مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى - ج10

- الشيخ محمد تقي‏ الآملي المزيد...
558 /
201

عن جواز تصرف المكاتب فيما يملكه كيف يشاء و لو من سهم الفقراء لما ذكروه من أحكام المكاتب من عدم جواز استبداده بالتصرف فيما يملكه فيما عدا الصرف في مال الكتابة، فما يملكه المكاتب لا يصير ملكا طلقا له بل يكون مربوطا بسيده، و من هذا شأنه يشكل دفع حق الفقير إليه لأنه لا يقدر على صرفه فيما يفتقر اليه، لكن في الشرائع و لو دفع اليه من سهم الفقراء لم يرتجع، و علله في المدارك بعد قوله و كان له التصرف فيه كان شاء بقوله لان الفقير لا يحكم عليه فيما يأخذه من الزكاة إجماعا، و لا يخفى ان عدم الا الحكم على الفقير فيما يأخذه متوقف على جواز أخذه الغير الثابت في العبد بما ذكرناه.

(السابع)

لو ادعى العبد انه مكاتب أو انه عاجز فان على صدقه أو أقام بينة قبل قوله

بلا اشكال‌

و الا

فمع تكذيب السيد إياه لم يقبل قوله قطعا لأن الأصل بقاء الرقية، و مع تصديقه له‌

ففي قبول قوله اشكال،

و قد نفى الخلاف عن قبوله في الجواهر، و نسبه في المدارك الى قطع الأصحاب، و علله في محكي التذكرة بأصالة العدالة، و بان الحق للمولى فيقبل إقراره فيه، ثم حكى القول بعدم القبول عن الشافعي معللا باحتمال التواطئى على الكذب لأخذ الزكاة، و فصل الشيخ بين من عرف ان له عبدا و بين من لم يعلم منه ذلك، و حكم في الأول بالقبول، و قال في الثاني عدم القبول أحوط، و لا يخفى ان أصالة العدالة غير ثابتة كما تقدم في مدعى الفقر، و كون الحق للمولى لا يوجب قبول قوله مطلقا حتى فيما لم يكن ضررا عليه كسقوط نفقة عبده عنه أو جواز أخذه الزكاة من باب سهم الرقاب، و اما تفصيل المحكي عن الشيخ فلعله انما هو لأجل أن تصديق المالك في كتابة هذا العبد أو غير كتابته من التصرفات الأخر فرع إحراز مالكيته، فمجرد صدور تصديق لمدعي الكتابة من شخص لم يعرف كونه مالكا لا يجدى في ثبوت دعواه، هذا و لكن الأقوى القبول مطلقا، و ذلك لقاعدة من ملك حيث ان للمولى السلطنة على مكاتبته فله الإقرار عليه، فسماع دعواه لا يتوقف على كون إقراره‌

202

عليه من جهة قاعدة إقرار العقلاء على أنفسهم نافذ، بل لمكان قاعدة من ملك الجارية في إثبات ما كان له من الآثار سواء كان للمقر أو عليه، و اما تفصيل الشيخ فلا يجري في مفروض الكلام مما يعترف العبد بالعبودية و يتفقان في الكتابة كما لا يخفى، و مما ذكرنا ظهر ضعف المحكي عن الشافعي بما لا مزيد عليه ضرورة أن التواطئى مجرد احتمال لا يقدح في إطلاق ما دل على حجية الإقرار، كل ذلك مع دعوى نفى الخلاف في قبوله أو قطع الأصحاب على القبول و لو لم يعلم حال السيد من التصديق أو التكذيب اما لفقده أو لغيره ففي قبول قول العبد حينئذ أقوال، فعن الأكثر القبول مطلقا بلا بينة و لا حلف معللا له في المعتبر و محكي التذكرة و المنتهى بأنه مسلم أخبر عن أمر ممكن فيقبل قوله، و بأصالة العدالة الثابتة للمسلم، و لا يخفى ما فيه من الوهن كما تقدم في مسألة مدعى الفقر، و قيل لا يقبل قوله الا بالبينة أو الحلف، و لكن اعترف في الجواهر بعدم القائل به من الخاصة و لا وجه له أيضا ضرورة عدم الدليل على قيام الحلف مقام البينة في إثبات مدعاه بعد فرض كونه مدعيا ليس وظيفته اليمين، و قيل لا يقبل قوله الا بالبينة، و نسبه في المدارك الى بعض العامة، و قال بان ظاهر عبارة الشرائع تحقق القائل بذلك من الأصحاب، ثم قواه و اختاره في الجواهر أيضا، و لا يخفى انه أشبه بقواعد المذهب.

(الثامن) لو ادعى المولى مكاتبة عبده فمع تصديق العبد إياه فالأقوى القبول كما يقبل قوله فيما لو لم يعلم بتصديق العبد أو تكذيبه، و ذلك لما تقدم من قاعدة من ملك فلا وجه لما في المتن من قوله:

كما ان في قبول قول المولى مع عدم العلم و البينة أيضا كذلك

أي إشكال‌

سواء صدقه العبد أو كذبه،

و مع تكذيب العبد إياه فالأقوى عدم القبول و ان تأمل في عدمه في الجواهر الا انه لا ينبغي التأمل فيه ضرورة عدم وجه وجيه لقبوله مع تكذيب العبد، لعدم جريان قاعدة من ملك حينئذ كما لا يخفى.

203

(التاسع) قال في المتن:

و يجوز إعطاء المكاتب من سهم الفقراء إذا كان عاجزا عن التكسب.

و هذا لا يخلو عن الاشكال كما تقدم الا ان الذي يسهل الخطب ان الاشكال فيه مبنى على وجوب البسط و هو ممنوع فيجوز الإعطاء لعدم فرض كونه مصرفا مطلقا، نعم تظهر الثمرة في عدم صرفه المدفوع في الكتابة فإنه على القول بجواز الدفع اليه من سهم الفقراء لا يرتجع منه بخلاف ما إذا كان الدفع من باب سهم الرقاب كما تقدم.

(العاشر) قد تقدم في الأمر الرابع انه يتخير المالك بين الدفع الى كل من المولى و العبد،

و

انه‌

يشترط اذن المولى في الدفع الى المكاتب

من غير إشكال إذا كان الدفع من باب الرقاب، و اما إذا كان من باب الفقراء ففيه اشكال من جهة الإشكال في أصل جواز الدفع اليه من باب الفقر و ان كان الظاهر عدم الإشكال في الدفع اليه بدون اذن المولى ان لم يكن إشكال في أصل الدفع اليه من باب الفقر، و ذلك لاقتضاء عقد الكتابة عموم الاذن له في أنواع الاستفادات التي منها الأخذ من الزكاة من باب الفقر لو قلنا بجوازه، فلا يحتاج فيه الى إذن جديد.

[الثاني العبد تحت الشدة]

(الثاني) العبد تحت الشدة و المرجع في صدق الشدة العرف فيشترى و يعتق خصوصا إذا كان مؤمنا في يد غير المؤمن.

لا إشكال في الجملة في جواز صرف الزكاة في شراء ما كان من العبيد تحت الشدة فيشترون و يعتقون للإجماع المحكي عليه على حد الاستفاضة، و رواية أبي بصير على نسخة الكافي عن الصادق (عليه السلام) قال سألته عن الرجل يجتمع عنده من الزكاة الخمسمائة و الستمائة يشتر بها نسمة و يعتقها، فقال ع: إذا يظلم قوما آخرين حقوقهم ثم مكث مليا ثم قال الا ان يكون عبدا مسلما في ضرورة فيشتريه و يعتقه، الا انه يجب البحث عن أمور.

(الأول) المصرح به في كلمات الأصحاب هو اعتبار كون العبد‌

204

تحت الشدة، و المذكور في رواية أبي بصير كما ترى اعتبار الضرورة قال الشيخ الأكبر الأنصاري (قده)، و الظاهر مرادفة الضرورة للشدة.

(الثاني) المرجع في صدق الشدة و الضرورة العرف لعدم التقدير في ذلك شرعا، و لكن حكى عن بعض ان أقلها أن يمنع من ايتان الصلاة في أول وقتها، و لا يخفى ما في إطلاقه، و لعله أريد به الدوام على ذلك و كيف كان فلا دليل على التقدير به إذا لم يوافق مع صدق العرف.

(الثالث) ظاهر موثقة أيوب بن الحر عن الصادق (عليه السلام) في مملوك يعرف هذا الأمر الذي نحن عليه اشتر به من الزكاة و أعتقه، قال: اشتره و أعتقه (الحديث)، كفاية كون العبد مؤمنا تحت سلطنة المخالفين في تحقق الشدة، و الرواية و ان كانت مطلقة عن قيد الشدة الا ان مقتضى الجمع بينها و بين رواية أبي بصير المتقدمة هو حملها على الشدة و لو باعتبار كونه تحت سلطتهم، و هذا و ان لم يخلو عن منع الا انه لا شبهة في انه إذا كان العبد في شدة من غير تلك الجهة يقوى جواز صرف الزكاة في شرائه إذا كان مؤمنا في يد غير مؤمن.

(الرابع) صريح رواية أبي بصير المتقدمة اعتبار كون العبد مسلما أيضا مع كونه في ضرورة، و لكن الأصحاب لم يقيدوه به، و لعل التقييد هو مرادهم و ان كانت عبائرهم خيالية عنه، و كيف كان فالأقوى اعتباره للرواية المذكورة.

(الخامس) ظاهر قوله ع في الرواية: فيشتريه و يعتقه توقف حصول العتق على الإعتاق بعد الشراء لا حصوله بنفس الشراء، و هو الموافق للقاعدة حيث ان للعتق صيغة خاصة و أسبابا مخصوصة، و الشراء من الزكاة ليس منها، و ربما احتمل حصوله بمجرد الشراء، و لعله استظهره من الآية الكريمة بدعوى ظهورها في حصول الفك بمجرد الدفع من غير حاجة الى سبب أخر، و لكن يدفعه ان ذلك يوجب اختصاص الرقاب حينئذ بالمكاتبين فلا تعمم حينئذ المقام الذي هو عبارة عن العبيد تحت الشدة، أو ما يأتي من مطلق العبد مع عدم وجود المستحق مما يحتاج‌

205

حصول العتق فيه الى سبب أخر فلا تقتضي حينئذ حصوله في غير المكاتب بمجرد الشراء بلا احتياج إلى الصيغة، و بما فصل بين ما إذا نوى العتق حين الشراء فيحصل العتق بالشراء، و بين ما لم يكن كذلك فيحتاج حينئذ إلى الإعتاق و لا وجه له أصلا.

(السادس) لو مات العبد قبل العتق فلا ضمان للزكاة للأمر به المقتضى امتثاله للاجزاء، و لو مات بعد العتق فهل ميراثه للإمام (عليه السلام) عند عدم ما عداه أو للفقراء، أو يفصل بين ما إذا اشترى من سهم الرقاب فللإمام (عليه السلام)، أو من سهم الفقراء فلارباب الزكاة (وجوه) أقواها الأول لعموم ما دل على انه وارث لمن لا وارث له، و استدل للثاني بعموم التعليل في الاخبار الدالة على كون الوارث للعبد الذي اشترى من الزكاة عند عدم وجود المستحق هو أهل الزكاة كما في موثقة أيوب، أو الفقراء كما في موثقة ابن عبيد بن زرارة بقوله ع: لانه اشترى بسهمهم، أو من مالهم كما في موثقة أيوب، و بمالهم كما في موثقة عبيد، و لكن يدفعه ان خبر عبيد يكون في القسم الأخير الاتى و هو شراء مطلق العبد مع عدم وجود المستحق، و ان الاستدلال بخير أيوب يصح فيما اشترى العبد من سهامهم لا من سهم الرقاب، و منه يظهر وجه التفصيل بين ما إذا اشترى من سهم الرقاب أو من سهم الفقراء بكون الإرث للإمام (عليه السلام) في الأول و لأهل الزكاة في الأخير و ان أورد عليه في المسالك بأنه لا أصل له في المذهب.

[ (الثالث) مطلق عتق العبد مع عدم وجود المستحق للزكاة]

(الثالث) مطلق عتق العبد مع عدم وجود المستحق للزكاة.

و في المعتبر ان عليه فقهاء الأصحاب، و عن المنتهى نسبته إلى أصحابنا، و يدل عليه موثقة عبيد بن زرارة قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل اخرج زكاة ماله ألف درهم فلم يجد موضعا يدفع ذلك اليه فنظر في مملوك يباع فيمن يزيده فاشتراه بتلك الالف الدرهم التي أخرجها من زكوته فأعتقه هل يجوز ذلك، قال: نعم لا بأس بذلك، قلت فإنه لما أعتق و صار حر اتجر و احترف فأصاب‌

206

مالا ثم مات و ليس له وارث فمن يرثه؟ قال: يرثه الفقراء و المؤمنون اللذين يستحقون الزكاة لأنه انما اشترى بمالهم، و لا إشكال في أصل الحكم في الجملة إنما الكلام في أمور.

(الأول) المستفاد من ظاهر غير واحد من الأصحاب كون شراء العبد و عتقه في هذا القسم أيضا من باب سهم الرقاب، و المحكي عن آخرين اقتصار سهم الرقاب بالأوليين أعني صرف الزكاة في أداء مال الكتابة و شراء العبد الذي يكون تحت الشدة، و قد أتعب الجواهر نفسه الزكية باستظهار الأخير من جملة من العبائر، و تصدى لنقل عبائرهم، و الانصاف أن استظهاره لا يخلو عن منع حيث ان الظاهر ممن قصر سهم الرقاب في القسمين الأوليين انما هو في مقام بيان المصرف الخاص الجامع مع سائر المصارف في التقسيط و البسط الراجح، أو الواجب، و هو منحصر بهما ضرورة تقييد هذا القسم اعنى القسم الثالث بصورة عدم المستحق، فجعل سهم الرقاب القسمين الأوليين لا يدل على خروج القسم الثالث عنه عنده هذا بحسب ما يستظهر من الفتاوى، و اما المستفاد من الدليل فقد استشكل في استفادة إدخال هذا القسم في سهم الرقاب، اما الآية اعنى قوله تعالى، وَ فِي الرِّقٰابِ فبمنع عمومها، أو إطلاقها حتى يشمل هذا القسم بل هي مجملة من هذه الجهة، و اما موثقة عبيد المتقدمة فبالمنع عن دلالتها على كونه من سهم الرقاب لعدم تصريح و لا اشارة لها على ذلك، بل انما هي تدل على جواز شراء العبد من الزكاة بل المستفاد من قوله: اخرج زكاة ماله ألف درهم هو كون الشراء بتمام الزكاة حيث انه يدل على كون الالف تمام ما عليه من الزكاة، و انه ما وجد موضعا لها من الأصناف الثمانية، و ان كان ذيله يدل على كون شرائه حينئذ من سهم الفقراء، و بالجملة فما ذكروه من عدم دلالة الموثقة على كون الشراء من سهم الرقاب في محله.

