مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى - ج10

- الشيخ محمد تقي‏ الآملي المزيد...
558 /
351

و ان كان قرار الضمان على الأجنبي،

و للفقيه أو العامل الرجوع على أيهما شاء و ان رجع على المالك رجع هو على المتلف و يجوز له الدفع من ماله ثم الرجوع على المتلف.

لانه مكلف بالدفع، و يجوز الدفع من غير العين الزكوية من جنسها أو من غير جنسها كما تقدم.

[مسألة 4 لا يجوز تقديم الزكاة قبل وقت الوجوب على الأصح]

مسألة 4 لا يجوز تقديم الزكاة قبل وقت الوجوب على الأصح فلو كان قدمها كان المال باقيا على ملكه، مع بقاء عينه، و يضمن تلفه القابض، ان علم بالحال، و للمالك احتسابه جديدا مع بقائه، أو احتساب عوضه مع ضمانه و بقاء فقر القابض، و له العدول عنه الى غيره.

المشهور شهرة عظيمة كما في الجواهر انه لا يجوز تقديم الزكاة قبل وقت وجوبها، و استدل له بالأصل، أعني قاعدة الشغل عند الشك في فراغ الذمة عما اشتغلت به الذمة، من التكليف، بالأداء معجلا، حيث انه عبادة تحتاج في إحراز كفاية تقديمها الى محرز، و بان المدفوع المعجل ان كان بصفة الوجوب، يجب ان لا يكون الحول شرطا، و ان كان بصفة الاستحباب لم يكن امتثالا لاداء الزكاة، و بالأخبار المانعة عن التعجيل، مستدلا بها لعدم جواز تقديم واجب قبل وقته، ففي حسنة زرارة قال: قلت لأبي جعفر ع أ يزكي الرجل ماله إذا مضى ثلث السنة، قال ع: لا تصلى الاولى قبل الزوال، و حسنة عمر بن يزيد المتقدمة في المسألة السابقة، في الرجل يكون عنده المال، أ يزكيه إذا مضى عليه نصف سنة؟ فقال ع: لا و لكن يحول عليه الحول، و لا يصوم احد شهر رمضان إلا في شهره، إلا قضاء و كل فريضة إنما تؤدى إذا حلت، و بالأخبار الدالة على اعتبار الحول، و انه لا شي‌ء في المال قبله، و بما دل على اعتبار الحول في الزكاة من الاخبار، حيث ان اعتباره لا يجتمع مع جواز التعجيل: هذا و عن العماني و السلار جوازه و قد استدل‌

352

لهما بغير واحد من الاخبار الدالة على الجواز التي ادعى العماني تواترها و منها يخرج عن حكم الأصل المحكوم بالدليل، و اما ان المدفوع ان كان بصفة الوجوب لم يكن الحول شرطا، و ان كان بصفة الاستحباب لم يكن امتثالا لأدلة الزكاة ففيه انه بعد قيام الدليل على جواز التعجيل يكون المدفوع زكاة لكنه لا يجب دفعها قبل وقت وجوبه، و لا يكون دفعها ح امتثالا، لأوامر الزكاة، الا انه سقط عن الواجب، أو يقال انه يتصف بصفة الاستحباب، و لا ضير في كونه مستحبا و مع ذلك يكون مسقطا عن الفرض إذا قام الدليل عليه كما في نظائره، مثل تعجيل زكاة الفطرة قبل العيد على القول بجوازه، و مما ذكرنا يظهر المناقشة في الاستدلال، بالأخبار الدالة على الحول على المنع فان جواز التعجيل و تسميته تعجيلا انما هو لرعاية أدلة اشتراط الحول فكيف يدعى تنافيه معها، هذا و لكن التحقيق هو القول بالمنع، على ما هو المشهور، و ذلك لقصور الأخبار المجوزة لأن يستند عليها للذهاب الى القول، لان خروجها مخرج التقية كما في الجواهر من ان المحكي في التذكرة عن جماعة من العامة جواز التعجيل مع وجود سبب الوجود، و هو النصاب، كي يرد عليه بان المحكي عنهم إطلاق التقدم فلا يلائمه الأخبار المقيدة بالشهر و الشهرين و الأربعة و الخمسة، الا على مذهب صاحب الحدائق، من عدم اعتبار مطابقة العامة في الحمل على التقية و لا لحملها على جواز إخراجها قبل الوقت قرضا، كما عن الشيخ قده مستسهدا بصحيحة الأحول عن الصادق ع في رجل عجل زكاة ماله، ثم أيسر المعطى قبل رأس السنة فقال يعيد المعطى الزكاة، لكي يرد عليه بما أورده المحقق في المعتبر، بأن صحيحة الأحول لا تدل على ما زعمه الشيخ حتى تكون شاهدا على جمعه إذ يمكن القول بجواز التعجيل مشروطا ببقاء القابض على الصفة المعتبرة فيه فتنزيلها على القرض تحكم، بل لما مر مرارا من كون المناط في الحجية هو الخبر الموثوق بصدوره، و ان اعراض الأصحاب عن العمل به يوجب الوهن بالصدور، المسقط‌

353

للحجية، و مع ذهاب المشهور عن العمل باخبار جواز التعجيل يكون المتعين هو الأخذ باخبار المنع عنه كما هو العمل، ثم انه ربما يقال في تصحيح التعجيل وجوها منها انه رخصة أو نفل يسقط به الفرض لا انه واجب من أول السنة، كالخمس عند ظهور الربح حيث انه واجب من حيثه، و انما رخص المالك في التأخير إلى السنة إرفاقا له نظرا إلى إحراز الفاضل من مؤنته.

و منها ان المخرج قبل الحول لا يكون زكاة و انما هو قرض لكنه يصير زكاة قهرا عند حلول الحول من غير حاجة الى الإخراج و المحاسبة على الفقير عند حلوله.

و منها ان يكون قرضا، على الزكاة، نظير استقراض الجهة عليها بان يجعل الزكاة اعنى سهم سبيل اللّه مديونا فيعطى الفقير قرضا من سهم سبيل اللّه فلا تكون ذمة الفقير ح مشغولة بل يكون الدفع اليه كالصرف في سبيل اللّه على ان يأخذ من الزكاة كما إذا ابني جسرا مثلا ثم يعطى مؤنته من سهم سبيل اللّه، فإنه لا يشغل ذمة فيه لأحد.

