مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى - ج10

- الشيخ محمد تقي‏ الآملي المزيد...
558 /
151

(الثالث) ما حكى عن المفاتيح ناسبا له الى الشيخ و هو ان الفقير من لم يقدر على كفاية ما يلزمه من عياله عادة على الدوام، و الأقوى هو القول الأول كما عليه المشهور، و ذلك لدلالة الأخبار المصرحة بها عليه كصحيح ابى بصير عن الصادق (عليه السلام) قال سمعته يقول: يأخذ الزكاة صاحب السبعمأة إذا لم يجد غيره، قلت فان صاحب السبعمأة يجب عليه الزكاة قال زكوته صدقة على عياله و لا يأخذها الا ان يكون إذا اعتمد على السبعمأة أنفدها في أقل من سنة فهذا يأخذها و لا تحل الزكاة لمن كان محترفا و عنده ما تجب فيه الزكاة، و صحيح على بن إسماعيل قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن السائل و عنده قوت يوم أ يحل له ان يسأل و ان اعطى شيئا من قبل ان يسأل يحل له ان يقبله، قال يأخذ و عنده قوت شهر ما يكفيه لسنة من الزكاة لأنها انما هي من سنة الى سنة، و خبر يونس بن عمار قال سمعت الصادق (عليه السلام) يقول: تحرم الزكاة على من عنده قوت السنة إلى سنة، و تجب الفطرة على من عنده قوت السنة، و الاخبار الدالة على جواز الأخذ لمن له رأس مال أو حرفة لا يحصل له منها ما يفي بمؤنته و هي كثيرة مروية في الكافي، و هذه الاخبار كما ترى تدل على جواز أخذ الزكاة لمن لا يملك مؤنة سنته و عدم جوازه لمن ملكها.

و استدل للقول الثاني بالتنافي بين وجوب دفع الزكاة على من ملك نصابا من الأثمان و جواز أخذها له، و بالنبوي العامي انه (صلّى اللّه عليه و آله) قال لمعاذ حين بعثه الى اليمن انك تأتي قوما من أهل الكتاب فادعهم إلى شهادة ان لا إله إلا اللّه و ان محمدا رسول اللّه، فان هم أطاعوا لذلك فأعلمهم ان اللّه قد فرض عليهم خمس صلوات في اليوم و الليلة فان هم أطاعوا لذلك فأعلمهم ان اللّه فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم، فترد على فقرائهم، و قول الصادق (عليه السلام) في صحيحة زرارة لا تحل لمن كانت عنده أربعون درهما يحول عليها ان يأخذها و ان أخذها أخذها حراما، و لا يخفى ما في الكل، اما الأول فلمنع التنافي بين وجوب الزكاة عليه إذا كان‌

152

مالكا لإحدى النصب الزكاة مع اجتماع سائر الشرائط، و بين جواز أخذها إذا كان فقيرا، و اما النبوي فهو عامي لا تعويل عليه سندا أولا، و انه على تقدير تسليم سنده لا يتم دلالته لظهوره في كونه جاريا مجرى الغالب ثانيا، و على تقدير تسليم دلالته يكون أخص من المدعى لان القائل المذكور يدعى اختصاص الغنى بما يملك احدى نصب الأثمان، مع ان مقتضى الخبر عدم التفاوت بين كون النصاب من الأثمان أو غيرها ثالثا، و على تقدير الغض عن جميع ذلك يمنع حجية الخبر المذكور بإعراض الأصحاب عن العمل به و كونه مطروحا رابعا، و اما الاستدلال بقول الصادق (عليه السلام) ففيه أن أربعين درهما ليس بنفسه نصابا يجب فيه الزكاة حتى يصير دليلا على القول المذكور، مع ان الظاهر منه انه كناية عن الغنى بمعنى ان من عنده أربعون درهما لا يحتاج إليها لا يحل له أخذ الزكاة كما لا يخفى.

و استدل للقول الثالث بان من لم يكن له حرفة أو ممر معيشة و أف بمؤنته عادة على سبيل الاستمرار لا يعد في العرف غنيا و ان كان بالفعل مالكا لما يفي بمؤنة سنة بل سنتين، و فيه انه اجتهاد في مقابلة النصوص المتقدمة مع المنع عن أصل الدعوى، بل يدعى ان العرف يرون مثل ذلك غنيا بالفعل حال كونه واجدا لمؤنة سنته، و بالجملة فالقول المشهور هو المنصور و عليه المعول، و قد عرفت ان المعيار في الغنى تملك مؤنة سنته و سنة عياله فعلا أو قوة.

فمن كان عنده ضيعة أو عقار أو مواش أو نحو ذلك تقوم بكفايته و كفاية عياله في طول السنة لا يجوز له أخذ الزكاة، و كذا إذا كان له رأس مال يقوم ربحه بمؤنته أو كان من النقد أو الجنس ما يكفيه و عياله و ان كان لسنة واحدة، و اما إذا كان أقل من مقدار كفاية سنته يجوز له أخذها، و على هذا فلو كان عنده بمقدار الكفاية و نقص عنه بعد صرف بعضه في أثناء السنة يجوز له الأخذ، و لا يلزم ان يصبر إلى أخر السنة حتى يتم ما عنده، مقدار الكفاية المذكورة يجوز له الأخذ.

153

و كل ذلك واضح لا خفاء فيه بما قدمناه‌

و كذا لا يجوز

الأخذ من الزكاة‌

لمن كان ذا صنعة أو كسب يحصل منهما مقدار مؤنته.

إذا كانت الصنعة على الوجه اللائقة بحاله، و كذلك الكسب يكون مما يليق بحاله، و في الجواهر اعترف بعدم الخلاف في ذلك بل قال: يمكن تحصيل الإجماع عليه فلا ينبغي الإشكال فيه، و انما الكلام في القادر على الاكتساب إذا لم يفعله تكاسلا، و الكلام فيه تارة في حال قدرته على الكسب، و اخرى في حال عجزه الناشئ بسوء اختياره، اما الأول فالمشهور على ما نسب إليهم هو المنع عن أخذ الزكاة عليه مع قدرته على صنعة أو كسب لائق بحاله، و استدل لهم بقول الباقر (عليه السلام) في خبر زرارة حيث يقول ع: ان الصدقة لا تحل لمحترف و لا لذي مرة سوى قوى فتنزهوا عنها.

و خبر أبي البختري المروي عن الصادق (عليه السلام) عن على (عليه السلام) انه كان يقول:

لا تحل الصدقة لغني و لا لذي مرة سوى، و المروي في معاني الاخبار عن الباقر (عليه السلام) قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): لا تحل الصدقة لغني و لا لذي مرة سوى و لا لمحترف و لا لقوي قلنا ما معنى هذا قال: لا يحل له ان يأخذها و هو يقدر على ان يكف نفسه عنها، و المرة بالكسر القوة و الشدة، و السوي الصحيح الأعضاء، فذكر القوى في خبر الأول و الأخير كأنه تأكيد للمرة، و كيف كان مقتضى هذه الاخبار هو منع القادر على الكسب القوى عليه عن الزكاة، و الخبران الأولان و ان لم يكن فيهما تقييد بالقدرة بل كانا متعرضين للحكم بعدم جواز التناول على القوي السوي و لو كان في حال عجزه عن الاكتساب، الا ان الخبر الأخير الشارح لمعنى القوى السوي و المحترف بالقادر على كف نفسه عن الزكاة بالاشتغال بالكسب بقيد المنع بصورة القدرة عليه هذا، و قوى في الجواهر جواز الأخذ له، و قال: ان الأقوى في النظر الجواز مطلقا و ان كان الاولى التنزه عنها، و استدل له بخبر معاوية بن وهب قال قلت لأبي عبد اللّه يروون عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) ان الصدقة لا تحل لغني و لا لذي مرة سوى فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام)

154

لا يصلح لغني، حيث ان التعبير بلا يصلح ظاهر في الكراهة، و مرسل الفقيه انه قيل للصادق (عليه السلام) ان الناس يروون عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) انه قال: ان الصدقة لا يحل لغني و لا لذي مرة سوى فقال ع قد قال: لغني و لم يقل لذي مرة سوى، فان الظاهر من إنكاره ع ان رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) قال ذلك هو جواز تناولها لذي القوة لا ما جعله في الوافي وجها له من ان ذكر الغنى مغن عن ذكر ذي المرة السوي، لان الغناء قد يكون بالقوة و الشدة كما يكون بالمال، و لو فرض رجل لا تغنيه القوة و الشدة فهو فقير محتاج، قال في الجواهر: فإنه كما ترى، و إطلاق الأدلة و ترك الاستفصال في كثير منها و السيرة المستمرة في سائر الأعصار و الأمصار على إعطائها للاقوياء و القابلين للاكتساب ثم أيد جميع ذلك بما عساه يظهر من بعضهم من الإجماع على جواز إعطاء ذي الصنعة إذا أعرض عنها و ترك التكسب بها، هذه جملة ما استدل به لما قواه (قده) و الكل مخدوش، اما خبر معاوية بن وهب فلانه ليس فيه الأزيد من الاشعار و هو لا يوجب الظهور، و على فقدير تسليم ظهوره في الكراهة معارض مع الاخبار المتقدمة لا سيما المروي في معاني الأخبار المصرح فيه بعدم الأخذ لمن يقدر على ان يكف نفسه عنها، و اما المروي في الفقيه ففيه أولا انه لا ظهور له فيما ادعاه، بل لعل ما احتمله في الوافي يكون فيه أظهر، و ليس ما احتمله بمثابة من البعد حتى يرمى بقوله و هو كما ترى.

و ثانيا معارض أيضا بما تقدم من الاخبار، و ثالثا انه لا وثوق به، بل المظنون بظن قوى كونه إشارة إلى خبر معاوية بن وهب المتقدم ذكره، و خبر هارون بن حمزة و فيه أيضا قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) يروون عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) انه ص قال: لا تحل الصدقة لغني و لا لذي مرة سوى، فقال ع: لا يصلح لغني، و قد اعترف في الجواهر أيضا بإمكان كون نظر الصدوق (قده) فيما أرسله عن الصادق (عليه السلام) الى هذين الخبرين، و من الواضح انه لا دلالة في قول الصادق (عليه السلام) في جواب السائل لا يصلح لغني من عدم تعرضه لذكر المرة السوي على عدم صدوره عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله)، بل لعله إشارة إلى‌

155

إناطة الحكم بحصول الغنى، و انه لم بقصد بذي مرة سوى معنى مغايرا للغنى، فيكون ترك تعرضه لذكر المرة السوي للإشارة الى ان المراد به هو الغني أيضا، فلذلك اقتصر في الجواب على ذكر الغنى.

و اما إطلاق الأدلة و ترك الاستفصال في كثير منها فهو على تقدير تسليمه مقيد و مخصص بما ذكر من الاخبار، و اما دعوى السيرة على دفعها على الأقوياء القابلة للاكتساب فهي ممنوعة جدا، و كيف يمكن دعواها على إعطاء الزكاة التي جعلها اللّه سبحانه لأهل الحاجة و المسكنة الى من بقدر على كسب لائق بحاله و أف بمؤنته، و لكنه تعود في التعيش بأخذ الصدقات و الصبر على الفقر و الفاقة و تحمل ذل السؤال و تناول وجوه الخيرات و الصدقات، و اما ما أيده بالإجماع على جواز الإعطاء بذي الصنعة إذا أعرض عنها و ترك التكسب بها فهو بعد ذهاب المشهور على المنع عن الإعطاء بمن يقدر الاكتساب و لو لم يشتغل به لا يفيد شيئا كما لا يخفى.

فالأقوى حينئذ عدم جواز إعطاء الزكاة بمن يقدر على كسب لائق بحاله لا انه يجوز و يكون.

و الأحوط عدم أخذ القادر على الاكتساب إذا لم يفعل تكاسلا.

كما ذكره المصنف (قده)، هذا تمام الكلام فيمن بقدر على الكسب في حال قدرته عليه، و اما من كان قادرا عليه فلم يفعل تكاسلا حتى عجز عنه كما لو ترك الكسب نهارا فاحتاج ليلا، أو ترك البناء عمله في الصيف فاحتاج في الشتاء مع عدم حصول ذاك العمل له في الشتاء فالمذكور في رسالة زكاة الشيخ الأكبر (قده) ان فيه اشكال من صدق الفقير عليه، و انه لا يقدر في الحال على ما يكف به نفسه عن الزكاة فيعمه أدلة جواز الأخذ، و من صدق المتحرف و ذي المرة السوي عليه فيشمله أدلة المنع و هو الأقوى لعدم معلومية صدق الفقير عليه و الا لصدق على المحبوس الغنى و لم يجعل ابن السبيل قسيما للفقير في الكتاب و السنة، نعم لا بأس بالصرف اليه من سهم سبيل اللّه، لكن الإنصاف انه لو لم ينعقد الإجماع على الخلاف قوى‌

156

القول بجواز الدفع الى كل محتاج في آن حاجته، و ان عرض له في زمان يسير و لو بسوء اختياره انتهى.

و لا يخفى ان ما أنصفه أخيرا هو المطابق للانصاف، و انه لا إجماع على خلافه، بل ربما يدعى غلبة الظن على ارادة المشهور من منع الزكاة عمن يقدر على الكسب منعه في حال قدرته عليه لا مطلقا و لو بعد طرو العجز عنه، و اما صدق المحترف و ذي المرة السوي عليه فلا يؤثر في شي‌ء بعد كونهما كناية عن الغنى، و ان تمام العبرة بحصوله، و المفروض عدم صدقه عليه و ان كان بسوء اختياره و لو صدق عليه الفقير و أخذ الزكاة من جهة صدقه عليه لم يلزم لغوية جعل ابن السبيل قسيما له مع إمكان تحققه في الغنى الذي لا سبيل له في الأخذ من ماله، و بالجملة فالأقوى جواز تناول من كان قادرا على الكسب فتركه تكاسلا ثم عجز عنه في حال عجزه.

[مسألة 1 لو كان له رأس مال لا يقوم ربحه بمؤنته]

مسألة 1 لو كان له رأس مال لا يقوم ربحه بمؤنته، لكن عينه تكفيه لا يجب عليه صرفها في مؤنته، بل يجوز له إبقائه للاتجار به، و أخذ البقية من الزكاة، و كذا لو كان صاحب صنعة تقوم آلاتها، أو صاحب ضيعة تقوم قيمتها بمؤنته، و لكن لا يكفيه الحاصل منهما لا يجب عليه بيعها و صرف العوض في المؤنة بل يبقها و يأخذ من الزكاة بقية المؤنة.

و هذا في الجملة مما لا اشكال، و انما الكلام في ان من رأس ماله لا يقوم ربحه بمؤنته و عينه تكفيه فلا يجب عليه صرف العين في مؤنته، و يجوز له إبقائه للاتجار به و أخذ البقية من الزكاة هل هو ممن قصر ماله عن مؤنة سنته أو انه لمكان إمكان تعيشه برأس ماله طول سنته و تمكن صرفه فيها و كفه عن الزكاة ليس ممن قصر ماله عن مؤنة سنته و مع ذلك يجوز له الأخذ من الزكاة، المصرح به في المدارك هو الأخير، و قد تبعه الحدائق في ذلك، قال في المدارك بعد جملة من الكلام: و المعتمد ان من كان له مال يتجر به أو ضيعة يستغلها فان كفاه الربح أو الغلة له و لعياله لم يجز له‌

157

أخذ الزكاة، و ان لم يكفه جاز له ذلك، و لا يكلف الإنفاق من رأس المال و لا من ثمن الضيعة، و من لم يكن له ذلك اعتبر قصور أمواله عن مؤنة السنة له و لعياله انتهى.

