نتائج الأفكار في نجاسة الكفار

- السيد محمد رضا الگلپايگاني المزيد...
246 /
203

و كذلك القول بعصمة شخص أو أشخاص مثل النبيّ و الأئمة فإنّها أمر غير خارج عن طاقة الإنسان في الجملة لأنّ الناس مختلفون في الاجتناب عن المعاصي ففرقة منهم يعصون اللّه كثيرا و من كان كذلك فهو فاسق متهتّك و فرقة لا يعصون اللّه الّا شاذا نادرا و أحيانا، و من كان كذلك فهو العادل و ثلّة من النّاس لا يعصون اللّه تعالى ابدا و لا يخرجون عن زيّ العبوديّة و منهاج الطاعة حتّى و لو في آن من الآنات و حين من الأحيان و من كان كذلك فهو المعصوم و هذا المقام مقام العصمة و هي لطف خفيّ من الألطاف الإلهيّة العظيمة فاعتقادها في حقّ أحد لا يكون ضائرا أصلا.

و صفوة الكلام انّه بعد الإقرار بالتوحيد بمراتبه و شئونه فإثبات صفة غير مختصّة باللّه تعالى لأحد من الناس سواء أ كان واجدا لها كاثبات العصمة، أو العلم بخفايا الأمور، أو المعجزة، أو الشفاعة، أو كونه مستجاب الدعوة للأئمة (عليهم السلام) أو فاقدا لها و غير أهل لها كاثبات تلك المزايا لغير الأنبياء و الأئمة، و الاعتقاد في أحد بأزيد ممّا هو عليه و حقيق به، حتّى مثل الاعتقاد بكون فرعون مستجاب الدعوة لا يوجب الكفر من هذه الجهة فإنّ القائل بهذه الأمور المثبت لها للأنبياء و الأئمة فلا يقتضي قوله بها خللا في التوحيد حيث انّه يقول انّها ثابتة لهم باذن اللّه و مشيّته بعد إمكان تحقّقها لغير اللّه تعالى.

و امّا من أثبتها لغيرهم (عليهم السلام) فهو مجرّد غلط صدر منه حيث انه نسب أمورا- يمكن وقوعها من البشر و تحقّقها له- الى من لم تكن له أهليّة ذلك و من هو فاقد لها.

204

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

205

البحث حول المجسّمة

من جملة الفرق الّتي حكموا بكفرها المجسّمة اى القائل بتجسّمه تعالى بعد الاعتراف بالمفهوم من لفظ الجلالة، و لا يخفى أنّ المجسّمة على قسمين:

أحدهما: القائلون بالتجسّم بالحقيقة و هو القول بأنّ اللّه تعالى جسم حقيقة كسائر الأجسام فكما انّ الإنسان جسم و له أبعاد ثلاثة فكذلك اللّه تعالى لفظا بلفظ [1] و هذا القول مستلزم لحدوثه تعالى و تركيبه و تحيّزه و تحديده و حاجته و لا محالة يحكم على المعتقد به بالكفر و النجاسة.

لا يقال يمكن ان يقول مع ذلك بأنّه تعالى قديم فالقول بالتجسّم غير مستلزم للكفر.

____________

[1]. أقول: قال ابن ابى الحديد في شرح نهج البلاغة ج 1 ص 119: و كان في العرب مشبّهة و مجسّمة منهم أميّة بن ابى الصلت و هو القائل: من فوق عرش جالس قد حطّ رجليه الى كرسيّه المنصوب.

206

لأنّا نقول: إذا قال بالتجسّم و القدم فلا بدّ من ان يكون اجزاء هذا الجسم ايضا قديما و يلزم من ذلك تعدّد القدماء و هو ايضا كفر باللّه العظيم.

ثانيهما: القول بالتجسّم بالتسمية و هو القول بأنّ اللّه جسم لا كالأجسام فهو في الحقيقة مجرّد اسم و هذا نظير إطلاق الشي‌ء على اللّه الذي رخّص في الروايات الشريفة و قد ورد في بعض الاخبار انّه تعالى شي‌ء لا كالأشياء [1] و على اىّ حال فالمعتقد بهذه العقيدة يقول انّ اللّه جسم و لكنّه ليس كسائر الأجسام بلا توجّه إلى حقيقة الجسم و لوازمه من الحدوث و الافتقار و التركيب، أو جاحدا و نافيا لها عن اللّه تعالى مع الالتفات إليها بأنّ اللّه ليس حادثا و لا مركّبا و لا متحيّزا و لا مفتقرا و انّما هو جسم، و كأنّه يتناقض في أقواله.

و يشكل إطلاق المجسّمة و صدقها عليه و شمول الإجماع و الضرورة القائمين على كفر المجسمة له.

و يؤيّد ذلك انّه قلّ في سواد الناس و عامّتهم من كان ملتفتا الى انّ قوله بتجسّمه تعالى مستلزم لحدوثه و تحيّزه و غير ذلك من الآثار و التوالي الفاسدة فإنّ إفهامهم بسيطة و عقولهم محدودة، بل قد يتّفق انّه يشكل على العامّة و ذوي الأفهام القاصرة تصوّر عدم المكان للّه تعالى في حاضر الإسلام و ماضيه حتّى في صدر الإسلام و عصر النبيّ الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) الذهبي.

و كان شيخنا الأستاذ الحائري (قدّس سرّه الشريف) [2] ينقل انّه لمّا نزل قوله‌

____________

[1]. سئل أبو جعفر (عليه السلام) أ يجوز ان يقال: انّ اللّه عزّ و جلّ شي‌ء؟ فقال نعم يخرجه عن الحدّين حدّ التعطيل و حدّ التشبيه. و عن هشام بن الحكم عن ابى عبد اللّه انّه قال للزنديق حين سأله ما هو؟ قال: هو شي‌ء بخلاف الأشياء. توحيد الصدوق الطبع الحديث ص 104 باب انه تبارك و تعالى شي‌ء ح 1 و 2.

[2]. شيخ مشايخنا العظام و آية اللّه الملك العلّام، مشيّد أركان الحوزة العلميّة، صاحب النفس الطاهرة القدسيّة، المتّصف بمكارم الأخلاق و محاسن الصفات، و الحائز أعالي مراتب العلم و الكمال، حضرة الشيخ عبد الكريم اليزدي الحائري أعلى اللّه في الخلد مقامه و رفع اللّه في روض

207

تعالى:

____________

القدس اعلامه.

أصله من مهرجرد، قرية من قرى يزد و قد ولد بها في سنة 1276. ه‍ والده محمد جعفر المهرجردى و هو و ان لم يكن من العلماء لكنّه كان من الصلحاء الأتقياء، بل و ممّن يعدّ مثلا لأهل التقوى.

و قد شرع في تحصيل العلوم الدينيّة المتداولة في قريته ثم في يزد، الى ان هاجر الى كربلاء، و على رأس حوزته المحقّق النحرير الصمداني، الفاضل الأردكاني (رضوان اللّه عليه)، و قد أرشده و شوّقه في المهاجرة إلى سامرّاء التي كانت آنذاك مركز الثقافة الإسلاميّة و الحوزة العلميّة العظيمة و مجمع رجالات العلم و الفقاهة و كانت تشدّ إليها الرحال و تأوي إليها النزّال، كلّ ذلك في ظلال الزعيم العالمىّ الذي طار صيته السامية في ارجاء العالم الإسلامي آية اللّه العظمى المجدّد السيّد ميرزا محمد حسن الشيرازي (قدّس اللّه نفسه الطاهرة)، و كتب الفاضل الأردكاني الى السيّد المجدّد كتابا عرّف فيه الشيخ عبد الكريم و اطراه فيه بالثناء الجميل و المدح البالغ و أوصاه به، و كأنّه كان قد قرء في صفحة جبينه المضي‌ء خطوط الرشد و الجلالة و رأى منه انّه ينبثق استعداداته المكنونة و قواه المكمونة و انه تنمو مواهبه في جوّ حارّ علميّ مثل حوزة سامراء السامية و تحت أشراف السيّد المجدّد، و على الجملة فهاجر إليها و أخذه المجدّد الشيرازي تحت ظلال انعامه و إحسانه و تتلمذ هناك على فحول العلماء و أساطين الدين و أكابر الاساتذة من الفقهاء و الأصوليّين، كالشيخ فضل اللّه النوريّ الشهيد (قدّس سرّه)، و الميرزا إبراهيم المحلّاتى الشيرازي، و الميرزا محمّد تقي الشيرازي، و السيّد محمّد الفشاركي، بل و حضر برهة من الزمان في مجلس درس المجدّد الشيرازي- على ما حكاه لي نجله المرتضى (قدّس سرّه الشريف)، و لكن كان عمدة استفادته من محضر السيّد الفشاركي فقد تعلّق به كثيرا و اتّصل به شديدا و حكى من شدّة تعلّقه و كمال اتّصاله به ما يبهر لديه العقول و لم يقرع الأسماع من أحد كان كذلك بالنسبة إلى أستاذه فكان يؤثره على نفسه و جعل نفسه منه موضع الخادم من مخدومه، و قد نقلنا نبذا من القضايا العجيبة المنقولة عنه في هذا الموضوع، في كتاب الّفناه في ترجمته و شرح أحواله، و حقّ القول ايّها القارئ الكريم انّه من أعجب الأعاجيب.

ثمّ انّه كان مصرّا على التحصيل و التحقيق و مجدّا في الأخذ و الاستفادة منه و الاستضائة من أنواره و عاكفا على بابه الى ان نعى الإسلام بوفاة السيّد المجدّد سنة 1312 ه‍ و نعق غراب البين فتفرّق الاعلام و الأساطين، و الاساتذة و الفطاحل فبعض قد بقي في سامرّاء و بعض- و هو أكثرهم- قد راح الى نجف أو غيره من البلدان و منهم السيّد الفشاركي فقد خرج الى نجف و صحبه تلميذه اليزدي الحائري و لا يزال كان يستضي‌ء من نور علمه الى ان وافي السيّد الأجل في سنة 1316 و بعد ذلك فقد اتّصل الحائري (قدّس سرّه) بالمحقّق الفريد الآخوند الخراساني- صاحب الكفاية- (قدّس سرّه).

ترى انّه يعبّر في الدرر عن السيّد الفشاركي ب‍ سيّدنا الأستاد طاب ثراه. و عن الخراساني ب‍ شيخنا الأستاد دام بقاه. و عن المجدّد ب‍ سيّد مشايخنا الميرزا الشيرازيّ. ثم لمّا جرى بعض الجريانات

208

____________

السياسيّة و كان لا يحبّ ان يكون فيها بل كان يرجّح ان لا يكون في نجف كي يكون بمعزل عنها، فلذا خرج الى كربلا، و اشتغل هناك بالتدريس و التحقيق الى ان هاجر من كربلا الى أراك- من بلاد إيران- بدعوة بعض الاثرياء من رجال العلم و استقرّ هناك و شرع في التدريس و تربية الطلاب و اجتمع حوله روّاد العلم و عشّاق الفضيلة و الكمال من كلّ صقع و ناحية، و ممن كان في طليعتهم تلميذه الجليل القدر سيّدنا الأستاذ الأكبر آية اللّه العظمى السيّد الگلپايگاني مد ظلّه العالي فقد خرج في أوان شبابه من مولده متوجّها الى أراك و لسان حاله: انّى ذاهب إلى ربّي سيهدين، و لمّا نزل أراك و التقى بالشيخ عبد الكريم و الحائري وجد ما كان يطلبه و عكف عليه إلى نهاية مدّة اقامة أستاذه في أراك.