و منها انه ليس قرضا محضا و لا زكاة معجلة و لا يخفى ان هذه الوجوه كلها تمحلات، لا يمكن الالتزام بشي‌ء منها لمنافاة الأول منها مع اعتبار النية في الزكاة فتأمل، و مع الالتزام بأنه ان خرج الدافع أو المال عن صفة الوجوب استعيدت العين من المدفوع اليه لو كانت موجودة عنده مطلقا، و قيمته عند تلفه مع علمه بالحال، و من المعلوم انه لو لم تكن زكاة واجبة بل كانت رخصة أو نفلا يسقط به الفرض لم يكن وجه للرجوع، بل كانت كتقديم غسل الجمعة يوم الخميس أو صلاة الليل قبل انتصافه فتأمل.

و منافاة الثاني منها مع اعتبار النية أيضا في الزكاة، فكيف يصير القرض زكاة قهرا عند حلول وقتها، و منافاة الثالث مع القواعد، و هو و ان لم يكن محذورا عند قيام الدليل عليه، لكن اخبار جواز التعجيل قاصرة عن إثباته‌

354

مع مخالفته مع القواعد، و بالجملة فلا محيص في هذه المسألة إلا الأخذ بالقول بعدم جواز التعجيل و انه لو أراد دفع الزكاة قبل الحول، ينحصر في ان يدفع قرضا ثم احتسابه زكاة عند حلول الحول، مع بقاء الشرائط في القابض و الدافع و المال جمعا كما يدل عليه خبر عقبة بن خالد و فيه ان عثمان بن عمران دخل على ابى عبد اللّه ع و قال له: انه رجل موسر فقال له أبو عبد اللّه: بارك اللّه في يسارك، قال: و يجيئني الرجل يسئلنى الشي‌ء، و ليس هو ابان زكوتى، فقال له أبو عبد اللّه ع القرض عندنا بثمانية عشر و الصدقة بعشر و ماذا عليك ان كنت موسرا أعطيته فإذا كان ابان زكوتك احتسبت بها من الزكاة، بل يمكن جعل هذا الخبر دليلا على عدم جواز التعجيل، حيث انه مع جوازه لما احتاج الى إعطائه قرضا بل ينبغي له ح ان يجيبه بجواز التعجيل، كما لا يخفى و هذا ما ذكره المصنف قده في‌

[مسألة 5 إذا أراد ان يعطى فقيرا شيئا و لم يجئ وقت وجوب الزكاة عليه]

مسألة 5 إذا أراد ان يعطى فقيرا شيئا و لم يجئ وقت وجوب الزكاة عليه يجوز ان يعطيه قرضا، فإذا جاء وقت الوجوب حسبه عليه زكاة بشرط بقائه على صفة الاستحقاق و بقاء الدافع و المال على صفة الوجوب و لا يجب عليه ذلك، بل يجوز مع بقائه على الاستحقاق الأخذ منه و الدفع الى غيره، و ان كان الأحوط الاحتساب عليه،

و عدم الأخذ منه هو احتمال جواز التعجيل، و كون المدفوع زكاة معجلة حيث انه على تقدير جوازه لا يجوز الأخذ منه، و لكن لا يخفى ان الاحتياط في الاحتساب يصح فيما إذا أعطاه زكاة، إذ على احتمال جواز التعجيل لا يجوز الأخذ، لصيرورته ملكا للأخذ، و اما مع فرض كون الدافع أعطاه قرضا فلا مورد لهذا الاحتياط، و لعل وجهه ح الكسار قلب الأخذ، و كون الأخذ منه و الإعطاء بغيره مع بقائه على صفة الاستحقاق ترجيحا من غير مرجح، خصوصا إذا كان الأخذ معسرا يكون الأخذ منه حرجا.

355

[مسألة 6 لو إعطاء قرضا فزاد عنده زيادة متصلة أو منفصلة]

مسألة 6 لو إعطاء قرضا فزاد عنده زيادة متصلة أو منفصلة فالزيادة له لا للمالك لان القرض يملك بالقيض على التحقيق و يصير ملكا للمقترض، و يكون نمائه الحاصل في ملكه، تابعا له مطلقا متصلة كانت أو منفصلة كما انه لو نقص كان النقص عليه.

لكونه ملكه خلافا للشيخ القائل بأنه يرد العين كذلك أي ناقصة و لا شي‌ء عليه، و لعله لعدم ملك المقترض بالقبض عنده، و فيه ان العين مضمونة على القابض و ان لم يملكها بالقبض.

فان خرج

القابض عن الاستحقاق،

أو أراد المالك الدفع الى غيره.

و لو مع بقاء القابض على الاستحقاق فليس للمالك، مطالبة العين عن القابض مع بقائها عنده لانه ملكه بالقرض، بل يسترد عوضه لا عينه كما هو مقتضى حكم القبض، فان كان مثليا مع تلفه يؤخذ مثله و مع بقائه يتخير القابض بين دفع العين بعنوان كونه مثلا لما في ذمته، أو دفع مثله و ليس للمالك مطالبة العين إذا أراد القابض إعطاء مثله و لا الاستنكاف عن أخذه عند دفع القابض إياه، كل ذلك لانه يستحق المثل، و يكون القرض في ذمة المقترض، و يكون تعيين ما في ذمته من الكلي في المعين. بيده فله ان يعينه في نفس العين المقبوضة كما ان له تعيينه في غيره، و ان كان قيمتا، فمع تلفه يؤخذ القيمة من غير اشكال، و مع بقائه فهل للقابض تسليم نفس العين عوضا لما في ذمته من القيمة بحيث لا يكون للمالك الاستنكاف عن أخذه، أو ان له القيمة فله الاستنكاف عن أخذ العين عوضا؟ وجهان، أقواهما الأخير قضاء لحكم القرض، و ان المقرض يستحق القيمة في ذمة المقترض، فله ان يطالبه بالقيمة، كما لا يخفى هذا إذا زاد على العين، حيث ان الزيادة ملك للمقترض، و ليس للمالك مطالبة العين من القابض بعد صيرورته ملكا له بالقرض.

بل مع عدم الزيادة أيضا ليس عليه الا رد المثل أو القيمة.

356

و لو تراضيا على دفع العين مع الزيادة، فإن كانت منفصلة كالولد، فليس على القابض دفعها مع العين، و ان كانت متصلة، فإن ملكها الى الدافع فهو و الا فالظاهر بقائها على ملك القابض، فيكون العين المدفوعة بينهما بالشركة بالنسبة.