و الحق ان يقال ان المراد من الأموال التي تكفي مؤنته لو صرفها فيها هي الأموال المعدة للصرف بحسب العرف و العادة لا ما أعدت للبقاء و الاستنماء منها كراس المال و العقار و الضيع و نحوها من الآلات و الأدوات و نحوها مما تكون معدة للبقاء و الاسترباح منها، و كيف كان فيدل على أصل الحكم اعنى جواز أخذ الزكاة لمن لا يستكفيه ربح الحاصل من رأس ماله أو ضياعه أو عقاره لمؤنة، و عدم وجوب صرف ما عنده من رأس المال و نحوه في نفقته جملة من الاخبار، منها صحيح معاوية بن وهب قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يكون له ثلاث مأة درهم أو اربعمأة درهم و له عيال و هو يحترف فلا يصيب نفقة فيها أ يكب فيأكلها كلها و لا يأخذ الزكاة أو يأخذ الزكاة، قال ع: لا بل ينظر الى فضلها فيقوت بها نفسه و من وسعه ذلك من عياله و يأخذ البقية من الزكاة و يتصرف بهذه لا ينفقها، و في معناه أخبار أخر كخبر هارون بن حمزة و موثق سماعة و خبر ابى بصير و خبر إسماعيل بن عبد العزيز و ينبغي التنبيه على أمور.

(الأول) مقتضى سوق هذه الاخبار و ما فيها من ترك الاستفصال عدم الفرق في جواز أخذ الزكاة بين ما لو كانت قيمة رأس المال وافية بمؤنة السنة، أو كانت أقل، و لكن في صحيحة أبي بصير ما بظاهره يدل على التقييد بما إذا كانت أقل، و فيها قال سمعت الصادق (عليه السلام) يقول: يأخذ الزكاة صاحب السبعماة إذا لم يجد غيره، قلت فان صاحب السبعماة تجب عليه الزكاة قال: زكوته صدقة على عياله و لا يأخذها الا ان يكون إذا اعتمد على السبعمأة أنفدها في أقل من سنة فهذا يأخذها الحديث، و كذا في موثقة سماعة و فيها قال ع: قد تحل الزكاة لصاحب السبعماة و تحرم على صاحب الخمسين درهما، فقلت له و كيف هذا قال ع: إذا‌

158

كان صاحب السبعمأة له عيال كثير فلو قسمها بينهم لم تكفه (الحديث)، إلا أنهما محمولان على ما إذا لم يكن السبعمأة بضاعة له، فإنه مع كفايتها حينئذ لمؤنة سنته لا يجوز له أخذ الزكاة، و انما الحكم بالجواز مختص بمن كان ما عنده بضاعة له يستعمله في حرفته، و لا يكفيه نمائه فإنه يجوز له الأخذ، و لا يكلف لصرف بضاعته و لو كانت قيمة بضاعته تكفى مؤنة سنته، فما في الجواهر من انه قد يستفاد من قوله ع في خبر ابى بصير فلا يأخذها الا ان يكون (إلخ) قصور رأس المال عن كفاية السنة، و كذا موثق سماعة ضعيف بانصراف ما في الخبرين عن رأس المال، بل الظاهر منهما كون موردهما في غير رأس المال فراجع فتأمل.

(الأمر الثاني) ظاهر الاخبار المتقدمة اعتبار الاستنماء الفعلي في المال المستثنى من الكفاية لا مجرد قابلية الاستنماء، فمن يكون عنده مال يكفيه لسنته و لا يكون مشتغلا بالاستنماء فعلا لا تحل له الزكاة.

(الأمر الثالث) المراد بعدم كفاية الربح بمؤنة السنة هو عدم استعداد المال و قابليته لان يستربح به ما يكفيه لسنته لأجل قلته، و عدم ترتب الأزيد مما يحصل منه الربح عليه بحسب العادة لا مطلقا، فلو فرض مالكيته لرأس مال كثير و بضاعة رابحة كالمسكوك من النقد و لكن اتفق في بعض السنين عدم كفاية ربحه بالمؤنة اللائقة بحاله فالظاهر عدم حل أخذ الزكاة له لانه يعد غنيا كما لا يخفى.

(الأمر الرابع) الظاهر ان المعتبر في القدرة على التكسب هي القدرة على التكسب اللائق بحاله عادة لا ما لا يتحمله عادة، و لا ما فيه مشقة شديدة، و لا ما لا يليق بحاله بحيث يكون في ارتكابه حرجا عليه، و ذلك لخبر إسماعيل بن عبد العزيز عن أبيه قال دخلت انا و أبو بصير على ابى عبد اللّه (عليه السلام) فقال له أبو بصير ان العباس بن الوليد له دار تسوى أربعة آلاف و له جارية و له غلام يسقى على الجمل كل يوم ما بين الدرهمن إلى أربعة سوى علف الجمل و له عيال إله أن يأخذ من الزكاة؟ قال ع: نعم، قلت و له هذه العروض قال يا أبا محمد: أ تأمرني‌

159

أ تأمرني أن نأمر ببيع داره و هي عزه و مسقط رأسه أو ببيع خادمه التي تقيه الحر و البرد و يصون وجهه و وجه عياله أو آمره ان يبيع غلامه و جمله و هو معيشته بل يأخذ الزكاة هي له حلال و لا يبيع غلامه و لا جملة، فإن المنع عن بيع داره معللا بأنها عزه يدل على ان التمكن من كل ما لا يليق بعزة لا يخرجه عن الفقر الموجب لحل الزكاة عليه، و كذا المنع عن بيع خادمه معللا بأنه تقيه الحر و البرد يدل على ان إمكان ما فيه مشقة أو حرج لا يخرجه عن الفقر كل ذلك مضافا الى ان الفقر أمر عرفي يختلف صدقه بحسب اختلاف الأشخاص و الافراد صفة و شرفا، و من حيث كثرة المؤنة و قلتها عادة، و يؤيد ذلك ما دل على كراهة اعلام المؤمن المحتشم عن أخذ الزكاة بكون المدفوع زكاة معللا بأنه لا يذل المؤمن، فإنه يدل على عدم وجوب إلجائه إلى ارتكاب ما فيه مهانة عليه مما لا يليق بحاله كما لا يخفى.

[مسألة 2 يجوز ان يعطى الفقير أزيد من مقدار مؤنة سنته دفعة]

مسألة 2 يجوز ان يعطى الفقير أزيد من مقدار مؤنة سنته دفعة فلا يلزم الاقتصار على مقدار مؤنة سنة واحدة، و كذا في الكاسب الذي لا يفي كسبه بمؤنة سنته، أو صاحب الضيعة التي لا تفي حاصلها، أو التاجر الذي لا يفي ربح تجارته بمؤنة سنته لا يلزم الاقتصار على إعطاء التتمة بل يجوز دفع ما يكفيه لسنين، بل يجوز جعله غنيا عرفيا و ان كان الأحوط الاقتصار، نعم لو أعطاه دفعات لا يجوز بعد ان حصل عنده مؤنة السنة ان يعطى شيئا قليلا ما دام كذلك.

في هذه المسألة أمور ينبغي البحث عنها.

الأول المشهور على جواز إعطاء غير المكتسب زائدا عن مقدار مؤنة سنته فلا يلزم فيه الاقتصار على مقدار مؤنة سنة واحدة، بل حكى عليه الإجماع عن غير واحد، و استدلوا له باخبار جواز إغناء الفقير من الزكاة كصحيح سعيد بن غزوان عن الصادق (عليه السلام)، و فيه كم يعطى الرجل الواحد من الزكاة؟ فقال ع:

أعطه من الزكاة حتى يغنينه، و موثق عمار عن الباقر (عليه السلام) و فيه إذا أعطيت فأغنه، و موثق إسحاق بن عمار عن الكاظم (عليه السلام) و فيه أغنه إن قدرت ان تغنيه.

160

و خبر ابى بصير عن الصادق (عليه السلام) و فيه قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ان شيخا من أصحابنا يقال له عمر سأل عيسى بن أعين و هو محتاج فقال له عيسى بن أعين:

اما ان عندي من الزكاة و لكن لا أعطيك منها فقال له: و لم، فقال: لأني رأيتك اشتريت لحما و تمرا، فقال: انما ربحت درهما فاشتريت بدانقين لحما و بدانقين تمرا ثم رجعت بدانقين لحاجة، فوضع أبو عبد اللّه (عليه السلام) يده على جبهته ساعة ثم رفع رأس ثم قال ان اللّه تبارك و تعالى نظر في أموال الأغنياء ما يكتفون به و لو لم يكفهم لزادهم بل يعطيه ما يأكل و يشرب و يتزوج و يتصدق و يحج، هذا و نوقش في الإجماع بأنه غير متحقق، و المنقول منه غير ثابت لا سيما مع حكاية نقل الخلاف عن المنتهى حيث حكى عنها بأنه لو كان ما يقصر معه عن مؤنته و مؤنة عياله حولا جاز له أخذ الزكاة لأنه محتاج و قيل لا يأخذ زائدا عن تتمة المؤنة حولا و ليس بالوجه انتهى.

و النصوص قاصرة الدلالة عن إثبات المدعى، لان الإغناء يحصل بالتتمة و ما زاد عليها بشي‌ء زائد على الإغناء، فلا يبعدان يراد منها اغنائه بالدفع الواحد حتى لا يقع في ذلك طلب الزكاة ثانيا أو مهانة قبولها في هذه السنة، لكن الانصاف و هن المناقشة، و ذلك لقوة دلالة الأخبار المذكورة و تمامية إطلاقها في جواز إعطاء الفقير بما يحصل له الغنى عرفا من غير تقييد الى حصول الغنى في سنة واحدة، إذ لا يقال الغنى عرفا على الواجد لمؤنة سنة واحدة كما لا يخفى.

فالأقوى جواز إعطائه بما يسير غنيا عرفا، و كون ذلك إجحافا على سائر الفقراء مع إمكان دعوى معلومية إنكار إعطاء الخمس أو الزكاة فقيرا واحدا من الشرع كما ترى بعد ورود الإطلاقات المذكورة على جوازه.

الثاني بناء على جواز إعطاء الفقير الغير المكتسب أزيد من مقدار مؤنة سنته فهل الكاسب الذي لا يفي كسبه بمؤنة سنته، و صاحب الضيعة التي لا تفي حاصلها، و التاجر الذي لا يفي ربح تجارته بمؤنة سنته مثل الفقير الغير المكتسب‌

161

في ذلك أولا (وجهان) بل قولان، أولهما المشهور، و ذهب الشهيد (قده) في البيان على الأخير، و قال (قده) و ما ورد في الحديث من الإغناء بالصدقة محمول على غير المكتسب انتهى، و استدل للمشهور بالأخبار المطلقة المتقدمة الدالة على جواز الإغناء بالصدقة، فإنها بإطلاقها تشمل الكاسب و نظائره ممن لا يفي نمائهم بمؤنتهم، و بعدم الفرق بينه و بين الغير المكتسب بعد الفراغ عن جواز اغنائه.

و استدل للقول الأخير بعد أصالة الاشتغال بإشعار صحيح معاوية بن وهب عليه، و فيه عن الرجل يكون له ثلاث مأة درهم أو اربعمأة درهم و له عيال و هو يحترف فلا يصيب نفقته فيها أ يكبّ فيأكلها و لا يأخذ الزكاة أو يأخذ الزكاة؟

قال: بل ينظر الى فضلها فيقوت بها نفسه و من وسعه ذلك من عياله و يأخذ البقية من الزكاة و يتصرف بهذه لا ينفقها، فان في قوله ع و يأخذ البقية من الزكاة إشعار بعدم جواز أخذ الزائد من البقية.

و خبر هارون بن حمزة، و فيه قال ع: فلينظر ما يفضل منها كل هو و من يسعه ذلك و ليأخذ لمن لم يسعه من عياله، و موثق سماعة إذا كان صاحب السبعمأة له عيال كثير فلو قسمها بينهم لم تكفه فليكف عنها نفسه و ليأخذها لعياله، و هذان الخبران أيضا يشعران على قصر الرخصة على أخذ البقية خاصة.

و ما دل على ان الفقير الذي عنده قوت شهر أو شهرين له ان يأخذ قوت سنته معللا ذلك بان الزكاة من سنة الى سنة كصحيح على بن إسماعيل المتقدم في معنى الفقير حيث يفهم منه نفى استحقاقه لما يزيد عن مؤنة سنته، و بان الزكاة شرعت لسد فاقة الفقراء و هذا لا يقتضي استحقاق الفقير أزيد من مقدار كفايته بل يقتضي عدمه، هذه جملة ما استدل به للقول الأخير، و لكن الانصاف عدم تمامية شي‌ء منها.

اما النصوص فلا تزيد دلالتها عن الاشعار و الإيماء فلا تنهض لتقييد المطلقات المتقدمة الدالة بإطلاقها على جواز الإغناء و لو في المكتسب الغير‌

162

القادر، و لنعم ما قال في المدارك فإنه بعد النقل عن الشهيد (قده) بحمل المطلقات الدالة على جواز الإغناء على غير المكتسب قال (قده): بان هذا الحمل ممكن الا انه يتوقف على وجود المعارض و لم نقف على نص يقتضيه، نعم ربما يشعر به مفهوم قوله ع في صحيحة معاوية بن وهب و يأخذ البقية من الزكاة لكنها غير صريحة في المنع عن الزائد انتهى.

و اما ان الزكاة شرعت لسد فاقة الفقراء فكأنه اجتهاد في مقابل النصوص المذكورة، و على ذلك فالقول الأول هو المعتمد، و عليه المعول الا ان الاحتياط بالاقتصار على إعطاء التتمة مما لا ينبغي تركه.

الأمر الثالث ما تقدم في الأمرين من جواز الإغناء في الفقير الغير المكتسب و المكتسب الغير القادر انما هو فيما إذا كان الإغناء في حال فقره، و اما لو إعطاء بالتدريج فلا يجوز الإغناء بعد ان حصل عنده مؤنة سنته، بل و لا إعطائه شيئا قليلا من الزكاة ما دام كونه كذلك، قال في الجواهر و ليعلم ان ذلك كله في الإعطاء دفعة، اما إذا أريد إعطائه دفعات فلا إشكال في عدم جواز ما زاد منها على كفاية السنة ضرورة صيرورته غنيا بالدفعة الأولى مثلا فلا يجوز إعطائه حينئذ انتهى.

[مسألة 3 دار السكنى و الخادم و فرس الركوب المحتاج إليها]

مسألة 3 دار السكنى و الخادم و فرس الركوب المحتاج إليها بحسب حاله و لو لعزة و شرفه لا يمنع من إعطاء الزكاة و أخذها.

و قد ادعى عليه نفى الخلاف ظاهرا، و يدل عليه خبر عبد العزيز المتقدم في الأمر الرابع من المسألة الاولى من هذا الفصل.

و صحيح عمر بن أذينة عن الباقر و الصادق (عليه السلام) عن الرجل له دار أو خادم أو عبد أ يقبل الزكاة؟ قال ع: نعم ان الدار و الخادم ليسا بمال، و المعيار في عدم الغنى عن الدار بكونها لائقة بحاله من غير زيادة في الوصف و القدر، و في الخادم و فرس الركوب بكونه من عادته ذلك و لو لم يكن محتاجا إليهما أو كونه محتاجا‌

163

إليهما لزمانة و نحوها و لو لم يكن من عادته ذلك فالمدار على احد الأمرين من العادة و الحاجة لا اعتبارهما معا كما عن بعض و لا الاقتصار على العادة كما عن أخر، و لا فرق مع تحقق أحد الأمرين بين المتحد و المتعدد،

بل

الحكم كذلك‌

و لو كانت متعددة مع الحاجة إليها

أو كون تعددها لائقا بعزة و شأنه بحسب عادته، و ما عن بعض الكتب من ان الظاهر عدم اعتبار العادة من تعدد فرس الركوب لعدم نقص قدر الشريف في الاقتصار على فرس واحد ضعيف كما لا يخفى، و المصرح به في الخبرين المتقدمين و ان كان الدار و الجارية و الغلام و الجمل الا ان الظاهر كون ذكر هذه المذكورات من باب كونها مورد السؤال و الا فالظاهر كون المدار على كلما يحتاج إليها.

