مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى - ج10

- الشيخ محمد تقي‏ الآملي المزيد...
558 /
101

اليه بعقد المعاوضة أو بمثل الهبة أو الصلح المجاني أو الإرث على الأقوى، و اعتبر بعضهم كون الانتقال اليه بعنوان المعاوضة، و سواء كان قصد الاكتساب به من حين الانتقال اليه أو بعده و ان اعتبر بعضهم الأول، فالأقوى انه مطلق المال الذي أعد للتجارة فمن حين قصد الاعداد يدخل في هذا العنوان و لو كان قصده حين التملك بالمعاوضة أو بغيرها الاقتناء و الأخذ للقنية

فهو اى المصنف (قده) يعتبر قصد الاكتساب بالمال فقط في صدق مال التجارة عليه بلا اعتبار كون تملكه بالعقد المعاوضي، و لا اعتبار مقارنة قصد الاكتساب مع التملك، و لاعتبار فعلية الاكتساب بلى يكفى عنده قصد الاعداد للاكتساب سواء كان المنتقل عنه أخذه للتجارة أم لا، و قيل كما في الجواهر بالقول الثالث لكن مع تقييده بما إذا كان المنتقل عنه أخذه للتجارة، و منشأ هذا الاختلاف ليس لأجل الخلاف في مفهوم مال التجارة عرفا، و لا لأجل الخلاف في الاصطلاح الفقهي فيه بان اصطلح كل فرقة معنى في ما يطلق عليه مال التجارة غير ما يطلق عليه عند الأخر كما صرح به في الغنائم، بل الخلاف فيما يعتبر في مال التجارة من حيث انه موضوع لحكم الزكاة و صيرورته متعلقا للحكم، و الخلاف في ذلك نشأ في الخلاف في ما يفهم من الاخبار في موضوعه، فان الظاهر من بعضها اعتبار كونه منتقلا اليه بعقد معاوضي بقصد التجارة مع مقارنة القصد للتملك كما هو مختار القائلين بالقول الأول، و ذلك كخبر سماعة و فيه سألته عن الرجل يكون عنده المتاع موضوعا فيمكث عنده السنة و السنتين أو أكثر من ذلك قال ليس عليه زكاة حتى يبيعه الا ان يكون اعطى به رأس ماله فيمنعه من ذلك التماس الفضل فإذا هو فعل ذلك وجبت فيه الزكاة فان لم يكن اعطى به رأس ماله فليس عليه زكاة حتى يبيعه و ان حبسه ما حبسه فإذا هو باعه فإنما عليه زكاة سنة واحدة، و خبر العلاء عن الصادق (عليه السلام) و فيه قال قلت المتاع لا أصيب به رأس المال على فيه الزكاة قال: لا قلت أمسكه سنين ثم أبيعه ماذا علي قال: سنة واحدة، فإن الظاهر من رأس المال الموجود في هذين الخبرين هو المال الذي وقعت التجارة به بصيغة الماضي لا ما يتجر به بصيغة‌

102

المضارع و أعد للتجارة و لو لم يتجر به بعد، و ما في الجواهر من عدم اعتبار كونه رأس المال عند مالك العين حتى يحتاج الى صدور التجارة منه بل المراد به ثمن المتاع في نفسه و لو لم يكن ثمنيته بفعل المالك بل كانت بفعل المنتقل منه كالواهب و المورث بعيد في الغاية لا ينبغي ان يحتمل، و كخبر ابى الربيع الشامي في رجل اشترى متاعا فكسد عليه متاعه و قد كان زكى ماله قبل ان يشترى به هل عليه زكاة أو حتى يبيعه فقال: ان أمسكه التماس الفضل على رأس المال فعليه الزكاة، و صحيح محمد بن مسلم الذي سئل عن الصادق (عليه السلام) عن رجل اشترى متاعا و كسد عليه و قد زكى ماله قبل ان يشترى متاعا متى يزكيه فقال: ان كان أمسك متاعه يبتغى به رأس المال فليس عليه زكاة و ان كان حبسه بعد ما يجد رأس ماله فعليه الزكاة بعد ما أمسكه بعد رأس المال، و ظهور هذين الخبرين في المال المشتري للتجارة فعلا غير قابل للإنكار، و كمقطوعة محمد بن مسلم انه ع قال كل ما عملت به فعليك فيه الزكاة إذا حال عليه الحول.

و خبر خالد الكرخي السائل عن الصادق (عليه السلام) عن الزكاة فقال: ما كان من تجارة في يدك فيها فضل ليس يمنعك من بيعها الا لتزداد فضلا على فضلك فزكه و ما كانت من تجارة في يدك فيها نقصان فذلك شي‌ء أخر، و هذان الخبران أيضا ظاهران في الاتجار بالمال بالفعل و ان لم يستفد بهما اعتباره على وجه الشرطية، و كالروايات المتظافرة الواردة في مال اليتيم و المجنون، و في بعضها إذا حركته فعليك زكوته، و في بعضها لا يجب في مالهم الزكاة حتى يعمل به فإذا عملوا به ففيه الزكاة، و اما إذا كان موقوفا فلا زكاة عليه، و في بعضها ليس على مال اليتيم زكاة الان يتجر به فان اتجر به ففيه الزكاة، و الربح لليتيم، و جميعها يدل على اعتبار التجارة الفعلية في موضوع الزكاة، و كخبر ابى بصير عن الصادق (عليه السلام) لا تأخذن مالا مضاربة إلا ما تزكيه أو يزكيه صاحبه، و قال و ان كان عندك متاع في البيت موضوع فأعطيت به رأس مالك فرغبت عنه فعليك زكوته، و خبر إسماعيل بن عبد الخالق‌

103

قال سأله سعيد الأعرج و انا اسمع فقال: انا نكبس الزيت و السمن نطلب به التجارة فربما مكث عندنا السنة و السنتين هل عليه زكاة، فقال: ان كنت تربح فيه شيئا أو تجد رأس مالك فعليك فيه زكاة و ان كنت انما تربص به لأنك لا تجد إلا وضيعة فليس عليك زكاة حتى يصير ذهبا أو فضة فإذا صار ذهبا أو فضة فزكه للسنة التي اتجرت فيها، و اعترف صاحب الجواهر بظهورهما في رأس مال الرجل لكنه قال بعدم دلالتهما على الاشتراط، و لعل منشأ ظهورهما في رأس مال المالك هو إضافة رأس المال الى كاف الخطاب الموجب لابائه عن الحمل على رأس المال في نفسه و لو كان من المنتقل اليه، هذا ما استدل به للقول الأول، و استدل للقول بعدم اعتبار فعلية التجارة و كفاية الاعداد لها و العزم عليها بما في المعتبر من ان المال بإعداده للربح يصدق عليه انه مال تجارة فيتناوله الروايات المتضمنة لاستحباب زكاة التجارة، قال (قده) و قولهم التجارة عمل قلنا لا نسلم أن الزكاة تتعلق بالفعل الذي هو الابتياع بل لم لا يكفي إعداد السلعة لطلب الربح و ذلك يتحقق بالنية، و بخبر شعيب عن الصادق (عليه السلام) قال: كل شي‌ء جرّ عليك المال فزكه و كل شي‌ء ورثته أو ذهب لك فاستقبل به، و موثق سماعة عن الصادق (عليه السلام) قال ليس على الرقيق زكاة إلا رقيق يبتغى به التجارة فإنه من المال الذي يزكى، و خبر محمد بن مسلم انه قال كل مال عملت به فعليك فيه الزكاة إذا حال عليه الحول، قال يونس تفسيره ان كل ما عمل به للتجارة من حيوان و غيره فعليه فيه زكاة، و ما بالطريق العامي الذي رواه احمد عن سمرة انه قال أمرنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ان نخرج الصدقة مما نعده للبيع و بالنية يصير كذلك، و أجيب عن الجميع اما ما في المعتبر فبان الظاهر من مال التجارة و ان كان هو الأعم مما اتجر به فعلا أو أعد للاتجار به فيكفي في صحة إطلاق الاسم جعل المال معدا للاسترباح به لكن لا يبعد دعوى ان المنساق منه عرفا هو المال المستعمل في عمل التجارة لا مطلق ما وضع لذلك بحيث يعم الفرض، و لو سلم عدم انصراف لفظ مال التجارة إلى المال‌

104

المستعمل في عمل التجارة و شموله عرفا لما أعد للتجارة فدعوى تناوله للروايات المتضمنة لاستحباب زكاة التجارة ممنوعة، لما عرفت من ظهور ما تقدم من الاخبار التي استدل بها للقول الأول، أو انحصاره في المال المستعمل في التجارة، و لا تشمل ما أعدلها و ان لم تدل على نفيها عنه أيضا كما لا يخفى.

و اما خبر شعيب ففي رسالة الزكاة للشيخ الأكبر ان المراد من الشي‌ء في قوله ع: كل شي‌ء جر عليك المال هو النقد، و ذلك بقرينة قوله ع: و كل شي‌ء ورثته أو وهبت فاستقبل به يعنى استقبل به الحول إذ لا ريب ان الحول لا يستقبل إلا في النقدين، فالمراد ان النقد الذي جر عليك المال اى صار سببا لجر المال عليك بان أعطيته ثمنا يقوم بأزيد منه يجب فيه الزكاة و ان لم يحل الحول على عينه و هو يتوقف على عمل التجارة به، و لا يكفي إعداده لها كما هو واضح، و قال في مصباح الفقيه ان جر المال لا يتحقق الا بعد تحقق المعاملة و حصول الفعل فهو أخص من المال الذي تعلق به عمل التجارة، قال (قده) مع ان هذه الرواية لا تخلو عن إجمال فيحتمل قويا ان يكون لفظ المال الوارد فيها بالرفع فيكون المقصود به بيان عدم اعتبار الحول من الشي‌ء الذي يجره المال في الزائد على أصل المال الذي يعتبر فيه الحول انتهى، و اما خبر سماعة فالظاهر منه نفى الزكاة عن العبد الذي اشترى لغير التجارة الدال على إثباتها فيما اشترى للتجارة فيكون وزانه وزان الاخبار المستدل بها للقول الأول، و اما خبر محمد بن مسلم فهو في الدلالة على القول الأول أظهر، و لا ينافيه تفسير يونس بأنه كلما عمل للتجارة من حيوان و غيره، فإنه مع كونه من يونس يرجع الى المال المعمول به التجارة لا ما أعدلها و ان لم يتجر به و هذا ظاهر، و اما النبوي فمع قطع النظر عن انه من طريق العامة فالإنصاف انه ظاهر في ثبوت الزكاة فيما أعد للبيع كما قيل في تقريبه أنه بالنية يصير معدا للبيع، و قول العلامة (قده) في محكي تذكرته بأنه ليس بجيد فان النزاع وقع في ان المنوي هل هو معد للبيع أم لا ليس بجيد، إذ لا نزاع في ان المنوي للبيع معد للبيع قطعا، و انما الكلام في ان الزكاة في المعد للبيع أو فيما اتجر به فعلا، و مع فرض دلالة‌

105

النبوي على ثبوتها في المعد للتجارة لا يبقى محل للبحث، لكن الكلام في سنده و انه عامي لا يعبأ به مع مخالفته مع الاخبار المروية عن أئمتنا (عليهم السلام)، هذا و في الجواهر عند نقله لما في المعتبر قال (قده) و قال في المعتبر فيما حضرني من نسخته مسألة قال الشيخ الى ان انتهى الى نقل النبوي فنقله هكذا أمرنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ان نخرج بصدقة مما نعده للبيع بالنية، ثم نقل الى أخر ما في المعتبر، و الظاهر ان قوله (قده) فيما حضرني من نسخته إشارة إلى كون نسخة المعتبر الموجودة عنده في نقل النبوي كما ذكره من قوله: مما نعده للبيع بالنية فيكون قوله بالنية على هذه النسخة جزء من النبوي، و لا يخفى ان الاستدلال بالنبوي لا يتوقف على كون قوله بالنية من تتمة الحديث، بل يصح الاستدلال و لو لم يكن بالنية منها كما قد مناه، لكن في مصباح الفقيه تعجب من الجواهر و قال (قده): و العجب من عبارة المعتبر المنقولة في الجواهر حيث أورد فيها هذه الرواية بجعل لفظ بالنية المذكور من كلام احمد لدى تقريب الاستدلال من تتمة الرواية، و جعله محلا للاستشهاد فنقلها هكذا أمرنا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) ان نخرج الصدقة مما نعده للبيع بالنية و هو بحسب الظاهر اشتباه في النقل انتهى ما في المصباح.

(أقول) و لعل هذا شي‌ء لم يذهب عن صاحب الجواهر حيث يعتذر بقوله فيما حضرني من النسخة ثم لم يظهر منه (قده) جعله كلمة بالنية محلا للاستشهاد، و لا يكون الاستشهاد به أيضا منوطا بكون تلك الكلمة من تتمة الحديث كما ذكرناه، و بالجملة فالاستدلال بالنبوي ساقط بسقوطه عن الحجية لكونه من غير طريقتنا، فظهر ان الأقوى من هذه الأقوال هو القول الأول الأول كما عليه المشهور، فشرط تعلق الزكاة بمال التجارة هو انتقاله إليه بمعاملة قصد بها الاكتساب، فلا زكاة فيما ينتقل اليه بغير المعاملة من ميراث و هبة و نحوهما، أو ملكه للقنية ما لم يتجر به، أو اشتراه للتجارة ثم نوى القنية قبل حول الحول، ثم ان هاهنا أمور أ ينبغي التنبيه عليها.

106

(الأول) قال في المسالك في بيان اجزاء الحد المذكور في الشرائع لمال التجارة أعني قول المحقق (قده) هو المال الذي ملك بعقد معاوضة و قصد به الاكتساب عند التملك المال بمنزلة الجنس فيدخل فيه ما صلح لتعلق الزكاة المالية وجوبا أو استحبابا و غيره كالخضراوات، و يدخل فيه أيضا العين و المنفعة و ان كان في تسمية المنفعة ما لا خفاء، فلو استأجر عقارا للتكسب تحققت التجارة انتهى ما في المسالك، و اليه أشار المصنف (قده) في المتن بقوله‌

و لا فرق فيه

اى في مال التجارة‌

بين ان يكون مما يتعلق به الزكاة المالية وجوبا أو استحبابا و بين غيره كالتجارة بالخضراوات مثلا و لا بين ان يكون من الأعيان أو المنافع كما لو استأجر دارا بنية التجارة.

و قال في البيان لو استأجر و أراد بنية التجارة أو أجر أمتعته للتجارة فهي تجارة، و لكن ناقش في ذلك الجواهر، و قال (قده) قد يناقش في استفادة ذلك من الأدلة ضرورة ظهورها في الأمتعة و نحوها كما نص على ذلك بعض مشايخنا بل هو الظاهر من المقنعة و غيرها، و حينئذ فما يأتي من مسألة العقار المتخذ للنماء قسم مستقل لا يندرج في مال التجارة، و اولى من ذلك الاستيجار على الاعمال للتكسب فان عدّ مثلها من التجارة كما ترى انتهى ما في الجواهر.

(أقول) و في قوله (قده) قد يناقش (إلخ) يشير الى ما في مفتاح الكرامة إذ فيه ما نصه: و الظاهر عدم شموله للمنفعة إذ الظاهر ان المراد بالمملوك المال، و الظاهر عدم صدقه على المنفعة، فتكون الزكاة العقار المتخذ للنماء قسما أخر انتهى، و لا يخفى ما في نفى صدق المال على المنفعة إذ هي مال عرفا كما ان التكسب بها تجارة قطعا، و سيأتي ان صاحب الجواهر صرح في مسألة العقار المتخذ للنماء بأنه من أقسام التجارة بالمال و انه مندرج في مال التجارة فيشترط فيه شروطه، و يكون حكمه حكمه، و اما الاستيجار بالاعمال بقصد الاكتساب فالظاهر انه أيضا نوع من التجارة و لا بأس بالقول بثبوت الزكاة فيما يستفاد منه من النقود و غيرها إذا اجتمعت فيه الشرائط.