[مسألة 7 لو كان ما أقرض الفقير في أثناء الحول]

مسألة 7 لو كان ما أقرض الفقير في أثناء الحول بقصد الاحتساب عليه بعد حلوله بعضا من النصاب و خرج الباقي عن حده سقط الوجوب على الأصح.

لخروج المدفوع الى الفقير قرضا عن ملك المالك، لان القرض كما عرفت يصير ملكا للمقترض بالقبض، فلم يسلم للمالك النصاب الذي شرط لوجوب الزكاة.

و عدم بقائه في ملكه طول الحول

و لا زكاة في الدين مطلقا من غير فرق بين القرض و غيره و لا بين بلوغه بنفسه نصابا أو كونه مكملا للنصاب، و يسقط الزكاة بالتبديل في أثناء الحول مطلقا من غير فرق بين ان يكون التبديل بجنسه أو بغير جنسه، خلافا للمحكي عن الشيخ، فأوجب الزكاة في الفرع المذكور، لعدم صيرورة القرض ملكا، للمقترض عنده بالقبض، بل تتوقف عنده على التصرف، و ثبوت الزكاة عنده في الدين، و عدم سقوطها بالتبديل، و بعد ما تقدم من ان التحقيق عدم ثبوتها في الدين و سقوطها بالتبديل، و انه حقق في محله صيرورة القرض ملكا للمقترض بالقبض من غير توقف في حصول الملك على التصرف يكون الأصح ما عليه الأكثر، من سقوط الزكاة في الفرع المذكور و انه لو أقرض الفقير في أثناء الحول و خرج الباقي عن حد النصاب سقط الوجوب‌

مطلقا سواء كانت العين باقية عند الفقير أو تالفة، فلا محل للاحتساب، نعم لو أعطاه بعض النصاب امانة بالقصد المذكور لم بسقط الوجوب مع بقاء عينه عند الفقير، فله الاحتساب ح بعد ملول الحول إذا بقي على الاستحقاق.

و هذا ظاهر.

357

[مسألة 8 لو استغنى الفقير الذي أقرضه]

مسألة 8 لو استغنى الفقير الذي أقرضه بالقصد المذكور، بعين هذا المال ثم حال الحول عليه يجوز الاحتساب عليه من سهم الفقراء لبقائه على صفة الفقر بسبب هذا الدين.

و ذلك لان الغنى المانع عن أخذ الزكاة، وجدان ما يقابل الدين، زائدا عن مؤنة السنة لو كان عليه دين فالمديون يكون غنيا، إذا كان له ما يقابل دينه زائد عن مئونة سنته، و المفروض في المقام صيرورة المقترض غنيا بنفس هذا الدين، بحيث لو أخذ منه صار فقيرا فيكون أخذه منه موجبا لجواز إعطائه، و هو كاللغو اعنى أخذه منه ثم إعطائه زكاة فكأنه لغو لا فائدة فيه، و لذا قال العلامة في محكي المختلف من انه لا حكمة ظاهرا في أخذه ثم دفعه إليه، أقول: و ان كان الظاهر ان الاحكام الشرعية لا يثبت بمثل هذه الاعتبارات، لكن الحق هو ذلك اى جواز الاحتساب عليه من سهم الفقراء لكونه فقيرا بسبب صدق حد الفقير عليه، على ما بيناه خلافا للمحكي عن ابن إدريس، فمنع عن احتسابه عليه، باعتبار كونه غنيا لان القرض يصير ملكا للمقترض بالقبض و لا يخفى ما فيه، لان صيرورته ملكا له بالقبض لا يصيره غنيا بعد اعتبار وجدان ما يقابل الدين في الغنى، و هذا معنى قول المصنف قده لبقائه على صفة الفقر بسبب هذا الدين.

و يجوز الاحتساب من سهم الغرماء أيضا و اما لو استغنى بغير (هذا الدين و لو بنماء) هذا المال.

بحيث لو اخرج عين المال في الدين بقي غناه بنمائه فلا يجوز الاحتساب عليه، و لو كان غناه بارتفاع قيمته، فان كان مثليا فيجوز الاحتساب عليه، لانه بارتفاع القيمة لا يصير غنيا، بعد كون المثل عليه و المفروض ارتفاع مثله أيضا، و ان كان قيميا و قلنا بأن العبرة في القرض بقيمة يوم الأداء فكذلك،

و اما إذا كان قيميا و قلنا ان المدار قيمته يوم القرض لا يوم الأداء لم يجز الاحتساب عليه

: و ذلك واضح، لصيرورته غنيا بالقيمة الزائدة، التي لا يجب عليها في مقابلها شي‌ء.

358

هذا تمام الكلام في فروع تعجيل الزكاة قبل حلول الحول من شرائط وجوبها، و اما وجوبها قبل تحقق سائر شرائطها، كالنصاب و الملك و التمكن من الصرف فالظاهر عدم جوازه قولا واحدا، حتى من القائل بالجواز قيل حلول الحول، و هو كذلك لعدم ما يتوهم جوازه بالنسبة إلى غيره من الشرائط‌

[فصل الزكاة من العبادات]

فصل الزكاة من العبادات.

اعلم ان البحث عن تعبدية أمر الزكاة مثل البحث عن تعبدية سائر الأوامر قد يكون أصوليا، و قد يكون بحث يرجع الى مباحث الفقه اما البحث عنها من حيث كونه أصوليا فقد ذكرناه في محله مستوفى و اما من حيث كونه فقيها، فالكلام يقع في إقامة الدليل على كون الزكاة عبادة بعد الفراغ عن كونها لو لا الدليل على عباديتها كان مقتضى القاعدة الأصولية هو التوصلية، فنقول قد يقال بان مقتضى الأدلة الاجتهادية في كل أمر هو التعبدية و ذلك لدلالة عموم (و ما أمروا إلا ليعبدوا إله مخلصين له الدين) و قوله ص: إنما الأعمال بالنيات، و لا يخفى ان هذا البحث أيضا أصولي و قد أوضحنا في الأصول عدم دلالة الدليلين على عموم التعبدية في كل أمر فلا يصح إثبات التعبدية بالشك في تعبديتها، و العمدة في المقام لإثبات عبادية الزكاة هو الإجماع فإنه بقسميه قائم على كونها عبادة، و في الجواهر بل لعله كذلك عند المسلمين، و عن المعتبر انه مذهب العلماء إلا الأوزاعي و عن التذكرة انه قول عامة أهل العلم الى ان قال: و حكى عن الأوزاعي عدم وجوبها فيها فان جعل المخالف لعامة أهل العلم هو الأوزاعي دليل على اتفاق ما عداه على عباديتها، قال في الجواهر: و كذلك الخمس و ان قل المصرح باعتبارها فيه، و كأنهم أوكلوا الأمر فيه على الزكاة، و بالجملة لا إشكال في أصل الحكم بالإجماع المذكور، فيعتبر فيها النية، لأن معنى عبادية الشي‌ء هو توقف امتثال امره على إتيانه بداعي التقرب به على ما قلنا في حد التعبدي من أنه وظيفة قررت لان يتعبد بها فيعتبر في سقوطها إتيانها كذلك بخلاف التوصلي أندى هو وظيفة قررت لا لأجل أن يتعبد بها و ان أمكن التعبد بها أيضا،

