نتائج الأفكار في نجاسة الكفار

- السيد محمد رضا الگلپايگاني المزيد...
246 /
153

الباب الآتي. [1]

الثاني: ان يكون المراد انّ الشكّ في أصول الدين مطلقا انّما يصير سببا للكفر بعد البيان و اقامة الدليل و من لم تتمّ عليه الحجّة ليس كذلك فالمستضعف الذي لا يمكنه التميز بين الحقّ و الباطل و لم تتمّ عليه الحجّة ليس بكافر كما زعمه زرارة و قيل انّما ذلك في الشك في الرسول و امّا الشاك في اللّه فهو كافر لانّ‌

____________

[1]. مراده هو خبر هاشم صاحب البريد قال: كنت انا و محمد بن مسلم و أبو الخطاب مجتمعين فقال لنا أبو الخطّاب ما تقولون فيمن لا يعرف هذا الأمر؟ فقلت: من لم يعرف هذا الأمر فهو كافر فقال أبو الخطّاب ليس بكافر حتّى تقوم عليه الحجّة فإذا قامت عليه الحجّة فلم يعرف فهو كافر فقال له محمد بن مسلم: سبحان اللّه ما له إذا لم يعرف و لم يجحد يكفر؟ ليس بكافر إذا لم يجحد قال: فلمّا حججت دخلت على ابى عبد اللّه (عليه السلام) فأخبرته بذلك فقال: انّك قد حضرت و غابا و لكن موعدكم الليلة الجمرة الوسطى بمنى فلمّا كانت الليلة اجتمعنا عنده و أبو الخطاب و محمد بن مسلم فتناول و سادة فوضعها في صدره ثم قال لنا: ما تقولون في خدمكم و نساءكم و أهليكم أ ليس يشهدون ان لا إله إلّا اللّه؟ قلت بلى قال: أ ليس يشهدون انّ محمّدا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)؟ قلت بلى قال: أ ليس يصلّون و يصومون و يحجّون؟ قلت بلى قال:

فيعرفون ما أنتم عليه؟ قلت لا قال: فما هم عندكم؟ قلت من لم يعرف هذا الأمر فهو كافر قال:

سبحان اللّه اما رأيت أهل الطريق و أهل المياه؟ قلت بلى قال: أ ليس يصلّون و يصومون و يحجّون؟ أ ليس يشهدون ان لا إله إلّا اللّه و انّ محمّدا رسول اللّه قلت: بلى قال: فيعرفون ما أنتم عليه؟ قلت: لا، قال: فما هم عندكم؟ قلت: من لم يعرف هذا الأمر فهو كافر قال: سبحان اللّه اما رأيت الكعبة و الطواف و أهل اليمن و تعلّقهم بأستار الكعبة قلت: بلى قال: أ ليس يشهدون ان لا إله إلّا اللّه و انّ محمدا رسول اللّه و يصلّون و يصومون و يحجّون؟ قلت بلى قال: فيعرفون ما أنتم عليه؟ قلت لا قال: فما تقولون فيهم؟ قلت من لم يعرف فهو كافر قال: سبحان اللّه هذا قول الخوارج ثمّ قال: ان شئتم أخبرتكم فقلت انا: لا فقال: اما انّه شرّ عليكم ان تقولوا بشي‌ء ما لم تسمعوه منّا قال: فظننت انّه يديرنا على قول محمد بن مسلم كافي، ج 2 ص 401.

و هذا الخبر و ان كان فيه هاشم و هو مجهول الّا انّ نقل علىّ بن إبراهيم عن أبيه عن ابن ابى عمير يوجب توثيقه و قوله (عليه السلام): هذا قول الخوارج. يعنى انّ قولك: هذا كافر يوافق قول الخوارج المعتقدين انّ من أنكر حكما من أحكام اللّه ضروريا كان أو غيره فهو كافر.

و قد استشهد المجلسيّ بهذا الخبر على انّ البحث في مسئلة الإمامة كانت دائرة و شايعة بين أصحاب الأئمة و هم يبحثون حول من كان مسلما مقرّا لكنّه شكّ أو لم يعتقد أو أنكر واحدا من الأحكام و المقررات أو المعارف مثل الإمامة لا في الشاك غير المسبوق بالإسلام. منه دام ظله العالي.

154

الدلائل الدالّة على وجوده أوضح من ان يشكّ فيها و لا ينكره الّا معاند مباهت.

الثالث: ما قيل المراد بالشّاكّ المقرّ تارة و الجاحد اخرى و انّه كلّما أقرّ فهو مؤمن و كلّما جحد فهو كافر.

الرابع: انّ المعنى انّ الشكّ انّما يصير سببا للكفر إذا كان مقرونا بالجحود الظاهري و الّا فهو منافق يجرى عليه أحكام الإسلام ظاهرا. (1)

و على اىّ حال فلا شبهة في ظهور الروايتين في إناطة الكفر بالجحود و توقّفه عليه و عدم البأس بمجرّد الشك ما لم يكن مقرونا بالإنكار كما انّ رواية هاشم البريد المذكورة آنفا ايضا ظاهرة في هذا، فإذا أقرّ بالشهادتين و شكّ بعد ذلك فهذا الشك غير ضارّ أصلا بل و اليقين بالعدم ايضا لا يضرّ الى ان يجحد صراحة فهناك يضرّ و يكون كافرا بذلك، و على هذا فلا واسطة في البين، و هذا هو الذي يظهر من الروايات الواردة في مقام الفرق و التميز بين الإسلام و الايمان، و إليك منها ما يلي.

عن سماعة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أخبرني عن الإسلام و الايمان اهما مختلفان؟ فقال: انّ الايمان يشارك الإسلام، و الإسلام لا يشارك الايمان، فقلت: فصفهما لي، فقال: الإسلام شهادة ان لا إله إلّا اللّه و التصديق برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله)، به حقنت الدماء و عليه جرت المناكح و المواريث و على ظاهره جماعة الناس، و الايمان الهدى و ما يثبت في القلوب من صفة الإسلام و ما ظهر من العمل به، و الايمان ارفع من الإسلام بدرجة، انّ الايمان يشارك الإسلام في الظاهر و الإسلام لا يشارك الايمان في الباطن و ان اجتمعا في القول و الصفة. [1]

____________

[1]. الكافي ج 2 ص 25. أقول: و في مروج الذهب للمسعودي ج 4 ص 171 حدّثني محمد بن

____________

(1). مرآت العقول الطبعة القديمة ج 2 ص 389 و الطبعة الجديدة ج 11 ص 183.

155

و حيث انّ هذه الرواية موثّقة، و قد عمل بها الأصحاب، فجدير ان نقف هنا و نبحث فيها فنقول: هي صريحة في إمكان تحقّق الإسلام بدون الايمان و عدم إمكان العكس، فيمكن ان يكون الإنسان مسلما و لا يكون مؤمنا، و لا عكس و ليس هذا الّا لأجل دوران الإسلام مدار الإقرار بالشهادتين، فهناك يحلّ المناكحة و يجرى المواريث و يحفظ الأموال و يصان الاعراض و يحقن الدماء و يحكم بطهارة البدن الى غير ذلك من الأحكام كحليّة الذبيحة. و امّا الإيمان فهو درجة رفيعة فوق ذلك.

و على الجملة فالرواية في إفادة هذا التفاوت و ارفعيّة الايمان من الإسلام بمثابة من الوضوح لا تكاد تخفى و انّما البحث و الكلام في المقام في توجيه ترتّب الأحكام المذكورة على الإقرار بالشهادتين فنقول: هنا ثلاث احتمالات:

أحدها: كون الإقرار طريقا محضا الى عقد القلب و اعترافه الباطني فالمقرّ بالشهادتين كائنا من كان و لو كان غير معتقد بالقلب واقعا يجب على المسلمين ان يعاملوه معاملة المسلم المسلم بمجرّد الإقرار، ما لم يعلموا كذبه، و‌

____________

الفرج بمدينة جرجان في المحلّة المعروفة ببئر ابى عنان قال: حدّثني أبو دعامة قال: أتيت على بن محمّد بن على بن موسى عائدا في علّته التي كانت وفاته منها في هذه السنة فلمّا هممت بالانصراف قال لي يا أبا دعامة قد وجب حقّك أ فلا أحدّثك بحديث تسرّ به؟ قال: فقلت: ما أحوجني الى ذلك يا ابن رسول اللّه قال: حدّثني أبي محمد بن علىّ قال: حدّثني ابى علىّ بن موسى قال: حدّثني أبي موسى بن جعفر قال: حدّثني أبي جعفر بن محمد قال: حدّثني أبي محمّد بن على قال: حدّثني ابى على بن الحسين قال: حدّثني ابى على بن ابى طالب رضى اللّه عنهم قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم): اكتب يا على، قال: فقلت: و ما اكتب؟ قال لي: اكتب: بسم اللّه الرحمن الرحيم الايمان ما وقرته القلوب و صدّقته الأعمال، و الإسلام ما جرى به اللسان و حلّت به المناكحة، قال أبو دعامة: فقلت: يا ابن رسول اللّه ما أدرى و اللّه أيّهما أحسن الحديث أم الاسناد؟ فقال: انّها لصحيفة بخطّ علىّ بن ابى طالب بإملاء رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) نتوارثها صاغرا عن كابر.

و رواه المجلسي (قدّس سرّه) ايضا عنه في بحار الأنوار طبع بيروت ج 50 ص 208.

156

عدم اعتقاده في الباطن، و يجب عليهم ان يتّخذوا إقراره طريقا الى تحقّق الاعتقاد في ضميره، و اعتضاد إقراره باللّسان بإذعانه بالجنان، نظير اتّخاذ الأذان طريقا الى تحقّق الوقت و امارة على دخوله، و على ذلك فلو علم كذبه و نفاقه فإقراره لا ينفع شيئا.

ثانيهما: ان يكون موضوعا طريقيا و على هذا فلا يحكم بإسلامه إلّا إذا اجتمع الإقرار و العقيدة و تقارنا و بعبارة أخرى اللازم تحقّق اللفظ نفسه بعنوان انّه طريق الى عقد القلب و إذعان الضمير و تسليم النفس.

ثالثها: ان يكون موضوعا محضا و لازم ذلك هو الحكم بالإسلام و جريان أحكامه بمجرّد اللفظ و محض الإقرار.

و لا يخفى انّ الظاهر من بين هذه الاحتمالات الثلاثة هو الاحتمال الأخير، ألا ترى انّه (عليه السلام) قال: به حقنت الدماء و عليه جرت المناكح و المواريث؟ و لو لا انّ المؤثّر التّامّ و السبب الوحيد في جريان تلك الأحكام هو نفس الإقرار لما استقام اللفظ و لما صحّ التعبير بقوله: (به) و كذا التعبير بقوله:

(عليه).

و يؤيّده قوله (عليه السلام): و على ظاهره جماعة الناس. اى سواد الناس و العدّة الوافرة، فإنّ الجماعة و سواد الناس- الّا نزر يسير و فرقة قليلة- كانوا يقرّون بتوحيد اللّه و رسالة النبيّ الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و لكنّهم اتّبعوا ائمة الضلال و انحرفوا عن ولاية العترة الطاهرة و الأئمة من آل محمد (عليهم السلام).

و يشهد على ذلك ايضا الحكم بإسلام المنافقين في الصدر الأوّل المعلوم حالهم، بحيث ورد في حقّ بعضهم: انّه لم يؤمن باللّه طرفة عين، و كان النبي يساورهم، و ما كان يجتنب عنهم، و كان يباشرهم مع الرطوبة و يناكحهم و يوارثهم و يعامل معهم معاملة المسلمين و كان يكتفي من الكفّار بكلمتي الشهادة‌

157

و يحكم بإسلامهم و هذا هو الدليل القاطع و البرهان القوىّ الدّالّ على انّ تمام الملاك في تحقّق الإسلام و ترتّب أحكامه هو الإقرار و ان علم انّه شاكّ بل و ان علم انّه غير معتقد أصلا كالمنافق المظهر للإسلام و المبطن للكفر.

و على هذا فالبالغ العاقل غير المستضعف لو لم يقرّبا لشهادتين لا يكون مسلما، و لذا يلقّن ولد الكافر عند بلوغه الشهادتين فإن أقرّ و اعترف فهو مسلم و الّا فيحكم بكفره.

و امّا عدم لزوم تلقين ولد المسلم عند البلوغ أو التميز، و الحكم بإسلامه بلا توقف على الإقرار، فهو لأجل وجود الأمارة الظاهرة في كونه مسلما فإنّه نشأ و نمى في محيط دينيّ و بيئة طيّبة و ربّي في جوّ الإسلام و عند أبوين مسلمين و منذ خرج من بطن امّه و فتح عينيه لم ير و لم يشاهد الّا المناظر الإسلاميّة و لم يقرع سمعه الّا أصوات قرّاء القرآن و نغمات المؤذّنين بالأذان.

و اهتمام المسلمين و لا سيّما الشيعة الموالين لآل الرسول بتربية أولادهم و المواظبة على حالهم ليتعلّموا معالم دينهم و يتأدّبوا بآداب الإسلام أمر لا يحتاج الى البيان، لانّه بمكان من الوضوح و العيان فهذا هو الرجل الشيعي يرى ولده يقع على الأرض أو يسقط من شاهق أو من مكان عال أو يراه يريد ان يقوم من موضعه و مقامه فيلقّنه الاستمداد من اللّه تعالى و من أوليائه و يعلّمه التوجه الى المبادئ العالية و يقول له: ولدي قل: يا اللّه، أو قل يا علىّ، و أمثال تلك التلقينات الطيّبة فإذا تعلّم الصبيّ من والديه الاستنصار من اللّه تعالى و الاستشفاع اليه من الأولياء و الأئمة الطاهرين (سلام اللّه عليهم أجمعين) فلا بدّ من كونه مقرّا بالشهادتين و مذعنا معتقدا بهما و عارفا باللّه و رسوله بل خلاف ذلك كاد ان يكون محالا عاديّا.