107

(الثاني) إذا كانت المعاملة بالمعاطاة فإن قلنا بان المعاطاة تفيد الملك كما هو الحق فلا إشكال في ان التملك يحصل حين التعاطي فيعتبر قصد الاكتساب حينه في ثبوت الزكاة و ان قيل بإفادتها الإباحة و حصول الملك بالتصرف أو التلف فيقع الإشكال في اعتبار مقارنة النية مع حصول الملك، قال في الجواهر اعتبار نية الاكتساب حال حصول الملك بالتصرف أو التلف لأحد العوضين كما ترى انتهى، و في رسالة الشيخ الأكبر (قده) المعمولة في الزكاة و لو اشترى معاطاة فإن قلنا بكونها مملكة فلا إشكال في اعتبار مقارنة قصد الاكتساب لها، و ان قلنا بكونها مبيحة فمقتضى القاعدة عدم وجوب الزكاة في هذا المال كالحج، و هذا من جملة ما يلزم القائلين بالإباحة دون الملك، نعم لو التزم بترتب أحكام الملك عليه اعتبر القصد من حين أخذ المتاع، و ان قلنا بحصول التملك من حين تلف احد العوضين ففي تعيين زمان القصد صعوبة انتهى.

(الثالث) الظاهر ان اعتبار قصد الاكتساب عند التملك وارد مورد الغالب من كون التملك مقارنا للقصد و الا فلو اشترى له فضولا فأجازه بعد مدة بقصد الاكتساب كفى، و هذا على القول بالنقل في الإجازة ظاهر لا اشكال فيه، و كذا على القول بالكشف لأن الإجازة حينئذ أمر اختياري موجبة لحصول التملك من حين العقد، فيكون قصد الاكتساب متأخرا عن التملك لحصوله لرأس المال من حين الإجازة بقصد الاكتساب، و لا يضره تقدم التملك عليه كما يخفى.

(الرابع) لو اشترى عرضا للقنية بمثله ثم رد ما اشتراه بعيب أورد عليه ما باعه به فأخذه بقصد التجارة، ففي البيان انه لا يكفي في ثبوت الزكاة لأن الفسخ لا يعد معاوضة، و في الجواهر انه لم ينعقد لها بناء على اعتبار المقارنة للتملك بعد المعاوضة ضرورة عدم كون الفسخ بالعيب معاوضة، و كذلك الفسخ بالخيار المشروط له مثلا و ان قاله و نحوها، و في رسالة الزكاة للشيخ الأكبر (قده) و كيف كان فالمعاوضة في كلامهم حيث أضافوا إليه العقد لا يشمل الفسخ انتهى.

108

(أقول) لا إشكال في ان الفسخ يوجب خروج كل من العوضين عمن انتقل اليه و دخوله في ملك من انتقل عنه من حين الفسخ، و لذا يكون نماء الثمن قبل الفسخ للبائع و نماء المثمن من حين العقد الى زمان الفسخ للمشترى، و هذا لا اشكال فيه، انما الكلام في ان الفسخ هل هو دفع المانع عن تأثير مقتضى السابق من تملك البائع للمثمن و المشتري للثمن و هو العقد فبعد حله يؤثر المقتضى الأول أثره فليس الفسخ حينئذ تملكا جديدا، و انما هو موجب للعود إلى الملكية السابقة، أو انه تملك جديد و موجب لحصول ملك جديد، و يترتب على الأول عدم جواز التمسك بعموم الناس مسلطون على أموالهم في إثبات اللزوم عند الشك في تأثير الفسخ لان الفسخ حينئذ ليس تصرفا في ملك الغير بل هو تصرف في العقد برفعه الموجب لتأثير المقتضي السابق في أثره لارتفاع مانعه بالفسخ، فيكون تصرف الفاسخ في ملكه لا في ملك الغير حتى يمنع عنه بعموم الناس، و يترتب على الثاني جواز التمسك به في إثبات اللزوم، و كيفما كان فلا يكون قصد الاكتساب عند الفسخ موجبا لثبوت الزكاة، اما على الأول فلان الفسخ لا يكون معاوضة و اليه يشير ما في البيان من ان الفسخ لا يعد معاوضة، و ما في الجواهر من قوله ضرورة عدم كون الفسخ معاوضة، و اما على الثاني فلانه لا يكون عقد إبل هو معاوضة بغير العقد، و اليه يشير ما في رسالة الزكاة من قوله (قده) المعاوضة في كلامهم حيث أضافوا إليه العقد لا يشمل الفسخ، هذا تمام الكلام بالنسبة إلى الفسخ، و اما الرجوع في المعاطاة فهو ليس حلا لعقد حتى يقال بكونه رفعا للمانع الموجب لتأثير المقتضي السابق، إذا لمعاطاة ليست عقد إبل لا محيص فيه الا القول بكونه تملكا جديدا، و لذا يكون المرجع عند الشك في جوازه هو عموم الناس فهو معاوضة جديدة قطعا فلا يكون قصد الاكتساب عنده منشأ لثبوت الزكاة بناء على اعتبار العقد في المعاوضة كما ان يثبت به الزكاة لو قصد به الاكتساب بناء على كفاية مطلق المعاوضة و لو لم تكن بالعقد، و اما الإقالة فإن كانت فسخا عن تراض فحكمه حكم الفسخ، و ان كانت معاوضة جديدة‌

109

فحكمها حكم الرجوع، و ان كان الحق فيها كونها معاوضة جديدة، و ذلك للإجماع على ثبوت الشفعة فيها مع ذهاب المشهور الى تلقى الشفيع للملك عن المشتري لا البائع حيث ان تلقيه منه بعد الإقالة يحتاج الى رفعها و هو يصح إذا كانت معاوضة إذ لا معنى لرفع الفسخ لان رفعه انما هو بإيجاد العقد كما لا يخفى.

(الخامس) ما تقدم من الكلام في الأمر السابق كان فيما إذا اشترى عرضا للقنية بمثله ثم رد ما اشتراه بعيب أو شرط خيار أو غيرهما أو إقالة، و اما إذا اشترى عرضا للتجارة بمثله فكان المدفوع و المأخوذ كلاهما للتجارة كما إذا تعاوض التاجران ثم تراد العيب و شبهه جرى المتاعان في التجارة، و تثبت الزكاة كما صرح به في البيان، و تبعه في الجواهر و لا ينافي ثبوتها انتقال المال عن كل منهما إلى الأخر ثم عوده عنه اليه لتعلق هذه الزكاة اعنى زكاة مال التجارة بمالية العين المتقررة بعد خروج العين عن ملك المنتقل عنه في عوضها لا العين نفسها، و لو اشترى عرضا للتجارة بعرض للقنية فرد عليه عرض القنية بالعيب و نحوه انقطعت التجارة لأن القنية كانت في العين و قد استرد، و لو باع عرض التجارة بعوض للقنية ثم رد عليه عوضه فكذلك لانقطاع التجارة بنية القنية في بدله، و قال بعض مشايخنا (قدس الله نفسه) في الدرس انه على القول بكون الفسخ رجوعا إلى الملكية السابقة تثبت فيه الزكاة لكونه مملوكا بعقد المعاوضة و هو العقد السابق، و على القول بكون الفسخ معاوضة جديدة لا يثبت به الزكاة لعدم كون الفسخ عقدا معاوضيا.

(أقول) كون الفسخ رجوعا إلى الملكية لا يوجب زوال انقطاع التجارة بنية القنية بمعاوضة عوض التجارة بعوض القنية إذ أثر الفسخ و لو كان هو الرجوع الى الملكية السابقة يكون من حينه كما كان معترفا به (قدس سره)، و حينئذ يجب جعل حول التجارة من زمان الفسخ لانقطاع ما تقدم عليه بنية القنية في بدله كما كان ينقطع لو كان طرء عليه قصد القنية في نفس ما اشتراه للتجارة أعني العوض الذي عاوضه بعوض للقنية، نعم على القول بكون الفسخ تملكا جديد الا يثبت‌

110

فيه الزكاة أصلا بالنسبة إلى المعوض، اما قبل الفسخ فلانقطاع حوله، و اما بعد الفسخ فلكون التملك بغير العقد المعاوضي أعني دفع بالفسخ، و لعل هذا هو مراده (قده) من إبداء الفرق بين القولين بمعنى انه على القول بكون الفسخ رجوعا إلى الملكية السابق تثبت الزكاة إذا حال الحول من زمان الفسخ، و على القول الأخر لا تثبت و لو بعد الحول من زمان الفسخ لكون التملك بغير العقد المعاوضي، و هذا لا غبار عليه كما هو واضح.

(السادس) قال في المسالك: المراد بالمعاوضة ما يقوم طرفاها بالمال كالبيع و الصلح و يعبر عنها بالمعاوضة المحضة و قد يطلق على ما هو أعم من ذلك و هو ما اشتمل على طرفين مطلقا فيدخل فيه المهر و عوض الخلع و مال الصلح عن الدم، و في صدق التجارة على هذا القسم مع قصدها نظر، و قطع في التذكرة بعدمه انتهى، و قد تردد فيه في البيان أيضا، و قال (قده) و هل يعتبر في المعاوضة ان يكون محضة فيخرج الصداق و المال المختلع به و الصلح عن دم العمد نظر:

من انه اكتساب بعوض و: من عدم عد مثلها عوضا عرفا.

(أقول) و الأقوى عدم الثبوت و ذلك لا من جهة قصور المهر و عوض الخلع و أمثاله عن المال بل لمنع صدق المعاوضة فيه كما يشعر به عدم كون الصداق ركنا في النكاح.

(السابع) الظاهر ثبوت الزكاة في النماءات لتبعيتها لرأس المال و ان كان حصولها في ملك مالك العين و لم يكن تملك معاوضي، لأن ما بذله من رأس المال بإزاء العين كأنه يقع بإزائها بمالها من النماءات تابعة للعين في كونها مملوكة بعقد معاوضي واقع على العين، قال الشيخ الأكبر في رسالة الزكاة:

و اما ثبوت الزكاة في النماء و النتاج و الثمرة لمال التجارة فهو أيضا من حيث كونها أموالا حصل تملكها لسبب عقد المعاوضة و ان لم ترد المعاوضة على نفسها انتهى، هذا تمام الكلام في موضوع مال التجارة.

111

و الأمر الثاني في شروط ثبوت الزكاة فيه‌

[و يشترط فيه أمور]

و يشترط فيه أمور

[الأول بلوغه حد نصاب احد النقدين]

(الأول) بلوغه حد نصاب احد النقدين فلا زكاة فيما لا يبلغه و الظاهر انه كالنقدين في النصاب الثاني أيضا.

اما اعتبار أصل النصاب فيه فقد ادعى عليه إجماع الخاصة بل إجماع المسلمين جميعا، و يدل عليه من الاخبار خبر إسحاق بن عمار عن الكاظم (عليه السلام) قال قلت له تسعون و مأة درهم و تسعة عشر دينارا أ عليها في الزكاة شي‌ء؟ فقال: إذا اجتمع الذهب و الفضة فبلغ ذلك مأتي درهم ففيها الزكاة لأن عين المال الدراهم و كل ما خلا الدراهم من ذهب أو متاع فهو عرض مردود ذلك الى الدراهم في الزكاة و الديات، بناء على ان يكون المراد من صدر الرواية هو السؤال عن زكاة التجارة و اللّه يجب طرحه لكونه معمول به على ان الذيل كاف في إثبات المطلوب، حيث ان قوله ع: و كل ما خلا الدراهم من ذهب أو متاع فهو عرض مردود ذلك الى الدراهم يثبت المطلوب، فإن الزكاة في المتاع ليس إلا في مال التجارة و لا يضره إجمال الصدر أو اطراحه، لكونه غير معمول به على تقدير عدم حمله على مال التجارة لأن التفكيك في التعبد بالصدور بين الصدر و الذيل إذا اقتضته القواعد ليس بعزيز على ان الإجماع كاف في إثبات الحكم، فلا عبرة بتشكيك المحدث البحراني (قده) في الحدائق المبتني على تشكيكه في ظهور الخبر في المدعى و منعه عن التمسك بالإجماع على ما هو قاعدته، و لا حاجة أيضا لإثبات الحكم الى التمسك بصحيح ابن مسلم، و فيه قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الذهب كم فيه من الزكاة قال: إذا بلغ قيمته مأتي درهم فعليه الزكاة، بحمل الذهب فيه على الذهب المتجر به، و ان تخصيص الدراهم لغلبة المعاملة بها في ذلك الوقت و كون المأتي درهم عشرين دينارا، و لذلك يجمعون الدينار في مقابلة العشرة دراهم في الديات كما في الجواهر، حيث ان حمل الذهب فيه على الذهب المتجر به بعيد لا يصار اليه الا بقرينة منتفية في المقام، و مما ذكرنا ظهر أيضا عن المعتبر من النصاب فيه هو نصاب احد النقدين، حيث ان زكوته هو‌

112

زكاة احد النقدين بعينها، و ان الفرق بينهما بالوجوب و الندب و كونها في النقدين في العين و في مال التجارة في ماليته المحفوظ في ضمن ابداله الذي يكون في الغالب جنس النقدين أيضا، و كيف كان فلا زكاة فيه ما لم يبلغ النصاب الأول من احد النقدين، و في النصاب الثاني أيضا قولان، و المشهور كونه كالنقدين في ذلك، و عليه إذا بلغت القيمة عشرين دينارا أو مأتي درهم ثبت الزكاة و هي ربع العشر، ثم ليس فيه شي‌ء حتى تبلغ القيمة أربعة دنانير أو أربعون درهما تثبت فيه اى في الزائد حينئذ ربع عشر أربعة دنانير أو أربعون درهما، ثم على هذا الحساب في الزائد دائما، و عن الشهيد الثاني في فوائد القواعد انه لم يقف على دليل يدل على اعتبار النصاب الثاني، و ان العامة صرحوا بالنصاب الأول خاصة، و اعترض عليه في المدارك بان الدليل على اعتبار هو الدليل على اعتبار النصاب الأول، و العامة انما لم يعتبروا النصاب الثاني هنا لعدم اعتبارهم له في زكاة النقدين كما ذكر في التذكرة انتهى، و في المدارك و هو جيد، و اما نصاب غير النقدين من الأموال الزكوية فلا يعتبر في مال التجارة قطعا كما صرح به جماعة في محكي التذكرة فإنه (قده) قال فيها النصاب المعتبر في قيمة مال التجارة هنا احد النقدين الذهب و الفضة دون غيرهما، فلو اشترى بأحد النصب في المواشي مال التجارة و قصرت قيمة الثمن عن نصاب احد النقدين ثم حال الحول كذلك فلا زكاة، و لو قصر الثمن عن زكاة المواشي بأن اشترى بأربع من الإبل متاع التجارة و كانت قيمة الثمن أو السلعة تبلغ نصابا من احد النقدين تعلقت الزكاة به انتهى، و يعتبر وجود النصاب في تمام الحول اوله و وسطه و أخره، خلافا لبعض العامة فاعتبر النصاب في أول الحول و أخره لا في وسطه، و عن بعض أخر منهم انه ينعقد الحول على ما دون النصاب فان تم الحول و قد كمل النصاب وجبت الزكاة، قال في المدارك و لا ريب في بطلانها لأنها لو ثبت مع نقصانه في وسط الحول أو في أوله لوجبت في زيادة متجددة لم يحل عليها الحول انتهى.

113

[الثاني مضي الحول عليه]

(الثاني) مضي الحول عليه من حين قصد التكسب

بناء على كفاية قصد الاكتساب في ثبوت الزكاة على ما هو مختار المصنف و جماعة، أو من حين التجارة و الاكتساب بناء على المختار، و يدل على اعتبار الحول في ثبوتها فيه مضافا الى عدم الخلاف فيه بل عن التذكرة دعوى الإجماع عليه، بل في المعتبر و عن المنتهى ان عليه علماء الإسلام صحيح محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) و فيه و سئلته عن الرجل توضع عنده الأموال بعمل بها فقال: إذا حال الحول فليزكها.