و التعيين مع تعدد ما عليه بان يكون عليه خمس و زكاة و هو هاشمي فاعطى هاشميا فإنه يجب عليه ان يعين انه من أيهما.

359

و ذلك لان التعبدية كما عرفت هي عبارة عن الوظيفة المقررة لأن يتعبد بها و التعبد بالشي‌ء يحصل بإتيانه بداعي أمره، بحيث يكون قصده في إتيانه مجرد الامتثال و امتثال الأمر يحصل بإتيان نفس ما هو مأمور به بحيث تكون ارادة الفاعل متعلقة بنفس ما تعلق به إرادة الأمر حتى تصدق المطاعة و الإتيان بقصد الامتثال إذ لا معنى للإتيان بالشي‌ء بقصد امتثال الأمر المتعلق بالشي‌ء الأخر و انه لا يعد امتثالا فحينئذ لو لم يكن إلا أمر واحد لكان هو متعينا بنفسه كما إذا لم يكن عليه الا صلاة واحدة أو زكاة واحدة أو صوم واحد فلا يحتاج الى تعيين لأنه يؤتى متعلق الأمر بداعي أمره تنفس وحدة الأمر معين لمتعلقه إذ لا تعدد فيه فيقصد الإتيان بما تعلق به الأمر و يكون عنوان ما تعلق به الأمر مشيرا و طريقا الى تعلق ارادة الفاعل بنفس ما تعلق ارادة الآمر من تلك الانبوبة و من ذلك الطريق، و اما مع تعدد الأمر فلا يكفى قصد ما تعلق به الأمر في إسراء الإرادة إلى واقع ما تعلق به ارادة الآمر لأن إرادة الأمر لم تتعلق الى عنوان ما تعلق به الأمر حتى يكون فصد الفاعل للإتيان بما تعلق به الأمر مطاوعا لإرادة الأمر بل إرادة الأمر تعلقت بهذا و ذاك في صورة التعدد كالزكاة و الخمس فلو لم يقصد الفاعل أحدهما بداعي أمره لم يكن في إرادته مطاوعا لإرادة الأمر، بل ارادته تعقلت بغير ما تعلقت به إرادة الأمر، و بعبارة أوضح الفاعل في فعله هذا لا يكون منبعثا عن إرادة الأمر، لتعلقها بهذا و ذاك كما لا يخفى، و الحاصل ان الركن في العبادات أمر ان أحدهما تعلق ارادة الفاعل بعين ما تعلقت به ارادة الآمر، و ثانيهما كون تعلق ارادته بعين ما تعلق به إرادة الأمر يداعى امتثال امره و مطاوعة إرادته لا شيئا آخر، و لا فرق في تعلق ارادته بعين ما تعلق به إرادة الأمر بين ان يكون اسراء ارادته اليه بلا توسيط واسطة عنوان أو توسيط عنوان مشير اى عنوان كان و لو كان عنوان ما تعلق به إرادة الأمر، و مع وجدة الأمر يصح جعل عنوان ما تعلق به الأمر عنوانا مشيرا إلى واقعه لان واقعه متعين من غير معين بل بنفسه، و مع تعدد ما تعلق به الأمر لا يمكن جعل عنوان ما تعلق به الأمر عنوانا مشيرا إلى واقعه لان واقعه متعدد و لا بد من إسراء إرادة الفاعل إلى أحدها المعين‌

360

و عنوان ما تعلق به الأمر ليس عنوانا مشيرا الى الواقع المعين مما تعلق به الأمر، بل هو مشير الى الواقع المبهم، إذ كل واحد من المتعددات مما تعلق به الأمر و المبهم لم يتعلق به الأمر فارادة الفاعل في صورة تعدد الأمر تعلق الى الواقع المهم مما تعلق به الأمر، و هو ليس بمتعلق الأمر، و ما تعلق به الأمر أعني هذا المعين أو ذاك لم يتعلق به ارادة الفاعل، فيختل أحد ركني النية مع عدم التعيين في صورة التعدد و هذا ما هو السر في الاحتياج الى التعيين في صورة تعدد الأمر، فافهم و اغتنم، فإذا كان عليه زكاة و خمس و هو هاشمي يعطى هاشميا، يكون المعطى به صالحا لان يكون زكاة لجواز إعطاء الهاشمي زكوته الى مثله، كما انه صالح لان يكون خمسا لكون الأخذ هاشميا، فلا يكفي إعطائه بعنوان ما تعلق به الأمر، بل لا بد ان يقصد في إعطائه اما الزكاة و اما الخمس، لان كل واحد معينا مما تعلق به الأمر، و حيث ان الخمس و الزكاة مختلفان بالنوع فلا بد من ان يقصد اما هذا معينا أو ذاك كذالك.

