ ما رواه الثقة يؤخذ به و ان‌

____________

[1]. أقول: خصوصا بلحاظ ما قاله الوحيد البهبهاني (قدّس سرّه الشريف) في تعليقاته على المدارك و هو قوله: في ص 85: الظاهر انّ الحكم بالنجاسة شعار الشيعة يعرفه علماء العامّة منهم بل و ينسبونهم اليه بلا تأمّل بل و عوامهم ايضا يعرفون انّ هذا مذهب الشيعة بل ربما كان نساؤهم و صبيانهم ايضا يعرفون ذلك بل اليهود و النصارى و المجوس و الصابئون و غيرهم من الكفّار ايضا يعرفون انّ ذلك مذهب الشيعة و مسلكهم في العمل و امّا الشيعة فهم ايضا يعرفون انّ مذهبهم كذلك و مسلكهم في الأعصار و الأمصار كان كذلك حتّى نساؤهم و صبيانهم فلا يضرّ خروج مثل ابن جنيد سيّما و هو أنكر حرمة القياس مع انّها من ضروريّات مذهبنا فلا مانع من خروج ابن ابى عقيل ايضا لما ذكرت و لما مرّ في نجاسة الخمر.

[2]. محمد بن نصير قال قلت لأبي الحسن الرضا (عليه السلام): جعلت فداك انّى لا أكاد أصل إليك أسئلك عن كلّ ما احتاج اليه من معالم ديني أ فيونس بن عبد الرحمن ثقة آخذ عنه ما احتاج اليه من معالم ديني؟ فقال نعم. جامع أحاديث الشيعة الطبع الجديد ج 1 ص 226

65

قامت القرائن الخارجيّة على خلافه، و كذا قول الامام (عليه السلام) في زكريّا بن آدم: المأمون على الدين و الدّنيا [1] ليس معناه كفاية وثاقة ناقل الخبر و كونه أمينا في الالتزام بالخبر و ان كانت أمارات الخلاف قائمة بحيث حصل الاطمئنان بأنّه لا أصل له و لا حقيقة بل اللّازم هو الاطمئنان بالخبر و ان كان بقرينة الوثوق بالراوي و ناشئا منه، و الخبر ان المذكوران آنفا و كذا أشباههما لا تفيد أكثر من انّه إذا وردت رواية و لم تقم القرائن على خلافها يعمل بها للوثوق بها بسبب الوثوق براويها الذي هو مثل يونس بن عبد الرحمن و زكريّا بن آدم القميّ.

و على هذا فلو كان الراوي ثقة أمينا لكن وجدت قرائن على عدم صحّة الرواية فهنا لا يتمسّك بها، و ما نحن فيه كذلك، حيث انّ الرواة موثوق بهم لكن الروايات بنفسها معرض عنها و نحن نفهم من أعراض الأصحاب- المهتمّين جدّا بالتعبّد بما وصل إليهم من الأئمة (عليهم السلام)- عنها عدم كونها منهم، و لو فرض كونها منهم و صادرة عنهم فهي مصداق لقول بعض الأصحاب لآخر منهم في بعض الأحيان: أعطاك من جراب النورة [2] فلم تصدر الّا لخصوصيّات و جهات لا‌

____________

[1]. عن علىّ بن مسيّب قال قلت للرضا (عليه السلام) شقتي بعيدة و لست أصل إليك في كلّ وقت فعمّن آخذ معالم ديني؟ فقال: من زكريّا بن آدم القميّ المأمون على الدّين و الدّنيا قال علىّ بن مسيّب فلمّا انصرفت قدمت على زكريا بن آدم فسألته عمّا احتجت اليه، المصدر السابق بعينه.

[2]. أقول: قال الطريحي في مجمع البحرين- باب نور- قوله (عليه السلام): أعطاك من جراب النورة لا من العين الصافية على الاستعارة، و الأصل فيه انّه سئل سائل محتاج من حاكم قسىّ القلب شيئا فعلّق على رأسه جراب نورة عند فمه و انفه كلّما تنفّس دخل في أنفه منها شي‌ء فصار مثلا يضرب لكلّ مكروه غير مرضىّ. و في الوسائل ج 17 ص 541 ب 1 من أبواب ميراث ولاء العتق ح 16 عن سلمة بن محرز قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل مات و له عندي مال و له ابنة و له موالي قال: فقال لي: اذهب فأعط البنت النصف و أمسك عن الباقي فلمّا جئت أخبرت أصحابنا بذلك فقالوا أعطاك من جراب النّورة فرجعت اليه فقلت: انّ أصحابنا قالوا لي:

أعطاك من جراب النورة قال: فقال: ما أعطيتك من جراب النورة علم بها أحد؟ قلت: لا قال:

فأعط البنت الباقي.

و في رواية سلمة بن محرز المنقولة في ج 9 من الوسائل ب 10 من أبواب كفارات الاستمتاع:

66

اعتناء بمضامينها و بيانا لحكم اللّه الواقعي.

و يؤيّد ما ذكرنا- من انّ المعيار هو الوثوق بالخبر نفسه- انّه لو لم يكن الراوي لرواية خاصّة موثوقا به لكن رأينا العلماء- الذين هم خبرة الروايات و العارفون بصحيحها و سقيمها و غثّها و سمينها- قد عملوا بها وجب الأخذ بها و كلّما ازدادت ضعفا من حيث السند ازدادت قوة من حيث الدلالة.

تذنيب البحث

قد استظهرنا سابقا من الاخبار الشريفة نجاسة أهل الكتاب و من لحق بهم، لكونها ظاهرة بل صريحة في ذلك، لكنّها لم تكن متعرّضة لغيرهم و لم تذكر غير اليهود و النصارى و المجوس فما حكم غيرهم؟ و بعبارة أخرى لو فرض تعرّض الآية لخصوص المشركين و هذه الروايات لأهل الكتاب فأيّ دليل يدلّ على نجاسة غيرهم من الكفّار؟

____________

فيمن واقع امرأته قبل طواف النساء فقال الصادق (عليه السلام): ليس عليك شي‌ء فأخبر هو الأصحاب بذلك فقالوا له: اتّقاك و أعطاك من عين كدرة راجع ح 5.

و قال المولى الوحيد البهبهاني (قدّس سرّه) في فوائده (ص 314 ملاحظات): قد ورد في الاخبار انّ الشيعة كانوا يقولون في الحديث الذي وافق التّقيّة: أعطاك من جراب النورة قيل: مرادهم تشبيه المعصوم (عليه السلام) بالعطّار و كانوا يبيعون أجناس العطّارين بجربان و كان النورة ايضا يبيعون من جرابها- بجراب- فإذا أعطى التقية قالوا أعطاك من جرابها: اى مالا يؤكل و لو أكل لقتل، و الفائدة فيه دفع القاذورات و أمثالها و قيل: انّ النقباء لمّا خرجوا في أواخر زمن بنى أميّة في الخراسان و أظهروا الدعوة لبني العبّاس بعثوا إلى إبراهيم الإمام منهم بقبول الخلافة فقبل و هو في المدينة و كانت هي و سائر البلدان في تحت سلطنة بنى أميّة و حكمهم سوى خراسان إذ ظهر فيها النقباء و كانوا يقاتلون و يحاربون و لمّا اطّلع بنو أميّة بقبول إبراهيم الخليفة أخذوه و حبسوه و قتلوه خفية و وضعوا جراب النورة في حلقه فحنقوه به فصار ضرب المثل اشارة بالنسبة الى من ترك التقية و تاركها و كان هذا الكلام من الشيعة الى هذه الحكاية و مثلا مأخوذا منها.

67

نقول: مذهب الشيعة نجاستهم ايضا و المستند في ذلك و ان أمكن ان يكون هو الإجماع الّا انّ الظاهر عدم استنادهم اليه، بل تمام المستند هو الآية الشريفة فلم يروا خصوصيّة للمشرك المذكور فيها كما انّهم لم يستظهروا من الاخبار المذكورة الواردة في نجاسة أهل الكتاب دخل خصوصيّة كونهم كتابيّين في الحكم بنجاستهم فانّ كون الإنسان كتابيّا بنفسه غير مقتض للنجاسة و ليس هو عنوانا من العناوين المقتضية لها فالحكم دائر مدار الصّفة الخاصّة و هي الكفر فهو صفة خبيثة تكفي وحدها لترتّب هذا الأثر عليها و يدور مدارها.

كما ترى رعاية هذه النكتة في بعض الاخبار الشريفة مثل مرسلة الوشّاء عمّن ذكره عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) انّه كره سؤر ولد الزنا و سؤر اليهودي و النصراني و المشرك و كلّ من خالف الإسلام و كان أشدّ ذلك عنده سؤر الناصب. (1)

فانّ المستفاد منها انّ المقتضى للنجاسة هو المخالفة للإسلام بأيّ نحو كانت و بأيّ صورة اتّفقت و على كثرة ألوانها و تفرّق أغصانها غاية الأمر انّ الناصب شرّ مخالفي الإسلام.

و قد استدلّ المحقّق (2) (رضوان اللّه عليه) على نجاستهم بقوله تعالى كَذٰلِكَ يَجْعَلُ اللّٰهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ. فتمسّك بإطلاق عدم الايمان و ظهور الرجس في النجاسة و قد مرّ البحث حول هذه الآية الكريمة عند الاستدلال بالآيات فراجع.

____________

(1) وسائل الشيعة ج 1 ب 3 من أبواب الأسئار ح 2

(2) أقول: قال في المعتبر ص 24 امّا الكفار فقسمان يهود و نصارى و من عداهما امّا القسم الثاني فالأصحاب متّفقون على نجاستهم سواء كان كفرهم أصليّا أو ارتداديّا لقوله تعالى إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ و لقوله تعالى كَذٰلِكَ يَجْعَلُ اللّٰهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ.

68

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

69

أدلّة القائلين بطهارة أهل الكتاب

استدلّ القائلون بطهارة أهل الكتاب بوجوه ثلاثة: الأصل و الكتاب و السنّة.

امّا الأصل: فتقريره انّا نشكّ في كونهم محكومين بالنجاسة و مقتضى الأصل عند الشك في الطهارة و النجاسة هو الطهارة فنحكم بها.

و فيه انّه معلوم غير خاف على أحد انّ الحكم عند الشك في الطهارة و النجاسة هو الطهارة عقلا و نقلا، فالعقل يحكم بطهارة كل شي‌ء لم يرد دليل من الشارع بنجاسته كما انّ الشّارع قد صرّح أيضا بطهارة كل شي‌ء حتّى يعلم انّه قذر، الّا انّ الأصل دليل حيث لا دليل و يؤخذ به و يصار اليه عند الشك و حين فقد الدليل على المطلب امّا إذا كان هناك دليل يمكن التمسك به على واحد من الجانبين فلا مجال للتمسك بالأصل و الاستدلال به، و ما نحن فيه كذلك لوجود‌

70

الدليل على النجاسة و هو الكتاب و الاخبار.