و هذا بخلاف ولد الكافر الذي نشئ على الكفر و الضلال، و المفاهيم‌

158

الخاطئة، و العقائد الفاسدة الكاسدة، و لم يشمّ منذ ولادته رائحة الإسلام و لا يزال من بدع طفوليته الى سنين رشده سمع و شاهد إلحاد الملحدين و تشكيك الضالّين المضلّين و حثّه الأبوان على الجحود و الإنكار و الزندقة و الإلحاد و كان طوال هذه المدّة تحت تبعيّة الكافر فلا بدّ من ان يتأثّر بالسموم المبثوثة الالحادية في تلك البيئة المظلمة بل هو معلوم النهاية من مطلع البداية فالحكم بإسلامه رهين الإقرار بالشهادتين و موقوف عليه فان أقرّ و دان بكلمة الإسلام فنعم المطلوب و الّا كان كافرا نجسا مهدور الدم هذا.

و قد تحصل من جميع ما قرّرناه في هذا المضمار انّه ليس الإسلام شيئا سوى تسليم الإنسان للشهادتين و الإقرار بهما و سيجي‌ء في الأبحاث الآتية مزيد توضيح و ما ينفع لهذا البحث إنشاء اللّه تعالى فانتظر.

159

حول إنكار الضروريّ

ثم انّك قد علمت انّه يدخل في ضابط الكافر من أنكر ضروريّا من ضروريّات الدين و ان كان بحسب الظاهر مسلما مقرّا بالشهادتين و قد صرّح العلماء (رضوان اللّه عليهم أجمعين) بذلك كما قال المحقّق في عبارته المتقدّمة: و ضابطه من خرج عن الإسلام أو من انتحله و جحد ما يعلم من الدين ضرورة إلخ و مثله ايضا كلمات الآخرين و لا خلاف في ذلك ظاهرا بل هو من المسلّمات.

و انّما المهمّ هو انّ إنكار الضروري بنفسه و من حيث هو سبب مستقلّ للكفر تعبّدا [1] أو لأنّه كاشف عن إنكار النبوّة و راجع الى تكذيب النبي صلّى اللّه‌

____________

[1]. أقول: قال المحقّق الهمداني في طهارته ص 566: انّ القول بالسببيّة صريح بعض و ظاهر آخرين بل ربّما استظهر من المشهور انتهى و لكنّه (رحمه اللّه) خالف هذا الرأي و قال في ص 567: انّه لا دليل على سببيّة الإنكار من حيث هو الكفر.

و قال في مفتاح الكرامة ج 1 ص 143: و هنا كلام في انّ جحود الضروري كفر في نفسه أو

160

عليه و آله و العدول و الانصراف عن الإقرار بالشهادتين و كونه نقضا لإقراره؟ و قد تشعبّت في ذلك أقوال المحقّقين و ذهب الى كلّ فريق و الظاهر عندنا هو الوجه الثاني و يمكن ان يقال: انّ إنكار الضروريّ بمجرّده غير ملازم لتكذيب النبي و إنكار الشريعة توضيحه انّ من كان بعيد الدار عن حوزة نفوذ الإسلام و المسلمين و قاطنا في بلاد الكفر و لالحاد فصادفه مسلم و دعاه الى الإسلام و لقّنه الشّهادتين فأثّرت هذه الدعوة و نفذت فيه فأقرّ بالشهادتين ثمّ امره المسلم بالصلاة- التي لا شكّ في كونها ضروريّة في الإسلام و لا مرية فيه أبدا- فأبى منها و أنكرها أشدّ الإنكار فهل ترى من نفسك انّ إنكار جديد إسلام مثل هذا تكذيب للنبي و الحال انّه بعد لا يعرف الضروريّ مفهومه، و مصاديقه، و عدده، و ليس عارفا بحقيقة الصلاة و عظمها و مبلغ اهتمام الشارع بها و هل يمكن الحكم بكفره و الحال هذه؟ اللّهمّ الّا ان يقال انّها ليست ضروريّة بالنسبة إليه فإنّ الضروري الذي يكفر منكره هو ما ثبت عنده يقينا كونه من الدين.

و قد قيّده بعضهم بما إذا لم يكن إنكاره عن شبهة طارئة عليه و الّا فهو لا يوجب الكفر و كأنّه قيل: من أنكر الضروريّ عالما بكونه ضروريّا فهو كافر لأنّ الإنكار مع هذه الخصوصيّة ملازم للتكذيب قهرا و لا ينفكّ عنه جدّا.

لكن هذا ايضا لا يخلو عن المناقشة حيث انّه قد يتّفق ان المنكر ينكر ما يعلم كونه ضروريّا بلا التفات أصلا إلى كون إنكاره هذا تكذيبا للنبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم).

و يرد ايضا على قولهم برجوع الإنكار إلى التكذيب انّه لو كان الملاك هذا لجرى ذلك في كلّ ما علم انّه من الدين و ان لم يكن ضروريّا فانّ من الممكن‌

____________

يكشف عن إنكار النبوة مثلا ظاهرهم الأوّل و احتمل الأستاد الثاني قال فعليه لو احتمل وقوع الشبهة عليه لم يحكم بتكفيره الّا انّ الخروج عن مذاق الأصحاب ممّا لا ينبغي انتهى.

161

إنكار حكم ثبت عند منكره انّه من الدين و يتحقّق التكذيب بذلك مع عدم كونه ضروريا فلو كان الملاك هو التكذيب فلما ذا خصّوا الضروريّ بالذكر و ما وجه التخصيص؟.

و التحقيق انّ إنكار الضروري يتصوّر بحسب مقام الثبوت على ثلاثة أنحاء:

الأوّل: الموضوعيّة في الحكم بالكفر فكما انّه يحكم بكفر من جحد إله العالم و أنكر النبوّة كذلك يحكم بكفر من أنكر ضروريا من ضروريّات الدين بمجرّد إنكاره نظير كون الإقرار بالشهادتين موضوعا للحكم بالإسلام و ترتّب أحكامه على المقرّ بهما فمنكر الضروري كافر لا من حيث كفره الباطني و علمنا بأنّه كافر واقعا بل هو كافر و لو لم نعلم حاله و لم يثبت لدينا كفره الباطني بل و ان علمنا انّه كاذب في إنكاره و انّه مؤمن واقعا فعلى الموضوعيّة المحضة يحكم عليه بالكفر لعلّة إنكار الضروري وحده الّا من اضطرّ اليه أو أكره عليه مع الايمان الرصين كما قال اللّه تعالى في حكاية عمّار إِلّٰا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمٰانِ. (1)

الثاني: ان يكون إنكار الضروري موجبا للكفر لكونه كاشفا عن إنكار الرسالة و تكذيب النبي الأمين و نقضا تفصيليّا لمّا أقرّ به إجمالا فهما كالمتلازمين عقلا و على هذا فلو شكّ في انّه مكذّب واقعا و احتمل خلاف ما نطق به مع انّه منتحل إلى الإسلام و مقرّ بالشهادتين فلا يكون إنكاره سببا للحكم بكفره نظير ما ورد من انّ الحدود تدرء بالشبهات.

هذا إذا كان قد احتمل في حقّه عدم التكذيب فكيف بما إذا علم انّه ليس بمكذّب و انّه ليس بصدد إنكار الرسالة و لا يريد ذلك أصلا فهو ينكر امرا خاصّا‌

____________

(1). سورة النحل الآية 106.

162

سواء كان لأجل عدم علمه بكونه ضروريّا أو لغير ذلك من الجهات.

الثالث: ان يكون موجبا للكفر لا بما هو موضوع له و لا بما هو كاشف واقعي عنه بل من جهة الكشف التعبديّ عنه فيكون نظير الطرق التي يعمل بمقتضاها و يلغى معها احتمال الخلاف ما لم يقطع بخلافها كما إذا قامت البيّنة على تذكية حيوان مثلا و احتمل عدم التذكية لجهة خارجيّة فإنّ هذا الاحتمال ملغى في نظر الشارع، و على هذا فيحكم بكفر منكر الضروريّ ما لم يعلم و لم يقطع منه عدم التكذيب سواء علمنا جزما انّه مكذّب أو احتملنا ذلك في حقّه فإنّ إنكاره طريق تعبديّ يعمل على طبقه بلا اعتبار لاحتمال عدم إرادته التكذيب فإنّه ملغى و لا يؤثّر في رفع الحكم بالكفر، الا ترى انّه لو أقرّ مقرّ بالقتل أو الدين فهو مأخوذ بإقراره و لا يعتنى إلى احتمال إرادته خلاف ظاهر إقراره.

و الحاصل: انّه إذا حكم بكفر منكر الصانع و مكذّب الرسول فلا فرق فيه بين الإنكار صريحا أو بالدلالة الالتزاميّة و معلوم انّ منكر الضروريّ يكذّب النبيّ التزاما.

و الفرق بين الاحتمالين الأخيرين- كالفرق بينهما و بين الاحتمال الأوّل- لا يكاد يخفى على من لاحظ الوجهين فانّ مقتضى الوجه الأوّل منهما الحكم بكفره في صورة واحدة لأنّه إذا احتمل في حقّه عدم التكذيب أو قطع بذلك فلا يحكم عليه بالكفر بخلاف الأخير منهما فإنّه يحكم عليه بالكفر في صورتين اعنى ما إذا احتمل في حقّه التكذيب و ما إذا علم انّه مكذّب فتبقى صورة واحدة لا يحكم فيها بالكفر و هي ما ذا علم جزما انّه ليس مكذّبا هذا.

و امّا في مقام الإثبات فنقول:

امّا الاحتمال الأوّل: فإثباته غير ممكن الّا ان يكون هناك إجماع و يتمسّك القائل بالموضوعيّة، به بعد التتبّع البالغ، و الاستقصاء الكامل، و الوقوف على‌

163

كلماتهم، و موافقتهم على ذلك.

و لكن لا يخفى انّ استفادة ذلك من كلماتهم في غاية الإشكال فإنّها ليست على نسق واحد فترى انّ بعضا منهم يقيّد إنكار الضروري بعدم شبهة طارئة له و لا أقلّ من كون هذا البعض مخالفا فإنّه لا يساعد كون الإنكار كيف كان- و لو عن شبهة بل و لو كان ناشيا عن الجهل المركّب- سببا للحكم بالكفر.

و امّا الاحتمال الثاني: فإثباته بدليل العقل بادعاء التلازم بين الإنكار و التكذيب، و هو غير بعيد.

و امّا الثالث: و هو أقرب الاحتمالات فدليله الشرع، و هو الذي تعرب عنه كلمات الاعلام، و على هذا فما كان من إنكار الضّروريّات مستلزما لتكذيب النبي و كاشفا عنه، فإنكاره موجب للكفر، و دليل كفره هو دليل كفر تكذيب النبي فمنكر الضّروريّ كافر، كما انّ منكر الباري و مكذّب النبيّ كافر، و التفكيك بينهما، و القول بأنّ مكذّب النبي كافر و لكن منكر الضروري ليس بكافر في محلّ المنع و كيف لا و الحال انّه أنكر حكما ثابتا من أحكامه و شعيرة قطعية من شعائره.

ان قلت: انّ هذا ينافي ما قاله العلماء من انّ الالتزام بكلّ الأحكام ليس واجبا.

نقول: لا تنافي بينهما أصلا فإنّ معنى كلامهم (قدّس اللّه أسرارهم) عدم وجوب الالتزام به تفصيلا لا مطلقا حتّى الإجمالي منه فإنّه واجب بلا كلام بل الإقرار بالشهادتين هو الالتزام بالأحكام كلّها إجمالا.

و على الجملة فلا شكّ في كفر من أنكر الضروريّ غاية الأمر انّه يعتبر فيه الكشف عن كونه مكذّبا كمن نشأ في بلاد الإسلام و عاش طوال حياته مع المسلمين و حضر أنديتهم و شهد مجامعهم فانّ تلك الأمور تلازم عادة علمه‌

164

بكون حكم كذا من أحكام الإسلام و ضروريّاته فلو أنكره فهو تكذيب لا محالة امّا لو كان ساكنا في بلاد الكفار أو قاطنا في البلدان النائية محروما و مبتعدا عن مجالس المسلمين و مجالستهم، لا صلة له بهم، و لا رابطة بينه و بينهم، و كان مسلما بعيدا عن حقائق الإسلام، بسيطا يجهل الآداب و المعارف الدينيّة، و لا حظّ له في الثقافة الإسلاميّة، قد أضلّه زنديق و لقّنه مثلا بأنّ الصلاة الواجبة علينا هي الدعاء لا الأركان المخصوصة، و لا يجب عند أوقات الصلاة سوى قراءة دعاء كذا أو ذكر كذا ك‍ ناد عليّا مظهر العجائب. فتأثّر هذا المسلم البسيط بهذه الأباطيل الفاضحة، و البدع و الخرافات الواهية حتّى أنكر الصلاة المعهودة، فإنّ إنكاره هذا ليس تكذيبا للنبي (صلّى اللّه عليه و آله) و إنكارا للشريعة و لا يوجب الكفر و النجاسة، و هو بعد رجل مسلم، مؤمن باللّه و رسله، و آياته و كتبه.

و بهذا البيان ترتفع المناقشة في المقام بأنّ المنكر للضروريّ ربّما لا يلتفت حين إنكاره إلى كون إنكاره تكذيبا للنبي و إنكارا للرسالة المحمديّة (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) لأنّا ذكرنا انّه يوجب الكفر للكشف التعبديّ عن التكذيب فإذا علمنا انّه غير ملتفت الى ذلك فإنكاره لا يوجب الكفر.

نعم يبقى المناقشة بعدم الفرق بين إنكار الضروري و إنكار غير الضروري من الأحكام فانّ الملاك لو كان هو التكذيب فهو جار في غير الضروري أيضا من الأحكام المعلومة الصدور عن النبي كما إذا سمع حكما عن النبي أو الإمام فأنكره فهو تكذيب له و يصير كافرا بذلك مع انّ الحكم ليس بضروريّ.

لكنّ الإنصاف أنّ بينهما فرقا واضحا و هو انّه في الضروري يحكم عليه بالكفر لكونه مكذّبا فلا حاجة الى شي‌ء آخر غير نفس الإنكار بخلاف غير الضروريّ فإنّ إنكاره بمجرّده لا يوجب الكفر لعدم كشفه عن التكذيب فربّما يكون منكرا له و إذا قلنا له أنكرت حكم الإسلام يعتذر بأنّ النبي لم يقل بذلك‌

165

فهذا في الحقيقة تكذيب لنا لا للنبي فإثبات كونه مكذّبا منوط بأمر آخر و هو إقراره بنفسه و اعترافه بأنّه يكذّب الرسول (صلّى اللّه عليه و آله).