و كذا لو كان عليه زكاة و كفارة

فإنهما أيضا مختلفان بالنوع فيحتاج في تعلق ارادة الفاعل بعين ما تعلق به إرادة الأمر إلى التعيين،

بل و كذا إذا كان عليه زكاة المال و الفطرة فإنه يجب التعيين على الأحوط

لاحتمال كون الزكاة و الفطرة أيضا مختلفي النوع كالخمس و الزكاة، أو الزكاة و الكفارة لكن الأقوى كون اختلافهما صنفيا لا نوعيا، فان كل واحدة منهما صنف من الزكاة فيكفي قصد نوع الزكاة، و يمكن ان يقال باعتبار التعيين ح و لو كان اختلافهما بالصنف لا بالنوع، و ذلك لان المناط فيما يعتبر فيه التعيين، فيما إذا كان المأمور به متعددا مختلف النوع، هو ما تقدم من اعتبار تعلق ارادة الفاعل بعين ما تعلق به ارادة الآمر، و في صورة التعدد لا بد من التعيين كما تقدم، و فيما إذا كان المتعدد متحدد النوع و كان الاختلاف بينهما بالصنف يحتاج الى التعيين لا مطلقا بل فيما تحقق فيه أمران (الأول) ان لا يكون التكاليف المتعددة طولية كما في صوم شهر رمضان، حيث ان التكليف في كل‌

361

يوم منه تكليف بصوم فيه لا يمكنه إيقاع الصوم اليوم الأخر فيه لعدم قابلية المحل ففي مثله لا يحتاج الى التعيين، لتعيين ما يقع فيه قهرا من ناحية عدم قابلية المحل لإيقاع غيره فيه، و كذا بالنسبة إلى صوم غير رمضان، فإنه أيضا لا يقع في شهر رمضان، فلو كان عليه قضاء من شهر رمضان السابق أو صوم كفارة أو نذر أو واجب غيره لا يحتاج في إتيان صوم شهر رمضان الى تعيين كونه منه، و لو مع اشتغال ذمته بصيام غيره كالقضاء و غيره، لتعين الشهر لإيقاع صوم رمضان فيه فقط.

(الثاني) ان يكون المأمور به لو لا التعيين باقيا على الإبهام و لم يكن له معين كما في صورة النذر و الكفارة حيث ان تعين كل منهما محتاج الى التعيين فلو لم يكن كذلك، بل كان أحدهما يحتاج الى التعيين دون الأخر بأن كان عدم تعيين أحدهما معين للآخر، فلا يحتاج الى التعيين، بل يتعين عند عدم قصد الأخر، و لو لم يعينه بالقصد و ذلك كما في القضاء عن النفس و عن الغير، فان تعين كونه عن الغير يحتاج الى المعين و اما تعين كونه عن نفسه فغير محتاج الى قصد كونه عن نفسه بل إذا لم يقصد الإتيان عن غيره يقع قهرا عن نفسه، فيفرغ ذمته عنه إذا كان مشتغلا، و يقع لغوا لو لم يكن كذلك و قد أوضحنا سر ذلك في مباحث النية من كتاب الصلاة، و لا يخفى ان زكاة المال و الفطرة و لو كان مختلفي الصنف لا النوع لاحتاجا الى التعيين لعدم طولية التكليف فيهما: و عدم تعيين أحدهما عند عدم تعيين الأخر، و ح نقول الإرادة الآمرية متعلقة بهذا و ذلك على نحو التعين، بحيث يكون كل منهما بخصوصيتها متعلق الأمر، و لو فرض كون الأمر بهما تخييريا لكان التخيير شرعيا و لم يتعلق الطلب بالجامع بينهما، حتى يكون على تقدير كونه تخييريا عقليا، و ح إذا قصد الفاعل الجامع بينهما المنطبق عليهما، لا خصوصية المالية و لا الفطرة لم يكن ارادته متعلقة بعين ما تعلق به إرادة الأمر، فالأقوى ح احتياج تعيين المالية و الفطرة إذا كان كلاهما في عهدة الفاعل كما لا يخفى، هذا فيما إذا تعدد الحق كزكاة المال و زكاة الفطرة.

بخلاف إذا اتحد الذي عليه

كما إذا كان زكاة المال فقط أو زكاة الفطرة كذلك،

362

فإنه يكفيه الدفع بقصد ما في الذمة، و ان جهل نوعه

و ذلك لما عرفت من التعين بإسراء الإرادة الى ما تعلق به ارادة الآمر و لو بتوسط عنوان مشير و لا يحتاج الى قصد المأمور به بعنوانه الاولى، و مع اتحاد الحق الذي عليه يكفي في إرادته قصد ما في ذمته، بعنوان كونه في الذمة حيث انه يتعين بهذا العنوان مع وحدته فينطبق متعلق ارادة الفاعل مع متعلق إرادة الأمر، بل مع التعدد أيضا يكفيه التعيين الإجمالي بأن ينوي ما وجب عليه أولا، أو ما وجب ثانيا مثلا حيث انه يتعين كما هو واضح، و لا يعتبر نية الوجوب و الندب، لا وصفا و لا غاية و المراد بالوجوب أو الندب الوصفي هو جعلهما صفة للمأمور به بان يقصد إتيان الزكاة الواجبة مثلا بداعي امتثال امره و بالثاني منهما جعلهما صفة للأمر، بأن يقصد إتيان المأمور به بداعي أمره الواجب أو المستحب و لا يجب قصد شي‌ء منها في شي‌ء من العبادات لعدم ما يدل على اعتباره و ما ذكره بعض المتكلمين لاعتباره كلام لا طائل تحته، و قد حررنا جملة وافية في ذلك في مبحث العلم الإجمالي من مباحث القطع في الأصول،

و كذا لا يعتبر أيضا نية الجنس الذي تخرج منه الزكاة انه من الغلات أو الأنعام أو النقدين، من غير فرق بين ان يكون محل الوجوب متحدا أو متعددا.

اما إذا كان محل الوجوب متحدا، فان لم يكن عليه الا زكاة الإبل أو الحنطة أو الفضة مثلا فواضح انه لا يحتاج الى تعيين الجنس، لتعين محل الوجوب في نفسه فإذا قصد إتيان ما عليه من الزكاة، يسرى قصده الى ما عليه من غير حاجة الى إضافته إلى محل الوجوب، و الجنس الذي تخرج منه، و اما إذا كان محل الوجوب متعددا، بان كان عليه زكاة الانعام و الغلات معا أو مع النقدين أيضا فإذا أخرج شيئا بقصد ما عليه من الزكاة فاما ان يقصد صرف ما عليه من الزكاة من دون إضافته إلى شي‌ء من المحال لا على التعيين و لا على الترديد كما إذ اقترض في يوم من شخص خمسة و في يوم أخر خمسة أخرى، فصار مديونا به العشرة، فيعطيه خمسة بقصد أنه خمسة من العشرة التي يجب عليه و لا يقصد كونها الخمسة الاولى و لا الثانية و لا بعنوان احدى الخمستين المردد القابل الانطباق على أحدهما‌

363

و اما ان يقصد الإتيان بإحدى الزكوتين على نحو المردد القابل الانطباق على زكاة الأنعام أو الغلات مثلا ففي الأول لا ينبغي الإشكال في صحة إتيانه و حصول الامتثال به.