و بعبارة اخرى انّ الأصل منقطع بالآية الكريمة و الروايات الدّالّة على النجاسة، و انقطاعه بالدليل مانع عن التمسك به.

الاستدلال بالكتاب على طهارتهم

و استدلّوا ايضا بقوله تعالى وَ طَعٰامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حِلٌّ لَكُمْ وَ طَعٰامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ (1).

تقرير الاستدلال انّ اللّه تعالى صرّح بحلّ طعام أهل الكتاب للمسلمين، و طعام المسلمين لأهل الكتاب، و إذا حلّ طعامهم- الذي صنعوه بأيديهم و عالجوه بمباشرتهم- للمسلمين فكيف يحكم بنجاستهم و الحال انّ حلّ طعامهم مستلزم لطهارة طعامهم و طهارة طعامهم مستلزم لطهارة أنفسهم، و هذا- أي طهارة الكتابي بذاته- هو المطلوب.

و فيه انّ الطّعام و ان كان بحسب الوضع اللغوي هو كلّ ما يطعم، نظير الشراب الذي هو اسم لما يشرب، فالموضوع له أوّلا هو المطلق لكنّه استعمل في البرّ [1] أو مطلق الحبوب كثيرا و ائمة أهل اللغة أيضا قد صرّحوا بذلك و قد نقلنا سابقا كلام بعضهم كالفيّومى في المصباح المنير و كذا صاحب المغرب و غيرهما من اللغويّين و قد ورد هذا الإطلاق في كلام النّبي الكريم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و أصحابه في حديث ابى سعيد: كنّا نخرج صدقة الفطرة على عهد‌

____________

[1]. أقول: قال في القاموس: البرّ بالضمّ الحنطة. و قال الراغب في مفردات القرآن ص 41: البرّ معروف و تسميته بذلك لكونه أوسع ما يحتاج إليه في الغذاء انتهى.

____________

(1). سورة المائدة الآية 7

71

رسول اللّه صاعا من طعام أو صاعا من شعير [1] فإنّه ذكر الطعام مقابل الشعير و هذا قرينة على انّ المراد من الطعام هو الحنطة و كأنّه قال: صاعا من البرّ أو من الحنطة.

و يمكن ان يكون السرّ في غلبة الطعام في البرّ و إطلاقه عليه بالخصوص هو كثرة الحاجة في محيط إطلاقه فكون الناس أشدّ حاجة الى البرّ هو السبب في إطلاق العام و المطلق عليه و صيرورته اسما له بخصوصه، و يمكن ان يكون ذلك لجهات اخرى و لا يهمّنا البحث عن ذلك.

و إذا تحقّق انّ الطعام اسم للحبوب مطلقا أو البرّ فقط أو غلب استعماله فيهما فأيّ إشكال في حمل الآية الكريمة على هذا المعنى؟ و إذا حملناها عليه فلا يثبت بها مراد المستدلّ فانّ حلّ الطعام المطبوخ أو المصنوع الذي باشروه و عالجوه بأيديهم و ان كان مستلزما لطهارة طعامهم، و هي مستلزمة لطهارة أنفسهم، و امّا حلّ البرّ أو مطلق الحبوب فلا يستلزم ذلك أصلا.

مع صاحب المنار

و قد ظهر ممّا ذكرنا حول الآية الكريمة انّ ما أورده صاحب المنار على الشيعة- في تفسير الطعام بالحبوب أو الحنطة- في غير محلّه قال في ذيل الآية الشريفة:

و فسّر الجمهور الطعام هنا بالذبائح، أو اللحوم، لانّ غيرها حلال بقاعدة أصل الحلّ، و لم تحرم من المشركين، و الّا فالظّاهر انّه عامّ يشملها، و مذهب الشيعة انّ المراد بالطعام، الحبوب، أو البرّ، لانّه الغالب فيه و قد سئلت عن هذا‌

____________

[1]. نقله في الجواهر ج 6 ص 44 و قال الراغب في المفردات مادة طعم: و قد اختصّ بالبرّ فيما روى أبو سعيد انّ النبي أمر بصدقة الفطر صاعا من طعام أو صاعا من شعير.

72

في مجلس كان أكثره منهم و ذكرت الآية فقلت ليس هذا هو الغالب في لغة القرآن فقد قال اللّه تعالى في هذه السورة أي المائدة أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَ طَعٰامُهُ مَتٰاعاً لَكُمْ وَ لِلسَّيّٰارَةِ (1) و لا يقول أحد، انّ الطعام من صيد البحر هو البرّ أو الحبوب. و قال كُلُّ الطَّعٰامِ كٰانَ حِلًّا لِبَنِي إِسْرٰائِيلَ إِلّٰا مٰا حَرَّمَ إِسْرٰائِيلُ عَلىٰ نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرٰاةُ (2) و لم يقل أحد انّ المراد بالطعام هنا البرّ أو الحبّ مطلقا إذ لم يحرم شي‌ء منه على بني إسرائيل لا قبل التوراة و لا بعدها فالطعام في الأصل كلّ ما يطعم اى يذاق أو يؤكل، قال تعالى في ماء النهر حكاية عن طالوت فَمَنْ شَرِبَ مِنْهُ فَلَيْسَ مِنِّي وَ مَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي (3) و قال فَإِذٰا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا (4) اى أكلتم، و ليس الحبّ مظنّة التحليل و التحريم و انّما اللحم هو الذي يعرض له ذلك لوصف حسيّ كموت الحيوان حتف انفه و ما في معناه، أو معنويّ كالتقرّب به الى غير اللّه. (5)

فهو بذكر هذه الآيات و استشهاده بها صار بصدد إبطال ما قال به الشيعة و اثبت بزعمه انّ تفسير الطعام بالحبوب أو البرّ خلاف آيات القرآن نفسها.

و فيه انّ الإطلاق المذكور على ما ذكرنا مؤيّد عند أهل اللغة، فلو أنكر كون هذا المعنى موضوعا له فلا يمكن إنكار أصل الاستعمال كما في كلّ مورد يطلق المطلق و يراد منه قسم خاصّ منه مع قرينة تدلّ عليه حاليّة أو مقاليّة أو غيرهما ككون هذا القسم الخاص أغلب من سائر الأقسام الموجودة في المطلق، أو كونه مظنّة للحاجة كثيرا، كما انّ الحبوب أو البرّ فيما نحن فيه كذلك، و لينظر‌

____________

(1). سورة المائدة الآية 96

(2). سورة آل عمران، الآية 93

(3). سورة البقرة الآية 249

(4). سورة الأحزاب الآية 53

(5). المنار، ج 6 ص 178

73

صاحب المنار إلى أقوال اللغويّين و قد مرّ قسم منها.

و لا يخفى انّ هذا البحث غير مختصّ بالشيعة في هذه الآية الكريمة كما انّه غير مختصّ بهذه المسئلة بل هو بعينه جار بين أهل السنة أيضا في بعض المسائل الفقهيّة فإنّ أبا حنيفة و الشافعي الذين هما من أئمة العامّة قد اختلفا فيمن وكل وكيلا على ان يبتاع له طعاما فقال الشافعي: لا يجوز ان يبتاع الّا الحنطة و قال أبو حنيفة: يكفي ان يشترى الدقيق ايضا [1] و هكذا لو قال المولى لعبده ادخل السوق و اشتر الطعام. فان بعضهم قال بأنّ المراد من السوق هنا هو سوق البرّ لانّ الطعام هو البرّ.

و هذه المسئلة نظير المسئلة المعروفة بين فقهاء الشيعة في فدية المساكين فإنّهم اتّفقوا على عدم الاجتزاء بقيمة الطعام و اختلفوا في انّه يجب إعطاء خصوص البرّ كما قاله بعض أو يكفي إعطاء الشعير ايضا كما قاله الآخرون.

و على الجملة فلا مجال أصلا للإشكال في استعمال الطعام في البرّ و لا يلزم من قولنا هذا استعماله فيه مطلقا و في كلّ الموارد حتّى يستشكل صاحب المنار و ينقض بتلك الآيات الكريمة، بل الغرض هو خصوص آية حلّ الطعام.

الطعام في السّنّة

ثمّ انّ الذي يحملنا على الإصرار على هذا المطلب و إثبات إطلاق الطعام‌

____________

[1]. أقول: ذكر ذلك السيّد ابن زهرة في الغنية و قال بعد ذلك: ذكر ذلك المحاملي في آخر كتاب البيوع من كتابه الأوسط في الخلاف، و ذكره الأقطع في آخر كتاب الوكالة من شرح القدورى، و قال في الشرح: و الأصل في ذلك انّ الطعام اسم للحنطة و دقيقها و انّما أحوجنا الى ذكر مذهب المخالف في ذلك و الإحالة على كتبهم إنكار من أنكره من جهّالهم الى آخر كلامه زيد في علوّ مقامه.

74

في اللغة و الاصطلاح على الحبوب أو البرّ انّما هو الجواب عن صاحب المنار و زملائه ممّن أنكروا على الأصحاب في ذلك، و صاروا بصدد الطعن و الوقيعة فيهم.

و امّا الشيعة فيكفيهم جملة واحدة و هي تفسير الطعام بالحبوب في لسان الأئمة المعصومين (صلوات اللّه عليهم أجمعين) و هم بما وهبهم اللّه تعالى من العلم الغزير و الفهم البالغ و بما انّهم أهل بيت الوحي و التنزيل و مهابط نور اللّه و عندهم ما نزلت به رسله و هبطت به ملائكته، و العلم بما أراد اللّه تعالى من الآيات الكريمة، قالوا بأنّ المراد من الطعام في الآية الشريفة المبحوث عنها هو الحبوب مثلا لا كلّ ما يساغ و يبتلع، و بها ينقطع الكلام و يثبت المقصود و المرام، فانّ الشيعة تعتقد في الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) العلم و العصمة و انّهم مستودع علوم رسول اللّه الذي: لا ينطق عن الهوى، إِنْ هُوَ إِلّٰا وَحْيٌ يُوحىٰ (1) فما قاله الامام هو الصحيح العاري عن كلّ ريب و شائبة، و هو الحق، و عين الحق، و ليس في خلافه حقّ، و ان كان على خلاف الظواهر أو مخالفا لقول أهل اللغة.

فهو نظير ما إذا علمنا عقلا انّ الظاهر ليس بمراد كما في قوله تعالى:

الرَّحْمٰنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوىٰ (2) حيث انّ ظاهره ان اللّه تعالى متحيّز و له مكان و الحال انّا نعلم عقلا انّ اللّه تعالى ليس جسما حتّى يستوى و يستقرّ على العرش، و العقل ينكر ذلك جدّا فلذا نقول انّ المراد منه استواءه بقدرته، و استيلائه و سلطانه على عالم الوجود.