و بعبارة أخرى المدار في الحكم غير الضروري على حصول العلم بأنّ المنكر مكذّب للنبي و منكر للرسالة بخلاف الضروري فإنّه بنفسه دالّ على ذلك.

لكن يبقى اشكال آخر في المقام و هو انّ العلماء (رضوان اللّه عليهم أجمعين) مع تقييدهم إنكار الضروري بعدم كونه ناشئا عن الشبهة كما هو الحق أطلقوا المثال فإنّهم مثّلوا لمنكر الضروري بالغلاة و الخوارج من دون تقييدهم المثال بعدم الشبهة كما رأيت ذلك في عبارة المحقّق الّتي ذكرناها سابقا و الحال انّ الغلوّ في حقّ الأئمة (عليهم السلام) أو الخروج عليهم ربما ينشئان عن الشبهة أيضا، و الولاية أو الوصيّة مع انّها من الأمور الثابتة العريقة في الإسلام الّتي نصّ عليها القرآن العظيم، و أكّد عليها النبي الكريم (صلّى اللّه عليه و آله) شديدا، و المودّة المفروضة في القرآن لا غبار عليها و لا ارتياب، و وجوب احترامهم و حرمة إهانتهم ممّا نطق به الكتاب، قال اللّه تعالى قُلْ لٰا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبىٰ (1) الى غيرها من الآيات كآية يوم الغدير [1] الّا انّها مع ذلك كلّه قابلة لان يشتبه فيها الأمر على بعض التابعين أو تابعي التابعين ممّن لم يدركوا عصر رسول اللّه الذهبي لا سيّما بلحاظ موقعية أمر الولاية الخطيرة و اهميّتها الخاصة و وجود دواع كثيرة- من الحكّام المخالفين للعترة الزاكية و مهابط الوحي- على تشويه الأمر و تلبيسه على الناس و إبعادهم عن وليّ اللّه علىّ (عليه السلام) و الطاهرين من ذرّيّته، و خذلان العترة الطاهرة، بشتى الوسائل، و من ثمّ لم يدعوا‌

____________

[1].

يٰا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّٰاسِ إِنَّ اللّٰهَ لٰا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكٰافِرِينَ

، سورة المائدة الآية 68

الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلٰامَ دِيناً

سورة المائدة الآية 3.

____________

(1). سورة شورى الآية 23.

166

أيّ فرصة في ذلك.

اما كان معاوية الطاغية يدعو الناس دائما على الاعراض عن أمير المؤمنين؟ أ لم يكن يتّهمه بأنواع الاتهامات حتّى قال انّه لا يصلّى؟ فكلّ من سبر تأريخ الإسلام يعرف و يعلم انّ دين معاوية و ديدنه هو إلقاء ما يمسّ كرامة ساحة أهل البيت و ما ينفي محاسنهم لا سيّما بالنسبة الى الامام على (عليه السلام) فلم يزل دائبا على الوقيعة فيه و الحطّ من كرامته و إلصاق كلّ تهمة به و بذل كل جهده و امكانياته في ذلك و كان بنفسه قد أفصح بلسانه و أعرب بلفظه عن عقيدته المشئومة الّتي هي إلقاء بذر عداوة وصيّ الرسول في قلوب الأمّة الإسلامية بقوله- في جواب قوم من بنى أمية قالوا له: انّك قد بلغت ما أمّلت فلو كففت عن لعن هذا الرجل-: لا و اللّه حتّى يربو عليه الصغير و يهرم عليه الكبير و لا يذكر له ذاكر فضلا (1) و كان ذلك أسلوبه حتّى ان هلك و مات فآل الأمر الى ان ظهر النصب و العداوة في عصره و انتشر بغض علىّ و غيره من آل محمّد في أيّامه، و تقرّب الناس بذم آل الرسول طلبا لرفده و عطاياه، و طمعا في صلته و جوائزه، أو خوفا من قتله و نهبه و أسره و تنكيله فراجع التاريخ.

و نزيد على ذلك سؤالا آخر و هو انّه اما ورد في التاريخ تقديم نذور عديدة و قرابين كثيرة من فلان و فلان عند قتل الحسين (عليه السلام)؟ [1] أ لم يبنوا مساجد فرحا بقتل سيّد الشهداء؟ [2]

____________

[1]. أقول روى المسعودي في مروج الذهب ج 3 ص 152 و ابن ابى الحديد في شرح النهج ج 4 ص 61 انّ عبد اللّه بن هاني و هو رجل من أود قال عند ذكر مفاخره لحجّاج: و ما منّا امرأة إلّا نذرت ان قتل الحسين ان تنحر عشر جزائر لها ففعلت قال الحجاج: و هذه و اللّه منقبة.

[2]. أقول: في الوسائل ج 3 الطبع الحديث ص 520: عن ابى جعفر (عليه السلام) قال: جدّدت أربعة مساجد بالكوفة فرحا لقتل الحسين (عليه السلام) مجد الأشعث و مسجد جرير و مسجد سماك و مسجد شبث بن ربعي لعنهم اللّه.

____________

(1). شرح نهج البلاغة الحديدى ج 4 ص 57.

167

و إذا كان كذلك فأيّ بعد في ان يتأثّر البعض في هذه الأجواء المظلمة بتلك المفاهيم الخاطئة و الإلقاءات المضلّة و يقطع بها و يتداخل بغض علىّ (عليه السلام) في قلبه، و هل يمكن القول بأنّ كل ما وقع و ما صدر عن الناس بعد قتل الحسين من الفرح و السرور، و الصدقات و النذور، كان عن تفهّم و شعور؟.

و مجمل الكلام انّ كثيرا منهم و لا أقلّ من بعضهم كان قد اشتبه عليه الأمر فقال ما قال و اتى بما اتى في تلك الظروف الخاصّة، و على هذا فكيف يطلقون كفر الخوارج مثلا مع انّهم ربّما يقيّدون إنكار الضروري الموجب للكفر بعدم كونه عن شبهة فانّ ظاهر إطلاق المثال يعرب عن موضوعيّة الإنكار في اقتضاءه الكفر كإنكار الصانع، و الحال ان مقتضى ظاهر تقييد بعض إنكار الضروري بعدم الشبهة، طريقيّته للتكذيب.

و قد تصدّى علم التحقيق و التقى الشيخ المرتضى (قدّس سرّه) للجواب عنه و ملخّص كلامه انّ الإسلام شرعا و عرفا عبارة عن التديّن بهذا الدين الخاص الذي يراد منه مجموع حدود شرعيّة منجزة على العباد كما قال اللّه تعالى إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّٰهِ الْإِسْلٰامُ. فمن خرج عن ذلك و لم يتديّن به كان كافرا غير مسلم سواء لم يتديّن به أصلا أو تديّن ببعضه دون بعض اىّ بعض كان. ثم استشهد بصحيحة أبي الصباح الكناني (1) و قال بعد ذلك: فهذه الرواية واضحة الدلالة على انّ التشرّع بالفرائض مأخوذ في الايمان المرادف للإسلام كما هو ظاهر السؤال و الجواب. ثم ذكر مكاتبة عبد الرحيم (2) و صحيحة عبد اللّه بن سنان (3) و أشار بعدها إلى رواية مسعدة بن صدقة (4) ثم ذكر صحيحة بريد العجلي (5) و قطعة من رواية‌

____________

(1). الكافي ج 2 ص 33 الحديث 2.

(2). وسائل الشيعة ج 1 ب 2 من أبواب مقدمة العبادات ح 18.

(3). وسائل الشيعة ج 1 ب 2 من أبواب مقدمة العبادات ح 10.

(4). وسائل الشيعة ج 1 ب 2 من أبواب مقدمة العبادات ح 11.

(5). الكافي ج 2 ص 397 باب الشرك ح 1.

168

سليم بن قيس الهلالي و أشار بعدها الى روايات أخر دالة ايضا على كفر منكر شي‌ء من الدين و استثنى- تبعا للأخبار الواردة- الجاهل بالحكم.

ثم حمل ما دلّ من النصوص و الفتاوى على كفاية الشهادتين في الإسلام على حدوث الإسلام بهما ممّن ينكرهما من غير منتحلي الإسلام إذ يكفي منه الشهادة بالوحدانيّة و الشهادة بالرسالة المستلزمة للالتزام بجميع ما جاء به النبي و تصديقه في ذلك إجمالا و هذا لا ينافي كون عدم التديّن ببعض الشريعة أو التديّن بخلافه موجبا للخروج عن الإسلام.

ثمّ قسّم عدم التديّن ببعض الشريعة أو كلّها الذي هو سبب في الخروج عن الدين إلى أقسام فقد يرجع الى عدم الانقياد للّه بان يعلم مجي‌ء النبي به و يعلم صدقه في ذلك الّا انّه لا يتديّن بذلك عصيانا بحيث لو أوجب اللّه عليه ذلك من غير واسطة لأبي عنه و امتنع نظير كفر إبليس لعنه اللّه و قد يرجع الى إنكار صدق النبي كمن أنكر شيئا من الدين مع علمه بأنّ النبي جاء به، و صرّح (رضوان اللّه عليه) بعدم الإشكال في كفر هذين القسمين الّا انّ تكفيرنا له متوقّف على علمنا بعلمه المذكور سواء نشأ علمنا من الخارج أو من جهة إقراره أو من جهة كون المنكر- بالفتح- ضروريّا لا يخفى على مثل هذا الشخص الذي نشأ بين المسلمين فعلمنا من ذلك بضرورية المنكر- بالفتح- لا دخل له في كفر المنكر، و انّما له دخل في تكفيرنا إيّاه، حيث انّه لا سبيل لنا غالبا الى العلم بعلم المنكر الّا من جهة كون المنكر- بالفتح- ممّا لا يخفى على مثل المنكر ممّن نشأ بين المسلمين. و قد لا يرجع إنكاره إلى شي‌ء من العنوانين كمن أنكر شيئا من الدّين بدعوى عدم مجيئ النبيّ به أو مجيئه بخلافه، بحيث يعلم أو يحتمل انّ ذلك ليس لأجل تكذيب النبي، كما انّ كثيرا من الخوارج و النواصب و المتدينين ببعض ما هو مخالف‌

169

لضروريّ الدين من هذا القبيل أو ظنّا أو احتمالا بل ربّما يعدّون المخالف له خارجا عن الدين فيتقرّبون الى اللّه ببغضه و عداوته.

قال (رحمه اللّه): فاللازم على من استند في كفر منكر الضروري إلى رجوع إنكاره الى تكذيب النبي ان لا يحكم بكفرهم من غير تفرقة بين كون هذا الإنكار ناشئا عن قصورهم أو عن تقصيرهم غاية الأمر مؤاخذة المقصّر على ترك التديّن بما أنكره لو كان إنكاره متعلّقا بالعقائد كالمعاد و نحوه و الّا فالعمليّات لا عقاب فيها الّا على ترك العمل فمنكر حرمة الخمر لا دليل على عقابه الّا على نفس شرب الخمر لو شربها لعدم قصد الشارع الى التّديّن تفصيلا بالأحكام العمليّة أوّلا و بالذات.

ثمّ قال: لكنّ الإنصاف انّ هذا القول مخالف لظاهر كلمات الفقهاء في حكمهم بكفر منكر الضروريّ على الإطلاق بل مقابلته لإنكار الرسالة و في حكمهم بكفر الخوارج و النواصب معلّلين بانكارهم للضروري مع ما هو المشاهد من كثير من هذه الفرق الخبيثة و انّهم يتقرّبون الى اللّه بذلك و لا يحتمل في حقّهم رجوع إنكارهم لحقّ أمير المؤمنين و الأئمة (صلوات اللّه عليهم) إلى إنكار النبي و تكذيبه مضافا الى مخالفته لإطلاقات الأخبار المتقدّمة في حصول الكفر باستحلال الحرام و تحريم الحلال. مع ما عرفت من انّ عدم التديّن ببعض الدين يوجب الخروج عن الدين.

أقول: انّه (قدّس سرّه) عدل في هذه القسمة من كلامه عمّا ذهب اليه- من التفصيل بين موارد الإنكار و اقسامه و الحكم بعدم كفر الثالث منها- و مال الى ما حقّقه أوّلا من انّ عدم التدين و لو بحكم من الأحكام يوجب الكفر الى ان قال: و الحاصل انّ المنكر للضروري الذي لا يرجع إنكاره إلى إنكار النبي امّا ان يكون قاصرا و امّا ان يكون مقصّرا و على التقديرين فامّا ان يكون الضروري الذي‌

170

أنكره اعتقادا من العقائد كالمعاد و امّا ان يكون فعلا كالالقاء المصحف في بعض الأمكنة و امّا ان يكون قولا كسبّ النبي و ان كان الفاعل يعتقد كون ذلك حراما في الشريعة إذ ليس المأخوذ في الدين التديّن بحكمه بل التديّن بترك عمله فهذه أقسام ستّة. ظاهر إطلاق النصوص و الفتاوى خصوصا إجماعهم على كفر الخوارج و النواصب مستدلّين بانكارهم للضروري حيث انّ عموم كلامهم للقاصر و المقصّر من هذه الفرقة الخبيثة ليس بأولى من عمومه للقسمين من اليهود و النصارى، الحكم بكفر جميعهم.

ثم رجع و عدل عمّا ذكره و قال: الّا انّ الإنصاف انّ في شمول الأخبار المطلقة المتقدّمة الدالّة على حصول الكفر بالاستحلال للقاصر نظرا ظاهرا و منع وجود القاصر في الكفّار كلام آخر و امّا نجاسة الخوارج و النواصب فنمنع كونها لمجرّد الإنكار للضروري فلعلّه لعنوانهما الخاص بل لا يستفاد من الاخبار الّا ذلك كما في اليهود و النصارى فيكون ولاية الأمير و الأئمة (صلوات اللّه عليهم) بمعنى محبّتهم كالرسالة في كفر منكرها من غير فرق بين القاصر و المقصّر و لو سلّم ما ذكر من الإطلاق فإنّما هو في العقائد الضروريّة المطلوبة من المكلّفين التديّن بالاعتقاد بها دون الأحكام العمليّة الضرورية التي لا يطلب فيها الّا العمل فالأقوى التفصيل بين القاصر و غيره في الأحكام العمليّة الضرورية دون العقائد تمسّكا في عدم كفر منكر الحكم العملي الضروريّ بعدم الدليل على سببيّته للكفر مع فرض عدم التكليف بالتديّن بذلك الحكم و لا بالعمل بمقتضاه. الى آخر كلامه زيد في علوّ مقامه.