من غير فرق بين ان يكون نوع الحق متحدا كما لو كان عنده أربعون من الغنم و خمس من الإبل، فان الحق في كل منهما شاة أو يكون متعددا كما لو كان عنده من احدى النقدين و من الأنعام

فان الحق الواجب في أحد النقدين شي‌ء و في الأنعام شي‌ء أخر،

فلا يجب تعيين شي‌ء من ذلك سواء كان المدفوع من جنس واحد مما عليه

كما إذا كان عليه من جهة نصاب احد النقدين دراهم مثلا، و من جهة الانعام شاة، فاعطى الدراهم أو الشاة، أو اعطى الدنانير التي لا يوافق جنس ما عليه من الدرهم و الشاة، أو لا يكون،

فيكفي مجرد قصد كونه زكاة

فيتوزع ما يخرجه على الجميع و تحصل البراءة عما عليه بقدر ما يخرجه و في الثاني أعني ما إذا قصد إخراج واحد مما عليه على نحو الإبهام و الترديد فلا يخلو عن اشكال، حيث لم تتعلق ارادة الفاعلية بنفس ما تتعلق ارادة الأمرية، لأن عنوان أحدهما أو أحدها لم يكن مأمورا به، و لم يجعل الفاعل ذاك العنوان مشيرا الى واقع ما أمر به، بل توجه قصده الى هذا العنوان على نحو الترديد، و الإبهام فلا يكون صرف ما عليه متعلق ارادته حتى يوزع المخرج على ما عليه، و لا خصوصية ما عليه مرادا حتى يتوجه على تلك الخصوصية، بل يكون قصده الى الواحد المبهم الذي لم يتعلق به الأمر،

بل لو كان له مالان متساويان أو مختلفان حاضران أو غائبان أو مختفلان فاخرج الزكاة عن أحدهما من غير تعيين اجزئه، و له التعيين بعد ذلك، و لو نوى الزكاة عنهما وزعت بل يقوى التوزيع مع نية مطلق الزكاة.

في هذا المتن أمور ينبغي البحث عنها (الأول) لو كان له مالان على حسب ما فرضه في المتن: فاخرج شيئا زكاة عن أحدهما من غير تعيين في قصده بكون‌

364

المخرج زكاة عن هذا المال أو ذاك، بل على نحو الإبهام و الترديد بان كان قاصدا لكونه زكاة عن احد المالين على نحو الإلهام ففي الشرائع انه اجزئه قال، في الجواهر: لإطلاق الأدلة و ما تقدم من عدم الدليل على وجوب تعيين الافراد التي جمعهما أمر واحد انتهى.

و ما ذكره لا يخلو عن اشكال لما تقدم من عدم تعلق ارادة الفاعل بعين ما تعلق به ارادة الآمر حيث ان أحدهما على نحو الإبهام لم يتعلق به الطلب و ما تعلق به الطلب هو إخراج الزكاة عن هذا و ذاك: و هو غير متعلق ارادة الفاعل (الثاني) انه هل له التعيين بعد الإخراج عن احد المالين على نحو الإبهام ففيه احتمالان ففي التذكرة الجزم بجوازه و قد ذكروا في نظائر المقام أيضا كما إذا كان عليه دين بشخصين، بان كان مديونا بزيد عشرة مثلا، و بعمر عشرة أيضا، و كان شخص وكيلا من زيد و عمر في قبض مالهما، من الدين فاعطى المديون عشرة بهذا لوكيل عنهما بان يكون عن أحدهما من غير قصد تعيين و لا على نحو الإطلاق، بل على نحو الإبهام و الترديد ثم بعد الإخراج و الدفع أراد ان يكون المخرج من دين زيد مثلا أو عمرو، فإنهم قالوا بجواز التعيين بعد دفعه على نحو الإبهام، و كذا لو كان عليه دينان لشخص واحد على أحدهما رهن دون الأخر فأخرج ما يطابق أحدهما على نحو الإبهام ثم عين المخرج في أحدهما مثل ماله الرهن ليفك رهنه و مثل ما لو كان عليه صوما يومين أحدهما من شهر رمضان الماضي، و الأخر من رمضان هذه السنة فصام يوما على نحو الإبهام، ثم يريد ان يعينه في رمضان هذه السنة، تخلصا عن كفارته، و كذا لو كان عليه صلاة من شخصين فصلى عن أحدهما على نحو الإبهام، فأراد أن يعينه عن أحدهما معين و في جميع تلك الصور قالوا بان له التعيين بعد ذلك، و لكن لا يخلو الجميع عن الاشكال، و ذلك لانه لا دليل على تعيين الافعال بعد وقوعها، و انما إثبات تعيينها بالنية المقارنة للفعل و بعبارة اخرى، ان كان الفعل مع الترديد يقع صحيحا‌

365

كذلك اى على نحو الإبهام، فهو على نحو الإبهام وقع، و انقلب من العدم الى الوجود، و بعد صيرورته موجودا كذلك، انقلابه عما هو عليه من الإبهام إلى التعيين يحتاج الى الدليل و ذلك نظير انقلاب ما صلاة عصر الى الظهر مثلا فيما لو صلى عطر ثم تبين انه لم يعلى الظهر، فان عدول ما صلاة عطر الى الظهر و قلب العصر ظهرا أمر مستعبد جدا و لو كان لكان يحتاج إثباته إلى دليل قوى، و ان كان الفعل المردد لم يقع صحيحا فليس في الخارج شي‌ء حتى يعينه في إحدى الخصوصيتن، نعم على هذا يبقى المدفوع في ملكه و لا يتعين زكاة و ح فله تعيينه في إحدى الزكوتين لكن مع بقاء المستحق على شرائط الأخذ حين قصد التعيين، و بقاء العين، أو مع تلفه أيضا لكن مع علم المستحق بالحال لكي يكون ضامنا، و اما مع تلفه و عدم ضمان المستحق فلا سبيل له على التعيين و على اى حال فليس هذا من التعيين بعد الدفع بهما، بل هو استئناف الإخراج، كما لا يخفى، و مما ذكرنا يظهر الإشكال في نظائر المقام لا سيما في الأخير أعني في مثال الصلاة عن احد الشخصين فان الحق فيه هو بطلان الصلاة، لأن طبع العمل عن الغير يستدعي تعيين المنوب عنه في مقام العمل و لو أوقع عملا بلا نية عن الغير لا يقع عن الغير بل يقع عن نفسه لو كان عليه، و الا يقع لغوا، فكما لا يقع عن الغير بلا نية عنه لا يقع عن الغير مع النية عن الغير المبهم بل يكون كالعمل بلا نية عن الغير أصلا و ح فلا عمل عن الغير حتى يعينه، و الحاصل ان التعيين بعد الدفع فيهما في غاية الإشكال، بل الأمر يدور بين عدم وقوع الدفع فيهما فلا مبهم حتى يتعين بالتعيين، و بين وقوعه بهما فلا يتعين بالتعيين، بل يوزع على الجميع، كما اختاره الشهيد الأول قده في في البيان.