(الثاني) جوز العلامة في القواعد إعتاق العبد من الزكاة و شراء الأب‌

207

منها مطلقا و لو لم يكن تحت الشدة و مع وجود المستحق، و قواه ولده، و حكى عن المفيد و الحلي أيضا، و اختاره في المدارك، و قال (قده): و هو جيد لإطلاق الآية و خبر أيوب بن الحر المتقدم في الأمر الثالث من الأمور المذكورين في القسم الثاني، و خبر الوابشى عن الصادق (عليه السلام) قال سأله بعض أصحابنا عن رجل اشترى أباه من الزكاة زكاة ماله، قال ع: اشترى خير رقبة لا بأس بذلك، هذا و لكن الأقوى عدم الجواز لمنع الإطلاق في الآية كما تقدم في الأمر الأول، و خبر أيوب و ان كان مطلقا الا انه يقيد برواية أبي بصير المتقدمة، و القول بان ارتكاب التقييد فيه ليس بأهون من حمل النهي المستفاد من خبر ابى بصير على الكراهة مدفوع بأنه مخالف لما قرر في باب المطلق و المقيد كما لا يخفى، و خبر الواشى يدل على جواز شراء الأب بزكاة الابن في موضع جواز شراء العبد بالزكاة و لا نظر لا في تعيين موضع جوازه حتى يتمسك بإطلاقه، و بالجملة فالقول بعدم الجواز مع فقد القيدين اعنى كون العبد في الشدة و عدم وجود المستحق قوى جدا.

(الثالث) قال المصنف (قده)

و نية الزكاة في هذا و السابق عند دفع الثمن إلى البائع و الأحوط الاستمرار بها الى حين الإعتاق.

و اعلم ان في كون وقت نية الزكاة في هذين القسمين اعنى شراء العبد الذي يكون تحت الشدة و شرائه مطلقا مع عدم وجود المستحق وقت دفع الثمن إلى البائع، أو وقت الشراء كما نفى عنه البعد الشيخ الأكبر (قده) في رسالة الزكاة و اختاره المحقق الهمداني في مصباحه، أو وقت العتق تعيينا كما عن المسالك و حواشي القواعد و اختاره في الجواهر، أو التخيير في نيتها في إحدى الوقتين كما في الروضة و ظاهر الشيخ الأكبر في رسالة الزكاة (وجوه) من كون وقت دفع الثمن إلى البائع وقت صرف الزكاة كما يشهد له قول الصادق (عليه السلام) في خبري أيوب و عبيد المتقدمين: لانه اشترى بمالهم إذ كون الاشتراء بمال الفقراء لا تتحقق الا بتعين كون الدفع إلى البائع من الزكاة فيحتاج الى نيتها في هذا الوقت اعنى وقت دفع‌

208

الثمن اليه، و من ان دفع الثمن خصوصا إذا كان بعد إجراء الصيغة لكونه مقتضى البيع يكون إيصاله إلى الفقراء بعتقه عنهم فيجب ان تكون النية عنده، و من انه يحصل الامتثال بكل من العتق و الدفع اما بالعتق فلما عرفت من كونه إيصال الثمن الى أهل الزكاة بإيقاع العتق عنهم، و اما بالدفع فباعتبار وقوع الشراء لهم و لذلك ينتقل العبد الى أهل الزكاة و يكون ولائه لهم، و لا يخفى ان الأقوى هو الأول، ضرورة ان وقوع البيع بما لهم و انتقال العبد إليهم يحتاج إلى صيرورة الثمن ملكا لهم و هي متوقفة على النية كما لا يخفى.

اللهم الا ان يمنع عن انتقال العبد إليهم، و لذا يجوز له صرف العبد في غير مورد الزكاة بان لا يعتقه بل يبقيه في ملكه لنفسه أو يخرجه عن ملكه ببيع و نحوه، أو يعتقه في غير مصرف الزكاة من كفارة و نحوها أو تبرعا، و يخرج زكوته في جميع هذه الصور من غيره و غير الثمن الذي اشتراه به من بقية أمواله كما ان اللازم مما ذكرنا انتقال الثمن إلى المزكي لو انحل عقد البيع بفسخه أو فسخ البائع لو كان لهما خيار، أو بإقالة له منهما و الإلزام بدخول الثمن في ملك أهل الصدقة بعد الفسخ أو الإقالة بعيد جدا، و لم أر من تعرض لتنقيح هذه الفروع، و بالجملة فالظاهر تعين كون النية وقت العتق الذي به يخرج المال عن ملك المالك المزكى و يتعين كونه صدقة بمعنى كون العتق مصداقا لإخراج الزكاة و فردا للتصدق، و لكن الأحوط كما في المتن ان ينوي حين البيع و يستمر الى وقت الإعتاق، و يترتب على كون لزوم وقت النية هو وقت دفع الثمن إلى البائع الاحتياج الى العتق مطلقا حتى فيما إذا اشتراه أباه بالزكاة، لان بالاشتراء ينتقل الأب المشتري الى أهل الصدقة فلا بد من العتق عنهم في إعتاقه، بخلاف كون الاعتبار في وقت النية وقت العتق حيث ان الأب حينئذ ينتقل الى الدافع المشتري فيعتق عليه بالاشتراء، غاية الأمر يحسب عليه من باب الزكاة فلا يحتاج الى العتق بعد الشراء.

209

(الرابع) مقتضى خبر عبيد و أيوب المتقدمين كون ولاء العتق لأهل الصدقة و قد علل فيهما بكون العبد اشترى بمالهم، و هل هذا الحكم يختص بهذا القسم اعنى فيما إذا اشترى بمالهم، و هل هذا الحكم يختص بهذا القسم اعنى فيما إذا اشترى العبد من الزكاة مع عدم المستحق و يكون الولاء في القسم الثاني للإمام ع إذا لم يكن للعبد وارثا غيره، أو يعم القسم الثاني أعني ما إذا اشترى العبد الذي تحت الشدة من الزكاة (قولان) أقربهما الأول لعموم ما دل على ان الامام (عليه السلام) وارث لمن لا وارث له، و بان القسم الثاني يكون من الرقاب بلا خلاف، و الرقاب من مصارف الزكاة في عرض سائر المصارف، فليس الصرف فيه صرف ما لأهل الصدقة في غيره بل هو صرف في مصرف أهلها لكونه من مصارفها، بخلاف هذا القسم اعنى ما إذا اشترى العبد الذي ليس في الشدة من الزكاة مع عدم المستحق، فان العبد في غير الشدة ليس من المصارف فهو ان اشترى يكون بمال أهل الزكاة، و استدل للأخير بعموم التعليل في الخبرين المذكورين، و يدفعه اختصاص مورد خبر عبيد بهذا القسم الأخير، و ان الاستدلال بخبر أيوب يصح فيما إذا اشترى العبد من السهام الأخر عدا سهم الرقاب و هو ممنوع، و قد تقدم الكلام في ذلك في الأمر السادس من الأمور المذكورة في القسم الثاني.

(الخامس) المحكي عن الأكثر كون الميراث في هذا القسم لأهل الزكاة لا لخصوص الفقراء، و يدل عليه خبر أيوب الذي فيه ان ميراثه لأهل الزكاة و لا ينافيه خبر عبيد الذي فيه يرثه الفقراء المؤمنون، و ذلك لعدم دلالته على الانحصار بل الظاهر انه لبيان أظهر أفراد أهل الزكاة و هو الفقراء، و المحكي عن المفيد هو كونه للفقراء، و يستدل له بظاهر خبر عبيد، و بان الأصل في باب الزكاة هو تشريعها للفقراء كما يدل ما ورد من تشريك اللّه سبحانه إياهم مع الأغنياء، فيكون الصرف في غيرهم من باب صرف ما جعل لهم في مصرف‌

210

أخر و لذا يقال بكون الولاء لهم حتى في القسم الثاني أعني العبيد تحت الشدة، و بان خبر عبيد أخص من خبر أيوب فيقيد به إطلاقه، و يدفعه ما تقدم من ظهور خبر عبيد في كون ذكر الفقراء لأجل كونهم من أشيع افراد المستحقين لا لبيان الانحصار، و بذلك يجاب عما ورد من تشريك اللّه سبحانه الفقراء مع الأغنياء، فإنه في مقام بيان حكمة تشريع الزكاة فلا منافاة بينه و بين جعل بقية السهام في عرض سهم الفقراء، و ان كانت الحكمة في جعل السهم للفقراء آكد من حكمة جعل بقية السهام.

(السادس) الظاهر كون ولاء العتق لأهل الزكاة اللذين منهم الفقراء مطلقا، و لا يتقيد كونه للفقراء مثلا بما إذا نوى الاشتراء عنهم و الإعتاق عنهم لكي لو اشترى من سهم سبيل اللّه مثلا انتفى ذلك، و لا يكون الولاء لهم، و ذلك لان التعليل المذكور حكمة للحكم مبنية على ما هو المستفاد من الروايات الكثيرة من كون الحكمة في تشريع الزكاة للفقراء أكد، و ان أصل الزكاة موضوعة لهم فيجوز إعطاء ارث المعتق بالفقراء مثلا و لو نوى شرائه من سهم سبيل اللّه كالعكس اعنى صرف الإرث في سبيل اللّه إذا نوى الشراء من سهم الفقراء و هكذا،

[السادس من أصناف المستحقين الغارمون]

(السادس)

من أصناف المستحقين‌

الغارمون و هم الذين ركبتهم الديون و عجزوا عن أدائها و ان كانوا مالكين لقوت سنتهم.

أصل العزم في اللغة لزوم ما يشق نقله كما في تفسير الرازي عن الزجاج، و قال الغرام العذاب اللازم و سمى العشق غراما لكونه امرا شاقا على الإنسان و لازما و منه فلان مغرم بالنساء إذا كان مولعا بهن و سمى الدين غرما لكونه شاقا على الإنسان و لازما له، و قال في الجواهر في تفسير الغارمين بأنهم لغة المدينون، و لكن المراد بهم شرعا هنا الذين علتهم الديون في غير معصية انتهى.

و الظاهر ان غرضه من الاستدراك هو اشتراط كون الدين في غير معصية، و الظاهر ان اعتباره ليس بلحاظ أخذه في مفهوم الغارمين حتى يكون عرفا خاصا،

211

ثم لا يخفى ما في قوله: المراد بهم شرعا الظاهر في كون مفهوم الغارمين كذلك شرعا ثم في قوله هم لغة المدينون لا يخلو عن شي‌ء، و الصواب ان يقال انه في اللغة بالمعنى المتقدم المحكي عن الزجاج و يطلق على كل من المديون و الدائن على نحو الحمل الصناعي، لا انه في اللغة بمعنى المديون و فسرهم الأصحاب كما في أكثر كتبهم بأنهم المدينون في غير معصية، و الظاهر انهم أرادوا بيان موضوع الحكم مع قيوده لا ان لهم اصطلاح خاص في ذلك، و بالجملة لا اشكال و لا خلاف في صرف الزكاة في أداء دين المديونين في الجملة، و قد نطق به الكتاب الكريم و دل عليه الاخبار، ففي الكافي عن محمد بن سليمان عن رجل من أهل الجزيرة يكنى أبا نجاد، قال سئل الرضا (عليه السلام) رجل و انا اسمع، فقال له جعلت فداك ان اللّه عز و جل يقول وَ إِنْ كٰانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ أخبرني عن هذه النظرة التي ذكرها اللّه تعالى في كتابه لها حد يعرف إذا صار هذا المعسر اليه لا بد من ان ينظر و قد أخذ مال الرجل و أنفقه على عياله، و ليس له غلة ينتظر إدراكها و لا دين ينتظر محله، و لا مال غائب ينتظر قدومه، قال: نعم ينتظر بقدر ما ينتهى خبره الى الامام فيقضي عنه ما عليه من الدين من سهم الغارمين إذا كان أنفقه في طاعة اللّه عز و جل فان كان أنفقه في معصية اللّه فلا شي‌ء على الامام له، و عن صباح بن سبابة عن الصادق (عليه السلام) قال قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله): أيما مؤمن أو مسلم مات و ترك دنيا لم يكن في فساد و لا إسراف فعلى الامام ان يقضيه فان لم يقضه فعليه اثم ذلك ان اللّه تبارك و تعالى يقول إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ لِلْفُقَرٰاءِ وَ الْمَسٰاكِينِ الآية فهو من الغارمين و له سهم عند الإمام فإن حبسه عنه فإثمه عليه، و في معنى هذين الخبرين غيرهما من الاخبار، و انما الكلام في أمور.

(الأول) لا اشكال بل و لا خلاف في اشتراط عجز الغارم عن أداء دينه فلو كان متمكنا من ذلك لم يقض عنه، و يدل عليه مضافا الى الإجماعات المحكية على حد التظافر و كونه مناسبا لحكمة تشريع الزكاة المستفاد من الاخبار من كونها‌

212

موضوعة لسد خلة المحتاجين لا لصلة الأغنياء المروي عن زرارة قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) رجل حلت عليه الزكاة و مات أبوه و عليه دين أ يؤدي زكوته في دين أبيه و للابن مال كثير، فقال ع: ان كان أبوه أورثه مالا ثم ظهر عليه دين لم يعلم يومئذ فيقضيه عنه قضاء من جميع الميراث و لم يقضه من الزكاة، و ان لم يكن أورثه مالا لم يكن أحد أحق بزكوته من دين أبيه فإذا أداها في دين أبيه على هذه الحال أجزأت عنه، بل يمكن الاستدلال بالخبرين المتقدمين، فان مورد الأول منهما انما هو المديون الذي ذو عسرة، و الثاني دال على وجوب القضاء من سهم الغارمين على الامام، و انه لو لم يؤد يكون اثما، و من المعلوم ضرورة عدم وجوب القضاء مع غناء المديون قطعا، لكن يرد الاستدلال بهما انهما لا يدلان على جواز القضاء مع اليسار لا انهما يدلان على اشتراط القضاء بالعسر، فالاستدلال بهما و بما في معناهما كما في الحدائق ضعيف كما لا يخفى.

و لعل هذا هو السر في عدم الاستدلال بها في غيره، ثم انه قد وقع الخلاف في التعبير عن هذا الشرط، فعن جماعة منهم التصريح باعتبار العجز عن أداء الدين، و عن جملة منهم اعتبار الفقر، و اختلف في تفسير الفقر هاهنا، فعن بعضهم تفسيره بما في غير المقام من ان الفقير من لا يملك مؤنة سنة نفسه و عياله الواجبي النفقة فعلا أو قوة، و على هذا فبين العاجز عن أداء الدين و بين الفقير عموم من وجه إذ رب شخص له كسب أو ضيعة أو مال و أف بمؤنته و لكنه عاجز عن أداء دينه، و رب شخص لا يملك مؤنة سنته و لكنه يتمكن من أداء دينه و مورد اجتماع العنوانين واضح.

و منهم من فسّر الفقر في هذا الموضع بالحاجة إلى أداء الدين فيكون مرادفا مع العجز، و هذا هو الظاهر ممن يعبر بالفقر لعدم الخلاف في جواز صرف هذا السهم في أداء الدين من عجز عن أدائه و لو لم يكن فقيرا بالمعنى المتقدم بان كان مالكا لقوة السنة فعلا أو قوة، و على هذا فيجب إعطائه من خصوص‌

213

سهم الغارمين دون سهم الفقراء، و لا يجوز إعطائه بأكثر مما يؤدى به دينه.

و منهم من جعل النسبة بين الغارم و بين الفقير أخص مطلق باخصية الغارم عن الفقير، و ذلك بجعل الفقير مطلق المحتاج المخصوص الى المؤنة الفاقد لها و لو كان الاحتياج الى تفريغ ذمته عن الحقوق الواجبة، و الغارم هو المحتاج المخصوص، و على هذا فيجوز إعطائه من سهم الفقراء كما يصح إعطائه من سهم الغارمين، و لا يجب الاقتصار بما يؤدي به دينه، و هذا هو الذي صرح به في الجواهر، و قال (قده): بان الفقير من يعجز عن مؤنة السنة و عن قضاء الدين أو عن أحدهما، و يقابله الغنى و هو الذي يملك مؤنة السنة فعلا أو قوة و يقدر على قضاء دينه، و على هذا فالغارم قسم من الغنى فمقابلة الغارمين مع الفقراء في الآية يمكن ان يكون لبيان كون العزم مصرفا من مصارف الزكاة و ان لم يصدق على الغارم انه فقير كالميت و نحوه، فالغرض تعداد المصارف و يكفى هذا الاعتبار في المقابلة انتهى.