ثمّ انه (قدّس اللّه نفسه) هاجر سنة 1340 الى قم و أحيى في هذه البلدة الطيّبة ما درس من آثار السابقين، و اقام الحوزة العلميّة هذه الحوزة العظيمة القيّمة، و كان على ما ينقل من حاله مشوّقا لأهل الفضل خصوصا بالنسبة الى من كان يحسّ منه نبوغا و يحدس فيه شأنا رفيعا.

و بعد ان هبط مدينة قم و عزم على الإقامة فيها أرسل كتابا الى تلميذه المحبوب لديه السيّد الگلپايگاني دام ظلّه العالي و كان هو بعد في أراك و دعاه الى ان يهاجر من أراك الى قم و يلحق به و يكون في صحبته فهاجر مدّ ظلّه على اثر ذلك الى قم و لحق به.

و لا يزال مؤسّس هذه الحوزة السامية آية اللّه العظمى الحائري (قدّس سرّه) يجدّ بتمام سعيه في تحكيم أساس الدين و حفظ حوزة المسلمين.

و ممّا اتحف اللّه سبحانه و تعالى هذا الرجل العظيم به ان وفّق لتربية عدّة غير يسيرة من العلماء الاعلام و الفقهاء الكرام، و قد قيّض اللّه تعالى له ان صار جمع من تلامذته من مراجع الأمّة الإسلاميّة، منهم حسنة الدهر و سيد فقهاء العصر، المرجع الأعلى آية اللّه العظمى الگلپايگاني دام ظلّه العالي.

و على الإجمال فقد خصّ اللّه تعالى آية اللّه المؤسّس الحائري هذا الرجل المخلص و العبد الصالح بمواهب عظيمة و اختاره لتلك المواقف الكريمة من أهمّها تأسيس الحوزة العلميّة بقم، و منها حدّة نظره و بصيرته النافذة و خطّه السياسيّ العريق و هو إغفال العدوّ السّفاك عن قدرته و نفوذه البالغ في أعماق نفوس الأمّة الإسلامية، و حفظ كيان المسلمين و دفع ما كان يهدّد أساس الدين من حملات الحكومة الأجنبيّة و عميلها الطاغوت الخائن (الپهلوى) الفاجر، خذله اللّه و أخزاه.

و منها تلك الأخلاق الفاضلة و الشيم الطاهرة، و وصوله الى مقام كريم لم ير للدنيا و ما فيها ثمنا، الى غير ذلك ممّا خصّه اللّه تعالى به و اختاره اللّه له، و حقيق ان يقال فيه: هنيئا لأرباب النعيم نعيمهم.

و قد افل هذا النجم اللامع عن سماء الفقاهة و التقوى في 17 ذي القعدة سنة 1355 في قم و ارتحل عن دار الغرور الى مستقرّ (رحمه اللّه) الواسعة في دار السرور ملبّيا دعوة ربّه الكريم و خسر

209

وَ إِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلىٰ بَعْضِ أَزْوٰاجِهِ حَدِيثاً فَلَمّٰا نَبَّأَتْ بِهِ وَ أَظْهَرَهُ اللّٰهُ عَلَيْهِ عَرَّفَ بَعْضَهُ وَ أَعْرَضَ عَنْ بَعْضٍ فَلَمّٰا نَبَّأَهٰا بِهِ قٰالَتْ مَنْ أَنْبَأَكَ هٰذٰا قٰالَ: نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ» (1) قالت فلانة لزميلتها: انّ اللّه سمع من فوق العرش.

فكانت تتصوّر انّ اللّه تعالى جالس على العرش، و لم تشعر انّه تعالى منزّه عن المكان و غيره من لوازم الجسم.

و يؤيّد ذلك ايضا انّه لا يزال المسلمون يلتزمون برفع أيديهم و نصب وجوههم الى السماء عند ادعيتهم و ابتهالاتهم مع انّ نسبة الجهات اليه تعالى متساوية، و يمكن توجيه الأيدي إلى الأرض مثلا بدلا عن السماء، قال اللّه تعالى:

فَأَيْنَمٰا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللّٰهِ (2) و تفهيم كثير من العوامّ تلك الأمور و انّ التوجّه إلى القبلة أو الى السماء انّما هو للأمر بذلك و لأنّ الرحمة تنزل من السماء مثلا و غير ذلك من الجهات و الأسرار صعب جدّا، و ليس كلّ أحد يفهم هذه المطالب و يدركها حتّى يحصل له- بمجرّد الإقرار بالشهادتين- الاعتقاد بكلّ الخصوصيّات بلا اىّ نقصان فهذا هو شأن الأوحديّ و الخواصّ كامام العارفين أمير المؤمنين علىّ (عليه السلام) حيث يقول: لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا (3) و الحاصل: انّه لمّا لم يكن تلك المطالب ضروريّة يعلمها كلّ أحد بل يعجز عن دركها عقول كثير من الناس، و يقصر إفهامهم، فلذا لو كان قد اشتبه‌

____________

هنالك المسلمون و افتقدوا مرجعا دينيّا عظيما و الحوزة العلميّة أبا شريفا و والدا بارّا كريما و قائدا روحيّا و زعيما كبيرا، و ذلك بعد ان تجرّع من حكومة عصره الملعونة غصصا عظيمة و ثلم في الإسلام بموته ثلمة لا يسدّها شي‌ء، فرحمة اللّه و رضوانه على روحه الطاهرة و أفكاره العالية و أنزله اللّه تعالى أعلى درجات القدس و ارفع غرف الفردوس مع النبيّين و الصّدّيقين و الشهداء و الصالحين و حسن أولئك رفيقا.

و هو و ان مات على ما هو السّنّة الجارية الحاكمة على كلّ الموجودات و لكن ما ماتت معالمه السنيّة، فكلّ سطر من حياته الطّيّبة درس عميق للباقين. و السلام.

____________

(1) سورة التحريم الآية 3.

(2) سورة البقرة الآية 115.

(3) شرح مأة كلمة، لابن ميثم ص 52، إرشاد القلوب للديلمي الباب 37، أنوار الولاية ص 406.

210

الأمر على أحد و تخيّل بأنّ اللّه جسم لا كالأجسام فليس هو محكوما بالكفر، هذا حال الجاهل.

و امّا من كان عالما بمعنى الجسم و بلوازم القول بالتجسّم و آثاره فالقول بعدم كفره مشكل، و لا يقاس هذا بمن يقول انّ اللّه شي‌ء لا كالأشياء، الذي نصّ الامام (عليه السلام) على جوازه، لأنّ الشي‌ء لكثرة شموله و شدّة اتّساع مفهومه ليس محاطا للذهن فيشمل حتّى مثل الباري تعالى باعتبار صرف وجوده بخلاف القول بأنّه تعالى جسم لا كالأجسام فإنّه نظير القول بأنّه تعالى مركّب لا كالمركّبات و بعبارة أخرى هو في حكم القول بأنّه تعالى مخلوق لا كالمخلوقات فالنتيجة انّ العالم بمعنى الجسم و لوازمه لو نسبه الى الباري و لو بهذا النحو الخاص فالظاهر انّه يصير كافرا.

و امّا ما رمى به هشام بن الحكم من القول بالتجسيم ففيه:

أوّلا: انّه ليس المقصود هو التجسيم بالحقيقة، بل الظاهر منه انّ المراد انّ اللّه جسم لا كالأجسام.

و ثانيا: انّ أكثر أصحابنا على ما قاله علم الهدى السيّد المرتضى (قدّس سرّه الشريف) يقولون انّه أورد ذلك على سبيل الجدل و المعارضة للمعتزلة لا اعتقادا به حيث انّهم كانوا يقولون انّ اللّه شي‌ء لا كالأشياء فقال لهم: إذا قلتم انّ القديم تعالى شي‌ء لا كالأشياء فقولوا انّه جسم لا كالأجسام انتهى (1) و على هذا فهو قد قال بذلك في مقام النقض عليهم لا انّ هذا الكلام صحيح عنده أو انّه (رحمه اللّه) كان معتقدا بذلك، فإنّه من أجلّاء الأصحاب و ممدوح بمدائح بليغة. [1]

____________

[1]. أقول: و قد يقال في الجواب عن هذا الاشكال: انّ هذا كان قبل رجوعه الى الامام جعفر بن محمّد فلمّا رجع اليه تاب و رجع الى الحق.

قال الكراجكي في كنز الفوائد ص 199: و امّا موالاتنا هشاما (رحمه اللّه) فهي لما شاع عنه و

____________

(1). راجع الشافي للسيد المرتضى ص 12.

211

و الحاصل: انّ القول بالتجسيم يتصوّر على أنحاء و صور:

فتارة يكون بحيث ينكره المسلمون كافّة مثل ان يقول انّ اللّه تعالى مركّب من ثلاثة أشياء فإنّه بمكان من الفساد و البطلان عند المسلمين و يتلوه في وضوح البطلان القول بأصل تجسّمه الذي قال به بعض العامّة.

- و قد لا يكون بطلانه بهذه المثابة من الوضوح بل يحتاج الى الاستدلال و اقامة البرهان و هو الأمر النظري الذي يحتاج إثباته إلى دليل عقليّ أو نقليّ و هنا لا يمكن الحكم بالكفر لعدم كفر منكر الأمر النظري.

فترى انّ علم التحقيق شيخنا المرتضى (قدّس سرّه) قال بعد تحقيقه في العقائد الضروريّة: و امّا النظريّة فلا إشكال في عدم كفر منكرها إذ لم يرد دليل على كفره بالخصوص انتهى. (1)

نعم لو ورد دليل خاص على كفر من اعتقد بأمر خاص من تلك الأمور يؤخذ به مع انّه ليس من الضروريّات نظير ما ورد في الاخبار عن الامام الصادق (عليه السلام): من أنكر ثلاثة أشياء فليس من شيعتنا المعراج و المسائلة في القبر و الشفاعة. (2)

و على هذا فبدون دليل خاصّ لا يحكم بكفر القائل بالتجسّم لو لم يكن‌

____________

استفاض منه من تركه للقول بالجسم الذي كان ينصره و رجوعه عنه و إقراره بخطائه فيه و توبته منه و ذلك حين قصد الإمام أبا عبد اللّه جعفر بن محمد الصادق (عليهما السلام) الى المدينة فحجبه و قيل له: انّه قد آلى ان لا يوصلك اليه ما دمت قائلا بالجسم فقال: و اللّه ما قلت به الّا لأنّي ظننت انّه وفاق لقول امامى فإذا أنكره علىّ فإنني تائب الى اللّه منه فأوصله الإمام (عليه السلام) حينئذ اليه و دعا له بخير انتهى.

و في طهارة السمناني ص 394: و ما ينسب الى هشام بن الحكم من التجسّم افتراء و بهتان، و شأنه أجلّ من هذه الخرافات الى آخر كلامه الذي فيه نوع اهانة بالنسبة إلى علم الهدى قدس إله نفسه و روح سائر الأصحاب.

____________

(1). طهارة الشيخ ص 312.

(2). أمالي الصدوق ص 177 المجلس 49.

212

قوله منافيا للتوحيد بمراتبه الأربعة و لم يكن هو بنفسه ملتزما بالتوالي الفاسدة، و إثبات كفره يحتاج الى دليل خاص و هو غير موجود في المقام.

