نتائج الأفكار في نجاسة الكفار

- السيد محمد رضا الگلپايگاني المزيد...
246 /
103

ففيه انّه غير قابل للإسلام و الكفر لعدم شأنيّته و صلوحه لذلك مع كونه صغيرا- كعدم صلاحيّة الجدار لهما و لذا لا يصحّ إطلاق الكافر عليه ايضا و ان أمكن ان يقال انّه يصلح للإسلام لمكان محبوبيّته الذاتيّة.

الخامس: صحيح عبد اللّه بن سنان قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن أولاد المشركين يموتون قبل ان يبلغوا الحنث؟ قال: كفّار و اللّه اعلم بما كانوا عاملين يدخلون مداخل آبائهم. [1]

و الجواب انّ من المعلوم كما ذكرنا آنفا عدم صدق الكافر بالمعنى الحقيقي على هذا الولد المتكوّن من الكافر، فانّ معناه هو المنكر للّه و لرسوله مثلا، و الصبيّ غير صالح لذلك، الى ان يبلغ، و لا أقلّ من ان يصير مميزا، فالمراد بالكفر آثاره. و الظاهر انّه لا دلالة له على إلحاقهم بآبائهم في النجاسة و انّما هو في مقام بيان حالهم بعد الموت و لحوقهم بهم في النشأة الآخرة فيعامل مع أولاد المشركين فيها معاملة المشركين أنفسهم، باعتبار انّهم لو بقوا في الدنيا لصاروا كفّارا فيدخلون مداخل آبائهم.

و يمكن ان يقال: انّ السؤال مطلق يشمل الدنيا و الآخرة، و لا وجه لاختصاصه بها فيكون الولد في حكم الكافر في جميع الأحكام و منها النجاسة.

و الجواب عن ذلك انّ للسؤال- بلحاظ قول السائل: (يموتون قبل البلوغ) و بلحاظ قول الامام: (اللّه اعلم بما كانوا عاملين) الذي معناه انّ اللّه يعلم انّهم لو عاشوا في الدنيا ما ذا يصنعون- قدرا متيقّنا و هو السؤال عن الآخرة فإذا كان كذلك فينصرف إليها.

____________

[1]. من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 491 باب حال من يموت من أطفال المشركين ح 2 (أقول: قال صاحب الحدائق: يمكن الاستدلال للقول المشهور من تبعيّة ولد الكافر لأبويه في الكفر بما رواه الصدوق في الفقيه في الصحيح عن جعفر بن بشير عن عبد اللّه بن سنان.

104

السّادس: ما رواه وهب بن وهب عن جعفر بن محمّد عن أبيه (عليهما السلام) قال: قال علىّ (عليه السلام): أولاد المشركين مع آبائهم في النّار و أولاد المسلمين مع آبائهم في الجنّة. (1)

و فيه انّه و ان كان دالّا على دخوله النار الّا انّه لا دلالة له على نجاستهم و لا ملازمة بينهما عقلا كما انّه لم يرد دليل يدلّ على انّ كلّ من دخل النار فهو نجس و من المعلوم انّ الفسّاق يدخلون جهنّم و يعذّبون على ما فعلوه من المعاصي مع انهم ليسوا نجسا، و ترى انّ اللّه تعالى يقول في المنافقين إِنَّ الْمُنٰافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّٰارِ مع انّ لا يحكم بنجاسة المنافقين بل يعاملون معاملة الطهارة.

السابع النبويّ المشهور: كلّ مولود يولد على الفطرة و أبواه يهوّدانه و ينصّرانه و يمجّسانه حتّى يعرب عنه لسانه فامّا شاكرا و امّا كفورا. [1]

تقريب الاستدلال انّ الولد- بمقتضى هذا الخبر- بحسب أصل خلقته و سذاجة فطرته عار عن شوائب الشرك و الكفر فهو من هذه الحيثيّة موحّد و محكوم عليه بحكم الإسلام، و انّما يلحقه حكم الكفر تبعا لوالديه اليهوديّين أو النصرانيّين أو المجوسيّين فالأبوان صارا سببا لكون الطفل يهوديا مثلا اى مشمولا لحكمه، و المراد من قوله: حتى يعرب إلخ انّ هذه التبعيّة باقية ثابتة إلى‌

____________

[1]. تذكرة الفقهاء ج 2 كتاب اللقطة ص 274. و رواه الشهيد في لقطة الدروس ص 299 الّا انّه ضبط كذا: حتى يكون أبواه. و المجلسيّ التقيّ في روضة المتّقين ج 1 ص 60 و ضبطه: و لكن أبواه اللذان إلخ كما انه في الكافي اقتصر على نقل: كل مولود يولد على الفطرة، فراجع ج 2 ص 13 من طبعة تهران و في الوسائل ج 11 ص 96 ح 3 ب 48 من جهاد العدوّ عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) انه قال: ما من مولود يولد الّا على الفطرة فأبواه اللذان يهوّدانه و ينصّرانه و يمجّسانه.

و في السفينة ج 2 ص 373 قال النبي صلى إله عليه و آله كل مولود يولد على الفطرة حتى يكون أبواه يهوّدانه و ينصّرانه.

____________

(1). من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 491. ح 1

105

ان يبلغ فيظهر الإسلام أو الكفر.

أقول: لا يخفى انّه كما تمسّك به القائل بالإلحاق كذلك تمسّك به من يقول بطهارة ولد الكافر و عدم تبعيّته له في النجاسة- غاية الأمر انّ الأوّل تمسّك بذيله و الثاني بصدره- مقرّرا انّه ولد على فطرة الإسلام فهو محكوم عليه بحكمه، هذا.

و الحقّ انّه لا يصحّ و لا يتمّ الاستدلال بالحديث الشريف مطلقا- لا للتبعيّة و لا لعدمها- و لا دلالة فيه على اىّ واحد من الأمرين فإنّه غير مرتبط بالمقام.

و لتوضيح الكلام و إثبات ما ذكرناه في المقام ينبغي البحث في معناه فنقول: اختلفوا في معنى الحديث فقال علم الهدى الشريف المرتضى (قدّس سرّه): الفطرة ههنا الدين و تكون (على) بمعنى اللّام فكأنّه قال: كلّ مولود يولد للدين و من أجل الدين لانّ اللّه تعالى لم يخلق من يبلغه مبلغ المكلّفين الّا ليعبده فينتفع بعبادته، يشهد بذلك قوله تعالى وَ مٰا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَ الْإِنْسَ إِلّٰا لِيَعْبُدُونِ. [1]

و لكنّ الذي أفاده (قدّس سرّه) خلاف الظاهر فانّ الظاهر من معناه انّ اللّه جعل في كلّ مولود استعداد التوجّه الى اللّه الذي لا يزول و لا يزال و اقتضاء إقباله و توجّهه الى المبدء المتعال فالإنسان يتولّد و الحال انّه جعل بحسب التكوين بحيث لو لا الموانع و الحواجز الخارجيّة يتوجه في القابل من حياته و المستقبل القريب من عمره الى ربّه الذي فطره و أنشأه و يهتدى بنور هداه و فطرته الى اللّه‌

____________

[1]. أمالي المرتضى ج 2 ص 83 ثم لا يخفى عليك انّه ذكر في معنى الحديث و أحدا من الوجهين و لم يذكر سيدنا الأستاد دام ظله الأخير منهما و هذه عبارة السيد: و الوجه الآخر في تأويل الفطرة ان يكون المراد بها الخلقة و تكون لفظة (على) على ظاهرها لم يرد به غيرها و يكون المعنى كلّ مولود يولد على الخلقة الدّالّة على وحدانية اللّه تعالى و عبادته و الايمان به، الى ان قال: فكأنّه (عليه السلام) قال: كلّ مخلوق و مولود فهو يدلّ بخلقه و صورته على عبادة اللّه تعالى و ان عدل بعضهم فصار يهوديا أو نصرانيا و هذا الوجه يحتم له ايضا قوله تعالى

فِطْرَتَ اللّٰهِ الَّتِي فَطَرَ النّٰاسَ عَلَيْهٰا

.

106

سبحانه لما يراه من الآيات و البيّنات قال اللّه تعالى فِطْرَتَ اللّٰهِ الَّتِي فَطَرَ النّٰاسَ عَلَيْهٰا لٰا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللّٰهِ (1) الّا انّه يوجد صوارف و موانع و منها البيئة الفاسدة و منها الأبوان المنحرفان عن اللّه السالكان سبيل الشيطان المعتنقان لليهوديّة أو النصرانية. فيتهوّد أو يتنصّر لنشئه في بيئة يهوديّة أو نصرانيّة فانّ الأولاد ينشئون في الغالب على مذاهب آبائهم و يألفون أديانهم و عقائدهم صحيحة كانت أم فاسدة فيختارون الضلالة بدلا من الحق في ما إذا كانت الآباء و الأمّهات من أهل الضلال.

و على الجملة فكلام النبي الأمين صلى اللّه عليه و آله أخبار في الحقيقة عن كون الإنسان ذا استعداد قوىّ و القابلية العميقة و انّ فيه شأنيّة التوحيد، لا ان يكون في مقام الإلحاق و التنزيل، و من الممكن عدم ترتّب حكم على هذه القابلية و الاستعداد نعم إذا صار مكلّفا و رجع عمّا هو مقتضى فطرته و اعتنق اليهودية أو النصرانية مثلا فهناك يكون كافرا نجسا لانّه يصدق عليه اليهوديّ أو النصرانيّ جدّا.

الأخبار المعارضة

قد علمت انّ الروايات التي استدلّ بها على تبعيّة أولاد الكفّار لهم لم تكن دالة على ذلك فهنا نقول: أضف الى ذلك انّها معارضة بأخبار أخر.

و منها: قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ثلاثة يحتج عليهم الأبكم و الطفل و من مات في الفترة فترفع لهم نار فيقال لهم: ادخلوها فمن دخلها كانت عليه بردا و‌

____________

(1). سورة الروم الآية 30

107

سلاما و من ابى قال تبارك و تعالى هذا قد أمرتكم فعصيتمونى. (1)

تدلّ على اختبار الأطفال يوم القيامة بالنار، و الطفل مطلق شامل لولد المسلم و الكافر، و على هذا فأولاد الكفّار ايضا يختبرون، رغما لما ذكروه من لحوقهم بآبائهم.

و منها عن سهل عن غير واحد رفعوه انّه سئل عن الأطفال فقال إذا كان يوم القيامة جمعهم اللّه و أجّج لهم نارا و أمرهم أن يطرحوا أنفسهم فيها فمن كان في علم اللّه عز و جل انّه سعيد رمى بنفسه فيها و كانت عليه بردا و سلاما و من كان في علمه انّه شقيّ امتنع فيأمر اللّه بهم الى النار فيقولون يا ربّ تأمر بنا الى النار و لم يجر علينا القلم؟ فيقول الجبّار قد أمرتكم مشافهة فلم تطيعوني فكيف و لو أرسلت رسلي بالغيب إليكم؟ (2) و دلالة هذه ايضا ظاهرة، و مجرّد امتناع الأطفال عن دخول النار بأمر اللّه تعالى يوجب- بمقتضى هذه الرواية- دخولهم في النار.

لا يقال: كيف يصحّ دخولهم في جهنّم و خلودهم في النار ابدا لامتناع أمر واحد و مخالفة واحدة له سبحانه؟! لأنّا نقول: هذا هو عين الإشكال الذي يذكر في الكافرين أنفسهم فيقال كيف يمكن خلودهم في النّار أبد الآبدين لعصيان سبعين سنة أو أقلّ أو أكثر من ذلك؟

و الجواب في المقامين واحد، و هو انّ اللّه تعالى يعلم انّه لو بقي ابدا الآباد لكان مصرا على معاصي اللّه و مقيما على مخالفته متوغّلا في الفواحش‌

____________

(1) الكافي ج 3 باب الأطفال ص 249 الوافي ج 3 أبواب ما بعد الموت ص 100

(2) الكافي ج 3 ب الأطفال ح 2 ص 248 الوافي ج 3 ص 100 من أبواب ما بعد الموت. الى غيرهما من الروايات الواردة في التأجيج لكن الأستاذ الأكبر مدّ ظلّه اكتفى بذكر هذين الخبرين فراجع الوافي ج 3 أبواب ما بعد الموت ب 112 و كذا الخصال باب السبعة.

108

و المنكرات. [1] و تمام البحث في علم الكلام.

ثمّ انّ الاخبار الواردة في الأطفال من مشكلات الاخبار و معضلاتها فترى انّ بعضا منها صريحة في كونهم تابعين لآبائهم و قسما منها المذكور آنفا صريحة في الامتحان و التأجيج و عرض النار عليهم فمن رمى بنفسه فيها فهو من أهل الجنّة و من ابى عن ذلك فهو من أهل النار. و بين القسمين بحسب الظاهر كمال المنافرة و المخالفة و لذا تصدّى العلماء للجمع بينهما.

فقال المحدّث الكاشاني (رضوان اللّه عليه): دخول الأطفال مداخل آبائهم غير مستلزم لان يكونوا معذّبين بعذاب الآباء و كذلك نقول في أطفال المؤمنين و هذا في البرزخ و امّا في القيامة فيمتحن بالنار. انتهى.

و حاصل كلامه انّ اخبار اللحوق متعرّضة لحالهم في البرزخ بخلاف اخبار التأجيج فإنّها متعرّضة لحالهم في يوم القيامة.