و قد علمت بأنّه قال بأنّ كفر الخوارج و النواصب ليس من باب إنكار الضروري بل لأجل عنوانهما الخاصّ و على هذا فلا يرد الاشكال على العلماء في عدم تقييد مورد التمثيل و هو الخوارج و الغلاة مثلا بعدم الشبهة لأنّ الوصف‌

171

العنواني موجب لترتّب الحكم بالكفر مطلقا.

و قد تحصّل من كلامه انّه فصّل بالأخرة في الضروريّات بين العقائد و الأحكام العمليّة فحكم في الأولى بأنّ إنكارها سبب للكفر مطلقا و في الثانية بالتفصيل بين كون الإنكار عن قصور أو عن تقصير و الثاني محكوم بالكفر دون الأوّل.

و نحن نقول: انّ ما ذهب اليه و اختاره في رفع الاشكال- من كون العنوان موجبا للكفر- وجه غير بعيد و به يرتفع الاشكال و مع ذلك فسيجي‌ء منّا وجه في انّ إطلاقهم القول بكفر منكر الضروري غير مناف للتقييد في كلمات بعضهم فانتظر.

ثمّ انّ في كلامه الشريف مواقع للنظر ينبغي لنا التعرّض لها.

فمنها انّه (قدّس سرّه) أصرّ شديدا على القول بكون الإسلام هو التديّن بمجموع الدين و استشهد على ذلك بما أشرنا إليه من الاخبار و هو و ان استشكل في أثناء كلامه و مطاوي تحقيقاته في هذا الإطلاق أعني كفر مطلق من جحد شيئا ضروريّا من الدين الّا انّه بالأخرة اعتمد عليه و لم يستثن منه سوى منكر الحكم العملي قاصرا فكلّ من سواه داخل تحت الإطلاق سواء كان منكرا للعقائد قاصرا و مقصّرا أو منكرا للحكم العمليّ تقصيرا.

و الحال انّ استظهار كون الدين هو مجموع الحدود الشرعيّة- من الاخبار- و انّ إنكار أيّ واحد منه موجب للكفر مشكل- و سنبيّن ما يستظهر من الروايات إنشاء اللّه تعالى- و الالتزام به لو سلّم استفادته أشكل بل يمكن ادعاء كون ذلك مخالفا للإجماع فإنّ لازم التمسّك بهذا الإطلاق هو كفر منكر كلّ حكم لو كان عن تقصير و ان لم يكن ضروريا فانّ الروايات قد تتضمّن ما لا يكون ضروريّا ايضا و على هذا فمن استنبط غلطا لتقصيره في مقدّمات الاستنباط مثل ان عمل‌

172

بالقياس و تمسّك به أو لم يتتبّع كاملا في مقام الاجتهاد يكون كافرا و هذا ممّا لا يمكن الالتزام به اللّهم الّا ان يقيّد الأحكام العمليّة بكونها ضروريّة و استنبط غلطا عن تقصير.

لكن يبقى الإيراد عليه بأنّه ما الفرق بين الضروري و غيره فان كنتم تفرّقون بينهما لأنّ إنكار الضروريّ يوجب التكذيب و مستلزم له دون غير الضروريّ.

ففيه انّه لا تكذيب أصلا مع عدم العلم كما هو المفروض، فمن الممكن انّ هذا المنكر لو ارتفع جهله و علم بأنّ النبي قال به لقبلة و أقرّ به و خفض جناح الذلّ تجاه قول رسول اللّه و رسالته الخالدة.

و منها انّه (قدّس سرّه) علّل عدم كفر منكر الحكم العملي الضروري بعدم الدليل على سببيّته للكفر مع فرض عدم التكليف بالتديّن بذلك الحكم و لا بالعمل بمقتضاه لانّه المفروض. و على هذا فلو أنكر أحد، جهلا وجوب الصلاة أو غيرها فهو غير مكلّف بالتديّن به و إذا لم يكن مكلّفا فلا يعاقب بتركه لعدم التكليف به فكيف يمكن الحكم بكفره بذلك و الحال هذه؟ فقد تمسّك (قدّس سرّه) بأنّه لا يمكن عقلا ان يكون غير مكلّف و غير معاقب و مع ذلك يحكم عليه- لأجل هذا الحكم الذي لا يوجب عقابا- بالكفر.

و فيه انّ هذا بمكان من الإمكان فلو دلّ دليل على الكفر مع عدم التكليف و العقاب فلا استبعاد عقلا بل هو واقع و محقّق كما اعترف هو بنفسه في صورة إنكار الضروري الاعتقادي جهلا كمن كان قد ولد في جزيرة بعيدة و نشأ فيها بعيش بسيط انفرادي و لم ير أحدا و لم يشعر بأنّ للعالم إلها و صانعا فهو غير معاقب لعدم التقصير مع انّه كافر لعدم إقراره بالشهادتين و مجمل الكلام انّه من الممكن في مفروض الكلام كونه غير مكلّف و مع ذلك يكون كافرا، و لا‌

173

وجه للاستبعاد فيه الّا انّه لم يقم عليه دليل و قد ذكرنا انّه لو دلّ عليه دليل فهو في نفسه غير بعيد.

ثم انّك قد علمت انّ الشيخ المرتضى جمع بين اخبار الشهادتين و الاخبار المطلقة الدّالة على كفر منكر حكم من الأحكام: بحمل الاولى على مورد حدوث الإسلام ممّن كان ينكره، و الأخذ بإطلاق الأخبار الأخر و الحكم بأنّ إنكار مطلق الأحكام موجب للكفر الّا الحكم العمليّ إذا كان إنكاره عن قصور عند ما كان معتنقا للدّين.

و للفقيه الهمداني (قدّس سرّه) طريق آخر للجمع بين تلك الأخبار أعني روايات كفر منكر شي‌ء من الأحكام و روايات الشهادتين قال: و يتوجّه على الاستدلال بمثل الروايات بعد الغضّ عما في بعضها من الخدشة انّ استحلال الحرام أو عكسه موجب للكفر من غير فرق بين كونه ضروريّا أو غيره بل بعضها كالصريح في الإطلاق و حيث لا يمكن الالتزام بإطلاقها يتعيّن حملها على ارادة ما إذا كان عالما بكون ما استحلّه حراما في الشريعة فيكون نفي الإثم عن نفسه و استحلاله منافيا للتديّن بهذا الدين و مناقضا للتصديق بما جاء به سيّد المرسلين فيكون كافرا سواء كان الحكم في حدّ ذاته ضروريّا أم لم يكن (الى قال:) و الحاصل انّه لا يفهم من هذه الاخبار اعتبار عدم إنكار شي‌ء من الأحكام الضروريّة من حيث هو و ان لم يكن منافيا لتصديق النبي في جميع ما جاء به إجمالا في مفهوم الإسلام المقابل للكفر حتّى يتقيّد به الاخبار الواردة في تفسير الإسلام الخالية عن ذكر هذا الشرط مثل ما رواه في الكافي عن سماعة قال:

قلت لأبي عبد اللّه: أخبرني عن الإسلام و الايمان اهما مختلفان؟ فقال: انّ الايمان يشارك الإسلام و الإسلام لا يشارك الايمان فقلت فصفهما لي فقال:

الإسلام شهادة ان لا إله إلّا اللّه و التصديق برسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) به حقنت‌

174

الدماء و جرت المناكح و المواريث و على ظاهره جماعة الناس و الايمان الهدى و ما يثبت في القلوب من صفة الإسلام الى غير ذلك من الاخبار الدالة عليه انتهى.

و حاصل كلامه (رضوان اللّه عليه) انّ تلك الأخبار مطلقة في تحقّق الكفر بإنكار أيّ حكم من الأحكام ضروريّها و غير ضروريّها لكن لا يمكن الالتزام بهذا الإطلاق و لذا يحمل على ما إذا كان عالما بأنّه حرام في الشرع و مع ذلك أحلّه فإنّ هذا التصرّف و التديّن خلاف التديّن بالإسلام فيحكم بكفره.

و فيه انّ الروايات بعد عدم إمكان الأخذ بظاهرها كما اعترف به تصير مجملة لدوران الأمر بين تقييد الظاهر بالعلم أو بالضروري و إذا صارت مجملة فلا يمكن التمسّك بها لاشتراط الدليل بكونه صريحا و لا أقلّ من كونه ظاهرا.

و هنا وجه ثالث للجمع بين الاخبار يغاير ما قاله شيخنا المرتضى و كذا الهمداني و قد قاله بعض و هو انّه ليس الكافر في هذه الروايات بمعناه المصطلح، بل هو بمعنى العاصي، و على هذا فالمنكر لشي‌ء من الأحكام مطلقا عاص للّه سبحانه.

و فيه انّه خلاف الظاهر جدّا.

هذا مضافا الى عدم مساعدة ذلك لما ورد في روايات أخرى كصحيحة عبد اللّه بن سنان عن الصادق (عليه السلام): من ارتكب كبيرة من الكبائر فزعم انّها حلال أخرجه ذلك عن الإسلام و عذّب أشدّ العذاب و ان كان معترفا انّه أذنب و مات عليه أخرجه من الايمان و لم يخرجه من الإسلام و كان عذابه أهون من عذاب الأوّل. (1)

ألا ترى انّه قد تعرّض لصورة الفسق على حدة في قبال المرتكب المستحلّ المحكوم عليه بالكفر.

____________

(1). الكافي ج 2 ص 285 الحديث 23.

175

و لنا في هذا المقام بيان في وجه الجميع بينها لا يرد عليه هذه الإيرادات و هو انّ الظاهر من تلك الروايات و تعبيراتها الخاصّة و كيفيّة الخطاب و العتاب الواردين فيها انّها واردة في المستحلّ للحرام أو المحرّم للحلال عالما عامدا فمن كان عالما بحرمة الخمر و مع ذلك قال بحلّيّته فهو كافر قطعا و هو في الحقيقة مبدع في الدين نظير ما ورد في الروايات في من يأكل الربا و يسمّيه اللبأ [1] فهذه الاخبار غير مربوطة بالجاهل أصلا ألا ترى انّه قد يعبّر في بعضها بالجحد؟ و من المعلوم انّ الجحود هو الإنكار مع العلم. و بعبارة أخرى: لا يطلق الكافر على من استحلّه جهلا فهذا التعبير اى الجحود يشهد بورود الروايات في شأن العالم بالخلاف و على هذا فليس مستحلّ الخمر عن جهل كافرا بل انّه يعاقب على ترك التعلّم. و يقال له- كما في الروايات- هلّا تعلّمت. [2]

و على الجملة فالذي استظهر منها هو انّها واردة في الإنكار عن علم و متعرّضة له و لمن أنكر عالما و لا أقلّ من كونه المتيقّن منها و على هذا فليس المنكر عن جهل أو عن شبهة كافرا نعم هذا كلّه في الأحكام و الفرائض و امّا الأصول الاعتقادية فانكارها موجب للكفر مطلقا.

و امّا إطلاق كلام بعضهم في كفر منكر الضروريّ فهو غير ضائر لأنّه ناظر الى نوع المنكرين و غالبهم، و وارد بحسب حال الأكثر، من علمهم بالحكم الضروريّ فإنّ الحكم إذا كان ضروريّا فقلّما يتّفق ان لا يكون معلوما للناس فيؤل‌

____________

[1]. و لفظ الخبر هذا: عن ابن بكير قال: بلغ أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل انّه كان يأكل الربا و يسمّيه اللبأ، فقال: لئن أمكنني اللّه منه لأضربن عنقه وسائل الشيعة ج 12 ص 429 الباب 2 من أبواب الربا، ح 1 ثمّ لا يخفى أنّ اللبأ هو اللبن الأوّل الذي يناط به حياة الولد على ما قيل.

[2]. عن مسعدة بن زياد قال: سمعت جعفر بن محمّد (عليهما السلام) و قد سئل عن قوله تعالى.

فَلِلّٰهِ الْحُجَّةُ الْبٰالِغَةُ

فقال: انّ اللّه تعالى يقول للعبد يوم القيامة: عبدي أ كنت عالما؟ فان قال: نعم. قال له: أ فلا عملت بما علمت؟ و ان قال: كنت جاهلا قال له: أ فلا تعلّمت حتى تعمل؟ فيخصمه، فتلك الحجّة البالغة. أمالي الشيخ الطوسي ج 1 ص 8.

176

قولهم بكفر منكر الضروري الى كفر من أنكره عالما بأنّه حكم شرعي الهىّ.

و مجمل القول انّ هذا الإطلاق لا ينافي التقييد أصلا و ان كان صرف النظر عن إطلاق كلمات العلماء في مثل منكر الصلاة و الصيام و الحج و الجهاد مشكل جدّا، و على هذا فلا يعتبر في الحكم بكفر منكر مثل هذه الأحكام رجوع إنكاره الى تكذيب النبي أو كون المنكر عالما فانّ ظاهر كلامهم كفره على اىّ حال.

و لكن يمكن ان يقال انّ إطلاقهم محمول على انّ هذه الأمور ضرورية واضحة للكلّ بمعنى انّ ادعاء الجهل فيها غير مسموع ناشئا عن جهل أو شبهة فيمكن ان لا يكون مستندا إلى إنكار الضروريّ بل كان الوصف العنواني عنوانا خاصّا للكفر نظير عنوان اليهوديّة و النصرانيّة على ما افاده علم التقى الشيخ المرتضى (قدّس سرّه الشريف).

لكن هذا منوط بعدم كون الولاية بمعناها الخاص أعني الوصاية الخاصّة و الخلافة بلا فصل و زعامة الأمّة الإسلاميّة بعد النبي الأقدس (ع) [1] بل بمعنى وجوب المحبّة و ودّ العترة الطاهرة الزاكية فإنّه أمر قطعي كالرسالة و من ضروريّات الدين الإسلامي الّتي لا تقبل الجدل و الشك و يعترف بها الفريقان حيث انّ أهل السنّة ايضا على كثرتهم و تفرّقهم و اختلاف نحلهم و آرائهم- إلّا الخوارج و النواصب- معترفون بعظمة مقام علىّ (عليه السلام) و علوّ شأنه و رفعة منارة و كونه من العشرة المبشّرة [2] بل هو عند بعضهم أفضل أصحاب الرسول و‌

____________

[1]. أقول: إذا بنينا على عدم استناد كفرهما إلى إنكار الضروري فلا معنى لقولنا: لكن هذا منوط إلخ لأنّه يساعد الاستناد إلى إنكار الضروري فتأمل.