كذلك من الثياب و الا لبسه الصيفية و الشتوية السفرية و الحضرية و لو كانت للتجمل و أثاث البيت من الفروض و الظروف و سائر ما يحتاج اليه فلا يجب بيعها في المؤنة.

قال في المدارك و لو نقدت هذه المذكورات استثنى له أثمانها مع الحاجة إليها، و لا يبعد إلحاق ما يحتاج إليه في التزويج بذلك مع حاجته اليه انتهى، و اليه أشار المصنف (قده) بقوله:

بل و لو كان فاقدا لها مع الحاجة جاز أخذ الزكاة لشرائها، و كذا يجوز أخذها لشراء الدار و الخادم و فرس الركوب و الكتب العلمية و نحوها مع الحاجة إليها.

لكن ينبغي ان يخص بما إذا كان محتاجا إليها و لم ترتفع حاجته الا بالشراء، و الا فلو قدر على الاستيجار مثلا و لم يكن منافيا لمناعته في العادة مع تمكنه لما يفي بمؤنة سنته و اجرة ما يحتاج اليه من المسكن و نحوه فلا يحل له الصدقة حينئذ.

فإن قلت فعلى هذا فيجب عليه بيع ما يحتاج إليها إذا تمكن من رفع حاجته ببيعها و استيجار ما يرفع به حاجته منها مع انه ليس بواجب قطعا.

164

قلت قياس ثمنها فيما لا ينحصر رفع الحاجة في شرائها على بيعها فيما إذا تمكن من بيعها و رفع الحاجة بالاستيجار مع الفارق كما يعلم بالمراجعة فيما ذكروه في باب الاستطاعة الحج.

نعم لو كان عنده من المذكورات أو بعضها أزيد من مقدار حاجته بحسب حاله وجب صرفه في المؤنة. و هذا ظاهر. بل إذا كانت عنده دار تزيد عن حاجته و أمكنه بيع المقدار الزائد منها عن حاجته وجب بيعه.

كما في المدارك حيث يقول (قده): لو كانت دار السكنى تزيد عن حاجته بحيث تكفيه قيمة الزيادة حولا و أمكنه بيعها منفردة فالأظهر خروجه بذلك عن حد الفقر انتهى.

(أقول) و لكن ينبغي تخصيصه بما إذا كان الزائد عن حاجته بحكم مال مستقل خارج عن محل سكناه بحيث يمكن بيعه منفردا و الا فالعرف يحكم بكون مجموع دار سكناه محل حاجته و لو لم يسكن في جميع بيوتها و تمكن من الاقتصار في تعيشه على نصفها و بيع نصفها الأخر كما لا يخفى.

بل لو كانت له دار تندفع حاجته بأقل منها قيمة فالأحوط بيعها و شراء الأدون و كذا في العبد و الجارية و الفرس.

و ان كان لا يجب ذلك كما قال في المدارك، و اما لو كانت حاجته تندفع بأقل منها قيمة فالأظهر انه لا يكلف بيعها و شراء الأدون لإطلاق النص، و لما في التكليف بذلك من العسر و المشقة، و به قطع في التذكرة، و كذا الكلام في العبد و الفرس انتهى.

و بالجملة فالمعيار في هذه الفروع صدق الاحتياج الى هذه الأشياء المذكورة من الدار و غيرها عرفا اما لأجل الحاجة، أو العادة، و ان لم يكن محتاجا إليها عقلا و هذا كأنه ظاهر.

[مسألة 4 إذا كان يقدر على التكسب]

مسألة 4 إذا كان يقدر على التكسب لكن ينافي شأنه كما لو كان

165

قادرا على الاحتطاب و الاحتشاش الغير اللائقين بحاله يجوز له أخذ الزكاة، و كذا إذا كان عسرا أو مشقة من جهة كبر أو مرض أو ضعف فلا يجب عليه التكسب حينئذ.

و قد تقدم وجه ذلك الحكم في الأمر الرابع من الأمور المذكورة في طي المسألة الأولى فراجع.

[مسألة 5 إذا كان صاحب حرفة أو صنعة]

مسألة 5 إذا كان صاحب حرفة أو صنعة و لكن لا يمكنه الاشتغال بها من جهة فقد الآلات أو عدم الطالب جاز له أخذ الزكاة.

لصدق اسم الفقير عليه عند عدم تمكنه من الاشتغال بها من غير فرق فيه بين كونه من جهة عدم وجود الآلات أو عدم الطالب و هذا ظاهر.

[مسألة 6 إذا لم يكن له حرفته و لكن يمكنه تعلمها من غير مشقة]

مسألة 6 إذا لم يكن له حرفته و لكن يمكنه تعلمها من غير مشقة ففي وجوب التعلم و حرمة أخذ الزكاة بتركه اشكال.

لا إشكال في عدم صدق الفقير على من تمكن من التكسب بالقوة القريبة كمن كان ذا حرفة أو صنعة و تمكن من الكسب فعلا، كما انه لا إشكال في صدقه على من لم يتمكن منه بالقوة القريبة و ان كان متمكنا منه بالقوة البعيدة كمن تمكن من تعلم الحرفة بمشقة لأنه قلما يخلو فقير من القوة البعيدة للتكسب، فلو اعتبر العجز العقلي عن التكسب للزم عدم تحقق الفقير في العالم رأسا، و انما الكلام فيما إذا تمكن من تحصيل مقدمات الكسب التي من جملتها تعلم الحرفة و الصنعة من غير مشقة فهل يصدق عليه الفقير حينئذ من جهة فقد انه لمؤنته أولا؟ من جهة تمكنه عن تحصيلها بتمكنه من تحصيل العلم بالحرفة (احتمالان) أقواهما الأول إذا ليس حاله في ترك التكسب بترك التعلم للحرفة أشد ممن تمكن من الكسب فعلا، و لكن تركه تهاونا الذي تقدم من المصنف (قده) بعدم الفتوى بحرمة أخذه و ان كان مختارنا الحرمة كما أسلفناه.

و لكن الأحوط التعلم و ترك الأخذ.

166

هذا إذا تعلم، و ما في حال اشتغاله بالتعلم فلا ينبغي الإشكال في جواز الأخذ كما قال المصنف:

نعم ما دام مشتغلا بالتعلم لا مانع من أخذها.

[مسألة 7 من لا يتمكن من التكسب طول السنة]

مسألة 7 من لا يتمكن من التكسب طول السنة إلا في يوم أو أسبوع مثلا و لكن يحصل له في ذلك اليوم أو الأسبوع مقدار مؤنة السنة فتركه و بقي طول السنة لا يقدر على الاكتساب لا يبعد جواز أخذه و ان قلنا انه عاص بالترك في ذلك اليوم أو الأسبوع لصدق الفقير عليه حينئذ.

الكلام في هذه المسألة يقع في مقامين.

(الأول) في حكم التكسب على من يقدر عليه فربما يقال بوجوبه عليه لأجل حفظ نفسه و عياله عليه، و قد عد في المكاسب الواجبة ما يجب لأجل التوقف المذكور مثالا للتكسب الواجب باعتبار نفس التجارة لا باعتبار محلها اعنى الأموال التي يتجر بها، و قد صرح الشيخ الأكبر (قده) بذلك في رسالة الزكاة في المسألة الاتية حيث يستدل لعدم اقتضاء الأمر الندبي بطلب العلم طلب ترك التكسب بان عمومات تحريم أخذ الزكاة على القادر على التكسب تصير الكسب واجبا لأجل حفظ نفسه و عياله، فلا يزاحمه استحباب ذلك لان المستحب لا يزاحم الواجب إجماعا انتهى.

و لكن الأقوى عدم وجوب التكسب ما لم يكن مضطرا اليه، و لذا عدّ في القواعد ما يضطر اليه لمؤنته و مؤنة عياله و حفظ النفس و ان كان واجبا قطعا الا انه في الغالب لا يتوقف على خصوص الاكتساب فإنه يحصل بتحصيل قوت يسد به رمقه و لو بالاستدانة، أو الالتقاط من حشيش الأرض، أو ببيع شي‌ء من مستثنيات الدين، أو بالاستعطاء من أصدقائه و أقاربه بل من سائر المسلمين، و قد تقرر في الأصول انه لو كان الواجب متوقفا على احد أمرين أو أمور على نحو الإبهام و الترديد مثل توقف الكون على السطح الواجب على اعمال الدرج أو نصب السلم لا يجب خصوصية شي‌ء منها من باب المقدمة بل الواجب منها هو‌

167

الجامع الذي يتحقق وجوده بوجود احدى الخصوصيات، و يتوقف عدمه على عدم جميعها، فمع إمكان حفظ النفس بغير الاكتساب لا يجب الاكتساب بخصوصيته بالوجوب المقدمي إلا إذا توقف الحفظ عليه بخصوصه فيجب حينئذ، و هو ما قلنا بوجوبه عند الاضطرار اليه، فالحق عدم العصيان بترك الاكتساب إلا في صورة الاضطرار اليه.

(الثاني) في حكم أخذ الزكاة إذا ترك الاكتساب، فعلى القول بجواز الترك لا ينبغي الإشكال في جواز أخذها بعد الترك لصدق الفقير عليه حينئذ قطعا، و على القول بعدم جواز الترك فربما يحتمل عدم جواز أخذها عليه لانه عاص بترك الاكتساب، و مفتح باب الفقر على نفسه بسوء الاختيار لكن الأقوى جواز أخذها حينئذ أيضا لانه فقير حينئذ، و ان كان فقره ناشيا عن عصيانه بترك الاكتساب الواجب بسوء الاختيار.

[مسألة 8 لو اشتغل القادر على الكسب لطلب العلم المانع عنه]

مسألة 8 لو اشتغل القادر على الكسب لطلب العلم المانع عنه يجوز له أخذ الزكاة إذا كان مما يجب تعلمه عينا أو كفاية، و كذا إذا كان مما يستحب تعلمه كالتفقه في الدين اجتهادا أو تقليدا، و ان كان مما لا يجب و لا يستحب كالفسلفة و النجوم و الرياضيات و العروض و الأدبية لمن لا يريد التفقه في الدين فلا يجوز أخذه.

لا إشكال في جواز أخذ الزكاة لمن ترك الاكتساب مع القدرة عليه إذا كان الترك لأجل الاشتغال بالتعلم فيما إذا كان التعلم واجبا عينيا، و قد صرح به غير واحد من الأصحاب لأن الأمر بالتعلم مستلزم لطلب ترك الاكتساب من غير فرق في ذلك بين وجوب الاكتساب و عدمه، إذ على وجوبه و لو كان تركه في نفسه حراما حيث ان الأمر بالشي‌ء يقتضي النهي عن ضده العام، لكن هذا فيما إذا لم يزاحمه الواجب الأهم و مع كون تركه مقدمة للواجب الأهم يصير واجبا بالوجوب المقدمي باهمية ملاك ذيه كما هو الشأن في كلما كان الحرام مقدمة‌

168

للواجب الأهم كالدخول في الأرض المغصوبة لإنقاذ الغريق، فحينئذ يصير عاجزا عن التكسب بالتعجيز المولوي التشريعي لا التعجيز التكويني، و لا فرق في العجز عن الشي‌ء و انسلاب القدرة عنه بين كونه تكوينيا أو تشريعيا، فيصدق عليه الفقير العاجز عن الاكتساب قطعا، غاية الأمر عجزا ناشيا عن وجوب ترك الاكتساب.

فان قلت مع فرض وجوب الكسب لا طريق لإحراز أهمية ملاك التعلم حتى يقدم على ملاك وجوب الاكتساب.

قلت الطريق إلى إحرازها هو تمكن المكلف من إحرازها بترك الاكتساب و حفظ النفس بأخذ الزكاة، و هذا فيما إذا كان التعلم واجبا عينيا ظاهر، و اما إذا كان كفائيا فالمصرح به أيضا في غير واحد من العبارات هو جواز الأخذ و ترك الاكتساب و الاشتغال بالتعلم، و احتمل الشيخ الأكبر (قده) تعين الاكتساب و ترك التعلم لكون الاكتساب واجبا عينيا، فيكون المقام من باب تزاحم الواجب الكفائي مع العيني المتعين فيه تقديم العيني على الكفائي كما لا يخفى، و ما ذكره (قده) على تقدير وجوب الاكتساب بالوجوب العيني و ان كان متينا جدا الا ان الشأن في وجوبه، و قد عرفت في المسألة السابقة ان المتيقن من وجوبه انما هو في مقام الضرورة إليه توقف حفظ النفس المتحرمة عليه بخصوصيته، و في مثله يقدم على التعلم إذا كان واجبا عينيا فضلا عما كان كفائيا، و فيما إذا لم يكن كذلك بل تمكن من حفظ النفس بغيره لا يكون واجبا فضلا عن ان يكون عينيا حتى يقدم على الواجب الكفائي، هذا فيما إذا كان التعلم واجبا، و اما إذا كان مستحبا كالتفقه في الدين فعن جماعة استحبابه و لو كان التكسب واجبا، و استدل له بان الأمر الندبي بالتعلم مستلزم لطلب ترك التكسب المستلزم لجواز أخذ الزكاة، و لا يصح حينئذ القول بوجوب التكسب لان القول به مبنى على تقدم أدلة حرمة أخذ الزكاة في هذا الحال على أدلة استحباب التعلم‌

169

لكي يقال بحرمة الأخذ المستلزم لوجوب التكسب، و هو اى تقدم أدلة حرمة الأخذ على أدلة استحباب التعلم ممنوع لم لا يجوز العكس هذا، و لا يخفى ما فيه من الوهن أما أولا فبان المورد ليس من باب تعارض الأدلة حتى يقدم دليل حرمة الأخذ على دليل استحباب التعلم أو يعكس، بل انما المقام مقام التزاحم و قد تقرر الفرق بين المقامين، و نقحنا التفرقة بينهما في الأصول بما لا مزيد عليه.

و ثانيا انه لا معنى لمزاحمة استحباب التفقه مع حرمة ترك الاكتساب، إذ لا يقع التزاحم بين الواجب و المستحب أصلا، بل على تقدير وجوب الاكتساب لا ينبغي التأمل في تعينه، و لزوم ترك الاشتغال بالتعلم إنما الشأن في وجوبه، و الأقوى عدمه كما عرفت الا مع الضرورة إليه بحيث يتوقف حفظ نفسه أو نفس عياله الواجب نفقته على الاكتساب بخصوصيته، فحينئذ فلا مانع عن الاشتغال بالتعلم المستحب و ترك الاكتساب لصدق الغنى و المحترف و القادر على ما يكف به نفسه عليه، لعدم انسلاب قدرته على الاكتساب عقلا أو شرعا، حيث لا يكون التعلم واجبا حتى يستلزم طلبه طلب ترك الاكتساب، فلا يأخذ من الزكاة بل يصير على الفاقة و يقنع بأقل قوت يقيم صلبه من حشيش و نحوه، و لكن الأقوى جواز الأخذ منها لصدق الفقير عليه عرفا و ان كان قادرا على ما يكف به نفسه عن الزكاة، لان قدرتهم عليه باشتغالهم بالكسب بعد ان اتخذوا تحصيل العلم حرفة لهم كقدرة أرباب الحرف و الصنائع الذين يقصر ربحهم عن مؤنتهم على كسب أخر و أف بمؤنتهم غير ملحوظة لدى العرف، فما هو ملاك الفقر و الغنى كما لا يخفى.