و فيه انّ هذا الحمل خلاف ظاهر قوله (عليه السلام) في رواية عبد اللّه بن سنان في شأن أطفال المشركين: (كفّار يدخلون مداخل آبائهم) حيث صرّح بكونهم كفّارا. (1)

و قال المحدّث البحراني (قدّس سرّه): و الجمع بينهما- يعني خبري عبد اللّه بن سنان و وهب بن وهب- و بين ما ذكر من اخبار تأجيج النار ممكن بأحد وجهين: امّا بحمل أخبار تأجيج النار على انّ الذين يدخلون النار و يطيعون هم أولاد المؤمنين و الذين يمتنعون هم أولاد الكفّار و المشركين و حينئذ فيلحق كلّ من الفريقين بالآباء في الجنّة أو النّار بعد الامتحان المذكور و امّا بحمل أخبار‌

____________

[1] أقول: يؤيّد ذلك ما ورد عن رسول اللّه صلى الله عليه و آله من انّه إذا التقى المسلمان بسيفهما على غير سنّة القاتل و المقتول في النار قيل يا رسول اللّه القاتل فما بال المقتول؟ قال لأنّه أراد قتلا.

التهذيب ج 6 ص 174 ح 25.

____________

(1). الوافي ج 3 أبواب ما بعد الموت ص 101

109

تأجيج النار على غير أطفال المؤمنين و الكفّار بناء على ما ثبت بالأخبار الصحيحة من تقسيم الناس الى مؤمن و مسلم و كافر فأهل الوعدين و هم المؤمنون و الكفّار لا يقفون في الحساب و لا تنشر لهم الدواوين و لا تنصب لهم الموازين و انّما يساقون بعد البعث إلى الجنّة ان كانوا مؤمنين و النار ان كانوا كافرين و هذان الفريقان يلحق بهم أولاهم في الجنّة و النار كما صرّحت به تلك الاخبار و امّا المسلمون و هم أهل المحشر الذين يقفون في الحساب و تنشر لهم الدّواوين و تنصب لهم الموازين فهؤلاء الذين تأجّج لأولادهم النار. [1]

و نحن نقول: انّ هذه المطالب متعلّقة بالآخرة و عالم الغيب الذي له أسرار عظيمة و جريانات خافية علينا و لا علم لنا بمعاملة اللّه خلقه و لا بما يقع في تلك النشأة قال اللّه تعالى وَ مٰا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلّٰا قَلِيلًا (1) نسئل اللّه ان يجعل عواقب أمورنا خيرا، و نعم ما قاله بعض الفقهاء- بل هو حقّ الكلام- من انّ البحث في هذه الأمور ليس من شأن الفقيه من حيث انّه فقيه، بل هو مربوط بالمتكلمين، لأنّهم يبحثون- في علم الكلام- في كيفيّة العقوبة و المثوبة و أشباه ذلك فعدم تعرّضنا لذلك انسب و إيكال هذه المطالب إليهم أولى.

و قد تلخّص ممّا ذكرنا انّه لا يمكن إثبات الحكم الظاهري كالنجاسة بهذه الأخبار.

____________

[1]. الحدائق الناظرة ج 5 ص 199 أقول: الأولى ما ذكره السيّد الشبّر من حمل الأخبار الدالة على تعذيب الأطفال و إلحاقهم بآبائهم على التقيّة لذهاب جماعة من حشويّة العامّة إلى أنهم يلحقون بآبائهم كما انّ المشهورين بين أصحابنا المتكلّمين انّهم لا يدخلون النار. راجع مصابيح الأنوار، ج 1 ص 286.

____________

(1). سورة الإسراء الآية 85

110

الكلام في استصحاب النجاسة

استدلّ بعضهم لإثبات نجاسة أولاد الكفّار و إلحاقهم بهم بالاستصحاب، فانّ الولد كان في السابق في وقت نجسا فهو في الحال ايضا كذلك.

و الجواب انّه ما هو الوقت الذي كان نجسا؟ فهل هو قبل و لوج الروح فيه أو غير ذلك؟

فان كان المراد هو الأوّل بأن نقول: انّه قبل و لوج الروح فيه كان نجسا، ففيه:

أوّلا: انّه ليس النجس نجسا في الباطن. [1]

و ثانيا: انّه بعد صيرورته ولدا و طفلا فقد استحال من كونه نطفة و علقة و مضغة و انقلب الموضوع و لم يبق الهاذهية و لا يصدق انّ هذا ذاك حتى يجرى الاستصحاب فإنّه مشروط بانحفاظ الموضوع و بقائه و صدق الهاذويّة في الزمن اللاحق.

____________

[1]. لعلّه يرد عليه انّه و ان كان يتمّ انّ النجس ليس نجسا في الباطن الّا انّ ذلك في مورد المسلم و امّا الكافر الذي هو بكامله و بتمام وجوده نجس فلا و ذلك لانّ ممّا حوته الامّ هو الولد و هو من إجرائها.

اللّهم الّا ان يكون مراده دام ظلّه انّ كون الولد جزءا من اجزاء امّه بحيث يكون نجسا كسائر أعضائها الباطنة مشكل و على فرض كونه كذلك فالاستصحاب لا يخلو من اشكال للشك في بقاء الموضوع بعد الولادة و الانفصال، كما و انّ بعض الاعلام قد استشكل في الاستصحاب بهذين الوجهين بل و استشكل فيه الشيخ الأعظم في طهارته فإنّه صرّح بأنّ بالعمدة في الحكم بالنجاسة هو انّ تعدّى نجاسة الأبوين ذاتا الى المتولّد منهما شي‌ء مركوز في أذهانهم ثم قال: و الّا فيمكن منع الاستصحاب بمنع جزئية الجنين في بطن امّه للأمّ عند صيرورته مضغة فلا دليل على نجاسته في ذلك الوقت ضرورة عدم صحّة استصحاب نجاسته حال كونها علقة لأنّها من حيث كونها دما انتهى.

111

امّا لو كان المراد غير ذلك كان يقال انّ الكافر بنفسه نجس و رطوباته مطلقا- دما أو غيره- أيضا نجسة و على ذلك فهذا الولد عند تولّده كان متلطّخا برطوبات نجسة فكان نجسا بلا شك في ذلك فحينئذ نشكّ في انّ نجاسته هل كانت عرضيّة حتى تطهر و تزول بالغسل أو ذاتيّة لا ترتفع به فتستصحب النجاسة.

و هذا هو القسم الثاني من استصحاب الكلّي الذي وجد الكليّ في ضمن فرد مردّد بين قصير العمر و طويله كالبقّ و الفيل، فإذا شكّ في بقاء الحيوان يقال لو كان الحيوان الموجود طويل العمر فالحيوان اى الجامع و الكلىّ باق بعد و لو كان هو قصيره كالبق، فلا محالة لم يبق الى الآن فهنا يصحّ استصحاب الكليّ أعني الحيوان و يترتّب عليه آثاره الشرعيّة، دون آثار خصوص الفيل مثلا، و كذلك فيما نحن فيه نقول: انّا علمنا بوجود النجاسة لكنّها مردّدة بين كونها ذاتية طويل المدّة، و ثابتة باقية لا ترتفع الّا بإظهار الشهادتين بعد البلوغ و بين قصيرها الّتي ترتفع بمجرّد الغسل و هي النجاسة العرضيّة، و من المعلوم انّ الشك هو الشك في الرافع حيث انّ النجاسة من الأمور المقتضية للبقاء إلى الأبد لو لا الرافع، فلو كانت في الواقع عرضيّة فإذا غسلها فقد جاء الرافع و تحقّق و أزالها و ان كانت ذاتيّة فهي باقية لا تزول و لا ترتفع به فيستصحب أصل النجاسة و يترتب آثارها فإنّها الجامع المشترك بينهما.

و ان شئت فقل انّ هذا نظير الرطوبة المتردّدة بين المنىّ و البول فإنّه و ان لم يجز ترتيب آثار خصوص الجنابة حتّى لا يجوز للواجد التوقّف في المسجد باستصحاب الجامع، الّا انّ استصحاب الجامع اعنى الحدث و ترتيب آثاره جائز، و ثمرة ذلك عدم جواز الصلاة، حيث انّ الحدث مطلقا مانع عنها سواء كان هو الحدث الأكبر أو الأصغر، فهذا الشخص قبل التوضؤ كان على يقين من الحدث و‌

112

بعده يشكّ في زواله و بقاءه فيستصحب أصل الحدث فلا يجوز له الدخول في الصلاة مثلا لانّ هذا الأثر أثر الجامع. هذا.

لا يقال: انّ مقتضى أصالة عدم كون النجاسة ذاتيّة ترتّب آثار الطهارة، كما انّ مقتضى الأصل في مثال الطويل و القصير من العمر هو أصالة عدم كونه طويلا.

لأنّا نقول: ليست الطهارة من آثار عدم كون النجاسة ذاتيّة، بل اللّازم بعد جريان هذا الأصل ان يقال: فكانت عرضيّة، ثم يترتّب عليها طهارتها بالغسل، لأنّ الطهارة من آثار النجاسة العرضيّة فيؤل الأمر الى الأصل المثبت و هو باطل كما حقّق في محلّه. و على الجملة فمقتضى استصحاب أصل النجاسة بعنوانها الجامع و ترتيب آثارها هو الحكم بنجاسة ولد الكافر.

و لنا عن هذا الاستصحاب جوابان نقضي و حلّي:

امّا الأوّل: فهو انّه لو صحّ هذا الاستصحاب لوجب الحكم بنجاسة الحديد أبدا إذا تنجّس بالعرض حيث انّ نجاسة الحديد الذاتيّة محتملة لورود بعض الروايات بذلك. [1]

و من الواضح المعلوم انّ من قال بطهارته يقول بها عند عدم تنجّسه بالعرض فعلى هذا لو تنجّس بالعارض فهناك يقطع بنجاسته و إذا غسل بالماء و شكّ في طهارته و نجاسته يحكم بنجاسته، لانّه لو كانت النجاسة عرضيّة فقد زالت و لو كانت ذاتيّة فهي باقية بعد، و لو جرى الاستصحاب فيما نحن فيه للزم جريانه في هذا المورد ايضا و ان لا يحكم بطهارته بعد الغسل بل اللّازم هو الحكم بالنجاسة لعدم فرق بين المقامين أصلا مع انّهم لا يقولون بنجاسته.

____________

[1]. راجع وسائل الشيعة ج 1 ص 203 ب 14 من أبواب نواقض الوضوء ح 4 و 5، و ج 3 ب 32 من أبواب لباس المصلّى ح 6، لكن في الحدائق ج 5 ص 233: لم أقف على قائل بنجاسته، و في الجواهر ج 6 ص 84 دعوى الإجماع محصّلا و منقولا على الطهارة.

113

و امّا الثاني: فنقول: انّ الاستصحاب كما ذكره علم التحقيق و التقى الشيخ المرتضى و المحقّقون، على قسمين: الاستصحاب الموضوعي و الاستصحاب الحكمي لأنّه تارة يجري في الموضوعات، و اخرى في الأحكام، و ثمرة استصحاب الموضوع جعل حكم الموضوع و ترتيبه عليه في الآن اللاحق، مثلا لو شكّ في انّ الخمر الكذائي صار خلّا أم لا فيجري استصحاب الخمريّة، و فائدته جعل الحرمة- الّتي كانت متعلّقة بالخمر المعلوم- لهذا المشكوك و امّا استصحاب الحكم فإنّه جعل حكم كالحكم السابق الّا انّ الحكم السابق كان حكما واقعيّا و هذا الحكم الفعلي حكم ظاهريّ، فلو شكّ في وجوب صلاة الجمعة في زمن الغيبة بعد ان كانت واجبة في زمن الامام (عليه السلام) فيستصحب وجوبها و معنى استصحابه جعل (صلّ) فعلا نظير «صلّ» في زمن الحضور مع تفاوت انّ الأوّل واقعيّ و الأخير ظاهريّ.

ثمّ انّ بين الموضوعات و الأحكام فرقا و هو انّه يمكن في الموضوعات جعل الحكم للفرد و يمكن جعله للجامع فإذا قيل: ان جاءك زيد فأعطه درهما، فقد حكم بالإعطاء بشخص زيد و خصوصية الزيدية ملحوظة عند المتكلّم امّا إذا قيل: ان جاءك إنسان أو فقير مثلا فأعطه درهما، فهنا قد تعلّق بالجامع و لوحظ القدر المشترك و الكلىّ بين زيد و غيره.

و امّا الأحكام فلا يمكن فيها جعل القدر الجامع بل لا بدّ من جعل شخص الحكم و لا يزال المجعول في الأحكام يكون شخصيا و ليس جامع الحكم مجعولا ابدا فانّ الجامع أمر انتزاعي لا يكون بحذائه في الخارج شي‌ء بل ما كان بحياله هو الافراد فقط.

إذا تحقّق هذا فلا يصحّ ان يقال: النجاسة الجامعة كانت موجودة سابقا و الآن شكّ في بقاءها فهي في الحال أيضا موجودة لأنّها بلحاظ كونها جامعة بين‌

114

الذاتيّة و العرضيّة ليست مجعولة حتّى تستصحب و انّما المجعول هو شخص النجاسة الذاتية و شخص النجاسة العرضيّة فلا يمكن إسراء الاستصحاب- الجاري في البقّ و الفيل أو في البول و المنى- فيما نحن فيه حيث انّهما من قبيل الموضوعات و ما نحن فيه من استصحاب الأحكام.

و يمكن ان يقال: سلّمنا عدم إمكان استصحاب الجامع فيما نحن فيه لكنّا تمسّك باستصحاب أحكام الجامع و آثاره نظير عدم جواز الدخول في الصلاة المترتّب على الجامع بين الحدثين- الأكبر و الأصغر- في الرطوبة المردّدة بين البول و المنى.