نعم ورد عن مولانا الرضا (عليه السلام): من قال بالتشبيه و الجبر فهو كافر مشرك و نحن منه برآء في الدنيا و الآخرة (1). لكن يرد عليه.

أوّلا: انّ الرواية ضعيفة [1].

و ثانيا: انّ المراد من التشبيه القول بأنّ اللّه تعالى في جهة الفوق و يمكن ان يرى، و غير ذلك من خصوصيّات الجسم الحقيقي و مزاياه، و قد عدل العلماء عن الاستدلال بها حتّى في التجسّم بالحقيقة و استدلّوا بلزوم التركيب و الحدوث و المكان مثلا و ليس هذا الّا لضعفها فلذا لا يمكن التمسّك بها في إثبات كفر من قال بأنّ اللّه جسم لا كالأجسام و لو لم يلتفت الى لوازمه أو انّه أنكرها بعد ان ثبت إسلامه بإقراره بالشهادتين، بل يحمل الكفر في الرواية على ما يقابل الايمان لا الإسلام، و لا دليل آخر على كفره.

اللّهم الّا ان يكون المسألة مجمعا عليها و لو بين الإماميّة.

و الحاصل: انّ التجسّم من الصفات السلبيّة و هي صفات يحب الاعتقاد بنزاهة ساحة (قدّس اللّه تعالى) و برائته عنها و من المعلوم انّ من أنكر واحدة منها غفلة عن لوازمها و آثارها ليس بكافر خصوصا مع لحاظ بعد هذه المطالب عن مستوي عقول العامة و أفق افكارهم.

الا ترى انّه إذا قيل لواحد منهم انّ اللّه عالم. يتخيّل انّ علمه تعالى كعلمنا زائد على الذات مع انّ علمه عين ذاته فهو لا يتصوّر و لا يتعقّل اتّحاد العلم مع‌

____________

[1]. فانّ في: سلسلة الرواية على بن معبد مثلا و قد قال المامقاني: لم ينصّ فيه بتوثيق و لا مدح انتهى.

____________

(1). وسائل الشيعة ج 18 ص 558 الباب 10 من أبواب حدّ المرتدّ الحديث 5.

213

الذات بل هو كالصبي الذي لو قيل له انّ اللّه تعالى ليس له عين يتخيّل انّه أعمى و لو قيل له انّه تعالى لا سمع له، يظنّ أنّه أصمّ.

و على الجملة فالذي يمكن ان يقال قطعا بلا اىّ تزلزل و ارتياب و تردّد و اضطراب هو انّ من قال بتجسّمه تعالى ملتفتا الى لوازمه و تواليه الفاسدة فهو كافر نجس، و امّا غير ذلك فلا.

214

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

215

الكلام حول المجبّرة

و من جملة الفرق المحكومة عليها بالكفر المجبّرة. و لا يخفى أن المجبّرة على قسمين:

أحدهما القائل بالجبر المحض اى القول بصدور الأفعال مطلقا عن اللّه تعالى و انّه الفاعل لأفعال المخلوقين، و كون الإنسان كالجماد فكما انّ الجماد ليست له ارادة و لا يتحرّك الّا بمحرك كذلك الإنسان لا يتحرّك الّا بيد اللّه و لا يصدر منه فعل اختياري ابدا قبيحا كان أو حسنا، فالساجد للّه يتخيّل انّه بنفسه وضع جبهته على الأرض و الحال انّه ليس كذلك بل هو كقطعة حديد في يد الحدّاد يرفعها و ينزلها و يدقّها على قطعة اخرى، و الحاصل انّه يقول بأنّ اللّه قد اجبر الناس على أفعالهم مطلقا.

و لا أظنّ أنّ عاقلا يتفوّه بأمثال هذه الترّهات و المقالات الفاسدة‌

216

و الأباطيل الكاسدة، كيف و هي خلاف الحسّ و الوجدان و استخفاف بشموخ مقام الإنسان بجعله آلة بلا ارادة و ان قال بها بعض الجهلة المتعصّبون، حتّى انّى قد رأيت في بعض الكتب المعدّة في هذا الموضوع عند بيان عقيدتهم، التصريح بكون الإنسان كالحجر! [1] و غير خفيّ انّ هذا النوع من الجبر مستلزم لإنكار كلّ ما جاء به الشرع، و إبطال أصل الشرعيّات و النّبوّات، و إنزال الكتب، و إرسال الرسل، و خلق الجنّة و النّار، و لم يبق معه مورد و مجال للوعد و الوعيد، و مدح الصلحاء و الأبرار، و ذمّ الفسقة و الأشرار، و عليه يلزم ايضا ان يكون بعث السفراء العظام و إنزال الصحف السماوية الكرام لغوا لا فائدة فيه أصلا، و كذلك يلزم ان يكون خلق الجنّة و النّار عبثا غير ناتج شيئا، حيث انّه بناء على ذلك لم يتحقّق فعل خير الّا بيد اللّه لا باختيار الإنسان فكيف يدخل الجنّة و لما ذا؟ و هكذا لم تقع على ذلك معصية و خطيئة بإرادة العبد، بل الذنوب و المعاصي كلّها صادرة عن اللّه، فلما ذا يعاقب العبد؟ و هل هو الّا العقاب على ما لم يفعله الذي هو قبيح بالضرورة العقلية؟

و لا شكّ في انّ هذا القسم من الجبر كفر و موجب للنجاسة بل هو من أعظم أنواع الكفر و أشدّه لاستلزامه كما ذكرنا تكذيب الأنبياء جميعا و إنكار الكتب كلّها و غير ذلك من التوالي الفاسدة، و اللوازم الباطلة، التي لا يمكن للمسلم الالتزام بها ابدا.

و كيف يمكن ان يقال انّ شمرا لعنه اللّه لم يقتل الامام ابى عبد اللّه الحسين (عليه السلام) باختياره و إرادته بل كان قتله و قتل غيره من الأسرة الطاهرة النبويّة و‌

____________

[1]. يشهد لما ذكره دام ظله كلام العلّامة في شرح التجريد قال: انّا نعلم بالضرورة الفرق بين حركة الحيوان اختيارا و حركة الحجر الهابط إلخ.

217

ذرّية الرسول الطيّبة من فعل اللّه سبحانه؟ ما هذا الّا بهتان عظيم.

و قد قذف بهذه الكلمة الاثيمة الكافرة أمّ الفساد و رأس الضلال و الإلحاد عبيد اللّه ابن زياد، عليه لعائن اللّه حيث نسب قتل علىّ بن الحسين (عليهما السلام) «الشهيد بالطّف» الى اللّه تعالى و ردّ عليه الامام زين العابدين (عليه السلام) بقوله:

قتله الناس. (1)

امّا القسم الآخر من المجبّرة فهم القائلون به لكن لا بهذه الشّدّة و انّما يقولون انّ الفعل مقرون بإرادة الإنسان الّا انّه حيث كان إفاضة الوجود و إعطاء القوّة و الإرادة و الإمهال، من اللّه تعالى فالفعل ليس في الحقيقة صادرا عن الإنسان، و الخطايا صادرة و ناشئة عن الإرادة الحاصلة للإنسان بأمر اللّه تعالى.

و هذا القسم من الجبر لا يوجب الكفر لو لم يلتزم و لم يلتفت قائله و المعتقد به بلوازم الجبر المذكورة آنفا في القسم الأوّل لعدم كونه على خلاف ضرورة الإسلام حتّى يقتضي الكفر و النجاسة بل هو مخالف لضرورة مذهب الشيعة حيث انّ الأئمة المعصومين (عليهم السلام) اجتهدوا بكلّ قواهم و كافّة امكانيّاتهم لإقامة الشيعة على الحدّ الوسط الفاصل بين الجبر و التفويض بقولهم لأجبر و لا تفويض بل أمر بين الأمرين. و حثّهم دائما بذلك الاعتقاد و اصرّوا على تزريقه في أعماق نفوسهم خلافا لكثير من العامّة كأصحاب الشافعي و المالك و ابى حنيفة بل الأشاعرة من العامّة مطلقا حيث ذهبوا الى ذلك و اعتقدوا بالجبر.

و نحن نقول في مقام الجواب عن القائلين بالجبر: انّ أقوى دليل على بطلانه هو الوجدان [1] و يكفي في تصديق ذلك، الرجوع الى أوّل مرتبة التميز و لا حاجة الى أزيد من ذلك فراجعوا أوّل مرتبة من التميز كي تفقهوا بطلان ما‌

____________

[1]. و لذا قال المحقّق الطوسي في التجريد في جوابهم: و الضرورة قاضية باستناد أفعالنا إلينا.

____________

(1). راجع اللهوف في قتلي الطفوف للسّيّد ابن طاوس (قدّس سرّه) ص 143.

218

تعتقدونه و تقولون به.

فهذا الصبي الذي لم يبلغ قد يؤاخذ الجماد على أمر خياليّ عرض له الّا انّه بمجرّد رشده و بلوغه حدّ التميز و الرشد يدع هذا الأسلوب و لا يؤاخذ من لا شعور له و لا ارادة كالجماد على شي‌ء أبدا، فلو وقع الحجر من يده على الأرض لا يوبّخه و لا يعاتبه و لا يقول له لم سقطت على الأرض بخلاف ما لو ضربه انسان يؤاخذه و يعاتبه و يقول لم تضربني؟ و ترى انّه لو ضربه ضارب بآلة كالخشب و العصا فهو يذمّ الضارب دون آلة الضرب، و لو رماه رام بحجر مثلا فهو يلوم الرامي دون الحجر.

فاللّه تعالى خلق الإنسان و أعطاه القوى و أمهله و جعل و أودع فيه بحكمته البالغة، الإرادة، الّا انّه تعالى جعل له شيئا آخر يسمّى بالاختيار، و الإنسان في اعماله و أفعاله ليس مسلوب الاختيار بل كلّ ما يصدر عنه فإنّما يصدر عنه باختياره و هذا أمر محسوس لا يقبل الإنكار، فإنّ كلّ فرد من افراد الإنسان يعلم و يدرك من نفسه انّه قادر على إيقاع فعل كذا و تركه بخلاف الجماد مثلا فإنه لا يقدر على ذلك و ليس له اختيار الفعل على الترك، أو الترك على الفعل، و ترجيح أحدهما على الآخر.

و لا يخفى انّ مجرّد إعطاء الاختيار و وساطته مصحّح للمؤاخذة، و هو ملاك العقاب و الثواب.

و كون الخالق تعالى علّة العلل و قيام وجود الإنسان و إرادته و تمام قواه به سبحانه ممّا لا ريب فيه الّا انّه مع ذلك كلّه، له ان يفعل و ان لا يفعل فتصحّ مؤاخذته على فعل القبيح و لو لم يكن له حظّ من هذه القدرة الثمينة و الموهبة الكريمة لما كان لمؤاخذته وجه ابدا كما لا وجه لمؤاخذة الأخرس في يوم القيامة على عدم إقراره بالشهادتين لانّه لم يكن قادرا على التكلّم و الإقرار بهما‌

219

بخلاف من كان ناطقا طلق اللسان قادرا على الإقرار و عدمه فإنّه لو لم يقرّ بهما لصحّ مؤاخذته عقلا.

220

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

221

الكلام حول المفوّضة

و هم فرقة قائلون بانعزال اللّه تعالى عن الأفعال و إرجاع الأمور إلى العباد و انّه سبحانه فوّض الأفعال إلى المخلوقين [1] هذا.