و على الجملة فلا بعد أصلا في ان يطلق اللّه تعالى لفظا عامّا و يقول الامام (عليه السلام) الّذي هو المفسّر لكلام اللّه و ترجمان آياته و الشارح لمراده انّه أريد منه كذا، كما فيما نحن فيه حيث انّ الروايات الصحيحة و اخبار العترة الطاهرة‌

____________

(1). سورة و النجم الآية 3

(2). سورة طه الآية 5

75

تصرّح بأنّ المراد من الطعام في الآية الحبوب. [1] فكيف يمكن ان يقال انّ المراد منه هو مطلق الطعام مع ورود هذه الروايات الشريفة الصريحة، و وجودها؟

لا يقال: انّه يلزم من ذلك تخصيص الأكثر حيث ان الطعام موضوع لكلّ ما يؤكل و يبتلع و اين هذا من تخصيصه بالحبوب.

لأنّا نقول: ليس هذا من باب التخصيص أصلا كي يرد عليه الاشكال بلزوم تخصيص الأكثر، بل هو من باب التفسير، حيث انّ الامام (عليه السلام) الذي هو ترجمان وحي اللّه و اعلم الناس بأحكامه و شرائعه و المرادات من كتابه يخبرنا بأنّ اللّه تعالى أراد من الطعام كذا، و اين هذا من التخصيص؟

أضف الى ما ذكر من الجوابين:- أحدهما كون المراد من الطعام هو البرّ و‌

____________

[1]. و إليك بعض هذه الاخبار الناطقة بذلك:

عن ابى الجارود قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ

وَ طَعٰامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حِلٌّ لَكُمْ وَ طَعٰامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ

، قال: الحبوب و البقول (1) و عن قتيبة الأعشى عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في حديث انّه سئل عن قوله تعالى

وَ طَعٰامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حِلٌّ لَكُمْ وَ طَعٰامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ

، قال: كان ابى يقول: انّما هي الحبوب و أشباهها (2) و عن هشام بن سالم عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه تعالى: و طعامهم

(وَ طَعٰامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ) حِلٌّ لَكُمْ

، فقال:

العدس و الحمّص و غير ذلك (3) و عن محمّد بن علىّ بن الحسين قال: سئل الصادق (عليه السلام) عن قول اللّه عزّ و جلّ: و طعام الذين أوتوا الكتاب حلّ لكم، قال: يعنى الحبوب (4) و بإسناده عن هشام بن سالم عن الصادق (عليه السلام) قال: العدس و الحمّص و غير ذلك (5) العيّاشي في تفسيره عن هشام بن سالم عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في قول اللّه تبارك و تعالى

وَ طَعٰامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حِلٌّ لَكُمْ

، قال: العدس و الحبوب و أشباه ذلك يعنى من أهل الكتاب (6) و عن سماعة عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن طعام أهل الذّمّة ما يحلّ منه؟ قال:

الحبوب (7) عن سماعة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن طعام أهل الذّمة ما يحلّ منه؟ قال: الحبوب (8) راجع وسائل الشيعة ج 16 ح 3 و 4 و 5 و 6 و 7 و 8 و 1 و 2.

76

إطلاقه عليه في اللغة و الاصطلاح، ثانيهما ورود الروايات بذلك عن تراجمة كتاب اللّه- جوابا ثالثا و هو انّا نقول: سلّمنا كون الطعام مطلقا يشمل غير الحبوب أيضا إلّا انّا نقول انّ الآية ناظرة إلى حكم ذات الطعام بعنوانه الاوّلى فكون الطعام طعاما لهم ليس بنفسه علّة للحرمة فإنّ إضافة الطعام الى (الذين أوتوا الكتاب) ظاهرة في خصوصيّة انتسابه إليهم، و تعلّقه بهم، و كونه لهم، و هذه الإضافة بمجرّدها لا توجب الحرمة، فالطعام المملوك لهم حلال على المؤمنين من حيث ذاته، لكن يمكن عروض عوارض توجب الحرمة، فإنّ الحلّية الذاتيّة لا إطلاق لها يشمل الحالات العارضة و العناوين الطارية فلو صار هذا الطعام سؤرا له و كان فضل غذائه و بقيّة طعامه و ادخل يده فيه أو باشره بشفتيه فلا يكون حلالا كما انّه إذا قيل انّ طعام أهل الكتاب حلّ لكم فهذا لا يشمل الخنزير المذبوح عندهم حتّى يحتاج إخراجه إلى التخصيص و قد أمضينا في ذلك كلاما ايضا فراجع و لاحظ.

نعم لمّا كان بعض أطعمتهم ملازما للنجاسة و لا ينفك عنها نظير المطبوخات الّتي يعالجونها بأجسامهم و يباشرونها بأيديهم فلذا يقول الإمام بأنّ المراد من الطعام الحبوب مثلا، يعنى انّ غيرها و ان كان متّصفا بالحليّة الذاتية الّا انّه محرّم لعروض العارض و طروّ حالة أوجبت النجاسة.

الا ترى انّه لو قيل لمن يريد دخول قرية: انّ طعام أهل هذه القرية حلال، ثم بعد ذلك قال انسان مطّلع على شأن القرية و حال أهلها: انّ مراد هذا القائل هو غير ذبائحهم فانّ ذبحهم ليس شرعيّا، فهذا لا ينافي الحكم الأوّل بالحليّة، لانّ الحلّ ذاتيّ و الحرمة عرضيّة.

و لا يخفى انّه يجرى في قول الامام (عليه السلام) و تفسيره احتمال آخر و هو كونه في مقام بيان الحليّة الفعليّة فإنّها محقّقة في الحبوب غير محقّقة في‌

77

غيرها.

و ما قيل من ان المراد من حلّ الطعام هو حلّ ذبائحهم فقط على المسلمين لأنّهم سئلوا عن ذلك و ليس المراد هو الحبوب لعدم كونها في معرض الحاجة و السؤال.

ففيه انّ اللّه تعالى بيّن و أوضح حكم الذبيحة غير الشرعية قبل نزول سورة المائدة المدنيّة في سورة الانعام الّتي هي مكيّة و صرّح بكونها فسقا، و نهى صريحا عن أكلها، و حرّم ذلك، فقال فَكُلُوا مِمّٰا ذُكِرَ اسْمُ اللّٰهِ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ بِآيٰاتِهِ مُؤْمِنِينَ وَ مٰا لَكُمْ أَلّٰا تَأْكُلُوا مِمّٰا ذُكِرَ اسْمُ اللّٰهِ عَلَيْهِ وَ قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مٰا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ.

وَ لٰا تَأْكُلُوا مِمّٰا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّٰهِ عَلَيْهِ وَ إِنَّهُ لَفِسْقٌ. (1) فكيف تكون آية الحلّ متعلقة بذبائحهم مع هذه التعابير القارعة التي نزلت قبل ذلك؟

اللّهم الّا ان تكون آية الحلّ ناسخة لآيات الحرمة من سورة الانعام و هو بعيد غايته، فانّ تلك الآيات الشريفة بلسانها الجازم و بيانها القاطع و تعابيرها الخاصّة و الخصوصيّات الملحوظة فيها آبية عن النسخ [1] فلا وجه لحملها عليه، و لا لتفسير حلّ طعامهم بحلّ ذبائحهم، و لا دليل على ذلك أصلا، و ان قاله أكثر المفسّرين [2] فإنّهم لم يأخذوه من عين صافية بل أخذوه من مثل قتادة و من‌

____________

[1]. أقول: بل يظهر من بعض الأعاظم عكس ذلك اى نسخ آية الحلّ بآية الحرمة فهذا هو السيّد محمّد كاظم الطباطبائي اليزدي يقول: و طعام الكفّار الذي باشروه بالرطوبة نجس يجب الاجتناب عنه مطلقا و ان عملوا بشرائط الذّمة و كانوا في بلاد المسلمين و الآية الشريفة

وَ طَعٰامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حِلٌّ لَكُمْ

منسوخة أو المراد من الطعام فيها كما يستفاد من الاخبار هو الحنطة و الشعير و الأرز من الحبوب اليابسة. راجع السؤال و الجواب منه ص 125

[2]. أقول: قال الأردبيلي في آيات الأحكام ص 361: قيل المراد بالطعام ذبائحهم قال في من قاله أكثر المفسّرين و أكثر الفقهاء و جماعة من أصحابنا و لا يخفى بعده إذ ليس معنى الطعام الذبيحة لا لغة و لا عرفا و لا شرعا.

____________

(1). سورة الانعام الآيات 121- 118

78

يحذو حذوه، و امّا لو كان المراد من الطعام مطلقه الشّامل للذبيحة ايضا فليس الإطلاق بنحو يمنع عن جريان الشروط كلّها بعد العلم باعتبارها حتّى لا يلزم مثلا ذكر اسم اللّه عليها.

و بعبارة أخرى إطلاق الحلّ لا يوجب إسقاط الشروط التي نعلم شرطيّتها، و الحكم بعدم لزوم ذكر اسم اللّه عليها مع العلم بكونه شرطا تمسّكا بإطلاق الحلّ، في غاية الفساد، و بمكان من البطلان، بلا اىّ خفاء فيه، فهل ترى من نفسك إذا سمعت قول اللّه تعالى فَكُلُوا مِمّٰا أَمْسَكْنَ. (1) ان تقول انّه مطلق و إطلاقه يقتضي الأكل منه بلا اىّ شرط و قيد حتى يحكم بعدم لزوم التطهير بالنسبة إلى محلّ ملاقاة فم الكلب منه؟ و هل ترى منافاة بين قوله تعالى أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعٰامِ (2) و قوله تعالى وَ لٰا تَأْكُلُوا مِمّٰا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللّٰهِ عَلَيْهِ؟ (3) كلّا فلا يتفوّه بذلك فقيه، و لا يمكن المصير إليه أبدا، فالأمر فيما نحن فيه ايضا كذلك حيث انّه دلّت الأدلّة الشرعيّة على نجاسة سؤر الكافر اعنى الفضلة من شرابه أو البقيّة من طعامه و ما لاقاه بيده أو بدنه رطبا و هذه الأدلّة هي ما ذكرناها فراجع.

فحينئذ فإذا سمعنا انّ اللّه حلّل لنا طعام الكافر فلا بدّ و ان نشعر من هذا التحليل المستفاد من الآية الكريمة، الحلّية من حيث كونه طعاما و لا منافاة بينها و بين نجاستها لأجل كونه سؤرا له، أو لمسّه الطعام مع الرطوبة.