فالأشبه جواز أخذ الزكاة لهم خصوصا إذا صبروا على الفقر و الفاقة و اشتغلوا بتهذيب الأخلاق بالرياضات، و تحصيل العلوم الدينية و العمل بالآداب الشرعية و زهدوا في الدنيا، و بالجملة كان شغلهم بالمستحب من التعلم مما ذكرناه حيث لا ينبغي الارتياب في محبوبيته و رجحان الاشتغال به و لو استلزم ترك الاكتساب المجوز معه أخذ الزكاة، و قد ظهر مما ذكرناه حكم ما إذا‌

170

لم يكن التعلم واجبا و لا مستحبا كالا مثلة المذكورة في المتن لغير مريد التفقه في الدين، فإنه لا يخرج باشتغاله به عن صدق الغنى عليه و لو لم يكن الاكتساب واجبا عليه، و لا يخرج عن مصداق القادر على ما يكف به نفسه عن الزكاة بعد تمكنه عن الاكتساب بالقوة القريبة عليه، فلا يجوز أخذ الزكاة له و لو مع عدم وجوب الاكتساب، و التقييد بغير مريد التفقه في الدين في الأمثلة المذكورة انما هو لأجل خروج المريد له في تعلم المذكورات في المتن، حيث انه حينئذ يصير مقدمة للتعلم الراجح كما لا يخفى.

[مسألة 9 لو شك في ان ما بيده كاف لمؤنة سنته أم لا]

مسألة 9 لو شك في ان ما بيده كاف لمؤنة سنته أم لا، فمع سبق وجود ما به الكفاية لا يجوز الأخذ، و مع سبق العدم و حدوث ما يشك في كفايته يجوز عملا بالأصل في الصورتين.

و مع عدم سبق الحالتين أو عدم العلم به لا يجوز الأخذ أيضا لعدم إحراز جوازه و أصالة عدم الانتقال إليه بالأخذ، هذا بالنسبة إلى شك الآخذ، و اما بالنسبة الى المعطى ففيما علم بالحالتين في الأخذ، فيؤخذ بها، و مع عدم علمه بها لا يجوز دفعه إليه لقاعدة الاشتغال، هذا إذا كان الشك في كفاية ما بيده لمؤنة السنة، و لو كان في كفاية حرفته أو صنعته لها فالأقوى عدم جواز الأخذ و الإعطاء إلا مع إحراز عدم الكفاية بالعلم أو الأصل لأن مصرفها الفقير المحتاج إلى إحراز فقره كما هو ظاهر.

[مسألة 10 المدعى للفقر ان عرف صدقه أو كذبه عومل به]

مسألة 10 المدعى للفقر ان عرف صدقه أو كذبه عومل به و ان جهل الأمران فمع سبق فقره يعطى من غير يمين و مع سبق الغني أو الجهل بالحالة السابقة فالأحوط عدم الإعطاء إلا مع الظن بالصدق خصوصا في الصورة الأولى

المدعى للفقر إن عرف صدقه أو كذبه عومل، بما عرف منه بلا خلاف و لا اشكال و ان جهل الأمران فالمعروف من مذهب الأصحاب كما في المدارك انه اعطى من غير بينة و لا يمين سواء جهل حالته السابقة أو علم بها‌

171

كانت حالته السابقة الفقر أو الغنى، و سواء كان قويا أو ضعيفا، بل عن ظاهر المحقق (قده) في المعتبر و العلامة في كتبه الثلاثة انه موضع وفاق.

و استدل له بأصالة الصحة في دعوى المسلم، و ان الأصل في المسلم العدالة، و الأصل في العادل حجية قوله، و بأنه دعوى بلا معارض، و بان مطالبته بالبينة أو اليمين إذلال للمؤمن و هو منهي عنه، و بعموم ما دل على وجوب تصديق المؤمن مثل ما ورد في قوله تعالى وَ يُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ، و ما ورد من ان المؤمن وحده جماعة، و لتعذر إقامة البينة عليه فيشمله ما يستفاد منه سماع دعوى ما يتعذر إقامة البينة عليها كما يرشد اليه قوله ع في المرأة المدعية لكونها بلا زوج أ رأيت لو كلفتها البينة تجد بين لابتيها من يشهد ان ليس لها زوج، و للزوم الحرج لو كلف الفقير الإثبات، و للسيرة المستمرة، و لما ورد فيمن اهدى جارية للبيت انها يباع و ينادى ثمنها عند الحجر الا هل منقطع و من نفدت نفقته أو قطع عليه فليأت فلان و امره ان يعطى ثمن الجارية أولا فأولا حتى ينفد من غير تقييد بالسؤال عنهم و إثبات دعويهم بمثبت، و لرواية المروية في الكافي عن الحسنين (عليه السلام) في سائل عنهما حيث قالا ع له: لا تحل الصدقة إلا في دين موجع أو غرم منقطع أو فقر مدقع فهل فيك أحدها قال: نعم فأعطياه، بناء على ان يكون المراد بالصدقة هي الزكاة المفروضة، و الصحيح المروي عن الصادق (عليه السلام) في رجل قال له ع: قرض إلى ميسرة فقال إلى غلة تدرك، قال: لا و اللّه قال ع الى تجارة تئوب، قال: لا و اللّه قال ع عقده تباع قال لا و اللّه فقال ع: فأنت فيمن جعل اللّه له في أموالنا حقا فدعى بكيس فيه دراهم، و بان المستفاد من أدلة البينة و اليمين ان مورد هما الدعاوي كما هو المنساق من قوله ص: البينة على المدعى و اليمين على من أنكر فليس في غير مورد الدعاوي دليل على اعتبارهما فلا يصح إلزام مدعى الفقر بإقامة البينة أو توجيه اليمين عليه، هذه جملة مما استدل به على سماع قول مدعى الفقر من غير بينة أو يمين و لو مع العلم بسبق غناه، و الانصاف ان هذه الوجوه كلها مخدوشة.

172

اما أصالة الصحة في دعوى المسلم فلأنها لا تفيد الا وجوب التصديق المخبرى لا التصديق الخبري حسبما حقق في الأصول، و اما ان الأصل في المسلم هو العدالة فهو أيضا مما لم يقم عليه دليل، و على فرض صحته ليس على اعتبار قول العادل دليل أيضا فهو ممنوع صغرى و كبرى، و اما انه دعوى بلا معارض ففيه ان ضابط هذه الدعوى لا ينطبق على المقام، حيث ان ضابطها هو ان يكون المدعى به مما لديه و لا يد لأحد عليه بالفعل و لا يكون مضمونا على احد، و فيما نحن فيه يكون المعطى ضامنا لما يعطيه فلا يخرج عن عهدته بصرف ادعاء الأخذ استحقاقه، و العبارة السابقة في تحديد ضابطها ان يقال ان مورد الدعوى التي لا معارض لها هو فيما إذا لم يكن الدعوى بالنسبة إلى متعلق تكليف للغير، و في المقام يكون دعوى الفقر دعوى بالنسبة إلى متعلق تكليف المعطى بالإخراج فلا تكون مسموعة بالنسبة إلى تكليفه، و اما كون مطالبته باليمين و البينة إذلالا و إهانة للمؤمن ففيه انه معارض بادعاء الإعسار، حيث ان مدعيه يكلف بالإثبات قطعا، مع ان إثباته عليه أيضا موجب للاذلال، و الحل فيه منع كون مطالبة المدعي بدليل المثبت لدعواه إذلالا.

و اما عموم دليل وجوب تصديق المؤمن أو الخبر الدال على ان المؤمن وحده جماعة ففيه انهما من أدلة أصالة الصحة، و قدر حققنا في الرسالة المعمولة فيها ان أدلتها لا تدل على الأزيد من التصديق المخبرى و لا دلالة فيها على ترتيب الآثار الخبري مضافا الى إجمال الخبر الأخير حيث لم يعلم المراد من كون المؤمن وحده جماعة ان لم نقل بكونه في مقام بيان فضل الجماعة، و اما تعذر إقامة البينة عليه فهو يوجب عدم مطالبته بالبينة لإسماع دعواه بلا دليل، و ليس ما يتعذر فيه قيام البينة مثل دعوى بلا معارض أو مما لا يعلم الا من قبله لكي يكون مسموعة بلا دليل، و لازم تعذر البينة هو إيقاف الدعوى و ليس إيقافها بعزيز كما في كل مورد لم يتم موازين القضاء على ما هو محرر في بابه، و قوله ع أ رأيت لو كلفتها البينة (إلخ) لعله من جهة عدم سماع البينة منها لكونها شهادة على النفي و هي غير‌

173

مقبولة، و انما تقبل الشهادة على الإثبات، و مما ذكرنا يظهر فساد التمسك بلزوم الحرج لو كلف الفقير بالإثبات، مع ان لزوم الحرج انما يصير منشأ لتسهيل الشارع، و حكمه بقبول قول مدعى الفقر بلا مثبت، و لا يصير منشأ لإثبات تسهيله و حكمه، و بعبارة أوضح الحرج النوعي يصير حكمة لحكم الشارع و تشريعه لا انه واسطة في إثبات حكمه في مقام الاستنباط، و ذلك بخلاف الحرج الشخصي الموجب لرفع الحكم حيث انه يوجب رفع الحكم الثابت في مورد الحرج، و يكون استنباطه وظيفة المجتهد.

و اما السيرة المستمرة فالإنصاف ان التمسك بها لا يخلو عن قوة مؤيدا بالأخبار المذكورة من إهداء الجارية، و المروي عن الحسنين (عليه السلام)، و الصحيح المروي عن الصادق (عليه السلام) كل ذلك مع دعوى الاتفاق القولي في المسألة، و عدم الخلاف فيها، و لعل ذلك كاف في إثبات المدعى، فالقول بقبول قول مدعى الفقر فيما إذا جهل حاله لعله لا يخلو عن قوة، و اما مع سبق حاله بالغنى كما إذا كان له أصل مال و ادعى تلفه فالمعروف بين الأصحاب على ما اعترف به في الجواهر انه يعطى من غير يمين، و المنقول عن الشيخ (قده) انه يحلف على تلفه لأصالة بقائه، و في نقل أخر عنه تكليفه بالبينة حينئذ و كلاهما ضعيف.

اما الأول فلان مورد اليمين هو ما يتوقف قطع الخصومة عليه و لذلك لا يمين في حد، و لا خصومة هاهنا في البين بل لا دعوى أيضا بمعنى ما لو الزم بها المنكر على فرض إقراره بها حتى يطالب من مدعيها البينة أو اليمين، بل الكلام في حجية قول مدعى الفقر و طريقيته في إثبات دعواه، و اما الثاني أعني تكليفه بالبينة فلما عرفت من قبول قوله فيما جهل حاله، إذ لا فرق بالنظر الى الأدلة بينه و بين من علم من حاله سبق الغنى، ثم ان في المدارك بعد ان استشكل في الحكم بقبول قول مدعى الفقر مطلقا قال: و الاحتياط يقتضي عدم الاكتفاء بمجرد الدعوى الا مع عدالة المدعى أو ظن صدقه انتهى، و لا يخفى انه مع فرض عدم الدليل على قبول‌

174

قوله يكون اللازم عدم قبوله و لو مع عدالته أو ظن صدقه لعدم الدليل على قبول قول العادل على نحو الإطلاق، و عدم قيام ما يوجب اعتبار الظن بصدقه هذا، و اما صاحب الجواهر (قده) فهو بعد التسليم بملكية الزكاة للفقراء مثلا جعلها كالمال المطروح، و قال بان من ادعى انه من أهلها أخذ منها الى ان قال ان الثابت من التكليف إيتاء الزكاة لا ايتائها للفقير مثلا، و قوله تعالى إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ (إلخ) لا يفيد إلا كونها لهم في الواقع دون غيرهم لا ان المكلف يجب عليه إحراز الصفات في الدفع، و قوله ع: لا تحل الصدقة لغني إنما يفيد مانعية الغنى لا شرطية الفقر في الدفع و الإيتاء، و فرق واضح بينهما، فالزكاة في يد من كانت مكلف بدفعها، و اما من تناولها فإنه ان عرف انه من أهلها فهي حلال له و الا فحرام عليه لأنها مال اللّه، و ليس لأحد مدخلية فيها فهي في الحقيقة كالمال المطروح الذي لا بد لأحد عليه انتهى، و مراده (قده) منع وجوب إعطاء الزكاة إلى الفقير مثلا على المالك، بل الواجب عليه انما هو الإخراج عن نفسه فإذا أخرجها تصير كالمال المطروح و ليس الفقر شرطا في استحقاق الأخذ حتى يلزم إحرازه على المعطى لكي لا يمكن إحرازه بالأصل، بل الغنى مانع عنه و يمكن نفيه بالأصل، بل لا يحتاج إلى إحراز عدمه بالأصل بناء على تمامية قاعدة المقتضى و المانع هذا، و لا يخفى ما فيه لان المستفاد من الآية المباركة انما الصدقات للفقراء (إلخ) كون المستحق هو الفقير، فالواجب على المعطى هو الإيتاء إليه لا الإخراج عن نفسه فقط فيكون كالأمانة الشرعية التي لا يخرج عن عهدتها الا بالإيصال إلى مالكها أشبه، و مع عدم إحراز مالكية الآخذ لمكان الشك في فقره لا يخرج عن عهدته بمجرد إخراجه و لو لم يعلم بوصوله الى مالكه، لا سيما مع إمكان إحراز الوصول الى المالك بإيصاله الى من أحرز فقره، فما افاده (قده) لا يليق بالتصديق أصلا، و من جميع ما ذكرناه يظهر ما في المتن من قوله (قده): فالأحوط عدم الإعطاء إلا مع الظن بالصدق، فان الظن بالصدق مما لا يغني عن شي‌ء الا ان يبلغ إلى درجة الاطمئنان،

175

و ان كان المذكور في رسالة زكاة الشيخ الأكبر (قده) نفى الريب عن حجية قوله إذا كان عادلا مع افادته الظن، قال (قده): لو كان مدعى الفقر عادلا فالظاهر قبول قوله عند افادته الظن لان حجيته في مثل المقام مما لا ريب فيه انتهى، فالأقوى جواز الإعطاء مطلقا سواء علم بسبق غناه أو جهل بالحالة السابقة، و سواء كان مدعى الفقر عادلا أم لا، و سواء ظن صدقة أم لا، الا ان الأحوط توكيل العادل في صرف الزكاة إلى مستحقها مع التصريح بالإطلاق في جواز صرفها الى مستحقه و لو كان هو نفسه مستحقا في عمله.

[مسألة 11 لو كان له دين على الفقير جاز احتسابه زكاة]

مسألة 11 لو كان له دين على الفقير جاز احتسابه زكاة سواء كان حيا أو ميتا لكن يشترط في الميت ان لا يكون له تركة تفي بدينه و الا لا يجوز، نعم لو كان له تركة لكن لا يمكن الاستيفاء منها لامتناع الورثة أو غيرهم فالظاهر الجواز.

في هذه المسألة أمور ينبغي ان يبحث عنها.