و الحقّ انّ التفويض على أقسام:

منها القول بأنّ اللّه لمّا خلق العباد أعطاهم قدرة أغناهم بها عنه فهم بعد ذلك مستقلّون في الأمور قائمون على وفق مشيّتهم و إرادتهم و قدرتهم و لا يحتاجون اليه و الى حوله و قوّته و هو بمعزل عن الأمور لتفويض الأمر إليهم و‌

____________

[1]. قال الشيخ الصدوق في رسالة الاعتقادات: اعتقادنا في الغلاة و المفوّضة انّهم كفّار باللّه جلّ اسمه و انّهم شرّ من اليهود و النصارى و المجوس و القدريّة و الحرورية و من جميع أهل البدع و الأهواء المضلّة.

و في المكاسب للشّيخ الأنصاري ص 27:. انّ الضروري عدم نسبة تلك الأفعال إلى فاعل مختار باختيار مستقلّ مغاير لاختيار اللّه كما هو ظاهر قول المفوّضة.

222

ذلك مثل انّ مثريا اعطى فقيرا مالا و امره بالتجارة لنفسه فهذا الآخذ بعد قبضه و أخذه المال المزبور يتّجر لنفسه و لا يحتاج الى المعطى أصلا، و على هذا فاللّه تعالى و ان كان قادرا الّا انّ العبد ايضا قادر لا يحتاج اليه بعد ذلك، غاية الأمر انّ اللّه قادر بذاته، و الإنسان قادر باللّه سبحانه.

و لعلّ الذي حملهم على هذا الاعتقاد هو ما رأوه من القبائح و السوء و الفحشاء الصادرة من الإنسان فزعموا انّه لو لم يقولوا بتفويض الأمور الى العبد لزم نسبة تلك الذنوب و القبائح إليه تعالى فلأجل تنزيه اللّه عن ارتكاب الجرائم قالوا بأنّ اللّه فوّض الأمور إلى العباد و لا دخل له سبحانه في أمورهم أصلا.

و منها القول بتفويض أمر الخلق و الرزق الى بعض عباده كان يقال انّ اللّه لمّا خلق الأرض فوّض الأمر إلى النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) فخلق هو (ع) ما فيها أو انّه تعالى خلق محمدا (صلّى اللّه عليه و آله) فوّض إليه أمر العالم فهو الخلّاق للدنيا و ما فيها.

و بطلان كلا القولين واضح لأنّ أزمّة الأمور كلّها بيد اللّه و لا غناء عنه لأحد أبدا و لا يملك العبد في الحقيقة شيئا و اللّه تعالى خلق الخلق و هو مدبّر عالم الوجود و مديره حدوثا و بقاء و لو لا عناية اللّه تعالى و إفاضة الفيوض الرّبانيّة لما بقي شي‌ء، و لما استقام أمر.

و على الجملة فحياة الإنسان و تصرّفاته كلّها منوطة باللّه و الخلق كلّهم عياله و في قبضته و محتاجون اليه آنا فآنا. و له القدرة التامّة و السلطنة الكاملة في كلّ آن من الآنات.

و لازم القول بالتفويض على كلا القسمين هو سلب القدرة عن اللّه تعالى و إخراجه عن سلطانه كما ورد عن الامام الصادق (عليه السلام): انهم أرادوا ان‌

223

لا ينسبوا الى اللّه القبائح فسلبوا عنه القدرة. [1]

و منها القول بتفويض التكاليف إلى النبي بمعنى انّه لا يحتاج في التشريع الى الوحي لأنّ اللّه تعالى جعل أمر التشريع بيده و فوّضه اليه فكلّما جعله فهو حكم يجب اتّباعه و لا يجوز التخلف عنه.

و منها القول بتفويضها الى علىّ (عليه السلام) أو اليه و الى الأئمة المعصومين كلّ في زمانه، فهم غير محتاجين بعد ذلك الى اللّه في التكاليف و الأحكام، الى غير ذلك من المقالات الفاسدة و المذاهب الباطلة.

و كلّ هذه الأقسام أيضا باطل مخالف للشّرع لأنّ الأئمة (عليهم السلام) لا يقولون الّا ما قاله النبي الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و هو لا يقول الّا ما امره اللّه تعالى به قال اللّه تعالى وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ إِنْ هُوَ إِلّٰا وَحْيٌ يُوحىٰ (1) و امّا قوله تعالى مٰا آتٰاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَ مٰا نَهٰاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا (2) فليس المراد منه مجي‌ء الرسول بشي‌ء من عند نفسه و بدون أخذه من اللّه بل المراد منه وجوب أخذ ما جاء به الرسول المعلوم انّه من اللّه سبحانه فكلّ ما جاء و اتى به النبي و الأئمّة من عترته (صلوات اللّه عليهم أجمعين) فهو مأخوذ من اللّه و ان لم يذكر في القرآن تفصيلا.

و على الجملة فالنّبي واسطة في الرسالة لا جاعل الأحكام و التكاليف و مقنّن للقوانين.

____________

[1]. أقول: لم أعثر على رواية بهذا اللفظ نعم روى في الوسائل ج 18 ص 558 عن الصادق: الناس في القدر على ثلاثة أوجه رجل يزعم انّ اللّه تعالى اجبر الناس على المعاصي فهذا قد ظلم اللّه في حكمه فهو كافر و رجل يزعم انّ الأمر مفوّض إليهم فهذا قد أوهن اللّه في سلطانه فهو كافر.

____________

(1). سورة النجم الآية 3 و 4 و قوله تعالى قُلْ مٰا كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ وَ مٰا أَدْرِي مٰا يُفْعَلُ بِي وَ لٰا بِكُمْ إِنْ أَتَّبِعُ إِلّٰا مٰا يُوحىٰ إِلَيَّ سورة الأحقاف الآية 9.

(2). سورة الحشر الآية 7.

224

و هنا اشكال و هو انّه (1): كيف لا دخل للنبيّ (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) في جعل الأحكام، و هذه الروايات المنقولة في كتب الحديث و المجامع المعتبرة مثل الكافي صريحة في انّ النبيّ أضاف الركعتين [1] على ركعتي الظهر و العصر لجهة مذكورة فيها و قد أمضاها اللّه تعالى و أنفذها و لو لا انّ الأحكام مفوّضة من اللّه تعالى اليه لما كان يضيف الركعتين مثلا.

و الجواب عنه: انّ هذه الإضافة كانت بعد استدعائه من اللّه تعالى و قبوله سبحانه لذلك و ليس ضمّ شي‌ء بعد استدعاء ضمّه من اللّه و قبوله و إمضائه، من باب جعل الأحكام و تشريعه من عند نفسه، و كون الأمر مفوّضا اليه، و لو كانت هذه الإضافة من قبيل التفويض الواقعي لما احتاجت إلى إمضاء اللّه تعالى و إنفاذه، و الحال انّه نصّ في بعض الروايات على اجازة اللّه لذلك.

كما ورد في الاخبار انّ عبد المطلب خمّس ما له في الجاهلية و لمّا بزغ فجر الإسلام أنفذ اللّه تعالى ذلك [2] و من هذا الباب تحريم اللّه ما حرّم إسرائيل على‌

____________

[1]. من جملة هذه الروايات رواية فضيل بن يسار قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول لبعض أصحاب قيس الماصر: انّ اللّه عزّ و جلّ أدّب نبيّه فأحسن أدبه فلمّا أكمل له الأدب قال: إنّك لعلى خلق عظيم. ثمّ فوّض إليه أمر الدين و الأمّة ليسوس عباده. ثمّ انّ اللّه عزّ و جلّ فرض الصلاة ركعتين ركعتين عشر ركعات فأضاف رسول اللّه (ع) الى الركعتين ركعتين و الى المغرب ركعة فصارت عديل الفريضة لا يجوز تركهن إلّا في سفر و أفرد الركعة في المغرب فتركها قائمة في السفر و الحضر فأجاز اللّه عزّ و جلّ ذلك كلّه إلخ. الكافي ج 1 ص 266، وسائل الشيعة ج 3 ص 31.

[2]. روى الصدوق. عن علىّ بن ابى طالب عن النبي انّه قال في وصيّة له: يا على انّ عبد المطلب سنّ في الجاهلية خمس سنن أجراها اللّه له في الإسلام:

حرّم نساء الآباء على الأبناء فأنزل اللّه عزّ و جلّ

وَ لٰا تَنْكِحُوا مٰا نَكَحَ آبٰاؤُكُمْ مِنَ النِّسٰاءِ

.

و وجد كنزا فاخرج منه الخمس و تصدّق به فانزل اللّه عزّ و جلّ

وَ اعْلَمُوا أَنَّمٰا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْ‌ءٍ فَأَنَّ لِلّٰهِ خُمُسَهُ

الآية.

و لمّا حضر زمزم سمّاها سقاية الحاجّ فانزل اللّه عزّ و جلّ

أَ جَعَلْتُمْ سِقٰايَةَ الْحٰاجِّ وَ عِمٰارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرٰامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللّٰهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ

، الآية.

____________

(1). أورده بعض تلامذة سيدنا الأستاد دام ظلّه العالي.

225

نفسه، (1) الى غير ذلك من الموارد فإنّها لا تدلّ على التفويض أصلا. [1]

و ما ورد في الاخبار من التعبير بتفويض أمر الدين إلى النبي و الأئمة (عليهم السلام).

فمعناه انّهم حافظون لشئون الدين و أمناء اللّه على حدود اللّه و حلاله و حرامه و أوامره و نواهيه، و الّا فهو مخالف لصريح قوله تعالى وَ مٰا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوىٰ إِنْ هُوَ إِلّٰا وَحْيٌ يُوحىٰ و على الجملة فالقول بالتفويض بأنحاءه المذكورة باطل لا يصار اليه.

قال الشيخ الصدوق في باب اعتقاد نفي الجبر و التفويض: اعتقادنا في ذلك قول الصادق (عليه السلام): لا جبر و لا تفويض بل أمر بين الأمرين. (2)

و على هذا فالقول به مخالف لمذهب الإماميّة و امّا مخالفته لضروريّ الدين و إيجابه الكفر و النجاسة فهو موقوف باستلزامه تكذيب النبي و إنكار النبوّة و القرآن ايضا.

كما انّ القسم الأوّل منه مستلزم لسلب القدرة و نقض التوحيد، و فيه تكذيب النبي و القرآن لانّ اللّه تعالى يقول في اليهود:

____________

و سنّ في القتل مأة من الإبل فأجرى اللّه ذلك في الإسلام.

و لم يكن للطواف عدد عند قريش فسنّ فيهم عبد المطلب سبعة أشواط فأجرى اللّه ذلك في الإسلام إلخ الخصال أبواب الخمسة ح 90.

[1]. يقول المقرّر: هذا مضافا الى عدم الوثوق و الاطمئنان على أمثال هذه الرواية و ذلك لما ورد في الحديث انّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) لا يقترح على ربّه في شي‌ء يأمره به «مجمع البحرين مادة قرح، و اقترحت عليه شيئا سئلته إياه من غير رويّة.»

____________

(1). سورة آل عمران الآية 93.

(2). اعتقادات الصدوق المطبوع مع شرح باب حادي عشر ص 98 و مثله كلامه في الهداية ص 5 فراجع و راجع ايضا الكافي ج 1 ص 160 ح 13.