[2]. اخرج أبو داود من طريق عبد الرحمن الاخينس انّه كان في المسجد فذكر رجل عليّا (عليه السلام) فقام سعيد بن زيد فقال: اشهد على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) انّى سمعته و هو يقول:

عشرة في الجنّة: النبيّ في الجنّة، و أبو بكر في الجنّة، و عمر في الجنّة، و عثمان في الجنّة، و علىّ في الجنّة، و طلحة في الجنّة، و الزبير بين العوام في الجنّة، و سعد بن مالك في الجنّة، و عبد الرحمن بن عوف في الجنّة، و لو شئت لسمّيت العاشر قال: فقالوا: من هو؟ فسكت قال: فقالوا: من هو؟

177

أعلمهم.

ان قلت هنا اشكال و هو انّه لو كان إنكار الضروريّ موجبا للكفر بملاك تكذيب النبي فكيف لا يحكم بكفر من ردّ المتعتين معربا عن ذلك بقوله: متعتان محلّلتان كانتا في زمن رسول اللّه و انا احرّمهما و أعاقب عليهما [1] كما انّه قال عند نزول آية حجّ التمتّع معترضا على ذلك: نحجّ و رؤسنا تقطر [2] فاستهجن و استبعد توجّه الناس الى الحج و إحرامهم به و الحال انّ رؤسهم تقطر ماء الغسل عن مجامعة النساء بعد الفراغ عن العمرة كما انّه يرد هذا الإشكال في مورد عثمان أيضا فإنّه أمر مناديه في الحج ينادى: اجعلوها حجّة و خالفه أمير المؤمنين و رفع صوته لبيك بحجّة و عمرة معا لبّيك و قد صرّح عثمان في هذه القضيّة في جواب اعتراض علىّ (عليه السلام) و إيراده في ذلك بأنّ: هذا رأي رأيته. [3]

____________

فقال: هو سعيد بن زيد و بهذا الاسناد أخرجه الترمذي في جامعه- 13: 183، 186، و ابن الديبع في تيسير الوصول 3: 260، ذكره بالطريقين المحبّ الطبري في الرياض النضرة 1: 20 راجع الغدير ج 10 ص 118.

[1]. ضبط العبارة على نقل صحيح مسلم ج 1 ص 395 و سنن البيهقي ج 7 ص 206- على ما حكاه الغدير ج 6 ص 210- هكذا: كانتا متعتان على عهد رسول اللّه و انا أنهى عنهما و أعاتب عليهما متعة النساء. و الأخرى متعة الحج. و في شرح ابن ابى الحديد ج 1 ص 182 متعتان كانتا على عهد رسول اللّه و انا محرّمهما و معاقب عليهما متعة النساء و متعة الحج.

[2]. أقول: في الوسائل ج 8 ح 25 من أبواب أقسام الحج: محمد بن على بن الحسين قال: نزلت المتعة على النبي عند المروة بعد فراغه من السعى فقال: ايها الناس هذا جبرئيل- و أشار بيده الى خلفه- يأمرني أن آمر من لم يسق هديا ان يحلّ و لو استقبلت من امرى ما استدبرت لفعلت كما أمرتكم و لكنّي سقت الهدى و ليس لسائق الهدى ان يحلّ حتّى يبلغ الهدى محلّه فقام إليه سراقة بن مالك بن جعشم (خثعم) الكناني فقال: يا رسول اللّه علّمنا ديننا فكأنّما خلقنا اليوم أ رأيت هذا الذي أمرتنا به لعامنا هذا أو للأبد؟ فقال رسول اللّه (ع): لا بل لا بد الأبد و انّ رجلا قام فقال: يا رسول اللّه نخرج حجّاجا و رؤسنا تقطر؟ فقال: انّك لن تؤمن بهذا ابدا.

[3]. في الوسائل ب 21 من أبواب الإحرام ح 7 عن الحلبي عن ابى عبد إله قال: انّ عثمان خرج حاجّا فلمّا صار الى الأبواء أمر مناديا ينادى بالناس: اجعلوها حجّة و لا تمتّعوا فنادى المنادي فمرّ المنادي بالمقداد بن الأسود فقال. فلما انتهى المنادي الى على (عليه السلام) و كان عند

178

فهل لم تكن هذه من الضروريّات أو كانت ضرورية الّا انّ الامام (عليه السلام) كان في تقيّة من الحكم بالكفر أو انّ الحكم مع كونه ضروريا الّا انّه غير موجب للكفر لكونه حكما عمليّا و الموجب للكفر هو إنكار الضروري من الأصول أو غير ذلك، وجوه و احتمالات؟

و الحق انّ المتعتين تعتبران من ضروريات المذهب- اى مذهب الشيعة- لا من ضروريات الدين و هذا غير مستلزم للتكذيب و إنكار الرسالة كما في كلّ ضروري كان قابلا لان يأوّله أحد أو يرى فيه مجالا لإعمال الرأي و النظر بل و إنكاره من رأس أو الاعتذار بكونه حكما موقّتا زال وقته و انقضى اجله فان ما كان كذلك و ان كان ضروريّا الّا انّه ضروريّ في حوزة محدودة لا في حوزة الإسلام و إنكار ضروري الإسلام هو الذي يوجب الكفر و الخروج عن الدين و يشهد على هذا تصريح عثمان بأنّ هذا رأي رأيته الظاهر في انّه كان يرى في ذلك مجالا للرأي و الاجتهاد و يحتمل انّه كان تصرّفه من باب حكومة الحاكم بزعمه حيث كان عثمان في ذاك الوقت متصدّيا للخلافة الإسلاميّة و عاهلا لحوزة المسلمين.

و صفوة القول هنا انّه قد يكون الضروري بحيث يتّفق عليه كلمة المسلمين على اختلاف شعبهم و كثرة اغصانهم فهذا هو الذي يقتضي إنكاره التكذيب و يترتّب عليه الحكم بالكفر و النجاسة كوجوب الصلاة و صوم شهر رمضان و قد لا يكون كذلك بل هو في حدّ يمكن ان يذعن به تابعوا مذهب و ينكره الآخرون كما في قضيّة المتعتين، و إنكار هذا القبيل من الضروريّ الذي‌

____________

ركائبه يلقمها خبطا و دقيقا فلمّا سمع النداء تركها و مضى الى عثمان و قال: ما هذا الذي أمرت به؟ فقال: رأي رأيته فقال: و اللّه لقد أمرت بخلاف رسول إله (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ثمّ أدبر مولّيا رافعا صوته: لبيك بحجّة و عمرة معا لبيك.

179

يكون ضروريّا في اطار خاصّ و حوزة محدودة غير موجب للتكذيب فلا يترتب على إنكاره الحكم بالكفر. [1]

كلمة في معيار الضروريّ

بقي الكلام هنا في ملاك الضروريّ- و لا بد من معرفته و تميّزه عن غيره كي لا يتبادر بتكفير مسلم أو الحكم بإسلام من خرج عن الإسلام- فنقول: انّه ليس له اصطلاح خاصّ وراء اصطلاحه الجاري في المنطق فأهل المنطق قسّموا القضايا الى قسمين: نظرية، و ضرورية.

و الأولى: هي ما يحتاج إثباته إلى دليل و برهان و لا يمكن التصديق به بدون ذلك نظير قولنا: العالم حادث. فإنّه مترتّب على تشكيل قياس و ترتيب صغرى و كبرى حتّى يحصل الجزم به و الحكم بحدوث العالم.

و امّا الثانية: أعني الضرورية من القضايا فهي ما لا حاجة في إثباته إلى ترتيب قياس و اقامة دليل و برهان، مثل قولنا: النّار حارّة و على هذا فكلّ حكم اعتقاديّ أو عمليّ في الإسلام الذي لا حاجة لنا في إثبات كونه من الإسلام و انّه من برامجه الى دليل فهو ضروريّ نظير الصلاة بل و مثل الختان فإنّه في الشريعة الإسلامية من الأمور الّتي صارت ضرورية الثبوت يعلم كلّ من دخل في حوزة الإسلام بل و غير المسلمين ايضا انه من دين النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و من‌

____________

[1]. يؤيّد ما افاده دام ظلّه العالي كلام المحقق القمي في القوانين و إليك نصّه: اعلم انّ ضروريّ الدين كما يستلزم إنكاره الخروج عن الدين فضرورىّ المذهب ايضا يستلزم إنكاره الخروج عن المذهب، و هنا دقيقة لا بدّ ان ينبّه عليها و هو انّ ضروريّ الدين قد يختلف باعتبار المذهب فيشتبه ضروريّ الدين بضروريّ المذهب كما لو صار عند الشيعة وجوب مسح الرحلين ضروريّا عن النبي فإنكاره من الشيعة إنكار لضروريّ الدين بخلاف مخالفيهم فتأمل انتهى كلامه.

180

خصائص المسلمين يتردّدون في إسلام من لم يكن مختونا أو يحكمون بكفره فالمسلم و غير المسلم يعلم شدّة اهتمام الشارع على هذه السّنّة و لهذا قد يتّفق أنّ المسيحي يريدان يعتنق الإسلام فيحاسب نفسه أوّلا انّه يمكنه التسليم حذاء اجراء هذه السنّة القطعية عليه فحينئذ يتشرّف بقبول الإسلام و اعتناقه أم لا يمكنه ذلك و لا يرى من نفسه التّهيّؤ للختان و يثقل عليه ذلك فهناك يرجع و ينصرف عمّا اراده من قبول الإسلام.

181

الكلام في الارتداد و أحكام المرتدّ

ثمّ انّ المسلم المقرّ بكلمة الإسلام أي الشهادتين لو أقرّ على نفسه بالخروج عن الإسلام أو تفوّه بكلمة كاشفة عن عدم اعتقاده بما وجب الاعتقاد به ضرورة، أو اتى بما ينافي اعتناقه بالإسلام، مثل انّه أحدث في المسجد الحرام أو القى المصحف الشريف في المقذر فإنّه يرتدّ بذلك و من هذا الباب الاستهزاء بالإسلام أو بشي‌ء من مسلّماته أو الاستهانة بمقدّساته كسبّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، و على الجملة فالارتداد هو قطع الإسلام و تركه و الخروج من الملّة و اختيار الكفر بقول ينافي الإسلام أو فعل يناقضه بشرط ان يكون ذلك عن قصد و اختيار.

و قد ظهر ممّا ذكرنا انّ المرتدّ هو من خرج عن الإسلام و اختار الكفر بعد ما كان مسلما. و هو على قسمين: الفطريّ، و الملّيّ.

182

و الأوّل: هو من كان احد أبويه مسلما حال انعقاد نطفته ثمّ أظهر الإسلام بعد بلوغه ثمّ ارتدّ و خرج عن الإسلام.

و الثاني: هو من كان أبواه كافرين حين انعقاد نطفته ثمّ أظهر الكفر بعد بلوغه فصار كافرا ثمّ أسلم ثمّ عاد الى الكفر.

ثمّ انّ المرتدّ لو كان فطريّا يجب قتله و يقسم أمواله التي كانت له حين ارتداده بين ورثته المسلمين و امّا الأموال الّتي يكتسبها بعد ذلك أي في حين كفره ففي دخولها في ملكه خلاف و كذلك تبين منه زوجته في الحال و ينفسخ نكاحها بلا حاجة الى طلاق و عليها ان تعتدّ عدة الوفاة، و لو تاب فالتوبة و ان كانت مقبولة عنه، الّا انّها لا تنفع لرفع حكم القتل، و لا في رجوع ماله اليه، و لا في رجوع زوجته اليه. و هل يجوز له نكاحها بعقد جديد أم لا؟ اختلف الاعلام في ذلك فبين قائل بالجواز و بين قائل بالمنع، و الظاهر انّه يجوز ذلك، هذا في الرجل.

و امّا المرأة فلو ارتدّت بقيت أموالها على ملكها و لا تنتقل عنها الى ورثتها الّا بالموت و ينفسخ نكاحها بانقضاء العدّة سواء كانت فطريّة أو مليّة كما انّها لا تقتل مطلقا بل تحبس و تضرب أوقات الصلاة و يدام عليها السجن حتى تتوب أو تموت.

و امّا المرتدّ عن ملّة فلا تنتقل أمواله إلى ورثته الّا بالموت كما انّه لا يقتل إلّا إذا تكرّرت منه الردّة، و امّا زوجته فانّ فسخ نكاحها موقوف على انقضاء العدة بلا توبة الّا ان يكون الارتداد قبل الدخول فإنّه يقع الانفساخ في الحال، هذا.

و قد علمت ممّا ذكرنا انّ للمرتد أحكاما خاصة في نفسه و ماله و زوجته كما انّ لمطلق الكافر أيضا أحكاما مثل نجاسة بدنه و كونه مهدور الدم الّا ان‌

183

يكون كتابيا في ذمّة الإسلام مواظبا على آدابها و شرائطها- فإنّ ماله محترم و دمه محقون- و كذا غير الكتابي الذي إجارة المسلم.

كلمة في ولد المرتدّ

ثمّ انّا قد ذكرنا سابقا انّ ولد الكافر ملحق به الّا في موارد تعرّضنا لها فحينئذ تصل النوبة إلى البحث في انّ ولد المرتدّ هل يلحق بالمرتدّ في أحكامه أيضا أم لا؟

أقول: من الواضح انّ ولد المرتدّ من حيث هو ليس بمرتدّ لانّ المرتدّ هو من كان مسبوقا بالإسلام ثم ارتدّ و خرج عنه بالردّة قولا أو فعلا و هذا التعريف لا يصدق عليه الّا انّه لو انعقدت نطفته في حال ارتداد الأبوين فإنّه لا محالة يكون الولد- على ما ذكرنا من أدلّة التبعية- نجسا و يترتّب عليه أحكام الكفر، امّا لو كان علوق الولد و انعقاد نطفته قبل ارتداد هما أي في حال إسلامها، ثم بعد ذلك حصل لهما الارتداد، فلا يلحق بالكفّار إجماعا لاقتضاء شرف الإسلام و علوّه و سموّه لحوقه بالمسلمين فهو وارث مسلم لهما سواء كان تولّده في حال الارتداد أو عرض الارتداد بعد ذلك ايضا و هذا كلّه في ارتداد كليهما و امّا لو ارتدّ أحدهما فالولد ملحق بالمسلم منهما و ان كان العلوق حال الارتداد- لشرف الإسلام فإنّه يقتضي إلحاقه به كما ذكرنا ذلك سابقا. [1]

____________

[1]. أقول انّ سيّدنا الأستاد الأكبر دام ظله قد تعرّض لاحكام المرتدّ في هذا المقام عابرا لكنه دام بقاه قد تعرّض لاستدلاتها تفصيلا عند البحث عن المرتد في الحدود و قد قرّرناها تفصيلا في كتابنا: الدّرّ المنضود في أحكام الحدود و قد طبع المجلّد الأوّل منه بحمد اللّه و منّه.