و ثاني الوجوه هو الأقوى، و ذلك لانسباق العجز عن مؤنة السنة عن الفقر لغة و عرفا لا الأعم منه، و من العجز عن أداء ما يجب عليه، و حينئذ فلا يجوز إعطائه من سهم الفقراء مع ملكه لمؤنة سنته كما لا يجوز إعطائه بأزيد مما يفي به دينه و ان من كان مالكا لمؤنة سنته و كان عليه دين يتمكن من أدائه من هذا المال المحتاج إليه في نفقته لا يجوز له أخذ الزكاة مطلقا لا من سهم الفقراء و لا من سهم الغارمين، اما من سهم الفقراء فلانه مع ملكه لمؤنة سنته لا يكون فقيرا، و اما من سهم الغارمين فلتمكنه من أداء دينه و لو مما يحتاج اليه من نفقته، و لكن المحكي عن العلامة جواز إعطائه الزكاة حينئذ معللا بانتفاء الفائدة في ان يدفع ماله ثم يأخذ الزكاة باعتبار الفقر، و استظهر المدارك من كلامه انه يريد ان يقول بالدفع إليه حينئذ من سهم الغارمين لا من الفقراء، و ما استظهره في محله، و ان حمل صاحب الجواهر (قده) كلامه على ارادة شمول الفقر للحاجة إلى قضاء الدين‌

214

الا انه أورد عليه ببطلان تعليله، و ان الاولى ان يعلل بأنه فقير لقصور ما عنده عن مؤنة سنته التي منها وفاء الدين، لكنه كما ترى و كيف كان فالمعتبر في جواز الدفع الى الغارم ان يكون عاجزا عن أداء دينه سواء سمى بذلك فقيرا أم لا.

(الثاني)

يشترط ان لا يكون الدين مصروفا في المعصيةو الا لم يقض من هذا السهم.

و لم ينقل في ذلك خلافا بل عن جملة من الأساطين دعوى الإجماع عليه، و استدل له بما في تفسير القمي عن العالم ع في تفسير الغارمين: بأنهم قوم قد وقعت عليهم ديون أنفقوها في طاعة اللّه من غير إسراف فيجب على الامام ع ان يقضى عنهم و يكفلهم من مال الصدقات، و قول على (عليه السلام) في خبر حسين بن علو ان يعطى المستدينون من الصدقة و الزكاة دينهم كله ما بلغ إذا استدانوا في غير إسراف، و قول الرضا (عليه السلام) في خبر محمد بن سليمان فيقضى عنه ما عليه من الدين من سهم الغارمين إذا كان أنفقه في طاعة اللّه عز و جل فان كان قد أنفقه في معصية اللّه فلا شي‌ء له على الامام، و بان الزكاة شرعت إرفاقا بالفقراء فلا تناسب المعصية، و بان في وفاء دينها منها إغراء بالقبيح و هو قبيح، و بدعوى انصراف إطلاق الآية و الاخبار الدالة على جواز صرف الزكاة في دين الغارمين عن الدين المصروف في معصية، و هذا في الجملة مما لا ينبغي الإشكال فيه، انما الكلام فيما قاله المصنف (قده) و جماعة أخرى من قوله.

و ان جاز إعطائه من سهم الفقراء سواء تاب أو لم يتب بناء على عدم اشتراط العدالة في الفقير و كونه مالكا لقوت سنته لا ينافي فقره لأجل وفاء الدين الذي لا يفي كسبه أو ما عنده به.

فإنه متوقف على ما تقدم من صاحب الجواهر من كون العزم أخص من الفقر فكل غارم غير متمكن من الأداء فقير و ان كان مالكا لقوت السنة فيجوز إعطائه الزكاة من باب فقيرة إذا تاب بل و لو لم يتب بناء على عدم اشتراط العدالة‌

215

في الفقير، و لكنه ضعيف لما عرفت من ان الأقوى عدم اعتبار التمكن من أداء ما عليه في الغنى، بل المعتبر فيه هو التمكن من قوت السنة فعلا أو قوة و لو كان عاجزا عن أداء ما عليه، و عليه جملة من الأصحاب كالشهيد الثاني و الميسي و المحقق في المعتبر، و صاحب المدارك حيث ذكروا ان الغارم في المعصية يعطى من سهم الفقراء إذا كان بصفة الفقر، فان تقييد هم جواز الإعطاء بما إذا كان بصفة الفقر يدل على ذهابهم بعدم أخصية الغارم عن الفقير و الا لم يكن وجه للتقييد المذكور.

قال في المسالك: و في المسألة إشكال و هو انه مع صرف المال في المعصية ان لم يجز وفائه من سهم الغارمين لم يجز من سهم الفقراء و ان تاب، لان الدين لا يدخل في سهم الفقراء و الا لم يكن الغرم قسيما للفقر بل قسما منه، بل اما ان يكون التوبة مسوغة للدفع اليه من سهم الغارمين أو سهم سبيل اللّه، و اما ان لا يجوز الدفع اليه لوفاء دين المعصية مطلقا، و قد لزم من ذلك احتمالات عدم الجواز مطلقا اعتبارا بالمعصية المانعة ذكره العلامة حكاية و الجواز مع التوبة من سهم الفقراء و هو الذي اختاره الشيخ و تبعه عليه جماعة، و الجواز معها من سهم الغارمين، و اختاره المصنف في بعض فتاواه، و الجواز معها من سهل سبيل اللّه و هو متجه، ثم قال (قده): و يمكن حل الإشكال بأن الفقير و ان لم يعط بسبب الفقر الا قوت السنة لكن إذا دفع اليه ذلك ملكه و جاز له صرفه حيث شاء، فيجوز له صرفه في الدين مع ان إعطائه قوت السنة انما هو مع الدفع تدريجا اما دفعة فلا، نعم لو لم يكن فقيرا بان كان مالكا لقوت سنته لم يتوجه على ذلك إعطائه من سهم الفقراء لعدم الفقر و لا من سهم الغارمين لانفاقه في المعصية، فيجب ان يقيد كلام المصنف في جواز إعطائه من سهم الفقراء بكونه فقيرا انتهى ما في المسالك.

و أورد عليه في الجواهر بناء على ما اختاره من أخصية العزم عن الفقر‌

216

بعدم الحاجة الى التقييد بكونه فقيرا فإنه يعطى المالك لقوت سنته من حيث الفقر بسبب ما عليه من الدين و ان كان قد صرفه في معصية لكن بشرط التوبة، فإن دين المعصية و ان كان لا يقضى من سهم الغارمين لكنه يؤثر في الغارم صفة الفقر فيعطى من هذه الجهة، و لا يخفى ما في كلامه زيد في علو مقامه، فان دعوى ان المراد من الروايات منعه من حيث الغرم لا من حيث الفقر مع فرض عدم انفكاك الثاني عن الأول لا خصية الأول عنه ضعيفة في الغاية، و بالجملة فالأقوى عدم جواز إعطائه من حيث الفقر إذا كان مالكا لمؤنة سنته، و اما مع فقره فيجوز مع التوبة قطعا، و مع عدمها فلا يجوز بناء على اشتراط العدالة أو اجتناب الكبائر في الأخذ و مع عدمه فلا يخلو عن الاشكال من جهة كونه إغراء بالقبيح لو تم القول به، هذا بالنسبة إلى إعطائه من سهم الفقراء، و اما إذا اعطى من سهم سبيل اللّه فالأقوى جوازه كما افاده المصنف بقوله:

و كذا يجوز إعطائه من سهم سبيل اللّه.

و في اشتراط توبته وجهان: من عدم الدليل عليه، و: من ان الإعطاء بدون التوبة لا قربة فيه لما فيه من الإغراء بالقبيح و هذا أحوط.

و لو شك في انه صرفه في المعصية أم لا فالأقوى جواز إعطائه من هذا السهم و ان كان الأحوط خلافه.

إذا شك في ان الغارم فيما إذا أنفق الدين من معصية أو غيرها ففي جواز إعطائه من سهم الغارمين قولان، و المحكي عن نهاية الشيخ انه يمنع عنه، و نسب الى المشهور الميل اليه، و الأكثر بل قيل انه المشهور هو جواز الإعطاء و استدل للاول بما في خبر محمد بن سليمان المتقدم المروي في الكافي، و فيه قلت فما لهذا الرجل الذي ائتمنه و هو لا يعلم في طاعة اللّه أنفقه أو في معصيته، فأجابه يسعى له فيما له فيرده عليه و هو صاغر.

و بظهور الاخبار في اشتراط جواز الدفع من سهم الغارمين بكون الاستدانة في غير معصية اللّه فيحتاج إلى إحراز الشرط فما لم يحرز لم يجز الدفع‌

217

لأصالة عدمه، و أجيب عن الأول تارة بأن الرواية ضعيفة السند فلا يمكن التعويل عليها في إثبات حكم مخالف للأصل، لأن الأصل في تصرفات المسلم وقوعها على الوجه المشروع، و اخرى بمنع الدلالة إذا السؤال انما هو عن تكليف الدائن، فإنه بعد ان سمع من الامام ع انه لو كان أنفقه في معصية اللّه لا شي‌ء له على الامام تحير في حق الدائن من أنه أين يذهب حقه بعد ان المديون لا يتمكن من الأداء و لا يؤديه الإمام ع أيضا، فسئل الامام ع عن حقه حينئذ فأجابه ع بان على المديون السعي في ماله و رده اليه و هو صاغر، و انما فرض جهل الدائن فيما إذا أنفقه المديون للمبالغة في نفى صدور فعل منه يناسب حرمانه عن ماله، و كونه بريئا عن المعصية المصروف فيها المال و الا فحق الكلام ان يقول: و إذا لم يؤده الإمام ع فما ذا يصنع صاحب الدين مع انه ليس للمديون شي‌ء يؤديه.

و عن الثاني بمنع ظهور الاخبار في شرطية كون الاستدانة في غير المعصية، بل المستظهر منها مانعية كونها في المعصية، فان في خير محمد بن سليمان و ان جعل شرط الجواز كون الدين مصروفا في الطاعة لكن بقرينة مقابلة الطاعة مع المعصية في قوله: فان كان قد أنفقه في معصية اللّه فلا شي‌ء له على الامام يستكشف كون المناط في المنع هو الصرف في المعصية فيكون الصرف فيها مانعا لا الصرف في في غيرها شرطا، و لا يمكن جعل الصرف في المعصية مانعا مع جعل الصرف في غيرها شرطا لاستحالة جعل احد الضدين شرطا و الضد الأخر مانعا كما نقحناه في الأصول، و يدل على استظهار المانعية أيضا ما في خبر حسين بن علو ان إذا استدانوا من غير إسراف، و كذا غيره من الاخبار.

و اخرى بإمكان إحراز الشرط بأصالة الصحة على تقدير تسليم الشرطية حيث انهاكما في الجواهر من العلم الشرعي، و قد بنيت عليه العبادات و المعاملات، قلت اما المنع عن التمسك بالخبر بادعاء كونه ضعيف السند ففيه انه لا وجه له بعد كونه مرويا في الكافي، و قد عمل به كيف و هو الوجه للمنع عن صرف الزكاة‌

218

فيما إذا اتفق الدين في معصية اللّه و هو كاف في الاستناد اليه، و اما المنع عن دلالته بما تقدم ففيه ان مورد الرواية و ان كان هو السؤال عن جهل صاحب الدين الا انه يستكشف منه ان مع الجهل بكيفية صرف المديون لا يعطى اليه، بل يجب عليه الأداء و هو صاغر و لو كان الجاهل هو الدافع.

و اما استظهار مانعية الصرف في المعصية فالظاهر انه حق لا غبار عليه، و عليه فيمكن إحراز المانع بالأصل كما في كل مورد شك فيه، و اما إحراز الشرط بأصالة الصحة ففيه كلام يأتي تفصيله، و استدل للقول الثاني بعموم الأدلة و إطلاقها، و باستظهار مانعية الصرف في المعصية فيحرز عدمه بالأصل، و بالشك في شرطية الصرف في غير المعصية أو مانعية الصرف فيها على تقدير المنع عن ظهور الاخبار في المانعية بدعوى منع ظهورها في الشرطية، و بإمكان إحراز الشرط بأصالة الصحة على تقدير تسليم الشرطية، و بقاعدة العسر و الحرج.

قلت اما التمسك بعموم الأدلة و إطلاقها ففيه انه لا مورد له بعد تخصيصها أو تقييدها بما يدل على اعتبار الصرف في غير المعصية، و لا ينبغي القول بان الخارج عن عموم الدليل أو إطلاقه هو ما علم بصرفه في المعصية فيكون المشكوك صرفه في الطاعة و المعصية باقيا تحت عموم الدليل، و ذلك لان الخارج عن عموم الدليل هو المصروف في المعصية واقعا، و يكون المشكوك مرددا بين ان يكون من افراد الباقي أو المخرج و لا يصح معه إدراجه في تحت العموم لكونه من قبيل التمسك بالعموم في الشبهة المصداقية للمخصص، و اما استظهار مانعية الصرف في المعصية فقد عرفت انه حق لا غبار عليه و اما الشك في الشرطية و المانعية فهو لا ينفع في ترتيب آثار المانعية عليه ما لم يحرز مانعيته، و اما إحراز الشرط بأصالة الصحة على تقدير تسليم الشرطية فالظاهر انه مما لا اشكال فيه كما يترتب أثار الصحة في كلما يجرى فيه أصالة الصحة عند الشك فيها، و اما قاعدة العسر فهي لا عبرة بها في أمثال المقام مما يريد إثبات الحكم الشرعي بالدليل، و انما‌

219

ينفع في مورد نفى الحكم الثابت بالدليل في مورد طرو العسر أو الضرر، و قد حققنا القول في ذلك في مطاوي هذا الكتاب غيره مرة، و بالجملة فالأقوى كما عليه الأكثر بل المشهور انه لا يمنع المشكوك صرفه في المعصية أو غير المعصية هذا بالنسبة إلى حكم المعطى.

و اما الأخذ‌

فلا يجوز له الأخذ إذا كان قد صرفه في المعصية قطعا

و هنا أمور.

(الأول):

لو كان معذورا في الصرف في المعصية لجهل أو اضطرار أو نسيان أو نحو ذلك لا بأس بإعطائه، و كذا لو صرفه فيها في حال عدم التكليف لصغر أو جنون.

و ذلك لما عرفت من مطاوي الأخبار الواردة في المقام من كون المدار في المنع هو الصرف في المعصية و مع العذر فيه لا عصيان و ان كان الخطاب باقيا، الا انه لا يعد مخالفته عصيانا فيرتفع المانع بارتفاع العصيان، نعم في الجهل بالحكم مع عدم المعذورية فيه يتحقق العصيان، فلا يجوز إعطائه بخلاف ما إذا كان معذورا كالقاصر فإطلاق ما في المتن‌

بأنه لا فرق في الجاهل بين كونه جاهلا بالموضوع أو الحكم

ليس على ما ينبغي، بل يجب تقييده بالمعذور في جهله، و الا يكون كالعالم.

(الثاني) لا فرق في دين المعصية بين ان يكون الصرف في المعصية، و بين ان يكون الدين بالمعصية، فلو اشتغل ذمته بمال الغير لأجل أخذه غصبا أو سرقة أو غيلة أو إتلاف ماله عمدا عدوانا فلا يجوز إعطائه لكونه دينا في معصية اللّه و في غير طاعته.