[الثالث بقاء قصد الاكتساب طول الحول]

(الثالث) بقاء قصد الاكتساب طول الحول فلو عدل عنه و نوى به القنية في الأثناء لم يلحقه الحكم

إجماعا كما في الجواهر،

و ان عاد الى قصد الاكتساب اعتبر ابتداء الحول من حينه

و لا يحتاج هاهنا الى فعلية الاكتساب إذا كان انتقال المال اليه قبل قصد القنية بالاكتساب، حيث انه بعد العود الى قصد الاكتساب يصدق عليه انه مال التجارة لانتقاله اليه بالاكتساب مع قصده فإذا نوى به القنية ثم عاد الى قصد الاكتساب اعتبر ابتداء الحول من حينه، و لو على المختار من عدم الاكتفاء بقصد الاكتساب بل يعتبر فعلية الاكتساب.

[الرابع بقاء رأس المال بعينه طول الحول]

(الرابع) بقاء رأس المال بعينه طول الحول.

الظاهر ان مراد المصنف (قده) من رأس المال هاهنا هو مطلق مال التجارة لا خصوص الثمن الذي يفسره في الشرط الخامس كما لا يخفى، ثم انه وقع الخلاف في اشتراط بقاء السلعة في ثبوت الزكاة في مال التجارة، فالمحكي عن المشهور عدم اشتراطه، و ظاهر المحقق في الشرائع و جماعة هو الاشتراط، و حكى عن صريح المعتبر أيضا و ان كان في النسبة نظر، و اختاره في المدارك أيضا و جماعة من المتأخرين و هو مختار المصنف (قده) أيضا في المقام و يصرح به أيضا في المسألة الثانية من هذا الفصل، و استدل له كما في المدارك حاكيا عن المعتبر بأنه مال ثبت فيه الزكاة فيعتبر بقائه كغيره، و بأنه مع التبدل تكون الثانية غير الاولى فلا تجب فيها الزكاة لأنه لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول، و زاد على ما في المعتبر بان مورد النصوص المتضمنة لثبوت‌

114

هذه الزكاة السلعة طول الحول كما يدل عليه قوله ع في حسنة ابن مسلم: و ان كان حبسه بعد ما يجد رأس ماله فعليه الزكاة، و في رواية أبي الربيع ان كان أمسكه ليلتمس الفضل على رأس المال فعليه الزكاة، و قريب منها صحيحة إسماعيل بن عبد الخالق الوارد في الزيت قال سأله سعد الأعرج و انا اسمع فقال: انا نكيس الزيت و الزيت نطلب به التجارة فربما مكث عندنا السنة و السنتين هل عليه زكاة، فقال ع: ان كنت تربح فيه شيئا أو تجد رأس مالك فعليك زكوته و ان كنت انما تربص به لأنك لا تجد إلا وضيعة فليس عليك زكوته انتهى ما في المدارك، و بظاهر ما حكى من الإجماع على اعتبار ما يعتبر في المالية في زكاة التجارة أيضا، و بإطلاق ما دل على اعتبار البقاء كقوله ع: كلما لم يحل عليه الحول و هو عند ربه فلا زكاة فيه الشامل للمالية و التجارة، هذا جملة ما استدل به لإثبات هذا القول، و الكل مردود، اما ما عن المعتبر فلانه لا يخلو عن المصادرة لأن قوله مال ثبت فيه الزكاة لا يدل على انه يعتبر بقائه كغيره، و كذا قوله انه مع التبدل تكون الثانية غير الأولى فإنه أيضا لا يدل على عدم وجوب، و استدلاله بقوله لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول لا يدل على اعتبار بقاء عين السلعة في تمام الحول، و بالجملة فما عن المعتبر ليس بشي‌ء، و اما النصوص التي استدل بها في المدارك فهي تدل على ثبوت الزكاة في السلعة التي حال على عينها الحول، و هذا مما لا اشكال فيه لا على اعتبار بقائها بعينها في تمام الحول لا سيما الخبر الأخير أعني صحيح إسماعيل بن عبد الخالق الذي يكون فرض بقاء السلعة فيه في السنة و السنتين في كلام السائل الذي يسئل عن مورد ابتلائه فلا يدل على انحصار الحكم عليه كما هو واضح، و اما الإجماع على اعتبار ما اعتبر في زكاة المالية في التجارة فممنوع بمصير المشهور على اعتبار بقاء العين في تمام الحول في المالية، و على عدم اعتباره في التجارة، و اما إطلاق ما دل على اعتبار البقاء فهو على تقدير تسليمه و عدم انصرافه إلى المالية يقيد بالأدلة الدالة على عدم اعتباره في التجارة،

115

و استدل لعدم اعتباره بدعوى إجماع العلامة و ولده الفخر في الإيضاح على عدم الاعتبار و النصوص الظاهرة في ذلك كصحيح محمد بن مسلم كل مال عملت به فعليه الزكاة إذا حال عليه الحول حيث ان العمل به لا يجامع مع بقائه في الحول، و خبر شعيب كل شي‌ء جر عليك المال فزكه، و موثق سماعة سألته عن الرجل يكون معه المال مضاربة هل عليه في ذلك المال زكاة إذا كان يتجر به فقال ينبغي له ان يقول لأصحاب المال زكاة فان قالوا انا نزكيه فليس عليه غير ذلك (الحديث)، و النصوص الدالة على عدم الوجوب التي حملوها الأصحاب على الندب جمعا بينها و بين ما تدل على الوجوب كقوله ع: ليس في المال المضطربة زكاة، و غيره فإنه بعد الحمل على الندب يدل على ثبوت الزكاة في المال المضطربة و هو اعنى الاضطراب الذي كناية عن القلب و الانقلاب لا يجامع مع بقائه في تمام الحول، مضافا الى ان الغالب في مال التجارة هو التقلب و الدوران لا البقاء و القرار، فاعتبار البقاء في الحول يوجب عدم ثبوت الزكاة إلا نادرا و هو لا يلائم مع تشريعها، و الحاصل ان الزكاة في الحقيقة في المال المنقلب به للتجارة لا شخص ما اشتراه بها، و هذا هو الأقوى و عليه العمل.

[الخامس ان يطلب برأس المال أو بزيادة طول الحول]

(الخامس) ان يطلب برأس المال أو بزيادة طول الحول.

و في الجواهر بلا خلاف أجده فيه كما اعترف به بعضهم، و في رسالة الزكاة للشيخ الأكبر (قده) إجماعا كما في المعتبر، و عن المنتهى و يدل عليه من الاخبار صحيح محمد بن مسلم و صحيح إسماعيل بن عبد الخالق و خبر ابى ربيع الشامي و خبر الكرخي التي سبق جميعها في هذا الفصل غير مرة، و المراد بطلب رأس المال ان لا ينقص قيمته السوقية المتعارفة، لا ان يوجد له راغب بالفعل في جميع أيام السنة، إذ قد لا يوجد له راغب لكنه بحيث لو وجد له راغب لكان قيمته السوقية المتعارفة بقدر رأس المال أو أزيد، و هل مطلوبيته برأس المال أو أزيد شرط في ثبوت الزكاة، أو نقص قيمته السوقية مانع عنه (احتمالان) ظاهر المستفاد من‌

116

من الاخبار هو الأول كما يظهر من التأمل في موثق سماعة و فيه سألته عن الرجل يكون عنده المتاع موضوعا فيمكث عنده السنة و السنتين أو أكثر من ذلك، قال: ليس عليه زكاة حتى يبيعه الا ان يكون اعطى به رأس ماله فيمنعه من ذلك التماس الفضل فإذا هو فعل ذلك وجبت فيه الزكاة فان لم يكن اعطى به رأس ماله فليس عليه زكاة حتى يبيعه و ان حبسه ما حبسه ماذا هو باعه فإنما عليه زكاة سنة واحدة، حيث ان قوله ع: الا ان يكون اعطى به رأس ماله و قوله ع: فان لم يكن اعطى به رأس ماله ظاهر في كون الطلب برأس المال أو الزيادة شرط، و تظهر الثمرة فيما لو شك حاله في الطلب برأس المال و الزيادة فعلى البناء على شرطية الطلب برأس المال أو الزيادة تنفى الزكاة من غير حاجة في نفيها الى التمسك بالأصل، حيث ان الشك في تحقن الشرط يوجب الشك في تحقق المشروط، و على البناء على مانعية النقص عن القيمة السوقية يكون الحكم هو ثبوت الزكاة فيما لو علم بعدم النقص و قد شك فيه لاستصحاب عدم طريانه في الحول، و مع عدم العلم بعدمه بان لم تكن حالته السابقة معلومة يكون المرجع هو البراءة عن الزكاة لو قلنا بإجراء البراءة في الندب كما لا يبعد دعواه بالنسبة إلى أدلة البراءة الشرعية فيما لا تكون مساقها مساق حكم العقل بالبراءة كما أوضحنا سببه في الأصول، و كيف كان‌

فلو كان رأس ماله مأة دينار مثلا فصار يطلب بنقيصة في أثناء السنة و لو حبة من قيراط يوما منها سقطت الزكاة

كما في غير واحد من المتون، و في الجواهر لو كان رأس ماله مأة فطلب بنقيصة و لو حبة من قيراط يوما من الحول في الأول أو الأخر أو الوسط لم يستحب الزكاة عندنا لما عرفت من الإجماع و النصوص، ثم قال و في محكي التذكرة فلو نقص في الانتهاء بان كان قد اشترى بنصاب ثم نقص السعر عند انتهاء الحول أو في الوسط بان كان قد اشترى بنصاب ثم نقص في السعر في أثناء الحول ثم ارتفع في أخره فلا زكاة عند علمائنا، و هذا واضح، و انما المخالف فيه بعض العامة انتهى، و في رسالة الشيخ الأكبر (قده) فلو نقص منها في أثنائه و لو يوما شيئا و لو يسيرا من جهة انخفاض‌

117

السعر لم تجب الزكاة إجماعا كما في المعتبر، و عن المنتهى و في اسناد الحبة الى القيراط بكلمة من في عبارة الجواهر إشارة الى ما في المسالك قال (قده): المراد بالحبة المعهودة شرعا و هي التي يقدر بها القيراط فيكون من الذهب اما نحو حبة الغلات منها فلا اعتداد بها لعدم تمولها، و المراد بسقوط الاستحباب بالنسبة إلى الحول الأول فلو عاد إلى أصله أو زاد استؤنف الحول حينئذ انتهى ما في المسالك، و قال في مصباح الكرامة قال بعضهم ان الحبة من الفضة لا تثلم النصاب انتهى.

و المراد برأس المال الثمن المقابل للمتاع

كما في الجواهر قال (قده) فيه: و يحتمل قويا جميع ما يغرمه من مؤنة نقل و اجرة حفظ و ما يأخذه العشار و غير ذلك، و لو سلم عدم كون ذلك من رأس المال لغة و عرفا فلا يبعد كونه من المؤن التي قد عرفت الحال فيها إذ الظاهر عدم الفرق بين الزكاة الواجبة و المندوبة في ذلك انتهى، ثم انه في الشرائع بعد اشتراط ان يطلب برأس المال أو بزيادة، قال و روى انه إذا مضى و هو على النقيصة أحوال زكاه لسنة واحدة استحبابا، و لعله يشير بقوله هذا إلى رواية علا عن الصادق (عليه السلام) قال قلت المتاع لا أصيب به رأس المال على فيه زكاة قال: لا قلت أمسكه سنين ثم أبيعه ما ذا علي قال: سنة واحدة، و قد حملها الشيخ (قده) على الاستحباب جمعا بينها و بين غيرها من الروايات المتضمنة لسقوط الزكاة مع النقيصة، و رواية سماعة و في ذيلها فإذا باعه فعليه زكاة سنة واحدة هذا، و قال في مصباح الفقيه بعد نقل الروايتين و الخبر المروي عن قرب الاسناد و ذيل صحيحة إسماعيل المتقدمة غير مرة انه ليس في هذه الاخبار تصريح بالاستحباب كما يوهمه ظاهر عبارة المصنف رحمة اللّه انتهى، و كأنه جعل قول الشرائع استحبابا من تتمة قوله و روى (إلخ)، و لكن الظاهر ان المروي يتم عند قوله زكاه لسنة واحدة، و ان قوله استحبابا بيان لمختاره و وجه الاستحباب هو ما تقدم عن الشيخ (قده) من الجمع بين الاخبار.

و قدر الزكاة فيه ربع العشر كما في النقدين

بلا اشكال فيه بل الإجماع‌

118

عليه كما عن التذكرة ان المخرج ربع العشر اما من العين أو القيمة على الخلاف إجماعا، و ذلك لدلالة النصوص المشتملة على حكم هذه الزكاة على انها هي زكاة النقدين الا انها مستحبة لكونها من مال التجارة المحفوظ ماليته في ضمن ابداله الذي يكون في الغالب من جنس النقدين، و لذا يعتبر فيها نصابهما كما تقدم، و الا فليس في رواياتها تصريح بكون مقدارها هو مقدار زكوتهما كما لا يخفى.

و الأقوى تعلقها بالعين كما في الزكاة الواجبة

المحتملات في متعلق زكاة التجارة كمتعلق زكاة العينية وجوه (منها) ان تكون متعلقة بالعين على وجه الاستحقاق بنحو الشركة أو على نحو الكلي في المعين، و الظاهر ان مختار المصنف (قده) هو الأخير أعني على وجه الكلي في المعين، كما يظهر من تشبيهه بالزكاة الواجبة التي اختار فيها كون تعلقها على وجه الكلي في المعين، و (منها) ان تكون متعلقة بالعين على نحو الاستيثاق بان يكون الفقير مستحقا لان يدفع اليه جزء من المال كربع العشر من مال التجارة لا بان يكون مالكا له قبل الدفع اليه بنحو الإشاعة أو الكلي في المعين بل لوجوب صرف جزء من المال اليه اما بدفع جزء من عين المال اليه، نظير وجوب دفع منذور التصدق الى المتصدق بالعين الشخصية كهذه الشاة مثلا، أو بدفع جزء من المال من قيمة العين نظير استحقاق المجني عليه الدية من قيمة العبد الجاني و الديان ديونهم من تركة الميت، و (منها) ان تكون متعلقة الذمة الساذجة، و المشهور كما في الجواهر انها متعلقة بالقيمة، و ذهب المحقق في المعتبر كما عن التذكرة إلى الأول، و الحق هو ان تعلقها بالعين على نحو الاستحقاق نظير استحقاق المجني عليه الدية عن العبد الجاني و الديان ديونهم من تركة الميت كما في الزكاة الواجبة عندنا حسبما تقدم، الا ان في الزكاة العينية تكون العين بخصوصية كونها شاة و بقر أو إبلا أو نقدا أو غلة متعلقة الزكاة و ان كان يجوز للمالك دفع القيمة بدلا عنها، و عنها، و في مال التجارة تكون قيمة المال متعلقة لها و ان كان المراد من تعلقها بالقيمة هذا الذي اخترناه فهو الحق‌

119

الذي لا محيص عنه، و ان أريد به معنى أخر فنحن مضربون عنه، و يدل على ما اخترناه، اما على كون المال متعلقا لها فلظواهر الأخبار الدالة عليه كقوله ع في كل ألف درهم خمسة و عشرين، و قوله ع في الأموال المعمول بها الزكاة إذا حال عليها الحول، و قوله ع: ليس في مال اليتيم زكاة حتى يعمل به أو يتجر، و نحو ذلك مما ورد التعبير فيه بكلمة في الظاهرة في الظرفية، و اما كون العين من حيث المالية التي هي عبارة عن روحها و معناها و قيمتها إذ المحسوس من المال هو العين كالثوب و نحوه، و انما المالية معناها القائمة بها التي بها تصير العين مالا فيميل إليها الناس فهي كالصورة النوعية في الأجسام التي بها يكون المال مالا فلان المنسبق من الأدلة كون المتعلق في هذه الزكاة هو مال التجارة و رأس المال مضافا الى ما تقدم منا من عدم اشتراط بقاء شخص المتاع طول الحول فالمتعلق للزكاة بالحقيقة هو القدر المشترك بين أعيان الأمتعة الموجودة من أول الحول إلى أخره المعبر عنه برأس المال و القدر المشترك بينها ليس الا ماليتها الباقية من أول الحول إلى أخره.