فتحصّل انّ الآية الكريمة بصدد إثبات مطلب آخر، حيث انّ اللّه تعالى حرّض المؤمنين و حثّهم على ان يكونوا أشدّاء و اعزّة قبال الكفّار و شوقهم على ان ينقطعوا عنهم و لا يعتمدوا عليهم و لا يتّخذهم أولياء و بطانة فقال:

____________

(1). سورة المائدة الآية 5

(2). سورة المائدة الآية 1

(3). سورة الانعام الآية 121

79

وَ لَنْ تَرْضىٰ عَنْكَ الْيَهُودُ وَ لَا النَّصٰارىٰ حَتّٰى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ (1) و قال ايضا:

يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لٰا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَ النَّصٰارىٰ أَوْلِيٰاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيٰاءُ بَعْضٍ وَ مَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّٰالِمِينَ (2) الى غيرها من الآيات الشريفة، فالمسلمون تخيّلوا حرمة أيّ ارتباط و علقة بينهم و بين اليهود و النصارى حتّى الاقتصادىّ منها و توهّموا انّ اشتراء أمتعتهم أيضا حرام ممنوع عنه بحيث لو حملت يهود خيبر مثلا الحنطة و الشعير و الحبوب إلى المدينة لكان يحرم عليهم شراؤها منهم و كذا استشعروا حرمة أيّ عنوان من عناوين المعاملات الرائجة الناقلة إذا حدث بينهم و بين اليهود و النصارى فلذا نبّههم اللّه على خطأهم و أعلن إباحة هذه الوجوه بقوله الكريم وَ طَعٰامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حِلٌّ لَكُمْ وَ طَعٰامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ فأجاز التصرف فيما انتقل عنهم إلى المؤمنين بوجه شرعي و من المؤمنين إليهم كذلك و أحلّ المعاشرة معهم و لم يعلن اليأس الباتّ منهم بل ابرز التسامح الإسلامي.

هل الطعام بمعنى الإطعام؟

بقي في المقام انّه ذكر بعض انّ الطعام في الآية الكريمة بمعنى الإطعام فمعناها أنّ إطعام أهل الكتاب لكم جائز و اطعامكم لهم جائز.

و فيه انّه و ان أمكن ذلك على حسب القواعد الأدبيّة بل و له شواهد ايضا من الآيات الكريمة [1] الّا انّه خلاف الظاهر فانّ الظاهر من الطعام و المفهوم منه‌

____________

[1]. أقول: فمنها قوله تعالى في سورة البقرة الآية 180

وَ عَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعٰامُ مِسْكِينٍ

، و منها قوله تعالى في سورة الحاقّة الآية 34 و سورة الماعون الآية 3

وَ لٰا يَحُضُّ عَلىٰ طَعٰامِ الْمِسْكِينِ

و منها قوله في سورة و الفجر الآية 19

وَ لٰا تَحَاضُّونَ عَلىٰ طَعٰامِ الْمِسْكِينِ

.

____________

(1). سورة البقرة الآية 120

(2). سورة المائدة الآية 51

80

لغة كونه اسما للشي‌ء الذي يطعم و يؤكل لا لما هو عمل و فعل للإنسان مثلا فارادة المعنى المصدري و عنوان كونه فعلا من الأفعال خلاف الظاهر.

هذا مضافا الى انّه تعالى يقول وَ طَعٰامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتٰابَ حِلٌّ لَكُمْ و معناه على ما ذكره هذا القائل انّ إطعام أهل الكتاب لكم حلال و جائز لكم و يلزم من ذلك حلّية فعل غير المسلمين- أهل الكتاب- للمسلمين فالفعل فعل أهل الكتاب و مع ذلك يحلّ و يباح للمؤمنين و هذا من البعد بمكان. و لو كان المراد هذا المعنى فالأنسب بل اللازم ان يقول: يحلّ لكم ان تكونوا ضيوفا لأهل الكتاب أو: يجوز و يباح لكم الحضور في ضيافتهم، و أمثال ذلك من التعابير الظاهرة في المعنى المزبور.

هذا تمام الكلام في هذا المقام حول قول الملك العلّام. و صفوة البحث انّه لا دلالة لهذه الآية الكريمة على مراد من استدلّ بها على طهارة أهل الكتاب.

الأخبار التي تمسّك بها القائلون بالطهارة

و استدلّ القائلون بطهارة أهل الكتاب أيضا بأخبار نقلها الاعلام و أصحاب الحديث.

منها رواية عيص بن القاسم الصحيحة قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مؤاكلة اليهودي و النصراني فقال: لا بأس إذا كان من طعامك. و سألته عن مؤاكلة المجوسي فقال: إذا توضأ فلا بأس. (1)

وجه الاستدلال بها انّ الامام (عليه السلام) جوّز مؤاكلة اليهودي و النصراني‌

____________

(1). وسائل الشيعة ج 16 ب 53 من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 1.

81

مطلقا بشرط كون الطعام من المسلم و إطلاق تجويز مؤاكلتهم يقتضي الطهارة، و الكلام في المجوسي هو الكلام فيهما.

و فيه انّ المراد من مؤاكلتهم الجلوس معهم على المائدة و الأكل منها معا و نحن لا ننكر جواز ذلك ابدا لكنّه لا يثبت به المطلوب و لا يدلّ هذا على طهارتهم أصلا. الا ترى انّه ربما يجلس جماعة كثيرة على مائدة، و خوان طعام، و لا يدخل أحد منهم يده في إناء الآخرين، بل كلّ منهم يأكل من إنائه الخاصّ به، و من بين يديه، و لا يقرب يده من إناء سائر الضيوف و الجالسين على المائدة، فضلا عن ان يمسّ طعامهم بيده و بدنه، فالرواية لا تدلّ على أكلهم من إناء واحد مشترك فيه و ان الكتابي مسّ الطعام بيده، كي يكون تجويز الامام (عليه السلام) المؤاكلة الخاصّة دليلا على طهارة أهل الكتاب.

بل يمكن ان يقال: انّ هذا الخبر أدلّ على النجاسة من الطهارة حيث انّ الامام قيّد الجواز بما إذا كان من طعامه لا من طعام الكتابي فإنّ المفهوم من الجملة الشرطيّة المذكورة في كلام الامام (عليه السلام) البأس و الاشكال في المؤاكلة إذا كان الطعام منهم، لا من المسلمين، و عدم جواز مؤاكلتهم على هذا الطعام. و السرّ في ذلك و وجهه عدم كونه مأمونا عليه من النجاسة، فهذا بنفسه قرينة على انّ جواز مؤاكلة المسلم أهل الكتاب مشروط بعدم تنجيسهم للطعام و عدم تنجّسه برطوبتهم مثلا، و الّا فلا يجوز مؤاكلتهم حتّى على طعام المسلم.

و على الجملة فالحق انّه لو وضعنا هذه الرواية في جنب الروايات الناطقة بنجاسة أسئارهم لما رأينا بينهما معارضة أصلا، فأيّ معارضة توجد بين حلّية مؤاكلتهم و بين حرمة سؤرهم؟ فهذا شي‌ء و ذلك شي‌ء لا تعلّق لأحدهما بالآخر، و بينهما كمال الملائمة و المساعدة. هذا بالنسبة إلى صدر الرواية الشريفة.

و امّا ذيلها اعنى قضيّة مؤاكلة المجوسي و تجويز الامام ذلك مشروطا بما‌

82

إذا توضّأ،- يعني إذا غسل يده فلا اشكال بها- فلا دلالة فيه ايضا على مراد المستدلّ لأنّ غاية ما يمكن ان يقرّر هو انّ قول الامام (عليه السلام) دليل على انّه إذا غسل يده يأكل مع المسلم، و غسل اليد لأجل إزالة النجاسة الظاهرية، حيث انّ النّجاسة الذاتية غير قابلة للرفع بالماء و إزالته به.

و فيه انّ غسل اليد لم يكن لإزالة النجاسة بل لرفع الدرن و القذارة و زوال الاستقذار و الاستنفار النفساني خصوصا بلحاظ انّ المجوسيّ لا يبالي بالأوساخ و القذارات، و كون القذارة بمرأى الآكل يوجب ان لا يسيغ عليه الطعام و ربّما يأكل- و الحال هذه- مع كره و ملال و نفرة، بل ربّما يتهوع منه، فغسل المجوسي يده لأجل ان لا يستكره المسلم الطعام من قذارة يده، و كما انّ الإنسان يأمر ابنه الصغير غير المبالي ان يغسل يده عند جلوسه على المائدة و الحال انّه لا يأكل من إنائه- بل كلّ يأكل من إناءه الخاصّ به- هكذا يأمر المسلم المجوسي بغسل يده، فيأكل من إنائه، و لا ملازمة بين غسل يده و الأكل من إناء يأكل منه المسلم.

و منها صحيحة إبراهيم بن ابى محمود قال: قلت للرضا (عليه السلام):

الجارية النصرانيّة تخدمك و أنت تعلم أنّها نصرانية لا تتوضأ و لا تغتسل من جنابة قال: لا بأس تغسل يديها. (1)

وجه الاستدلال انّه يظهر منها انّ غسل النصرانيّة يديها كاف في تولّيها أمور البيت الّتي تتعلّق بالخادمة كطبخ الطعام و غير ذلك و هذا يدلّ على انّ نجاستها ليست ذاتيّة.

و نحن نقول قبل الجواب عنه انّ من المحتمل انّه كانت للإمام (عليه السلام) جارية نصرانيّة و كان إبراهيم بصدد الإيراد و الاشكال عليه في القضيّة الخارجيّة و خصوص الجارية المعيّنة الّتي كانت تخدم الرضا (عليه السلام) أو استفهام وجه‌

____________

(1). وسائل الشيعة ج 3 ب 54 من أبواب النجاسات ح 2.

83

ذلك فأجابه الإمام بما اجابه به.

و يحتمل كون السؤال عن القضيّة الكليّة الحقيقيّة و جريه على نحو الأسئلة الدائرة بين الناس حيث انّهم عند السؤال عن حكم شي‌ء يضربون المثل على أنفسهم أو على مخاطبهم أو على غائب على سبيل الفرض و التقدير، و غرضهم هو تصوير المسئلة و إحضارها، و ترسيم صورة السؤال و تجسيمها في نظر المخاطب، لا انّه وقعت هذه الواقعة للسائل أو للمخاطب أو غيرهما و ابتلى بها خارجا، و بناء على هذا لا يلزم كون الجارية المذكورة للإمام (عليه السلام) و أيّا ما كان فلا يهمنّا ذلك و انّما تعرّضنا له لأنّه نكتة لا يخلو التنبيه عليها عن الفائدة و انّما المهمّ في المقام الجواب عنه فنقول:

انّه و ان كان من المحتمل كون السؤال عن وجه استخدام المسلم جارية نصرانيّة غير مبالية بالطهارة و النجاسة، و هي تجنب و لا تغتسل- و لا يصحّ غسلها لو اغتسلت- و لازم ذلك هو تنجّس أثاث البيت مثلا فأجاب الإمام بجواز ذلك معلّلا بأنّها تغسل يديها اى لا تتنجّس الأثاث لغسلها يديها، و على هذا الاحتمال تكون الرواية دليلا لهم و ناطقة بما حاولوا إثباته و استدلّوا بها عليه أعني طهارة أهل الكتاب ذاتا.