(الثالث) الأقوى كون المدار في المنع على الإنفاق في المعصية لا الإنفاق في غير الطاعة، فلا فرق في الإنفاق بين الواجب و المستحب و المباح و المكروه لعدم تحقق الصرف في المعصية في الجميع.

220

[مسألة 16- لا فرق بين أقسام الدين]

مسألة 16- لا فرق بين أقسام الدين من قرض أو ثمن مبيع أو ضمان مال أو عوض صلح أو نحو ذلك كما لو كان من باب غرامة إتلاف فلو كان الإتلاف جهلا أو نسيانا و لم يتمكن من أداء العوض يجوز إعطائه من هذا السهم بخلاف ما لو كان على وجه العمد و العدوان.

لظهور كون المراد من الغرم هنا كلما اشتغلت الذمة به لا خصوص الاستدانات، و التخصيص بما عدا وجه العمد و العدوان لما عرفت من كون وجه العمد و العدوان من الدين في المعصية.

[مسألة 17 إذا كان دينه مؤجلا]

مسألة 17 إذا كان دينه مؤجلا فالأحوط عدم الإعطاء من هذا السهم قبل حلول اجله.

لما استفيد من جملة ما ورد في باب الزكاة من كونها جعلت لدفع ضرورة المحتاجين و ما به يرفع اضطرار المضطرين، و مع عدم حلول الأجل لا ضرورة و لا اضطرار في البين‌

و ان كان الأقوى الجواز

لإطلاق النص و الفتوى، لكن الأقوى انصراف الإطلاق عن ذلك، فالأقوى عدم جواز الإعطاء قبل حلول الأجل.

[مسألة 18 لو كان كسوبا يقدر على أداء دينه بالتدريج]

مسألة 18 لو كان كسوبا يقدر على أداء دينه بالتدريج فان كان الديان مطالبا فالظاهر جواز إعطائه من هذا السهم، و ان لم يكن مطالبا فالأحوط عدم إعطائه.

لو كان كسوبا يتمكن من قضاء دينه من كسبه فعن نهاية الاحكام ان فيه احتمالين: احتمال جواز إعطائه من سهم الغارمين بخلاف الفقير و المسكين، لان حاجتهما تتحقق يوما فيوما، و الكسوب يحصل له في كل يوم ما يكفيه بخلاف الغارم حيث ان حاجته حاصلة في الحال لثبوت الدين في ذمته، و انما يقدر على اكتساب ما يقضى به الدين بالتدريج، و: احتمال المنع تنزيلا للقدرة على الكسب منزلة القدرة على المال انتهى، و الأقوى انه مع مطالبة الديان في الحال هو جواز إعطائه، و مع عدم مطالبتهم هو المنع، و ذلك لعدم صدق المحتاج عليه و ان كان عاجزا عن أداء دينه في الحال، لكن لمكان تمكنه من أدائه بالتدريج ليس في ضرورة في الحال.

221

[مسألة 19 إذا دفع الزكاة إلى الغارم]

مسألة 19 إذا دفع الزكاة إلى الغارم فبان بعده ان دينه في معصية ارتجع منه الا إذا كان فقيرا فإنه يجوز احتسابه عليه من سهم الفقراء، و كذا إذا تبين انه غير مديون، و كذا إذا أبرئه الدائن بعد الأخذ لوفاء الدين.

لا إشكال في جواز الارتجاع فيما إذا تبين كون الدين في معصية أو انه غير مديون أو أبرئه الدائن الأخذ قبل الوفاء، و ذلك لان ولاية الصرف في كل واحد من الأصناف الثمانية انما هي للمالك و إذا عين المالك للصرف في قضاء الدين فبان ان دينه مما لا يجوز صرف الزكاة فيه لكونه في معصية أو تبين ان الأخذ لم يصرفه فيه اما لكونه غير مديون، أو لإبراء الدائن عنه بعد الأخذ لوفاء دينه يجوز ارتجاعه، و لم يجعله المالك ملكا طلقا له حتى يجوز له التصرف فيه كيف ما يشاء و اما جواز احتسابه عليه من سهم الفقراء إذا كان الأخذ فقيرا فواضح، حيث انه ملك للمالك فيجوز له إعطائه إلى الفقير زكاة، و إذا كان الأخذ فقيرا يحتسب عليه من غير اشكال سواء كانت العين موجودة عنده ام صارت تالفة.

[مسألة 20 لو ادعى انه مديون]

مسألة 20 لو ادعى انه مديون فإن أقام بينة قبل قوله، و الا فالأحوط عدم تصديقه و ان صدقه الغريم فضلا عما لو كذبه أو لم يصدقه.

إذا ادعى انه مديون و اقام البينة عليه قبل قوله مطلقا و لو كذبه الغريم أو لم يصدقه فضلا عما لو صدقه و ذلك لعموم اعتبار البينة في كل شي‌ء، كما يدل عليه ما في خبر مسعدة بن صدقة من قوله ع: و الأشياء كلها على ذلك حتى يستبين أو تقوم به البينة، و قد تقدم الكلام في عموم حجية البينة في هذا الكتاب، و هل يقبل منه مع اليمين احتمله في الجواهر، و لكن في المدارك انه لم نعرف القائل به من الأصحاب الا ان العلامة حكى في التذكرة عن الشافعي انه لا يقبل دعوى الغريم إلا بالبينة لأنه مدّع، و مع عدم البينة فان صدقه الغريم فالمعروف انه يقبل منه لانه لو لم يقبل منه مع تصديقه لأدى إلى حرمانه من هذا السهم، و هو مناف لتشريعه، و لا يخفى ما فيه من التأمل، لأن الغرم أمر جلي يمكن إقامة البينة عليه بخلاف الفقر الذي لا‌

222

يعرف غالبا الا من قبل مدعيه، و ليس في عدم قبوله مع عدم البينة ما ينافي تشريع الزكاة كما لا يخفى، فلا موجب لتصديقه مع تصديق الغريم خصوصا مع احتمال تبانى الغريم معه في التصديق، و منه يظهر حكم ما لو تجردت دعواه عن التصديق و الإنكار حيث ان القول بعدم القبول أشبه بقواعد المذهب، و ان اختار في الشرائع قبوله، و قد وجهه في الجواهر بان الحاصل من الكتاب و السنة وجوب دفع الزكاة لا وجوب دفعها للغارم، و قال (قده) ان قوله تعالى إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ (إلخ) انما يدل على كون الصدقات لهم، لا ان التكليف دفعها إليهم، و فرق واضح بين المقامين.

نعم ورد لا تحل الصدقة لغني و نحوه مما يقضى بعدم جواز دفعها لغير الأصناف الثمانية و هو كذلك في المعلوم انه ليس منهم، اما في غير المعلوم فيتحقق امتثال الأمر بالإيتاء بالدفع اليه لكونه أحد أفراد الإطلاق و لم يعلم كونه من افراد النهي، بل أصالة البراءة عن حرمة الدفع إليه يقتضي خروجه عنها، و بالجملة الغنى مانع لا ان الفقر شرط و لو سلم كونه شرطا فهو لمحل الزكاة تناول لا لدفعها ممن وجبت عليه لعدم الدليل، بل مقتضى الإطلاق خلافه، و على هذا يتجه ما ذكره الأصحاب من قبول دعوى الفقر و الكتابة و الغرم انتهى.

و قد تقدم نظير ذلك منه (قده) في مسألة مدعى الفقر و مراده (قده) من قوله: ان الحاصل من الكتاب و السنة وجوب دفع الزكاة لا وجوب دفعها للغارم، ان الواجب على المعطى هو إخراج الزكاة عن نفسه على ما هو معنى ايتائها، و بعد إخراجها تكون كالمال المطروح في الأرض يأخذها من يملكها واقعا، فإذا ادعى احد كونه له يصدق من غير بينة و لا يمين لانه من باب المدعى بلا معارض، نعم ليس للأخذ أخذها إذا يعلم من نفسه انها ليست لها لا انه يجب دفعها الى الموصوف بالأوصاف الثمانية على المالك، و لا يخفى ما فيه، فان الظاهر من قوله تعالى إِنَّمَا الصَّدَقٰاتُ (إلخ) كون الأصناف الثمانية مالكا أو مصرفا لها،

223

و لا بد من إحراز الوصول الى مصرفها في الخروج عن عهدتها كما في نحو الدين و شبهه، و لا يتحقق الخروج عن العهدة بمجرد الإخراج عن نفسه من غير إيصال إلى المستحق، فالقول بان الواجب هو الإيتاء و الإخراج و لو لم يصل الى المستحق ليس بشي‌ء، و مراده من قوله: نعم ورد لا تحل الصدقة لغني (إلخ) هو تقييد الأمر بالإيتاء إلى خصوص الإيتاء إلى الأصناف الثمانية، لكن للايتاء ثلاثة افراد، الإيتاء بما علم كونه من أحد الأصناف و ما شك في كونه منهم، ما علم بعدم كونه منهم، و لو لا التقييد كان الإتيان بكل فرد منه مجزيا، و بالتقييد خرج الفرد المعلوم كونه ليس منهم، و بقي الفردان الآخران اعنى ما علم كونه منهم و ما شك في كونه منهم تحت الإطلاق، و لا يخفى ما فيه أيضا، حيث ان المخرج بالتقييد هو الإيتاء بغير الأصناف واقعا لا المعلوم منه بكونه من غيرهم لما تقرر في محله من كون الألفاظ موضوعة للمعاني الواقعية النفس الأمرية لا المقيدة بالمعلومة، فالمخرج هو الإيتاء الى غير الأصناف سواء علم به أم لم يعلم، و قوله (قده) و لم يعلم كونه من افراد النهي كأنه إشارة إلى التمسك بعموم العام في الشبهة المصداقية بالنسبة إلى المخصص، و قد حررنا في الأصول بأنه لا مجال للتمسك به في المخصص اللفظي و ان كان لا يمنع عنه فيما إذا كان المخصص لبيا، و قوله (قده) بل أصالة البراءة عن حرمة الدفع إليه يقتضي خروجه عنها لا يخلو عن الغرابة، حيث ان الكلام ليس في حرمة الدفع الى المشكوك من كونه مصرفا حتى يرجع الى البراءة، بل الشك في سقوط التكليف بالإيتاء بالدفع الى المشكوك الموجب لعدم جواز الاكتفاء به لكون الشغل اليقيني مقتض للاحتياط، مع ان البراءة حكم ظاهري في رتبة الشك في حرمة الدفع و لا يعقل ان يكون مقتضيا للخروج عنها، لأن الأحكام الظاهرية لا يعقل ان يكون مخصصا للحكم الواقعي كما هو واضح من ان يخفى.

و بالجملة فما اتى به من التحقيق في المقام لا يمكن مساعدته معه في شي‌ء، فالحق عدم تصديق مدعى الدين الا مع البينة مطلقا سواء صدقه الغريم أو كذبه،

224

أو سكت عن التصديق و التكذيب، و اما الوجوه التي استدلوا بها على قبول قول مدعى الفقر فقد تقدم انها كانت مخدوشة لا يثبت بشي‌ء منها قول مدعى الفقر فضلا عن دعوى مدعى الدين في المقام، نعم كانت السيرة في قبول قول مدعى الفقر مؤيدا بأخبار تدل على قبوله تقدمت في السابق و هي مفقودة في المقام، و بذلك يمتاز مدعيه عن مدعى الدين بقبول قول مدعى الفقر دون مدعى الدين على الأقوى.

[مسألة 21 إذا أخذ من سهم الغارمين]

مسألة 21 إذا أخذ من سهم الغارمين ليصرفه في أداء الدين ثم صرفه في غيره ارتجع منه.

لما تقدم في المسألة التاسعة عشر ان ولاية الصرف في كل من الأصناف للمالك، و إذا عين الصرف في قضاء الدين ليس للأخذ التخطي عنه، فلو صرفه في غيره يجوز للمالك ارتجاعه لانه لم يجعله ملكا طلقا حتى يصرفه فيما شاء، خلافا للمحكي عن مبسوط الشيخ و جمله بأنه لا يرتجع لحصول الملك بقبضه، و فيه ما لا يخفى.

[مسألة 22 المناط هو الصرف في المعصية أو الطاعة]

مسألة 22 المناط هو الصرف في المعصية أو الطاعة لا القصد من حين الاستدانة، فلو استدان للطاعة فصرف في المعصية لم يعط من هذا السهم و في العكس بالعكس.

و يدل على ذلك قوله ع في خبر على بن إبراهيم في تفسير الغارمين قوم قد وقعت عليهم ديون أنفقوها في طاعة اللّه من غير إسراف، و قوله ع في خبر محمد بن سليمان فيقضى عنه ما عليه من الدين من سهم الغارمين إذا كان أنفقه في طاعة اللّه عز و جل فان كان قد أنفقه في معصية اللّه فلا شي‌ء له على الإمام.

[مسألة 23 إذا لم يكن الغارم متمكنا من الأداء حالا]

مسألة 23 إذا لم يكن الغارم متمكنا من الأداء حالا و تمكن بعد حين كان يكون له غلة لم يبلغ أوانها، أو دين مؤجل يحل اجله بعد مدة، ففي جواز إعطائه من هذا السهم اشكال و ان كان الأقوى عدم الجواز مع عدم

225

المطالبة من الدائن أو إمكان الاستقراض و الوفاء من محل أخر ثم قضائه بعد التمكن.

قد تقدم في أول الكلام في بيان هذا الصنف ان المعتبر في الغارم الذي يجوز إعطائه من الزكاة العجز عن أداء دينه، و مع تمكنه من الأداء لا يجوز إعطائه و لا له الأخذ منها، فحينئذ إذا لم يكن متمكنا حالا و لكنه متمكن بعد حين فمع كون الدين مؤجلا أو عدم مطالبة الدائن فما كانت حالا، أو تمكنه من الاستقراض من محل أخر و أداء دينه ثم قضائه بعد التمكن فلا ينبغي الإشكال في عدم الجواز لعدم العجز عن الأداء، و مع عدم ذلك كله بان كانت الدين حالا مع مطالبة الدائن و عدم تمكن المديون من الوفاء بالاستقراض من محل أخر ثم قضائه بعد التمكن فالأقوى جواز إعطائه، لصدق العجز عن الأداء فعلا و لو تمكن بعد حين.

[مسألة 24 لو كان دين الغارم لمن عليه الزكاة]

مسألة 24 لو كان دين الغارم لمن عليه الزكاة جاز له احتسابه عليه زكاة، بل يجوز ان يحتسب ما عنده من الزكاة وفاء للدين و يأخذها مقاصة و ان لم يقبضها المديون و لم يوكل في قبضها، و لا يجب اعلام المديون بالاحتساب عليه أو بجعلها وفاء و أخذها مقاصة.

المراد بالاحتساب على الغارم زكاة هو قصد كون ما في ذمته الذي هو من جملة أموال المالك زكاة و ايتائها الى من عليه الدين و يترتب عليه برأيه المالك عن الزكاة، و الغارم عن الدين بالنية من غير حاجة الى الإعطاء و الأخذ في الخارج، و لا تعيين شي‌ء مما عنده زكاة و بالاحتساب بما عنده من الزكاة وفاء للدين و أخذها مقاصة هو تعيين شي‌ء من ماله مما عنده زكاة ثم أخذه بقصد كونه وفاء للدين، فكأنه أقبضه إلى الغارم زكاة ثم يأخذه منه وفاء للدين، و الاحتساب بالمعنى الأول هو الذي فسر به المقاصة في المدارك، و قال المراد بالمقاصة هنا القصد الى ما في ذمة المديون للمزكي على وجه الزكاة، ثم نقل عن الشهيد الثاني (قده) بان معنى المقاصة احتساب الزكاة على الفقير ثم أخذها مقاصة من دينه، و قال‌

226

بأنه بعيد، و هذا الذي نقله عن الشهيد الثاني هو المعنى الأخير، و تفصيل الكلام في ذلك اما الاحتساب بالمعنى الأول فمما لا ينبغي إشكال فيه، لان ما في ذمة الغارم احد أموال المالك، فيجوز له ان يعينه زكاة، و حيث انه مقبوض للمدفوع اليه لا يحتاج الى دفع أخر، و يكون أحد أفراد الإيتاء المأمور به فيخرج المالك عن عهدة ما عليه من الزكاة و الغارم عما عليه من الدين.