184

تنبيهات:

ثم انّ ههنا أمورا ينبغي التعرض لها:

أحدها انّ الفقيه الهمداني (رضوان اللّه عليه) ادّعى انصراف الإجماعات القائمة على نجاسة الكافر الى غير المرتدّ منهم، فإنّه عند البحث عن كفر النواصب قال: فمتى حكمنا بكفرهم هل يثبت بذلك نجاستهم أم لا؟ فيه تردّد نظرا الى انّ عمدة مستنده الإجماع، و ربّما يتأمل في تحقّقه على نجاسة كلّ كافر نظرا الى انصراف معاقد الإجماعات المحكيّة و كلمات المجمعين الى غير المرتدّ انتهى كلامه رفع مقامه.

و هذا عندنا غير وجيه فانّ الانصراف الذي ادّعاه انصراف بدويّ يزول بأدنى تأمّل و أقلّ توجّه و التفات. و هذا نظير انصراف طهارة الملح الى الملح المتداول المتعارف الذي كان من بدو الأمر و من حين نشئه ملحا، و انصرافها عمّا إذا كان كلبا فصار ملحا في المملحة فإنّ هذا الانصراف ابتدائي و يزول بالتوجّه و الالتفات إلى إمكان تبدّل الكلب في المملحة ملحا و هناك يقطع بعدم الفرق بين القسمين من الملح، و الحاصل انّه لا فرق في الحكم بنجاسة الكافر بين ما إذا كان كافرا أصليّا غير مسبوق بالإسلام و بين ما إذا كان كفره مسبوقا به اعنى المرتدّ.

ثانيها: في ميزان ثبوت الرّدة فنقول انّها تثبت بالشاهدين أو الإقرار و لا تثبت بغير ذلك و تفصيل هذه المطالب موكول الى كتاب الشهادات و الحدود.

ثالثها: انّه لو علم أحد، ارتداد شخص بان سمع منه كلمة الردّة مثلا يجوز له قتله ان لم يخف على نفسه، و يعامله معاملة النجس و مع ذلك فلو قتله فعليه إثبات ارتداده بطريق شرعي و انّ قتله له كان بذلك السبب لا لجهة أخرى و لو قتله و لم يتمكّن من إثبات ذلك يقتل لانّه قتل من لم يثبت كونه مهدور الدم.

لا يقال: انّ النبي مع علمه بارتداد بعض الناس لم يقتلهم.

185

لأنّا نقول انّ الملاك هو العلم بالطريق العادي لا المستفاد من طرق غير جليّة كالوحي مثلا.

كلمة حول المنافقين

ثم انّك قد علمت ممّا ذكرنا مرارا انّ المعيار في الحكم بإسلام أحد هو الإقرار بالشهادتين و انّهما تمام حقيقة الإسلام مشروطا بعدم إبراز ما يخالف الإسلام و الّا فهو محكوم بالكفر و الارتداد و أمضينا ايضا انّ المنافقين كانوا محكومين عليهم بحكم الإسلام و كان النبي يعاملهم معاملة المسلمين لأنّهم أظهروا الشهادتين و أقرّوا بكلمة الإسلام و ان كانوا مضمرين للكفر.

و قد أورد علينا بعض شركاء مجلس الدرس بأنّهم و ان أقرّوا بالشهادتين لكنّهم ابرزوا مخالفتهم للإسلام و انّهم بصدد استهزاء المؤمنين كما نصّ على ذلك القرآن الكريم حيث يقول وَ إِذٰا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قٰالُوا آمَنّٰا وَ إِذٰا خَلَوْا إِلىٰ شَيٰاطِينِهِمْ قٰالُوا إِنّٰا مَعَكُمْ إِنَّمٰا نَحْنُ مُسْتَهْزِؤُنَ. (1) فانّ قولهم لزملاءهم و شياطينهم: (انّا معكم) و كذا قولهم: (انّما نحن مستهزءون) مخالف لإقرارهم بالشهادة، و رجوع عن الإسلام، و كان اللازم على ما ذكر من المبنى و المعيار في الارتداد ان يحكم النبي بارتداد هم و كفرهم، مع انّه لم يحكم بذلك بل كان يعاشرهم و يجالسهم.

و فيه انّ الحكم بالارتداد أو القتل و أمثال ذلك- نظير باب القضاء- تابع لموازين خاصّة و قواعد و معايير مضبوطة لا يتجاوزها بل يدور مدارها نفيا و إثباتا فترى انّ النبيّ الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله) سلّم يقول: (إنّما أقضي بينكم‌

____________

(1). سورة البقرة الآية 14.

186

بالبيّنات و الايمان) (1) و كان يقضى بين الناس على حسب هذه الموازين العادلة اى بمقتضى بيّنة المدّعى، و الّا فيمين المدّعى عليه، مع انّه كان عالما بحقيقة الأمر و متن الواقع، لكنّه كان لا يعمل بعلمه المأخوذ من الغيب و لم يكن مأمورا أن يعامل المترافعين معاملة الواقعيّات و الحكم بين الناس بحكم داود على نبيّنا و آله و (عليه السلام) و الأمر فيما نحن فيه ايضا كذلك فانّ الملاك في الحكم بالارتداد و الكفر هو إظهار الرّدة و إتيان كلمة الكفر عيانا أو بمثبت شرعيّ و امّا إتيانها خفاء و العلم بذلك بطريق الوحي فلم يعتبر ذلك سببا للحكم بالكفر و الارتداد.

و ما نحن فيه كان من هذا القبيل فانّ المنافقين قد أقرّوا بتوحيد اللّه و رسالة محمّد (صلّى اللّه عليه و آله)، و هم و ان خالفوا ذلك لكن مخالفتهم كانت في الخفاء و عند شياطينهم و في أندية زملائهم مع احتفاظهم جدّا على ظاهر الأمر فكانوا على ظاهرهم مسلمين و مقرّين في مجامع أهل الإيمان بالشهادتين و انّما علم النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) بما أتوا في الخفاء بعلمه الخاصّ الذي أشرق و أفيض عليه من أفق الغيب، و ليس هو الملاك و المعيار في الحكم بالكفر، فلذا كان يعاملهم على حسب ظاهرهم الذي هو الإسلام.

و هذا الحكم بعد ايضا كذلك فلو أقرّ شخص بالإسلام، ثمّ انّه قال بكلمة الرّدّة في الخفاء، و لم يبرز منه الّا الإسلام و الاعتناق به، و لم يتفوّه بشي‌ء يخالفه، فهو مسلم عندنا.

و يؤيّد ما ذكرنا انّه في عصر النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) ربما كان واحد منهم يقول بشي‌ء يخالف الإسلام و بعد ما يؤاخذه النبي على ذلك ينكره‌

____________

(1). وسائل الشيعة ج 18 ص 169 ب 2 من أبواب كيفيّة الحكم ح 1 و باقي الحديث ايضا شاهد للبحث فراجع.

187

أشدّ الإنكار و كان النبي يقبل منه هذا الاعتذار و الإنكار، و لأجل هذا و أشباهه سمّوه إذنا قال اللّه تعالى يَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ. [1]

____________

[1]. سورة التوبة الآية 61: أقول ولي في الاستشهاد بالآية الكريمة على ما افاده سيّدنا الأستاد الأكبر دام ظلّه العالي نظر و تأمّل حيث انّه تعالى يقول: بعد ذلك

يُؤْمِنُ بِاللّٰهِ وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَ رَحْمَةٌ لِلَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ

.

188

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

189

الكلام حول كفر الخوارج و النواصب

قد علمت انّهم حكموا بكفر من أنكر الضروريّ مع الانتماء إلى الإسلام أيضا و انّهم مثّلوا بالخوارج و أشباههم فراجع عبارة المحقّق في الشرائع المذكورة من قبل. و قد علمت ايضا انّا ذكرنا تبعا لعلم التحقيق الشيخ المرتضى (قدّس سرّه) بان كفر هؤلاء ليس من باب إنكار الضروريّ بل هم كافرون بعنوانهم الخاصّ فالمناسب هنا ان نتعرّض للخوارج و النواصب حكما و موضوعا. فنقول: دلّت الرّوايات الكثيرة على كفر الخوارج و النواصب، و انّهم كافرون بعنوانهم الخاص، و قد جمعها الفقيه الهمداني (قدّس سرّه).

منها ما أرسل عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) انّه قال في وصف الخوارج:

انّهم يمرقون من الدّين كما يمرق السهم من الرميّة. (1)

____________

(1). بحار الأنوار ج 33 ص 325.

190

و ظاهرها كفرهم مطلقا سواء كان عن علم أو عن جهل مركّب.

و منها رواية الفضل قال: دخل على ابى جعفر (عليه السلام) رجل، محصور عظيم البطن فجلس معه على سريره فحيّاه و رحّب به فلمّا قام قال: هذا من الخوارج كما هو قال: قلت مشرك؟ فقال: مشرك و اللّه مشرك.

و المراد من المشرك هو الكافر و قد مرّ ذلك الخبر في أوائل الكتاب.

و في الزيارة الجامعة: و من حاربكم مشرك.

و منها ما عن الكافي: عن بعض أصحابنا عن ابن ابى جمهور عن محمّد بن قاسم عن ابن ابى يعفور عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا تغتسل من البئر الّتي تجتمع فيها غسالة الحمّام فانّ فيها غسالة ولد الزنا و هو لا يطهر إلى سبعة آباء و فيها غسالة الناصب و هو شرّهما انّ اللّه لم يخلق خلقا شرّا من الكلب و انّ الناصب أهون على اللّه من الكلب. (1)

و ذيل هذا الخبر دالّ على المطلوب، و امّا عدم العمل بصدره الدّالّ على نجاسة ولد الزنا فهو غير ضائر بذلك.

و منها رواية القلانسي قال: قلت لأبي عبد اللّه ألقى الذميّ فيصافحني قال:

امسحها بالتّراب أو بالحائط قلت: فالناصب؟ قال: اغسلها. (2)

و منها مرسلة الوشّاء عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) انّه كره سؤر ولد الزنا و اليهوديّ و النصرانيّ و المشرك و كلّ من خالف الإسلام و كان أشدّ ذلك عنده سؤر الناصب. (3)

و منها مرسلة علىّ بن الحكم عن رجل عن ابى الحسن (عليه السلام) في‌

____________

(1). الكافي ج 3 ص 14 باب ماء الحمّام. ح 1.

(2). جامع أحاديث الشيعة ج 2 ص 113 ب 13 من النجاسات ح 3.

(3). جامع أحاديث الشيعة ج 2 ص 53 ب 1 من أبواب الأسئار ح 4.

191

حديث انّه قال: لا تغتسل من غسالة ماء الحمّام فإنّه يغتسل فيه من الزنا و يغتسل فيه ولد الزنا و الناصب لنا أهل البيت و هو شرّهم. (1)

و منها موثّقة عبد اللّه بن ابى يعفور عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: و إيّاك ان تغتسل من غسالة الحمّام ففيها تجتمع غسالة اليهوديّ و النصرانيّ و المجوسيّ و الناصب لنا أهل البيت و هو شرّهم فانّ اللّه تبارك و تعالى لم يخلق خلقا أنجس من الكلب و انّ الناصب لنا أهل البيت لأنجس منه. (2)

نعم أورد بعض على الاستدلال بهذه الروايات مناقشات بعضها راجع الى السند، و بعضها إلى الدلالة.

امّا الأوّل: فهو انّ تلك الأخبار مرسلة، أو ضعيفة السند، فكيف يعتمد عليها و يستدلّ بها؟

و فيه انّها و ان كانت كذلك لكنّها منجبرة بعمل الأصحاب فإنّ عملهم على طبقها و ان لم يكونوا يستندون إليها، هذا مضافا الى انّ بعضها كرواية ابن ابى يعفور موثّقة.

و امّا الثاني: أي ما هو راجع الى دلالتها فأمور:

منها ذكر ولد الزنا في بعض هذه الروايات مع الناصب و قرينا له، و هذا يشهد بأنّ الناصب ليس نجسا اصطلاحيّا، لانّ ولد الزنا لم يحكم بنجاسته قطعا، بل المراد من نجاسته الخباثة الذاتية.

و فيه انّه لا يرفع اليد عن ظاهر ما دلّ على النجاسة بمجرّد خروج مورد عنه المعلوم خروجه بالقرائن الخارجية.

و منها انّه كيف يمكن الحكم بكفرهم مع انّه ثبت و تحقّق معاشرة‌

____________

(1). جامع أحاديث الشيعة ج 2 ص 51.

(2). جامع أحاديث الشيعة ج 2 ص 49 ح 12.

192

أصحاب الأئمة و مخالطتهم لهم طيلة أعوام كثيرة بل و معاشرة الأئمة (عليهم السلام) بأنفسهم معهم و عدم تحرّزهم عنهم كما هو ظاهر جدّا لمن سبر الاخبار و راجع التواريخ و الآثار.

لا يقال: انّ هذه الأمور صحيحة غير قابلة للإنكار الّا انّها كانت لأجل التقيّة.