الّا انّ فيها احتمالا آخر أظهر و أقوى من الاحتمال المزبور و هو ان يكون السؤال عن أصل جواز الاستخدام و عدمه، و كانّ السائل يستبعد جواز استخدام المسلم النصرانية خصوصا بملاحظة انّها لا تغتسل و لا تتوضّأ، فذكر هذه الأمور و الجهات لم يكن لأجل كونها مدارا للسؤال بل تمام المدار في السؤال هو استخدام النصرانية بلحاظ كونها نصرانية، و كان ذكر الجهات المذكورة لأجل إظهار مزيد التنفّر منها، و استبعاد جواز ان تكون خادمة للمسلم، و بعبارة اخرى كان لتقريب عدم الجواز، و قد أجاب الإمام بالجواز، و عدم البأس لأنّها بغسل‌

84

يديها تزيل الأوساخ المنفرة.

و لا منافاة بين جواز أصل الاستخدام بين و نجاسة الأسئار و ما لمسته بيدها و بدنها المستفادة من الأدلّة السابقة و لا معارضة بينهما أصلا فإنّ المعارضة هي كون الدليلين بحيث لو ألقاهما المتكلّم معا صدق عليه انّه يتناقض في أقواله و انّه يقول أوّلا شيئا و يتكلّم بما يخالفه ثانيا و ما نحن فيه ليس كذلك فانّ بين الدليلين كمال الملائمة و لا يصدق على المتكلم بهما انّه يتناقض و يتكلّم بما يخالف ما قاله أوّلا.

و على الجملة فلا بأس باستخدام المسلم الجارية النصرانية من حيث كونها كذلك و لو مسّت شيئا مع نداوة في البين يتأثر و يتنجّس بذلك و يلزم غسله، و امّا قذارات يدها فأمرها سهل، لأنّه يأمرها بغسل يدها و إزالتها عنها.

هذا مضافا الى انّ أمر الاستخدام بمكان من السهولة حيث يمكن ان يستخدمها لأمور غير مستلزمة للنجاسة ككنس الدار و طحن الحنطة و الشعير و أشباه ذلك لا في طبخ الطعام و أمثاله.

و منها صحيحة إبراهيم بن ابى محمود ايضا قال: قلت للرضا (عليه السلام):

الخيّاط أو القصّار يكون يهوديّا أو نصرانيّا و أنت تعلم انّه يبول و لا يتوضأ ما تقول في عمله؟ قال: لا بأس. [1]

وجه الاستدلال بها انّ الامام (عليه السلام) أجاز كون اليهودي أو النصراني خيّاطا للمسلم أو قصّارا له يخيط أو يبيّض ثيابه و الحال انّ نجاسة الخيّاط أو القصّار تلازم نجاسة الثوب الذي خاطه أو حوّره و بيّضه ملازمة عاديّة فهذا‌

____________

[1]. التهذيب ج 6 ص 385 الوافي ج 1 ص 32 من أبواب الطهارة قال المحدّث الفيض (رحمه اللّه):

لا يتوضّأ أي لا يستنجى و المراد بعمله معموله و هو الثوب يخيطه أو يقصره انتهى ثمّ لا يخفى انّ لقب إبراهيم بن ابى محمود هو الخراساني.

85

يكشف عن طهارتهم.

و فيه انّ هذه لا تدل على أزيد من جواز استئجارهم للعمل و لا دلالة فيها على جواز مباشرة ما باشروه مع الرطوبة و لو صحّت الملازمة المذكورة للزم طهارة بولهما أيضا لأنّ الفرض بحسب تصريح الرواية انّه يبول و لا يغسل و من المعلوم انّه يتلوّث بدنه أو يده أو كلاهما، فهذا يكشف عن ان السؤال لم يكن عن الطهارة و النجاسة، بل عن مجرّد استيجار هما للخياطة أو القصارة، و عن الاستفادة من عملهم، و قد جوّز الامام ذلك، فلا بأس ان يخيط اليهودي مثلا ثوب المسلم، غاية الأمر انّه لو علم انّه نجّسه فلا بدّ له من ان يطهّره و لو لم يعلم فلا يحتاج الى الغسل و التطهير أصلا و كذا لا يلزم في القصّار ان يكون طاهر العين كما في باب كلب الصيد حيث انّه مع نجاسة عينا يحلّ صيده.

و منها صحيحة إسماعيل بن جابر قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ما تقول في طعام أهل الكتاب؟ فقال: لا تأكله ثم سكت هنيئة ثم قال: لا تأكله ثمّ سكت هنيئة ثم قال: لا تأكله و لا تتركه تقول انّه حرام و لكن تتركه تنزّها عنه انّ في آنيتهم الخمر و لحم الخنزير.

تقرير الاستدلال انّ الامام (عليه السلام) علّل النهى عن أكل طعام أهل الكتاب بمباشرتهم النجاسات حيث قال: انّ في آنيتهم الخمر و لحم الخنزير. و هذا كاشف عن عدم نجاستهم الذاتية و الّا لكانت اولى و انسب بالتعليل بها، و لم يحسن التعليل بالنجاسة العرضيّة مع تحقّق النجاسة الذاتية. [1]

____________

[1]. قال صاحب المعالم في معالم الدين ص 255 في ذيل هذه الرواية: قال والدي (رحمه اللّه): تعليل النهي في هذه الرواية بمباشرتهم للنجاسات تدلّ على عدم نجاسة ذواتهم إذ لو كانت نجسة لم يحسن التعليل بالنجاسة العرضيّة التي قد تتفق و قد لا تتفق انتهى.

و قال المحدث الكاشاني في الوافي ج 2 باب طعام أهل الذمة: و المستفاد من كثير من اخبار هذا الباب عدم نجاسة أهل الذمة أو عدم تعدّى نجاستهم لأنّ الأمر باجتنابهم فيها معلّل

86

و نحن نقول: لا خفاء في صدر الرواية حيث انّ إسماعيل سئل الإمام عن أكل طعام أهل الكتاب و نهاه الإمام في الجواب عن اكله و سكت قليلا ثم نهاه ثانيا عنه و سكت قليلا ايضا فنهاه ثالثا عنه الّا انّه أضاف هنا شيئا و هو قوله: و لا تتركه تقول إلخ و معنى هذه الفقرة: احذر من ان تقول انّه حرام بل اترك طعامهم تنزّها عن الخمر و لحم الخنزير و كأنّه (عليه السلام) يقول: انّى نهيتك عن اكله لهذه الجهة و قلت لك لا تأكله و في هذه الفقرة نوع خفاء حيث يحتمل فيها وجهان:

أحدهما: كونها لبيان حكم اللّه الواقعي المكتوب في اللوح المحفوظ، عاريا عن كلّ شائبة و لا شكّ على ذلك في انّ دلالة الرواية على مطلوبهم و مرادهم ظاهرة لانه أسند النهي عن ترك طعامهم الى التنزّه عن الخمر و الخنزير.

ثانيها: انه (عليه السلام) بيّن حكم اللّه بقوله: لا تأكله فنهاه عن أكل طعامهم لنجاستهم عينا و ذاتا لكنّه أتى بالفقرة الأخيرة رعاية للتقيّة، حيث انّه بعد ذكر حكم اللّه الحقيقي لاحظ شأن المجلس و حضور رجال الأمن و مأمورى الدولة الظالمة و الجواسيس الأشرار و العملاء الأقذار و رأى لزوم رعاية أهل الخلاف اتّقاء شرّهم فذكر هذه الجملة أو انّه رأى ابتلاء الراوي بهم و لذا قال له: لا تتركه إلخ يعني لا يصدر منك القول بالحرمة فانّى نهيتك عن أكله لأجل أنّ أوانيهم متلطّخة و ملوّثة بالخمر و لحم الخنزير- الذين يجتنب عنهما أهل الخلاف ايضا.

و لا يخفى انّ الظاهر من هذين الاحتمالين- بلحاظ إفتاء أهل السنة‌

____________

باستعمالهم الميتة و الدم و لحم الخنزير و الخمر و نحو ذلك و لا ينافي هذا النهى عن مؤاكلتهم في بعضها أو مصافحتهم لاحتمال ان يكون ذلك لشركهم و خبثهم الباطني و ان يكون إطلاق النجس عليهم حيث وقع بهذا المعنى دون وجوب غسل الملاقي.

87

بطهارة أهل الكتاب و انّ القول بنجاستهم من متفرّدات الإماميّة و من شعار الشيعة- هو الثاني بل لا يدع لحاظ هذه الأمور للاوّل مجالا.

و يؤيّد ذلك نهيه (عليه السلام) عن التفوّه بأنّه حرام.

و الذي يظهر لي من الرواية انّ الامام بالغ في إثبات الحرمة و أكّد عليه الى ان كرّر النهى عن الأكل ثلاث مرّات، و هو يدلّ على مزيد الاهتمام به، و انّه حكم قطعي أصدره التفاتا، و عن عناية به، كي يقطع المخاطب به، و يطمئن اليه، و لكن نهاه في الآخر عن إظهار ذلك تقية كيلا يصيبه منهم سوء. [1]

____________

[1]. أقول: انّ لشيخنا البهائي (قدّس سرّه) جوابا آخر عن هذه الرواية بعد ان اعترف بإشعار التعليل فيها بأنّ نجاستهم عرضيّة لا لذواتهم و أعيانهم فإنّه قال: و لا يذهب عليك انّ نهيه (عليه السلام) عن طعامهم ثم سكوته هنية ثم نهيه ثم سكوته هنية اخرى ثم أمره في المرّة الثالثة بالتنزّه عنه لا تحريمه ممّا يؤذن بالتردّد في حكمه و حاشاهم (سلام اللّه عليهم) من التردّد فيما يصدر عنهم من الأحكام فانّ أحكامهم ليست صادرة عن الظن بل هم (صلوات اللّه عليهم) قاطعون في كلّ ما يحكمون به و قد لاح لي على ذلك دليل أوردته في شرحي على الصحيفة الكاملة فهذا الحديث من هذه الجهة معلول المتن و ذلك يوجب ضعفه.

ثم قال في الحاشية: ان قلت يمكن حمل التردّد المذكور على وقوع السؤال في مجلس كان مظنّة للتقيّة بحضور بعض المخالفين فيه فتردّد (عليه السلام) في انّه هل يفتي أم لا.

قلت هذا الحمل أيضا يقتضي ضعف التعويل على هذا الحديث لجواز ترجيحه (عليه السلام) التقيّة بل هذا هو الواقع لانّه (عليه السلام) قد أجاب بما يوافق العامة من عدم نجاستهم. راجع حبل المتين ص 99.

و قال في مشرق الشمسين ص 360: ما تضمّنه هذا الحديث من نهيه (عليه السلام) عن أكل طعامهم أوّلا ثم سكوته هنيئة ثانيا ثمّ سكوته ثم أمره أخيرا بالتنزّه عنه يوجب الطعن في متنه لإشعاره بتردّده (عليه السلام) في هذا الحكم و انّ قوله هذا عن ظنّ و حاشاهم (عليهم السلام) ان يكون أحكامهم صادرة عن ظنّ كأحكام المجتهدين بل كلّما يحكمون به فهو قطعيّ لهم لا يجوّزون نقيضه.