(الأول) لا اشكال و لا خلاف في انه إذا كان للمالك دين على الفقير جاز ان يحتسبه زكاة إذا كان الفقير حيا، و قد اعترف بعدم الخلاف فيه غير واحد من الأصحاب كما في الحدائق، و المحكي عن ظاهر المعتبر و التذكرة و المنتهى، و يدل عليه مضافا الى القواعد العامة من ان هذا الدين أحد أموال المالك، و انه مقبوض للمدقوع اليه فهو أحد أفراد الإيتاء المأمور به بقوله تعالى وَ آتُوا الزَّكٰاةَ خبر عبد الرحمن بن الحجاج و فيه سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن دين لي على قوم طال حبسه عندهم لا يقدرون على قضائه و هم مستوجبون للزكاة هل لي ان ادعه و احتسب به عليهم الزكاة؟ قال: نعم، و خبر عقبة بن خالد و فيه و ما ذا عليك إذا كنت موسرا أعطيته فإذا كان ابّان زكوتك احتسبت بها من الزكاة، و لا ينافيهما التفصيل المصرح به في موثق سماعة و فيه سألته عن الرجل يكون له الدين على رجل فقير يريد ان يعطيه من الزكاة، فقال ع: إذا كان الفقير عنده وفاء بما كان عليه من دين من عرض‌

176

من دار أو متاع من متاع البيت أو يعالج عملا يتقلب فيها بوجهه فهو يرجو أن يأخذ منه ماله عنده من دينه فلا بأس ان يقاصه بما أراد ان يعطيه من الزكاة أو يحتسب بها، فان لم يكن عند الفقير وفاء و لا يرجو أن يأخذ منه شيئا فليعطه من زكوته، و لا يقاصه بشي‌ء من الزكاة، فإنه محمول على الاستحباب، و المراد باحتساب الدين زكاة هو تمليك المديون بما في ذمته بقصد إيتاء الزكاة فيترتب عليه سقوط ذمته من الدين، و يجوز أخذ الزكاة مقاصة من دينه بمعنى أخذها بدلا من الدين و ان لم يقبضها المديون و لم يوكله في قبضها.

(الأمر الثاني) لو كان المديون ميتا جاز ان يقاص رب الدين بالدين من الزكاة بمعنى أخذ الزكاة التي يجب عليه إخراجها بدلا من الدين، فيترتب عليه سقوط ذمة الميت عن الدين، و ذلك فيما إذا كان المزكى هو الدائن كما يجوز للمزكي قضاء دين الميت من الزكاة بأن يدفعه إلى الدائن فيما إذا كان الدائن غيره بلا خلاف فيه على الظاهر، بل في المدارك انه المتيقن عليه بين علمائنا و أكثر العامة، و يدل عليه صحيح عبد الرحمن بن الحجاج عن ابى الحسن (عليه السلام) عن رجل عالم فاضل توفي و ترك عليه دينا لم يكن بمفسد و لا مسرف و لا معروف بالمسألة هل يقضى عنه من الزكاة ألف و الفان قال: نعم، و قال الصادق (عليه السلام) في خبر يونس بن عمار قرض المؤمن غنيمة و تعجيل أجران أيسر قضاك و ان مات قبل ذلك احتسب به من الزكاة، و خبر زرارة و فيه قال قلت للصادق (عليه السلام) رجل حلت عليه الزكاة و مات أبوه و عليه دين أ يؤدي زكوته في دين أبيه و للابن مال كثير، فقال ع: ان كان أورثه مالا ثم ظهر عليه دين لم يعلم به يومئذ فيقضيه عنه قضاه من جميع الميراث و لم يقضه من زكوته، و ان لم يكن أورثه مالا لم يكن أحدا حق بزكوته من دين أبيه فإذا أداها في دين أبيه على هذا الحال أجزأت عنه.

(الأمر الثالث) ظاهر صحيح ابن الحجاج و خبر زرارة اعتبار قصور تركة الميت عن الوفاء بالدين في جواز تأديته من الزكاة، و عليه فتوى جماعة من الأصحاب،

177

و هو المقتضى لعدم انتقال التركة إلى الوارث الا بعد الوفاء بالدين، أو عدم تمامية الانتقال به لو قيل به و عن آخرين هو الجواز مطلقا و لو مع وفاء التركة به لإطلاق قوله ع: و ان مات قبل ذلك احتسب به من الزكاة في خبر يونس بن عمار الشامل لما إذا كانت التركة بقدر الدين أو أزيد، و لانتقال التركة إلى الوارث فيصير الميت فقيرا، و الأقوى هو الأول و ذلك لضعف تمسك الأخير بمنع الإطلاق أو لا حيث ان الظاهر من قوله: و ان مات قبل ذلك ان يكون المشار إليه في قوله قبل ذلك هو اليسار المذكور قبله في قوله ع: ان أيسر قضاك، فيصير المعنى انه ان مات قبل اليسار فلا يدل على حكم من مات على اليسار قبل القضاء.

و ثانيا انه لو سلم الإطلاق فهو مقيد بالخبرين الآخرين الدال على اعتبار قصور التركة كما هو قاعدة حمل المطلق على المقيد، و بمنع انتقال التركة إلى الوارث عند قصور التركة عن الوفاء و لو سلم يكون حق الدين متعلقا بها قطعا لو قيل بالانتقال كما لا يخفى.

(الأمر الرابع) المصرح به في المسالك و الروضة جواز توفية الدين من الزكاة مع عدم قصور التركة إذا لم يتمكن تأديته منها، اما لجهل الوارث بالدين، أو جحوده و عدم إمكان إثباته شرعا، أو لغصب الغاصب للتركة، أو غير ذلك، و استشكل عليه سبطه (قده) في المدارك، و قال بأنه للنظر فيه مجال، و الأقوى هو الأول، و ذلك لان المستفاد من أدلة صرف الزكاة في الدين من الآية و الاخبار هو كون المناط في الصرف في جميع الموارد هو الحاجة الى قضاء الدين من الزكاة سواء كان المديون حيا أو ميتا، و سواء لم يكن للميت تركة أو كانت و لكن تعذر صرفها في الدين كالمغصوب و نحوه، فالمدار هو تعذر أداء الدين بغير صرف الزكاة فيه عرفا كيف ما كان.

(الأمر الخامس) اعتبر في مصباح الفقيه في جواز توفية الدين من الزكاة فيما إذا وفت التركة بالدين، فمع تعذر الأداء منها إعسار الميت، و قال (قده)

178

انه لو كان موسرا قبل موته لا يخلو عن اشكال لانصراف ما دل على جواز صرف الزكاة في أداء الدين الى الاحياء، و ما دل منها على جوازه في الأموات لم يدل عليه في الموسر، و ذلك لان خبر يونس و ان كان له إطلاق يشمل ما إذا مات و خلف شيئا من المستثنيات الا ان إطلاقه منصرف عن صورة وفاء التركة بالدين و لو كانت من المستثنيات.

[مسألة 12 لا يجب اعلام الفقير ان المدفوع اليه زكاة]

مسألة 12 لا يجب اعلام الفقير ان المدفوع اليه زكاة، بل لو كان ممن يترفع و يدخله الحياء منها و هو مستحق يستحب دفعها اليه على وجه الصلة ظاهرا و الزكاة واقعا، بل لو اقتضت المصلحة التصريح كذبا بعدم كونها زكاة جاز إذا لم يقصد القابض عنوانا أخر غير الزكاة بل قصد مجرد التملك.

في هذه المسألة أمور يجب البحث عنها.

(الأول) لا يجب اعلام الفقير بان المدفوع اليه زكاة إجماعا كما استظهره الشيخ الأكبر (قده) من محكي التذكرة و الحدائق، و لا طلاق الأدلة و حصول اطاعة الأمر بالزكاة بإيصالها إلى مستحقها سواء عرف المستحق وجهه أم لا، و خبر ابى بصير و فيه الرجل من أصحابنا يستحيي أن يأخذ من الزكاة فأعطيه من الزكاة و لا اسمي له انها من الزكاة؟ قال ع: أعطه و لا تسم له و لا تذل المؤمن.

(الثاني) المعروف بين الأصحاب انه يجوز للدافع ان ينصب قرينة على ان ما يدفعه ليس زكاة، بان يدفعه على وجه الصلة و الهدية ظاهرا و ينويه الزكاة واقعا، و عن تذكرة العلامة الإجماع عليه، و ربما يستدل له بخبر ابى بصير المتقدم، و لكن الانصاف كما في رسالة الشيخ الأكبر انه لا يدل على جوازه لانه يدل على الرخصة في عدم الاعلام لا في الإعلام بالعدم، لكن العمومات المستفاد منها حصول البراءة بصرف الزكاة إلى الفقراء كافية في إثبات الجواز مضافا الى‌

179

إطلاق قوله ع في موثقة سماعة: فإذا هي وصلت الى الفقير فهي بمنزلة ماله يصنع بها ما شاء،- أقول- في دلالة العمومات و موثقة سماعة على ما ذكره تأمل بل منع، و ذلك لان المستفاد من العمومات انما هو عموم حصول البراءة عند صرف الزكاة إلى الفقير، و موثقة سماعة يدل على عموم جواز صرف الفقير ما وصل اليه من الزكاة فيما يشاء و لا عموم لهما في كيفية الصرف كما لا يخفى على المتأمل، هذا و لكن في خبر محمد بن مسلم ما ينافي ذلك اى جواز إعطاء الزكاة إياه على غير وجه الزكاة ظاهرا، و فيه قال قلت لأبي جعفر (عليه السلام) الرجل يكون محتاجا فنبعث إليه بالصدقة فلا يقبلها على وجه الصدقة يأخذه من ذلك في استحياء و انقباض أ فنعطيها إياه على غير ذلك الوجه و هي منا صدقة، فقال ع: لا إذا كانت زكاة فله ان يقبلها و ان لم يقبلها على وجه الزكاة فلا تطعها إياه، و ما ينبغي له ان يستحيي مما فرض اللّه عز و جل انما هي فريضة اللّه فلا يستحيى منها، و قد حمل على وجوه أقربها عندي ان يحمل على ما إذا امتنع عن القبول على وجه الزكاة، فيكون قصده التملك مقيدا بعدم كونه زكاة، و يحمل خبر ابى بصير على ما إذا كان من الآخذ صرف الاستحياء من الأخذ بلا امتناع من أخذها على وجه الزكاة، و تفصيل ذلك ان إعطاء المعطى و أخذ القابض يتصور على وجوه.

الأول ان يدفع الدافع على وجه الزكاة مع الاعلام بكونه زكاة، و يأخذه القابض كذلك، و لا اشكال فيه.

الثاني ان يدفعه على قصد الزكاة لكن من غير اعلام بكونه زكاة، و يتملكه القابض بعنوان كونه زكاة، و لا اشكال فيه أيضا.

الثالث ان يدفعه على قصد الزكاة باطنا لكن بصورة الهدية و الصلة ظاهر، و يتملكه القابض على وجه الزكاة لعلمه بقصد الدافع، و انه انما يعطى على وجه الزكاة باطنا، و لا اشكال فيه أصلا، و كونه موافقا لإطلاق الأدلة و مقتضيا للاجزاء لعدم قصور فيه عما يقتضيه من موافقة الأمر، و نية الدافع انه على‌

180

وجه الزكاة، و تملك القابض أيضا على وجه الزكاة و مطابقة قصد القابض مع الدافع، و بالجملة فليس في البين شي‌ء يمنع عن الاجزاء الا كون الإعطاء بصورة الهدية ظاهرا و هو غير مانع عنه لعدم انثلامه بما يوجب الامتثال، و لا ريب في جوازه بل في استحبابه من جهة استحياء الفقير من ان يطلع على استحقاقه احد من جهة كونه- مما يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف-، كما يدل عليه خبر ابى بصير فيكون الخبر محمولا على هذا الوجه.

الرابع ان يدفعه أيضا بصورة الهدية ظاهرا مع قصده الزكاة باطنا، و يأخذه القابص على وجه الهدية أيضا لكن مع عدم إبائه عن تمليكه بقصد الزكاة إذا اطلع على قصد الدافع باطنا، و في اجزائه احتمالان مبنيان على اعتبار مطابقة قصد القابض مع قصد الدافع و عدمه، فعلى الأول لا يجزى لعدم مطابقة القصدين دون الأخير، و الأقوى هو الأخير، و ذلك لعدم الدليل على اعتبار مطابقة القصدين في حصول الامتثال، و الأصل يقتضي عدمه بل يمكن التمسك في نفيه أيضا بإطلاق الأدلة، و ان الزكاة ليست من العقود حتى تحتاج إلى الإيجاب و القبول، فيقال باعتبار مطابقتهما بل هي أشبه بالأحكام فيكفي فيها قبض المستحق بعنوان التملك و لو لم يكن بعنوان الزكاة و اعتبار قبضه كذلك انما هو لتحقق امتثال الدافع فيما أمر به من الإيتاء و الا فهو لا ربط له بالدفع أيضا، فمع حصول كل من الدفع و القبض يتم الامتثال و ان لم يقصد القابض كونها زكاة، بل يمكن ان يقال بكفاية قصد عنوان الزكاة تقديرا، حيث انه لا يتابّى عن القبض بعنوان الزكاة لو اطلع عليها، و ان الدافع يدفع زكاة باطنا، فهذا القصد التقديري كاف في المقام في تملكه بعنوان الزكاة إذا تملك ابتداء بالقصد الهدية لا انه قصد قبول الهدية ابتداء، و بعبارة أخرى إذا اعطى الدافع بصورة الصلة ظاهرا يمكن ان يكون قصد القابض تملك المدفوع مع اعتقاد كونه صلة بحيث لو علم بكونه زكاة لكان يتملك أيضا، فلا يكون انكشاف الخلاف مضرا بما صدر منه من قصد التملك و ان‌

181

شئت قلت ان متعلق قصده ينحل إلى أمرين أصل التملك و كونه بعنوان الصلة و انكشاف الخلاف يضر بالثاني دون الأول، و المفروض عدم إبائه عن التملك و لو بعنوان كونه زكاة، و يمكن ان يكون قصده قبول الصلة ابتداء الذي يلزمه التملك الخاص اعنى ما هو الحاصل بقبول الصلة، نعم يصدر منه التملك المطلق و لا ينحل مقصوده إلى شيئين، و حينئذ لا يمكن الحكم بالاكتفاء بناء على الامتناع باعتبار المطابقة بين قصد الدافع و القابض لعدم المطابقة بينهما حينئذ كما لا يخفى.

الخامس ان يدفع الدافع أيضا بصورة الهدية، و يأخذه القابض أيضا بقصد الهدية مع إبائه عن القبض بعنوان الزكاة لو اطلع على نية الدافع و انه يعطيه زكاة باطنا فهذا هو مورد خبر محمد بن مسلم، و المستفاد من ظاهره هو قبض الزكاة بعنوان الزكاتية في تحقق القبض، فيشكل حينئذ حكم هذه الصورة من جهة الخبر المذكور، اللهم الا ان يحمل على الكراهة أو على التعبد لحكمة حرمان ذلك الشخص لكي يتنزّل عن الاستنكاف، و يرضى بما قسم اللّه سبحانه له، و غير ذلك من المحامل التي لا تخلو كلها عن مخالفة ظاهر الخبر، مضافا الى إمكان القول بمنع الكراهة التقديرية كما كان الرضاء التقديري كافيا في الوجه الرابع على ما بيناه.

السادس ان يدسه الدافع في مال الفقير من غير اطلاعه، ففي الاكتفاء به (وجهان) من ان المقصود الوصول اليه و هو حاصل، و ان الزكاة بمنزلة الدين الذي يجوز إيصاله إلى الدائن و لو بالدس في أمواله، و من عدم تملك المستحق إياها لغفلته عنها فيبقى على ملك المالك فإن أتلفه أجنبي فعليه الضمان، و تبقى الزكاة في عهدة المالك و ان أتلفه الفقير ففي رسالة الزكاة انه كمسلط الغير على إتلاف ماله بالغرور لا يستحق عليه عوضا، و لا يخفى ما فيه، لان الدس في مال الفقير يكون تسليط الفقير على إتلافه بعنوان انه مال الفقير لا تسليط على إتلاف مال المالك، فيمكن الحكم بضمانه حينئذ و يحاسب عليه من الزكاة قهرا ان اكتفينا بنية الدافع‌

182

حين الدس، و لا يحتاج الى تجديد النية باحتساب ما في ذمة المتلف زكاة بعد التلف كما لا يخفى.