لأنّا نقول: الحمل على التقيّة على مرّ العصور الكثيرة و الأزمان الطويلة بعيد جدّا لا سيّما بالنسبة إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فإنّه كان يجالس سواد الناس و عامتهم و يعاشرهم، مع انّه كان فيهم من كان يبغض عليّا (عليه السلام) كبعض زوجاته و نسائه، أ لم يكن من الواضحات المسلّمات أنّ عائشة كانت مبغضة له (عليه السلام) شديدا؟ بل و كانت تظهر بغضها له و تعلن ذلك خصوصا بعد قضيّة الافك و مع ذلك فقد نقل اغتسال النبي معها في إناء واحد و على الجملة فبقي الإشكال- أي إشكال معاشرة الأئمة و أصحابهم مع النواصب مثلا- بحاله.

و أجاب عنه علم التقى شيخنا المرتضى (قدّس سرّه الشريف) بأنّ الحكم بنجاسة الناصب يمكن ان يكون مثل كثير من الأحكام قد انتشر في زمن الصادقين (عليهما السلام) بعد ما لم يكن ظاهرا الى زمانهما، و كان مخزونا في خزانة علوم الأئمة الطاهرين المعصومين و حيث انّ المسلمين لم يكونوا عالمين بكفرهم فكانوا يعاملون معاملة الطهارة، هذا بالنسبة إلى الأصحاب و امّا بالنسبة إلى النبيّ و الأئمة فمخالطتهم و معاشرتهم مع هؤلاء النواصب بحيث يكشف عن طهارتهم فغير ثابتة و لم يعلم ذلك أصلا.

و لنا عن الاشكال المزبور جواب آخر و لعلّه أظهر ممّا افاده (قدّس سرّه).

تحقيقه انّ عداوة المبغضين لأمير المؤمنين (عليه السلام) على قسمين‌

193

إحداهما: العداوة الشخصيّة بالنسبة إليه مثل ان يبغضه حسدا له لكونه حليف النصر يفتح اللّه على يديه في الحروب و المغازي دون غيره أو لكونه صهرا لرسول اللّه و زوجا لابنته الصدّيقة دون غيره أو لأنّه قاتل ولده أو أبيه أو أخيه و عشيرته أو غير ذلك من الأسباب المورثة للعداوة.

ثانيتهما: العداوة الدينيّة كان يبغضه تبريا منه جاعلا ذلك امرا دينيّا يتعبّد و يتديّن به و يتقرّب الى اللّه تعالى بذلك و أمر الثاني في غاية الصعوبة و الاشكال و هو الكفر حقيقة.

و يشهد على ما ذكرنا انّه كان الامام علىّ (عليه السلام) قد يلقى الى خواصّ أصحابه الأسرار و المغيبات و يخبرهم بأنّه سيعرض عليهم بعض الطواغيت البراءة منه (عليه السلام) و سبّه و كان يأمرهم بان يسبّوه اتّقاء منهم كيلا يصيبهم منهم الفتنة و لكنه كان ينهاهم عن البراءة عنه [1] و هم (رضوان اللّه عليهم) عاهدوه على عدم التبرّيّ منه و قد انجزوا هذا الوعد و صدقوا ما عاهدوه عليه و قتلوا و صلبوا ثابتين على ولايته.

و على الجملة فالنوع الأخير من هذين هو الموجب للكفر و النجاسة و امّا الأوّل فلا و لم يثبت انّ بغض من عاشرهم المسلمون و خالطهم النبيّ و الأئمة (عليهم السلام) من المخالفين و المبغضين كان من القسم الأخير حتّى عداوة مثل‌

____________

[1]. أقول: فمن كلام له (عليه السلام): امّا انّه سيظهر عليكم بعدي رجل رحب البلعوم مندحق البطن يأكل ما يجد و يطلب ما لا يجد فاقتلوه و لن تقتلوه الا و انّه سيأمركم بسبي و البراءة منيّ فأمّا السب فسبّوني فإنّه لي زكاة و لكم نجاة و امّا البراءة فلا تبرّأوا «فلا تتبرّوا» منّي فإنّي ولدت على الفطرة و سبقت الى الايمان و الهجرة نهج البلاغة، و وسائل ج 11 ب 6.

و عن ميثم النهرواني قال: دعاني أمير المؤمنين علىّ بن ابى طالب (عليه السلام) و قال: كيف أنت يا ميثم إذا دعاك دعيّ بنى أميّة عبيد اللّه بن زياد الى البراءة منّى؟ فقلت يا أمير المؤمنين انا و اللّه لا ابرء منك قال: إذا و اللّه يقتلك و يصلبك قلت: اصبر فذاك في اللّه قليل فقال: يا ميثم إذا تكون معي في درجتي الوسائل ج 11.

194

عائشة أيضا لم يتحقّق كونها من باب التديّن بها [1] بل عداوة المبغضين لهم غالبا كانت ناشئة من أغراض شخصيّة و جهات ماديّة دنيويّة كحبّ الملك و الجاه.

و الخوارج بمعناها المصطلح لم يكونوا في زمن النبي بل وجدوا و تشكلوا بعد واقعة التحكيم بصفيّن قائلين لا حكم الّا للّه، و اعتقدوا أنّ إقدام الامام على تحكيم الحكمين و قبول ذلك موجب لخروجه عن الدين و شركه باللّه تعالى و بعد واقعة نهروان لم يكونوا يظهرون العداوة له (عليه السلام).

و على الجملة فالخوارج [2] هم الطائفة الملعونة و الفئة الخبيثة المعهودة الذين كانوا يكفّرون بالذنب و قد خرجوا على أمير المؤمنين في صفّين و كذا كلّ من اعتقد بما أعتقده هذه الطائفة الكافرة من كفر الامام و استحلال قتاله و دمه كما انّ المتيقّن من الناصب هو العدوّ لآل محمّد (ع) و أهل البيت مع إظهار عداوته عداوة دينيّة لا كلّ اصطلاحاته [3] فإنّه على ما قاله الفاضل المقداد (رضوان اللّه عليه) يطلق على خمسة أوجه و إليك كلامه بلفظه: قيل في تعريف الناصب وجوه:

____________

[1]. أقول: معذرة إلى سيّدنا الأستاد الأكبر دام ظله حيث انّ هذا محلّ التأمل فإنّ معاوية مثلا كان يقول في قنوت صلاته اللّهم ان أبا تراب الحد في دينك. و كم له نظير تلك الكلمات الاثيمة و يؤيّد ما ذكرنا من الإشكال مكالمة حدثت بين الحسين (عليه السلام) و معاوية حيث انّ معاوية بعد ان قتل حجرا و أصحابه حجّ في ذاك العام فلقي الحسين فقال: يا أبا عبد اللّه هل بلغك ما صنعنا بحجر و أصحابه و أشياعه و شيعة أبيك؟ فقال: و ما صنعت بهم؟ قال: قتلنا هم و كفّنّاهم و صلّينا عليهم فضحك الحسين ثم قال: خصمك القوم يا معاوية لكنّا لو قتلنا شيعتك ما كفنّاهم و لا صلّينا بهم و لا قبرناهم. احتجاج الطبرسي فتأمّل.

[2]. قال العلّامة في التذكرة ج 1 ص 454: امّا الخوارج فهم صنف مشهور من المبتدعة يعتقدون تكفير أصحاب الكبائر و استحقاق الخلود في النار بها كشرب الخمر و الزنا و القذف و يستحلّون دماء المسلمين و أموالهم الّا من خرج معهم و طعنوا في علىّ و عثمان و لا يجتمعون معهم في الجمعات و الجماعات. و عندنا ان الخوارج كفار.

[3]. قال: دام ظله العالي: و ان كان مقتضى وجوب مودّتهم المستفاد من آية القربى و غيرها حرمة بغضهم و منافاة ذلك للدين مطلقا و على اىّ وجه كان.

195

1- انّه الخارجي الذي يقول في على (عليه السلام) ما قال.

2- انّه الذي ينسب الى أحد المعصومين (عليهم السلام) ما يثلم العدالة.

3- من إذا سمع فضيلة لعليّ (عليه السلام) أو لغيره من المعصومين أنكرها.

4- من اعتقد أفضليّة غير علىّ (عليه السلام) عليه.

5- من سمع النصّ على علىّ (عليه السلام) من النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) أو بلغه تواترا أو بطريق يعتقد صحّته فأنكره.

و الحقّ صدق النصب على الجميع، امّا من يعتقد امامة غيره للإجماع أو لمصلحة و لم يكن من أحد الأقسام الخمسة فليس بناصب. انتهى. (1)

و على الجملة فالمتيقّن من الإجماعات في الإطلاقات هو المتديّن بعداوته و قد فسّر في القاموس النواصب بذلك قال: و النواصب و الناصبيّة و أهل النصب المتديّنون ببغضه علىّ لأنّهم نصبوا له اى عادوه انتهى. و استوجهه صاحب الجواهر (رضوان اللّه عليه). و لو كان المقصود من الخوارج أو النواصب مطلق المبغضين لأمير المؤمنين و كلّ من كان عدوّا له (عليه السلام) لأشكل الأمر فيما حكى من المعاشرة معهم و الحال انّ الاخبار دالّة على كفرهم و الإجماع قائم على ذلك و بذلك يتّضح ما ذكرنا من انّ عداوة الناس و بغضهم لعلىّ (عليه السلام) لم تكن من هذا الباب بل كانت للمعارضة في الملك و لأغراض شخصية و إنظار ماديّة قادتهم الى ذلك فكان فلان يطرد عليّا عن الخلافة مستدلّا و معتذرا بأنّه شابّ لم يمض من عمره حين وفات النبي أعوام كثيرة و حداثة سنّه توجب ان لا يطيعه الناس و لا ينتظم أمر الأمّة و انّ أبا بكر شيخ كبير عاش عمرا بين الناس يقبله عامّة الناس و يوقّرونه أو انّ عليّا (ع) قتل آباءهم و إخوانهم فلم يرتضوا بخلافته.

و قد نقل عن بعض علماء أهل السنة انّه قال: انّه صحّ ما قاله النبي (ع)

____________

(1). التنقيح الرائع لمختصر الشرائع ج 2 ص 421.

196

في فضائل على و مناقبه الّا انّ المتصدّين لأمر الخلافة قبله كانوا انسب لإدارة أمور الناس الى غير ذلك من الأعذار الفاسدة و الدّعاوي الواهية الّتي هي أوهن من بيت العنكبوت وَ إِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كٰانُوا يَعْلَمُونَ.

ان قلت: فما تصنع بما قاله الإمام أبو جعفر (عليه السلام): ارتدّ الناس بعد رسول اللّه الّا ثلاثة نفر سلمان و أبو ذر و المقداد. [1]

نقول: انّ هذا الارتداد ليس هو الارتداد المصطلح الموجب للكفر و النّجاسة و القتل، بل الارتداد هنا هو نكث عهد الولاية، و نوع رجوع عن مشى الرسول الأعظم، و عدم رعاية وصاياه، و لو كان المراد منه هو الارتداد الاصطلاحي لكان الامام (عليه السلام)- بعد ان تقلّد القدرة و تسلّط على الأمور- يضع فيهم السيف و يبدّدهم و يقتلهم من أوّلهم إلى آخرهم خصوصا بلحاظ أنّ توبة المرتدّ الفطري لا تمنع قتله و لا ترفعه بل يقتل و ان تاب.

فتحصّل من جميع ما ذكرناه انّ إطلاق النواصب و الخوارج لا يشمل كلّ من كان له عداوة بأيّ ألوانها بل المسلّم منها العداوة الدينية و اتّخاذها دينا لنفسه يتقرب بها الى اللّه سبحانه. و هذه الفرقة الملعونة مع تلك العقيدة المشئومة قليلة جدّا اعتبروا أعداء لآل محمد صلّى اللّه عليهم أجمعين و بهذا يعدّون من المنكرين لضرورة إسلامية و لا مجال للتّرديد و الارتياب في كفرهم و نجاستهم ابدا هذا و سيجي‌ء مزيد بيان لهذا في المباحث القادمة إنشاء اللّه تعالى.

____________

[1]. رجال الكشيّ ص 8 و ذيل ص 244 من الكافي ج 2، و ذيل الخبر هكذا: قال الراوي فقلت:

عمّار؟ قال: كان جاض جيضة ثم رجع.

197

الكلام حول الغلاة

من جملة الفرق الّتي حكموا بكفرهم الغلاة و هم الّذين يألّهون أمير المؤمنين أو أحدا من الأئمة [1] و بعبارة أخرى أنّهم الذين تجاوزوا الحدّ في الأئمة (عليهم السلام) المعتقدون بألوهيّتهم أو نبوّتهم.

و يظهر من كلام المحقّق (قدّس سرّه) المذكور سابقا في بيان ضابط الكافر انّ الغلاة من جملة المنتحلين إلى الإسلام و انّما السبب في كفرهم هو إنكارهم الضروريّ.

و لكنّ الذي يظهر و يستفاد من بعض انّه لا تعتبر الغلاة من المنتحلين الى‌

____________

[1]. كما قد وقع ذلك بالنسبة إلى وليّ اللّه و عبده الخالص أمير المؤمنين (عليه السلام) فاعتقد فيه فريق ذلك. لكنّي لم أعثر على من قال و اعتقد بذلك بالنسبة إلى غيره من الأئمة سوى الامام الصادق (عليه السلام) فقد قال المحقّق في المعتبر ص 5: انّه انتشر عنه من العلوم الجمّة ما بهر به العقول حتّى غلا فيه جماعة و أخرجوه إلى حدّ الإلهيّة.

198

الإسلام و انّ بينهم و بين العقيدة الإسلاميّة مباينة جوهريّة من أوّل الأمر.

و نحن نقول: ان كان المراد من الانتحال الإقرار بالشهادتين و التسليم لهما فمن المعلوم انّ عدة منهم لو لم يكن كلّهم لا يقرّون بذلك نعم يمكن توجيه عبارة المحقّق بأنّ المراد من الانتحال هو الانتساب بحسب الادّعاء فالغالى ينسب نفسه إلى الإسلام و يدّعى انّه مسلم [1] لا بإقراره بالشهادتين و الالتزام بلوازمهما.

لا يقال انّهم مقرّون بهما الّا انّهم يطبّقون- اللّه تعالى- على الامام علىّ (عليه السلام) قائلين انّه المصداق و المقصود.