و الجواب عنه انّه: بعد عدم إمكان استصحاب الجامع هنا يتردّد أمر الولد بين كونه نجسا أو طاهرا و هذا بعينه مصبّ أصالة الطهارة و مجراها و لا مجال لجريان استصحاب حكم الجامع و أثره مع كونه بنفسه غير قابل للجعل و لا تصل النوبة إلى ترتّب آثار النجاسة بعد شمول (كل شي‌ء لك طاهر حتّى تعلم انّه قذر) له، هذا، و قد تحصّل ممّا ذكرنا انّ التمسّك بالاستصحاب ايضا لا ينفع المستدلّ، لعدم جريانه.

الكلام في السيرة

و قد يستدلّ لإثبات نجاسة أولاد الكفّار بالسيرة القطعيّة المستمرّة من زمن المعصوم الى زماننا في معاملتهم معاملة آبائهم و الاحتراز عنهم و إلحاقهم بآبائهم، و عدم الافتراق بينهم.

و نحن نقول: لو ثبت ذلك و تحقّق اتّصال السّيرة بزمن المعصوم و عصر الأئمّة (عليهم السلام) فنعم المراد و يثبت بها المطلوب. و لو لم يكن في الأدلّة‌

115

الماضية ما تطمئنّ إليه النفس فهذه بنفسها كافية الّا انّ إثبات ذلك مشكل، فلم يثبت بحسب الظاهر سيرة متّصلة إلى عصر الأئمة لعدم ابتلائهم بهذا في ذلك الزمان.

فتحصّل من جميع هذه الأبحاث انّه لم يبق في المقام شي‌ء يستند إليه في الحكم بالإلحاق الّا ان يكون الحكم إجماعيّا كما قد يدّعى ذلك، و على هذا فيحكم بتبعيّتهم لهم في النجاسة بالإجماع، و يتمّ الأمر، امّا لو لم يكن إجماع أو شكّ في قيامه و تحقّقه أو في تحقّق السيرة و لم يمكن إثبات الحكم من هذين الطريقين فالحكم لا محالة هو الطهارة بعد الشك في ذلك، لترتّب النجاسة على الكفر و هو لم يتحقّق بعد و المرجع عند الشك هو الطهارة.

لكن لا يخفى عليك انّه على هذا لا يجرى غيرها من الأحكام الإسلاميّة على هذا الطفل قبل ان يبلغ الحلم لكونها مترتّبة على البالغ بخلاف الحكم بالطهارة فإنّه مقتضى كلّ شي‌ء لك طاهر حتّى تعلم انّه قذر. (1)

و لكنّ الإنصاف انه يمكن القول بالنجاسة لذهاب العلماء و الأصحاب الى ذلك و استقرارا عملهم عليه على ما نعرف من حالهم و عدم وقوع مورد كان عملهم على خلاف ذلك و الّا فلو كان لبان و بعبارة اخرى انّ الحكم بإلحاقهم بآبائهم و معاملتهم معاملة النجس مشهور من كبار العلماء الأتقياء، حفاظ الشريعة، و حملة الكتاب، الذين نعرفهم بكثرة الاهتمام بأمر الدين و لم ينقل في طول التاريخ حتّى من عظيم من عظماء الدين و واحد من علماءنا الأجلّة الماضين و لا من غيرهم من الطائفة المحقّة انّه أنكر ذلك و خرج عن هذه السيرة و الّا لذكر و نقل إلينا لكونه ممّا يقضي العادة بنقله، و الترديد في الابتلاء في غير محلّه.

____________

(1). تقدّم مصدر ذلك آنفا فراجع

116

ان قلت: من المحتمل انّ هذه السيرة حدثت في الأعصار المتأخرة عن زمن الأئمة (عليه السلام) و لم تكن متّصلة إلى زمن المعصوم (عليه السلام).

نقول: انّ الأصل عدم التبديل و الّا لنقل لنا خلاف عن واحد من العلماء. [1]

ثمّ لا يخفى انّ البحث في نجاسة أطفال الكفّار و طهارتهم يختصّ بما إذا كان أبواه كافرين، و امّا إذا كان أحدهما مسلما فلا إشكال أصلا في كونه ملحقا به لأنّه الأشرف من بين الأبوين.

مسألة في أولادهم من السفاح

بعد التسالم على تبعيّة ولد الكافر له في النجاسة فهل انّ ولده المتولّد سفاحا ايضا كذلك أو يحكم عليه بالطهارة و يقتصر في الحكم بالنجاسة على ولده نكاحا؟

قال صاحب الجواهر (رضوان اللّه عليه) بعد تحقيقه في أصل المطلب: نعم قد يمنع الإجماع المزبور في المولّد منهما بغير النكاح الصحيح في حقّه اقتصارا على المتيقّن منه في قطع الأصول و العمومات، و ان كان لا يخلو عن اشكال، كما يمنع فيما لو كان أحد أبويه مسلما لتبعيّته للأشرف حينئذ بل في شرح الأستاذ انّه الظاهر منهم للأصل و غيره من الإجماع و الاخبار انتهى.

و على هذا البيان فالمتيقّن- من أولاد الكفّار المحكوم عليهم بنجاستهم التبعيّة- المتولدون منهم بالنكاح و الذين يصدق عليهم عرفا أنّهم أولاد لهم‌

____________

[1]. ففي الجواهر كتاب الجهاد ص 134: الطفل ذكر أو أنثى تابع لأبويه في الإسلام و الكفر و ما يتّبعهما من الأحكام كالطهارة و النجاسة و غيرهما بلا خلاف أجده فيه بل الإجماع بقسميه عليه مضافا الى إمكان القطع به من السنّة.

117

فالمتولّد منهم زنى و سفاحا ليس بنجس لعدم دليل على ذلك.

لكنّ الإنصاف انّ هذا لا يخلو من نظر و اشكال- كما استشكل صاحب الجواهر نفسه ايضا على ما رأيت في عبارته- لانّه لو كان الدليل على طهارة ولد الكافر سفاحا الإجماع القائم على نجاسة الولد الصحيح دون غيره.

ففيه انّه ليس معقد الإجماع هو الولد الصحيح العرفي كي يحكم بالطهارة على ولده المتكوّن من غير نكاح، بل الإجماع قائم على نجاسة ولد الكافر، كما انّه ليس للإجماع قدر متيقن ليختصّ بالمتولّد من النكاح بعد ان كان مراد المجمعين هو الأعم بحسب الظاهر.

امّا لو كان الدليل على طهارته الأخبار الواردة في عدم إرث ولد الزنا و اختصاصه بمن تولّد من النكاح حيث يستظهر منها انّه كما لا يرث من أبيه الكافر الزاني كذلك لا يلحق به في النجاسة أيضا.

ففيه انّ من الممكن التفصيل في الأحكام بين ما كان فيه إكرام للولد كالإرث و أمثاله و ما لم يكن كذلك كالحكم بالنجاسة الّتي هي نوع مهانة و استقذار للوالد و يسرى الى الولد لكونه منه، فيقال في الأوّل باختصاصه بما إذا كان الولد شرعيّا فلا يرث منه من ولد من الزنا شيئا و في الثاني- أعني ما إذا كان الحكم لأجل المهانة- يسري من الآباء الى الأبناء مطلقا أعم من الولد الصحيح الشرعي و غيره. فسريان النجاسة و الخباثة من الآباء الى الأبناء غير مختصّ بالولد الحقيقي، بل كما انّها تسرى الى الولد الصحيح كذلك تسرى الى غيره لأنّها مستندة الى التبعيّة و الّا فلا يصدق عليه الكافر، كما أمضيناه في الأبحاث السابقة و لا فرق في التبعيّة بين القسمين من الولد.

118

كلمة حول التبعية

ثمّ لا يخفى أنّ التبعيّة على قسمين و كلّ منهما أغلبيّة بحسب واقعيّتها:

أحدهما: التبعيّة في الولادة و هذه من الأمور الارتكازيّة يدلّ عليها قوله تعالى وَ الْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبٰاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَ الَّذِي خَبُثَ لٰا يَخْرُجُ إِلّٰا نَكِداً. (1)

و قد أفصح عنها الشاعر بالفارسية بقوله:

زمين شوره سنبل بر نيارد * * * در آن تخم و عمل ضائع مگردان

و معروف بين الناس كالمثل السائر بالعربيّة. و كلّ إناء بالذي فيه ينضح. و بالفارسيّة: از كوزه همان برون تراود كه در اوست.

فالكافر رجس و خبيث لكفره و لا يخرج و لا يتولّد من الخبيث غالبا الّا الخبيث فهذا هو مقتضى خباثة المنشأ، و دنائة المولد، و لؤم الأصل، و سوء المنبت، كما انّ الأصل الطيّب و المنشأ الطاهر لا ينتج الّا ثمرات طيّبة و أولادا امجادا صلحاء، فإنّ الطهارة و الكرامة موروثتان من معدن أصيل في الأسرة و من البيوت العريقة في الدين.

ثانيهما: التبعيّة في التربية الّتي أشار إليها النّبي الأقدس (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في الحديث الشريف الذي أمضيناه: (إنّما أبواه يهوّدانه و ينصّرانه و يمجّسانه) فالفطرة الإسلاميّة ثابتة مودعة في كلّ مولود مدّخرة في زوايا قلبه و أعماق نفسه حتّى من ولد في بيئة الكفر و تكوّن من والدين كافرين و نشأ في اجواء الضّلال و مواطن الشرك و الإلحاد فقد أودع اللّه في قلبه حبّ المبدأ و الرغبة إلى الحق و التوحيد و الدّين الحنيف و الصراط المستقيم لكنّ التربية المغلوطة‌

____________

(1). سورة الأعراف الآية 58.

119

تهوّده و تنصّره فانّ البيئة مؤثرة جدّا و شئون البيت و ساكنيه نافذة قطعا و اعتقادات المربّي تسرى إلى المربّي «بالفتح» بلا ارتياب و على الجملة فنجاسة الأولاد تبعيّة لا تعبديّة محضة و من المعلوم جريان كلّ قسم منهما في ولد الكافر سفاحا ايضا مع ضميمة أخرى و هي كونه من السفاح فيزداد به خبثا، و قد تحصّل أنّ إخراج ولد الزّنا من حكم الأولاد غير صحيح و انّه لا فرق في نجاستهم بين ما إذا ولدوا من نكاح صحيح أو من سفاح.

مسألة بالنسبة إلى ولد الكافر، المجنون

بعد ثبوت نجاسة ولد الكافر فلو بلغ و جنّ فهل هو يطهر أو يبقى على نجاسته؟ في المسئلة أربعة صور:

الاولى: ان يبلغ مجنونا سواء كان الجنون قبل البلوغ أو مقارنا له.

الثانية: ان يبلغ أوّلا ثم يكفر ثمّ يجنّ.

الثالثة: ان يبلغ أوّلا ثم يسلم ثمّ يجنّ.

الرابعة: ان يبلغ عاقلا ثمّ يجنّ في الفترة و فسحة النظر، و هذا هو الفرض الذي قد تعرّض له صاحب الجواهر (رضوان اللّه عليه).

امّا الفرض الأوّل: و هو ما إذا بلغ مجنونا فالحكم هنا النجاسة [1] و الدليل على ذلك الاستصحاب لانّ الكفر و التبعيّة منتفيان، امّا الكفر فلانّه فرع العقل فلا يتحقّق في حال الجنون و هذا بحسب الفرض مجنون و كان بلوغه عن الجنون فلا يتمّ الحكم بالنجاسة مستندا الى الكفر، و امّا التبعيّة فلاختصاصها بالطفل فإنّه‌

____________

[1]. كما انّ الشيخ المرتضى نوّر اللّه مرقده بعد ان حكم بنجاسة أولاد الكفار و ان العمدة في ذلك انّه شي‌ء مركوز في أذهان أهل الشرع، قال: و الظاهر انّ من بلغ مجنونا حاله حال الطّفل انتهى.

120

تابع و لذا يحكم بنجاسته بالذات للتبعيّة و مفروض البحث هو البالغ الكبير فلا يكون تابعا و النتيجة انّه لا يمكن إثبات نجاسته الّا بالاستصحاب لثبوت الموضوع و صدق بقاءه و عدم تغيّره عرفا فيقال هذا كان نجسا قبل البلوغ أو بالأمس و اليوم قد بلغ و نشكّ في بقاء نجاسته فهو نجس بعد بمقتضى الاستصحاب.

اللّهم الّا ان تقيّد نجاسة الطفل في موضوع الدليل بما انّه طفل و صغير فعلى هذا تنتفي النجاسة بعد البلوغ بلسان نفس الدليل فإنّه ليس بصغير فعلا كما في كلّ مورد أخذ عنوان في دليل ثم انتفى ذلك العنوان فإنّه لا يجرى الاستصحاب حينئذ بل ينفى الحكم بنفس الدليل، مثلا لو قيل يجوز الاقتداء بالعادل و فرضنا انّ زيدا مثلا كان عادلا ثم علمنا أنّه أصبح فاسقا فنفس دليل جواز الاقتداء بالعادل يكفي في عدم جواز الاقتداء به و هو ناطق بذلك، كما انه لو أصبح عادلا ثانيا لدلّ نفس الدليل الأوّل على جواز الاقتداء به بلا حاجة الى الاستصحاب أصلا.

و الحاصل: انّه لو كان ما نحن فيه كذلك بان كان الدليل ناطقا بأنّ أولاد الكفّار في حال الصغر تابعون لهم فبعد الكبر لا مورد لاستصحاب تبعيّتهم أصلا فإنّ الدليل يطرد الحكم و يرفعه عن هذا المورد و حينئذ يحكم بطهارته لخروجه عن محور الموضوع.