و اما المعنى الأخير فلا يخلو عن اشكال منشئه هو الاشكال له في جواز صرف الزكاة الى صاحب الدين بغير اذن المديون، و منشأ الإشكال في جوازه هو لزوم الصرف الى المستحق و هو الغارم دون صاحب الدين، فيحتاج إلى اذن المديون لو أراد إعطائها الى صاحب الدين، و لو قلنا باحتياج اذن المديون في جواز الصرف إلى الدائن لكان اللازم عدم جواز احتساب الدائن بالمعنى الثاني من غير المراجعة إلى المديون، لكن الأقوى جواز صرفها اليه و لو بدون اطلاع المديون كما يأتي في المسألة الآتية، و عليه فيجوز له تعيين شي‌ء من أعيان أمواله للزكاة ثم أخذه عن المديون بعنوان الوفاء عنه كما يجوز الوفاء عنه إذا كان الدائن غير المالك يجوز أيضا فيما إذا كان الدائن هو نفسه، و كيف كان فلا خلاف في أصل الحكم أعني في جواز مقاصة المالك على الغارم بأحد تفسيري المقاصة، و ان استبعده صاحب المدارك بالتفسير المحكي عن الشهيد الثاني، لكن الأقوى جوازه بكلا التفسيرين.

و يدل عليه من الاخبار صحيح ابن الحجاج و فيه قال سئلت أبا الحسن الأول (عليه السلام) عن دين لي على قوم قد طال حبسه عندهم لا يقدرون على قضائه و هم مستوجبون للزكاة هل لي ان ادعه و احتسب به عليهم من الزكاة، قال:

نعم، و عن عقبة بن خالد قال دخلت انا و المعلى و عثمان بن عمران على ابى عبد اللّه (عليه السلام)، فلما رآنا قال مرحبا بكم وجوه تحبنا و نحبها جعلكم اللّه معنا في الدنيا و الآخرة، فقال له عثمان جعلت فداك فقال له أبو عبد اللّه ع نعم فمه، قال‌

227

انى رجل موسر فقال بارك اللّه لك في يسارك قال و يجي‌ء الرجل فيسألني الشي‌ء و ليس هو ابان زكوتى، فقال له أبو عبد اللّه ع القرض عندنا بثمانية عشر و الصدقة بعشر و ما ذا عليك إذا كنت كما تقول موسرا أعطيته فإذا كان ابان زكوتك احتسبت بها من الزكاة يا عثمان لا ترده فان رده عند اللّه عظيم.

و في خبر سماعة عن الصادق (عليه السلام) قال سألته عن الرجل يكون له الدين على رجل فقير يريد ان يعطيه من الزكاة، فقال ان كان الفقير عنده وفاء بما كان عليه من دين من عرض أو دار أو متاع من متاع البيت أو يعالج عملا يتقلب فيها بوجهه فهو يرجوان يأخذ منه ما له عنده من دينه فلا بأس ان يقاصه بما أراد ان يعطيه بشي‌ء من الزكاة أو يحتسب بها، فان لم يكن عند الفقير وفاء و لا يرجوان يأخذ منه شيئا فليعطه من زكاة انتهى، و ما فيه من الأمر بإعطائه الزكاة و عدم مقاصته بها مع اليأس عن وفائه لعله محمول على الاستحباب.

[مسألة 25 لو كان الدين لغير من عليه الزكاة]

مسألة 25 لو كان الدين لغير من عليه الزكاة يجوز له وفائه عنه بما عنده منها و لو بدون اطلاع الغارم.

و قد تقدم في المسألة المتقدمة ان في الوفاء عنه بما عنده من الزكاة بدون اذن المديون (وجهان): من إطلاق الاخبار و الفتاوى بالاحتساب، و بقضاء الدين عنه الشامل لصورتي الاذن وعده، و: من ان الغارم هو المستحق، و الآية ناصة عن كون الزكاة له فيحتاج الى دفعها اليه ليصرفها في دينه أو اذنه في دفعها الى الديان، و لكن الأقوى هو الأول لما يدل على جواز الوفاء عن الميت مع انه لا يمكن الاستيذان منه، و الظاهر عدم الفرق بينه و بين الحي، ففي صحيح عبد الرحمن قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل عارف فاضل توفي و ترك عليه دينا لم يكن بمفسد و لا بمسرف و لا معروف بالمسألة هل يقضى عنه من الزكاة الألف و الألفان؟

قال: نعم.

و حسن زرارة عن الصادق (عليه السلام) في رجل حلت عليه الزكاة و مات أبوه‌

228

و عليه دين أ يؤدي زكاة في دين أبيه و للابن مال كثير، فقال: ان كان أورثه مالا ثم ظهر عليه دين لم يعلم به يومئذ فيقضيه عند قضاه عنه من جميع الميراث و لم يقضه من زكاة، و ان لم يكن أورثه مالا لم يكن أحد أحق بزكاة من دين أبيه فإذا أداها من دين أبيه على هذا الحال أجزأت عنه، و هذان الخبران كخبر يونس بن عمار دالة على جواز القضاء عن الميت من الزكاة، و لا اشكال فيه في الجملة الا انه يفع الكلام فيه في أمور.

(الأول) مقتضى صريح حسن زرارة اعتبار قصور التركة عن الوفاء في القضاء من الزكاة، و قد ذهب اليه ما في المحكي عن المبسوط و الوسيلة و التذكرة و التحرير و الدروس و جملة أخرى من كتب الأصحاب، و يدل عليه أيضا عدم انتقال التركة إلى الوارث الا بعد الوفاء أو عدم تماميته لو قلنا به، و عن المختلف و النهاية و ابن إدريس و المحقق و الشهيد عدم اعتباره و جواز الوفاء مطلقا لإطلاق الأخبار المتقدمة و لانتقال التركة إلى الوارث بالموت فيبقى الميت فقيرا، و الأقوى هو الأول لعدم إطلاق في الأخبار المتقدمة لكي يشمل صورة استخلاف تركة تفي بدينه، فان حسن زرارة انما هو صريح فيما إذا لم يخلف الميت شيئا، و صحيح عبد الرحمن و ان لم يكن بهذه الصراحة الا ان في قول الراوي فيه لم يكن بمفسد و لا مسرف و لا معروف بالمسألة ظهور في كون نص سئواله فيمن مات مديونا و ليس له ما يفي بدينه، نعم قول الصادق (عليه السلام) في خبر يونس ان أيسر قضاك و ان مات قبل ذلك احتسب به من الزكاة يدل بإطلاقه على ما إذا مات قبل القضاء و لو خلف دارا و نحوها من المستثنيات الوافية بدينه، الا ان إطلاقه مقيد بحسن زرارة المصرح فيه بأنه مع استخلافه لما يفي دينه يقضى عنه، و لا يحتسب من الزكاة مضافا الى ان صرف الوارث زكوته في دين مورثه في مثل الفرض مرجعه الى صرفها في مصلحة نفسه حيث يكون موجبا لصيرورة التركة ملكا طلقا له من دون ان تكون فيه فائدة للميت أو للغرماء، مع ان الحاجة إلى الزكاة في‌

229

قضاء الدين شرط في الغارمين هذا، و اما انتقال التركة إلى الوارث بالموت و صيرورة الميت به فقيرا ففيه مع المنع عن انتقال التركة إليهم بالموت مع الدين أو عدم تماميته على تقديره، ان أدلة الدالة على جواز صرف الزكاة في دين الميت منصرفة عن هذه الصورة أي صورة وجود ما يفي بدينه من تركته مع إمكان الوفاء به فليس في البين ما يدل على جوازه في هذه الصورة و لو قلنا بانتقال التركة إلى الوارث و صيرورة الميت فقيرا به مع ان الكلام في صرف الزكاة في دين الميت من سهم الغارمين لا الفقراء، ففرض صيرورته فقير الأجل انتقال تركته الى وارثه خارج عن محل الكلام، و بالجملة فالأقوى انحصار جواز الصرف بما إذا لم يكن للميت تركة يمكن استيفاء الدين منها.

(الثاني) لو كان للميت مال و لكن أتلفه الوارث فتعذر به الاقتضاء، فعن كشف الغطاء نفى البعد عن جواز صرف الزكاة حينئذ في قضاء دينه، و اعترف به في الجواهر قائلا بنسبته في الدروس الى القيل المشعر بالتوقف فيه.

(أقول) و لعل التوقف في محله و ذلك لعدم ما يدل على جواز الصرف فيما كان للميت مال و لو تعذر الاقتضاء منه بإتلافه لا من الأدلة العامة و لا الخاصة، اما الأولى فلانصراف ما دل على جواز صرف الزكاة في الغارمين كالاية الشريفة و الاخبار الى الاحياء فلا إطلاق فيها بالنسبة إلى الأموات فضلا عما إذا كان له مال، و اما الثانية أعني الأدلة الخاصة فلما عرفت في الأمر الأول من انصرافها عما لو كان للميت تركة فليس في مورد الكلام ما يدل بعمومه أو خصوصه على جواز الصرف فيه.

(الثالث) لو كان للميت مال و لكن تعذر الاستيفاء من ماله اما لعدم تمكن الدائن من إثبات دينه، أو لامتناع الوارث عن أدائه، أو لمكان غصب ماله من ثالث بسرقة و نحوها أو نحو ذلك ففي جواز صرف الزكاة حينئذ (وجهان) بل قولان، ففي المسالك التصريح بجوازه حينئذ، و تنظر فيه في المدارك و قال (قده)

230

و للنظر فيه مجال، و ذهب صاحب الجواهر (قده) إلى الأول مستدلا بالاقتصار في تقييد المطلق على محل اليقين، و ذهب في مصباح الفقيه الى الثاني مستدلا بخروج صورة موسرية الميت في حال حيوته عن موضوع دليل جواز الصرف سواء أمكن استيفاء دينه من تركته بعد موته أم تعذر، و لا يخفى ما فيه لان المستفاد من خير يونس هو كون المدار على يسار الميت أو تعذر الأداء و مع تعذره ينبغي القطع بالجواز و لو كان له مال إذا لمال الذي لا يتمكن من الاستيفاء منه كالعدم، و يدل عليه الاعتبار أيضا من بقاء ذمة الميت بعد التعذر و استراحته بالأداء كما يشهد به قوله ع: لم يكن أحد أحق بزكوته من دين أبيه، و بالجملة فالأقوى في هذه الصورة جواز صرف الزكاة في الدين كما لا يخفى، و لا يخفى انه كان على المنصف (قده) جعل هذه الفروع الثلاث مسائل مستقلة من الكتاب لكنه لم يتعرض لها أصلا.

[مسألة 26 لو كان الغارم ممن تجب نفقته على من عليه الزكاة]

مسألة 26 لو كان الغارم ممن تجب نفقته على من عليه الزكاة جاز له إعطائه لوفاء دينه أو الوفاء عنه و ان لم يجز إعطائه لنفقته.

قال في الجواهر: بلا خلاف و لا إشكال، ضرورة كونه كالأجنبي بالنسبة إلى وفاء الدين فتشمله الأدلة، و يدل عليه خبر إسحاق بن عمار، و فيه سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل على أبيه دين و لابنه مؤنة أ يعطى أباه من زكوته يقضى دينه، قال: نعم و من أحق من أبيه، و لا يعارضه ما في صحيح ابن الحجاج خمسة لا يعطون من الزكاة شيئا الأب و الام و الولد و المملوك و الامرأة، و ذلك انهم عياله لازمون له، فان الظاهر منه المنع عن إعطائهم من حيث الفقر و الاحتياج إلى النفقة كما يدل عليه قوله ع و ذلك انهم عياله، فان قضاء الدين ليس من النفقة الواجبة كما في الجواهر مدعيا عليه الاتفاق.

[مسألة 27 إذا كان ديان الغارم مديونا لمن عليه الزكاة]

مسألة 27 إذا كان ديان الغارم مديونا لمن عليه الزكاة جاز له احالته على الغارم ثم يحسب عليه بل يجوز له ان يحسب ما على الديان وفاء عما في ذمة الغارم و ان كان الأحوط ان يكون ذلك بعد الإحالة،

231

لا إشكال في جواز احتساب من عليه الزكاة ما يستحقه في ذمة الغارم بإحالة مديونه الذي هو دائن عن الغارم، حيث انه بإحالة مديونه الذي هو دائن عن الغارم يصير الغارم مديونا لمن عليه الزكاة، و يبرء ذمته عن دينه كما يبرء ذمة دائنه عمن عليه الزكاة و كان مديون من عليه الزكاة أدّى ما عليه من الدين من ماله الذي في ذمة الغارم فيبرء بالحوالة عن دينه، و يشتغل الغارم بمال من عليه الزكاة، فيصح لمن عليه الزكاة إخراج ما عليه من الزكاة من هذا المال الذي له في ذمة الغارم كما إذا كان مديونا له من أول الأمر، و اما جواز احتساب من عليه الزكاة ماله على الديان وفاء عما في ذمة الغارم بأن ينوي كون ماله في ذمة الديان زكاة ثم يجعله ملكا للغارم الذي يستحق الزكاة فيملكه الدائن عوضا لما له في ذمة الغارم بعنوان الوفاء، فيترتب براءة ذمة المالك عن الزكاة و ذمة دائن الغارم عما عليه من دين المالك و ذمة الغارم عما عليه من دين الدائن ففيه اشكال، لعدم صدق إعطاء الزكاة على المستحق عليه، اللهم الا ان يوكل المالك مديونه في إعطاء ما في ذمته زكاة الى الغارم فيحتسب المديون ماله في ذمة الغارم عوضا عما يكون وكيلا في أدائه من زكاة من عليه الزكاة مما في ذمته.

[مسألة 28 لو كان الدين للضمان عن الغير تبرعا]

مسألة 28 لو كان الدين للضمان عن الغير تبرعا لمصلحة مقتضية لذلك مع عدم تمكنه من الأداء و ان كان قادرا على قوت سنته يجوز الإعطاء من هذا السهم و ان كان المضمون عنه غنيا.

إذا ضمن مالا عن غيره فلا يخلوا اما يكون الضامن و المضمون عنه كلاهما موسرين أو معسرين أو مختلفين فهنا صور.

(الاولى) ما إذا كانا معا موسرين، و لا يجوز إعطاء سهم الغارم إليهما حينئذ أصلا لا الى الضامن و لا الى المضمون عنه سواء كان الضمان باذن المضمون عنه أم لا، اما عدم جواز الإعطاء إلى الضامن الا مع الاذن في الضمان فلان‌

232

له الرجوع حينئذ إلى المضمون عنه فلا غرامة حتى يتدارك بالزكاة، و اما مع عدم الاذن فلتمكن الضامن من الأداء و كون الضمان لمصلحة مقتضية له لا يوجب جواز دفع الزكاة إليه من سهم الغارمين و لو قلنا بجواز الدفع اليه عند تحمل الدية كما يأتي في المسألة الاتية، لأن المصلحة هاهنا جزئية لا يلتفت إليها بخلافها في مورد تحمل الدية.