و يخطر بالبال في الاستدلال على انّ كلّ أحكامهم (عليهم السلام) صادرة عن قطع و انّه لا يجوز صدور شي‌ء منها عن ظنّ انّنا إذا سمعنا من أحدهم (عليهم السلام) حكما فانّا لا نجوّز احتمال كونه خطأ لأنّ اعتقادنا عصمتهم يمنع تجويز الخطأ عليهم و كما انّا لا نجوّز عليهم الخطأ في أحكامهم فهم ايضا لا يجوّزون على أنفسهم الخطأ لعلمهم بعصمة أنفسهم سلام إله عليهم. و من هذا يعلم انّهم قاطعون بجمع الأحكام الّتي تصدر عنهم و لا يجوّزون نقيضها كما يجوّزه المجتهدون في

88

و على هذا فلا دلالة فيها على طهارة أهل الكتاب التي هي مراد المستدلّين بها بل لعل الأمر بالعكس.

و منها حسنة الكاهلي قال: سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) و انا عنده عن قوم مسلمين حضرهم رجل مجوسي أ يدعونه الى طعامهم؟ قال: امّا انا فلا ادعوه و لا أؤاكله و انّى لا كره ان أحرّم عليكم شيئا تصنعونه في بلادكم. [1]

فانّ الظاهر منها هو جواز دعوة المسلم المجوسيّ إلى طعامه و ان كان يكره ذلك و إذا جاز ذلك فاللازم هو طهارة المجوسيّ.

و فيه انّه لا يصحّ التمسك بها أيضا فإنّ فيها شائبة التقيّة بشهادة نفس الرواية و قرينة قوله (عليه السلام) في آخرها: شيئا تصنعونه في بلادكم فإنّه بمنزلة أن يقول: لو أقول انّه حرام يصير سببا لا ذاك و انجرّ الى بروز الحوادث و توجّه المكاره إليك لانّه شي‌ء دائر بينكم و رائج في بلادكم تصنعونه كثيرا و انكم تضطرّون إلى المعاشرة معهم و الّا فالحكم الواقعي هو الحرمة.

و منها رواية زكريّا بن إبراهيم قال: دخلت على ابى عبد اللّه (عليه السلام) فقلت: انّى رجل من أهل الكتاب و انّى أسلمت و بقي أهلي كلّهم على النّصرانية و انا معهم في بيت واحد لم أفارقهم فآكل من طعامهم؟ فقال لي: يأكلون لحم‌

____________

أحكامهم المستندة إلى ظنونهم و لعلّ نهيه (عليه السلام) عن أكل طعامهم محمول على الكراهة ان أريد الحبوب و نحوها.

و يمكن جعل قوله: لا تأكله مرّتين للإشعار بالتحريم كما هو ظاهر التأكيد و يكون قوله بعد ذلك:

لا تأكله و لا تتركه محمولا على التقيّة بعد حصول التنبيه و الاشعار بالتحريم، هذا ان أريد بطعامهم اللحوم و ما باشروه برطوبة، و يمكن تخصيص الطعام بما عدا اللحوم و نحوها و يؤيده تعليله (عليه السلام) باشتمال آنيتهم على الخمر و لحم الخنزير. انتهى كلامه رفع مقامه.

[1]. الحدائق ج 5 ص 170، و في الوسائل ج 16 ب 53 من الأطعمة المحرمة: الكاهلي قال:

سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قوم مسلمين يأكلون و حضرهم مجوسي أ يدعونه الى طعامهم؟

فقال امّا انا فلا اواكل المجوسي و اكره ان أحرّم عليكم شيئا تصنعونه في بلادكم.

89

الخنزير؟ فقلت: لا و لكنّهم يشربون الخمر فقال لي كل معهم و اشرب. (1)

فإنّ الإمام (عليه السلام) جوّز لزكريّا الأكل و الشرب مع اهله النصرانيّين و كان مبتلى بمعاشرتهم و الأكل من طعامهم و مماسّة آنيتهم و مباشرتها بمجرّد انّهم لا يأكلون لحم الخنزير و هذا يدلّ على طهارة النّصارى و الّا لما كان يجوّز الإمام مؤاكلتهم.

و فيه انّه و ان كانت الرواية تدلّ بحسب الظاهر على طهارة النصارى، حيث انّ زكريّا وحده كان قد أسلم من بين اهله و أسرته و بقي أهله على نصرانيّتهم، و لمّا صرّح هو بأنّهم لا يأكلون لحم الخنزير أجاز الامام الأكل و الشرب معهم. الّا انّ في الرواية احتمالات اخرى:

أحدها: ان يكون تجويز الامام لأجل اضطرار زكريّا الى معاشرتهم و مزاولتهم و الأكل معهم و من آنيتهم كما لعلّه يظهر ذلك من شرائط حاله و شأنه الخاصّ به حيث انّه كان قد نشأ في رهط نصرانيين و أسلم وحده و بنفسه فهو عرفا في ظروف خاصة و شرائط استثنائية و اضطراريّة.

و يؤيّد ذلك، الخبر الذي رواه علىّ بن جعفر عن أخيه و سيأتي ذكره إنشاء اللّه تعالى فانتظر.

ثانيها: ان يكون تجويز الامام لأجل مصلحة أهمّ مثل مصلحة ائتلاف قلوب اهله و عائلته و توجيههم إلى الإسلام كما يؤيّد هذا الاحتمال ما نقل من انّ امّه قد أسلمت لما رأت من ابنها ما حيّرها و أعجبها و استحسنته من محامد الأخلاق و السيرة المحمودة و المواقف المشكورة و مناهج الصلاح و السداد و المداراة معها و انّه يبالغ في الإحسان إليها و يخدمها خدمة صادقة، تلك الصفات الكريمة التي اكتسبها في ظلال الإسلام.

____________

(1). وسائل الشيعة ج 16 ب 54 من أبواب الأطعمة المحرّمة ح 5.

90

ثالثها: ان يكون حكم الامام بذلك لأجل انّه (عليه السلام) كان عالما بأنّه لا يبتلى بأكل النجس و لا يصادف له ذلك لانتحال أهله الإسلام و إقبالهم الى دين اللّه قبل مصادفة الأكل معهم. فمع وجود هذه الاحتمالات كيف يمكن الحكم بطهارتهم بمجرّد تجويزه الأكل معهم؟ و إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال.

ثم انّ في هذه الرواية كلاما من جهة أخرى و ان لم تكن مرتبطة بمسئلتنا، و هي انّ الراوي صرّح بأنّ اهله يشربون الخمر، و مع ذلك أجاز الامام الأكل و الشرب معهم بعد ان قال زكريا بأنّهم لا يأكلون لحم الخنزير و قد فرّق بين الخمر و الخنزير و هذا يدل على طهارة الخمر.

و يمكن دفع هذا الإشكال بأنّ آنية الخمر غير آنية الطعام فانّ للشراب إناء خاصّا به و للطعام إناء آخر، هذا بالنسبة إلى الإناء.

و امّا بالنسبة إلى الشّفة و نجاستها ففيها انّه لا ملازمة بين نجاسة الخمر و نجاسة الشفة فمن الممكن شرب الخمر بنحو لا يتنجّس خارج الفم و ظاهره.

و ان أبيت إلّا عن دلالة هذه الجملة على طهارته فنقول: انّه قد جوّز ذلك للاضطرار اليه، أو نقول: انّ هذه الرّواية من الروايات الدّالّة على طهارة الخمر و عند معارضتها للأخبار الدّالّة على النجاسة تقدّم الثانية و تطرح ما دلّت على الطهارة.

ثمّ لا يخفى عليك انّ هذه الرواية منقولة في الكافي بتفصيل غير مذكور في هذا النقل فراجع. [1]

____________

[1]. في أصول الكافي ج 2 ص 160 عن زكريا بن إبراهيم قال: كنت نصرانيا فأسلمت و حججت و دخلت على ابى عبد اللّه (عليه السلام) فقلت: انّى كنت على النصرانيّة و انى أسلمت، فقال: و أي شي‌ء رأيت في الإسلام؟ قلت: قول اللّه عز و جل

«مٰا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتٰابُ وَ لَا الْإِيمٰانُ وَ لٰكِنْ جَعَلْنٰاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشٰاءُ»

فقال: لقد هداك اللّه، ثم قال: اللهم اهده- ثلاثا- سل عمّا شئت يا بنى

91

و منها صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن آنية أهل الذمة و المجوس فقال: لا تأكلوا في آنيتهم و لا من طعامهم الذي يطبخون و لا في آنيتهم الّتي يشربون فيها الخمر. (1)

تقريب الاستدلال انّ الامام لم ينه عن مطلق طعامهم بل عن المطبوخ منه و لا عن استعمال مطلق أوانيهم بل عن التي يشربون فيها الخمر.

و السّر في النهي عن طعامهم المطبوخ عدم تجنّبهم لحم الخنزير فإنّهم يستحلّونه و يأكلونه كثيرا و هذا بنفسه امارة على انّ طعامهم المطبوخ من لحم الخنزير و لا أقلّ من كونه خليطه و مزيجه و امّا النهي عن آنيتهم الّتي يشربون فيها الخمر فهو واضح لا يحتاج الى توجيه و بيان فيعلم انّ مطلق طعامهم و أوانيهم ليس نجسا و حينئذ فلا وجه للحكم بنجاستهم.

و بعبارة اخرى انّ لازم الحكم بنجاستهم الحكم بالتجنّب عن جميع أوانيهم سواء اشربوا فيها الخمر أو الماء كما انّ لازم ذلك التجنّب عن مطلق طعامهم دون خصوص ما يطبخونه فتقييد أوانيهم بالّتي يشربون فيها الخمر و‌

____________

فقلت: انّ ابى و أمّي على النصرانيّة و أهل بيتي، و أمّي مكفوفة البصر فأكون معهم و آكل في آنيتهم؟ فقال يأكلون لحم الخنزير؟ فقلت: لا و لا يمسّونه، فقال: لا بأس فانظر أمّك فبرّها، فإذا ماتت فلا تكلها الى غيرك، كن أنت الذي تقوم بشأنها و لا تخبرن أحدا انك أتيتني حتى تأتيني بمنى ان شاء اللّه قال: فأتيته بمنى و الناس حوله كأنّه معلّم صبيان هذا يسأله و هذا يسأله فلمّا قدمت الكوفة ألطفت لأمّي و كنت أطعمها و أفلي ثوبها و رأسها و أخدمها فقالت لي: يا بنىّ ما كنت تصنع بي هذا و أنت على ديني فما الذي أرى منك منذ هاجرت فدخلت في الحنيفيّة؟

فقلت: رجل من ولد نبينا أمرني بهذا فقالت: هذا الرجل هو نبي؟ فقلت: لا و لكنّه ابن نبىّ فقالت:

يا بنىّ انّ هذا نبيّ انّ هذه وصايا الأنبياء، فقلت: يا امّه انه ليس يكون بعد نبيّنا نبىّ و لكنّه ابنه فقالت: يا بنىّ دينك خير دين، أعرضه علىّ فعرضته عليها فدخلت في الإسلام و علّمتها فصلّت الظهر و العصر و المغرب و العشاء الآخرة، ثمّ عرض لها عارض في اللّيل، فقالت: يا بنيّ أعد علىّ ما علّمتني فأعدته عليها، فأقرّت به و ماتت، فلمّا أصبحت كان المسلمون الذين غسّلوها و كنت أنا الذي صلّيت عليها و نزلت في قبرها.