(الأمر الثالث) لو صرح الدافع بعدم كون المدفوع زكاة كذبا فالأقوى صحة دفعه بعنوان الزكاة إذا نوى القابض التملك المطلق الذي يجامع مع كونه زكاة في الواقع، لأن الإثم الحاصل للدافع بالكذب في اخباره لا يقدح في صدق الامتثال، و هل يرتفع الإثم في التصريح بالكذب مع اقتضاء المصلحة ذلك (وجهان) أقواهما العدم مع إمكان الدفع الى مستحق أخر، نعم مع وجود المصلحة في الدفع الى هذا الشخص و وجود المصلحة في التصريح بالكذب به ينبغي القول بجواز الكذب حينئذ و لو مع إمكان التورية كما في كل ما كان فيه المصلحة في الكذب مع إمكان التفصي عنه بالتورية كما حقق في محله في المكاسب المحرمة.

[مسألة 13 لو دفع الركوة باعتقاد الفقر]

مسألة 13 لو دفع الركوة باعتقاد الفقر فبان كون القابض غنيا فان كانت العين باقية ارتجعها، و كذا مع تلفها إذا كان القابض عالما بكونها زكاة، و ان كان جاهلا بحرمتها للغنى بخلاف ما إذا كان جاهلا بكونها زكاة فإنه لا ضمان عليه، و لو تعذر الارتجاع أو تلفت بلا ضمان أو معه و لم يتمكن الدافع من أخذ العوض كان ضامنا فعليه الزكاة مرة أخرى، نعم لو كان الدافع هو المجتهد أو المأذون منه لا ضمان عليه و لا على المالك الدافع إليه.

اعلم ان الكلام هاهنا يقع في أمور.

(الأول) إذا دفع الزكاة إلى شخص باعتقاد فقره فبان غنيا، فلا يخلو عن صور ينبغي البحث عن كل واحدة منها على حدة.

الاولى فيما إذا كانت العين باقية مع علم القابض بكونها زكاة، و لا ينبغي الإشكال في جواز ارتجاعها حينئذ لحرمتها على الغنى و عدم صيرورتها ملكا له، فيجب عليه ردها كما هو مقتضى قاعدة اليد، و يجوز لمالكها مطالبته بها، و لا فرق في ذلك بين علم القابض بحرمة الزكاة عليه أو جهله، لان الجهل بالحكم‌

183

التكليفي لا ينافي وجوب الرد عليه كما هو واضح و هذا مما لا خلاف فيه أصلا.

الثانية ما إذا كانت العين باقية مع جهل القابض بكونها زكاة، و مقتضى القاعدة هو كون حكمها كالصورة الاولى من غير فرق بين ان يصرح الدافع بكونها زكاة، و لكن خفي على القابض أو جهل وجهها و لم يبين شيئا، أو صرفها اليه على وجه الصلة و العطية أو الصدقة المندوبة التي لا يشترط فيها الفقر كل ذلك لما تقدم من عدم صيرورتها ملكا للقابض فيجب عليه الرد بعد التبين، كما يجوز للمالك ارتجاعها كذلك خلافا للمحكي عن المعتبر من الحكم بعدم جواز الارتجاع معللا بان الظاهر كونها صدقة مندوبة، و المنتهى معللا بان الدفع محتمل للوجوب و التطوع، و لا يخفى ما فيه إذ الكلام انما هو عند تبين الواقع و انكشاف كون الدفع بعنوان الزكاة، و عدم استحقاق القابض، فظهور كونه صدقة مندوبة على ما علل به في المعتبر لا يجدى بعد تبين خلافه فضلا عن احتماله على ما علل به في المنتهى، مع ما في التعليل باحتمال التطوع في نفسه كما لا يخفى، و بالجملة فالحكم في هاتين الصورتين هو وجوب الرد على القابض، و جواز الارتجاع للمالك من غير فرق بينهما أصلا.

الصورة الثالثة ما إذا تلفت العين مع علم القابض بكونها زكاة، و الحكم في هذه الصورة هو ضمان القابض و جواز رجوع الدافع اليه بالمثل أو القيمة لقاعدة اليد المقتضية للضمان، و قاعدة التلف أو الاستيفاء فيما إذا كان التلف بإتلافه أو استيفائه، و عدم ما يوجب رفعه.

الصورة الرابعة ما إذا تلفت العين مع جهل القابض بكونها زكاة، و الحكم فيها هو عدم ضمان القابض إذا كان الدافع دفعها على وجه الهدية و الصلة لأنه مغرور بفعل الدافع، فليس له تغريمه و ضمانه فيما إذا لم يكن الدفع كذلك سواء صرح بكونها زكاة و خفي على القابض أو أجمل وجهها، و ذلك لانتفاء الغرور حينئذ المانع عما يقتضيه قاعدة اليد و الإتلاف.

184

(الأمر الثاني) إذا تعذر ارتجاع العين في صورة بقائها أو تلفت بلا ضمان أو معه لكن لم يتمكن الدافع من أخذ العوض و كان الدافع هو المالك بنفسه لا الحاكم، أو أمينه ففي ضمانه و عدم اجزاء ما دفعه و ان عليه الزكاة مرة أخرى مطلقا، أو عدمه كذلك، أو التفصيل بين ما إذا كان الدفع بعد التفحص و الاجتهاد، و بين ما إذا لم يكن كذلك بل كان الدافع في دفعه معتمدا على مجرد دعوى القابض للفقر، أو على أصالة عدم المال له فيضمن في الأخير دون الأول (وجوه) أقواها بالنظر هو الأول، كما عليه الجواهر و الشيخ الأكبر (قده)، و اختاره المصنف (قده) أيضا، و حكى عن المفيد و ابى الصلاح (قدس سرهما) من القدماء أيضا، و ذلك للأصل أي الاشتغال بل استصحاب بقاء الشغل عند الشك في بقائه بعد الدفع المفروض، و عموم ما دل على ان الزكاة بمنزلة الدين المقتضى لعدم الاجزاء عند الدفع الى غير الدائن، و كون الموضوع منها في غير موضعها بمنزلة العدم، و التعليل الوارد لوجوب اعادة المخالف زكوته التي أداها إلى مثله بعد استبصاره بأنه لم يضعها في موضعها، و مرسل حسين بن عثمان عن الصادق (عليه السلام) في رجل يعطى زكاة ماله رجلا و هو يرى انه معسر فوجده موسرا، قال ع: لا يجزى عنه، و مما ذكرنا ظهر بطلان القول بالاجزاء و عدم الضمان مطلقا مستدلا بقاعدة الإجزاء، حيث ان الدفع اليه كان مأمورا به أخذا بالظاهر لتعذر الاطلاع على الباطن، و الأمر يقتضي الاجزاء و ذلك لعدم امتثال الأمر الواقعي الذي كان متعلقا بإيصالها إلى المستحق واقعا، و تعذر الاطلاع على الباطن انما يوجب جواز الأخذ بالظاهر ما لم ينكشف الخلاف لا مطلقا.

و استدل للتفصيل اما على الضمان مع عدم الاجتهاد فيما استدللنا به، و اما على نفيه عند الاجتهاد فبخبر عبيد بن زرارة عن الصادق (عليه السلام) و فيه رجل عارف أدى الزكاة الى غير أهلها زمانا هل عليه ان يؤديها ثانية إلى أهلها إذا علمهم؟

قال ع: نعم، قلت فان لم يعرف لها أهلا فلم يؤديها أو لم يعلم انها عليه فعلم‌

185

بعد ذلك قال: يؤديها إلى أهلها لما مضى، قال قلت فان لم يعلم أهلها فدفعها الى من ليس هو لها بأهل و قد كان طلب و اجتهد ثم علم بعد ذلك سوء ما صنع، قال: ليس عليه ان يؤديها مرة أخرى، و عن التهذيب انه قال و عن زرارة مثله غير انه قال ان اجتهد فقد برء، و ان قصر في الاجتهاد و الطلب فلا حيث انه يدل على الاجزاء في صورة الفحص و الاجتهاد، و لكن الانصاف عدم تمامية الاستدلال به، و توضيحه يتوقف على بيان فقه الخبر، فنقول اما صدر الخبر اعنى قوله رجل عارف أدى الزكاة الى غير أهلها زمانا (إلخ) فالظاهر منه كون المراد من غير الأهل بقرينة قوله رجل عارف هو غير العارف من سائر الفرق، و ان الظاهر منه كون الأداء الى غير الأهل لأجل الجهل بالحكم بوجوب التأدية إلى العارف، و انه كان مع التمكن من الداء الى العارف، و قوله فان لم يعرف لها فلم يؤديها صريح في السؤال عن حكم من لم يؤد الزكاة اما من جهة عدم العلم بمستحقها، أو عدم العلم بوجوبها عليه، و هو ظاهر، و قوله: فان لم يعلم أهلها فدفعها الى من ليس لها بأهل (إلخ) ظاهر في السؤال عن حكم من دفعها الى غير العارف من جهة الجهل بالعارف، و عدم العلم به مع الطلب عنه، و عدم الوصول اليه ظنا منه بأنه بعد الطلب عن العارف و عدم الظفر به يجوز تاديها الى غير العارف، فأجاب ع بالاجزاء في هذه الصورة، و لا يخفى انها غير مرتبط بالمقام الذي هو عبارة عن التأدي الى غير الفقير جهلا بغناه، بل هي مسألة أخرى يأتي الكلام فيها، و يمكن ان يراد من قوله: فان لم يعلم أهلها عدم معرفة أهلها فدفعها الى من لا يكون أهلا لها من باب الشبهة في الموضوع لا من جهة عدم الظفر به لكنه ينصرف إلى إرادة الاشتباه من حيث كونه عارفا فلا إطلاق له حتى يشمل الاشتباه من حيث الفقر، و على تقدير تسليم إطلاقه تقع المعارضة بينه حينئذ و بين مرسل حسين بن عثمان المتقدم في مورد الاجتماع و هو الاشتباه من حيث الفقر مع الاجتهاد، حيث ان مقتضى المرسل هو عدم الاجزاء كما ان مقتضى هذا الخبر هو الاجزاء، و لا يبعد‌

186

دعوى أوضحية المرسل عن الخبر المذكور في الشمول لمورد الاجتماع، و على تقدير التكافؤ يكون الحكم هو التساقط و الرجوع الى القواعد العامة المقتضية لعدم الاجزاء، فالقول بعدم الاجزاء لعله لا يخلو عن قوة.

(الأمر الثالث) لو كان الدافع إلى الغني هو الإمام أو الساعي و شبهه من نايبه الخاص أو العام أو المأذون منه، فلا إشكال في عدم الضمان أصلا لا ضمان الدافع على الغنى عند الجهل به، و لا ضمان المالك بدفعه الى الامام أو من في حكمه من الساعي و النائب، اما عدم ضمان المالك فلبرائته بالدفع إلى الولي الذي يتحقق به الامتثال جزما فيحصل به الاجزاء قطعا، و اما عدم ضمان الولي فلان يده يد امانة و هي غير متعقبة للضمان، و انه مأمور بالدفع الى من يظهر منه الفقر و منافاة منصب السلطنة مع ضمان أمثال ذلك، و ان فعل النبي (صلّى اللّه عليه و آله) هو فعل اللّه سبحانه الذي هو المالك على الإطلاق، و ان خطاء الإمام في الموضوع يكون في بيت المال الذي هو من مال الفقراء، و لا معنى للغرامة لهم من مالهم، كل ذلك مع دعوى نفى الخلاف فيه كما حكى عن المنتهى، بل نفى الخلاف عنه بين العلماء الكاشف عن مفروغيته بين الكل مضافا الى إمكان القول: بأن الزكاة يتعين فيما يقبضه الولي عن المالك بقبضه كما يتعين بقبض المستحق نفسه فيصير امانة عند الولي لا يضمن إلا بالتعدي أو التفريط، فلا موجب لضمانه أصلا لانحصار موجبه بالإتلاف، أو الاستيفاء، أو اليد، و كلها منتفية في المقام، فينتفى الضمان بانتفاء موجبه، و لو شك في ذلك يكون المرجع هو البراءة، و هذا بخلاف ما إذا كان الدافع هو المالك نفسه، فإنه مشتغل الذمة بها و لا يخرج عن عهدتها الا بالدفع الى المستحق الواقعي أو وكيله أو وليه، و مع تبين الخلاف يكون العهدة باقية، و مع الشك فيه يكون المرجع هو استصحاب الاشتغال، و لعله الى ما ذكرنا يرجع ما افاده صاحب الجواهر (قده) في الفرق بين المالك و الولي حيث يقول (قده): اللهم الا ان يفرق بينهما بظهور الأدلة في الشرطية الواقعية في الزكاة، فيبقى المكلف في العهدة‌

187

بخلاف دفع الإمام أو نائبه فإنه ليس فيه الدفع الزكوتى بل خطاب أخر يكفي في امتثاله مراعاة الإذن الشرعية انتهى.

(الأمر الرابع) لو دفعها المالك بعد العزل فبان ان القابض غنى فان قلنا بعدم تعين الزكاة بالعزل فيكون حكمه كالدفع قبله، و ان قلنا بتعينها به فهل هو كالتعين الحاصل بقبض الولي من الامام أو من يقوم مقامه في خروج المالك عن العهدة أم لا وجهان، ربما يقال: بالأول، حيث انه إذا تعين زكوته فيما عينه من العين تبقى العين في يده امانة حتى توصلها الى مستحقها، أو الى من اذنه الشارع بإيصالها إليه، فيكون المتجه نفى ضمان المالك حينئذ بالدفع الى من اذن بالدفع اليه و ان ظهر عدم استحقاقه واقعا، و لكن الأقوى هو الضمان لان تعين الزكاة فيما عينه من العين لا يوجب الخروج عن عهدتها ما لم يوصلها الى مستحقها، نعم يجوز لولي المستحق ان يرجع الى كل من الدافع و القابض، اما الى الدافع فلبقاء عهدته بعد هذا الدفع، و اما الى القابض فليتعين ما دفع الى بالزكوية بالعزل، فان رجع الى الدافع يرجع الدافع الى القابض في صورة ضمان القابض، و ان رجع الى القابض يرجع القابض الى الدافع فيما لم يكن ضامنا، و هذا بخلاف ما لو دفعها الى ولي المستحق من الامام و من بحكمه فإن الإيصال إليه إيصال إلى المستحق الموجب لبراءة الدافع، هذا و لو شك في ذلك يكون المرجع هو الاشتغال.

(الأمر الخامس) لو ادعى الدافع انها زكاة و أنكر القابض و قال بأنها صدقة مندوبة، أو صلة و هدية، ففي تقديم قول الدافع لأنه أعرف بنيته فيقدم قوله لأنه يدعي ما لا يعلم الا من قبله، و لأصالة الضمان في اليد اعنى المستفاد من عموم قوله ع: على اليد ما أخذت حتى تؤدى و لم يعلم خروج المورد عنه، أو قول القابض لانه مدعى للصحة فيقدم قول مدعيها على مدعى الفساد، أو يحكم بالتداعى لان كل منهما يدعى ما ينكره الأخر (وجوه) أقواها الثاني أعني تقديم قول القابض،

188

لحكومة أصالة الصحة على قاعدة الضمان فيبطل به الوجه الأول، و يظهر منه بطلان الوجه الأخير أعني التداعي لأن مورد التداعي انما هو فيما إذا لم يكن قول أحدهما موافقا مع الأصل في جميع المراتب من الأسباب و المسببات، و من المعلوم ان قول القابض موافق مع الأصل، و مع حكومة أصله على أصالة الضمان في طرف الدافع يصير المورد من موارد باب المدعى و المنكر، و يخرج عن باب التداعي، و اما اعرفية الدافع بنيته فلا يوجب تقديم قوله الا إذا رجع الى تقديم مدعى ما لا يعلم الا من قبله، فيجب حينئذ التفصيل بين ما إذا ادعى القابض إظهار الدافع بأنه هدية أو صدقة مندوبة، و يدعى الدافع إظهار أنه زكاة، أو عدم إظهار شي‌ء أصلا، فيقدم حينئذ قول القابض لأصالة الصحة، و انه ليس الدافع مدعيا لما لا يعلم الا من قبله، و بين ما إذا كان القابض شاكا فيما قصده الدافع و لم ينكر عليه فيما يدعيه، فإنه حينئذ يجب عليه تصديق الدافع حيث انه يدعى ما لا يعلم الا من قبله.