لأنّا نقول: انّ هذه الشهادة لا تنفع شيئا و لا تعتبر شهادة في الحقيقة لأنّ المراد من «اللّه» الذي يذكر في الشهادة هو اللّه الواحد الأحد الذي بيده الخلق و له الأمر و اليه المرجع و المصير الذي يقرّ و يذعن به المؤمنون و يعتقده كافّة الموحّدين و ينكره الكافرون و اين هذا من الاعتقاد بربويّة أمير المؤمنين و كون (اللّه) هو علىّ (عليه السلام) أو اتّحاده معه أو حلوله فيه بل ليس هذا الّا الكفر المحض و الضلال العظيم لانّه لا ربّ الّا رب العالمين و لا إله الّا إله الخلق أجمعين.

و التحقيق انّ الاعتقاد بألوهيّة أمير المؤمنين و قصده من لفظ الجلالة كفر رأسا و موجب لعدم الإقرار بالشهادة أمّا اعتقاد الحلول فيه، أو الاتّحاد معه تعالى، مع ذكر الشهادتين فهو إنكار للضروريّ مع الانتحال إلى الإسلام. امّا إذا كان الغالي ناسبا الى علىّ (عليه السلام) صفة من صفات اللّه تعالى المختصّة به كالأحياء و الإماتة أو انّه لا تأخذه سنة و لا نوم أو قال بتفويض الأمور اليه مع كون‌

____________

[1]. قال السيد الأصفهاني (قدّس سرّه) في الوسيلة المحشّى بحاشية سيّدنا الأستاذ ج 3 ص 193:

مسئلة 7 لا يجوز للمؤمنة أن تنكح الناصب المعلن بعداوة أهل البيت (عليهم السلام) و لا الغالي المعتقد بألوهيّتهم أو نبوّتهم و كذا لا يجوز للمؤمن أن ينكح الناصبة و الغالية لأنّهما بحكم الكفار و ان انتحلا دين الإسلام.

199

اللّه بمعزل عنها فهذا كفر باللّه تعالى لنقض توحيد الأفعال بهذه الاعتقادات الفاسدة و التمويهات الكاسدة فانّ أزمّة الأمور كلّها بيد اللّه تعالى.

و لو قال الغالي و اعتقد بأنّ النبي أو الوصي أو الأئمة (عليهم السلام) ليسوا بشرا فهذا تكذيب للقرآن الكريم حيث يقول قُلْ إِنَّمٰا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحىٰ إِلَيَّ [1] و هذا صريح في انّ النبيّ الأعظم صلى اللّه عليه و آله و سلم الذي هو أفضل الخلائق كلّها ايضا بشر، الّا انّه كان في أعلى درجات الكمال حيث كان يوحى إليه فهو من هذه الحيثية نظير ما لو قال بأنّ مسيلمة نبيّ من أنبياء اللّه فإنّه تكذيب لقوله تعالى وَ لٰكِنْ رَسُولَ اللّٰهِ وَ خٰاتَمَ النَّبِيِّينَ (1) و لو فرض أنّ مسيلمة بحسب الذات كان قابلا و صالحا لذلك.

و الحاصل: انّه لو آل الأمر و انجرّ الغلوّ إلى إنكار الصانع تعالى أو الى إثبات شريك له أو الى نسبة صفة من صفات اللّه تعالى الّتي يجب الاعتقاد بها الى الغير أو الى تكذيب القرآن فلا محالة يوجب الكفر و النجاسة. و يستحقّ الغالي بذلك ما أعدّه اللّه للكافرين و قد كانت الأئمة (عليهم السلام) يتبرّأون منهم و يطردونهم و يعاقبونهم. [2]

____________

[1]. سورة الكهف الآية 110.

أقول: و هنا لطيفة لا يخلو ذكرها عن فائدة و هي انّ واحدا من تلامذة الأستاذ الأعظم دام ظلّه استشكل عليه في هذا اليوم- 21 ذي القعدة الحرام 1388 ه‍- و في هذا المقام اى عند انجرار البحث الى هذه المطالب و ذكر الأستاذ الآية الكريمة فقال معترضا عليه بأنّه فكيف ورد في القرآن الكريم

مٰا هٰذٰا بَشَراً إِنْ هٰذٰا إِلّٰا مَلَكٌ كَرِيمٌ

فأجابه سيّدنا الأستاذ دام ظله بداهة انّ هذا كلام النساء- نساء مصر- و هن قد قلن ذلك ما أنت و كلام النساء؟ و ضحك هو و الفاضل المستشكل و الجمّ الغفير الحاضرون.

[2]. أقول: فعن ابى عبد اللّه قال: اتى قوم أمير المؤمنين فقالوا السلام عليك يا ربّنا فاستتابهم فلم يتوبوا فحفر لهم حفيرة و أو قد فيها نارا و حفر حفيرة أخرى إلى جانبها و افضى بينهما فلمّا لم يتوبوا ألقاهم في الحفيرة و أو قد في الحفيرة الأخرى حتّى ماتوا الكافي ج 7 ص 257 و وسائل الشيعة

____________

(1). سورة الأحزاب الآية 40.

200

و امّا إذا كان الغالي مقرّا بالتوحيد بجميع مراحله و معانيه و لم يعتقد خلاف ضروريّ الإسلام، و ما هو ثابت بالقطع، فاعتقاد شي‌ء لم يكن صدوره من البشر محالا بل كان صدوره من الإنسان و لو في فرد منه الأوحديّ أو في فئة قليلة منه لا يوجب الكفر كما إذا اعتقد في النبيّ أو الأئمة (عليهم السلام) الحدّ العالي الذي هم عليه مثل ان اعتقد عدم سهوهم أصلا كما انّ كثيرا من العلماء قائلون‌

____________

ج 18 ص 552 ب 6 من أحكام المرتدّ ح 1.

و عن ابى جعفر و ابى عبد اللّه (عليهما السلام) انّ أمير المؤمنين (عليه السلام) لمّا فرغ من أهل البصرة أتاه سبعون رجلا من الزطّ فسلّموا عليه و كلّموه بلسانهم فردّ عليهم بلسانهم ثم قال: انّى لست كما قلتم آنا عبد اللّه مخلوق فأبوا عليه و قالوا أنت هو فقال لئن لم تنتهوا و ترجعوا عمّا قلتم في و تتوبوا الى اللّه لأقتلنّكم فأبوا أن يرجعوا و يتوبوا فأمر أن تحفر لهم آبار فحفرت ثم خرق بعضها الى بعض ثم قذفهم فيها ثم خمّر رؤوسها ثم ألهبت النار في بئر منها ليس فيه أحد منهم فيدخل عليهم الدخان فيها فماتوا. كافي ص 259 وسائل الشيعة ص 553.

و كان الامام الصادق (عليه السلام) يلعن الغلاة و يكفّرهم عموما و خصوصا و قال (عليه السلام) لمرازم: قل للغالية: توبوا الى اللّه فإنّكم فسّاق كفّار مشركون.

و قال (عليه السلام) له: إذا قدمت الكوفة فأت بشار الشعيري و قل له: يقول لك جعفر بن محمّد: يا كافر يا فاسق أنا بري‌ء منك. قال مرازم: فلمّا قدمت الكوفة قلت له: يقول لك جعفر بن محمّد: يا كافر يا فاسق يا مشرك أنا بري‌ء منك قال بشار: و قد ذكرني سيّدي؟ قلت: نعم ذكرك بهذا قال:

جزاك اللّه خيرا.

و لمّا دخل بشار الشعيري على ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال له: اخرج عنّى لعنك اللّه و اللّه لا يظلّنى و إيّاك سقف ابدا فلمّا خرج قال (عليه السلام): ويله ما صغّر اللّه أحدا تصغير هذا الفاجر انّه شيطان ابن شيطان خرج ليغوي أصحابي و شيعتي فاحذروه و ليبلّغ الشاهد الغائب انّى عبد اللّه و ابن أمته ضمّتنى الأصلاب و الأرحام و انّى لميّت و مبعوث ثم مسئول.

و قال أبو عبد اللّه الصادق (عليه السلام) يوما لأصحابه: لعن اللّه المغيرة بن سعيد لعن اللّه يهوديّة كان يختلف إليها يتعلّم منها الشعر و الشعبذة و المخاريق إنّ المغيرة كذب على ابى، و انّ قوما كذبوا علىّ ما لهم؟ إذا قهم اللّه حرّ الحديد، فواللّه ما نحن الّا عبيد خلقنا اللّه و اصطفانا، ما نقدر على ضرّ و لا نفع الّا بقدرته ان رحمنا فبرحمته و ان عذّبنا فبذنوبنا و لعن اللّه من قال فينا مالا نقول في أنفسنا و لعن اللّه من أزالنا عن العبوديّة للّه الذي خلقنا و اليه مآبنا و معادنا و بيده نواصينا. راجع الامام الصادق و المذاهب الأربعة ج 1- 2 ص 235.

و نلفت نظر القارئ الكريم إلى انّه قد الّف كتب قيّمة مستقلّة حول موقف الأئمة الطاهرين (عليهم السلام) من الغلاة و تبرّيهم عنهم و الجهر بلعنهم.

201

بذلك في قبال الشيخ الصدوق أعلى اللّه مقامه المعتقد بسهو النبي (ع) حتّى انّه قال: لو وفّقني اللّه تعالى اصنّف كتابا في ذلك [1] و قال بعض العلماء: الحمد للّه الذي لم يوفّقه لذلك.

و على الجملة فاعتقاد عدم سهو النبي ليس من الغلوّ الموجب للكفر فإنّه أمر ممكن للإنسان، و ليس بمحال ان يوجد فرد لا يسهو أبدا لأنّ شأن الأشخاص من جهة السهو و الخطأ وجودا و عدما قلّة و كثرة مختلف، فقد يرى من لا يخلو صلاته من السهو ابدا بل يشكّ في كل شي‌ء و ينسى حينا بعد حين- و أنت تعلم انّ لكثير الشك في الفقه أحكاما- كما انّه قد يوجد من يدّعى انّه لا يسهو ابدا و يقول:

ليس ببالي إنّي سهوت أو شككت في الصلاة مثلا و لو مرّة واحدة في العمر، فحيث انّ أصل هذه الصفة غير خارج عن طوق البشر كلّه بل هو أمر ممكن في حقه، فلذا لا بأس باعتقادها في حقّ النبيّ أو الأئمة (عليه السلام).

و قد جرى بحث و مناظرة لطيفة بيننا و بين قاضى القضاة بمدينة الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) عند ما تشرّفنا الزيارة في السفرة الاولى و قد دعوناه لنستأذن منه في إقامة حفلة عزاء لشهيد الحقّ و الإنسانيّة مولانا الحسين أيّام العاشوراء و‌

____________

[1]. أقول: الظاهر انّ نظره دام ظله الى ما قاله الصدوق في الفقيه ج 1 ص 360 في أحكام السهو و إليك نصّ كلامه: و انا احتسب الأجر في تصنيف كتاب منفرد في إثبات سهو النبي و الردّ على منكريه إنشاء إله تعالى انتهى.

و حكى (قدّس سرّه) عن شيخه ابن الوليد انه كان يقول: انّ أوّل درجة في الغلوّ نفي السهو عن النبي صلى إله عليه و آله انتهى.

و في الدر المنثور للشيخ على حفيد الشهيد الثاني ج 1 ص 110: و يحكى عن الشيخ بهاء الدين طاب ثراه انّه سأله سائل عن سهو النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و عن كون الصدوق يعتقد ذلك فأجابه بأنّ ابن بابويه اولى بالسهو من النبي (عليه السلام) انتهى.

و في الأنوار النعمانية ج 4 ص 34 قال الشيخ بهاء الدين في جملة كلامه: ان نسبة السهو الى ابن بابويه اولى من نسبتها اليه (ع) و قال ايضا: عند قول ابن بابويه و ان وفّقنا اللّه صنفنا كتابا في كيفية سهو النبي: الحمد للّه الذي لم يوفقه لتصنيف ذلك الكتاب.

202

ذكري مصائب سيّد الشهداء (عليه السلام) و ما أصابه في سبيل اللّه فلبّى دعوتنا مشكورا و حضر مسجد رسول اللّه و هناك دار البحث بيننا حقّ انجرّ الكلام الى ان قال لنا: أنتم غالون، تستشفون من النبي و الامام، و تقولون انّهم أحياء، الى غير ذلك من الأمور فقلنا في جوابه.

أوّلا: و أنتم أيضا كذلك أ لم تكونوا تسلّمون على رسول اللّه و تقولون:

السلام عليك يا نبىّ اللّه؟ فلو انّه (صلّى اللّه عليه و آله) قد مات و لا يشعر شيئا و لا يسمع سلام المسلّم عليه فما معنى مبادرتكم الى المثول في حضرته و الوقوف على قبره و سلامكم عليه كسلامكم على الأحياء؟

و ثانيا: هب انّ ما ذكرته كان من الغلوّ فهل مطلق الغلوّ يوجب الكفر؟ و هل القول بحياة النبيّ مثلا و انه يسمع سلام المسلّم عليه باذن اللّه تعالى غلوّ مضرّ بالتوحيد؟.

و الحاصل: انّ هذه الأمور ليست غلوّا في شأنهم [1] فإنّ المراد من حياتهم هو انّهم بعد الموت يسمعون الكلام و يطّلعون على الحوادث و الوقائع كما تقول في زيارة الإمام أمير المؤمنين أشهد أنّك تسمع كلامي و تشهد مقامي [2] و هذه المزايا و ان لم تكن عادية يجدها كلّ الناس و عامّتهم الّا انّها ليست من صفات اللّه الخاصة به لانّ الاطّلاع على الأمور و العلم بالحوادث حتى بعد الموت ليس من صفات الباري تعالى.

____________

[1]. و كيف تكون غلوّا في حقّهم (عليهم السلام) و قد أثبتها اللّه في حق الشهداء بقوله الكريم

وَ لٰا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّٰهِ أَمْوٰاتاً بَلْ أَحْيٰاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمٰا آتٰاهُمُ اللّٰهُ مِنْ فَضْلِهِ

. (سورة آل عمران الآية 196 و 197) فقد صرّح بحياة الشهداء و كونهم مرزوقين عند اللّه و فرحين، فإذا كان هذا حال الشهداء فكيف بالأئمة الطاهرين الذين هم سادات الشهداء و من علم الشهداء درس الشهادة و الهموهم رموز الكرامة و السعادة؟

[2]. و في العبارات الواردة لإذن الدخول في الأعتاب المقدسة: و اعلم انّ رسولك و خلفائك (عليهم السلام) احياء عندك يرزقون يرون مقامي و يسمعون كلامي و يردّون سلامي.