____________

(1). وسائل الشيعة ج 2 ب 14 من أبواب النجاسات ح 1.

92

طعامهم بالذي يطبخونه لا وجه له و حينئذ فالتقييد كاشف عن عدم نجاستهم.

و قد ظهر جوابه ممّا قدّمناه حول هذه الرواية في تقريب الاستدلال بها على النجاسة فراجع و تأمّل فانّ في ما ذكر هناك غنى و كفاية عن إعادته في هذا المقام.

و منها صحيحة علىّ بن جعفر عن أخيه موسى (عليه السلام) و قد سأله عن اليهودي و النصراني يدخل يده في الماء أ يتوضّأ منه للصلاة؟ قال: لا الّا ان يضطرّ اليه. (1)

وجه الاستدلال بها انّ الامام (عليه السلام) أجاز الوضوء بالماء الذي أدخل النصراني يده فيه، فيعلم انّ الماء كان طاهرا، و طهارة الماء تدلّ على طهارة النصراني، و هذا هو المطلوب.

و امّا قيد الاضطرار فهو لعدم الداعي للمسلم في التوضّي من هذا الماء اختيارا و ان لم يكن نجسا بل لأجل استقذاره، و امّا في حال الاضطرار فلا يبالي بذلك، و الّا فالاضطرار لا يصيّر النجس طاهرا صالحا للوضوء منه.

و فيه أوّلا: من اين ثبت كون المفروض الماء القليل؟ فمن الممكن كون المفروض و مورد السؤال إدخال اليهودي أو النصراني يده في الماء الكثير، و من المعلوم انّ الماء إذا بلغ قدر كرّ لا ينجّسه شي‌ء.

ان قلت انّ الرواية مطلقة شاملة للماء القليل ايضا و هذا كاف في إثبات طهارتهم.

نقول: يجب تقييد الإطلاق- لو كان إطلاق- بنجاسة سؤر الكافر أو ما باشروه بالرطوبة الّتي استفدناها من الأدلّة.

و ثانيا: سلّمنا انّ الرواية متعرّضة للماء القليل امّا اختصاصا و امّا إطلاقا‌

____________

(1). وسائل الشيعة ج 2 ب 14 من أبواب النجاسات ح 9.

93

لكن مع ذلك فالحكم بطهارة هذا الماء مع انّ اليهودي مثلا ادخل يده فيه لا يدلّ على طهارته حيث انّه يمكن ان يكون هو نجسا و مع ذلك يكون الماء المزبور طاهرا بان يقال بعدم انفعال الماء القليل كما هو مذهب ابن الجنيد نعم هو خلاف نظرنا و مبنانا.

ان قلت: انّ هذا لا يساعده اشتراط جواز الوضوء منه بالاضطرار فإنّه لو كان الماء طاهرا- لعدم انفعاله بملاقات يد الكافر فاللّازم هو الحكم بجواز الوضوء منه اختيارا.

نقول: لا منافاة أصلا فإنّ هذا الماء قذر بسبب إدخال اليهوديّ يده فيه و ان لم يكن نجسا- لكن في حال الضرورة لا بأس أصلا- كما انّه لا يجوز التوضّؤ بماء الاستنجاء و الحال انّه طاهر مع الشرائط.

و ثالثا: انّه يمكن حمل هذا الخبر ايضا كسابقه على التقيّة [1] فعلى هذا لا دلالة فيه على طهارة أهل الكتاب.

و يضاف الى ذلك كلّه انّ القائلين بالنجاسة أيضا يتمسّكون بهذه الرواية و يستدلّون بها و يقولون انّها تدلّ على النجاسة حيث انّه لم يجوّز الامام استعمال هذا الماء غاية الأمر اختصاص لزوم الاجتناب بحال الاختيار و امّا في حال‌

____________

[1]. أقول: و قد حمله كذلك شيخنا البهائي (قدّس سرّه) في الحبل المتين ص 99 فإنّه بعد ان اعترف بأنّ جواز الوضوء بسؤرهم إذا اضطرّ اليه دليل على طهارتهم قال: و ظنيّ انّه لا يبعد ان يقال ان الاضطرار يجوز ان يكون كناية عن التقيّة فإنّ المخالفين من العامّة على طهارتهم انتهى و قال في مشرق الشمسين في ذيل الخبر: قوله (عليه السلام) في آخر الحديث: الّا ان يضطرّ اليه ممّا يتأيّد به القول بعدم نجاسة اليهود و النصارى و بعض الأصحاب حمل الوضوء في الحديث على ازالة الوسخ. و لا يخفى ان ذكر الصلاة ينافيه و بعضهم حمل على تسويغ الاستعمال عند الضرورة على الاستعمال في غير الطهارة فالمعنى الّا ان يضطرّ إليه في غير الطهارة و هو بعيد. ثم قال: و الاولى حمل الاضطرار على ما إذا دعت التقية إلى استعماله و عدم التحرّز عنه كما يقع كثيرا لأصحابنا الإمامية في بلاد المخالفين فإنّهم قائلون بطهارة أهل الكتاب انتهى كلامه.

94

الاضطرار فلا يلزم الاجتناب عنه، الى غير ذلك من الروايات. [1]

كلمة حول الرأي المختار

قد علمت انّ الاخبار التي استدلّ بها على طهارة أهل الكتاب حملناها امّا على التقيّة، و امّا على الاضطرار، و امّا على غير ذلك، و السبب في ذلك الذي هو حجّة لي بيني و بين اللّه و قد حملني على ان ادع هذه الروايات و اتركها هو انّها مع صحّة إسناد قسم منها غير معمول بها، فترى أنّها امّا صحيحة و امّا موثّقة، و قد رواها الفحول و جهابذة العلماء الأكابر مثل الكليني و الصّدوق و الشيخ الطوسي (رضوان اللّه عليهم أجمعين) الذين هم في الحقيقة حلقات الترابط بين لاحق الأمّة الإسلامية و سابقها و الوسائط بين الشيعة و أئمتهم المعصومين (عليهم السلام) و قد أودعوا هذه الاخبار في كتبهم و وصلت إلينا بواسطتهم، و مع تمام هذه الجهات و شدّة اهتمامهم بالتعبّد بما وصل إليهم، و وقع بأيديهم، من الأئمة الطاهرين، فهم‌

____________

[1]. أقول: كرواية عيص بن القاسم عن الصادق (عليه السلام) قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مؤاكلة اليهوديّ و النصرانيّ فقال: لا بأس إذا كان من طعامك. و سالته عن مؤاكلة المجوسي فقال:

إذا توضّأ فلا بأس. التهذيب ج 9 ص 88 قال الفاضل المقداد (رضوان اللّه عليه): و ليس فيها حجّة على الطهارة و الّا لم يحتج الى قوله: (إذا كان من طعامك) و يمكن حملها على طعام جامد.

و المراد بالتوضؤ كما قال هو ايضا هو غسل يده راجع التنقيح الرائع ج 4 ص 53 و قال المحقق في المختصر النافع: و في رواية إذا اضطرّ إلى مؤاكلته- اى الذّمي- أمره بغسل يده، و هي متروكة انتهى.

و قال الفاضل السيوري في شرحه: لم نقف على رواية بطهارة الذّمي، فإن وجد شي‌ء فهو محمول على التقيّة، و امّا روايات النجاسة فكثيرة و لذلك جعلها هي الأشهر خصوصا مع موافقتها للكتاب في قوله تعالى

إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ

و أهل الذّمة مشركون لما تقدّم في النكاح انتهى راجع التنقيح ج 4 ص 53.

95

بأنفسهم تركوا هذه الروايات، و أعرضوا عنها، و لم يعملوا بها، و هذا بنفسه امارة إجمالية كاشفة عن خلل فيها، و هو العلّة الوحيدة في ضعف تلك الاخبار و أقوى حجّة عليه، فانّ الخبر كلّما كان صريحا من حيث الدلالة و صحيحا من حيث السند فهو يضعف و يسقط بسبب الاعراض عنه، لا سيّما هذا الإعراض، اى أعراض ناقليه و رواته عنه، فإنّه يوجب الوهن فيه جدّا، و ما نحن فيه كذلك، فإنّها مع كونها صريحة الدلالة، صحيحة السند، لم يعمل ناقلوها بها و نحن نفهم انّ عدم اعتنائهم بها و افتاءهم بالطهارة كان لأجل نكتة ثابتة و جهة محقّقة عندهم، حملتهم على الإفتاء بخلافها كعلمهم بصدورها تقيّة، أو وجود قرينة في مقام الدلالة أو غير ذلك من الأمور و النكات.

و الحاصل: انّها صدرت عنهم (عليهم السلام) لمصلحة من المصالح فهي ساقطة عن الحجيّة و حينئذ تبقى أخبار النجاسة سالمة بلا معارض، فيعمل بها، و قد ثبت انّ أدلّة القائل بالطهارة أصلا و آية و رواية لم تنفع شيئا و لا دلالة أصلا و انّ كلّ هذه الآثار لا تثبت المقصود الذي يحاوله هذا القائل.

كلمة من بعض الأجلّاء

بقي الكلام هنا في ما أورده بعض المعاصرين- عند التعرّض للروايات التي يستظهر منها الطهارة و الإيراد عليها- بقوله: نعم تشكل موثّقة عمّار المتضمّنة تغسيل النصراني للمسلم إذا لم يوجد مسلم أو مسلمة ذات رحم و تغسيل النصرانية للمسلمة كذلك فانّ البناء على وجوب التغسيل بالماء النجس بعيد جدّا لانّه يزيد الميّت نجاسة، و حمله على التغسيل بالكثير أبعد، و لأجل ذلك ردّ الموثّقة المذكورة بعضهم لمخالفتها للقواعد لكنّ المشهور بين القدماء‌

96

و المتأخرين العمل بها. (1)

و فيه انّ عدم تمشّى قصد القربة من النصرانيّ الذي يغسّل المسلم لكونه نصرانيا غير معتقد باللّه و بما أوجب اللّه على المسلمين. و كذا عدم حصول قرب الى اللّه للميّت المسلم الذي غسّله النصراني بل و عدم إمكان حصول القربة لكون ماء الغسل نجسا، كاشف عن عدم كون هذا الغسل غسلا حقيقيّا واقعيّا، بل هو صورة الغسل، و المأمور به هو الغسل (بالفتح) و الغمس في الماء مثلا دفعا للسموم الخارجة من بدن الميّت و لان ينظف و يبرأ من أدناس أمراضه، و ما اصابه من صنوف علله، تحفّظا من سراية الأذى و الأمراض إلى الناس. [1]

ثمّ انّ له اشكالا آخر ايضا نتعرّض له قال: ان الأقوى ما عليه الأصحاب من النجاسة لو لا ما يقتضيه النظر في روايات نكاح الكتابية متعة أو مطلقا فإنّها على كثرتها و اشتهارها و عمل الأصحاب بها لم تتعرّض للتنبيه على نجاستها فانّ الملابسات و الملامسات التي تكون بين الزوج و الزوجة لا تمكن مع نجاسة الزوجة و لم يتعرّض في تلك النصوص للإشارة الى ذلك. (2)

و يرد عليه أوّلا: انّ تحفّظ الزوج نفسه من تأثّره بنجاستها أمر ممكن.