[مسألة 14 لو دفع الزكاة إلى غنى جاهلا بحرمتها عليه أو متعمدا استرجعها مع البقاء]

مسألة 14 لو دفع الزكاة إلى غنى جاهلا بحرمتها عليه أو متعمدا استرجعها مع البقاء، أو عوضها مع التلف، و علم القابض، و مع عدم الإمكان يكون عليه مرة أخرى، و لا فرق في ذلك بين الزكاة المعزولة و غيرها، و كذا الحال في المسألة السابقة و كذا الحال لو بان ان المدفوع اليه كافر أو فاسق ان قلنا باشتراط العدالة أو ممن تجب نفقته عليه أو هاشمي إذا كان الدافع من غير قبيله.

اما حكم الدافع إلى الغني مع العلم بغناه و لو مع تعمد الدفع اليه عند العلم بحرمتها فالظاهر انه كحكم الدفع إلى الغني مع الجهل بغناه لانه كالمقبوض بالعقد الفاسد، فتكون اذنه مقيدة بكونها على وجه الزكاة، و لا ينافي تقييد الاذن بكونها على وجه الزكاة علمه بانتفاء القيد فيما علم بحرمتها عليه كما في المقبوض بالمعاملة الفاسدة، حيث ان العلم بفسادها لا ينافي مع تقيد رضاه بها غاية الأمر انه لا يتحقق‌

189

الرضا بانتفاء قيده، و لا فرق في ذلك بين ان يكون الدفع بعد العزل أو قبله بناء على تعين الزكاة بالعزل، نعم في الصورة العزل يصح لولي المسلمين مطالبة كل من الدافع و القابض بها لتعين المعزول في الزكاة بالعزل بخلاف ما إذا كان الدفع قبل العزل فإنه يختص مطالبة الولي حينئذ من المالك لعدم تعين ما دفعه في الزكوية بل هو باق على ملك مالكه و هو مشغول بالخطاب، و هو اى المالك يطالب القابض مع بقاء العين عنده مطلقا أو مع علمه بالحال عند التلف، و مع عدم الاسترجاع يكون عليه مرة أخرى.

و اما حكم الدفع الى الكافر أو الفاسق بناء على اشتراط العدالة في المستحق، أو الى من تجب نفقته عليه، أو الى الهاشمي من غير قبيله ففي الشرائع انه كحكم الدفع إلى الغنى إذا بان غناه، و قال في الجواهر لاتحاد الجميع فيما تقدم من الأدلة، و لكن عن ظاهر جماعة إطباق الأصحاب هنا على عدم الضمان فان تم الإجماع فهو، و الا فالقول بالضمان هو الأشبه، الا ان يقال: ان الواجب على المالك لما كان إيتاء الزكاة على المستحق و جعل الشارع امارة على إحراز المستحق يكون اللازم من كلا الجعلين هو وجوب الإعطاء على ما أمر الشارع بالإعطاء إليه فيترتب عليه الاجزاء حينئذ، و مقتضى ذلك عدم الفرق بين الإعطاء بالغنى و غيره من غير المستحقين عند انكشاف الخلاف ثم ان القائلين بعدم الضمان فيما ذكر من موارد انكشاف الخلاف استثنوا عنها ما إذا دفع المالك الى عبده باعتقاد انه حر ثم بان ان كان عبده، فحكموا فيه بالضمان معللا بان المال لم يخرج به عن ملك مالكه، فيجري مجرى العزل بلا تسليم، و استشكل عليه في المدارك بجريان ذاك التعليل في الدفع الى غير عبده أيضا من غير المستحقين، حيث غير المستحق مطلقا لا يملك الزكاة في نفس الأمر سواء كان عبد المالك أو غيره، و لكن الأقوى هو الفرق بين الإعطاء بعبده و بين غيره ممن لا يستحقها و لو كان عبد غيره، لعدم صدق الإيتاء على عبده بل الإعطاء إليه في حكم نقل ماله من موضع من بيته الى موضع أخر، و ذلك بخلاف الإعطاء‌

190

الى غير عبده من غير المستحقين و لو كان عبد غيره، فإنه يصدق عليه الإيتاء الا انه فاقد لشرط الصحة فحينئذ يمكن ان يدعى فيه الصحة لقاعدة الاجزاء هذا كله فيما إذا كان الدافع الى عبده نفسه، و لو كان الدافع اليه هو الولي من الامام (عليه السلام) و من بحكمه فالظاهر هو الاجزاء، و عدم ضمان الدافع، خلافا للمحكي عن أبي حنيفة فلم يفرق بين ما كان الدافع هو المالك نفسه، و بين ما كان هو الامام و من بحكمه.

[مسألة 15 إذا دفع الزكاة باعتقاد انه عادل فبان فقيرا فاسقا]

مسألة 15 إذا دفع الزكاة باعتقاد انه عادل فبان فقيرا فاسقا، أو باعتقاد انه عالم فبان جاهلا، أو زيد فبان عمرا، أو نحو ذلك صح و اجزء إذا لم يكن على وجه التقييد، بل كان من باب الاشتباه في التطبيق و لا يجوز استرجاعه حينئذ و ان كانت العين باقية، و اما إذا كان على وجه التقييد فيجوز كما يجوز نيتها مجددا مع بقاء العين أو تلفها إذا كان ضامنا بان كان عالما باشتباه الدافع و تقييده.

ربما يقال بان دفع الزكاة بشخص باعتقاد انه فقير عادل فبان كونه فقيرا فاسقا، أو انه عالم فبان كونه جاهلا، أو زيد فبان عمروا مما لا يعقل فيه التقييد لكونه من الأفعال الخارجية و هي غير قابلة له، فان الضرب مثلا لا يعقل ان يعلق وقوعه على متعلقة مشروطا بان يكون عمروا، أو لا يكون زيدا مثلا، بل انما هو حيثما يقع يقع لا محالة كان الشرط متحققا أم لا، لكن الأقوى صحة التقييد فيما يتوقف تحققه على القصد، و ان لم يصح فيما يكون ممحضا في الخارجية كالضرب مثلا، و من المعلوم كون دفع الزكاة قصديا اختياريا يحتاج في تحققه الى القصد، فيصح فيه التقييد، و حينئذ يتم ما في المتن من التفصيل بين كونه بنحو الداعي أو بنحو التقييد فيصح و يجزى في الأول دون الأخير، هذا و قد فصلنا الكلام في نظير المقام في باب الجماعة في مسألة من اقتدى بزيد مثلا فبان انه عمرو فراجع.

[الثالث من أصناف المستحقين العاملون عليها]

(الثالث

من أصناف المستحقين‌

العاملون عليها

بنص الكتاب الكريم،

191

و السنة القطعية، و الإجماع المحقق و المحكي،

و هم المنصوبون من قبل الامام (عليه السلام) أو نائبه الخاص أو العام لأخذ الزكوات و ضبطها و حسابها و إيصالها اليه أو الى الفقراء على حسب اذنه

بلا كلام في جميع ذلك إلا في الأخير، فإن الظاهر من المروي عن تفسير على بن إبراهيم خروج القسمة عن العمل، و فيه وَ الْعٰامِلِينَ عَلَيْهٰا هم السعاة و الجباة في أخذها أو جمعها و حفظها حتى يؤدوها الى من يقسمها الا انه لا يدل على حصر العمل فيما ذكر، بل يمكن ان يكون بيان المراد من العامل في غير المأذون في القسمة، و كيف كان فلا خلاف بيننا في‌

ان العامل يستحق منها سهما في مقابل عمله و ان كان غنيا.

خلافا للمحكي عن أبي حنيفة و بعض أخر من العامة، فقالوا: بان ما يأخذه العامل يكون اجرة و عوضا لا زكاة لانه لا يعطي إلا مع العمل و الزكاة تدفع استحقاقا لا عوضا، و لأنه يأخذ مع الغنى مع ان الصدقة لا تحل لغني، و لا يخفى انه مع كونه اجتهاد في مقابل النص مردود بان توقف الأخذ على العمل لا ينافي الاستحقاق لها بشرط العمل كما لا ينافي استحقاقها مع العمل غنى العامل أيضا لأنه استحقاق معه لا باعتبار الفقر، و على هذا‌

لا يلزم استيجاره من الأول أو تعيين مقدار له على وجه الجعالة بل يجوز له أيضا ان لا يعين له و يعطيه بعد ذلك ما يراه.

و يدل على الأخير ما عن الصادق (عليه السلام) في حسنة الحلبي قال قلت له ما يعطى للمصدق قال ما يرى الامام و لا يقدر له شي‌ء بناء على ان يكون يقدر بصيغة الفاعل اى لا يقدر الامام للعامل شيئا قبل عمله بل يعطيه على حسب ما يراه بعد العمل و يحتمل ان يكون بصيغة المفعول بمعنى انه لم يجعل له في الشرع حد مضبوط بل يقدر على حسب ما يراه الامام.

و يشترط فيهم التكليف بالبلوغ و العقل و الايمان، بل و العدالة و الحرية أيضا على الأحوط، نعم لا بأس بالمكاتب، و يشترط أيضا معرفة المسائل المتعلقة بعملهم اجتهادا أو تقليدا، و ان لا يكونوا من بنى هاشم، نعم يجوز استئجارهم من بيت المال أو غيره كما يجوز عملهم تبرعا.

192

اما اشتراط التكليف في العامل فقد نفى الخلاف عنه في الجواهر، و قال فلا تجوز عمالة الصبي و المجنون و لو باذن وليهما لأنها نيابة عن الامام (عليه السلام) في الولاية على قبض مال الفقراء و حفظه لهم و هما قاصران عن ذلك انتهى، و لا يخفى ما في دليله لو لم يكن الحكم إجماعيا ضرورة ان المعتبر في العامل هو التمكن من الخروج عن عهدة ما فوض اليه من العمل في الزكاة من الجباية و التحصين و الكتابة و نحوها، و ربما يكون صبي أبصر في هذه الأمور من البالغ، و دعوى أنه نيابة عن الإمام في الولاية و هو قاصر عنها كما ترى.

و اما اعتبار الايمان بالمعنى الأخص فقد استدل له مضافا الى دعوى التسالم في اعتباره بعدم جواز جعل هذه الولاية لغير المؤمن إذ هي غصن من شجرة العهد الذي لا يناله الظالمون، و عموم ما دل على عدم جواز إعطائهم الصدقات و الإجماع المحكي على اعتبار العدالة في المستحقين، و هذا أيضا كالدليل على اعتبار التكليف لا يخلو عن المنع لو لم يكن إجماع على اعتباره.

و اما اعتبار العدالة فقد استدل له بالمروي عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في صحيح معاوية في آداب المصدق، و فيه فإذا قبضته فلا توكل به الا ناصحا شفيقا أمينا، و هو كما ترى لا يدل على اعتبار العدالة بالمعنى المعهود منها كما لا يخفى.

و اما اعتبار الحرية فقد وقع الخلاف فيه، فالمحكي عن الشيخ اعتبارها مستدلا بان العامل يملك نصيبا من الزكاة، و العبد لا يملك و مولاه لم يعمل، و عن العلامة في المختلف و المحقق في المعتبر عدمه مستدلا بحصول الغرض من عمله، و كون العمالة نوع من الإجارة، و العبد صالح لذلك مع اذن سيده، و نفى عنه البأس في المدارك، و استجوده بعض المحققين من المتأخرين، و التحقيق ان يقال ان ثبت منع العبد عن الزكاة مطلقا من جميع السهام و لو كان من غير سهم الفقير و المسكين كما يستدل له بخبر إسحاق بن عمار عن الصادق (عليه السلام) و فيه لا يعطى العبد من الزكاة‌

193

شيئا، فالأقوى هو المنع، و ان لم يثبت عموم المنع بدعوى انصراف ما في الخبر المذكور إلى إعطاء المجاني بعنوان الفقر كما يؤيده قوله ع في خبر ابن سنان الوارد في المملوك و لو احتاج لم يعط من الزكاة شيئا، فالأقوى عدم المنع من إعطائه بعنوان سهم العاملين و لا ينافيه عدم ملك العبد، لان عمله كعمل المولى و كونه نيابة عن الامام الغير اللائق بمال العبد غير صالح للمنع كما تقدم في اعتبار التكليف و الايمان، هذا كله فيما إذا أريد إعطائه من باب سهم العاملين، و اما استيجاره للعمالة و لو من الزكاة فينبغي القطع بجوازه فضلا عن استيجاره من بيت المال، فإنه صالح له، و تكون أجرته للمولى من غير اشكال، هذا كله في القن، و اما المكاتب فلا ريب كما في الجواهر في جواز عمانته لانه صالح للملك و التكسب.

و اما اعتبار الفقه فقد اختلفت العبائر فيه، و صرح في الشرائع باعتباره، ثم قال و لو اقتصر على ما يحتاج اليه فيه جاز، و قال في الجواهر بل قد يظهر من المصنف في المعتبر الميل الى عدم اعتبار الفقه في العامل، و الاكتفاء فيه بسؤال العلماء، و استحسنه في البيان، و نفى عنه البأس في المدارك انتهى، و الى ما في الجواهر يشير المصنف (قده) في المتن بقوله أو تقليدا.

و اما اعتبار ان لا يكون هاشميا فالمحكي عن مبسوط الشيخ (قده) انه حكى عن قوم جواز كون العامل هاشميا لانه بأخذها على وجه الأجرة كسائر الإجارات، و عن مختلف العلامة ان الظاهر ان القوم الذين نقل الشيخ عنهم من الجمهور إذ لا اعرف قولا لعلمائنا في ذلك، و قال في الجواهر أيضا: بلا خلاف أجده، و كيف كان لا ريب في اعتباره، لعموم ما دل على حرمة الصدقة الواجبة عليهم، و خصوص صحيح العيص بن القسم عن الصادق (عليه السلام) قال ع:

ان أناسا من بنى هاشم أتوا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فسألوه أن يستعملهم على صدقات المواشي و قالوا يكون لنا هذا السهم الذي جعله اللّه عز و جل للعاملين عليها فنحن اولى به، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) يا بنى عبد المطلب ان الصدقة لا تحل لي و لا لكم‌

194

و لكن قد وعدت الشفاعة (الحديث).

و منه يظهر ان ما استدل للمحكي عن القوم القائلين بجوازه بان ما يأخذه العامل يأخذه من باب الأجرة اجتهاد في مقابل النص، مع ما فيه من المنع، حيث ان ما يأخذه ليس من باب الأجرة بل انما هو سهم من الصدقة باعتبار عمله، فعمله شرط في صيرورته مستحقا لهذا السهم كعمل المقاتلين في كونه شرطا في استحقاقهم من الغنيمة، حيث ان ما يأخذونه منها ليس اجرة لعملهم قطعا بل إنما يأخذونه من باب الاستحقاق و ان كان استحقاقهم لها مشروطا بعملهم، نعم لا بأس في استئجارهم من بيت المال أو غيره كما يجوز عملهم تبرعا، و اما أخذهم الزكاة بعنوان الأجرة أو الجعالة فلم أر التعرض لها، و ينبغي القول بجوازه، و لا يبعدان يكون جوازه داخلا في إطلاق قول المصنف (قده) في قوله أو غيره، و هل يختص ثبوت هذا السهم بزمان حضور الامام (عليه السلام) و بسط يده ع، أو يعمه و زمان الغيبة مع بسط يد نائبه (وجهان) مبنيان على ان اعتبار العمالة من باب النيابة و السعاية عن الإمام، أو انه باعتبار عمل الجباية للزكاة و لو لم يكن بعنوان النيابة عنه ع، فعلى الأول يختص بزمان الحضور كما عن النهاية حيث يقول: و يسقط سهم المؤلفة و سهم السعاة و سهم الجهاد لأن هؤلاء لا يوجدون الا مع ظهور الإمام، لأن المؤلفة إنما يتألفهم ليجاهدون معه، و السعاة الذين يكونون من قبله في جمع الزكوات، و على الثاني فيثبت في حال الغيبة أيضا كما هو الظاهر من كلمات جملة من الأصحاب الذين جعلوا للكفار سهما من نصيب العاملين إذا كانوا يجمعون الزكاة من غيرهم، و لا يحوجون الإمام إلى إرسال عامل لجبايتها ردا على من جعلهم من المؤلفة، و هذا هو الأقوى كما صرح به المصنف (قده) بقوله:

و الأقوى عدم سقوط هذا القسم في زمان الغيبة مع بسط يد نائب الإمام في بعض الأقطار نعم

لو كان العمل من المالك‌

يسقط بالنسبة الى من تصدى بنفسه لإخراج زكوته و إيصالها إلى نائب الإمام أو الى الفقراء بنفسه.