226

قٰالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللّٰهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَ لُعِنُوا بِمٰا قٰالُوا بَلْ يَدٰاهُ مَبْسُوطَتٰانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشٰاءُ (1) و على هذا فهو كفر و ضلال و المعتقد به كافر نجس هذا.

و امّا سائر الأقسام فليس كفرهم بهذا الوضوح فكلّما لزم منه تكذيب الرسالة مع العلم به و الالتفات اليه فهو ايضا كذلك و الّا فمجرّد القول بالتفويض لا يقتضيه و ان كان على خلاف ضروريّات المذهب فإنّ إنكار ضروريّ المذهب يوجب الخروج عن ربقة التشيّع لا الإسلام، بخلاف تكذيب النبيّ الذي يلزم من إنكار ضروريّ الدين فإنّه يوجب الخروج عن دائرة الإسلام، و الدخول في حوزة الكفر.

تذنيب يناسب المقام

ثمّ ان بعضا ممّن اعتنق تلك المبادئ الفاسدة، و المذاهب و المقالات الكاسدة- الّتي أمضينا الكلام فيها- و غيرها قد يتمسّك بآيات أو روايات، فيفسّرها بحيث تطابق تلك المعتقدات الباطلة، فهنا نقول:

قد يكون التفسير و التوجيه واضح الفساد و البطلان و أقبح من طرح الآية أو الرواية، و من هذا القبيل قول بعض الفلاسفة أنّ المعاد روحانيّ و الجنة و النار ليستا جسمانيّتين و انّ المراد من الجنّة و النعم المعدّة في الآخرة هو النشاط الروحي و انبساط النفس و ابتهاجها في النشأة الآخرة و سرورها بالأعمال الصالحة الّتي قد تزوّد بها الإنسان من دنياه، و المراد من نار الجحيم و العذاب الأليم هو الآلام النفسانية، الى غير ذلك من التّرّهات و الأقاويل الكافرة.

و على الجملة فهذا النوع من التفسير و التأويل واضح الفساد و موجب‌

____________

(1). سورة المائدة الآية 64.

227

للكفر و النجاسة فإنّه خلاف الآيات الكريمة الناطقة بالمعاد البدني [1] الناصّة في ذلك.

أضف الى ذلك انّ من يفسّر الآيات بهذا النحو و النسق وفقا لعقيدته الفاسدة فكأنّه يتخيّل و يزعم انّ أحدا من الأكابر و الأصاغر لا يعرف و لا يفهم معناها و انّما هو وحده قد فهمه، و مآل ذلك نزول القرآن لأجله فقطّ، كما انّه يستلزم لغويّة نزوله بالنسبة إلى غيره من الناس حيث انّهم لا يفهمون معنى الآيات و لا يفقهون مغزى معارف الكتاب و مستلزم لاغراء اللّه تعالى عباده بالجهل.

نعم الحكم بكفر القائل بالأمور المزبورة موقوف على علمه و التفاته الى تلك اللوازم.

____________

[1]. قال اللّه تعالى

أَ وَ لَمْ يَرَ الْإِنْسٰانُ أَنّٰا خَلَقْنٰاهُ مِنْ نُطْفَةٍ فَإِذٰا هُوَ خَصِيمٌ مُبِينٌ وَ ضَرَبَ لَنٰا مَثَلًا وَ نَسِيَ خَلْقَهُ قٰالَ مَنْ يُحْيِ الْعِظٰامَ وَ هِيَ رَمِيمٌ قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهٰا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَ هُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ

سورة يس الآية 77 و 78.

و قال تعالى

كُلَّمٰا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنٰاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهٰا لِيَذُوقُوا الْعَذٰابَ

سورة النساء الآية 56.

و قال سبحانه

وَ قٰالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنٰا قٰالُوا أَنْطَقَنَا اللّٰهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْ‌ءٍ

سورة فصّلت الآية 21.

و قال تعالى

أَ يَحْسَبُ الْإِنْسٰانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظٰامَهُ بَلىٰ قٰادِرِينَ عَلىٰ أَنْ نُسَوِّيَ بَنٰانَهُ

سورة القيامة الآية 3 و 4. الى غير ذلك من عشرات آيات صريحة في ذلك.

فانظر بعين الإنصاف فهل يمكن توجيه هذه الآيات الشريفة و هل هي قابلة للتأويل؟ و لذا قال بعض بعد ذكر آية أو لم ير الإنسان، إلى قوله: بكلّ خلق عليهم، و نقل حكاية أبيّ بن خلف، الواردة في شأن نزول الآية: و هذا ممّا يقطع عرق التأويل بالكليّة.

و قال العلّامة المجلسي (رضوان اللّه عليه): اعلم انّ القول بالمعاد الجسمانيّ ممّا اتّفق عليه جميع المليّين و هو من ضروريّات الدين و منكره خارج عن عداد المسلمين و الآيات الكريمة في ذلك ناصّة لا يعقل تأويلها، و الاخبار فيه متواترة لا يمكن ردّها و لا الطعن فيها و قد نفاه أكثر ملاحدة الفلاسفة تمسّكا بامتناع اعادة المعدوم و لم يقيموا دليلا عليه بل تمسّكوا تارة بادّعاء البداهة و اخرى بشبهات واهية لا يخفى ضعفها على من نظر فيها بعين البصيرة و اليقين و ترك تقليد الملحدين من المتفلسفين انتهى.

228

و قد لا يكون توجيهه و تأويله بهذه المثابة من وضوح بطلانه بل هناك نوع خفاء يمكن عادة توجيهها كذلك، و هنا لا يمكن الحكم بكفر من قال به تمسّكا بالآيات و الروايات لاحتمالها ذلك عرفا.

229

الكلام حول المخالفين

من جملة المباحث الّتي وقعت موردا للنقض و الإبرام و صارت معركة آراء الاعلام هو البحث في طهارة المخالفين و نجاستهم.

فقال صاحب الجواهر (قدّس سرّه): الأقوى طهارتهم. وفاقا للمشهور، انتهى و يستفاد منه انّ غير المشهور قائلون بنجاستهم.

و قال صاحب الحدائق: المشهور بين متأخّري الأصحاب هو الحكم بإسلام المخالفين و طهارتهم، و خصّوا الكفر و النجاسة بالناصب، (الى ان قال:) المشهور في كلام أصحابنا المتقدّمين هو الحكم بكفرهم و نصبهم و نجاستهم و هو المؤيّد بالروايات الإماميّة.

ثم انّه (رحمه اللّه) ذكر أسماء عدّة من الاعلام و الأكابر القائلين بالنجاسة [1] و‌

____________

[1]. و هم الشيخ ابن نوبخت من متقدّمي الأصحاب و متكلّميهم و المفيد و الشيخ الطوسي و ابن

230

لكن ليس هؤلاء كلّهم من المتقدّمين بل فيهم من كان من المتوسّطين و المتأخرين، فالأولى مراجعة كلمات القدماء ليعرف آرائهم و فتاويهم فإنهم أعمدة الدين و وسائط بيننا و بين الأئمة المعصومين، (صلوات اللّه عليهم أجمعين).

و يظهر من كلامه (قدّس سرّه) انّ منشأ الخلاف في المسئلة و أوّل من قال بالطهارة هو المحقّق صاحب الشرائع و إليك نصّ كلام الحدائق:

انّ من جملة من صرّح بطهارة المخالفين- بل ربّما كان هو الأصل في الخلاف في هذه المسئلة في القول بإسلامهم و ما يترتّب عليه- المحقّق في المعتبر.

أقول: و يرد عليه انّ بعضا من الأركان قبل المحقّق ايضا قد قال بطهارة أهل الخلاف و ليس هو المبتكر لهذا القول و البادي به قال المحقّق في المعتبر:

أسآر المسلمين طاهرة و ان اختلفت آرائهم عدا الخوارج و الغلاة، و قال الشيخ في النهاية بنجاسة المجبّرة و المجسّمة، و خرّج بعض المتأخرين بنجاسة من لم يعتقد الحقّ عدا المستضعف. (1)

و مراده من بعض المتأخّرين هو ابن إدريس حيث قال: المخالف لأهل الحقّ كافر بلا خلاف بيننا. [1]

ثمّ انّ المحقّق (قدّس سرّه) قد استدلّ على ما ذهب اليه من طهارتهم بأمور:

أحدها ما ذكره بقوله: لنا انّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) لم يكن يجتنب سؤر أحدهم و كان يشرب من الموضع الذي تشرب منه عائشة، و بعده لم يجتنب علىّ (عليه السلام) سؤر أحد من الصحابة مع مباينتهم له و لا يقال: كان ذلك تقيّة لأنّه لا‌

____________

إدريس و العلّامة و ابن برّاج و السيّد المرتضى و المولى محمد صالح المازندراني و المولى أبو الحسن الشريف ابن الشيخ محمد طاهر و غيرهم.

[1]. السرائر ج 1 ص 356 بحث صلاة الميّت و لفظه: و المخالف للحقّ كافر، بلا خلاف بيننا.

____________

(1). المعتبر، الطبع القديم ص 24، الطبع الجديد ج 1 ص 97.

231

يصار اليه الّا مع الدلالة.

ثانيها ما افاده بقوله: و عن علىّ (عليه السلام) انّه سئل أ يتوضّأ من فضل جماعة المسلمين أحبّ إليك أو يتوضّأ من ركو أبيض مخمّر؟ فقال: بل من فضل وضوء جماعة المسلمين فإنّ أحبّ دينكم الى اللّه تعالى الحنيفيّة السهلة السمحة ذكره أبو جعفر بن بابويه في كتابه. (1)

أقول: بيان هذه الرواية انّ عدم استعمال سؤرهم أمر مشكل، و في اجتنابه صعوبة و زحمة على العباد، و من المعلوم انّ الإسلام هو الشريعة السهلة السمحة و دين فيه من اليسر و السهولة ما لا يخفى، فلذا لا يجب الاجتناب و لا يلزم تحمّل هذا الأمر الشّاقّ.

و الإيراد عليه في استدلاله هذا بشموله للخوارج و النواصب ايضا مع انّهم كفّار بلا كلام و يجب الاجتناب عنهم قطعا، في غير محلّه.

و ذلك لانّ غرضه هو إثبات طهارتهم في الجملة، و هذا لا ينافي استثناء افراد خاصّة بالدليل المخصّص.

ثالثها: رواية عيص بن القاسم عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) انّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) كان يغتسل هو و عائشة من إناء واحد. (2)

رابعها قوله: و لأنّ النجاسة حكم مستفاد من الشرع فيقف على الدلالة.

ثم قال: امّا الخوارج فيقدحون في علىّ (عليه السلام) و قد علم من الدين تحريم ذلك فهم بهذا الاعتبار داخلون في الكفر لخروجهم عن الإجماع و هم المعنيّون بالنّصّاب و امّا الغلاة فخارجون عن الإسلام و ان انتحلوه انتهى.

و حيث انّ صاحب الحدائق كان قائلا بنجاسة المخالفين فقد أجاب عن‌

____________

(1). من لا يحضره الفقيه ج 1 باب المياه ح 16.

(2). وسائل الشيعة ج 1 ص 168 ب 7 من أبواب الأسئار ح 1.

232

تلك الوجوه.