نعم قد يؤخذ العنوان في نفس الدليل لكنّه لأجل إثبات الحكم فعلا و انّ الحكم ثابت ما دام العنوان ثابتا و لكنّه ساكت بالنسبة الى ما بعده و لا تعرض له أصلا لا نفيا و لا إثباتا مثل قيام الإجماع على نجاسة ولد الكافر فيما قبل بلوغه و حال صغره (لا قيدا بل ظرفا) بلا تعرّض أصلا لما بعد البلوغ فإذا بلغ و جنّ و شكّ في طهارته و نجاسته جرى استصحاب النجاسة ان كانت له حالة سابقة كما إذا‌

121

جنّ حين البلوغ فإنّه كان نجسا سابقا و موضوع الدليل و هو الصغر قد انتفى و ارتفع- لانّه كبير فعلا- و لكنّ الموضوع باق و ثابت عرفا ألا ترى انّ الحكم بنجاسته الآن إبقاء لنجاسة هذا عرفا، فلا يقال انّه شخص آخر حكم عليه بالنجاسة، و على الجملة فيجري استصحاب النجاسة.

و هنا اشكال و هو: انّه بعد الشك في طهارته و نجاسته يجري أصل الطهارة لا استصحاب النجاسة.

و الجواب عنه: انّ الاستصحاب مقدّم على أصل الطهارة حيث انّه ناظر الى الواقع بخلاف أصالة الطهارة التي هي مجرّد وظيفة للشّاك و المتحير و لو فرض عدم حالة سابقة و شكّ في الطهارة و النجاسة مع عدم تعرّض الدليل لما بعد البلوغ فهناك تجري أصالة الطهارة.

و امّا الفرض الثاني: و هو ما إذا بلغ ثم كفر ثم جنّ فهنا يحكم بنجاسته قطعا و ان لم يشمله دليل الكفر لعدم اجتماعه مع الجنون على ما أمضيناه آنفا كما انّ دليل التبعيّة أيضا لا يشمله لانقطاع التبعيّة بالبلوغ، و المفروض انّ هذا بالغ فيشك في طهارته و نجاسته و يحكم عليه بالنجاسة بمقتضى الاستصحاب، لانّ جنونه حسب الفرض كان مسبوقا بالكفر، فقد كفر بعد بلوغه، ثمّ جنّ، فيكون نجسا.

نعم لو كانت النجاسة مترتّبة على الكفر أو الشرك بحيث لو لم تتحقّق الصفة لحكم عليه بالطهارة و ان لم يكن مسلما، و بعبارة أخرى: لو كانت النجاسة و الطهارة دائرتين مدار صدق الكفر و عدمه بلا اىّ دخل لغير صفة الكفر وجودا و عدما بحيث يكون الكفر وحده علّة تامّة للنجاسة كما استفاده بعض من الآية الكريمة: (إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ) قائلا: انّ النجس من بين افراد الإنسان هو المشرك فقط أو هو و من كان بحكمه كالسابّ، حسب ما تعرّضنا في مفتتح‌

122

الأبحاث و أوائل الكتاب فهناك يحكم على المجنون في فرض بحثنا بالطهارة فإنّه انسان غير الكافر و الحكم بالنجاسة مختصّ بالكافر.

امّا لو لم يكن الأمر كذلك و لم تكن الآية متعرّضة لغير المشرك أو الكافر و لم تكن بصدد الحكم بطهارة من عداه بل كانت متعرضة له وحده ساكتة عمّا عداه و غير متعرّضة بالنسبة الى ما وراء ذلك فلا دليل على نجاسة المورد المفروض و لا على طهارته فيشكّ، و لا محالة يجري الاستصحاب فيحكم ببقاء الحالة السابقة على الجنون.

و امّا الفرض الثالث: و هو ان يبلغ ثم يسلم ثم يجنّ فلا اشكال هنا في طهارته و ان فرضنا عدم صدق المسلم عليه و عدم تحقّق الإسلام في هذه الحالة و بعبارة اخرى انّه محكوم بالطهارة و ان قلنا بطهارة المسلم بما هو مسلم و بما هو متّصف بصفة الإسلام، و المجنون حال جنونه ليس بمسلم و لا متّصفا بالإسلام و على الجملة فنقول بطهارته حيث لم يدلّ على نجاسته دليل و لا شكّ في كونه طاهرا ذاتا قبل جنونه فيستصحب طهارته.

و امّا الفرض الرابع: و هو ما إذا جنّ في فسحة النظر، و بعبارة اخرى كان من ابتداء بلوغه و تكليفه بصدد التحقيق في الأديان و التنقيب في الشرائع لتشخيص ما هو الحقّ منها فشرع في التفكّر و الدّقة و النظر فصار مجنونا فلا تشمله أدلّة التبعيّة لكونه بالغا و لا الكفر حيث انّه مجنون و لكن يحكم عليه بعين الحكم الذي كان يترتّب عليه في حال صحّة عقله من النجاسة و الطهارة و الظاهر انّه كان طاهرا و بحكم المسلم في تلك الحال لعدم تبعيّته لهم أو اعتناقه لعقيدتهم، هذا كاف في الحكم بالطهارة بناء على انّ المستفاد من الآية الشريفة هو حصر النجس من افراد الإنسان في من ثبت كفره، و على الجملة فهنا يستصحب حكم حال صحوه و لا تصل النوبة إلى التمسك بأصالة الطهارة كما‌

123

زعمه صاحب الجواهر (رضوان اللّه عليه). [1]

بحث في المسبيّ:

بعد الحكم بنجاسة ولد الكافر فلو سباه مسلم و استرقّه فهل يكون كذلك أيضا أو يحكم بطهارته حيث انّه في يد المسلم و تابع له؟

للمسئلة صور لأنّ المسبيّ لا يخلو امّا ان يكون كبيرا أو صغيرا و على كلا التقديرين فامّا ان يسبى مع أبويه أو مع أحدهما و امّا ان يسبى منفردا فهو وحده مسبيّ.

فنقول: لا نزاع في الصورة الاولى و هي ما إذا سبي كبيرا مع والديه أو مع أحدهما فإنه باق على نجاسته.

و كذلك في الصورة الثانية و هي ما إذا سبي كبيرا منفردا فإن النجاسة لا ترتفع إلّا بالإسلام و لا يكفي مجرّد السّبي.

الثالث ما إذا سبي صغيرا مع والديه أو مع أحدهما و الحكم هنا أيضا النجاسة للتبعية.

: و امّا الصورة الرابعة و هو ما إذا سبي منفردا صغيرا فهذا هو محلّ النزاع و الكلام في انّه طاهر أو نجس؟

و يمكن ان يستدلّ على طهارته بأمرين:

أحدهما: انّ سبب الحكم بنجاسته قبل سبيه هو تبعيّته لأبويه الكافرين و قد زال و ارتفع هذا السبب بسبي المسلم له وحده و تبعيّته له و كما انّ مقتضى ما‌

____________

[1]. راجع الجزء 6 منه ص 46 أقول: لكنّ المبنى الذي ذكره دام ظله العالي هنا قد ردّه سابقا و عليه فلا بدّ من ان يؤخذ بما ذكره في الجواهر.

124

ذكر تفسيرا لقول النبي الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم: إنّما أبواه يهوّدانه و ينصّرانه و يمجّسانه انّه يتربّى على عادات اليهودية و النصرانية مثلا و ينحرف في البيئة المنحطّة الملوّثة الظالم أهلها فيعتنق العقائد الباطلة كذلك إذا دخل تحت ولاية المسلم فيرث العقائد الحقّة و تنفذ الحقائق الإلهية في أعماق روحه و زوايا نفسه و ان كان بحسب الذات مشمولا لقوله تعالى وَ الَّذِي خَبُثَ لٰا يَخْرُجُ إِلّٰا نَكِداً. (1) الّا انه ببركة ولاية المسلم عليه و كونه في ظلال الإسلام فهو في معرض الخروج عن هذه القاعدة و صيرورته من الطيّبين و من عباد اللّه الصالحين.

و ان شئت فقل انّ كفر ولد الكافر امّا للتبعيّة التوالدية و التناسليّة أو التربويّة و فيما نحن فيه تكون تبعية الولادة ثابتة محقّقة غير قابلة للتغيير و التبديل و لكنّه خرج بتبعية المسلم عن التبعية التربويّة فلا تصدق الأخيرة نظير المتولّد من الكافر حديثا و حينئذ لا يصدق عليه انّه تابع لأبويه الكافرين في التربية و على الجملة فالصغير المسبيّ ليس بكافر و تابعا له لما ذكرناه من الاعتبار فيكون طاهرا لخروجه عن التبعية التربوية:

و هنا بيان آخر و هو ان نقول انّ الولادة موجبة للنجاسة إلى أوان التمييز و من أوان التميز يحكم عليه بالنجاسة لأجل التبعية فإذا سبى مميّزا و كان السابي مسلما فلا يكون نجسا لأنّ العلة إذا انتفت انتفى المعلول.

و فيه ان هذه الأمور ليست الّا مقرّبات للمطلب، و استحسانات لتوجيه المقصد، و لا تنهض دليلا لإثبات طهارة ولد الكافر بعد ثبوت نجاسته بالدليل القوىّ.

ثانيهما: قول النبي الأعظم صلى اللّه عليه و آله و سلّم: الإسلام يعلو و لا‌

____________

(1). قد تقدّم قريبا موضعه فراجع إن شئت.

125

يعلى عليه. [1]

تقريب الاستدلال به ان مقتضى اعتلاء الإسلام و مجده، و كيانه و سلطانه صيرورة هذا المسبيّ تابعا للمسلم و محكوما عليه بحكم الإسلام، و هو الطهارة، فإن الحكم بنجاسته و تبعيّته للكافر مع كونه تحت ولاية المسلم لا يناسب علوّ الإسلام و غالبيّته.

و فيه انّ قوله الشريف غير مرتبط بالمقام بل هو متعلّق بما إذا تولّد صبيّ من أبوين أحدهما مسلم و الآخر كافر، و تردّد الأمر في دفعه الى المسلم أو الكافر منهما فهناك يدفع هذا الولد الى المسلم منهما دون الكافر و يتّبع الطفل الأشرف منهما و يلحق به و يحكم بطهارته، و هذا هو مقتضى مجدا الإسلام و علّوه، و كيانه، و شرفه، و غلبته، على الكفر.

و حينئذ فلم يبق في المقام شي‌ء يثبت طهارته و يقتضيها.

اللّهم الّا ان يكون المسئلة إجماعيا و قام الإجماع على الحكم تعبّدا [2] و على ذلك فنفس تبعيّة المسلم مطهّرة له كالإقرار بالشهادتين حين البلوغ، و عندئذ لا يمكن التخلّف عنه، و امّا لو لم يكن إجماع على طهارته فاستصحاب نجاسته السابقة جار بلا اى ترديد أو إبهام.

____________

[1]. من لا يحضره الفقيه الطبعة الحديثة ج 4 ص 334. وسائل الشيعة ج 17 الباب 1 من الإرث ح 11 ص 376 أقول: أورد بعض الأكابر على الاستدلال بهذا الخبر- في المكاسب- بأنّه يحتمل معان أحدها بيان كون الإسلام أشرف المذاهب ثانيها بيان انّه أقوى حجّة ثالثها انه يغلب على ما عداه من الأديان رابعها انّه لا ينسخ خامسها ما اراده الفقهاء من بيان الحكم الشرعي الجعلي بعدم علوّ غيره عليه و إذا جاء الاحتمال بطل الاستدلال انتهى.

و قد أورد بعض الأجلة إشكالا آخر على الاستدلال لا به فراجع بلغة الطالب للشّيخ محمد كاظم الشيرازي ج 1 ص 218.

[2]. كما ادّعاه بعض الاعلام في قواعده قائلا: فالظاهر هو اتفاق الأصحاب و تسالمهم على إلحاقه بالسابي و لطهارته إلخ.

126

فرعان يكثر الابتلاء بهما

الأوّل: انّه قد يتّفق أنّ أطفال اليهود أو النصارى أو غيرهما من الكفار يدرسون في مدارس المسلمين و يتوجّهون في خلال ذلك الى الدين و يعتقدون بما أعتقده المسلمون و يعتنقون الإسلام، بما يتلقّونه من معلّميهم المتدينين أو من منظّم المدرسة أو مديرها أو من أطفال المسلمين و شركاء درسهم الذين يجتمعون معهم في ساحة المدرسة و حلقات الدرس، و لما يسمعون من المعارف العالية الإلهية و الحقائق الخالدة الإسلاميّة و يشعرون بأنّ الإسلام ضامن لسعادة الإنسان و متكفّل لحلّ مشكلاتهم فيتنوّر قلوبهم بمعالم الدين و يؤمنون باللّه و الرسول فحينئذ هل يخرجون بذلك عن تبعيّة آبائهم الكافرين أم لا؟

الثاني: عكس هذا فقد يتّفق انّه يدرس أطفال المسلمين في مدارس الكفّار و المعاهد الثقافية أو التعليمة الّتي اسّسها الاروبيّون، و يعلّمهم معلّم ضالّ مضلّ، ينشر بين جدران تلك المدارس أفكاره و يبثّ سمومه ضد القرآن، فيشكّك في مناهج الإسلام و عقائد المسلمين، و يكثر من الايحائات الباطلة إغواء لهم، فيؤثّر ذلك في هؤلاء التلاميذ الصغار [1] الى ان ترى انّ بعضا منهم قد انحرف و ترك الإسلام و رغب عنه مقبلا بقلبه الى تلك المعتقدات الواهية و الأوهام الباطلة الكافرة التي اشرب في قلبه بها و على الجملة فإنّ هذا المعلّم‌

____________

[1]. أقول قد شاع هذا البلاء في عصرنا هذا بل المدارس من أقوى اجهزة الاستعمار الكافر الهدّامة التي تبثّ روح الاستهتار و الانحراف و السفور في نفوس النش‌ء الجديد من الطّلاب و الطالبات.