و مما ذكرنا ظهر انه ليس تعلقها بالذمة الساذجة، و ذلك لظهور أدلة ثبوتها في تعلقها بالعين، و لا انها متعلقة بالعين على نحو الاستحقاق بنحو الشركة و الإشاعة أو الكلي في المعين لظهور تلك الأدلة أيضا في كون العين بما هي رأس المال و متاع التجارة أعني المالية المشتركة بين أشخاص الأمتعة متعلقة لها (و حاصل المختار في هذا المقام) هو الفرق بين زكاة المالية و بين زكاة التجارة بعد اشتراكهما في كونهما متعلقة بالعين، و ان تعلقهما على نحو الاستيثاق لا الاشتراك على نحو الإشاعة أو الكلي في المعين بل على نحو الاستحقاق بان يكون الفقير مستحقا لان يدفع اليه جزء من المال على سبيل الوجوب في زكاة المالية و الندب في التجارة (بان المتعلق) في الزكاة الواجبة هو العين بما هي إنعام أو غلات أو درهم أو دينار، و في زكاة التجارة هو القدر المشترك بين المال الساري في أمتعة التجارة اعنى ماليتها لا العين بما هي ثوب و نحوه.

ثم انهم ذكروا ثمرات للقول بكون زكاة التجارة متعلقة بالعين أو بالقيمة،

120

منها ما ذكره الأكثر من انه لو باع العين صح البيع في جميعها و ان لم يضمن حصة المستحق بناء على تعلقها بالقيمة بخلاف الزكاة الواجبة، و من ثم يسمى العينية لتعلق الحق فيها بالعين فلا يصح البيع في حصة الفقراء قبل ضمانها، و اما بناء على تعلقها بالعين فيكون حالها كحال الزكاة العينية، و منها ما ذكره في المسالك من انه لو زادت القيمة بعد الحول فعلى القول بتعلقها بالقيمة يخرج ربع عشر القيمة الاولى، و على القول بتعلقها بالعين يخرج ربع عشر الزيادة أيضا، و منها في التحاص و عدمه لو قصرت التركة.

(أقول) اما الكلام في الثمرة الأولى بناء على المختار فالحق عدم التفاوت فيها بين الزكوتين إذ يصح بيع جميع النصاب و ان لم يضمن حصة المستحق في الزكاة العينية كما تقدم البحث عنه فضلا عن التجارة، و اما الثمرة الثانية فالحق ثبوتها و ذلك لانه على القول بتعلقها بالقيمة يكون المتعلق هو القيمة إلى انتهاء الحول المتقدم، و على القول بالعين يكون المخرج ربع عشر العين أو قيمته يوم الإخراج، و اما الثمرة الثالثة فهي متوقفة على القول بوجوب الزكاة في مال التجارة، و اما مع الاستحباب كما هو التحقيق فلا يبقى مجال لذكر تلك الثمرة بل يقدم الدين عليها سواء كانت متعلقة بالعين أو القيمة كما لا يخفى، و على القول بالوجوب ينبغي القول بتقديم الدين على القول بتعلق الزكاة بالقيمة كما في المدارك، و حكاه عن الدروس أيضا كما يتقدم على القول بتعلقها بالعين، و ذلك لان التعلق بالقيمة غير الوجوب في الذمة الا ان يقال ان التعلق بالقيمة انما يتحقق بعد بيع متاع التجارة لا قبله و هو بعيد، هذا، و في الجواهر بعد حكايته لما قلناه عن المدارك قال (قده) قلت الذي يظهر بعد التأمل انه لا فرق بين القول بالذمة و القول بالقيمة بل هو مرادهم منها ضرورة ان القيمة أمر معدوم لا يمكن ان يتحقق فيه ملك الفقير إذ ليس المراد منها سوى ما يقابل هذا المتاع لو بيع، و من الواضح كونه امرا عدميا فليس الحاصل حينئذ إلا الخطاب بالمقدور المخصوص من القيمة المفروضة في ذمة صاحب المال،

121

و هذا عين القول بالذمة ثم أطال الكلام فيما افاده بما لا حاجة الى نقله فراجع، و يرد عليه (قده) ثبوت الفرق بين القول بالذمة و القول بالقيمة بما بيناه من ان المراد بالقيمة مالية العين التي بها تكون العين مالا و هي أمر اعتباري يعتبرها العقلاء و العرف و أهل الأسواق، و بها يصير صاحب العين متمولا اى ذا مال، و هي ليست امرا معدوما بل أمر اعتباري يمكن ان يتحقق فيه ملك الفقير، و اندفع قوله (قده) ليس المراد منها سوى ما يقابل هذا المتاع لو بيع، و من الواضح كونها امرا عدميا حيث ان المراد منها هذا الاعتباري الذي به يقابل هذا المتاع بما يقابل لو بيع لا انها عبارة عن نفس ما يقابله، فالدار التي تقوم ألف دينار و يقال ان قيمتها السوقية ذلك فيها وراء عين الدار أمر اعتباري يعتبره العقلاء يسمونه بالمالية التي هي روح الدار و معناها، و بها بذل ألف دينار بإزائها، فالقيمة و ان كان مبذولة بإزاء العين فتكون المبادلة بينهما لكن منشأ بذلها هو تلك المالية، و يختلف مقدار المبذول من القيمة باختلاف تلك المالية، كما يعلم من الماء في المفازة و جنب البحر، و الجمد في الشتاء و الصيف حيث ان الماء مال في المفازة، و الجمد في الصيف و لذا يبذل بإزائهما المال على حسب تفاوتهما في المالية، و يخرجان عن المالية في جنب البحر و في الشتاء و لا يبذل بإزائهما المال و لا يصح بيعهما حينئذ، و مما ذكر ظهر سقوط قوله (قده) فليس الحاصل حينئذ إلا الخطاب بالمقدار المخصوص من القيمة المفروضة في ذمة صاحب المال، و هذا عين القول بالذمة إذ قد عرفت ان الخطاب بإخراج المقدار المخصوص من القيمة المفروضة غير متعلق بالذمة بل المخرج منه هو مالية العين و قيمته لا نفس العين، فلو اخرج من غيرها لا يكون المخرج بدلا عن الزكاة و لا يكون اعتبارها في الذمة الساذجة بل انما هو في مالية العين و قيمته السوقية.

و كيف ما كان فقد ظهر ان زكاة التجارة متعلقة بمالية العين و قيمتها، ثم اعلم انه قد تمس الحاجة الى تقويم المتاع تارة ليعلم بلوغه النصاب، و اخرى‌

122

ليعلم المقدار المخرج منه للزكاة، و ثالثة لمعرفة بقاء رأس المال، فهنا مقامات.

الأول في تقويمه لمعرفة بلوغه النصاب فان كان مال التجارة أحد النقدين من الدرهم أو الدينار يتعين بلوغه الى نصابه فان كان درهما يتعين بلوغه نصاب الدرهم، و ان كان دينارا يتعين بلوغه نصاب الدينار، و لا يلحظ قيمة كل منهما بالاخر ضرورة كون كل منهما قيمة لباقي الأموال كما في الجواهر، و ان كان عروضا فمع تساوى النقدين في مالية نصابيهما بان كان كل دينار مساويا لعشرة دراهم كما كان كذلك في صدر الإسلام فلا إشكال إذ بلوغ نصاب أحدهما حينئذ هو بعينه بلوغ نصاب الأخر فلا يختلف الحال حينئذ بين التقويم بالدرهم أو بالدينار، و مع اختلاف نصابي النقدين في المالية كما إذا كان كل دينار مساويا لخمسة دراهم أو العشرين درهما مثلا فإنه على الأول إذا بلغ قيمة المتاع عشرين دينارا بلغ الى نصاب الدينار و لكن لم يبلغ نصاب الدرهم لكون عشرين دينار حينئذ مساويا مع مأة درهم، و على الثاني إذا بلغ قيمة المتاع مأتي درهم يبلغ نصاب الدرهم و لكنه لم يبلغ نصاب الدينار لكون مأتي درهم حينئذ مساويا مع عشرة دنانير كما لا يخفى، فيشكل الأمر حينئذ في تقدير النصاب حيث انه كما عرفت يبلغ بأحدهما النصاب دون الأخر و في تعيينه وجوه بل أقوال، الأول ان يكون المدار حينئذ على التقويم بأدناهما قيمة، ففي ما إذا كان قيمة كل دينار خمسة دراهم، بالدينار فإذا بلغ قيمته عشرين دينار يثبت فيه الزكاة و لو كان مساويا مع مأة درهم، و فيما إذا كان قيمة كل دينار عشرين درهما إذا بلغ قيمته مأتي درهم يثبت فيه الزكاة و لو كان مساويا مع عشرة دنانير، و هذا هو المشهور على ما نسب إليهم في مصباح الفقيه، و هو الموافق لإطلاق كلام المحقق في الشرائع حيث يقول إذا كانت السلعة تبلغ النصاب بأحد النقدين دون الأخر تعلقت به الزكاة لحصول ما يسمى نصابا انتهى، فإنه بإطلاقه يشمل ما إذا كان ثمن السلعة عروضا أو نقدا، و هذا هو مختار المصنف (قده) في المتن حيث يقول،

و إذا كان المتاع عروضا فيكفي في الزكاة بلوغ النصاب بأحد النقدين دون الأخر.

123

و استدلاله بعموم ما دل على ثبوت الزكاة في مال التجارة، و قد خرج عنه الناقص عن نصاب النقدين قطعا بأدلة اعتبار النصاب فيهما كما يقطع بثبوت الزكاة فيما يبلغ نصابهما معا و انما الشك في خروج البالغ منه نصاب أحدهما دون الأخر فيرجع الى العموم لكون الشك في التخصيص الزائد عن مقدار المتيقن خروجه و هو الناقص عن النصابين معا.

الثاني ان يكون المدار على التقويم بأعلاهما قيمة، و ذلك بمنع العموم اللفظي الوافي لإثبات الزكاة في جميع افراد مال التجارة حتى يرجع إليه في مورد الشك، و ما ورد في هذا الباب مسوق لبيان أصل المشروعية، و ليس له إطلاق أحوالي بالنسبة إلى مصاديق مال التجارة فيكون المرجع حينئذ أصالة البراءة عن التكليف بالزكاة فيما عدا المتيقن ثبوتها و هو ما لم ينقص قيمته عن نصاب أعلى النقدين قيمة.

الثالث ان يكون المدار على التقويم بخصوص الدراهم، و ذلك لموثق إسحاق بن عمار عن الكاظم (عليه السلام) قال قلت له تسعون و مأة درهم و تسعة عشر دينارا أ عليها في الزكاة شي‌ء؟ فقال: إذا اجتمع الذهب و الفضة فبلغ ذلك مأتي درهم ففيها الزكاة لأن عين المال الدراهم و كل ما خلا الدراهم من ذهب أو متاع فهو عرض مردود ذلك الى الدراهم في الزكاة و الديات.

الرابع ان يكون المدار على النقد الغالب.

الخامس التفصيل بين ما كان رأس ماله نقدا فبالنقد الذي اشترى به و بين غيره فبالنقد الغالب، اما في الأول أعني ما إذا كان رأس ماله نقدا فلان العرض إذا اشترى بأحد النقدين يكون نصابه على ما اشترى به فيجب اعتباره به كما لو لم يشترى به شيئا، و لقوله ع و ان كنت تربح فيه شيئا أو تجد رأس مالك فعليك زكوته و رأس المال يعلم بعد التقويم بما وقع عليه الشراء، و اما في الثاني أعني ما إذا لم يكن رأس ماله نقدا و ان العبرة على النقد الغالب فلانصراف النقد الى الغالب منه،

124

قال في المسالك و المدارك: و لو تساوى النقدان اى لم يكن بينهما غالب يتخير في التقويم بأيهما شاء، و أورد على هذا التفصيل اما على الشق الأول فبمنع كون نصاب العرض هو نصاب النقد الذي اشترى به، و قياسه بما لو لم يشتر بالنقد شيئا استحسان محض، و منع انحصار معرفة رأس المال بالتقويم بما وقع عليه الشراء، و اما على الشق الثاني فبمنع كون احد النقدين غالبا أو لإبل الظاهر كونهما معا من النقد الغالب و اتفاق كثرة استعمال أحدهما في بعض الأزمنة و الأمكنة لا يخرج الأخر عن كونه نقدا غالبا مع كونهما معا غالبين في زمن صدور النصوص، و منع انصراف الإطلاق إلى النقد الغالب على تقدير تسليم غلبة احد النقدين ثانيا، و مما ذكر في تقريب الوجه الخامس و ما فيه يظهر تقريب الوجه الرابع و ما فيه من الخلل، مع ان جعل المدار على النقد الغالب مطلقا و لو فيما إذا كان رأس المال اشترى بنقد غيره لا وجه له.

و لا يخفى ان الوجه الأول الذي نسب الى المشهور هو الأقوى لقوة دليله، و مع الغض عنه فالأقوى هو الثاني، و اما الوجه الرابع و الخامس فقد عرفت ما فيه، و يرد على الوجه الثالث بالمنع عن صحة الاستناد الى خبر إسحاق بعد الاعراض عن العمل بصدره، و تأويله بحمله على زكاة مال التجارة لا ينفع في جواز الاعتماد على ذيله في المقام إذ لم ينقل عن احد، القول باعتبار التقويم بخصوص الدراهم، فهذا الوجه مردود بقيام الإجماع على خلافه، و كون نصاب الدرهم هو الأدنى عادة فيكون القول باعتباره بالخصوص موافقا في العمل عادة مع القول الأول مردود بعدم ثبوت تلك العادة أولا، و عدم الركون الى بقائها لاحتمال تخلفها ثانيا، و كون ذلك إرجاعا إلى القول باعتبار الأدنى و هو القول الأول لا توجيها للوجه الثالث، هذا تمام الكلام في تقويم المتاع لمعرفة النصاب، و المتحصل منه هو جواز الاكتقاء بالتقويم بالأدنى مطلقا و لو اشترى المتاع بغيرها الا ان الاحتياط في هذه الصورة أعني فيما إذا اشترى المتاع بالثمن الأعلى قيمة حسن لذهاب المشهور من المتأخرين على اعتبار التقويم بما اشترى به، و مما ذكرنا‌

125

ظهر حكم المقام الثاني و هو مقام تميز مقدار ما يخرج من المتاع بعنوان الزكاة فإنه يتميز بتميز النصاب.