(الثانية) ما إذا كانا معسرين و يجوز الإعطاء في هذه الصورة قطعا الى كل واحد من الضامن و المضمون عنه، اما الى الضامن فلكونه غارما مع وجود شرط الدفع اليه و هو عدم تمكنه من الأداء سواء كان الضمان بالإذن أم لا، حيث انه مع إعسار المضمون عنه لا يندفع غرامة الضامن إذا كان مع الاذن، و مع التبرع بالضمان فالأمر أظهر.

و اما الى المضمون عنه مع كون الضمان بالاذن فلصدق الغارم الغير المتمكن من الأداء عليه، و ذلك لاشتغال ذمته بالضمان حيث ان الضمان وقع باذنه و لو كان الضمان بغير اذنه فلا يجوز الإعطاء اليه و ذلك لعدم كونه مديونا حينئذ لا بالدائن و لا بالضمان، اما بالدائن فلبراءة ذمته عنه بضمان الضامن و اشتغال ذمة الضامن بما في ذمته من الدين، و اما بالضامن فلكون الضمان تبرعا من غير اذن المضمون عنه فلا يكون مشتغلا بالضامن أصلا فلو دفع الزكاة إلى المضمون عنه يرجع الضامن اليه بعد أدائه بما ضمنه إذا كان الضمان بالاذن و لو دفع الى الضامن لا يرجع الضامن الى المضمون عنه إذا أدى ما ضمنه، لعدم الغرامة حينئذ حيث تدارك بالزكاة.

(الثالثة) ما إذا كان الضامن معسرا دون المضمون عنه فمع كون الضمان بالاذن لا يجوز دفع الزكاة إليه أصلا، و مع عدمه فالأقوى هو جواز الإعطاء لكون الضامن غارما غير متمكن من الأداء، و احتمال عدم جواز الإعطاء كما عن التحرير لعود النفع الى المضمون عنه ضعيف كما لا يخفى، هذا بالنسبة‌

233

إلى الدفع الى الضامن، و اما الدفع الى المضمون عنه فلا يجوز من غير اشكال و لو كان الضمان بإذنه ففي جواز الدفع إليه إشكال من انه دين تحمل لإصلاح ذات البين فيقضى مع اليسار، و من ان المصلحة هنا جزئية لا يلتفت إليها و هذا هو الأقوى.

(الرابعة) ما إذا كان المضمون عنه معسرا دون الضامن، فمع عدم كون الضمان باذنه فلا يجوز الدفع اليه لعدم صدق الغارم عليه، و اما الى الضامن مع كون الضمان باذنه يجوز الدفع اليه قطعا لكونه مديونا لا يتمكن من الأداء كما لا يجوز الدفع الى الضامن من غير إشكال لأنه مع تمكنه من الأداء يكون له الرجوع الى المضمون عنه فيما يؤديه.

[مسألة 29 لو استدان لإصلاح ذات البين]

مسألة 29 لو استدان لإصلاح ذات البين كما لو وجد قتيل لا يدرى قاتله و كاد ان يقع بسببه الفتنة فاستدان للفصل فان لم يتمكن من أدائه جاز الإعطاء من هذا السهم، و كذا لو استدان لتعمير مسجد أو نحو ذلك من المصالح العامة، و اما لو تمكن من الأداء فمشكل، نعم لا يبعد جواز الإعطاء من سهم سبيل اللّه و ان كان لا يخلو عن إشكال أيضا إلا إذا كان من قصده حين الاستدانة ذلك.

حكى عن تذكرة العلامة و منتهاه ان الغارمين قسمان أحدهما المديون لمصلحة نفسه و حكمه ما سبق، و الثاني المديون لإصلاح ذات البين بين شخصين، أو قبيلتين بسبب تشاجر بينهما، اما لقتيل لم يظهر قاتله، أو إتلاف مال كذلك، و حكم بجواز الدفع الى من هذا شأنه مع الغنى و الفقر و لم ينقل في ذلك خلافا، و استدل عليه بعموم الآية الشريفة السالم من المخصص، و بما روى عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) انه قال: لا تحل الصدقة لغني إلا لخمس و ذكر رجلا تحمل حمالة و بان تحمله و ضمانه انما يقبل إذا كان غنيا فأخذه في الحقيقة انما هو لحاجتنا اليه فلم يعتبر فيه الفقر كالمؤلفة، و حكى عن بيان الشهيد تجويز صرف‌

234

الزكاة ابتداء في إصلاح ذات البين، و استحسنه في المدارك الا انه (قده) قال: بأنه يكون من سهم سبيل اللّه لا من سهم الغارمين.

(أقول) لا إشكال في جواز الإعطاء من هذا السهم لو استدان لمصلحة عامة و لم يتمكن من الأداء، و اما مع التمكن منه إذا كان غرضه من أول الأمر الأداء من ماله تبرعا فلم يؤدها ما التزم بأدائه من دية أو نحوها، أو استدان فأداها ففي جواز إعطائه من سهم الغارمين أو سهم سبيل اللّه إشكال، اما من سهم الغارمين فلعدم صدق الغارم عليه عرفا، لان الظاهر منه عرفا هو من علاه الدين اى صار غاليا عليه الغير الصادق على المتمكن من الداء لا سيما فيمن التزم بالأداء و لم يؤد بعد، و لو سلم صدقه عليه فهو منصرف عن المتمكن من الأداء بملاحظة ما ورد من كون تشريع الزكاة لرفع الحاجة عن المحتاجين، و مع المنع عن الانصراف فهو مقيد بما يدل على اعتبار العجز عن الأداء، فدعوى بقاء عموم الآية الشريفة و سلامته عن المخصص كما ترى، إذ الاخبار التي تخصص عمومها في الدين التي استدين للمصلحة الشخصية تخصص عمومها في الدين التي استدين للمصلحة النوعية أيضا، و المروي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) غير موجود في أصول الشيعة مع هذا الاستثناء، فيكون دالا على اعتبار الفقر في الغارم، و القول بان تحمله انما يقبل إذا كان غنيا فأخذه في الحقيقة انما هو لحاجتنا اليه دليل اعتباري لا يصلح لرفع اليد عما ثبت بالدليل من اعتبار العجز عن الأداء في الغارم، و من ذلك يظهر الإشكال في الدفع اليه من سهم سبيل اللّه بناء على شموله لمطلق القرب، حيث ان تحمله من أول الأمر بقصد الأداء من ماله تبرعا و تمكنه من أدائه يمنع عن إعطائه من مال الزكاة من سهم سبيل اللّه، و لو قلنا بشموله لمطلق القرب فان التحمل أو الاستدانة لما تحمل قربى، و اما إعطاء الزكاة لاداء مثل هذا الدين فهو إعطاء لأداء دين شخص وقعت الاستدانة بها لجهة قربية، نعم لو وقع التحمل منه بقصد استيفاء المال من الزكاة و قلنا بان له الولاية على ذلك كما إذا كان الإمام‌

235

أو نائبه يجوز الاستيفاء حينئذ من سهم سبيل اللّه قطعا، كما يجوز صرف الزكاة ابتداء في إصلاح ذات البين من سهم سبيل اللّه بناء على شموله لمطلق القرب من غير اشكال.

[السابع من المصارف صرف الزكاة في سبيل اللّه]

(السابع)

من المصارف صرف الزكاة‌

في سبيل اللّه.

و قد قيل كما عن المقنعة و النهاية و المراسم باختصاصه بالجهاد، و نسب الى بعض العامة أيضا، و استدل له بخبر يونس بن يعقوب عن الصادق (عليه السلام)، و فيه ان رجلا كان بهمدان ذكر ان أباه مات و كان لا يعرف هذا الأمر فأوصى بوصية عند الموت، و اوصى ان يعطى شي‌ء في سبيل اللّه فسئل عنه أبو عبد اللّه (عليه السلام) كيف يفعل به فأخبرناه انه كان لا يعرف هذا الأمر، فقال لو ان رجلا اوصى الى أن أصنع في يهودي أو نصراني لوضعته فيهما ان اللّه عز و جل يقول فَمَنْ بَدَّلَهُ بَعْدَ مٰا سَمِعَهُ فَإِنَّمٰا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ، فانظر ما يخرج الى هذا الوجه يعنى بعض الثغور فابعثوها به اليه، لكن الانصاف عدم دلالة الخبر على انحصار سبيل اللّه به كيف و الا يلزم اختصاصه بخصوص المرابطين لا الصرف في مطلق الجهاد و لم يقل به أحد أصلا، مع إمكان ان يقال باستفادة الاختصاص من عرف الموصى إذا المتبع في باب الوصية هو عرفه فيكون مؤيد الانتساب هذا القول إلى العامة مضافا الى معارضته بما ورد من صرف ما اوصى به في سبيل اللّه في الحج كما يأتي، و الأقوى عدم الاختصاص بالجهاد بل‌

هو جميع سبيل الخير كبناء القناطر و المدارس و الخانات و المساجد و تعميرها و تخليص المؤمنين من يد الظالمين، و نحو ذلك من المصالح كالصلاح ذات البين، و رفع وقوع الشرور و الفتن بين المسلمين، و كذا اعانة الحجاج و الزائرين و إكرام العلماء و المشتغلين.

و قد نسب هذا القول إلى الأكثر بل المشهور بل إلى عامة المتأخرين بل ادعى عليه الإجماع كما عن الخلاف و الغنية، و يدل عليه مضافا الى اقتضاء اللفظ ذلك إذا لسبيل هو الطريق فإذا أضيف الى اللّه سبحانه كان عبارة عن كل‌

236

ما يكون وسيلة إلى تحصيل رضاء اللّه و ثوابه فيتناول الجهاد و غيره جملة من الاخبار مثل المروي في تفسير على بن إبراهيم عن العالم (عليه السلام) قال و في سبيل اللّه قوم يخرجون الى الجهاد و ليس عندهم ما ينفعون، أو قوم من المؤمنين ليس عندهم ما يحجون به، أو في جميع سبل الخير فعلى الامام (عليه السلام) ان يعطهم من مال الصدقات حتى يقودا على الحج و الجهاد.

و صحيح ابن يقطين الذي قال للكاظم ع يكون عندي المال من الزكاة فأحج به موالي و أقاربي؟ قال: نعم، و صحيح محمد بن مسلم عن الصادق (عليه السلام) قال سألته عن الصرورة أ يحجه الرجل من الزكاة قال نعم، و خبر حسين بن عمر قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) ان رجلا اوصى الى بشي‌ء في سبيل اللّه فقال لي اصرفه في الحجج فانى لا أعلم شيئا في سبيل اللّه أفضل من الحج، و خبر الحسن بن راشد قال سئلت أبا الحسن العسكري (عليه السلام) بالمدينة عن رجل اوصى بمال في سبيل اللّه فقال:

سبيل اللّه شيعتنا، و هل يشترط في المدفوع اليه الفقر بالمعنى المعتبر منه في الفقير أو يعتبر الحاجة و عدم تمكن فاعل الخير من الإتيان به و لو كان غنيا اى مالكا لقوت سنته، أولا تعتبر الحاجة أيضا أقوال، المصرح به في المسالك هو الأول، و ذهب صاحب المدارك الى الثاني و ان تردد فيه في أخر كلامه و قال (قده): و المعتمد جواز صرف هذا السهم في كل قربة لا يتمكن فاعلها من الإتيان بها بدونه، و انما صرنا الى هذا التقييد لأن الزكاة إنما شرعت بحسب الظاهر لدفع الحاجة فلا تدفع مع الاستغناء عنها و مع ذلك فاعتباره محل تردد انتهى.

و المختار عند صاحب الجواهر هو الأخير، و قال: فإن الأقوى عدم اعتباره لإطلاق الأدلة من غير ما يدل على التقييد الا توهم حكمة المشروعية و هي لا تصلح له و الا لاقتضت الصرف في خصوص سد الخلة، و ما ورد من انه لا تحل الصدقة لغني محمول على إعطائها إليه من حيث الفقر لا من سهم سبيل اللّه، و هذا هو الأقوى و ان كان الاحتياط في بعض صوره لا ينبغي تركه و هو إعطاء هذا السهم بمن يريد‌

237

بنفسه فعل القرب من الحج أو الجهاد فيغنيه ببذل الزاد و الراحلة و السلاح و نحوها، و كيف كان فلا وجه لتقييد المصنف (قده) بقوله:

مع عدم تمكنهم من الحج و الزيارة و الاشتغال و نحوها من أموالهم

كما انه لا ينحصر مصرف هذا السهم فيما ذكر في المتن من أفعال القربى.

بل الأقوى جواز دفع هذا السهم في كل قربة مع عدم تمكن المدفوع اليه من فعلها بغير الزكاة، بل مع تمكنه أيضا لكن مع عدم إقدامه إلا بهذا الوجه.

و ما ذكره أخيرا إشارة إلى إخراج الصورة التي قلنا بان الاحتياط فيها لا ينبغي تركه.

[ (الثامن) ابن السبيل]

(الثامن) ابن السبيل و هو المسافر الذي نفدت نفقته أو تلفت راحلته بحيث لا يقدر معه على الذهاب و ان كان غنيا في وطنه.

الكلام في ابن السبيل يقع في موضوعه تارة، و في حكمه اخرى، اما الأول فابن السبيل و ان كان عاما لمطلق المسافر الا ان مرادهم منه في المقام هو المنقطع بسفره العاجز عنه بذهاب نفقته أو نفادها أو تلف راحلته و نحو ذلك بحيث لا يقدر معه على الحركة و الذهاب، و بالعبارة الفارسية (وا مانده در سفر) فلا يستعمل إلا في المسافر الخارج عن وطنه و مقر اقامته سواء كان وطنا أصليا أو بالعارض كالذي دخله مسافرا فعزم على استطيانه، و لا يصدق على من في بلده و وطنه الأصلي أو العارضي، و يدل على ذلك مضافا الى انسباقه عرفا عند إطلاقه ما في تفسير على ابن إبراهيم عن العالم ع قال و ابن السبيل أبناء الطريق الدين يكونون في الأسفار في طاعة اللّه فيقطع عليهم و يذهب مالهم فعلى الامام ان يردهم إلى أوطانهم من مال الصدقات، و يدخل فيه المقيم عشرا فصاعدا أو المتردد ثلاثين يوما، أو نحو ذلك مما يوجب التمام و ان قلنا بانقطاع السفر بذلك شرعا بناء على ما هو التحقيق من كون قصد الإقامة و نحو قاطعا للموضوع‌

238

لا للحكم حسبما حققناه في صلاة المسافر، و ذلك لصدق ابن السبيل عرفا خصوصا إذا كان اقامته ناشئة عن نفاد زاده و راحلته و عدم تمكنه من المسافرة عنه و لا منافاة بين انقطاع سفره شرعا و بين صدق ابن السبيل عليه عرفا الذي هو موضوع الحكم في المقام خلافا للمحكي عن ظاهر المبسوط، و صريح التذكرة من انقطاع سفره بالنسبة إلى حكم المقام فلا يعط من سهم ابن السبيل ما لم يسافر عن محل اقامته و هو محجوج بما ذكرناه ثم ان هاهنا أمورا.

(الأول) المدار في استحقاقه من هذا السهم احتياجه إليه في غربته فيعطى و ان كان غنيا في وطنه.

(الثاني) هل يشترط في إعطائه من هذا السهم إذا كان غنيا في بلده‌

عدم تمكنه من الاستدانة أو بيع ما يمكنه أو نحو ذلك.