امّا عن حديث السؤر و حكاية عائشة فبانّ الولاية الّتي هي معيار الكفر و الايمان إنّما نزلت في آخر عمره (صلّى اللّه عليه و آله) في غدير خم و المخالفة فيها المستلزمة لكفر المخالف انّما وقعت بعد موته فلا يتوجّه الإيراد بحديث عائشة و الغسل معها من إناء واحد و مساورتها كما لا يخفى و ذلك لأنّها في حياته على ظاهر الايمان و ان ارتدّت بعد موته كما ارتدّ ذلك الجمّ الغفير المجزوم بإيمانهم في حياته (صلّى اللّه عليه و آله).

ثم نقض على المحقّق بما حاصله انّه يعترف بكفر من أنكر ضروريّا من ضروريّات الدين و ان لم يعلم انّ ذلك منه عن اعتقاد و يقين و لا يحكم بنجاسة من يسبّ أمير المؤمنين (عليه السلام) و أخرجه قهرا مقادا يساق بين جملة العالمين.

و نحن نقول: بالنسبة إلى قصّة عائشة: انّ ولاية أمير المؤمنين (عليه السلام) و وصايته كانت امرا مسلّما من أوائل أمر الدعوة و ظهور الإسلام خصوصا بالنسبة الى من كان في بيت رسول اللّه كما يدلّ على ذلك حديث يوم الدار [1]، و عداوة عائشة لأمير المؤمنين (عليه السلام) ايضا لم تكن منحصرة بما بعد وفاة النبي‌

____________

[1]. و هو انّه لمّا نزلت قوله تعالى

وَ أَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ

(سورة الشعراء الآية 214) صنع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) طعاما و جمع بنى عبد المطلب و هم يومئذ أربعون رجلا فأكلوا جميعا. و فعل ذلك في يوم بعده و بعد ان أكلوا- من الطعام القليل- حتّى ما لهم بشي‌ء حاجة.

تكلّم رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقال: يا بنى عبد المطلب انّى و اللّه ما اعلم شابّا في العرب جاء قومه بأفضل ممّا قد جئتكم به انّى قد جئتكم بخير الدنيا و الآخرة و قد أمرني اللّه تعالى ان أدعوكم اليه فأيّكم يوازرني على هذا الأمر على ان يكون أخي و وصيّي و خليفتي فيكم؟ قال على (عليه السلام): فأحجم القوم عنها جميعا و قلت: و انّى لأحدثهم سنّا و أرمصهم عينا. آنا يا نبىّ اللّه أكون وزيرك عليه فأخذ برقبتي ثم قال: انّ هذا أخي و وصيّي و خليفتي فيكم فاسمعوا له و أطيعوا قال: فقام القوم يضحكون و يقولون لأبي طالب: قد أمرك ان تسمع لابنك و تطيع، راجع الغدير ج 2 ص 278 و قد نقله عن تاريخ الطبري ج 2 ص 216 و عن جماعة من أهل السنّة.

233

الأعظم (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم) و ارتحاله بل هي لا تزال كذلك في حياته و بعد وفاته. [1]

و يرد على ما أورده من النقض بأنّ كلّ ما يؤتى به بالنّسبة الى أمير المؤمنين من الهتك و الظلم فليس من باب إنكار الضروري للدّين و لا من باب الإنكار بل ربّما يكون منشأ ذلك هو غلبة الهوى.

و أجاب عن حديث الوضوء من فضل وضوء جماعة المسلمين بوجهين:

أحدهما: انّه مصادرة بالمطلوب.

ثانيهما: انّا لا نسلّم انّ المراد بالإسلام في الرواية معناه الأعمّ، بل المراد منه هو المعنى المرادف للايمان.

____________

[1]. كما يفصح عن ذلك ما ورد في حديث الطير من انّ عليّا (عليه السلام) قد طرق الباب ليدخل على رسول اللّه ثلاث مرّات و لم تأذن له ان يدخل حتّى قال لها رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) في الثالثة:

يا عائشة افتحي له الباب. و ورد في آخر هذا الخبر انّ النبيّ قال لها: ما هو بأوّل ضغن بينك و بين علىّ و قد وقفت على ما في قلبك لعلىّ انّك لتقاتلينه. راجع البحار ج 38 ص 348.

و ايضا ما رواه عن كشف اليقين عن علىّ بن ابى طالب (عليه السلام) قال: دخلت على رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قبل ان يضرب الحجاب و هو في منزل عائشة فجلست بينه و بينها فقالت:

يا بن ابى طالب ما وجدت مكانا لاستك غير فخذي؟ امطه عنى فضرب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) بين كتفيها ثم قال لها: و يك ما تريد من أمير المؤمنين و سيّد الوصيّين و قائد الغرّ المحجّلين.

راجع البحار ج 22 ص 244.

و ما حكاه ابن ابى الحديد عن شيخه اللمعاني في علّة ضغنها- بعد كلام طويل له-: ثم كان بينها و بين علىّ (عليه السلام) في حياة رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) أحوال و أقوال كلّها تقتضي تهييج النفوس نحو قولها له و قد استدناه رسول اللّه فجاء حتّى قعد بينه و بينها و هما متلاصقان: اما وجدت مقعدا لكذا- لا تكنّى عنه- الّا فخذي و نحو ما روى انّه سايره يوما و أطال مناجاته فجاءت و هي سائرة خلفها حتّى دخلت بينهما و قالت: فيم أنتما فقد أطلتما! فيقال ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) غضب ذلك اليوم. راجع شرح ابن ابى الحديد ج 9 ص 194 و قال في ص 199: هذه خلاصة كلام الشيخ ابى يعقوب (رحمه اللّه) و لم يكن يتشيّع و كان شديدا في الاعتزال.

و في نهج البلاغة خطبة 155:. و امّا فلانة فأدركها رأى النساء و ضغن غلا في صدرها كمرجل القين و لو دعيت لتنال من غيري ما أنت الىّ لم تفعل إلخ.

234

توضيحه انّا لو كنّا نعلم انّ المراد التوضّؤ من سؤر المخالفين لكان هذا دليلا على المطلوب و لكن الرواية لم تدلّ على أزيد من جواز الوضوء من فضل جماعة المسلمين، و من الممكن فرض كونهم من موالي أمير المؤمنين و محبّيه و أشياعه لا من المخالفين، و استشهد لذلك بقول بعض العلماء الأعيان فراجع.

ثم أورد على المحقّق- فيما قاله في الخوارج من انّهم المعنيّون بالنصاب- بالخروج عن مقتضى النصوص المستفيضة في الباب و عدم موافق له في ذلك لا قبله و لا بعده من الأصحاب.

و المستفاد من إيراده هذا هو انّ النواصب مطلق المخالفين لا طائفة خاصّة منهم على ما افاده المحقّق من تفسير الخوارج بهم.

و في هذا المطلب و ما ذكره قبل ذلك ما لا يخفى.

ثمّ انّه رحمة اللّه عليه ذكر أخبارا دالّة- عنده و بزعمه- على كفر المخالفين و نجاستهم- دفعا لما أورده المحقق في الوجه الرابع من انّ النجاسة حكم مستفاد من الشرع فيقف على الدلالة- و نحن نذكر تلك الاخبار و نتعرّض لما فيها.

قال: فمنها ما رواه في الكافي بسنده عن مولانا الباقر (عليه السلام) قال: انّ اللّه عزّ و جلّ، نصب عليّا ((عليه السلام)) علما بينه و بين خلقه فمن عرفه كان مؤمنا، و من أنكره كان كافرا، و من جهله كان ضالّا. (1)

و فيه انّ الظاهر منها بقرينة قوله: و من جهله كان ضالّا، هو إنكار الولاية عن علم و فهم، لانّ الجهل به (عليه السلام) هو الجهل بشامخ مقامه و ان عرف شخصه فمن جهل أمر الولاية فهو ضالّ، و في قبالة من أنكر عالما بعلوّ شأنه و رفعة مقامه و سموّ مكانته و انّه المنصوص بالخلافة قطعا، و لا إطلاق لقوله: و من أنكره كان كافرا، حتّى يشمل الجاهل ايضا حيث انّ الجملة الأخيرة متعرّضة‌

____________

(1). أصول الكافي ج 1 ص 437.

235

للجاهل بالخصوص.

فحاصل الرواية انّ العارف بشأنه مؤمن، و المنكر الجاهل ضالّ، و المنكر العالم كافر، فلم يثبت الكفر الّا للمنكر العالم و لا نتضائق عن ذلك فإنّه أمر مسلّم مفروغ عنه، فإنّ الإنكار مع العلم و اليقين يستلزم تكذيب النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم)، لكن اين هنا و مدّعى صاحب الحدائق من كفر مطلق المخالفين مع انّ أكثرهم ليسوا من المنكرين عن علم و يقين بل منشأ إنكار أكثرهم هو الجهل و الشبهة فالرواية على خلاف مدّعاه أدلّ ممّا استدلّ له بها.

و ان شئت مزيد توضيح للمقام نقول: انّ الإنكار على ثلاثة أقسام:

1- الإنكار مع العلم.

2- الإنكار مع الشك و هذا لا يتحقّق الّا بمعنى انّه لو كان في الواقع فهو ينكره، و الّا فالشك لا يجامع الإنكار لأنّ معنى الشك هو احتمال الصّحّة كاحتمال البطلان و الدوران بينهما فكيف يمكن إنكار شي‌ء مع احتمال صحّته؟

3- الإنكار مع الجهل المركّب و هذا في الحقيقة ليس إنكارا بل هو الجهل المحض و ان كان إنكارا بالنسبة إلى معتقدنا، و الرواية متعرضة للاوّل و الثالث و انّ المنكر بالنحو الأوّل كافر، و بالنحو الأخير ضالّ، لكن لا يخفى انّ الإنكار بالنحو الأخير أيضا قسمان:

فتارة لا ينافي إنكاره التصديق الإجمالي بما قاله النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) نظير قطع الفقيه و افتاءه بشي‌ء فهو ينكر ما يخالفه لكنّه بحيث لو علم انّ الحقّ هو ما يخالف قوله لأقرّ بذلك و اعترف بخطئه.

و اخرى ينافيه بحيث ينكر شيئا مصرّا عليه حتّى و لو علم بخطئه كمن يقول: انّى لا أقبل أمر كذا و ان كان حقّا في الواقع، فإنكار هذا الشخص ينافي التصديق الإجمالي و يرجع امره الى القسم الأوّل من الأقسام الثلاثة، و على اىّ‌

236

حال فلا يصحّ التمسّك بهذه الرواية في إثبات دخل الولاية في تحقّق الإسلام مضافا الى الإقرار بالشهادتين.

و منها: عن أبي إبراهيم (عليه السلام) قال: انّ عليّا ((عليه السلام)) باب من أبواب الجنّة فمن دخل بابه كان مؤمنا و من خرج من بابه كان كافرا و من لم يدخل فيه و لم يخرج منه كان في الطبقة الذين للّه عزّ و جلّ فيهم المشيئة. (1)

أقول: الظاهر انّ المراد من قوله: فمن دخل بابه إلخ هو المصدّق للولاية المعترف بالوصاية فهو المؤمن حقّا، و من قوله (ع): و من خرج من بابه إلخ هو المنكر لها عن علم و عرفان، فهو الكافر، و من قوله: من لم يدخل و لم يخرج إلخ هو المستضعف امّا لضعف عقله و دركه أو لعدم مساعدة الوسائل و التوفيق للعلم و ان كان بحيث لو ساعدته الوسائل لعلمها فهو في الطبقة الذين للّه عزّ و جلّ فيهم المشيئة و امره موكول الى اللّه يحكم فيه ما يريد.