المقام الثالث في تقويم المتاع لتمييز بقاء رأس المال، و الحكم فيه انه ان كان المتاع اشترى بالنقد فالمتعين تقويمه بما اشترى به سواء كان درهما أو دينارا، كان من النقد الغالب أو غيره، و ذلك لان ما بذله بإزاء المتاع هو ماله الذي يريد معرفته فان كان المتاع يقوم به أو بأزيد منه طول الحول يثبت فيه الزكاة و ان نقص قيمته عنه فلا زكاة فيه، و هذا فيما إذا كان النقص في قيمته السوقية للمتاع بان كانت قيمته وقت الشراء مأة ثم صارت في أثناء الحول خمسين مثلا ظاهر، و اما ان كان النقص في قيمتها لأجل نقص قيمة الثمن كما إذا تنزل الدرهم فصار كل درهم يعامل نصف درهم فيصير قيمة المتاع حينئذ خمسين أيضا لكن لا لتنزل قيمته بل لتنزل قيمة ثمنه فيشكل جعل المدار حينئذ على ما اشترى به إذ لا يقال عليه انه خسر في تجارته إذا لخسران في نقده بحيث لو لم يتجر به بل كان النقد عنده باقيا لكان ناقصا كما لا يخفى، ففي مثله لا يبعد القول بثبوت الزكاة لصدق بقاء رأس المال و عدم الخسران في التجارة، و ان كان المتاع اشترى بعرض لا بنقد فهل المدار على تقويمه بعين ذلك العرض بالفعل، أو يكون المدار على قيمة ذلك العرض حال الشراء لا بالفعل وجهان، فلو اشترى حنطة بزبيب مثلا للتجارة و كان هذا المقدار من الزبيب وقت المعاوضة يقوم بمأة ثم زادت قيمته فصارت ألفا فعلى الوجه الأول يلاحظ حال الحنطة في الحول، فان كان في تمام الحول مما تكون قيمته السوقية هي الزبيب الذي اشترى به بمعنى انه بقدر زيادة قيمة الزبيب زادت قيمة الحنطة أيضا حتى يكون ما يبذل من الزبيب بإزاء هذا المقدار من الحنطة في أول السنة بعينه ما يبذل من الزبيب بإزائه إلى أخر السنة أو يزيد عليه فيكون رأس المال باقيا، و ان كان مقدار ما يبذل من الزبيب بإزاء هذا المقدار من الحنطة في أثناء الحول انقص مما اشتراه به في أوله بأن صار الزبيب اغلى من الحنطة و لو زادت قيمة الحنطة أيضا لم يكن رأس‌

126

المال باقيا فلو كان قيمة ذاك المقدار من الزبيب وقت المعاوضة مأة درهم مثلا فزادت قيمته فصارت ألفا فرأس ماله هو ذلك العرض الذي تكون قيمته السوقية بالفعل ألف درهم كما لو كان الثمن عين الدرهم فزادت قيمة الدرهم فصارت قيمة كل درهم أضعاف ما كانت قيمته حال الشراء، و على الثاني يلاحظ حال الحنطة في الحول فان كان في تمام الحول مما تكون قيمته السوقية هي مأة درهم التي كانت قيمة الزبيب حال شراء الحنطة به أو زادت قيمته عن مأة درهم سواء زادت قيمة الزبيب أو نقصت أو لم يتفاوت قيمته أصلا كان رأس المال باقيا، و ان نقصت قيمة الحنطة عن مأة درهم التي كانت قيمة الزبيب حال الشراء فلا تكون زكاة لعدم قيام رأس المال، و لعل الوجه الأخير أولى نظرا إلى انه لو اشترى حنطة مثلا للتجارة تكون قيمته مأة درهم بزبيب يكون قيمته أيضا مأة درهم ثم زادت قيمة الحنطة فصارت خمسمائة درهم، فالعرف يشهد بكون تجارته رابحة و انه حصل النماء في ماله بالتكسب من غير التفاوت إلى قيمة الزبيب و انها تضاعفت و صارت بحيث لو لا هذه المعاوضة و بقاء الزبيب في ملكه لكان اربح أم لا، بل لا عبرة عندهم في الحكم برابحية التجارة في زيادة قيمة الزبيب و عدمها، بل المدار عندهم في حصول الربح على زيادة قيمة الحنطة على قيمة الزبيب وقت المعاوضة كما لا يخفى.

[مسائل]

[مسألة 1 إذا كان مال التجارة من النص التي تجب فيها الزكاة]

مسألة 1 إذا كان مال التجارة من النص التي تجب فيها الزكاة مثل أربعين شاة أو ثلاثين بقرة أو عشرين دينارا أو نحو ذلك، فان اجتمعت شرائط كلتيهما وجب إخراج الواجبة و سقطت زكاة التجارة، و ان اجتمعت شرائط إحداهما فقط ثبتت ما اجتمعت شرائطها دون الأخرى.

إذا كان مال التجارة من النصب الزكوية و اجتمعت شرائط كلتيهما، فعلى القول باستحباب زكاة التجارة كما هو الحق و تقدم تحقيقه في أوائل كتاب الزكاة في الفصل المنعقد لبيان الأجناس الزكوية عند تعداد الأنواع التي تستحب‌

127

فيها الزكاة، فهل يجمع الزكوتان أم لا وجهان، ربما يقال بالأول كما نسبه في الشرائع إلى القيل حيث قال و قيل يجمع الزكوتان هذه وجوبا و هذه استحبابا و في المدارك ان هذا القول مجهول القائل، و استوجهه بعض المدققين في مصباحه بأنه مع قطع النظر عن شذوذه و مجوجيته بقيام الدليل على خلافه أشبه بالقواعد لعدم التعارض بين دليليهما اى دليلي استحباب الزكاة في مال التجارة و وجوب الزكاة في النصب الزكوية.

(أقول) و هو كما افاده (قده) و ذلك لان التعارض كما حقق في موضعه هو تكاذب الدليلين في مرحلة الإثبات فيما يحكيان عن الواقع تكاذبا ناشيا عن امتناع الجمع بين مدلوليهما و تنافيهما بالذات في مرحلة النبوة، و لذا لا يعم التعارض بالعرض كما لا يخفى، و من الواضح عدم التنافي بين ثبوت استحباب الزكاة في إحدى النصب الزكوية إذا اجتمعت شرائط استحبابها و وجوبها إذا اجتمعت شرائط الوجوب و ليس إرادتهما معا ارادة المتنافيين ثبوتا كما هو واضح، فمقتضى القاعدة مع قطع النظر عن قيام الدليل على عدم اجتماع الزكوتين في مال واحد في عام واحد هو القول بثبوت الزكوتين عند اجتماع شرائطهما معا لكن بالنظر الى قيام الدليل على خلافه يتعين القول الأخير و هو المشهور، بل في الجواهر لا خلاف فيه كما في الخلاف، و في المعتبر لا يجمع زكاة العين و التجارة في مال واحد اتفاقا، و عن التذكرة و المنتهى و الدروس الإجماع عليه، و في المدارك: و الأصل في ذلك قول النبي (صلّى اللّه عليه و آله): لا ثنى في صدقة، و قول الصادق (عليه السلام) في حسنة زرارة لا يزكى المال من وجهين في عام واحد، و تفصيل ذلك على ما يقتضيه التحقيق هو كون المورد من موارد التزاحم إذ هو كما حقق في محله عبارة عن تنافي الدليلين باعتبار امتناع اجتماع مدلوليهما معافى مرحلة الفعلية بعد الفراغ عن إمكان اجتماعهما في مرحلة الإنشاء و الإرادة، و من المعلوم تحقق ذلك في المقام، و اما إمكان اجتماع مدلولي دليلي استحباب الزكاة في مال التجارة و وجوبها في النصب الزكوية فلما عرفت‌

128

من عدم تنافيهما ثبوتا تنافيا ناشيا عن امتناع إرادتهما معا بالذات لارجاعهما إلى إرادة الضدين أو النقيضين، و اما تنافي مدلوليهما في مرحلة الفعلية فاعلم أن التزاحم كما حقق في محله على قسمين.

الأول و هو الغالب ان يكون التزاحم في مرحلة الفعلية ناشيا عن عجر المكلف عن الجمع بينهما في الامتثال مع تمامية الملاك في كل واحد من التكليفين، و كون امتثال أحدهما موجبا لزوال الحكم الأخر بزوال موضوعه مع تمامية ملاكه، و الثاني و هو النادر ان يكون التزاحم في مرحلة الفعلية ناشيا عن تزاحم التكليفين في الملاك و كون امتثال أحدهما موجبا لزوال الملاك عن الأخر الموجب لزواله بزوال ملاكه و لم يعلم له مثال إلا في باب الزكاة كما إذا كان مالكا مثلا للنصاب الخامس من الإبل اعنى خمس و عشرين في ستة أشهر ثم في رأس ستة أشهر صار مالكا لإبل أخر به يتم النصاب السادس، فلو لوحظ حول النصاب الخامس و إخراج ما وجب فيه و هو خمس شياه، و حول النصاب السادس بعد مضى ستة أشهر من الحول الأول و إخراج ما وجب فيه و هو بنت مخاض يلزم في ستة أشهر الأخير من الحول الأول ان يحسب خمس و عشرين من الإبل تارة في النصاب الخامس و يخرج له خمس شياه، و اخرى من النصاب السادس و يخرج له بنت مخاض، و لما لا ثنى في الصدقة و لا يزكى المال الواحد في العام الواحد مرتين فإحدى الفريضتين في النصف الأخير من الحول الأول لا ملاك لها لا رأسا بل بزوال ملاكها بامتثال الخطاب الأخر، فالأمر يدور بين ان لا يحاسب الواحد في ستة أشهر الأخيرة بل يخرج خمس شاة عند انقضاء الحول الأول للنصاب الخامس أو يسقط ستة أشهر الاولى و يجعل ابتداء الحول من حين تمام النصاب السادس و يخرج بنت مخاض بعد انقضاء حوله ففعلية احدى الفريضتين بتحقق شرائطها صالحة لأن يرتفع ملاك الأخر، و كما في المقام فإن دليلي وجوب الزكاة في النصب الزكوية عند اجتماع شرائط وجوبها و استحبابها في مال التجارة عند اجتماع شرائط‌

129

استحبابها لا يتعارضان لعدم تنافي مدلوليهما، حيث يمكن الجمع بين الانشائين و الإرادتين في مرحلة الجعل و الشريع، و لكن عند تصادقهما في مورد واحد لما لاثنى في الصدقة يكون فعلية احد الحكمين يتحقق موضوعه موجبا لزوال الحكم الأخر بزوال ملاكه مع تحقق موضوعه فيكون الثابت منهما احد الحكمين فقط لا كليهما، فظهر ان التحقيق هو عدم اجتماع الحكمين معا في مورد الكلام، و حينئذ فهل يجب إخراج الواجبة و تسقط زكاة التجارة كما في المتن، و عليه المشهور، أو يجب التوقف عن الحكم بسقوط أحدهما على التعيين في مقام الفتوى و الرجوع الى الأصل العملي و هو البراءة في مقام العمل كما في الجواهر احتمالان، و استدل للأول بأن الواجب مقدم على الندب، و أورد عليه في الجواهر بان تقديم الواجب على الندب انما هو عند التزاحم في الأداء بعد معلومية وجوب الواجب و ندبية المندوب لا في مثل المقام الذي اقتضى دليل كل من التكليفين ثبوته من غير ان يعارضه دليل الأخرى عدا انه علم من دليل خارجي ان احد هذين التكليفين المعين في الواقع المبهم عندنا مرفوع عن المكلف فلا بد من دليل معتبر يعينه، و لا يكفى الظن الناشي من اعتبارات و نحوها، فالمتجه ان لم يثبت إجماع التوقف حينئذ في الحكم بسقوط أحدهما على التعيين كما ان المتجه الرجوع في العمل إلى أصل البراءة لكن الاحتياط لا ينبغي تركه انتهى.

(أقول) و بما ذكرناه من كون المورد من موارد التزاحم ظهر سقوط ما افاده (قده) من ان ذلك عند التزاحم في الأداء بعد معلومية وجوب الواجب و ندبية الندب لا في مثل المقام، إذا المقام كما بيناه انما هو مقام التزاحم في الأداء بعد معلومية وجوب الواجب و ندبية المندوب، حيث انه ليست معارضة بين الدليلين اى دليل وجوب الزكاة في النصب الزكوية و استحبابها في مال التجارة إذ المعاوضة تنشأ بين الدليلين من ناحية تنافي المدلولين لكونهما ضدين أو نقيضين، و معلوم انه ليس بين وجوب الزكاة في النصب الزكوية و بدلها من ما التجارة تضاد و لا تناقض،

130

بل المقام كما افاده (قده) مما اقتضى دليل كل من التكليفين ثبوته من غير ان يعارضه دليل الأخر، و قوله (قده) عدا انه علم من دليل خارجي ان احد هذين التكليفين (إلخ) أيضا حق، و لكن ارتفاع المرفوع منهما انما هو بفعلية التكليف الأخر الموجب لرفع الملاك عن التكليف المرفوع المستلزم لرفعه برفع ملاكه مع بقاء موضوعه على ما هو عليه، و هذا ليس الا التزاحم، و مع تسليمه (قده) بتمامية تقديم الواجب على الندب لا محيص له الا عن التسليم بصحة الاستدلال المذكور كما هو الحقيق بالتصديق، و السر فيه انه بعد ما تبين ان المقام من موارد التزاحم النادرى اعنى ما كان فعلية احد المتزاحمين موجبا لرفع الملاك عن الأخر المستلزم لارتفاعه برفع ملاكه فاعلم ان المورد من موارد تزاحم المهم و الأهم، حيث ان ملاك الوجوب أقوى و أهم من ملاك الندب، و لذا يكون الواجب بملاكه واجبا اى ما لا يرخص المكلف في تركه، و المندوب مندوبا اى صار مرخصا في الترك، فالتفاوت بين الواجب و الندب ليس بامتياز هما في الفصل بعد اشتراكهما في الجنس كما يتداول في الألسن، إذ ليس الواجب و الندب مركبا من الجنس و الفصل و لا في شدة الطلب و ضعفه، إذ لا تفاوت في الطلب أيضا، اما في مقام الإبراز فواضح حيث ان إبراز الطلب الوجوبي ليس أغلظ من إبراز الطلب الندبي، و اما في مقام لب الإرادة و الشوق و ان كان يتأكد و يتضاعف الا ان الإرادة كما حقق في محله هي المرتبة الأكيدة منه التي يتعقبها حركة العضل نحو العمل، فالمرتبة التي تكون في الواجب ارادة هي بعينها التي تكون في الندب ارادة، فالارادة لا تتفاوت في الواجب و المندوب و ان كان الشوق في الواجب يكون آكد منه في المندوب، لكن كل مرتبة من مراتب تأكده لا يكون ارادة بل التفاوت بينهما انما هو بتفاوت الملاك، فالملاك في الواجب يكون أهم بحيث لا يرضى بتركه، و لذا لا يصرح برضائه بتركه بل يخلى العبد مع مقام عبوديته، و حكم عقله بلزوم امتثال أمر المولى ما لم يصرح برضائه بالترك، و في المندوب لا يكون أهم بحيث يرضى بتركه و يصرح برضائه بالترك، و مما ذكرنا يظهر ان‌

131

وجوب الواجب لا يحتاج الى التصريح بالمنع من الترك، و لا الأمر بالدلالة اللفظية يدل عليه، و انما المحتاج الى التصريح هو الترخيص في الترك، و بالجملة اقوائية الملاك في الواجب و أهميته يوجب فعلية الوجوب المستلزم فعليته لرفع ملاك المندوب في الندب الموجب لارتفاع الحكم الندبي عن موضوعه بارتفاع ملاكه، فالحق ما عليه المشهور من تقديم الزكاة الواجبة على المندوبة عند اجتماع شرائطهما معا فافهم و اغتنم.