كما صرح به في الجواهر أو يعتبر عجزه عن التصرف في أمواله ببيع و نحوه و ان تمكن من الاستدانة كما قواه في المدارك أم لا يعتبر العجز عن شي‌ء منهما كما حكاه في المسالك عن المعتبر و نفى عنه البعد، أقوال استدل للاول بعدم صدق الانقطاع بالسفر مع التمكن من أحد الأمرين أعني التصرف في أمواله بالبيع و نحوه أو الاستدانة، و للثاني بصدقه بمجرد العجز عن التصرف في أمواله و لو تمكن من الاستدانة، و للثالث بإطلاق النص، و لا يخفى ان الأقرب هو الأول، لكن ينبغي تقييده بما إذا كان التصرف أو الاستدانة ميسورا له لا ما إذا كان حرجيا لا يتحمله الا عن الإلجاء و الاضطرار، إذ لا يؤثر مثل هذا التمكن عن الخروج عن حد ابن السبيل عرفا.

(الثالث)

يشترط ان لا يكون سفره في معصية.

و استدل له بعدم الخلاف فيه بين العلماء كما اعترف به في المدارك، و بان فيه اعانة على الإثم و العدوان، و بالمروي في تفسير على بن إبراهيم المتقدم نقله و ان كان المذكور فيه قيد كون السفر في طاعة اللّه لكن الظاهر منه ما يقابل‌

239

سفر المعصية فيعم المباح أيضا نظير ما تقدم في الغارمين خلافا لما عن ظاهر الحدائق حيث استشكل في السفر المباح نظرا الى ظهور الخبر في اعتبار كون السفر طاعة مع اعترافه بمخالفته للمشهور و هو ضعيف، و كيف كان فلا إشكال في أصل الحكم بعد عدم الخلاف فيه و دلالة الخبر عليه، و لا يحتاج بالاستدلال به على كون إعطاء المسافر في المعصية اعانة على الإثم و العدوان حتى يمنع عنه فيما إذا كان الدفع في الإياب عنه.

ثم ان صاحب الجواهر (قده) بعد اعترافه بدلالة خبر المروي في التفسير على اعتبار كون السفر طاعة ردّه بقصور السند و عدم المقاومة مع إطلاق الكتاب قال (قده) ما لفظه: بل خبر العالم دال على اعتبار كون السفر طاعة كالمحكي عن ابن الجنيد الا انه لقصور سنده و عدم مقاومته لإطلاق الكتاب المعتضد بفتاوى الأصحاب ينبغي حمل الطاعة فيه على مالا معصية فيه، و اليه أومأ في المختلف في الجواب عنه بأن الطاعة تصدق على المباح بمعنى ان فاعله معتقد لكونه مباحا مطيع في اعتقاده، و إيقاع الفعل على وجهه انتهى.

و لا يخفى ما فيه ضرورة ان قصور السند لا يوجب حمل الطاعة المذكورة فيه على ما لا معصية فيه لو سلم ظهورها في الطاعة في مقابل المعصية و المباح و لا يصيره قابلا للمقاومة مع إطلاق الكتاب لو لم يكن مقاوما معه لولاه، و ليس معنى صدق الطاعة على المباح هو كون فاعله معتقدا لإباحته مطيعا في اعتقاده كيف و الا يلزم صدقها على المعصية أيضا إذا اعتقد فاعلها كونها معصية ضرورة كونه مطيعا في اعتقاده و ان كان عاصيا بعلمه، بل الظاهر من عبارة المختلف في الجواب من صدق الطاعة على المباح هو كون الطاعة في الخبر ظاهرا في المعنى المقابل للمعصية فتعم المباح كما قدمناه.

(الرابع) المحكي عن ابن الجنيد و الشهيد القول باندراج مريد السفر الذي ليس له نفقة السفر في ابن السبيل لصدق ابن السبيل عليه بإرادته السفر و إنشائه‌

240

له كما في ناوي الإقامة في بلد إذا أراد الخروج منه حيث انه قد عرفت عدم اعتبار الخروج في صدق ابن السبيل عليه، و لكن الأقوى اعتبار التلبس بالسفر في صدق ابن السبيل، و عدم كفاية إرادته في صدقه، و القياس بناوى الإقامة في بلد المريد للخروج منه بعده فاسد لما عرفت من ان قصد الإقامة عشرا في بلد و ما في حكمه لا يخرج المسافر عن صدق المسافر عليه عرفا، و لو كان كذلك شرعا إذ لا يصير بذلك محل الإقامة وطنه عرفا حتى يخرج بذلك عن موضوع ابن السبيل، و هذا بخلاف المقيم في وطنه الأصلي أو العارضي الغير المتلبس بالسفر حيث انه لا يكون مسافرا عرفا و لو اراده ما لم يتلبس به و هذا ظاهر جدا، نعم لا بأس بالدفع اليه من سهم سبيل اللّه أو سهم الفقير إذا كان فقيرا، و الى هذا الأمر يشير المصنف (قده) بقوله:

و اما لو كان في وطنه و أراد إنشاء السفر المحتاج اليه و لا قدرة له عليه فليس من ابن السبيل

و انما قدمناه في الشرح لكونه راجعا الى بيان الموضوع.

(كالأمر الخامس) و هو ما يشير اليه بقوله:

نعم لو تلبس بالسفر على وجه يصدق عليه ذلك يجوز إعطائه من هذا السهم و ان لم يتجدد نفاد نفقته بل كان أصل ماله قاصرا.

و قال في الجواهر إذ لا يعتبر فيه حدوث انقطاع الطريق به بتجدد ذهاب ماله بل يكفى فيه انقطاع الطريق به و لو لقصور أصل ماله.

(السادس) حكى عن مقنعة المفيد (قده) بأنه قال و ابن السبيل هم المنقطع بهم في الاسفار، و قد جائت رواية أنهم الأضياف يراد به من أضيف لحاجة الى ذلك و ان كان له في موضع أخر غنى و يسار انتهى، و حاصله بعد إرسال الرواية بأن ابن السبيل هو الضيف تقييده بما إذا كان مسافرا محتاجا إلى الضيافة، فيكون الضيف حينئذ قسما من ابن السبيل، و قد ذكره غير واحد من الأصحاب عاطفا له على ابن السبيل بين مقيد له بالقيدين اعنى كونه مسافرا و محتاجا في سفره الى‌

241

الضيافة، و بين من قيده بالحاجة دون السفر، و بين مطلق منهم من غير تقييد أصلا، و ربما يجعل الضيف صنفا خاصا من أصناف المستحق تمسكا بالمرسل المحكي عن المفيد، و لكن الأقوى ما ذكره المفيد من كونه قسما من ابن السبيل و المرسل المذكور مجهول المتن، فلعل فيه ما يشهد على ما فهمه المفيد من تفسيره بالمسافر المحتاج إلى الضيافة فلم يدل على كون الضيف في مقابل سائر أصناف المستحقين صنفا مخصوصا، و انحصار الأصناف بالثمانية المذكورة في الآية الاخبار يدفعه كما لا يخفى، و ينبغي التنبيه على أمور.

(الأول) يجوز احتساب ما يأكله الضيف عنده زكاة عليه، و لو مع صدق العيلولة عليه، لعدم وجوب نفقته و لو صار عيالا بعد الانضياف.

(الثاني) حكى في الجواهر عن بعض الحواشي عدم اعتبار النية في إعطاء الزكاة إلى الضيف و استغربه و هو كذلك إذ لا وجه لإخراج هذا الفرد من الإعطاء عن حكم الزكاة التي هي عبادة يعتبر فيها النية قطعا كما سيأتي تحقيقه، إذ لا مخصص لهذا الفرد أصلا فيعتبر فيه النية كما في جميع أفراد إعطائها من غير فرق بينها أصلا.

(الثالث) قال في الجواهر وقت النية عند شروع الضيف في الأكل بالوضع في الفم، أو المضغ، أو البلع و ان لا يعلم مقدار ما سيأكله، و قد يحتمل ان يكون عند البذل كما في الفقير الا ان الأول أظهر لعدم التمليك هنا بل و لا بذل و انما فيه تقديم للأكل و لذا لا يملك الا ما يأكله و له ان ينوي ما يأكله بعد الأكل، و لا يقدح كونه مجهولا عند المحتسب لعدم منافاة ذلك لأقل ما يحتمل اكله انتهى.

هذا تمام الكلام في موضوع ابن السبيل.

و اما الكلام في حكمه (فمنها) انه‌

يدفع اليه قدر الكفاية اللائقة بحاله من الملبوس و المأكول و المركوب، أو ثمنها أو أجرتها الى ان يصل الى بلده بعد قضاء و طره من سفره، أو يصل الى محل يمكنه تحصيلها بالاستدانة

242

أو البيع أو نحوهما كما

في الجواهر بعين هذه العبارة ما رجا مع متنه، و ينبغي تقييد دفع قدر الكفاية إليه بما إذا كان غينا في بلده كما هو المعلوم من مورد البحث الذي هو في ابن السبيل في مقابل سائر الأصناف.

و (منها) انه‌

لو فضل مما اعطى شي‌ء و لو بالتضييق على نفسه

كما صرح به في الجواهر‌

اعاده على الأقوى.

وفاقا للأكثر بل المشهور كما في الجواهر، و ذلك لان الضرورة تقدر بقدرها، و لتعينه بتعيين المالك في المصرف الخاص و هو الصرف في دفع ضرورة السفر، و قد تقدم في الغارم ان قصده مشخص للمصارف و لو مع عدم القول بوجوب البسط و لأن الصدقة لا تحل لغني و قد أبيحت لابن السبيل الذي هو غنى في بلده لمكان طريان الحاجة الفعلية في أثناء الطريق و هي توجب اباحة الزكاة له في وقت حاجته بقدر حاجته فلو دفع إليه أزيد من مقدار حاجته أو بقدر حاجته لكنه لم يصرفه في حاجته تقتيرا حتى ارتفعت حاجته بوصوله الى بلده، أو الى ما يمكنه تحصيل ما يحتاج إليه بالاستدانة أو البيع أو نحوهما لا تحل عليه ما بقي عنده لصيرورته ممن تحرم الصدقة عليه هذا، و المحكي عن خلاف الشيخ عدم الإعادة مطلقا سواء كانت الزكاة المدفوعة إليه من النقدين أو الدابة أو المتاع، و استدل له بان المستحق يملك المأخوذ بالقبض، فما يفضل منه بعد الوصول الى محل يستغنى عنه ليس الا كما يفضل في يد الفقير من مال الصدقة بعد صيرورته غنيا من طريق أخر، و فيه ما لا يخفى للفرق بين ملك الفقير لما يقبضه، و بين ملك ابن السبيل له بكون ملك الفقير تاما مستقرا حيث ان ما يستحقه لا يقدر بقدر بخلاف ملك ابن السبيل فإنه متزلزل يتوقف تماميته و استقراره على صرفه في حاجته في وقتها، فلو فضل منه شي‌ء يستكشف عدم تمامية ملكه بالنسبة إليه، بل يعود على ملك مالكه، أو يتعين صرفه في الصدقة على كلام يأتي تحقيقه، و مما ذكرناه يظهر ان الأقوى وجوب اعادة ما يبقى عنده بعد زوال حاجته العارضة مطلقا.

243

من غير فرق بين النقد و الدابة و الثياب و نحوها.

خلافا للمحكي عن نهاية العلامة من انه لا يسترد منه الدابة لأنه ملكها بالإعطاء، و عن بعض الحواشي بزيادة الثياب و الآلات و إلحاقهما بالدابة، و وجهه في الجواهر بقوله: و لعل ذلك لان المزكى يملك المستحق عين ما دفعه اليه، و المنافع تابعة، و الواجب على المستحق رد ما زاد من العين على الحاجة و لا زيادة في هذه الأشياء إلا في المنافع، و لا اثر لها مع ملكية تمام العين، ثم قال اللهم الا ان يلتزم بانفساخ ملكه عن العين بمجرد الاستغناء، لان ملكه متزلزل فهو كالزيادة التي تجدد الاستغناء عنها انتهى، و لا يخفى ان ما أفاده أخيرا هو الذي لا محيص عنه و عليه المعول.

و هل الواجب‌

ان يدفعه الى الحاكم و يعلمه بأنه من الزكاة،

أو يجب دفعه الى المالك، أو يدفعه الى المالك أو وكيله فان تعذر فالى الحاكم، فان تعذر صرفه بنفسه الى مستحق الزكاة ناويا به عن المالك كما في الروضة احتمالات لا وجه للأخير منها اعنى لزوم هذا الترتيب، و ذلك لان المقبوض اما يعين بالدفع و القبض زكاة أولا، فعلى الأول يتعين عليه الدفع الى الحاكم من أول الأمر و ليس له الدفع الى المالك حينئذ، اللهم الا ان يقال بكون خروجه عن ملك المالك كالدخول في ملك القابض متزلزلا فيعود الى ملكه، أو يقال بأنه و لو لم يعد الى ملكه لكن ولاية المالك على إخراجه باقية ينبغي اعتبارها مع التمكن منها لكن مقتضى الأول عدم جواز الدفع الى المالك مع عدم التمكن من الدفع الى المالك لخروجه عن كونه زكاة كما لو قيل بالثاني أعني عدم تعينه بالدفع زكاة كما لا يصح دفعه بنفسه عند تعذر الرجوع الى الحاكم لعدم ولايته على المالك بل عدم ولاية الحاكم أيضا عليه مع عدم امتناعه عن إخراج زكوته، لكن الأقوى تعينه بالدفع، و عليه فيجب الدفع الى الحاكم من أول الأمر كما انه لو انتهى الى دفع القابض بنفسه‌

244

ينبغي صرفه في مصرف ابن سبيل مثله لانه هو الذي حصل فيه اذن المالك فينبغي الاقتصار عليه.

[مسائل]

[مسألة 30 إذا علم استحقاق شخص للزكاة]

مسألة 30 إذا علم استحقاق شخص للزكاة و لكن لم يعلم من أي الأصناف يجوز إعطائه بقصد الزكاة من غير تعيين الصنف بل إذا علم استحقاقه من جهتين يجوز إعطائه من غير تعيين الجهة.

إذ لا يعتبر في إعطائها إلى المستحق معرفة جهة استحقاقه بعد العلم باستحقاقه، كما لا يعتبر قصد جهة استحقاقه إذا علم بها، بل يكفي في حصول الامتثال ايتائها الى المستحق و لو لم يعلم جهة استحقاقها أو لم يقصدها كل ذلك لعدم الدليل على اعتبارها، و لو علم استحقاقه من جهتين أو جهات جاز ان يعطيه بكل جهة أيضا فيعطيه تارة لفقره مثلا، و لكونه غارما اخرى، و ابن السبيل ثالثة، و هكذا، و توهم المنع عنه بصيرورته بالأخذ الأول غنيا فلا يجوز أخذه ثانيا و ثالثا كما في الحدائق مدفوع بان الفرض انما هو مع بقاء استحقاقه بعد الأخذ المتقدم للأخذ بعده، فما افاده (قده) خارج عن محل الفرض كما لا يخفى.

[مسألة 31 إذا نذر ان يعطى زكوته فقيرا معينا]

مسألة 31 إذا نذر ان يعطى زكوته فقيرا معينا لجهة راجحة أو مطلقا ينعقد نذره.

لكفاية رجحان الإعطاء إلى الفقير المعين لجهة فقره و ان لم يكن رجحان في إعطائه من حيث انه معين لان الرجحان المعتبر في متعلق النذر مأخوذ في طبيعته و ان لم يكن الفرد باعتبار خصوصيته راجحا.

فان سهى فاعطى فقيرا آخر اجزء و لا يجوز استرداده و ان كانت العين باقية.