(الأمر الثالث) لا ينبغي الإشكال في جواز تعيين احدى الزكوتين في الفرض المذكور في المتن من أول الأمر بأن يخرج زكاة هذا المال أو ذلك على نحو التعيين.

366

(الرابع) لو نوى الزكاة عن كلا المالين، بان قصد ان يكون المخرج عن كليهما معا يصح و يوزع عليهما من غير اشكال.

(الخامس) لو نوى مطلق الزكاة و لم يقصد أحدهما على نحو التعيين و لا على نحو الإبهام و لا الإخراج عن الجميع، بل قصد مطلق الزكاة التي في ذمته من غير قصد لان يكون عن الجميع و لا عن أحدهما معينا و لا مبهما، فالأقوى هو التوزيع، و يأتي احتمال بقاء اختيار الصرف إلى أحدهما معينا مع ما فيه و ان كان الحكم بالتوزيع أيضا لا يخلو عن اشكال، من جهة عدم قصد الإخراج عن الجميع كما في القسم الرابع، فتحصل ان الحكم ببقاء الاختيار في الصرف و التعيين أو التوزيع في الأمر الأول و الثاني و الثالث لا يخلو عن اشكال، و لا إشكال في المتعين في الأمر الثالث و التوزيع في الأمر الرابع هذا خلاصة الكلام في المقام و احمد للّه ولى الفضل و الأنعام.

[مسألة 1 لا إشكال في انه يجوز للمالك التوكيل في أداء الزكاة]

مسألة 1 لا إشكال في انه يجوز للمالك التوكيل في أداء الزكاة كما يجوز له التوكيل في الإيصال إلى الفقير، و في الأول ينوى الوكيل حين الدفع الى الفقير، عن المالك، و الأحوط تولى المالك للنية أيضا حين الدفع الى الوكيل و في الثاني لا بد من تولى المالك للنية حين الدفع الى الوكيل، و الأحوط استمرارها الى حين دفع الوكيل الى الفقير.

في هذه المسألة أمور ينبغي التعرض لها (الأول) إيتاء الزكاة عبادة يقبل النيابة فيصح توكيل المالك غيره في إخراجها فيكون وكيله و كيلا في الإخراج، و في نية إخراجها، و ذلك لا لإطلاق أدلة الوكالة مع عدم مقيد لها في المقام لمنع إطلاق أدلتها رأسا لكي يتمسك به للمقام بل للسيرة القطعية على قبول إخراجها للنيابة التي هي أعظم من الإجماع و لا فرق على الظاهر في الجواز بين الوكالة في الدفع أو في النية أو في كليهما معا.

(الأمر الثاني) يجوز ان ينوي الوكيل عن الموكل حين الدفع الى الفقير‌

367

إذا كان وكيلا في الدفع و النية معا لأن الإخراج إذا كان عبادة يقبل النيابة كالحج يكون المتولي لنيته هو فاعله، إذا كان الفاعل وكيلا فهو كما يفعل عن الموكل ينوى في فعله هذا عن الموكل أيضا فيكون قائما مقامه في الفعل و النية إذ معا، هذا و عن العلامة في محكي المنتهى و التذكرة و التحرير المنع عن الاجتزاء بنية الوكيل، و لعله لأجل انه غير مالك، فلا تجزى بنيته عن نية المالك، مع عدم الدليل على قابلية النية للوكالة، لكنه كما ترى ضعيف بعد قيام السيرة على قابلية إخراج الزكاة للنيابة، و هذا مما لا ينبغي الإشكال فيه، لكن الأحوط تولى المالك أيضا للنية حين دفع الوكيل الى المستحق، لأن الأمر يدور بين تعيين نية الوكيل ح و ذلك لاحتمال المنع عن الوكالة في إيتاء الزكاة مجردا عن النية بأن يكون الفعل المجرد عن النية من الوكيل و النية من الموكل حين فعل الوكيل، و ربما يقال بان تجويز الوكالة في ايتائها المشتمل على النية لا يستلزم جواز الوكالة عليه مجردا عن النية، و ان كان فيه ما فيه بعد قيام السيرة على جواز الوكالة فيه مطلقا و بين تعين نية الموكل ح و ذلك لما قيل من انه المالك فلا وجه للاجتزاء بنية غيره الذي هو الوكيل و بين تعين نية الموكل ح و ذلك لما قيل من انه المالك فلا وجه للاجتزاء بنية غيره الذي هو الوكيل و بين الاجتزاء بنية كل واحد منهما كما في الشرائع حيث يقول: جاز ان يتولى النية كل واحد من الدافع و المالك، قيل اما الدافع فلقيامه مقام المالك و اما المالك فلتعلق الزكاة به أصالة فكانت نيته عند الدفع الى الفقير كافية: و حيث ان الأمر يدور بين تعين نية الوكيل أو الموكل أو الاجتزاء بنية كل واحد منهما يكون الاحتياط في تولى النية من الوكيل و الموكل معا، لكن الاحتياط كما ترى في تولى المالك للنية حين دفع الوكيل الى المستحق، و اما حين دفع المالك الى الوكيل فلم أر وجها للاحتياط فيه، لان المفروض كون الوكيل وكيلا في الأداء و الدفع، و الدفع الى الوكيل في الأداء ليس إخراجا و أداء حتى يحتاج حينه إلى النية، بل هو كنقل المال من يد الملك الى يده الأخرى، اللهم الا ان يكون دفعه الى الوكيل عزلا، و هو يتوقف على‌

368

كونه عزلا، و على جواز العزل مطلقا و على توقف صحة العزل كالاخراج على النية و على تقدير تسليم الجميع فلا يغني عن نية الموكل حين دفع الوكيل الى المستحق، و الاولى لمن ارادة الاحتياط ان يقول يتولى الوكيل للنية حين الدفع الى المستحق و تولى المالك أيضا للنية حين دفعه الى الوكيل و دفع الوكيل الى المستحق معا.