و مما ذكرنا في سقوط ما افاده صاحب الجواهر (قده) يظهر سقوط ما حققه محقق عصره (قده) في مصباح الفقيه و لا بأس بنقل ما افاده (قده) و الإشارة بما فيه قال (قده) بعد نقل كلام الجواهر أقول: اما المناقشة فيما ذكروه دليلا لسقوط زكاة التجارة بما ذكر ففي محلها، و لكن الدليل الخارجي الدال على انه لا ثنى في الصدقة لم يدل الأعلى نفى مشروعية تكرير الصدقة، و ان يزكى المال في عام واحد من هذه الجهة، و هذه الجهة بان يزكى مرتين و لا ملازمة بين هذا المعنى و بين سقوط احدى الزكوتين و عدم مشروعيتها من أصلها عينا أو تخييرا لإمكان ان يكون ذلك من باب تداخل المسببات بان يكون المقصود بالأصالة من شرع كل من الزكوتين إيصال شي‌ء من هذا المال المفروض كونه أربعين سائمة إلى الفقير بأي وجه من الوجهين اللذين تعلق الطلب بهما فإذا دفع ربع عشرة إلى الفقير بقصد زكاة التجارة فقد حصل الغرض من الأمر المتعلق بزكاة العين، و ان لم يكن عين ما تعلق به طلبها بل مثلها من حيث المالية أو مع اختلاف بينهما في القيمة غير مقتضى لبقاء الطلب بعد حصول معظم ما تعلق به الغرض منه أو دفع شاة من الأربعين شاة بقصد زكاة العين فقد اجزء عن زكاة التجارة بحصول الغرض أو مع اختلاف يسير غير مناف للاجزاء، فيكون على هذا التقدير حال تزكية المال حال تطهير الثوب و البدن عن القذارات الشرعية التي تجب ازالة بعضها و يندب ازالة بعض كبول الحمار و بول إنسان في كون الغسل المزيل لأحدهما مزيلا للآخر، و عدم مشروعية تكريره أو كحال الأغسال المتداخلة‌

132

المجتمعة من الواجبة و المندوبة التي قد عرفت في محلها انه يجزيه غسل واحد بنية الجميع من غير ان يستلزم ذلك ارتكاب تخصيص أو تقييد في شي‌ء من أدلتهما، و ليس معنى قوله ع: لا يزكى المال من وجهين في عام انه لا يجوز ان يقصد بزكوته كونها زكاة تجارة و زكاة عين مثلا كي يلزمه عدم كون كل من العنوانين المتصادقين على المورد متعلقا للطلب، بل معناه انه إذا زكى مال من جهة ككونه مال تجارة أو كونه مملوكا لهذا الشخص لا يزكى هذا المال مرة أخرى من جهة أخرى ككونه أربعين سائمة، أو كونه في ذمة شخص أخر كما لا يخفى على من تدبر فيه، و في مورده، و الحاصل انه لا يستفاد من قوله ع: لا يزكى المال من وجهين في عام واحد و لا من قوله (صلّى اللّه عليه و آله): لا ثنى في الصدقة ورود تخصيص أو تقييد على عموم قوله ع: كل مال عملت به إذا حال عليه الحول ففيه الزكاة، و قوله ع: في كل أربعين شاة شاة بالنسبة إلى مثل الفرض الذي تصادق عليه العنوانان إذ لا مانع عن ارادة العموم من كل منهما، و كون تصادق العنوانين على المورد موجبا لتأكد مطلوبية الزكاة فيه كتاكد مطلوبية غسل الثوب الذي أصابه بول انسان و بول حمار مقدمة لازالتهما الواجبة في أحدهما و المندوبة في الأخر، فما ذكره (قده) في ذيل كلامه من ان المتجه الرجوع في العمل إلى أصل البراءة، لا يخلو من نظر فليتأمل انتهى كلامه رفع مقامه، و لا يخفى ما فيه اما أولا ففي تسليمه صحة مناقشة التي أوردها صاحب الجواهر على الدليل المذكور فإنك قد عرفت ان الدليل المذكور تام خال عن المناقشة بعد كون المورد من موارد التزاحم بين المهم و الأهم، فيقدم ما هو الأهم ملاكا و هو الواجب، و يترك الأخر، و اما ثانيا فلان ما أفاده في مدلول قوله (صلّى اللّه عليه و آله): لا ثنى في الصدقة و حمله على التداخل المسببي في باب الأغسال حتى يلزم جواز إخراج كل واحد من الزكوتين تخييرا بان يدفع الزكاة الواجبة فيجزي عن المندوبة أو يخرج المستحبة فيجري عن الواجبة أو يدفع ربع العشر بقصد كلتا الزكوتين، نعم لا يجوز التكرير في الإخراج بعيد عن مساق الخبر المذكور جدا خصوصا في قول الصادق (عليه السلام)

133

في حسنة زرارة، فإن الظاهر منه نفى ثبوت الزكاة في مال واحد من وجهين، و ظاهر نفيه انما هو لانتفاء ملاكه فليس في مال واحد الاملاك احد الزكوتين، فإذا كان المانع عن ثبوت الملاك في أحدهما هو تحقق الملاك في الأخر و كان الملاكان متفاوتين يكون ملاك الأهم موجبا لفعلية حكمه الموجب لانتفاء الحكم الأخر بانتفاء ملاكه و هذا عين التزاحم الذي ذكرناه، فظهر سقوط ما ادعاه من عدم الملازمة بين عدم مشروعية تكرار الزكاة بان يزكى مرتين و بين سقوط احدى الزكوتين و عدم مشروعيتهما من أصلها عينا أو تخيير ألما عرفت من ظهور الخبرين في نفى مشروعيتهما معا بنحو الجمع الكاشف عن عدم تحقق الملاك فيهما معا كذلك، فالملازمة و ان لم تكن بين نفى مشروعية التكرار و بين عدم مشروعيتهما من أصلها الا ان ظهور الخبرين كاشف عن عدم الجمع في مشروعيتهما تعيينا بكشفه عن عدم ملاك التشريع فيهما كذلك، فقوله (قده) لإمكان ان يكون ذلك من باب تداخل المسببات دعوى إمكان لم يقم عليه دليل، بل الدليل على خلافه.

و اما ثالثا فلما في تنظيره (قده) حال تزكية المال بحال تطهير الثوب و البدن عن القذارات الشرعية مع فرضه (قده) كون حال تزكية المال من باب تداخل المسببات فان باب تطهير الثوب و البدن عن القذارات الشرعية تداخل الأسباب، و فيه يتصور وجهان (أحدهما) ان يكون كل واحد من تلك القذارات لا بخصوصيتها بل يجامع الغذارة مؤثرا في تنجيس المحل، فحينئذ لا يكون المؤثر إلا واحد فلا يؤثر إلا في أثر واحد و هو وجوب غسل المحل من تلك القذارة التي لا تكون الا واحدا نظير اجتماع الأسباب المتعددة للحدث الموجبة للغسل أو الوضوء بناء على ان يكون كل سبب لا بخصوصيته، بل باعتبار الصفة الحادثة منه سببا، و بالحقيقة يكون هذا خارجا عن باب تداخل الأسباب و تعدد الشرط و وحدة الجزاء، إذا لسبب حينئذ واحد كالمسبب، و هذا هو الظاهر من باب تداخل الأسباب فيما ثبت بالدليل، و عليه فعند اجتماع سبب غسل الثوب أو البدن واجبا و مندوبا يجزى الغسل مرة واحدة‌

134

و لا يشرع تعدد الغسل قطعا، و (ثانيهما) ان تكون تلك القذارات مثل البول و الدم و نحوهما حقائق مختلفة كل منهما محدثة من ملاقاتها صفة خاصة في الملاقي و كان شأن الغسل و لو كان واحدا رفع جميع تلك الصفات الحادثة من قبل ملاقاة تلك القذارات فيرتفع به كل تلك القذارات و معه لا يبقى مجال لغسل أخر و هذا أيضا من باب تداخل الأسباب إذا الضابط هو عدم قابلية المسبب لان يتكرر سواء كان منشأ عدم تكرره عدم تكرر الشرط كما في الوجه الأول، أو كفاية المسبب الواحد يرفع جميع تلك القذارات لأنه حينئذ بعد الغسل الواحد لا يبقى قذارة حتى يحتاج في رفعها الى غسل أخر، و لا يخفى ان قوله (قده) في كون الغسل المزيل لأحدهما مزيلا للآخر ينطبق على الوجه الأخير دون الأول، و مما ذكرنا ظهر الخلل في قوله (قده) و ليس معنى قوله ع لا يزكى المال من وجهين في عام انه يجوز ان يقصد بزكوته كونها زكاة تجارة و زكاة عين مثلا كي يلزمه عدم كون كل من العنوانين المتصادقين على المورد متعلقا للطلب حيث ظهر ان المستفاد من الدليل عدم ثبوت الزكوتين في مال واحد، فلا يجوز قصد كليهما في إخراج واحد كما لا يجوز الإخراج مرتين، بل لا بد من إخراج واحد، و حيث كان الواجب هو الأهم يتعين إخراجه دون المندوب، و منه يظهر أيضا سقوط ما ذكره (قده) أخيرا من كون تصادق العنوانين على المورد موجبا لتأكد مطلوبية الزكاة فيه كتاكد مطلوبية غسل الثوب (إلخ)، و ذلك لان تأكد المطلوبية فرع تحقق الملاكين في المورد و هو ممنوع بما بيناه مع ما في قوله (قده) كتاكد مطلوبية غسل الثوب فإنه لا ينطبق على الوجه الأول من وجهي تداخل الأسباب، و قوله (قده) في أخر كلامه فيما ذكره (قده) اى صاحب الجواهر في ذيل كلامه من ان المتجه الرجوع في العمل إلى أصالة البراءة لا يخلو من نظر و ان كان حقا، لكن لا لما ذكره من بقاء الأمرين معا في مورد التصادق بل لبقاء الأمر الوجوبي فقط و سقوط الأمر الندبي بانتفاء ملاكه، هذا ما سنح على الخواطر في المقام و الحمد للّه على انعامه‌

135

و إفضاله، و من جميع ما ذكرناه في المقام بطويله يظهر صحة ما قال المصنف (قده)

من انه ان اجتمعت شرائط إحداهما فقط ثبتت ما اجتمعت شرائطها دون الأخرى

و هذا ظاهر، و قد صرح به غير واحد من الأصحاب أيضا.

[مسألة 2 إذا كان مال التجارة أربعين غنما سائمة]

مسألة 2 إذا كان مال التجارة أربعين غنما سائمة فعاوضها بأربعين غنما سائمة سقط كلتا الزكوتين بمعنى انه انقطع حول كلتيهما لاشتراط بقاء عين النصاب طول الحول فلا بد ان يبتدء الحول من حين تملك الثانية

اما سقوط العينية فهو المشهور لاعتبار بقاء العين النصب الزكوية في تمام الحول فيما يعتبر فيه الحول خلافا للشيخ (قده) في مبسوطة، و قد تقدم في المسألة التاسعة من مسائل زكاة الانعام، و اما سقوط زكاة التجارة فلما عليه المصنف (قده) من اعتبار بقاء عين رأس المال طول الحول، لكنك قد عرفت ان الأقوى عدم اعتبار بقائه بل يكفي في ثبوت الزكاة بقاء رأس المال بماليته طوله و ان تبدلت الأشخاص، فالتحقيق في مفروض المسألة سقوط زكاة العينية، و ثبوت زكاة التجارة عند انتهاء حولها.

[مسألة 3 إذا ظهر في مال التجارة ربح كانت]

مسألة 3 إذا ظهر في مال التجارة ربح كانت زكاة رأس المال مع بلوغه النصاب على رب المال، و يضم إليه حصة من الربح، و يستحب زكوته أيضا إذا بلغ النصاب و تم حوله، بل لا يبعد كفاية مضى حول الأصل و ليس في حصة العامل من الربح زكاة إلا إذا بلغ النصاب مع اجتماع الشرائط لكن ليس له التأدية من العين إلا بإذن المالك أو بعد القسمة.

لا إشكال في كون زكاة رأس المال على رب المال لانفراده بملكه، و اما حصة المالك من الربح فيضم الى رأس ماله، و إذا بلغ الى النصاب الثاني و لو بضميمة ما في رأس المال من العفو يستحب فيه الزكاة أيضا، و هذا أيضا في الجملة لا اشكال فيه، انما الكلام في حول الربح و انه هل يعتبر فيه حول برأسه من حين ظهوره أو ان حول الأصل نفسه فلا يحتاج الى استيناف حول له برأسه،

136

و الذي عليه المصنف (قده) في ظاهر المتن هو الأول، و عليه جماعة من الأصحاب، لكن الأقوى هو الأخير، و ذلك لما تقدم في الأمر السابع من الأمور التي مهدناها في أول مبحث زكاة التجارة من ان النماءات تتبع رأس المال في ثبوت الزكاة فيها و ان لم تملكها بعقد معاوضي لأن ما يبذله من رأس المال بإزاء العين كأنه يقع بإزاء العين بمالها من النماءات، فهي تابعة للعين في الزكاة فتتبعها في الحول أيضا كيف و ان لم يحكم بثبوت الزكاة فيها بتبعيتها للأصل لزم عدم الزكاة فيها لأنها غير مملوكة بعقد معاوضي فلا تكون مندرجة في أدلة ثبوت الزكاة في مال التجارة، فالأقوى حينئذ كفاية مضى حول الأصل في ثبوت الزكاة في الربح كما لا يخفى.

و اما حصة العامل فالكلام فيه يقع في أمور.

(الأول) في انه إذا بلغ النصاب مع اجتماع الشرائط هل تثبت فيه الزكاة على العامل أم لا، و تحقيق ذلك يتوقف على بيان محتملات حصة العامل، فاعلم ان فيها احتمالات بل أقوال، أحدها ان العامل لا يملك الحصة بل يستحق الأجرة الزرع على المالك و انما الربح كله للمالك كما ان الزرع لمالك البذر و انما للزارع اجرة الزرع على مالك البذر لو كان الزارع غيره، و لا اشكال و عدم ثبوت الزكاة حينئذ على العامل لانه لا يملك الحصة و انما هي على المالك لانه هو الذي يملك الربح جميعا و ان وجب عليه إعطاء اجرة العامل لكنها حينئذ كالدين عليه لا ينفى ثبوت الزكاة، و ثانيها ان العامل يملك الأجرة عند الإنضاض، و المراد به تحويل المتاع بالنقد، و استدل له بعدم وجود الربح في الخارج قبل الإنضاض بل هو مقدر موهوم، و هذا القول نادر و دليله عليل، و عليه تثبت الزكاة في حصته إذا حال عليه الحول من حين تملكه مع سائر الشرائط، و ثالثها يملك بعد القسمة لأنه لو ملك قبلها لاختص بربها مع انه لا يملك الربح الربح كما إذا كان رأس المال عشرة فربح عشرين ثم ثلاثين فإنه لا ريب ان الخمسين بينهما إذا كانت المضاربة على النصف‌

137

من الربح مع انه لو ملكها قبل القسمة لكان له ثلاثون كما لا يخفى و حكى هذا القول عن التحرير مستندا الى الدليل المذكور، و أورد عليه بان المانع عن اختصاص العامل بربح الربح ليس هو عدم ملكه للربح بل انما هو لزوم استحقاقه من الربح أكثر مما شرط له و لا يثبت بالشرط ما يخالف مقتضاه، و كيف كان فعلى هذا القول لا زكاة على العامل لانه لا يملك الحصة إلا بعد القسمة، و هي انما تثبت على المالك، و في ثبوتها في هذه الحصة على المالك اشكال ينشأ من انها ملكه، و من انه ممنوع من التصرف فيها لرعاية حق العامل و عن بعض الجزم بعدم ثبوتها عليه لان هذه الحصة اما ان تسلم فتكون للعامل أو تتلف فلا تكون له و لا للمالك، و رابعها ان العامل يملك الحصة من حين الظهور، و هذا هو القول الذي عليه الأصحاب قال في مفتاح الكرامة و قد طفحت به عبارتهم في هذا الباب اى باب الزكاة و باب المضاربة، و عن المسالك انه لا يكاد يتحقق مخالف فيه، و على هذا القول فقد قيل كما عليه المشهور القائلين بهذا القول بثبوت الزكاة إذا حال عليه الحول من حين ظهور الربح لأنها ملك العامل من حين الظهور فيشمله عموم ما دل على ثبوت الزكاة في مال التجارة، و أورد عليه أولا بعدم تمامية ملكه لتزلزله باحتمال طرو الخسران الموجب لمقابلته به لكونه وقاية رأس المال، فتكون كالعين المرهونة، و لا يقال باستصحاب عدم طرو الخسران يثبت الملك التام لأنه يقال مع انه استصحاب في الأمر الاستقبالي و في حجيته اشكال ينشأ من انصراف أدلة الاستصحاب عنه لا يرفع التزلزل لان معنى التزلزل هو كونه في مقابل النقص على تقدير تحققه و هو المعبر عنه بالوقاية، و لا إشكال في ان حصة العامل وقاية ما يفعل قطعا، نعم هي ليست تداركا فعليا الا بعد الخسران، و ثانيا بأنه لو سلمنا تمامية ملكه و بجواز القسمة له مهما أراد و لو قبل الإنضاض و ان لم يجز له بالفعل الاستقلال بالتصرف فيه كغيره من الأموال المشتركة، و كونه وقاية لرأس المال غير مناف لطلقيته بعد كون القسمة بالفعل جائزة له الا ان ملكه هذا لا يصدق عليه انه مال ملكه بعقد المعاوضة بقصد الاسترباح لانه ملكه‌

138

بعقد المضاربة لا المعاوضة، و ان شئت قلت ان الربح من حيث هو ليس مندرجا في موضوع أدلة التجارة إذ لا يصدق على حصة العامل انه مال اتجر به أو عمل به، هذا و لكنه يرد على الأول بأن تزلزل الملك بما ذكر لا يمنع عن ثبوت الزكاة لسلطنة العامل على رفعه بالفسخ أو القسمة مع انه تزلزل الملك من حيث البقاء و هو لا يمنع عن ثبوتها كما إذا ملك النصاب بالعقود الجائزة المملكة حيث ان أشرافها على رجوع المالك لجوازها لا يمنع عن ثبوت الزكاة، و على الثاني بأن العامل إذا قصد بعمله الاسترباح يكون كالاستيجار بالاعمال بقصد الاكتساب، و قد عرفت في الأمر الأول من الأمور المذكورة في أول مباحث زكاة التجارة ان القول بثبوت الزكاة فيه مما لا بأس به، و على ذلك فالأقوى ثبوت الزكاة في حصة العامل إذا بلغ النصاب مع اجتماع الشرائط.