و الحقّ هو ما قاله الكاتب السّورى الغيور: محمد سعيد العرفي: و في الحقيقة ان المدارس الأجنبيّة قضت على كلّ آمال المسلمين لأنّها موضوعة لنشر التربية الاروبيّة النصرانية التي يقصد منها اضمحلال الإسلام انتهى.

127

المضلّ و عميل الأجانب قد أضلّه و أغواه، فهل يحكم بنجاسته حينئذ أو هو بعد طاهر تبعا لأبويه المسلمين؟.

أقول: امّا الفرض الأوّل: فالظاهر شمول الأدلّة الشارحة لحقيقة الإسلام له، فانّ مفادها انّ كلّ إنسان أعلن الشهادتين: الشهادة للّه تعالى بالتوحيد و للنبيّ محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) بالرسالة- و اعتقد باللّه، و بالنّبوات، و المعاد، و غيرها من المعتقدات الإسلاميّة، فهو مسلم، و ليس البلوغ شرطا في الإسلام، و ربّما يكون غير البالغ أكثر تميّزا و أشدّ اعتقادا و أقوى ايمانا من كثير من البالغين و قد يكون الصبيّ رشيدا كامل العقل متمكّنا من الاستدلال على مبادئه و معتقداته بنحو لا يتمكن منه الّا الخواصّ.

و يدلّ على عدم اشتراط الإسلام بالبلوغ إسلام الامام علىّ (عليه السلام) فإنه كان أقدم الصحابة إسلاما، و اسبقهم ايمانا، و كان له من العمر حين نزول الوحي على النبيّ (ع) أحد عشر سنة أو اثنا عشر أو ثلاثة عشر سنة فأسلم و لم يبلغ الحلم على ما قيل- و ان كان ذلك لا يخلو عن المناقشة- و بالجملة فهذا الصبي قد أقرّ بالشهادتين، و اعتنق الإسلام، و اتّخذه دينا له و نبراسا لحياته، فلما ذا لم يحكم عليه بحكم الإسلام بعد عدم اشتراط البلوغ، و اىّ نقص يتصوّر في إسلامه؟

و امّا الفرض الثاني: أعني ولد المسلم الذي انحرف و تأثّر بعقائد أهل الضّلال، و نفذت فيه الأفكار العليلة، التي ركزها فيه تزريق السّفسطيّين أو الملحدين، حتّى أنكر وجود الصانع تعالى، أو وحدانيته، أو رسالة محمد رسول الإسلام (صلّى اللّه عليه و آله)، أو المعاد، و أشباه ذلك، من ضروريّات الإسلام، عن عقل و ادراك، و شعور و تميز، فهذا يصدق عليه انّه كافر، و يحكم عليه بالنجاسة.

128

و ما ورد من انّ أولاد المسلمين مسلمون، و انّ أولاد الكفّار كفّار (1) فهو مختصّ بما إذا لم يكونوا مستقلّين في العقيدة و الاعتقاد، امّا الطفل المستقلّ في ذلك فهو لا يتّبع والديه لا في الإسلام و لا في الكفر و كذا ما ورد من الروايات في أولاد المشركين من انّهم يدخلون مداخل آبائهم (2) فهو ايضا لا يشمل المستقلّ في الاعتقاد المنقطع عن أبويه و عن أهل نحلته هذا.

مضافا الى ما ذكرناه سابقا من كون هذا الأمر أخرويا و لا مساس له بالدنيا.

و ربّما يقال: انّ مقتضى رفع القلم عن الصبي حتّى يحتلم [1] عدم اعتبار إسلام الصبيّ أو كفره الى ان يبلغ الحلم، و على هذا فلا يحكم بإسلام الطفل في الفرض الأوّل و لا يحكم عليه بالكفر في الفرض الثاني.

و الجواب: انّ الظاهر من رفع القلم عنه هو رفع قلم المؤاخذة لا عدم ترتّب حكم عليه أصلا و لذا لو أجنب الصبي وجب عليه الغسل بعد البلوغ فدليل رفع القلم لا يرفع هذا و أمثاله من الأحكام و ان أمكن للشارع رفعها الّا انّ لسان الدليل لا يقتضي ذلك و الحاصل انّ مقتضاه رفع المؤاخذة فقط و عدم جريانه في الأحكام الوضعيّة.

نعم مقتضى إطلاق رواية حفص المذكورة سابقا الواردة في رجل أسلم في دار الحرب، و قول الامام (عليه السلام): إسلامه إسلام لنفسه و لولده الصغار هو التبعيّة مطلقا سواء كان الطفل سالكا سبيل أبويه أو سبيلا يخالفه و يضادّه أو لم يتّخذ سبيلا أصلا و على هذا فمجرّد إسلام المرء يكفي في إسلام الولد، و كفره‌

____________

[1]. عن ابن ظبيان قال: اتى عمر بامرأة مجنونة قد زنت فأمر برجمها فقال علىّ (عليه السلام): اما علمت انّ القلم يرفع عن ثلاثة عن الصبي حتّى يحتلم و عن المجنون حتّى يفيق و عن النائم حتّى يستيقظ. وسائل الشيعة ج 1 الباب 4 من أبواب مقدمة العبادات ح 11.

____________

(1). راجع البحار ج 5 ص 292 ح 9 و ص 294 ح 21.

(2). من لا يحضره الفقيه ج 3 ص 491 و هو صحيح عبد اللّه بن سنان.

129

ايضا كاف في كفره.

و لا يخفى انّ هذا يتمّ لو كان الصغر عنوانا اصطلاحا لما قبل البلوغ و معرّفا له فإنّه على هذا تدلّ الرواية على انّ ولد المسلم الذي لم يبلغ الحلم يكون مسلما، اى يترتّب عليه آثار الإسلام و أحكامه، و ولد الكافر كذلك يكون كافرا، اى يترتّب عليه أحكام الكفر، امّا لو لم يكن الأمر كذلك بل كان للفظ الصغير معنى عرفيّ و لغويّ، و هو الطفل غير المستقل و الولد التابع (لا عنوانا لعدم البلوغ أو عبارة أخرى عن تعبير بعض الروايات أعني الذي لم يبلغ الحلم) فعلى هذا يكون الصغير منصرفا عن الطفل الذي استقلّ في الرأي و العقيدة، و الظاهر هو الوجه الثاني لا الأوّل و لذا افتى كثير من العلماء بمشروعيّة عبادات الصبي و صحّتها.

نعم ربما يخطر ببالي و يبدو في نظري في هذا المقام وجه لم أجد من تمسّك به و هو انّ العلماء (رضوان اللّه عليهم أجمعين) يتمسّكون لإثبات عدم اثر على بيع الصبيّ بما ورد من انّ عمد الصبيّ خطأ [1] و الأخذ بظاهر هذا الدليل في المقام يقتضي عدم الاعتناء بإسلام الصبيّ أو كفره، و عدم ترتيب آثارهما أصلا فإنّ إسلامه أو كفره الذي نشأ عن عمد فهو كالخطإ و يكون هذا الصبيّ كمن أسلم بلا اختيار، أو كفر بلا ارادة و كما انّهم قالوا لا يعبأ ببيعه و سائر عقوده و أفتوا بأنّ الصبيّ لو وكل في إنشاء العقد لا يكون عقده منشأ للآثار، بل عمدة في إجراء العقد كالخطإ، و كأنّه فعله بلا اختيار، و هكذا يقولون في سائر الأمور و الموارد، فليكن ما نحن فيه ايضا كذلك.

____________

[1]. وسائل الشيعة الجزء 19 الباب 11 من أبواب العاقلة ح 2 عن محمد بن مسلم عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: عمد الصبي و خطأه واحد. و الباب 36 من أبواب القصاص في النفس ح 2 عن علىّ (عليه السلام) انّه كان يقول في المجنون و المعتوه الذي لا يفيق و الصبيّ الذي لم يبلغ: عمدهما خطأ تحمله العاقلة.

130

الّا انّه يرد عليه انّ الظاهر من (عمد الصبيّ خطأ) كونه في مقام الامتنان و مقتضاه رفع خصوص ما كان في رفعه امتنان دون ما لا يكون كذلك، فكلّ ما كان في رفعه منّة فهو مرفوع فأخذ الصبيّ بقوله و بيعه، و إلزامه على ذلك، خلاف الامتنان، و يأتي في تلك الموارد عمد الصبيّ خطأ، و يحكم مثلا بعدم صحّة عقده، و يقال انّ قول الصبيّ: (بعت) كقول الساهي، فإنّ هذا هو مقتضى الإرفاق و الامتنان من اللّه تعالى عليه، حيث انّ نوع أفعاله و تصرفاته على خلاف المصلحة، و هكذا لا تترتّب عليه أحكام الحدود، و القصاص، فلا تكليف و لا إلزام عليه، لانّ لسان رفع القلم رفع المؤاخذة امتنانا.

و هذا هو السبب في انصرافه عمّا إذا أقرّ بالشهادتين، فإنّه يترتّب عليه الأحكام و يؤثّر إقراره و اعترافه، و يخرج به عن تبعيّة الأبوين الكافرين و يكون طاهرا.

نعم قصارى ما يكن ان يقال هنا انّه يشمل ما إذا أقرّ بالكفر، أو قال بكلمة الرّدة، فيقال انّ عمده في ذلك كالخطإ فيه، فلا يعبأ بقوله هذا، و هو بعد باق على تبعيّته للوالد المسلم على ما هو مقتضى الامتنان.

و امّا عدم قبول الإقرار بالشهادتين من الصبيّ فلا يقتضيه الامتنان بل هو خلافه.

و لوضوح البحث نمثّل مثالا فنقول: لو شتمنا صبيّ فمقتضى الامتنان و انّ عمد الصبي خطأ هو عدم الاعتناء بشتمه، و ان لا نرتّب عليه أثرا، و امّا لو سلّم علينا فلا يصحّ ان يقال انّه لا يجب ردّ سلامه، تمسّكا بعمد الصبيّ خطأ، بل يجب علينا بمقتضى قول اللّه تعالى وَ إِذٰا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهٰا أَوْ رُدُّوهٰا (1) ردّ سلامه، فهو كغيره و ان لم يكن عليه التسليم بل و لا يجب عليه ردّ السلام إذا‌

____________

(1). سورة النساء الآية 86.

131

سلّم غيره عليه، الّا انّه لو سلّم يجب ردّ سلامه عليه.

و على ذلك فلا بعد أصلا في كون الصبيّ المتميّز المقرّ بالشهادتين و سائر اللوازم محكوما عليه بالإسلام و الطهارة، و خارجا بذلك عن تبعيّة والديه في الكفر.

امّا طفل المسلم و الصبيّ المتولّد منه فلو قال بالرّدة فيمكن التمسك هناك بعمد الصبي خطأ، و القول بعدم ترتّب الأثر عليه، و انّه باق على تبعيّة المسلم فتكون ردّته نظير ردّة من قال بها بمجرّد لقلقة اللّسان فهي غير مؤثرّة، كما انّه لو قتل أحدا لا يقتل به و على الجملة فالآثار الوضعيّة مترتّبة ما لم تكن خلاف الامتنان.

تنبيه:

ثمّ انّه لا يتوهّم ممّا ذكرنا مثالا- من تعلّم أولاد الكفّار في مدارس المسلمين و معاهدهم العلميّة- عدم جواز ذلك، فإنّه جائز قطعا و بلا اشكال، و كان الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) ينهى [1] عن ان يكون لأهل الكتاب مدارس مستقلّة في البلاد الإسلاميّة، و يمنع عن تأسيسها فيها لأنفسهم، و كان أولاد أهل الكتاب يتعلّمون و يدرسون في مدارس المسلمين مع أطفالهم.

و كان هذا لأجل نكتة شريفة اجتماعيّة و هي انّهم إذا كانوا في مدارس المسلمين- مع انّ مناهجها التعليميّة و برامجها و نظاماتها بيد المسلمين و تحت مديريّتهم و انّ هذه الأطفال يعاشرون المسلمين و أطفالهم- فمن الممكن جدّا ان يتسرّب إليهم شي‌ء من سيرتهم الحسنة أو قبس من أقوالهم القيّمة المضيئة و يهتدوا الى اللّه و يتوجّهون إلى الإسلام في ظلال معاشرتهم هذه، و ببركة‌

____________

[1]. كلّما تفحّصت لم أعثر على مصدر هذا المطلب.

132

مساورتهم لأطفال المسلمين، فإنّ المجالسة مؤثرة، و العقائد و الصفات تتغيّر بالمعاشرة و المخالطة.

كلمة اخرى حول التبعية

و لمّا كان الدليل على نجاسة أولاد الكفار و عمدة ما يعتمد عليه في الحكم بالتبعيّة، الإجماع فاللازم في الحكم المزبور الاقتصار على القدر المتيقّن، و هو ما إذا كانت التبعيّة محقّقة عرفا. فلو استقلّ الولد و خرج عن عنوانها، قبل ان يبلغ فلا دليل على تبعيّته و نجاسته سواء كان استقلاله بنحو ما ذكرناه آنفا و هو اختياره الإسلام، و اعتناقه العقائد الإسلاميّة المقدّسة، أو بنحو ذكره الفقيه الهمداني (رضوان اللّه عليه) بقوله:

فلو استقلّ الولد و انفرد و لحق بدار الإسلام و خالط المسلمين و خرج عن حدّ التبعيّة العرفيّة خصوصا مع تديّنه في الظاهر بدين الإسلام و لا سيّما على القول بشرعيّة عبادة الصبيّ فلا ينبغي الإشكال في طهارته انتهى. (1)

غاية الأمر انّ مثالنا مشمول للأدلّة الشارحة لمفهوم الإسلام، و ما ورد من انّه يتحقّق بالإقرار بالشهادتين، فالطفل المزبور طاهر بالدليل بخلاف المثال الذي فرضه (قدّس سرّه)، فإنّه لا تشمله هذه الأدلّة لأنّ مجرّد لحوقه بدار الإسلام و مخالطته للمسلمين لا يوجب صيرورته مسلما ما لم يقرّ بالشهادتين فالدليل على طهارته- على ما يستفاد من كلامه- انّ المتيقّن من نجاسة أولاد الكفّار هو ما إذا لم يستقلّوا و المفروض انّ هذا قد خرج عن دار الكفر و استقلّ بنفسه. و حيث انّه ليس تابعا لأبويه فلذا لا يحكم عليه بالنجاسة.