و هذه ايضا لا تدل على مدّعاه حيث انّها تدلّ على كفر الخارج عن باب الولاية عالما عارفا، و نحن ايضا نقرّ و نعترف بذلك، و انّما النزاع في كفر مطلق المخالف و لم يثبت ذلك.

و منها: عن الصادق (عليه السلام) قال: من عرفنا كان مؤمنا و من أنكرنا كان كافرا، و من لم يعرفنا و لم ينكرنا كان ضالّا حتّى يرجع الى الهدي الذي افترضه اللّه عليه من طاعتنا الواجبة فان مات على ضلالته يفعل اللّه به ما يشاء. (2)

أقول: انّ معنى قوله (عليه السلام): يفعل اللّه به ما يشاء، هو انّه يمكن مساعدة وسائل المغفرة كما انّه يمكن عدم مساعدتها له فقد ورد في بعض الروايات شفاعة أمير المؤمنين (عليه السلام) للمخالف إذا لم يكن معاندا‌

____________

(1). أصول الكافي ج 2 ص 389.

(2). أصول الكافي ج 1 ص 187.

237

له (عليه السلام).

و معنى قوله: لم يعرفنا و لم ينكرنا، هو الساكت عن أمر الولاية كمن يقول عند ذكر هذه الأمور: ما لنا و الغور فيها ذروها بحالها حقّا كانت أو باطلا.

و هذه الرواية أيضا لا تدلّ على مدّعاه بل هي صريحة في انّ مجرّد عدم قبول الولاية لا يوجب الكفر بل يوجب الضلالة.

نعم نقل بعد هذه الاخبار روايات تدلّ بإطلاقها على كفر المخالفين.

و منها ما رواه الصدوق عن ابى عبد اللّه (عليه السلام): انّ اللّه تبارك تعالى جعل عليّا (عليه السلام) علما بينه و بين خلقه ليس بينهم و بينه علم غيره فمن تبعه كان مؤمنا و من جحده كان كافرا و من شكّ فيه كان مشركا. (1)

فانّ قوله (عليه السلام): و من جحده كان كافرا، و ان كان ظاهرا في الجحد عن علم و يقين الّا انّه (عليه السلام) صرّح بعد ذلك بشرك الشاكّ ايضا و عندئذ يقع التعارض بينها و بين ما مضى من الاخبار الدّالّة على ضلالة من لم يعرفهم و لم ينكرهم، و عدم شركه.

و يمكن ان يجمع بينهما بأحد وجهين:

أحدهما: بالإطلاق و التقييد فانّ قوله (عليه السلام): من لم يعرفنا و لم ينكرنا مطلق يشمل الشاك و غيره.

و امّا قول ابى جعفر (عليه السلام) في هذه الرواية: و من شكّ فيه كان مشركا خاصّ بحال الشك، و النتيجة اختصاص الضلالة و عدم الكفر بمن لم يعرفهم لا مع الشك بل لعدم انقداح الاحتمال فيه حتّى يحقّق و تتمّ عليه الحجّة، فلو انقدح فيه الاحتمال و لم يعتن به و ترك الفحص و التحقيق و التنقيب و بقي على ما كان عليه من الشك يكون مشركا فكأنّه لا يريد التصديق الإجمالي للنّبي صلّى اللّه عليه‌

____________

(1). ثواب الأعمال و عقاب الأعمال ص 249.

238

و آله حيث انّ الشاك في التكليف الاعتقادي المحتمل له يجب عليه الفحص و النظر، و معنى عدم نظره و تحقيقه هو عدم قبوله و تسليمه له لو كان في الواقع كذلك و لا يجري أصالة البراءة أو الاستصحاب في الأمور الاعتقادية- بخلاف احتمال التكليف في غير الاعتقادات من الأمور التكليفية- بل الواجب هو الاجتهاد و الفحص بمجرّد الاحتمال و الشك، كما انّه يجب النظر في المعجزة لتبيّن صدق مدّعى النبوّة و كذبه فربّما يكون صادقا و مرسلا من اللّه، فلو ترك النظر فيها فلم يصدّقه يكون كافرا.

لا يقال: انّ مقتضى وجوب دفع الضرر المحتمل في الصورة الأولى أيضا هو وجوب الفحص فمع تركه يكون كالثاني فلا فرق بينهما أصلا.

لأنّا نقول: ليس هناك احتمال الضرر حتّى يجب دفعه حيث انّ المفروض عدم انقداح الاحتمال أصلا و هذا أمر جار في مطلق الأمور الاعتقادية حتّى بالنسبة إلى الاعتقاد بمبدإ الوجود، فلو كان قاصرا لم ينقدح فيه احتمال وجود المبدأ من رأس و لم ينظر في الأدلّة و الشواهد حتّى يوحّد اللّه تعالى و يؤمن به، فهو لا يستحقّ العقاب و يكون امره الى اللّه و معه قال اللّه تعالى وَ مٰا كُنّٰا مُعَذِّبِينَ حَتّٰى نَبْعَثَ رَسُولًا (1) و ليس المقصود من البعث مجرّده حتّى و لو بلا وصول أو بلا انقداح الاحتمال.

ثانيهما: ان يقال: انّ المراد من الشك في علىّ (عليه السلام) الموجب للكفر هو ما يلازم الشّك في النبوّة كان يحتمل انّه اصطفاه النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، و نصبه وصيّا لكونه صهرا له و انّه من أسرته، و بعبارة أخرى قد انتخبه للوصاية من عند نفسه و إرضاء لهواه، نعوذ باللّه من ذلك.

و يؤيّد ذلك ما نطقت به التواريخ من سؤال بعض انّه هل كان نصب علىّ‌

____________

(1). سورة الإسراء، الآية 15.

239

للخلافة من عند نفسه (ع) أو بأمر اللّه تعالى؟ فهذا الشك ملازم للشك في النبوّة و لذا يوجب الكفر، بل ربّما يوجب ردّ أمر اللّه تعالى كما يشهد بذلك ما نقل في ذيل آية سَأَلَ سٰائِلٌ بِعَذٰابٍ وٰاقِعٍ، لِلْكٰافِرينَ لَيْسَ لَهُ دٰافِعٌ من انّ واحدا منهم قال: اللّهم ان كان هذا من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء. [1]

و من جملة تلك الروايات ما عن الصادق (عليه السلام) قال: انّ عليّا (عليه السلام) باب هدى من عرفه كان مؤمنا و من خالفه كان كافرا و من أنكره دخل النار. [2]

و منها ما عن الصادق (عليه السلام) ايضا قال: الامام علم بين اللّه عزّ و جلّ و بين خلقه، من عرفه كان مؤمنا و من أنكره كان كافرا. (1)

تقريب الاستدلال انّ الإنكار و ان كان بحسب ما ذكر سابقا ظاهر في الإنكار عن علم و يقين الّا انّه يمكن شموله هنا للإنكار عن جهل ايضا حيث لا تعرّض هنا لصورة الجهل بالخصوص كي يختصّ الإنكار بصورة العلم، بخلاف الروايات المذكورة سابقا فإنّها متعرّضة لحال الجهل ايضا نظير قوله (عليه السلام): و من جهله كان ضالّا.

____________

[1]. فعن جعفر بن محمّد الصادق عن آبائه (عليهم السلام) قال: لمّا نصب رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) عليّا و قال: من كنت مولاه فعلىّ مولاه طار ذلك في البلاد فقدم على النبيّ (ع) النعمان بن الحارث الفهريّ فقال: أمرتنا عن اللّه ان نشهد ان لا إله إلّا اللّه و انّك رسول اللّه، و أمرتنا بالجهاد و الحج و الصوم و الصلاة و الزكاة فقبلناها ثمّ لم ترض حتّى نصبت هذا الغلام فقلت من كنت مولاه فعلىّ مولاه، فهذا شي‌ء منك أو أمر من عند اللّه؟ فقال: و اللّه الذي لا إله الّا هو انّ هذا من عند اللّه، فولّى النعمان بن الحارث و هو يقول: اللّهم ان كان هذا هو الحقّ من عندك فأمطر علينا حجارة من السماء فرماه اللّه بحجر على رأسه فقتله، و انزل اللّه تعالى

سَأَلَ سٰائِلٌ بِعَذٰابٍ وٰاقِعٍ

. راجع مجمع البيان ج 5 ص 352.

[2]. ثواب الأعمال و عقاب الأعمال ص 248 و لفظه هكذا: عن محمد بن جعفر عن أبيه (عليه السلام) قال: علىّ (عليه السلام) باب الهدى من خالفه كان كافرا و من أنكره دخل النار.

____________

(1). كمال الدين و تمام النعمة ص 412 ب 39 و حكاه في البحار ج 23 ص 88.

240

و في الأمالي بسنده عن النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) انّه قال لحذيفة اليماني:

يا حذيفة انّ حجّة اللّه عليكم بعدي علىّ بن ابى طالب (عليه السلام)، الكفر به كفر باللّه سبحانه، و الشرك به شرك باللّه سبحانه، و الشك فيه شكّ في اللّه سبحانه، و الإلحاد فيه إلحاد في اللّه سبحانه و الإنكار له إنكار للّه سبحانه و الايمان به ايمان باللّه تعالى، لأنّه أخو رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) و وصيّه و امام أمّته و مولاهم و هو حبل اللّه المتين و عروته الوثقى الّتي لا انفصام لها. (1)

أقول: يمكن الخدشة في دلالة هذه الرواية فإنّ ظاهر قوله (عليه السلام):

الكفر به إلخ هو الكفر مع العلم بأنّ اللّه جعله علما و حجّة و كذا الشّك فيه مع العلم بنصّ النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) شكّ في اللّه لانّ معناه الشّك في صحّة النصّ المزبور فكأنّه شكّ في كلام اللّه تعالى، و على هذا فلا دلالة ظاهرة لهذه الرواية على ما كان بصدده.

و منها ما رواه الصّحاف قال: سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قوله تعالى:

فَمِنْكُمْ كٰافِرٌ وَ مِنْكُمْ مُؤْمِنٌ فقال: عرف اللّه تعالى ايمانهم بموالاتنا و كفرهم بها يوم أخذ عليهم الميثاق و هم ذرّ في صلب آدم. (2)

الى غير ذلك من الروايات التي تمسّك بها صاحب الحدائق (رضوان اللّه عليه) على كفر المخالفين المنحرفين عن ولاية أمير المؤمنين و أولاده الطيّبين فراجع.

و هي معارضة لما تقدّم سابقا من الروايات الشارحة لمفهوم الإسلام الدّالة على عدم كون الولاية شرطا في الإسلام و انّها شرط الايمان و انّما ملاك الإسلام و تمام حقيقته هو الإقرار بالشهادتين.

____________

(1). أمالي الصدوق، م 36 ص 119.

(2). أصول الكافي ج 1 ص 426 و آلائه: سورة التغابن الآية 2.

241

و قد جمع بينها بنحوين:

أحدهما: انّ الكفر الذي أطلق عليهم في هذه الاخبار هو الكفر الحقيقي و ان كانوا مسلمين في الظاهر بحسب الروايات المتقدّمة فتجري عليهم أحكام الإسلام من طهارة البدن و جواز المناكحة و صيانة المال و حقن الدم و الموارثة فهم مخلّدون في النار لما ذكر من انّهم كفّار حقيقة و واقعا.