و ذلك لان الفقير المعين لا يصير مالكا لمتعلق النذر بسببه في نذر الفعل، بل يبقى المتعلق بعد النذر على ما كان و ان وجب على الناذر إيصاله إلى المنذور له وفاء بالنذر، فالزكاة المنذور إعطائها إلى فقير معين باقية على ما كانت من‌

245

كونها حقا لطبيعة المستحق، فإذا أعطاها الى غير المنذور له يملك القابض بعد الأخذ بحكم كونه من افراد المستحق فلا يجوز الأخذ منه مع صيرورته مالكا لها و ان كانت العين باقية، و لا يختص ذلك بما إذا سهى فاعطى فقيرا بل‌

لو كان ملتفتا الى نذره و اعطى غيره متعمدا اجزء أيضا و ان كان آثما في مخالفة النذر و تجب عليه الكفارة.

لا يقال مع التعمد بالإعطاء بغير المنذور له يكون إعطائه عصيانا و لذا يكون آثما، و مع حرمته لا يصح لكونه عبادة تبطل بتعلق النهي بها لانه يقال النهي في المقام متعلق بمخالفة النذر، و الأمر النذري متعلق بفعل الزكاة بما هو متعلق للأمر الزكوتى و يكون متأخرا عنه لأن الأمر الزكوتى مأخوذ في متعلق الأمر النذري و لا يكتسب كل منها لون الأخر فالعصيان انما هو بالنسبة الى الأمر النذري المتأخر عن الأمر الزكوتى، و لا ينافي مع الامتثال الحاصل بالنسبة الى الأمر الزكوتى، فالإعطاء بغير المنذور له مجز لكونه امتثالا للأمر الزكوتى و ان كان عصيانا للأمر النذري، و تفصيل ذلك و بيان المائز بين موارد اكتساب أحد الأمرين لون الأخر عن موارد عدم اكتسابه موكول إلى المراجعة الى ما حررناه في الأصول، و بالجملة و إذا أقبضها غير المنذور له من سائر المستحقين‌

لا يجوز استرداده

أيضا منه كما لا يجوز الاسترداد إذا أعطاه سهوا،

لانه قد ملك بالقبض.

[مسألة 32 إذا اعتقد وجوب الزكاة عليه]

مسألة 32 إذا اعتقد وجوب الزكاة عليه فأعطاها فقيرا ثم تبين له عدم وجوبها عليه جاز له الاسترجاع إذا كانت العين باقية، و اما إذا شك في وجوبها عليه و عدمه فاعطى احتياطا ثم تبين له عدمه فالظاهر عدم جواز الاسترجاع و ان كانت العين باقية.

اما جواز الاسترجاع مع اعتقاد وجوب الزكاة عليه و تبين عدمه فلان المدفوع الى المستحق حينئذ كان معنونا بعنوان الزكاة، و قد ملكه المالك إياه من حيث ذلك العنوان، و بعد تبين عدم الوجوب تبين عدم انتقاله الى المستحق و عدم صيرورته‌

246

مالكا له و يكون باقيا على ملك مالكه فيجوز له الاسترجاع اليه بحق ملكه إذا كانت العين باقية، و مع تلفها لا يضمنها المستحق بالمثل أو القيمة لكونه مغرورا في إتلافها من ناحية المالك فلا يصير ضامنا لما أتلفها، و اما عدم جواز الاسترجاع إذا اعطى احتياطا عند الشك في الوجوب ثم تبين عدمه فلان مرجع الإعطاء احتياطا الى قصد كون المدفوع زكاة واجبا على تقدير الوجوب و صدقة نافلة أو تمليكا مجانيا على فرض عدمه فيصير المدفوع ملكا للمستحق على كلا تقديري الوجوب و عدمه، فلا يبقى محل للاسترجاع مع صيرورته ملكا للمستحق على تقدير عدم الوجوب، نعم يجب ان يكون قصد الدافع في إعطائه على وجه لا يرجع الى الترديد في النية، و سيأتي الكلام فيه و لو أعطاه بقصد استرجاعه لو تبين عدم الوجوب بان ملكه على تقدير الوجوب بمعنى إنشاء التمليك المنوط بالوجوب على نحو تصور الواجب المشروط فالظاهر جواز الاسترجاع مع بقاء العين من غير اشكال.

[فصل في أوصاف المستحق]

فصل في أوصاف المستحق و هي أمور

[الأول الإيمان]

الأول الإيمان فلا يعطى للكافر بجميع اقسامه و لا لمن يعتقد خلاف الحق من فرق المسلمين حتى المستضعفين منهم الا من سهم الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ و سهم سَبِيلِ اللّٰهِ في الجملة و مع عدم وجود المؤمن و المؤلفة و سبيل اللّه يحفظ الى حال ممكن.

المراد بالايمان المعتبر في المستحقين هو الايمان بالمعنى الأخص أعني كونه إماميا اثنى عشريا، فلا يعطى بغير المؤمن بهذا المعنى، سواء كان مسلما معتقدا لخلاف الحق و لو من مستضعفهم، أو كان من الكفار بجميع أقسامه، اما عدم الإعطاء إلى الكفار، ففي الجواهر بلا خلاف بين المسلمين فضلا عن المؤمنين، بل الإجماع بقسميه عليه، بل المحكي منه متواترة بل يمكن دعوى كونه من ضروريات المذهب و الدين انتهى.

و يدل عليه مضافا الى ذلك كلما يدل على اعتبار الايمان بالمعنى الأخص كما يأتي، و ينبغي التخصيص بما عدا سهمي المؤلفة و سبيل اللّه على تفصيل‌

247

يأتي الكلام فيه إنشاء اللّه تعالى، و اما عدم الإعطاء الى أهل الخلاف من العامة، فيدل عليه مضافا الى عدم الخلاف فيه عندنا في الجملة و في الجواهر بل الإجماع بقسميه عليه بل المحكي منه متواتر، النصوص المستفيضة التي ادعى تواترها و لا يمكن لكثرتها استقصائها، و اما عدم الإعطاء الى غير الإمامية من فرق الشيعة فلخبر عمر بن يزيد الدال عدم جواز الإعطاء بالزيدية، و خبر يونس بن يعقوب الدال على عدم جواز الإعطاء بالواقفية، فلا إشكال في الحكم أصلا بالنسبة الى ما عدا سهمي المؤلفة و سبيل اللّه، و اما بالنسبة إليهما، أما سهم المؤلفة فقد عرفت الكلام فيه و انه يجوز إعطائه إلى الكفار فيما تقدم في بيان المستحقين، حيث قلنا فيه بأن الأقوى جواز إعطاء سهم المؤلفة إلى الكفار لالفتهم إلى الإسلام، أو الى معاونتهم المسلمين الى الجهاد مع الكفار، أو الدفاع عنهم، والى المسلمين لتقوية اعتقادهم أولا لإمالتهم الى المعاونة في الجهاد أو الدفاع، و لا اختصاص له الى الكفار، كما يظهر من عبارة الشرائع و لا الى المسلمين كما ذهب إليه في الحدائق و على ما قويناه، فيجوز إعطائه إلى الكفار و المخالف و غير الإمامية من فرق الشيعة، و هذا مما لا ينبغي الإشكال فيه، الا ان الكلام يقع في ان خروجه عن حكم ما دل عليه الأدلة المتقدمة الدالة على اعتبار الايمان في المستحق، هل هو بالتخصيص أو التخصص، و ظاهر الجواهر هو الأخير، حيث يقول فيه ان ظاهر ما دل على اعتبار الإيمان انما هو في المستحقين بالذات لا ما كان مصرفه الجهاد و ان رجعت الى الذات في بعض الأوقات كإعطاء أهل الخلاف لدفع شرهم عن المؤمنين و نحو ذلك مما هو في الحقيقة دفع للمؤمنين باعتبار وصول النفع إليهم، مع ان أدلة اعتبار الايمان ظاهرة في كون ذلك في الاستحقاق الشرعي، و الدفع إلى هؤلاء في نحو الفرض ليس لاستحقاقهم ذلك انتهى.

و لا يخفى ان ما ذكره فيه و ان كان تيم في الدفع الى الكفار أو المستضعفين‌

248

من المسلمين لاستمالتهم الى الجهاد أو الدفاع، الا انه لا تيم في الدفع إليهما لاستمالتهم إلى الإسلام أو الايمان.

لأن الغرض من الدفع إليهم حينئذ وصول النفع إليهم، اللهم الا ان يقال بان في ذلك أيضا نفع المؤمنين حيث ان في دخولهم في زمرتهم تقوى شركتهم كما لا يخفى، و بالجملة فلا فائدة مهمة في إطالة الكلام في كون جواز الإعطاء إليهم بالتخصيص أو التخصص، بعد فرض أصل الجواز من غير شبهة فيه، و اما سهم سبيل اللّه فان خصصناه بالجهاد كما قيل يرجع جواز إعطائه إلى الكفار الى سهم المؤلفة بناء على تعميمه بالنسبة إلى الكفار الذين يستمالون الى الجهاد و ان عممناه الى مطلق سبيل الخير كما هو الأقوى و قد تقدم، فالأقوى عدم جواز صرفه الى ما لا يرجع الى المؤمنين بل لا بد من صرفه الى ما يرجع إليهم كبناء القناطر و المدارس لهم و الخانات لاستطراقهم و المساجد لصلاتهم و تخليصهم من يد الظالمين و إصلاح ذات بينهم و رفع وقوع الشرور و الفتن عنهم و لا شبهة في عدم جواز صرفه الى غيرهم قطعا، و بما ذكرنا يظهر اعتبار الايمان في هذا القسم من سهم سبيل اللّه بمعنى الصرف في جهة تعود إليهم، و لعله اليه يرجع ما في المسالك و المدارك من التقييد ببعض افراد سبيل اللّه في جواز الصرف الى الكفار و مرادهما جواز الصرف في سبيل الجهاد الى الكفار (و تعديه) في مثل ما ذكرناه و ليس التقييد بالبعض في محله لانه لا معنى لاشتراط الايمان في ذلك كي يكون قابلا للاستثناء كما حكى التصريح به عن الشهيد (قدس سره) في نكت الإرشاد و تبعه في ذلك غير واحد من الأصحاب في كتبهم، نعم في الصرف الى هذا السبيل اعنى بناء القناطر و الخانات للمسلمين يجوز الصرف الى مباشرى البناء من باب الأجرة و لو كانوا كفارا لان الدفع إليهم ليس صرفا في غير سبيل المؤمنين كما لا يخفى، و الى ذلك أشار المصنف (قدس سره) في المتن بقوله في الجملة، و اما العاملون، فان اعتبرنا فيهم العدالة فلا ينبغي الإشكال في اعتبار الايمان فيهم فإن أعطوا‌

249

بعنوان الأجرة فلا ينبغي الإشكال في عدم اعتباره، و ان أعطوا بعنوان الاستحقاق و انهم صنف من الأصناف فالظاهر انصراف ما دل على اعتبار الايمان في المستحق عنهم خصوصا إذا كانوا أغنياء الذين يعطون لا للحاجة و سد الخلة حيث ان المستفاد من اخبار اعتبار الايمان عدم جواز رفع حاجة غير المؤمن و سد خلته من الزكاة و من المعلوم ان الإعطاء إلى العامل ليس كذلك كما لا يخفى.

و من جميع ما ذكرناه ظهر عموم اعتبار الايمان في المؤلفة و سبيل اللّه و العاملين على كلام في الأخير فلا وجه لاختصاصه بسهم الفقراء، و المساكين خاصة دون باقي الأصناف الذي مقتضاه جواز الدفع الى العارفين من غير المؤمنين و في فك رقابهم و لا بن السبيل منهم و لا ريب في بطلانه لقوة ما دل على اعتبار الايمان في مستحق الزكاة مطلقا و لو كانت النسبة بينه و بين ما دل على جواز الصرف في الأصناف عموما من وجه، هذا كله مع إمكان الصرف إلى المؤمنين أو المؤلفة و سبيل اللّه و مع عدم الإمكان لعدم وجود المؤمن و المؤلفة و سبيل اللّه يحفظ الى حال التمكن على المشهور، بل في الجواهر يمكن دعوى الإجماع عليه، لإطلاق أدلة المنع الشامل لصورتي وجدان الموضوع و عدمه، و لا ينافي الحكم بالحفظ ما في خبر الأوسي عن الرضا (عليه السلام) الدال على إلقائه في البحر، و فيه قال (عليه السلام): سمعت ابى يقول: كنت عند ابى يوما فأتاه رجل فقال: انى رجل من أهل الري و لى زكاة فالى من ادفعها فقال: إلينا فقال: الصدقة عليكم حرام فقال: بلى إذا دفعتها الى شيعتنا فقد دفعتها إلينا فقال: انى لا اعرف لهذا أحدا فقال: فانتظر بها سنة قال: فان لم أصب لها أحدا قال: انتظر بها سنتين حتى بلغ اربع سنين ثم قال:

له ان لم تصب لها أحدا فصرها صرارا و اطرحها في البحر فان اللّه عز و جل حرم أموالنا و أموال شيعتنا على عدونا الحديث، و ذلك لان الظاهر من الأمر بالإلقاء في البحر من جهة أولويته من الإيصال إلى المخالفين الذين حرم اللّه عليهم الزكاة كما لا يخفى، و بالجملة فلا ينبغي الإشكال في عدم جواز الصرف حينئذ الى‌

250

غير المؤمن، خلافا لما حكاه في الحدائق عن بعض أفاضل المتأخرين من انه نقل القول بجواز إعطاء المستضعف عند عدم المؤمن من غير تصريح بقائله، و استدل له بخبر يعقوب بن شعيب عن الكاظم قال: قلت له الرجل منا يكون في الأرض منقطعة كيف يصنع بزكاة ماله؟ قال: يضعها في إخوانه و أهل ولايته، فقلت فان لم يحضره منهم فيها احد قال: يبعث بها إليهم قلت: فان لم يجد من يحملها إليهم قال: يدفعها الى من لا ينصب قلت فغيرهم قال: ما لغيرهم الا الحجر و قد طرحه المحقق في المعتبر بضعف السند و العلامة بالشذوذ و حمله في الجواهر على مستضعف الشيعة، و لا يخفى وجوب رفع اليد عنه بعد الاعراض عن العمل به و مع الغض عنه يكون تقييد إطلاق خبر الأوسي به هو مقتضى الصناعة كما لا يخفى.

[مسألة 1 تعطى الزكاة من سهم الفقراء لأطفال المؤمنين و مجانينهم]

مسألة 1 تعطى الزكاة من سهم الفقراء لأطفال المؤمنين و مجانينهم من غير فرق بين الذكر و الأنثى و الخنثى و لا بين المميز و غيره اما بالتمليك بالدفع الى وليهم و اما بالصرف إليهم مباشرة أو بتوسط أمين ان لم يكن لهم ولي شرعي من الأب و الجد و القيم.

أما أصل إعطاء الزكاة لأطفال المؤمنين فمع انه لا خلاف فيه على الظاهر بل ادعى عليه الإجماع في السنة غير واحد من الأساطين، يدل عليه أخبار كثيرة كخبر ابى بصير و رواية ابى خديجة و رواية عبد الرحمن بن الحجاج و خبر يونس بن يعقوب، و اما الإعطاء للمعافين، ففي المدارك ان حكم المجنون حكم الطفل، أقول و يمكن ان يستدل له بخبر ابى بصير فان فيه الرجل يموت و يترك العيال يعطون من الزكاة، و خبر يونس الذي فيه أيضا وقع التعبير بلفظ عيال المسلمين فإن إطلاق لفظ العيال يشمل المجنون أيضا و ان كان منصرفا إلى الأولاد الصغار الا ان الظاهر عدم الإشكال في ثبوت الحكم للمجنون أيضا و كذا عدم الفرق بين الذكر و الأنثى و الخنثى و المميز و غيره لإطلاق الأدلة كما صرح به في الجواهر و لا إشكال في جواز الإعطاء بالتمليك بالدفع الى وليهم لان ذلك هو المتيقن من‌