____________

(1). كتاب الطهارة مصباح الفقيه ص 563.

133

و امّا استصحاب النجاسة فلا مجال له بعد تبيّن الموضوع و عدم تحقّقه عرفا فانّ موضوع النجاسة واضح معلوم، و هو واحد من أمرين:

أحدهما: الكفر فقد دلّت الآية الكريمة على انّه علّة تامّة في الحكم بنجاسة الإنسان.

ثانيهما: التبعيّة فقد قام الإجماع على انّها العلة في نجاسة أولاد الكفّار و هما- اى الكفر و التبعيّة- معا منفيّان لانّ الطفل المزبور ليس كافرا و هو معلوم، لكونه صبيّا، و لا تابعا للكافر، لخروجه عن دار الكفر، و دخوله في دار الإسلام، فالموضوع و هو التابع قد تبدّل، و هذا بعينه نظير ما إذا علمنا انّ المدار في جواز الايتمام و عدمه هو العدالة وجودا و عدما، و فرضنا انّ زيدا كان عادلا ثم صدر منه الفسق فإنّه لا مجال حينئذ للاستصحاب لتبدّل الموضوع.

كما انّه لو شكّ في المراد من التبعية و انّها هي التبعيّة في الولادة كي يكون نجسا الى ان يبلغ الحلم و يتّضح هناك انّه كافر فينجس كما كان، أو مسلم فيكون طاهرا، أو التبعيّة التربويّة و كونه تحت تربية الكافر، فهنا يتردّد الموضوع حيث لم يدلّ على حدوده و قيوده دليل لفظيّ بل الموضع مأخوذ من الإجماع و هو دليل لبىّ غير ناطق لا لسان له فيشكّ في بقاء التبعية في الفرض و يكون الموضوع مشكوك التحقّق الآن، و هنا ايضا لا يجرى الاستصحاب كما لا يجرى عند القطع بتبدّله. هذا و لكن الظاهر مع ذلك كلّه جريان الاستصحاب لوجود الموضوع العرفي و بقائه عرفا و حيث انّ المعتمد هو الموضوع العرفي فيجري الاستصحاب كما احتمله علم التحقيق و التقى الشيخ المرتضى (رضوان اللّه عليه) [1] و ان لم يقوّه، فإنّه‌

____________

[1]. قال في طهارته ص 306 بعد كلام له: و النجاسة الثابتة بالإجماع لم يعلم ثبوتها لنفس الطفل أو الطفل المصاحب للأبوين فلعلّ لوصف المصاحبة مدخلا في الموضوع الذي يعتبر القطع ببقائه

134

من القائلين بالطهارة و على الجملة فالموضوع فيما نحن فيه محقّق و باق عرفا، و لذا تستصحب نجاسة هذا الصبيّ الثابتة له قبل استقلاله و دخوله في دار الإسلام.

هذا بالإضافة الى انّ النجاسة- كما في كلمات شيخنا المرتضى (قدّس سرّه)- مقتضية للبقاء و يحتاج رفعها الى رافع فما لم يتحقّق و لم يثبت قطعا يحكم بالنجاسة و لذا لو لم يقم الإجماع على تبعيّة المسبيّ للسّابيّ و كونه محكوما عليه بحكمه لما قلنا بذلك بل الحكم لولاه هو النجاسة بمقتضى الاستصحاب.

الكلام في حكم اللقيط

اللقيط هو الصبيّ الضّائع الّذي لا كافل له، و لا يستقلّ بنفسه على السعى فيما يصلحه و دفع ما يضرّه.

فلو وجد في دار الإسلام لقيط فهو ملحق بالمسلمين و حكم بإسلامه تبعا للدّار، كما انّه لو وجد في دار الكفر الحق بالكفّار، حكى ذلك عن شيخ الطائفة (رضوان اللّه عليه) [1] و لا فرق في دار الإسلام بين كونها مبنيّة في الإسلام أوّلا و بين‌

____________

في جريان الاستصحاب و لا يتوهّم جريان مثل ذلك في سائر موارد الاستصحاب و لأنّ النجاسة من الأمور التي إذا تحقّقت لا يرتفع الّا بالمزيل فلا بد من إثباته لاندفاع الأوّل بأنّ ذلك من خصائص المستصحب الثابت بالإجماع فإنّ الموضوع فيه مشتبه غالبا الّا ان يرجع في تشخيصه الى العرف أو كلمات المجمعين و امّا إذا ثبت المستصحب بالأدلة اللفظية فالموضوع فيه معلوم غالبا و اندفاع الثاني بأنّ النجاسة إنّما تحتاج الى المزيل في ارتفاعها عن محلّها إلخ.

[1]. أقول: قال في المبسوط ج 3 ص 343: و امّا الدار فداران دار الإسلام و دار الحرب فدار الإسلام على ثلاثة أضرب بلد بنى في الإسلام و لم يقربها المشركون مثل بغداد و البصرة فإن وجد لقيط ههنا فإنّه يحكم بإسلامه لأنّه يجوز ان يكون ابنا لمسلم و يجوز ان يكون لذميّ فيغلب حكم الإسلام لقوله (عليه السلام): الإسلام يعلو و لا يعلى عليه الى آخر كلامه (قدّس سرّه) فراجع.

و قال الشهيد في الدروس ص 299: المراد بدار الإسلام ما ينفذ فيه حكم الإسلام فلا يكون بها

135

كونها دار الكفر أوّلا ثمّ بعد ذلك انتقلت- بالحرب أو الصلح- الى المسلمين، أو انّها دار الإسلام باعتبار كونها في الحال معسكر الإسلام و مركز تجمّع جنود المسلمين و جيوشهم و قوّاتهم لكن بشرط كون الأطفال معهم كي يحتمل كون هذا اللقيط منهم، فلو لم يصحبوا أطفالهم فلا يحكم على هذا اللقيط بالإسلام، و كذا في كلّ مورد لم يحتمل كون اللقيط من المسلمين.

و تحقيق البحث انّ هنا مقامان:

أحدهما: في الحكم عليه بالطهارة ثانيهما: في الحكم عليه بالإسلام ليترتّب عليه جميع أحكامه كوجوب غسله و تكفينه و دفنه و غير ذلك.

امّا الثاني: فيدلّ عليه الغلبة الّتي هي أمارة عقلائية لم يردع عنها الشارع فإنّ الغلبة في دار الإسلام للمسلمين و معهم و ان كان قد يوجد فيها كافر ايضا و حيث انّ الغلبة فيها معهم فيحمل الفرد المشكوك فيه على الغالب الكثير، لا على الشاذّ النادر، و اللقيط- في الفرض- و ان احتمل كونه من الكفّار لكنّه محكوم عليه بالإسلام بمقتضى الغلبة المذكورة.

و ليعلم انّ الأخذ بالغلبة غير مختصّ بباب الأطفال، بل يجري في الكبير ايضا، كما انّك لو كنت جالسا في ناد من أندية بلدة كبيرة مثل تهران الّتي قد يوجد فيها المشرك و يأوي إليها الكافر و يقطنها الطوائف المختلفة و كان بجنبك من يأكل و يشرب معك و أنت لا تعرفه فهناك لا ينبغي ان تشكّ في إسلامه حيث انّ الغلبة تقتضي كونه مسلما بل الحاقه فطريّ طبيعي فربّما لا يحتمل خلافه إلّا الأذهان المشوشة، و احتمال الخلاف لا يأتي إلّا بمنبّه خارجيّ و توجيه من‌

____________

كافر الّا معاهدا فلقيطها حرّ مسلم. و امّا دار الكفر فهي الّتي ينفذ فيها أحكام الكفّار فلا يكن فيها مسلم الّا مسالما فلقيطها محكوم عليه بكفره و رقّه إلخ كلامه.

136

الغير. كما انّ الغلبة في البلاد الخارجة و مدن الأجانب- الّتي قد يوجد فيها مسلم أو مسلمون ايضا- للكفّار فلو شككت في انّ من جلس الى جنبك في تلك البلاد هل هو مسلم أو كافر فلا محالة يحكم عليه بالكفر الى ان يثبت خلافه و ان احتمل كونه مسلما. و العلّة الوحيدة في ذلك غلبة الكفر هناك.

هذا كلّه بالنسبة إلى المقام الثاني و قد تحصّل انّه يلحق الطفل بالأغلب.

و امّا الأوّل أعني كونه محكوما عليه بالطهارة فلا يفتقر الى التمسّك بالغلبة بل يكفي احتمال الطهارة أو الإسلام في الحكم بطهارته.

و بعبارة أخرى لا يتوقّف الحكم بالطهارة على وجود امارة على إسلام اللقيط بل يكفي عدم وجود امارة على كفره فبمجرّد احتمال كونه مسلما يحكم بطهارته الى ان يدلّ دليل على الخلاف.

و على هذا فاللقيط في ساحة الحرب و ان كان بدار الكفر- كما إذا وجد فيها بعد تفرّق عسكر الطرفين- محكوم عليه بالطهارة لاحتمال كونه من المسلمين.

و ان شئت فقل انّ الكافر نجس و امّا هذا اللقيط فهو من الشبهة المصداقيّة، و على هذا يشمله دليل الطهارة أعني كلّ شي‌ء لك طاهر حتّى تعلم انه قذر، هذا.

و لكن لا يخفى انّه لا يترتّب عليه سائر أحكام المسلم كوجوب دفنه و غير ذلك، كما انّه لا يجوز سبيه ايضا بمجرّد احتمال كونه من الكفّار لكون السبي مترتّبا على الكفر، و المفروض عدم ثبوته. ثمّ انّ هذا كلّه في الطفل الذي لم يعلم له سابقة في الكفر.

137

حكم اجزاء الكافر الّتي لا تحلّه الحياة

المنسبق إلى الأذهان ابتداء من نجاسة الكافر انّه كالكلب و الخنزير في كون هذا العين بكافّته نجسا فكما انّ مفاد قولنا انّ الكلب نجس، نجاسة مجموع هذا العين حتّى الظفر و الشعر منه كذلك إذا قيل: انّ الكافر نجس، فالمتبادر منه انّ هذا العين كلّه نجس بلا فرق في اجزائه بين ما تحلّه الحياة و ما لا تحلّه، بل الحكم و الكلام في الكافر أتمّ و أوضح منه في باب الكلب و الخنزير، لانّه وردت في باب الخنزير روايتان- صحيحة زرارة [1] و موثّقة حسين بن زرارة [2]- توهمان‌

____________

[1]. عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن الحبل يكون من شعر الخنزير يستقى به الماء من البئر هل يتوضّأ من ذلك الماء؟ قال: لا بأس. وسائل الشيعة ج 1 ص 125 ح 2 ب 14 من أبواب الماء المطلق.

[2]. عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: قلت له: شعر الخنزير يعمل حبلا و يستقى به من البئر الّتي يشرب منها أو يتوضّأ منها؟ قال: لا بأس «وسائل الشيعة ج 1 ص 126 ح 3.

138

طهارة شعره- و ان حملهما الأصحاب على ما لا ينافي نجاسته و ذكروا في ذلك وجوها ليس هنا مقام ذكرها- و حيث انّه لا فرق بين الكلب و الخنزير عندهم فيمكن القول بطهارة شعرهما بخلاف ما نحن فيه فإنّه لم تنقل رواية تدلّ على طهارة مثل تلك الاجزاء من الكافر.

و على هذا فيمكن ان يكون منشأ البحث في نجاسة ما لا تحلّه الحياة من الكافر هو التردّد في انّه إذا قيل: الكافر نجس فهل معناه انّ هذا العين بتمام اجزائه من الرأس إلى القدم كذلك بلا استثناء شي‌ء منه أو انّ معناه نجاسة ما تحلّه الحياة وحده، لأنها هي المدار في الحكم بالنجاسة و موضوعه، و الشك في غيره، نظير الميتة حيث لا ينجس ما لا تحلّه الحياة منه لعدم صدق الميتة عليها و الظاهر هو الأوّل، و النتيجة انّ هذه الجثّة بكافّة اجزاءها نجس مثل الكلب الذي دلّت الروايات على نجاسة عينه مطلقا. [1]

و خالف في ذلك الشيخ حسن بن زين الدين الشهيد الثاني (قدّس سرّهما) ذاهبا إلى طهارة ما لا تحلّه الحياة من اجزاء الكافر للإشكال بزعمه في دلالة الآيتين- آية إنّما المشركون، و آية الرجس،- على نجاسة الكافر و لخلو الاخبار عن تعليق الحكم بالتنجيس على الاسم قال:

نصّ جمع من الأصحاب على عدم الفرق في نجاسة الكافر بين ما تحلّه الحياة منه و ما لا تحلّه و ظاهر كلام العلّامة في المختلف عدم العلم بمخالف في ذلك سوى المرتضى فإنّه حكم بطهارة ما لا تحلّه الحياة من نجس العين و قد مرّت حكاية خلافه آنفا و بيّنا انّ الحجّة المحكيّة عنه في ذلك ضعيفة و لكن‌

____________

[1]. ففي صحيحة محمد بن مسلم قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الكلب يصيب شيئا من جسد الرجل قال: يغسل المكان الذي أصابه.