ثانيهما: حمل كفرهم على بعض معانيه و مرتبة من مراتبه و هو كفر الترك حيث انّهم تركوا و أضاعوا ما أمر اللّه تعالى به فالكفر هنا نظير كفر من ترك الحج الذي نصّ عليه في القرآن الكريم بقوله تعالى وَ لِلّٰهِ عَلَى النّٰاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطٰاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللّٰهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعٰالَمِينَ (1) و ايضا نظير ما ورد من انّ تارك الصلاة كافر (2) و تارك الزكاة كافر. (3)

و أورد في الحدائق على الوجه الأوّل من انّهم مسلمون ظاهرا و كفّار حقيقة بأنه لم يقم دليل على ذلك في غير المنافقين في وقته (صلّى اللّه عليه و آله و سلّم). و المتبادر من إطلاق الكفر حيث يذكر انّما هو ما يكون مباينا للإسلام و مضادّا له في الأحكام إذ هو المعنى الحقيقي للّفظ.

لكنّ الإنصاف عدم ورود اشكاله و ذلك لعدم المناص عن الجمع بين الاخبار فإذا كان بعض الروايات ناطقة بكفر المخالفين، و بعضها ناطقة بخلاف ذلك صريحة في إسلام المقرّ بالشهادتين فما يصنع هناك لو لم يجمع بينهما كذلك. و لكنه (رضوان اللّه عليه) لم يتعرّض للاخبار المعارضة و لم يذكرها أصلا‌

____________

(1). سورة آل عمران الآية 97.

(2). وسائل الشيعة ج 3 ص 28 ب 11 من أعداد الفرائض ح 4.

(3). وسائل الشيعة ج 6 ب 4 من أبواب ما تجب فيه الزكاة باختلاف يسير لفظا.

242

مع صراحتها في كون الولاية شرطا في الايمان لا في الإسلام، و انّ المعيار الأصيل في الإسلام هو شهادة التوحيد و الرسالة.

ثمّ انّ له رحمة اللّه عليه استدلالا آخر على كفر المخالفين و نجاستهم و هو مركّب من صغرى و كبرى مستظهرا لهما من الاخبار، و محصّل هذا البرهان انّ كلّ من كان مخالفا لعلىّ (عليه السلام) فهو ناصبيّ، و كلّ ناصبيّ كافر نجس، و نتيجة هاتين المقدّمتين نجاسة مطلق المخالف و كفره.

و استدلّ على الصغرى بروايات منها رواية معلّى بن خنيس قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: ليس الناصب من نصب لنا أهل البيت لأنّك لا تجد أحدا يقول: انا أبغض آل محمّد و لكن الناصب من نصب لكم و هو يعلم انّكم تتولّونا و تتبرّؤون من أعدائنا. (1)

و منها ما عن مستطرفات السرائر من كتاب مسائل الرجال و مكاتباتهم لمولانا ابى الحسن علىّ بن محمّد الهادي (عليه السلام) في جملة مسائل محمّد بن علىّ بن عيسى قال: كتبت إليه أسأله عن الناصب هل احتاج في امتحانه الى أكثر من تقديمه الجبت و الطاغوت و اعتقاد إمامتهما؟ فرجع الجواب: من كان على هذا فهو ناصب. (2)

و امّا الروايات الدّالة على نجاسة الناصب فمنها ما رواه في الكافي بسنده عن عبد اللّه بن ابى يعفور عن الصادق (عليه السلام) قال: لا تغتسل من البئر التي تجتمع فيها غسالة الحمّام فانّ فيها غسالة ولد الزنا و هو لا يطهر إلى سبعة آباء و فيها غسالة الناصب و هو شرّهما، انّ اللّه لم يخلق خلقا شرّا من الكلب و ان‌

____________

(1). معاني الأخبار ص 365.

(2). السرائر ج 3 ص 583.

243

الناصب أهون على اللّه تعالى من الكلب (1) الى غير ذلك ممّا تمسّك به من الروايات.

و فيه انّه و ان كان قد ورد إطلاق الناصبي على المخالف و ورد أيضا نجاسة الناصب و كفره، الّا انّ ورود الروايات الصريحة في كفاية الشهادتين في تحقّق الإسلام و انّ الإقرار بهما هو الملاك و الميزان، ايضا غير قابل للإنكار و عندئذ فلا بدّ من الجمع بينهما بنحو يرتفع التنافي فنقول:

النصب المذكور في الروايات التي تمسّك بها صاحب الحدائق هو مجرّد العداوة و المراد من الكفر هنا هو بعض مراتبه أو معانيه، و امّا الحكم بعدم حرمة ماله و نفسه فهو مترتّب على النصب بمعناه المصطلح المعروف. و كيف يمكن الحكم بكفر مطلق من قدّمهما و ان كان مقرّا بخلافة أمير المؤمنين لكنه يراه رابع خلفاء الرسول (صلّى اللّه عليه و آله) و سلم؟ و على الجملة فهم ايضا يحبّون و يقرّون بفضائله و يعترفون بمناقبه الضاحية.

و قد وقعت- في المرّة الاولى من تشرّفي بحجّ بيت اللّه الحرام- قضيّة لطيفة يناسب ذكرها في المقام و هي انّه: عند ما تشرّفنا بالمدينة الطيبة لزيارة قبر النبيّ الأقدس و قبور الأئمة (عليهم السلام) فقد سمحت بنا الظروف و ساعدنا الأمر فكنّا نصلّي بالناس جماعة في مسجد النبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) و اذّن مؤذننا و اجهر بشهادة الولاية فأفضى المخبر الدؤلي هذه القضيّة إلى قاضي القضاة و أخبره أنّ مؤذّن جماعة الشيعة قال في أذانه: اشهد انّ عليّا وليّ اللّه، و لكن القاضي اجابه: و انا أيضا أقول: اشهد انّ عليّا ولى اللّه أ فهل أنت تقول اشهد انّ عليّا عدوّ اللّه؟ فأجابه بقوله: لا و اللّه و انا أيضا أقول: انّه وليّ اللّه و على الجملة فقاضيهم ايضا قد صرّح بأننا نقول انّه وليّ اللّه غاية الأمر انّا لا نقول به في الأذان، و بذلك‌

____________

(1). وسائل الشيعة ج 1 ص 159 ب 11 من الماء المضاف ح 4.

244

قضى على الأمر و أطفئت نائرة الفتنة.

و يؤيّد ما ذكرناه- في الجمع بين الاخبار- من ترتّب أحكام الكفر على النصب المصطلح لا مطلق الانحراف عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انّ في بعض الروايات يقول: و فيهم ناصبيّ، فهذه الجملة ظاهرة بل صريحة في عدم كون مطلق المخالف ناصبيّا و انّ بعضهم كذلك.

ثمّ انّ له (رضوان اللّه عليه) كلاما آخر في هذا المقام افاده تتميما للبحث و هذا لفظه:

لا يخفى انّه على تقدير القول بالنجاسة كما اخترناه فلو ألجأت ضرورة التقيّة إلى المخالطة جازت المباشرة دفعا للضرر كما أوجبته شرعيّة التقية في غير مقام من الأحكام الّا انّه يتقدّر بقدر الضرورة فيتحرّى المندوحة مهما أمكن.

ثم قال: بقي الكلام في انّه لو زالت التقيّة بعد المخالطة و المباشرة بالبدن و الثياب فهل يجب تطهيرها أم لا، إشكال ينشأ من حيث الحكم بالنجاسة و انّما سوّغنا مباشرتها للتقيّة و حيث زالت التقيّة فحكم النجاسة باق على حاله فيجب إزالتها إذ لا مانع من ذلك، و من حيث تسويغ الشارع المباشرة و تجويزه لها أوّلا فما اتى به من ذلك أمر جائز شرعا و هو حكم اللّه تعالى في حقّه في تلك الحال و عود الحكم بالنجاسة على وجه يوجب التطهير بعد ذلك يحتاج الى دليل. الى آخر كلامه.

أقول: يستفاد من ملاحظة كلامه هنا انّ النزاع بينه و بين المشهور في الحقيقة لفظيّ لأنّه قد ثبت معاشرة الأئمة الطاهرين (سلام اللّه عليهم)، و أصحابهم و لا يزال المؤمنون من بعدهم كذلك في مختلف الأعصار و الأمصار إلى زماننا هذا، فإذا لم يلزم التطهير مع ثبوت المباشرة و المزاولة معهم من أوّل الأمر الى هذا الزمان طوال أعصار طويلة و ان كانت المعاشرة تقيّة فهذا عين القول‌

245

المشهور اى القول بطهارتهم و قد علمت انّه استشكل في لزوم التطهير بعد زوال التقيّة، و من المعلوم ان مقتضى الاشكال و الشكّ هو البراءة.

و بعبارة اخرى: ان المشهور قد أفتوا بجواز معاشرتهم و صيانة أموالهم و دمائهم لكونهم طاهرين، و صاحب الحدائق يقول بذلك للتقيّة، و على هذا فلا فائدة في هذا النزاع و لا تترتّب عليه ثمرة الّا في موارد نادرة لا تكون هناك تقيّة حيث يقول صاحب الحدائق هناك بوجوب التحرّز و الاجتناب دون المشهور.

و ان شئت فقل: انّ المشهور القائلين بإسلامهم لا يقولون به في تمام الشئون و جميع المراتب ظاهرا و واقعا بل غرضهم ترتّب خصوص هذه الأحكام المذكورة من أحكام الإسلام و الّا فهم لو ماتوا على ذلك و بلا توبة يحشرون في الآخرة كفّارا.

ثم انّه رحمة اللّه عليه قد نسب القول بالكفر و النجاسة إلى القدماء على ما مرّ سابقا.

و لا يخفى انّ هذا غير سديد الّا على ما استفاده من الاخبار من كون مطلق المخالف ناصبيّا و من المعلوم انّ كلّ ناصبيّ نجس، و على الجملة فقد نسب ما استفاده من الاخبار الى القدماء و الّا فلا تصريح في كلماتهم على نجاسة العامّة بل المتيقّن من قولهم هو نجاسة الناصب المصطلح المعروف. [1]

____________

[1]. أقول: و قد استدلّ علم الهدى السيّد المرتضى أعلى اللّه مقامه على نجاسة غير المؤمن بقوله تعالى

كَذٰلِكَ يَجْعَلُ اللّٰهُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ

سورة الانعام الآية 125 و بقوله تعالى

إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللّٰهِ الْإِسْلٰامُ

، سورة آل عمران الآية 19 و قوله تعالى

وَ مَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلٰامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ

، سورة آل عمران الآية 85 و الايمان يستحيل مغايرته للإسلام، فمن ليس بمؤمن ليس بمسلم.

و ردّ عليه فخر المحقّقين بقوله: و ليس بجيّد لقوله و تعالى

قٰالَتِ الْأَعْرٰابُ آمَنّٰا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَ لٰكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنٰا

سورة الحجرات الآية 14 و لقوله (عليه السلام): أمرت أن أ قاتل الناس حتّى يقولوا:

لا إله إلّا اللّه، محمّد رسول اللّه، و المراد بالايمان هنا الإسلام استعمالا للفظ الخاص في العام.

246

فتحصّل من ابحاثنا الماضية و ما ذكرناه في هذا المقام انّ ما يتحقّق به الإسلام هو الإقرار بالشهادتين فقط بشرط عدم إظهار ما يخالف الإسلام كإنكار الضروريّ و ثبت ايضا انّ الغلاة و الخوارج منكرون للضروريّ و محكومون بالكفر.