195

لان عمله هذا عبارة عن إيتاء الزكاة إلى مستحقها فلا يستحق به عوضا كما انه يكون كذلك لو أوصله الى الامام (عليه السلام) نفسه في زمن الحضور و هذا ظاهر.

[ (الرابع) المؤلفة قلوبهم]

(الرابع) الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ من الكفار اللذين يراد من إعطائهم ألفتهم و ميلهم إلى الإسلام، أو الى معاونة المسلمين في الجهاد مع الكفار، أو الدفاع و من الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ الضعفاء العقول من المسلمين لتقوية اعتقادهم أو لإمالتهم الى المعاونة في الجهاد أو الدفاع.

اعلم انه وقع الخلاف في التعبير عن الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ اللذين يستحقون سهما من الزكاة بهذا العنوان، و في الشرائع أنهم هم الكفار اللذين يتمالون الى الجهاد، و قال و لا نعرف مؤلفة غيرهم، و مقتضاه اختصاص المؤلفة عنده بخصوص الكفار اللذين يتمالون بهم الى الجهاد، و عممه بعضهم الى من يتمالون إلى الإسلام أيضا من الكفار، و في الحدائق اختصاصه بمن ظاهره الإسلام و هو المحكي عن ابن الجنيد أيضا، و عن المفيد تعميمه بالنسبة إلى الكفار و المسلمين، و الأقوى هو التعميم بالنسبة إلى الكفار و المسلمين سواء اعطى الكفار لالفتهم إلى الإسلام، أو الى معاونة المسلمين في الجهاد مع الكفار، أو الدفاع عنهم و المسلمون لتقوية اعتقادهم أو لا لإمالتهم الى المعاونة في الجهاد أو الدفاع، و لا ينافيه الأخبار المقيدة للمؤلفة بالضعفاء من المسلمين لعدم استفادة الحصر منها كما يظهر بالمراجعة.

[الخامس من أصناف المستحقين للزكاة الرقاب]

الخامس

من أصناف المستحقين للزكاة‌

الرقاب

، و قد وقع التعبير عنه في كثير من العبائر تبعا للاية الكريمة بكلمة (في)، و قيل ان تغيير الأسلوب بإقحام كلمة في انما هو باعتبار ان هذا الصنف لا يستحقون ملك الزكاة بل انما يصرف في فكاك رقابهم، و في الكشاف جعل الوجه للتغيير للإيذان بأنه أرسخ في استحقاق التصدق عليهم، لأن في للوعاء فنبه على انهم أحقاء بأن توضع فيهم الصدقات‌

196

و يجعلوا مصبا لها لما في فك الرقاب من الكتابة أو الرق من التخليص و الإنقاذ انتهى.

و كيف كان‌

و هم ثلاثة أصناف،

و ان روى قسم رابع لهم و هو من وجب عليه كفارة و لم يجد فإنه يعتق عنه، ففي تفسير على بن إبراهيم عن العالم ع قال في الرقاب قوم لزمتهم كفارات في قتل الخطاء و في الظهار و في الايمان و في قتل الصيد في الحرم و ليس عندهم ما يكفرون به و هم مؤمنون فجعل اللّه تعالى لهم سهما في الصدقات ليكفر عنهم، لكن الأصحاب لم يعولوا عليه لكونه مرسلا مع انه لا يكون صرفا في الرقاب بل انما هو صرف في فك ذمم مما لزمتهم الكفارات عنها، و يلزمه جواز الصرف في إخراج الكفارات و لو بغير العتق، الا ان يقال بالانحصار بالصرف في تحرير الرقاب عمن لزمتهم الكفارات لا مطلقا.

[الأول المكاتب]

الأول المكاتب

بلا خلاف فيه كما في الجواهر بيننا و بين العامة، و قال بل الإجماع بقسميه عليه، و عن الصادق (عليه السلام) انه سئل عن مكاتب عجز عن مكاتبته و قد ادى بعضها، قال: يؤدى عنه من مال الصدقة ان اللّه تعالى يقول في كتابه وَ فِي الرِّقٰابِ، و هذا في الجملة مما لا اشكال فيه و انما يقع البحث فيه عن أمور.

(الأول) المحكي عن صريح نهاية العلامة و ظاهر غيره كالمحقق و غيره عدم اعتبار عجز المكاتب في أداء مال الكتابة، بل يجوز دفع الزكاة اليه مع تمكنه من أدائها، و هذا و ان كان موافقا مع إطلاق الآية الكريمة الا ان التقييد في الخبر المتقدم بالمكاتب‌

العاجز عن أداء مال الكتابة

يوجب اعتبار العجز عنه، و هذا أشبه، و منه يظهر اعتبار كونه بالفعل غير واجد له بطريق اولى مضافا الى انصراف إطلاق الرقاب في الآية الكريمة إلى الرقاب المحتاجين في فكاكها الى الزكاة لأجل المناسبة المفروضة في الذهن من أدلة شرع الزكاة من كونها لدفع حاجة المحتاجين، و اما التمسك بإطلاق قوله ع لا يحل الصدقة لغني بادعاء عدم قصوره عن مثل الفرض فلعله لا يخلو عن منع، و ذلك لانصرافه الى الصنفين‌

197

الأوليين أعني الفقراء و المساكين لا مطلق المستحقين، و لذلك لا يفهم تقييده بما عدا العاملين و الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ الغير المعتبر فيهما الفقر قطعا.

(الثاني) لا فرق في المكاتب بين ان يكون‌

مطلقا أو كان مشروطا.

و ذلك لإطلاق الدليل من الآية المباركة و الخبر المتقدم و معاقد نفى الخلاف و الإجماع.

(الثالث) هل الحكم بجواز الدفع يتوقف على حلول النجم فلا يجوز الدفع قبله لانتفاء الحاجة في الحال أم لا لعدم اعتبار حلول وقت الحاجة في صدق الاحتياج بل يكفي في صدقه تحقق الحاجة في وقتها و ان كان قبل وقتها (وجهان) أقواهما الأخير، و ان كان‌

الأحوط ان يكون بعد حلول النجم

لانتفاء الحاجة قبله فلا يصدق العجز، و ان علم بتحققه في وقته‌

ففي جواز إعطائه قبل حلوله اشكال.

(الرابع)

يتخير بين الدفع الى كل من المولى و العبد.

لان اللازم كما هو المستفاد من النص و الفتوى هو صرف هذه الزكاة في مال الكتابة و فكاك الرقاب من الرق سواء أعطيت بيد المولى أو أعطيت بيد العبد، فلو دفعت الى العبد فلا يحتاج إلى اذن السيد بل يجوز و لو بغير اذن سيده و لا إشكال في جواز الدفع الى المولى باذن العبد، و مع عدم اذنه ففيه إشكال أقواه الجواز أيضا لإطلاق الآية الكريمة، و ظاهر ما في المرسل المتقدم اعنى قوله ع: يؤدي عنه من مال الصدقة.

(الخامس) الظاهر من الآية و الخبر ان المكاتب لا يملك ما يدفع اليه من الزكاة لفك رقبته بعد القبض ملكا مطلقا بحيث يجوز له التصرف فيه كيف يشاء و لو في غير فك رقبته بل لا بد من صرفه فيه، و يترتب على ذلك فروع.

1-

ان دفع الى المولى و اتفق عجز العبد عن باقي مال الكتابة في المشروط فرد الى الرق يسترجع منه.

198

و هذا ظاهر بعد ظهور كون الدفع في غير فك رقبة العبد و لم يقبضه العبد حتى يتوهم صيرورته ملكا مطلقا، و الظاهر عدم اجزاء هذا الدفع عن الزكاة أيضا، بل يجب الإخراج ثانيا لو لم يتمكن من استرجاعه، و يكون المولى ضامنا لو تلف عنده.

2- الفرع الثاني لو دفعه الى العبد فدفع العبد الى السيد ثم عجز عن الأداء في المشروطة فاسترق، ففي المدارك انه قد قطع الشيخ و غيره هنا بعدم جواز ارتجاعه لان المالك مأمور بالدفع الى المكاتب ليدفعه المكاتب الى سيده و قد فعل، و الامتثال يقتضي الاجزاء، و قد حكى عن التذكرة وجها للشافعية بجواز ارتجاعه لان القصد تحصيل العتق فإذا لم يحصل به وجب استرجاعه كما لو كان في يد المكاتب، و قد رده في التذكرة بأن الفرق ظاهر لان السيد ملك المدفوع بالدفع، و قال في الجواهر قلت قد يمنع ملكه له على جهة الإطلاق، اللهم الا ان يدعى ظهور الأدلة في صرف هذا السهم فيما يتعلق بالرقاب و ان لم يترتب عليه الفك انتهى.

أقول اما ملك السيد للمدفوع فالظاهر انه يكون في مقابل فك العبد من الرق الذي لم يتحقق حسب الفرض من جهة عجز العبد عن أداء باقي مال الكتابة فلم يتحقق ملك السيد للمدفوع بعنوان مال الكتابة، و هذا ظاهر، و اما ملكه له بعنوان صيرورته ملكا للعبد و يكون ماله ملكا للسيد بناء على عدم قابلية المملوك للملك و ان ما في يده ملك للمولى فهو موقوف على صيرورته ملكا مطلقا للعبد، أو ملكا مقيدا بصرفه في مصرف فك رقه و لو لم ينته الى فكه على نحو وجوب المقدمة المطلقة، حيث انه يصدق عليه بأنه صرفه في الفك و ان لم يترتب عليه، و اما لو صار ملكا له مقيدا بالصرف المذكور على نحو وجوب المقدمة الموصلة فلا بد من ترتب الفك عليه فان لم يترتب عليه فلا يصير ملكا له، و هذا هو الظاهر و ان كان في تصويره نوع خفاء حيث تحتاج فيه الى تصوير الشرط المتأخر الا ان المعقول منه متصور في المقام أيضا مع ان المستفاد من الاخبار الدالة على كون‌

199

ولاء المعتق من الزكاة للفقراء معللا بأنه أعتق من سهامهم كون هذا السهم من سهم الفقراء لا في عرضه، و لازمه هو ثبوت الرخصة في إعطاء سهم من الفقراء في فك الرقاب، و مع عدم ترتب الفك عليه لم يتحقق ملك بالنسبة إليه أصلا لا من العبد و لا من المولى كما لا يخفى.

3-

لو دفعها الى العبد و لم يصرفها في فك رقبته

بل صرفه في غيره اما عمدا أو‌

لاستغنائه بإبراء أو تبرع أجنبي.

فالكلام يقع تارة في اجزائه عن الزكاة و اخرى في جواز استرجاعه بناء على الاجزاء.

اما الأول فالمقطوع به في الجواهر هو الاجزاء، قال (قده): فالوجه الاجزاء عن الزكاة للأمر، أقول و هو لا يخلو عن المنع ضرورة كون الأمر متعلقا بالصرف في الرقاب الغير المتحقق حسب الفرض، حيث ان الإعطاء الى العبد مع عدم صرفه في مال الكتابة ليس صرفا في الرقاب كما لا يخفى، و مقتضى ذلك عدم الاجزاء قطعا.

و اما الثاني فعلى تقدير عدم الاجزاء فلا ينبغي الإشكال في انه‌

يسترجع منه

حيث انه لم يتعين بالدفع للزكاة، بل هو باق على ملك مالكه، بل الحكم كذلك و لو قلنا بتعينه بالدفع للزكاة، غاية الأمر انه يجب عليه الارتجاع حسبة كما يجب أو يجوز على الولي استرجاعه لأنه ولي له، و على تقدير الاجزاء فينبغي القول بعدم جواز الارتجاع حيث انه خرج عن عهدة المالك و صار بالدفع أجنبيا عنه، لكن في الجواهر انه إذا تمكن من إرجاعه جاز له ارتجاعه، بل وجب ذلك حسبة لانه مال الجهة الخاصة فلا يصرف في غيرها حتى لو قلنا بعدم وجوب البسط، لكن لا ريب في ان للمالك الخيرة في صرف الزكاة في الأصناف فمع فرض كون الدفع لهذه الجهة الخاصة تعين لها فلم يكن المكاتب مالكا للمال ليتصرف فيه كيف شاء انتهى.

200

و لا يخفى ما فيه من المنافاة بين القول بالاجزاء و جواز الارتجاع، فالأولى بنا المسألة على ان العبد يملك المقبوض بالقبض ملكا مطلقا فله التصرف فيه كيف يشاء كما حكى عن الشيخ (قده)، أو انه لا يملكه كذلك بل يتعين صرفه في الكتابة، فعلى الأول فيكون الدفع مجزيا للأمر، و لا رجوع، و على الأخير فله الرجوع، و لا اجزاء بل لو لم يتمكن من الرجوع يجب عليه الدفع ثانيا، اللهم الا ان يتعين المدفوع زكاة بالدفع حيث انه لا يجب عليه الدفع ثانيا و ان كان له الرجوع مع الإمكان.

4- لو صرفه العبد في غير الكتابة فمع بقاء العين عند من وصل اليه يجوز استرجاعه لما تقدم من انه ليس للعبد صرف ما يأخذه كيف يشاء بل المتعين عليه صرفه في الكتابة و مع تلفه يرجع الى القابض من العبد مع علمه بالحال، و اما مع جهله بالحال فالظاهر عدم استقرار الضمان عليه إذا كان القبض بعنوان المجان، بل لو رجع المالك الى العبد لا يرجع العبد إلى الأخذ، و لو رجع الى الأخذ الى العبد بعد عتقه بما غرم لقاعدة الضرر.

5- يصح صرف المأخوذ في أداء مال الكتابة فيما يستعان به على الأداء لأنه صرف في فك الرقبة، فلو تعذر الفك ارتجع ممن وصل اليه لانكشاف كون وصوله اليه وضعا للزكاة في غيره موضعها، و توهم كفاية صدق الصرف في الرقاب في الصرف فيما يتوصل به على الفك بقصد التوصل اليه و ان تخلف عن حصول المقصود مدفوع بما تقدم من ان الظاهر اعتبار ترتب الفك عليه على نحو المقدمة الموصلة فلا يكفى مطلق الصرف كما لا يخفى.

(السادس)

يجوز الاحتساب

على العبد إذا لم يصرف المقبوض في الفك‌

من باب سهم الفقراء إذا كان فقيرا

بعد فكه من غير اشكال، و اما مع عدم فكه كالدفع اليه ابتداء من سهم الفقراء ففيه اشكال لمنافاته مع إطلاق قوله ع:

و لو احتاج لم يعط من الزكاة شيئا، أو لا يعطى العبد من الزكاة شيئا مضافا الى المنع‌