الثاني في انه إذا قلنا بثبوت الزكاة في حصة العامل فهل له إخراجها من عين مال المضاربة قبل استقرار ملكه عليه بالإنضاض و القسمة مع المالك؟ أو فسخ المضاربة أم لا (وجهان) بل قولان، فعن المبسوط و التحرير و غيرهما هو الأخير، مستدلا له بان الربح وقاية لرأس المال، فإذا أخرجه و اتفق الخسران يصير النقص على المالك، فهو حينئذ كالمرهون عنده لذلك، و عن الخلاف و المعتبر و الإرشاد هو الأول، قال في الشرائع: لأن استحقاق الفقراء له إخراجه عن كونه وقاية، و جعله في الجواهر أشبه بأصول المذهب و قواعده بناء على تعلق الزكاة بالعين، و استدل له باقتضاء تعلقها بالعين كغير زكاة التجارة من أقسام الزكاة دخولها في ملك الفقراء بمجرد تعلق الخطاب و به تبطل صفة الوقاية حيث انها كانت في الربح بما هو للعامل لا إذا صار ملكا للفقير، و استصحاب بقائها بعد صيرورة الربح ملكا للفقير إثبات للحكم بالاستصحاب مع تبدل الموضوع، و لا يصح القول بمنع الوقاية عن دخول الربح في ملك الفقير، و بعبارة أخرى عن تعلق الزكاة لأنه خلاف الفرض حيث ان هذا الكلام انما هو بعد فرض تعلقها بمال العامل و حصته أولا، و منافاته لإطلاق أدلة الزكاة أو عمومها ثانيا الى ان قال (قد) هذا كله بناء على كون الزكاة في العين،

139

و اما على الذمة فالمتجه بقاء صفة الوقاية فيضمن لو اتفق الخسران لو أداها من العين باذن المالك، لأنه أتلف ما به الوقاية لعدم اقتضاء خطاب الزكاة حينئذ دفعها من العين، و ليس ضمانه إذا أداها من العين باذن المالك من قبيل تعقب الإذن الشرعي بالضمان كأكل المضطر، و في المخمصة بل لإقدامه عليه لإمكان تخلصه منه بفسخ المضاربة حال تعلق الزكاة تحصيلا لاستقرار ملكه انتهى ما في الجواهر ملخصا.

و لا يخفى ما فيه، اما أولا فلما افاده بناء على كون الزكاة متعلقة بالعين من ان التعلق بالعين ليس على نحو دخول الزكاة في ملك الفقير على نحو الشركة أو الكلي في المعين على ما مر مرارا، مع انه على فرض تسليم ذلك في الزكاة الواجبة في الزكاة المندوبة غير معقول كما مر أيضا.

و ثانيا بان دخوله في ملك الفقراء انما هو بتلقى الفقير إياه من المالك المخاطب بالزكاة، فيكون ملكه متفرعا على ملكه، و لا يعقل ان يكون ملك الأصل متلونا بلون حق المالك المضارب و وقاية لرأس ماله، و يصير عند الانتقال الى الفقير طلقا خالصا عن حق الوقاية و لا يقاس ذلك بباب بيع الرهن، حيث انه مع فرض صحة بيعه يكون حق الرهن ساقطا فيدور أمر بيعه بين بطلانه أو سقوط حق الرهانة، و ذلك لان سقوط حق الرهانة في ذلك على تقدير صحة البيع انما هو فيما إذا كان البيع باذن المرتهن أو إجازته، حيث ان الاذن أو الإجازة منه بعد البيع إسقاط لحقه بخلاف المقام الذي يكون الكلام في جواز إخراج العامل زكاة العين منها بلا اجازة من المالك المضارب، فليس في المقام شي‌ء يوجب سقوط الوقاية إلا تعلق الزكاة بالعين اى خروجها عن ملك العامل و انتقالها الى الفقير، و تلقى الفقير إياها من العامل، و غير خفي أن انتقالها حينئذ من العامل الى الفقير على حسب ما كان للعامل، و إذا كان له وقاية لمال المالك المضارب.

و مما ذكرنا يظهر صحة التمسك بالاستصحاب لو شك في بقاء حصة بعد‌

140

تعلق الزكاة به، و لبس إثبات بقائه بالاستصحاب إجرائه عند تبدل الموضوع كما لا يخفى.

و اما التمسك بإطلاق أدلة زكاة التجارة أو عمومها لإثبات تعلقها بحصة العامل عند الشك في إثباته لأجل كونها وقاية لرأس مال مالك المضارب ففيه منع العموم و الإطلاق، بل الأدلة كما مر ذكره مسوقة لبيان أصل التشريع، و مع فرض كون الوقاية كالرهانة ليس القول بمنعها عن الانتقال الى الفقير بكل البعيد.

و ثالثا ان ما افاده على تقدير كون الزكاة في الذمة من ضمان العامل إذا أدى الزكاة من العين باذن المالك ثم اتفق الخسران لا تخلو عن الإشكال، ضرورة ان اذنه في أدائها من العين موجب لإسقاط الوقاية فلا يكون إخراج العامل حينئذ إتلافا لما به الوقاية، كما لا يقتضي خطاب الزكاة حينئذ دفعها من العين، بل المقتضى له هو اذن المالك بالإخراج منها، فلا يكون من قبيل تعقب الإذن الشرعي بالضمان، و لا من قبيل ما كان الضمان بالاقدام، بل انما هو من قبيل اذن المرتهن في بيع العين المرهونة الموجب لسقوط حق الرهانة باذنه، فينبغي ان يقال بعدم الضمان رأسا لا انه يسلم الضمان و يقال بان سببه الاقدام كما لا يخفى، هذا على تقدير ان يكون مراده من تعلق الزكاة بالذمة تعلقها بالذمة الساذجة، و اما لو أراد منه تعلقها بالقيمة على حسب ما مر القول فيه فلا فرق في تعلقها بها أو بالعين في ذلك فالأقوى في هذا الأمر هو جواز إخراجها من عين مال المضاربة قبل استقرار ملك العامل عليه بالإنضاض و القسمة أو فسخ المضاربة.

(الأمر الثالث) بناء على جواز الإخراج من العين قبل الإنضاض هل يجوز ذلك مطلقا و لو لم يأذن مالك المضارب؟ أو يعتبر فيه اذنه، ربما يحتمل الأول باعتبار كون الزكاة حينئذ من المؤن التي تلزم المال كاجرة الدلال و الوزان و أرش جناية العبد و فطرته، و الأقوى هو الأخير لأنه ليس بأعظم من مال المشترك الذي لا يجوز لأحد الشريكين ان يتصرف فيه بدون الأخر قبل التقسيم و هذا ظاهر.

141

(الأمر الرابع) بناء على عدم الإخراج من العين هل يجوز تعجيل الإخراج من مال أخر، أو يجب التأخير إلى الإنضاض و القسمة أو الفسخ (وجهان): من انه مالك لحصته فيتعلق به خطاب الزكاة، فإذا أداها من مال أخر ينتقل اليه مقدار ما اداه من الربح بحيث ليس للمالك منعه منه و ان خسر المال، لانه بالتأدية ملك مال الفقراء: و من عدم استقرار ملكه قبل الإنضاض و تبعية ملك الفقراء لملكه كما عرفت في الأمر الثاني و هذا الأخير هو الأقوى.

[مسألة 4 الزكاة الواجبة مقدمة على الدين]

مسألة 4 الزكاة الواجبة مقدمة على الدين سواء كان مطالبا به أو لا ما دامت عينها موجودة بل لا يصح وفائه بها بدفع تمام النصاب، نعم مع تلفها و صيرورتها في الذمة حالها حال سائر الديون، و اما زكاة التجارة فالدين المطالب به مقدم عليها حيث انها مستحبة سواء قلنا بتعلقها بالعين أو بالقيمة، و اما مع عدم المطالبة فيجوز تقديمها على القولين أيضا بل مع المطالبة أيضا إذا اديها صحت و اجزئت و ان كان آثما من حيث ترك الواجب.

لا اشكال و لا خلاف في تقديم الزكاة الواجبة على الدين المطالب به فضلا عن غير المطالب به ما دامت عين المال الزكوي موجودة، سواء كان للمالك ما عدا النصاب أو لم يكن، و سواء كان الدين مستوعبا أم لا، و عن المنتهى الدين لا يمنع الزكاة سواء كان للمالك مال سوى النصاب أو لم يكن، و سواء استوعب الدين النصاب أو لم يستوعبه، و سواء كانت أموال ظاهرة كالنعم و الحرث أو باطنة كالذهب و الفضة، و عليه علمائنا اجمع انتهى.

و يدل عليه مضافا الى الإجماع المحكي خبر ضريس، و صحيح زرارة عنهما (عليهما السلام) انهما قالا: أيما رجل كان له مال موضوع حتى يحول فإنه يزكيه و ان كان عليه من الدين مثله أو أكثر فليزك ما في يده، بل لا يصح وفاء الدين بالزكاة دفع تمام النصاب بناء على تعلق الزكاة بالعين بأي نحو من التعلق من الاستحقاق أو الاستيثاق، نعم على القول بتعلقها بالذمة الساذجة كما في صورة‌

142

تلف العين و صيرورة الزكاة في الذمة يكون حالها حال سائر الديون في عدم تقدم بعضها على بعض، و ورود النقص على الجميع مع قصور التركة، و اما زكاة التجارة فعلى القول بوجوبها يكون حالها حال الزكاة العينية، و على القول باستحبابها فالذي عليه المصنف (قده) في المتن ان‌

الدين المطالب به يتقدم عليها حيث انها مستحبة سواء قلنا بتعلقها بالعين أو بالقيمة.

لكن في الجواهر انه بناء على الندب و تعلقها بالعين لا يمنع تعلق خطابها حتى لو طالب صاحب الدين.

أقول و هو كذلك لعدم الفرق بين الزكاة العينية و التجارة إلا بكون الخطاب في الأولى وجوبيا متعلقا بالعين بخصوصيتها كما تقدم، و في الثانية ندبيا متعلقا بالعين للحاظ ماليتها، فلا فرق بينهما من هذه الجهة، فحق الفقير متعلق بالعين كيف ما كان سواء كان وجوبيا متعلقا بالعين بخصوصيتها أو ندبيا متعلقا بالعين بماليتها، فكما لا يكون منافاة بين خطاب الزكاة الوجوبي المتعلق بالعين بخصوصيتها، و بين اشتغال ذمة المالك بالدين و لو بأضعاف الزكاة فكذا لا منافاة بين خطابها الندبي المتعلق بالعين بماليتها، و بين اشتغال ذمته به، نعم لا بأس بالقول بأفضلية صرف ما في يده مما زاد عن نفقته في الدين لو كان إخراج الزكاة موجبا لقصور ماله عن الوفاء بالدين كما صرح به في محكي التذكرة حيث يقول: و لا يتأكد إخراج زكاة مال التجارة للمديون مع المضايقة لانه نفل يضر بالفرض، و قال الشهيد (قده) في البيان: و الدين لا يمنع من زكاة التجارة كما مر في العينية و ان لم يكن الوفاء من غيره لأنها و ان تعلقت بالقيمة فالأعيان مرادة، نعم يمكن ان يقال: لا يتأكد إخراج زكاة التجارة لأنه نفل يضر بالفرض انتهى، هذا بناء على تعلقها بالعين اما بخصوصيتها أو بماليتها و قيمتها، و اما بناء على تعلقها بالذمة الساذجة فمع كون الدين مطالب به و لا مال له للمديون سوى المال المخصوص يجب تقديم أداء الدين على الزكاة قطعا لانه واجب و هي مستحبة،

143

و لا مزاحمة بينهما لكن لو أثم وادي الزكاة صحت و اجزئت لأن المسألة حينئذ تصير من جزئيات مسألة الضد، و قد تقرر فيها عدم انتفاء ملاك المهم بسبب سقوط خطابه بالأهم، فيصح الإتيان بالمهم و ان كان اثما بترك الأهم من حيث ترك الواجب، و مما ذكرنا يظهر حال الدين الغير المطالب، و ان الأقوى جواز تقديم الزكاة عليه و لو على البناء بتعلقها في الذمة الساذجة فضلا عن تعلقها بالعين بخصوصيتها، أو بالمالية و القيمة.

[مسألة 5 إذا كان مال التجارة أحد النصب المالية]

مسألة 5 إذا كان مال التجارة أحد النصب المالية و اختلف بدء حولهما فان تقدم حول المالية سقطت الزكاة للتجارة، و ان انعكس فان اعطى زكاة التجارة قبل حلول حول المالية سقطت و الا كان كما لو حال الحولان معا في سقوط التجارة.

في هذه المسألة أمور ينبغي ان يبحث عنها.

(الأول): قد تقدم في المسألة الاولى من هذا الفصل انه إذا كان مال التجارة من النصب الزكوية و اجتمعت شرائطهما معا وجبت المالية و سقطت زكاة التجارة، و انما الكلام الان في اعتبار اتحاد العام في ذلك، بان يكون عام الزكوتين متحدا من البداية إلى النهاية، فلو اجتمعا الزكوتين في مال واحد مع اختلاف العام و ان اشتركا بعضه تكون الزكوتان كلتاهما ثابتة أو عدم اعتباره بل لا يكون الثابت إلا إحداهما ففيه وجهان بل قولان، فلو ملك احدى النصب الزكوية في أول شهر رمضان مثلا ثم عاوضه بمثلها بعد ستة أشهر و بقي الأخير إلى سنة من ابتداء المعاوضة فعام زكاة التجارة يكون من ابتداء ملكه لإحدى النصب الزكوية بناء على عدم اعتبار بقاء عين السلعة في تمام الحول في ثبوت زكاة التجارة كما اخترناه، و مبدء حول العينية من حين المعاوضة بناء على اعتبار بقاه عين النصاب في طول الحول، فيكون النصف الأخير من عام الأول مشتركا بين الزكوتين و النصف الأول من الأول مختصا بزكاة التجارة و النصف الأول من العام الثاني مختصا بزكاة العينية قال في الجواهر: أقرب القولين أولهما أي القول بالاعتبار بالنظر‌

144

الى الحسن يعنى قول الصادق (عليه السلام) في خبر زرارة لا يزكى المال من وجهين في عام واحد، كما ان ثانيهما أوفق بمدلول النبوي يعني قوله (صلّى اللّه عليه و آله) لا ثنى في الصدقة، و لعل مراده (قده) من أقربية القول بالاعتبار بالنظر الى مدلول الحسن هو ظهور قوله ع في حسن زرارة في عام واحد في تمام العام، و مع اشتراك الزكوتين في بعض العام لا يصدق تكرارهما في عام واحد، في تمام العام، و مع اشتراك الزكوتين في بعض العام لا يصدق تكرارهما في عام واحد، و أوثقية القول الثاني بمدلول النبوي هو إطلاق النبوي عن التقيد عن قيد العام، فمع الاشتراك في بعض الحول يصدق التنبيه في الزكاة كما لا يخفى، و هذا هو الأقوى لأن اختلاف حول الزكوتين بداية و نهاية لا يجعل العام الذي هو اسم لاثنى عشر شهرا عامين، فإذا زكى هذا المال في هذا الشهر من جهة التجارة، ثم زكاه بعد ستة أشهر مثلا من جهة العينية يصدق أنه زكاة من وجهين في عام واحد و هو خلاف ما يستفاد من قوله ع: لا يزكى المال من وجهين في عام واحد.