فترى انّه حكم بغسل موضع الإصابة مع انّ الماسّ للجسد هو شعر الكلب، و ظاهر قوله: يغسل إلخ هو الوجوب. منه دام ظلّه العالي.

139

الدليل المذكور هناك للحكم بالتسوية بين جميع الاجزاء لا يتأتّى هنا لخلو الاخبار عن تعليق الحكم بالتنجيس على الاسم كما وقع هناك و قد نبّهنا على ما في التمسك بالآيتين من الاشكال فلا يتمّ التعليق بهما في هذا الحكم حيث وقع التعليق فيهما بالاسم و حينئذ يكون حكم ما لا تحلّه الحياة من الكافر خاليا من الدليل فيتّجه التمسك فيه بالأصل الى ان يثبت المخرج عنه. (1)

و قد تصدّى المحدّث البحرانيّ (قدّس سرّه) للجواب عنه و الرّد عليه فأجابه بثلاثة وجوه فإنّه بعد ان ذكر كلام صاحب المعالم قال:

و فيه أولا: انّ الاخبار الّتي قدّمناها دالّة على نجاسة اليهود و النصارى قد علّق الحكم فيها على عنوان اليهودي و النصراني الذي هو عبارة عن الشخص أو الرجل و المنسوب الى هاتين الذمّتين و لا ريب انّ الشخص و الرجل عبارة عن هذا المجموع الذي حصل به الشخص في الوجود الخارجي و لا ريب في صدق هذا العنوان على جميع اجزاء البدن و جملته كصدق الكلب على اجزائه و متى ثبت الحكم بالعموم في أهل الكتاب ثبت في غيرهم ممّن يوافق على نجاستهم بطريق اولى.

و ثانيا: انّه روى الكليني في الحسن عن الوشّاء عمّن ذكره عن ابى عبد اللّه (عليه السلام): انّه كره سؤر ولد الزنا و اليهودي و النصراني و المشرك و كلّ من خالف الإسلام و كان أشدّ ذلك عنده سؤر الناصب (2) و لا اشكال و لا خلاف في انّ المراد بالكراهة هنا التحريم و النجاسة و قد وقع ذلك معلّقا على هذه العناوين المذكورة و منها المشرك و من خالف الإسلام. و كلّ من هذه العنوانات أوصاف لموصوفات محذوفة و قد شاع التعبير بها عنها من لفظ الرجل أو الشخص أو‌

____________

(1). معالم الدين في الفقه ص 261.

(2). وسائل الشيعة ج 1 ص 165 الباب 3 من أبواب الأسئار ح 2.

140

الذات أو نحو ذلك و لا ريب في صدق هذه الموصوفات على جملة البدن و جميع اجزائه كصدق الكلب على جملته كما اعترف به فكما انّ الكلب اسم لهذه الجملة فالرجل ايضا كذلك و نحوه الشخص.

و ثالثا: انّا قد أوضحنا سابقا دلالة إحدى الآيتين المشار إليهما في كلامه (آية: إنّما المشركون) على النجاسة في المقام و بيّنا ضعف ما أورد عليها من الإلزام و به يتمّ المطلوب و المرام انتهى كلامه رفع مقامه. (1)

لكن أورد علم التقى الشيخ المرتضى على المحدّث البحراني (قدّس سرّهما) بقوله: لا يخفى انّ كلام صاحب المعالم على فرض عدم دلالة الآيات كما هو المتّضح عنده و كلامه في الاخبار و لا يخفى أنّ مرسلة الوشّاء على فرض دلالتها لا تدلّ الّا على نجاسة سؤرهم و لا ريب في ظهور السؤر فيما باشره جسم حيوان لا كشعره بل و لا كظفره المجرّد بل عن ظاهره عرفا كما تقدّم في باب الأسئار بقيّة الشراب فلا دلالة فيها على نجاسة مثل الشعر أصلا، و امّا الاخبار الدالّة على نجاسة اليهود و النصارى فليس فيها الّا الاجتناب عن مساورتهم و مخالطتهم و مؤاكلتهم.

ثم قال: فما ذكره في مقابل صاحب المعالم لم يصب موقعه، فالأولى التمسّك في ذلك بإطلاق معاقد الإجماعات المستفيضة بل المتواترة في نجاسة الكفّار. انتهى كلامه الشريف. (2)

أقول: التحقيق ان دلالة الروايات على نجاسة الكفّار تامّة ظاهرة على ما أوضحناه سابقا، فلو كانت الأخبار الواردة في مؤاكلتهم و مساورتهم و مصافحتهم واردة للتّعبّد المحض بتلك الأمور لصحّ ان لا يجزم بنجاسة الشعر مثلا منهم كما‌

____________

(1). راجع الحدائق الناضرة ج 5 ص 175.

(2). كتاب الطهارة ص 306.

141

افاده شيخنا المرتضى (رضوان اللّه عليه)، لكن ليس الأمر كذلك، بل الظاهر كونها في مقام بيان نجاستهم فالسؤر نجس لكونه سؤرا من اليهوديّ أو النصرانيّ و كذا يجب غسل اليد و تطهيرها لو صافح المسلم مع نداوة في يد أحدهما أو إذا حصلت المماسّة مع الرطوبة، فيستفاد منها ان اليهوديّ أو النصرانيّ مثلا نجس و إذا كان نجسا فلا فرق في ذلك بين اجزائه لاقتضاء نجاسة العين و الشخص ذلك، فانّ الظاهر منه انّه بجملة بدنه و وجوده و جميع اجزائه كان نجسا سواء كانت ممّا تحلّه الحياة أو لا تحلّه كصدق عنوان الكلب على الموجود المعيّن الخاص بشراشر وجوده.

هذا كلّه مع تسليم ما ذهب اليه صاحب المعالم من خلوّ الاخبار عن تعليق الحكم بالتنجيس على الاسم و الحال انّ تسليم ذلك و تصديقه في قوله هذا مشكل فراجع الاخبار تجد صدق ذلك فيها. [1]

____________

[1]. الظاهر انّ الحق في المقام مع صاحب المعالم (رضوان اللّه عليه) و ذلك لأنّا تفحّصنا كثيرا مظانّ المطلب في الكتب كالوسائل و جامع أحاديث الشيعة و مستدرك الوسائل و غيرها و لم نعثر على ذلك.

اللّهم الّا ان يكون نظره الشريف دام ظله العالي الى ما افاده صاحب الحدائق في الوجه الثالث من الوجوه الذي ذكرها، و قد تقدّم ذلك آنفا أو انّه كان تعبير الآية الكريمة

إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ

في ذهنه الشريف فأورد بأن تعليق النجس على الأعيان محقّق موجود و الحال انّ البحث فعلا في الاخبار بعد انّ صاحب المعالم أنكر دلالة الآيات.

142

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

143

حول معنى الكفر و الإسلام

الكفر في اللّغة: التغطية و الستر، يقال: كفرت الشي‌ء، أي سترته، و لذا يطلق الكافر على الزارع، لأنّه إذا القى البذر في الأرض فقد ستره و غطّاه، و قد ورد هذا الإطلاق في القرآن الكريم قال اللّه تعالى كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفّٰارَ نَبٰاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرٰاهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطٰاماً. [1] و في اصطلاح الشارع و عرف المتشرّعة هو الجحد، فمن نفى الصانع أو جحد توحيده أو أنكر النبوّة مثلا فهو كافر بلا فرق بين كون الجاحد مقرّا و معتقدا في الواقع و مذعنا بضميره و قلبه و بين كونه جاحدا في قلبه ايضا.

و هنا بحث و هو انّه هل التقابل بين الكفر و الإسلام تقابل العدم و الملكة كالعمى و البصر حيث انّ العمى عدم البصر لمن كان من شأنه البصر، فمن كان من‌

____________

[1]. سورة الحديد الآية 20 أقول: و قال لبيد الشاعر: في ليلة كفر النجوم غمامها. اى ستر.

144

شأنه ان يكون مسلما و مع ذلك لم يسلم فهو كافر إلّا في موارد خاصة خرجت بالدليل كأولاد المسلمين الملحقين بهم أو انّ التقابل بينهما تقابل التضاد فالكفر ضدّ الإسلام مع وجود ثالث لهما كالشاكّ مثل تضادّ السواد و البياض حيث انّه يمكن ان لا يتحقّق شي‌ء منهما بل كان شي‌ء آخر كالحمرة مثلا؟

و بعبارة أخرى و بيان أوضح، هل الكفر هو الإنكار فلو كان شاكّا بلا إنكار أصلا لم يكن كافرا؟ أو انّ الكفر بمعنى عدم الايمان فبمجرّد عدم الإقرار يكون كافرا سواء كان مذعنا بالخلاف بنحو الجهل المركّب أو كان شاكا؟

ذهب الفقيه الهمداني (رضوان اللّه عليه) إلى انّهما من قبيل العدم و الملكة فلا يعتبر جحده في الحكم عليه بالكفر عند الشارع بل الشاك ايضا محكوم بالكفر شرعا، و المسلم هو المقرّ بالشهادتين مع اعتقاده بذلك و إليك عين عبارته:

الكفر لغة هو الجحد و الإنكار، ضدّ الايمان فالشاكّ في اللّه تعالى أو في وحدانيّته أو في رسالة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) ما لم يجحد شيئا منها لا يكون كافرا لغة و لكنّ الظاهر صدقه عليه في عرف الشارع و المتشرّعة كما يظهر ذلك بالتدبّر في النصوص و الفتاوى.

و ما يظهر من بعض الروايات من اناطة الكفر بالجحود مثل رواية محمّد بن مسلم قال: سأل أبو بصير أبا عبد اللّه قال: ما تقول فيمن شك في اللّه تعالى قال:

كافر يا أبا محمد قال: فشكّ في رسول اللّه قال: كافر ثم التفت الى زرارة فقال: انّما يكفر إذا جحد. و في رواية أخرى لو انّ الناس إذا جهلوا وقفوا و لم يجحدوا لم يكفروا.

فلا يبعد ان يكون المراد به انّ الناس المعروفين بالإسلام المعترفين بالشهادتين الملتزمين بشرائع الإسلام في الظاهر إذا طرأ في قلوبهم الشكوك و‌

145

الشبهات الناشئة من جهالتهم لا يخرجون بذلك من زمرة المسلمين ما لم يجحدوا ذلك الشي‌ء الذي شكّوا فيه و لو بترتيب آثار عدمه في مقام العمل كترك الصلاة و الصوم و نحوهما فليس المراد بمثل هذه الروايات انّ من لم يتديّن بدين الإسلام و لم يلتزم بشي‌ء من شرائعه متعذّرا بجهله بالحال ليس بكافر انتهى.

أقول: التحقيق في المقام التفصيل بان يقال: انّ الإسلام على قسمين:

ظاهري و واقعي.

و الأوّل: يوجب صيرورة الإنسان كسائر المسلمين و داخلا في زمرتهم يجرى عليه أحكام الإسلام، من طهارة البدن، و حلّ المناكحة، و حقن الدم، و احترام ماله و عرضه، فلا فرق في جريان هذه الأحكام و ترتّب هذه الآثار عليه بينه و بين سائر المسلمين، و هو يدور مدار الإقرار بالشهادتين فقط، فإذا أقرّ بهما تترتّب تلك الأحكام.

و اليه يشير قوله تعالى قٰالَتِ الْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا (1) و تدلّ عليه ايضا روايات عديدة كما انّ كلمات العلماء و عبائرهم صريحة في ذلك، و لا يزال المسلمون على مضىّ الأعصار و مختلف الأمصار يعاملون المقرّ لسانا معاملة المسلمين.

أضف الى ذلك كلّه انّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يقول للناس:

قولوا لا إله إلّا اللّه تفلحوا، و لم يقل اعتقدوا بلا إله إلّا اللّه.

و الحاصل: انّ الكافر هو من لم يقرّ بالشهادتين مع صلوحه لذلك، سواء كان شاكا أو قاطعا بالخلاف، غاية الأمر انّ عذاب القاطع بالخلاف أشدّ من الشاك، و لا بأس به، فانّ المعذّبين في النار ليسوا على حدّ سواء من العذاب،

____________

(1). سورة الحجرات الآية 14.

146

ألا ترى انّ اللّه تعالى يقول إِنَّ الْمُنٰافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النّٰارِ (1) و على هذا فلا حاجة في ترتّب الأحكام المذكورة إلى أزيد من الإقرار بتوحيد اللّه تعالى و رسالة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، سواء كان مذعنا بذلك أم شاكّا بل و ان كان معتقدا بخلاف ذلك كما ثبت انّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يعامل منافقي أصحابه معاملة المسلم المسلم، مع انّهم منافقون لم يؤمنوا باللّه و لا برسوله، و كان شأنهم الحطّ من كرامة رسول اللّه، بنسبة ما لا يليق به اليه، و إلصاق اىّ نقيصة به، عند كلّ فرصة تسمح لهم، قال اللّه تعالى فيهم إِذٰا جٰاءَكَ الْمُنٰافِقُونَ قٰالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللّٰهِ وَ اللّٰهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَ اللّٰهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنٰافِقِينَ لَكٰاذِبُونَ (2) فإذا حكم على من أقرّ بالشهادتين بطهارة البدن و جواز المناكحة و غير ذلك من الأحكام مع العلم بكذبه في إقراره فكيف بمن كان شاكّا لم يحصل له يقين بعد.