و ثانيا: انّ مباشرة الرجل المسلم زوجته المسلمة أيضا ربّما تكون ملازمة للنجاسة عرفا و مع ذلك لم تتعرض اخبار النكاح و المضاجعة لذكر ذلك، و للزوم التطهير، فهل هذا دليل على عدم حصول النّجاسة أو عدم لزوم التطهير؟

و الجواب في المقامين انّ لزوم تطهير الثوب و البدن إذا تأثّرا بالنجاسة‌

____________

[1]. هكذا أفاد دام ظلّه هنا لكنّه قد ذكر في بحث غسل الأموات وجوها أخر كما قرّرناها في كتابنا:

مناهل الحياة في أحكام الأموات و لعلّه يطبع إنشاء اللّه تعالى.

____________

(1). مستمسك العروة الوثقى ج 1 ص 374، و امّا موثّقة عمار فراجع الوسائل ج 2 ب 19 من أبواب غسل الميّت ح 1 و جامع أحاديث الشيعة ب 18 من أبواب التغسيل ح 49

(2). مستمسك العروة الوثقى ج 1 ص 377.

97

مذكور في موضعه و موكول الى محلّه.

98

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

99

الكلام حول نجاسة أولاد الكفار و عدمها

قد عرفت من ابحاثنا الماضية أنّه لا مناص عن القول بنجاسة الكفّار مطلقا و ان كانوا كتابيّين فحينئذ يتوجّه السؤال عن انّه هل يلحق بهم أولادهم قبل ان يبلغوا أو يتوقّف الحكم بنجاستهم على كفرهم المتوقّف على البلوغ و توجّه التكليف؟ و بعبارة أخرى هل الحكم في أولاد الكفّار تبعيّة الآباء في النجاسة أم لا؟

قال الشيخ حسن ابن شيخنا الشهيد الثاني (رضوان اللّه عليهما): ظاهر كلام جماعة من الأصحاب انّ ولد الكافرين يتبعهما في النجاسة الذاتية بغير خلاف لأنّهم ذكروا الحكم جازمين به غير متعرضين لبيان دليله كما هو الشأن في المسائل الّتي لا مجال للاحتمال فيها و ممّن ذكر الحكم كذلك، العلّامة في التذكرة و لكنّه في النهاية أشار الى نوع خلاف أو احتمال فيه، فقال: الأقرب‌

100

في أولاد الكفّار التبعيّة لهم. (1)

أقول: انّ تعبير النهاية بلفظ: (الأقرب) مشعر بوجود الخلاف، و يستفاد منه انّه بنفسه احتمل عدم الإلحاق، فحينئذ لو ثبت كون المسئلة اجماعيّة و انّه لم يكن الإجماع مستندا الى ما يصلح ان يكون مستندا له و دليلا عليه فالحكم قطعيّ لا يبقى معه مجال للبحث، و امّا لو لم يكن إجماع أصلا أو كان و لكنّه كان مستندا الى ما يستدلّ به في المقام فهناك لا بدّ من التمسّك بأدلّة أخرى في إثبات المطلوب امّا على فرض عدم الإجماع فالأمر واضح و امّا على الفرض الأخير فلانّ الإجماع على ذلك ليس دليلا مستقلّا في قبال مستنده فاللّازم فعلا ذكر ما يقال و يستدلّ به للحكم بالتبعيّة و الإلحاق و انّ ولد الكافرين نجس كابويه و هي أمور:

الأوّل: انّه قد تولّد و نشأ من النجس و المتولّد من النجس و المتكوّن منه نجس و بتقريب آخر ذكره بعض العلماء: انّه حيوان متولّد من حيوانين نجسين فيثبت له حكمهما كالمتولّد من الكلب و الخنزير.

و فيه انّ مجرّد نش‌ء شي‌ء من النجس و التولّد منه لا يوجب كونه نجسا و لا دليل على ذلك ما لم يصدق عليه عنوان من العناوين النجسة، و لذا لا يحكمون على الدودة المتولّدة من النجاسة و المتكوّنة منها بالنجاسة، بل النجاسة دائرة مدار صدق عنوان من عناوين النجاسات- على المتولّد أو المتكوّن- عرفا فالمتولّد من الكلب و الشاة أو من الخنزير و الشاة ليس نجسا لو لم يصدق عليه الكلب أو الخنزير، و مجرّد عدم صدق عنوان الكلب أو الخنزير كاف في الحكم، بالطهارة، و على هذا فالحكم بالنجاسة فيما نحن فيه موقوف على صدق عنوان الكافر عليه و هو غير معلوم لو لم يكن معلوم العدم.

____________

(1). معالم الدين في الفقه ص 259.

101

الثّاني: و هو الذي تمسّك به بعض العلماء [1] و اعتمد عليه- انّ نجاسة أولاد الكفّار ارتكازيّ عند أهل الشرع، حيث انّهم يتعدّون من نجاسة الأبوين ذاتا الى المتولّد منهما، فهو شي‌ء مركوز في أذهانهم مثل حكمهم بنجاسة المتولّد من الكلبين ارتكازا.

و فيه انّه لو سلّم ذلك فإنّما هو فيما إذا كانت النجاسة ذاتيّة في الأصل غير قابلة الانفكاك عنه، كالكلب فإنّ النجاسة لا تنفك عنه ابدا و في أيّ شرط من الشرائط و حال من الأحوال، فإذا المتولّد من كلبين محكوم بالنجاسة لارتكاز أهل الشرع بكونه نجسا، و امّا إذا لم يكن الأمر كذلك بل كانت النجاسة في الأصل لجهة عارضة تدور معها نفيا و إثباتا كالكفر القابل للتغيّر و التبدّل- و ما دامت هذه الصفة الخبيثة موجودة يحكم بالنجاسة و تزول بزوال الوصف العنواني فهنا لا ارتكاز على نجاسة المتولّد منه، لعدم كونه واجدا للصفة، و عدم صدق الكافر عليه، بل و عدم صلاحيّته لذلك.

و الحاصل: انّ الكفر علّة تقييديّة لا تعليليّة و لذا لا يمكن ادّعاء الارتكاز في نجاسة المتولّد من الكافر كما لا يصحّ أيضا في كلّ مورد كانت النجاسة في الأصل لأجل فعل من الأفعال و صفة من الصفات.

الثّالث: قول اللّه عزّ و جلّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمٰانٍ أَلْحَقْنٰا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ. [2] فانّ الظاهر منه إلحاق ذريّة كلّ به.

____________

[1]. أقول: قال علم التحقيق و التّقى الشيخ المرتضى في طهارته ص 306:. بل هذا الوجه هو العمدة.

[2]. سورة الطور الآية 31 أقول: و في الكافي باب الأطفال من كتاب الجنائز: و في حديث آخر امّا أطفال المؤمنين فيلحقون بآبائهم و أولاد المشركين يلحقون بآبائهم و هو قول اللّه عزّ و جلّ

وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمٰانٍ أَلْحَقْنٰا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ

.

ثم لا يخفى انّ الشيخ (قدّس سرّه) استدلّ بالآية الكريمة في المبسوط ج 3 ص 341 قال: اعتبار إسلام الطفل بشيئين أحدهما يعتبر بنفسه و الثاني يعتبر بغيره. و امّا اعتباره بغيره فعلى ثلاثة

102

و فيه انّ الظاهر كون الآية الكريمة أجنبيّة عمّا نحن بصدده، فإنّها ناظرة إلى النشأة الآخرة و ما بعد الموت، و امّا إلحاق أولاد الكافرين لهم ما داموا في دار الدنيا في جميع الأحكام و منها النجاسة فهو مشكل جدّا و لا يستفاد من الآية. [1]

الرّابع: خبر حفص بن غياث قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل من أهل الحرب إذا أسلم في دار الحرب و ظهر عليهم المسلمون بعد ذلك قال:

إسلامه إسلام لنفسه و لولده الصغار و هم أحرار و ماله و متاعه و رقيقه له. (1)

و هذا الخبر يدلّ بمنطوقه على انّ الصغار يحكم عليهم بحكم الإسلام بمجرّد حدوث الإسلام و تحقّقه لوالدهم، و لازم ذلك بمقتضى المفهوم كون الأولاد الصغار محكوما عليهم بالكفر ايضا بسبب كفر والدهم لانّه لا واسطة بين الإسلام و الكفر فإذا انتفى الإسلام فلا بدّ و ان يثبت الكفر.

و يرد عليه انّه لا دلالة لهذا الخبر ايضا على نجاسة أطفالهم، فإن المستفاد منه انّ كفر الوالد مسوّغ لاسترقاق الأطفال أيضا مضافا الى جواز استرقاق الوالد بنفسه و امّا النجاسة فهي أمر آخر غير مرتبط بذلك فإنّها مترتّبة على الكفر. و الطفل المتولّد من كافرين ليس بكافر بل لا يصلح لذلك.

و ما ذكره المستدلّ من انّه إذا انتفى حكم الإسلام في الولد يثبت عليه حكم الكفر و انّ مجرّد عدم كونه مسلما كاف في الحكم بكفره.

____________

أضرب أحدها الأبوان فاعتباره بالوالدين إذا كان أبواه مسلمين فإنّه يحكم بإسلامه لقوله تعالى

الَّذِينَ آمَنُوا وَ اتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمٰانٍ أَلْحَقْنٰا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ

فأخبر تعالى انّ أيمان الذريّة يلحق بإيمان أبويه و هكذا ان كان أبواه كافرين فإنّه يحكم بكفر الأولاد و الأطفال تبعا لهما انتهى كلامه.

[1]. أقول: و قد يستدلّ بقوله تعالى حكاية عن نوح

وَ لٰا يَلِدُوا إِلّٰا فٰاجِراً كَفّٰاراً

، و ان لم يتعرّض له سيّدنا الأستاد الأعظم مدّ ظله. و الجواب عنه هو ما ذكره العلّامة أعلى اللّه مقامه في شرحه على التجريد بقوله: انّه مجاز و التقدير انّهم يصيرون كذلك لا حال طفوليّتهم.

____________

(1). وسائل الشيعة كتاب الجهاد ب 43 ح 1.