(الأمر الثاني) إذا تقدم حول المالية سقطت زكاة التجارة كما إذا ملك أربعين شاة سائمة مثلا للقنية ثم نوى بعد ستة أشهر التجارة بناء على كفاية القصد في صيرورتها مال التجارة كما هو المختار كما تقدم، و حينئذ فإن أخرج زكاة المالية بعد حلول حولها قبل انتهاء حول التجارة فلا شبهة في سقوط التجارة، لأن امتثال خطاب الزكاة العينية برفع ملاك زكاة التجارة فيسقط خطابها برفع ملاكها، و ان لم يخرج زكاة العينية حتى انتهى حول التجارة فهل يثبت الزكوتان على نحو تعدد المطلوب، أو لا يترتب عليه الا كتاكد المطلوبية، أو انه يتعين إخراج العينية لوجوبها و استحباب زكاة التجارة وجوه، أقواها الأخير كما في صورة اتحاد عاميهما على ما تقدم.

(الأمر الثالث) لو انعكس الأمر بأن تقدم حول التجارة كما إذا اشترى أربعين شاة سائمة للتجارة ثم عاوضها بعد ستة أشهر بأربعين سائمة أخرى بناء على عدم اعتبار بقاء عين السلعة في تمام الحول في زكاة التجارة، فإن أخرج‌

145

زكاة التجارة بعد حولها و قبل انتهاء حول العينية تسقط زكاة العينية قطعا، و ان لم يخرجها الى انتهاء عام العينية فالمختار هو تقديم زكاة العينية لمكان وجوبها و استحباب التجارة فيكون كما لو حال الحولان معا في سقوط زكاة التجارة.

[مسألة 6 لو كان رأس المال أقل من النصاب]

مسألة 6 لو كان رأس المال أقل من النصاب ثم بلغه في أثناء الحول استأنف الحول عند بلوغه.

و ذلك واضح بعد وضوح اعتبار اجتماع شرائط ثبوت الزكاة في تمام الحول، فلو كان رأس المال أقل من النصاب ثم بلغه يكون ابتداء الحول من حين بلوغه مع اجتماع سائر الشرائط.

[مسألة 7 إذا كان له تجارتان و لكل منهما رأس مال]

مسألة 7 إذا كان له تجارتان و لكل منهما رأس مال فلكل منهما شروطه و حكمه، فإن حصلت في إحداهما دون الأخرى استحب فيها فقط و لا يجبر خسران إحداهما بربح الأخرى.

فلا يكفي حينئذ في ثبوت الزكاة في التي طلبت بنقيصة طلب الثانية بربح يجبر به تلك النقيصة، بل تتعلق الزكاة بإحداهما دون الأخرى، و هذا اعنى تعدد التجارة لو أريد بيع رأس مال كل واحد من التجارتين مستقلا ظاهر، و لو أريد بيع الجميع صفقة واحدة فيشكل في صدق التعدد، بل الظاهر وحدة التجارة حينئذ كما ان الأمتعة التي اشتريت صفقة واحدة و أريد بيعها بتفرقة رأس المال في كل واحد منها بما خصها من الثمن فالزكاة فيه يدور على طلبه به أو بزيادة و عدمه فيجبر حينئذ خسران أحدهما بربح الأخر خصوصا مع ارادة البيع صفقة لكون الجميع تجارة واحدة.

[ (الثاني) مما يستحب فيه الزكاة كلما يكال أو يوزن مما أنبتته الأرض عدا الغلات الأربع]

(الثاني) مما يستحب فيه الزكاة كلما يكال أو يوزن مما أنبتته الأرض عدا الغلات الأربع فإنها واجبة فيها و عدا الخضر كالبقل و الفواكه و الباذنجان و الخيار و البطيخ و نحوها.

و قد تقدم حكم هذا و ما يذكره بعده الى الأمر السابع مما يستحب فيه الزكاة في خلال المباحث المتقدمة و لا يحتاج إلى الإعادة هاهنا فراجع.

146

[فصل أصناف المستحقين للزكاة]

فصل أصناف المستحقين للزكاة

[و مصارفها ثمانية]

و مصارفها ثمانية.

على ما هو الظاهر من الآية الكريمة، و بعض الاخبار المروية، و جملة من كلمات الأصحاب، قال اللّه تعالى إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ وَ الْعٰامِلِينَ عَلَيْهٰا وَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَ فِي الرِّقٰابِ وَ الْغٰارِمِينَ وَ فِي سَبِيلِ اللّٰهِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ، و عدها في الشرائع سبعة بجعل الفقير و المسكين واحدا و لا بأس به كما سيظهر.

[الأول و الثاني الفقير و المسكين]

الأول و الثاني الفقير و المسكين.

اعلم ان في ترادف الفقير و المسكين مفهوما، أو تغايرهما مع تفاوتهما في الصدق، أو تساويهما اما مطلقا أو عند انفرادهما وجوه، و أقوال.

الأقوال في الفقير و المسكين (الأول) أنهما مترادفان و نسبه في المدارك إلى جماعة منهم المحقق في الشرائع، و قال و بهذا الاعتبار جعل الأصناف سبعة لا ثمانية، و لا يخفى ما فيه ضرورة وضوح تغاير مفهوميهما، إذ الفقير مأخوذ من الفقر بمعنى الحاجة، و المسكين بمعنى المذلة، و تغاير مفهوميهما أوضح من ان يخفى.

(الثاني) أنهما متغايران في الصدق حتى في موضع اجتماعهما معا، و هذا هو المتظاهر من المدارك حيث انه بعد نقله عن جده ما في المسالك من قوله: و اعلم ان الفقراء و المساكين متى ذكر أحدهما خاصة دخل فيه الأخر بغير خلاف نص على ذلك جماعة منهم الشيخ و العلامة (قده) كما في آية الكفارة المخصوصة بالفقراء، و انما الخلاف فيما لو جمعا كما في آية الزكاة لا غير، و الأصح أنهما حينئذ متغايران لنص أهل اللغة، و صحيحة أبي بصير عن ابى عبد اللّه (عليه السلام) قال الفقير الذي لا يسأل الناس و المسكين اجهد منه، و لا ثمرة مهمة في تحقيق ذلك للاتفاق على استحقاقهما من الزكاة حيث ذكروا دخول أحدهما تحت الأخر حيث يذكر أحدهما، و انما تظهر الفائدة نادرا فيما لو نذرا و وقف أو اوصى لأسوءهما حالا فإن الأخر لا يدخل فيه بخلاف العكس انتهى ما في المسالك، و أورد عليه بقوله ان قوله اى (المسالك) الفقراء و المساكين متى ذكر أحدهما خاصة‌

147

دخل فيه الأخر بغير خلاف مشكل جدا بعد ثبوت التغاير، لأن إطلاق لفظ أحدهما و ارادة الأخر مجاز لا يصار اليه الا مع القرينة، و مع انتفائها يجب حمل اللفظ على حقيقته الى ان قال، و بالجملة فالمتجه بعد ثبوت التغاير عدم دخول أحدهما في إطلاق لفظ الأخر إلا بقرينة، و ما ذكره (ره) من عدم تحقق الخلاف في ذلك لا يكفي في إثبات هذا الحكم، لان عدم العلم بالخلاف لا يقتضي العلم بانتفاء الخلاف و الحجة في الثاني دون الأول انتهى ما في المدارك، و استشكل في محكي كفارات القواعد في اجزاء إطعام الفقراء عن المساكين إذ الم تقل بان الفقير أسوء حالا من المسكين، و كذا في الوصية للمساكين، و اختار في محكي الإيضاح و جامع المقاصد عدم الدخول في الوصية، و لم يرجح في وصيته الدروس شيئا، و لا يخفى ان ما في المسالك ليس الاقتصار على دعوى عدم العلم بالخلاف، بل قوله (قده) للاتفاق على استحقاقهما من الزكاة حيث ذكروا دخول أحدهما تحت الأخر حيث أحدهما صريح في دعواه الاتفاق على ذلك مضافا الى دعواه الإجماع عليه في الروضة أيضا، بل عن المنتهى ان العرب قد استعملت كل واحد من اللفظين في معنى الأخر، فالأقوى هو صحة الاكتفاء بكل منهما عند الانفراد كما في آية الكفارة المخصوصة بالمسكين، فيدخل فيه الفقير، و ما استشكله في المدارك، و محكي القواعد، و الإيضاح، و جامع المقاصد ليس بشي‌ء، و لعل الذي دعاهم اليه صعوبة جريان ذلك على الضوابط حتى ان في مفتاح الكرامة وجهه بوجه بعيد و هو الالتزام بوضع في حال الاجتماع، و وضع أخر في حال الانفراد، و قال قد يقال: انه بعد ثبوت التغاير عند الاجتماع و عدمه عند الانفراد بالإجماع و نقل الثقات ان كل واحد منهما موضوع لمعنيين قد أخذ الواضع في وضعه لأحدهما أن يكونا مجتمعين، و في الأخر ان يكون منفردا عن الأخر كما هو الشأن في اللام، فإنه قيل انه أخذ في وضعها للحقيقة كونها في اسم الجنس، و في وضعها للعموم كونها في الجميع فيكون الوضع في كل منهما مشروطا بشرط، أو نقول انه غير مشروط لكنه جعل‌

148

القرينة على تعيين أحدهما اجتماعهما و على تعيين الأخر انفرادهما، أو يقال ان دخول أحدهما تحت الأخر حين الانفراد مجاز و الإجماع قرينة عليه انتهى.

و لا يخفى فيما ذكره من التكلف، و الذي ينبغي ان يقال ان الثمرة في الدخول اى دخول أحدهما تحت الأخر انما تظهر في ما ورد الأمر فيه بالإنفاق على المساكين كما في باب الإطعام في الكفارة، و اما في مسألة النذر و الوصية فهو تابع لإرادة الناذر و الموصى، و مع عدم العلم بها فيصرف في الأخص لانه مبرء قطعا، أو يكتفى بالصرف في الأعم لأنه المتيقن، و فيما لو نذر الصرف الى اسوئهما يصرف الى الاسوء سواء سمى فقيرا أو مسكينا، و منه يظهر ما في جعل النذر أو الوقف أو الوصية لأسوءهما حالا ثمرة كما في المسالك، حيث لا ثمرة في تعيين كون الاسوء هو الفقير أو المسكين بعد تبين مصرفية الاسوء و تعين الصرف اليه كما لا يخفى.

بقي الكلام فيما ورد الأمر فيه بالإنفاق على المسكين كما في إطعام الكفارة، و الظاهر فيه إرادة الأعم و جواز صرفه على الفقير بناء على أسوئية المسكين، و ذلك لا لتعدد وضع المسكين بلحاظ حالة الانفراد و الاجتماع، و لا بقيام قرينة خارجية على إرادة الأعم في المسكين، بل لمناسبة الحكم و الموضوع حيث يظهر من الأمر بالإنفاق على المسكين ان المنشأ لوجوب الإنفاق عليه انما هو لحاجته لا لمذلته الحاصلة من حاجته، و قد علمت ان الفقير مأخوذ من الفقر بمعنى الحاجة، و المسكين من المسكنة بمعنى الذلة، و لا شبهة في ان مورد الإنفاق هو المسكنة الناشئة عن الفقر لا مطلقا و لو كان غنيا، فمن نفس وجوب الإنفاق يستكشف ان السبب في إيجابه هو رفع خلته و حاجته التي موجودة في الفقير بناء على أسوئية المسكين بطريق اولى، فظهر صحة الحكم بدخول كل تحت الأخر في مورد الانفراد، لكن فيما إذا كان كل واحد منهما في حال الانفراد موضوعا لوجوب الإنفاق عليه، و يكون الحكم المذكور من ناحية مناسبة الحكم و الموضوع‌

149

لا من جهة دعوى ترادفهما مفهوما في حالا الانفراد، و لا من جهة قيام قرينة خارجية حتى يصير مجازا بل مع بقاء كل واحد على حقيقته مضافا الى الإجماع و الاتفاق المدعى في كلمات هؤلاء الأساطين، فلا اشكال من هذه الجهة أصلا، هذا في حال الانفراد، و اما حال الاجتماع فالظاهر تغايرهما في معنى المراد و لو كانا موضوعين لوجوب الإنفاق لدوران الأمر بين التأسيس و التأكيد، و لا ريب في أولوية الأول عند إمكانه فيكون ذكر أحدهما مع الأخر قرينة على ارادة الفقير بالمعنى الأخص من أحدهما، و الأعم من الأخر فهذه القرينة اعنى ذكر أحدهما مع الأخر مع إمكان الاكتفاء بأحدهما خاصة مع أولوية التأسيس تصير قرينة صارفة لما استفيد من مناسبة الحكم و الموضوع في حال الانفراد.

و من جميع ما ذكرنا ظهر صحة القول الثالث، و وجه صحته و هو القول بتغايرهما في حالة الاجتماع و اتحادهما مصداقا في حال الانفراد، و هل تغايرهما في حالة الاجتماع انما هو باخصية المسكين عن الفقير؟ أو بالعكس (قولان) الذي عليه الأكثر بل المشهور هو الأول، بدعوى ان المسكين هو الذي أذله الفقر من جهة السؤال و غيره، و الفقير هو المحتاج مطلقا، و هذا هو الأقوى لأنه مع كونه مناسبا لمعنى الفقير و المسكين يدل عليه من الاخبار صحيح ابى بصير عن الصادق (عليه السلام) قال:

الفقير الذي لا يسأل الناس و المسكين اجهد منه و البائس أجهدهم، و صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما انه سئل عن الفقير و المسكين فقال ع: الفقير الذي لا يسأل و المسكين الذي أجهد منه الذي يسأل، و قد نص على ذلك بعض أهل اللغة أيضا، فعن بعضهم ان الفقير الذي يجد القوت و المسكين الذي لا شي‌ء له، و حكى عن يونس انه قال لأعرابي أ فقير أنت فقال: لا و اللّه بل انا مسكين.

(القول الرابع) هو القول بأسوئية الفقير عن المسكين و هو المحكي عن الصدوق و الطبرسي، فعن الأول منهما ان الفقير هو الزمن المحتاج، و المسكين هو الصحيح المحتاج، و عن الثاني انه قال جاء في الحديث عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) انه قال: ليس‌

150

المسكين الذي ترده الأكلة و الأكلتان و التمرة و التمرتان و لكن المسكين الذي لا يجد غنى فيغنيه و لا تسائل الناس شيئا و لا يفطن به فيتصدق عليه، و قيل ان الفقير الذي لا شي‌ء له، و المسكين الذي له بلغة من العيش، و قد ذكر لهذا القول حججا اعتبارية لا حاجة الى ذكرها، و الذي يسهل الخطب ان مورد اجتماعهما معا منحصر باية الزكاة، و لا فائدة في البحث عن التمييز بينهما فيها لعدم وجوب البسط في الزكاة و جواز الإعطاء بصنف واحد كما سيأتي، و كون كل من الفقير و المسكين مصرفا سواء كان المسكين أسوء حالا أو بالعكس فلا حاجة الى تطويل البحث في التحقيق عن الاسوء منهما، و ان كان الحق هو أسوئية المسكين عن الفقير لدلالة الخبر المتقدمين عليها.

و الفقير الشرعي من لا يملك مؤنة السنة له و لعياله، و الغنى الشرعي بخلافه.

لا إشكال في ان المراد من الفقير و المسكين و حدّهما المسوغ لهما تناول الزكاة هو الغنى كما قال العلامة (قده) في محكي التذكرة قد وقع الإجماع على ان الغنى لا يأخذ شيئا من الزكاة من نصيب الفقراء للاية و لقوله (صلّى اللّه عليه و آله): لا تحل الصدقة لغني انتهى، و انما الكلام في الغنى المانع من الأخذ، فقد اختلف فيه على أقوال.

و (الأول) و هو المشهور بين المتأخرين بل مطلقا، بل ربما ينسب إلى عامة الأصحاب ان الفقير من يقصر ماله عن مؤنة سنة له و لعياله، و الغنى ما يكفه ماله لمؤنة سنته و سنة عياله، و المراد بماله الأعم من المال الموجود بالفعل أو بالقوة كصاحب الحرفة و الصنعة اللائقة بحاله الوافية بمؤنته إذ كان من شأنه الصرف في نفقته، لا مثل أثاث البيت و نحوه مما يأتي.

(الثاني) ما نسب الى الشيخ (قده) من ان الغنى من يملك نصابا من الأثمان أو قيمته فاضلا عما يستثني في الدين من المسكن و الخادم و نحوهما، و الفقير من لا يملكه.