نعم هذا الإسلام الذي لم يتجاوز عن اطار الإقرار لا ينفع في الآخرة شيئا و لا يوجب اجرا و لا ثوابا و لا يعتبر زادا للعبد ليوم معاده و حاجزا له عن عذاب اللّه تعالى، و للآخرة حساب آخر.

و لو لم يقرّ بالشهادتين لم يترتّب و لم يجر عليه شي‌ء من تلك الأحكام سواء كان معاندا أخذت العصبيّة العمياء بعنانه و قياده، أو كان مستضعفا لا يستطيع التحقيق، غاية الأمر انّ الثاني لا يعاقب عند اللّه تعالى، بينا يستحقّ الأوّل العذاب الأليم و العقوبة الدائمة.

و امّا القسم الثاني: أي الإيمان الواقعي فهو الدين الذي ارتضاه اللّه للناس‌

____________

(1). سورة النساء الآية 145.

(2). سورة المنافقون الآية 1.

147

و قال إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّٰهِ الْإِسْلٰامُ (1) و قال وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلٰامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَ هُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخٰاسِرِينَ (2) و هو ملاك الأجر، و مناط المثوبات الأخرويّة، و الحصن الذي يلجأ إليه في التخلّص من النّار، و هو عبارة عن لإقرار المتعاضد بالاعتقاد الجازم و الشهادة المقرونة بعقد القلب لا يفترق و لا يتخلّف أحدهما عن الآخر، و يزول الايمان بزوال كلّ واحد من الأمرين، سواء اعتقد بالقلب و لم يقرّ بذلك لسانا بل أنكره باللسان أو تظاهر بالدين و أقرت باللسان و لم يعتقد بقلبه فيعاقب على عدم اليقين ان لم يكن قاصرا امّا لو كان قاصرا أو لم تسمح له الوسائل الكافلة للقطع و اليقين، فيمكن ان لا يكون معاقبا و معذّبا عند اللّه تعالى.

و الحاصل انّ هذا القسم لا يجامع الشك فضلا عن الإنكار القلبي بخلاف القسم الأوّل الذي كان تمام المعيار فيه هو الإقرار باللسان حيث انّه كان يجامع الإنكار القلبي فضلا عن الشك.

ثمّ انّ بين ما مضى من كلام المحقّق الهمداني و ما اتى به بعده نوع تهافت و تنافر حيث انّه قال بعد العبارات التي نقلناها آنفا: و هل يكفي الإقرار و التديّن الصوري في ترتيب أثر الإسلام من جواز المخالطة و المناكحة و التوارث أم يعتبر مطابقته للاعتقاد فلو علم نفاقه و عدم اعتقاده حكم بكفره و امّا لو لم يعلم بذلك حكم بإسلامه نظرا الى ظاهر القول؟ وجهان لا يخلو أوّلهما عن قوّة كما يشهد بذلك معاشرة النبي مع المنافقين المظهرين للإسلام مع علمه بنفاقهم مضافا الى جملة من الاخبار بكفاية إظهار الشهادتين في الإسلام الذي به يحقن الدماء و يجرى عليه المواريث من غير إناطته بكونه ناشئا من القلب و انّما يعتبر ذلك في‌

____________

(1) سورة آل عمران الآية 19.

(2) سورة آل عمران الآية 85.

148

الإيمان الذي به يفوز الفائزون و هو أخصّ من الإسلام الذي عليه عامّة الأمّة كما نطق بذلك الأخبار الكثيرة و شهد له قول اللّه عزّ و جلّ قٰالَتِ الْأَعْرٰابُ. (1)

و نحن نتسائل و نقول: انّ الشاك الذي حكم (قدّس سرّه) في أوّل بحثه بكفره لظاهر الشرع هل هو الشاك المقرّ بالشهادتين أو غير المقرّ.

فان كان المراد هو الأوّل فكيف قوّى في العبارة الأخيرة كفاية الإقرار و التديّن الصوري في ترتيب أثر الإسلام.

و ان كان المراد هو الشاك غير المقرّ ففيه انّه لا اثر لشكّه لكفاية مجرّد عدم الإقرار بالشهادتين في الحكم بكفره.

و على الجملة فمع كفاية الشهادتين في الحكم بالإسلام الظاهري لا مجال للبحث في الشك أصلا فينبغي ان يقال: انّ من أقرّ بالشهادتين فهو مسلم ظاهري سواء كان معتقدا بهما في قلبه أو شاكا أو قاطعا بالخلاف و من لم يقرّ بهما فليس بمسلم و ان علمنا انّه معتقد واقعا.

و يشهد لذلك قوله تعالى وَ جَحَدُوا بِهٰا وَ اسْتَيْقَنَتْهٰا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَ عُلُوًّا (2) حيث انّ اللّه سبحانه عابهم و لا مهم بذلك و لو كان الاعتقاد قلبا و مجرّدا عن الإقرار كافيا لما صحّ ان يعيبهم بهذه الكلمة الواردة في مقام اللوم و الذمّ.

و ممّا يجدر بنا ان نذكره في هذا المقام انّ ما ذكرنا من كفاية الإقرار بالشهادتين في الحكم بالإسلام مشروط بعدم إظهاره ما يخالف شهادته، و ما يكذّب إقراره، و الّا كان كافرا و لذا قال المحقّق في الشرائع عند ذكر النجاسات و عدّها: الكافر و ضابطه من خرج عن الإسلام أو من انتحله و جحد ما يعلم من الدين ضرورة انتهى.

____________

(1). مصباح الفقيه كتاب الطهارة ص 563.

(2). سورة النمل الآية 14.

149

و على هذا فالكافر قسمان:

أحدهما: الخارج عن حدّ الإسلام من رأس.

ثانيهما: من انتسب الى الإسلام و أقرّ بالشهادتين لكن اتى بشي‌ء يكذّب انتحاله و هو إنكاره ما كان ضروريّا في الدين فإنّ إنكار ما كان من الدين بالضرورة تكذيب لشهادته بالرسالة و الّا فمن شهد انّ محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) خاتم النبيّين، و مرسل من اللّه تعالى الى الخلق أجمعين، و انّه مٰا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ إِنْ هُوَ إِلّٰا وَحْيٌ يُوحىٰ (1) فكيف ينكر شيئا ثبت انّه ممّا جاء به قطعا- حيث انّه من الضروريّات- و هو عالم بذلك؟ و امّا الملاك و المعيار في كون شي‌ء ضروريّا فسنبحث فيه مستقلا إنشاء اللّه تعالى كما انّ البحث في كون الإمامة الّتي هي من المسائل المهمّة العريقة في الإسلام هل هي من الضروريّ ليكون إنكارها إنكارا للضروريّ و يلزم ردّ النصوص الواردة في أمير المؤمنين (عليه السلام) كما ذهب اليه صاحب الحدائق أو انّها ليست من الضروريّات بان يقال انّ هذا البحث من الأبحاث الحادثة بعد زمن النبي و النصوص الواردة فيها ليست متواترة فهذا البحث بحث موضوعي لا حكمي نظير البحث في انّه لما ذا اقتصر العلماء في مقام المثال للكافر على ذكر منكر التوحيد أو الرسالة و لم يذكروا المعاد مع ذكره في القرآن الكريم مرارا قرينا بالايمان باللّه و هو ضروريّ من ضروريّات الإسلام بل من ضروريّات الأديان السماوية كلّها فمنكره منكر لكلّ الأديان الى غير ذلك من أمثال هذه المباحث فهي موكولة إلى مقام آخر و هو البحث في تعيين الموضوع و لعلّنا نبحث فيها أو في بعضها إنشاء اللّه تعالى.

ثمّ انّ في عبارة المحقّق المذكورة آنفا نوع إجمال فإنّه عند بيان الضابط الكلىّ للكفر قال: ضابطه من خرج عن الإسلام إلخ.

____________

(1). سورة النجم الآية 3 و 4.

150

و المستفاد منها بلحاظ التعبير بالخروج لزوم كون الكفر مسبوقا بالايمان و هذا يقتضي كون الكافر الأصليّ خارجا عن تحت التعريف لانّه غير مسبوق بالإسلام و لا يصدق في حقّه انّه خرج عن الإسلام.

و لعلّه لرفع هذا الإجمال أو الإيهام و الاشكال فسّر السيّد صاحب المسالك (قدّس سرّه) العبارة بقوله: المراد بمن خرج عن الإسلام من بائنة كاليهود و النصارى و بمن انتحله و جحد ما يعلم من الدين ضرورة من انتمى اليه و أظهر التديّن به لكن جحد بعض ضروريّاته (1) انتهى كلامه رفع مقامه.

و على ما بيّناه فمعنى العبارة ان الكافر قسمان.

أحدهما: من لم يكن مسلما مقرّا و داخلا في حوزة الإسلام و على هذا فالمراد بمن خرج عن الإسلام هو غير المسلم سواء كان مسبوقا بالإسلام أم لم يكن كذلك و لم يعهد منه الإسلام أصلا.

ثانيهما: من كان منتحلا و مع ذلك كان منكرا للضروريّ.

و لعلّ هذا المعنى و التفسير أقرب ممّا افاده سيّد المدارك و كيف كان يصرف النظر عن ظاهر لفظ الخروج، و قد تحقّق ان الحكم بالكفر دائر مدار أحد الأمرين أحدهما تحقّق نفس الكفر سواء كان مسبوقا بالإسلام أم لا و الآخر الانتحال إلى الإسلام مع إنكار الضروري.

كلمة اخرى حول الكفر

لا يخفى انّ للكفر- في الآيات و الروايات و كلمات العلماء- إطلاقات مختلفة:

____________

(1). مدارك الأحكام الطبع الجديد ج 2 ص 294.

151

فتارة يطلق على منكر الصانع تعالى أو الرسالة مثلا.

و اخرى يطلق على تارك فريضة من الفرائض قال اللّه تعالى وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ (1) فقد عدّ و اعتبر ترك الحج كفرا و تاركه كافرا.

و ثالثة يطلق و يراد به انّ المتّصف به يحشر في القيامة مع الكافرين و في زمرتهم.

و لكنّ المقصد فيما نحن فيه هو الحكم بالنجاسة على المتّصف به و هو تمام المراد و مطمح النظر و يؤل الأمر إلى تفسير الكافر هنا بمن يحكم عليه بالنجاسة و هو يدور مدار واحد من الأمرين المذكورين آنفا:

أحدهما: كون الإنسان خارجا عن حريم الإسلام و حوزة المسلمين بان لا يقرّ بالشهادتين كعبّاد الأصنام و اليهود و النصارى.

ثانيهما: الانتحال مع الإنكار و على ذلك يحكم بكفر الشاكّ الذي لا يقرّ و لا ينكر فهو بعدم إقراره بالشهادتين يكون كافرا.

نعم في بعض الاخبار ما لا يساعد ذلك حيث انّ الظاهر منه انّ الملاك في الكفر هو الجحد، و بما انّ الشاك ليس بجاحد فليس هو كافرا. و أهمّ هذه الاخبار و أظهرها روايتان:

إحديهما: رواية محمد بن مسلم قال: كنت عند ابى عبد اللّه (عليه السلام) جالسا عن يساره و زرارة عن يمينه فدخل عليه أبو بصير فقال يا أبا عبد اللّه ما تقول فيمن شكّ في اللّه؟ فقال: كافر يا أبا محمد قال: فشكّ في رسول اللّه (ع)؟

فقال: كافر، قال: ثم التفت الى زرارة فقال: انّما يكفر إذا جحد. (2)

____________

(1). سورة آل عمران الآية 97.

(2). الكافي ج 2 ص 399.

152

ثانيتهما: رواية زرارة عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: لو انّ العباد إذا جهلوا وقفوا و لم يجحدوا لم يكفروا. (1)

و حملهما المحقّق الهمداني على المعروفين بالإسلام المعترفين بالشهادتين إذا طرء في قلوبهم الشكوك و الشبهات الناشئة عن جهالتهم فهم لا يخرجون بذلك عن الإسلام ما لم يجحدوا ما شكّوا فيه و ليس المراد من لم يتديّن بدين الإسلام أصلا فإنّه كافر نجس. فراجع ما نقلناه من كلامه آنفا.

و قال المحدّث الفيض الكاشاني (رضوان اللّه عليه) في ذيل الرواية الأولى مبيّنا لها: يعنى انّه لا يكفر ما دام شاكّا فإذا جحد كفر أو انّ المراد بالشاك، المقرّ تارة و الجاحد اخرى و انّه كلّما أقرّ فهو مؤمن و كلّما جحد فهو كافر و الأوّل أظهر انتهى كلامه.

توضيحه انّ الشاكّ على الاحتمال الأوّل قسمان: أحدهما الشاك غير الجاحد ثانيهما الشاك الجاحد، فان جحد فهو كافر نجس و الّا فلا.

و على الاحتمال الثاني فالشاكّ يختلف حاله فتارة يقرّ و اخرى ينكر. و يدور الإسلام و الكفر مدار الجحد و الإقرار فهو في حين الإقرار مسلم و في حين الإنكار كافر. لكنّه (رحمه اللّه) استظهر الوجه الأوّل من الوجهين.

و ذكر العلّامة المجلسيّ (قدّس سرّه) هنا وجوها و احتمالات فقال: قوله (عليه السلام) لزرارة إنّما يكفر إذا جحد يحتمل وجوها:

الأوّل: انّ غرضه الرّدّ على زرارة فيما كان بينه و بينه من الواسطة بين الايمان و الكفر لئلّا يتوهّم زرارة من حكمه (ع) بكفر الشاك في اللّه و الرّسول كفر الشاك في الإمام أيضا، بل ما لم يجحد الامام لا يكفر و يؤيّده الخبر الأوّل من‌

____________

(1). الكافي ج 2 ص 388.