(الأمر الثالث) يجوز ان يوكل المالك غيره في إيصال الزكاة إلى المستحق، و الفرق بينه و بين الوكيل في الأداء هو ان الوكيل في الأداء وكيل في الإخراج من مال المالك، خصوصا إذا كان المال الذي يزكيه عند الوكيل و الوكيل في الإيصال وكيل في إيصال الزكاة المخرج من ماله الى المستحق، و يكون المتصدي للإخراج هو المالك، و إذا أخرجها يدفع الى شخص يوصله الى مستحقه، و لا بد ح من تولى المالك للنية حين الدفع الى الوكيل لانه وقت الإخراج و يجب ان يكون النية حينه، و لكن في تعيين المدفوع الى الوكيل في الإيصال زكاة اشكال من جهة ان تشخيصه بالزكوتية يتوقف على قبض المستحق كالدين الذي في الذمة، حيث انه لا بشخص في عين خارجي إلا بالوصول الى يد مستحقه، و ما لا يقبضه المستحق لا يتشخص اللهم الا على جواز العزل مطلقا و لو مع وجود المستحق كما هو الأقوى و تقدم وجهه و ح لو أريد الاحتياط لكان الاحتياط كما في المتن، في استمرار النية من المالك من حين الدفع الى الوكيل الى حين دفع الوكيل الى المستحق، و اما نية الوكيل حين الدفع الى المستحق فلا حاجة إليها في الفرض لان الوكيل وكيل في الإيصال لا في الأداء و الإخراج فلا موقع لنيته.

[مسألة 2 إذا دفع المالك أو وكيله بلا نية القربة]

مسألة 2 إذا دفع المالك أو وكيله بلا نية القربة، له ان ينوي بعد وصول المال، الى الفقير و ان تأخرت عن الدفع بزمان بشرط بقاء العين في يده أو تلفها مع ضمانه

كما إذا كان القابض عالما بالحال، فإنه يضمن‌

369

القابض ح ما قبضه إذا تلف عنده فيصير دينا عليه،

كغيرها من الدين، و اما مع تلفها فلا ضمان فلا محل للنية

إذا ليس للمالك ح شي‌ء حتى يحسبه على القاض بالنية و هذا ظاهر لا يحتاج الى الذكر اللهم الا ان يكون الغرض من ذكره دفع توهم ما ربما ينسب الى الشيخ، من عدم الاجتزاء بالنية بعد الدفع حيث يقول: و لا يجوز نقل الزكاة بأن نقله الى غيره بالنية، لفوات محل النية انتهى.

و هو على تقدير تسليم النسبة، ضعيف في الغاية، يمكن ان يكون مراده احتساب الدفع الأول زكاة بالنية المتأخرة، لا إذا احتسب باعتبار ذلك الحال المقارن للاحتساب، إذ هو احتساب بالنية في الحال، لا جعل الدفع السابق زكاة بالنية المتأخرة كما لا يخفى.

[مسألة 3 يحوز دفع الزكاة إلى الحاكم الشرعي]

مسألة 3 يحوز دفع الزكاة إلى الحاكم الشرعي بعنوان الوكالة عن المالك في الأداء كما يجوز بعنوان الوكالة في الإيصال، و يجوز بعنوان انه ولى على الفقراء ففي الأول يتولى الحاكم النية وكالة حين الدفع الى الفقير، و الأحوط تولى المالك أيضا حين الدفع الى الحاكم، و في الثاني يكفي نية المالك حين الدفع اليه، و إبقائها مستمرة إلى حين الوصول الى الفقير، و في الثالث أيضا ينوي المالك حين الدفع إليه، لأن يده ح يد الفقير المولى عليه.

اما حكم دفع الزكاة إلى الحاكم الشرعي، بعنوان الوكالة عن المالك في الأداء أو الإيصال، فكالدفع الى غيره بأحد العنوانين، أعني الوكالة في الإيصال في الأداء أو الإيصال، و حكم التولي للنية فيه كما في الدفع الى غيره بأحد العنوانين، و اما الدفع بعنوان انه ولى على الفقراء فالكلام فيه في أمور.

(الأول) في ولاية الحاكم الشرعي على الفقراء، و المصرح به في كلام جماعة ولايته عليهم كالفاضل و الشهيدين و غيرهم، بل قيل انهم أرسلوها كالمسلمات بينهم و لكن مع قطع النظر عن دعوى الإجماع و إرسالها كالمسلمات‌

370

لا دليل على ثبوتها له بالخصوص و لا بأس ببسط الكلام في المقام في الجملة، فنقول لا إشكال في ولاية الحاكم بالنسبة الى بعض الأمور في الجملة، و اما مقدار ما يثبت له الولاية فحيث ان ولايته من شئون من له الولاية الكبرى على الدين و الدنيا، من النبي (صلّى اللّه عليه و آله) و أوصيائه المرضيين لانه منصوب من قبلهم (عليه السلام) (صلوات اللّه عليهم أجمعين)، فلا جرم ينبغي البحث أولا عن ولايتهم الثابتة لهم ثم التكلم في ولاية الفقيه النائب عنهم، في عصر الغيبة، فنقول ان لولايتهم (صلوات اللّه عليهم أجمعين) مرتبتين أولهما الولاية التكوينية على أنفس الأناسي و أموالهم، بحكم النبي أولى بالمؤمنين إلخ و هي عبارة عن تسخير الكائنات الإمكانية تحت إرادتهم و مشيتهم بحول اللّه تعالى و مشيته كما ورد في زيارة الحجة أرواحنا فداه بأنه ما من شي‌ء الا و أنتم له سبب، و هذه المرتبة مجعولة لهم بالجعل التكويني البسيط، بمعنى انها لازم وجودهم الغير المنفك عنهم، و قد تقرر في محله ان لوازم الشي‌ء غير قابلة لان يتعلق بها الجعل المركب، بل الجعل المركب في عرض قد بدا مفارقا لا غير بالجعل المؤلف انطقا، فجعل تلك المرتبة من الولاية لهم هو بجعل وجوداتهم النورية الشريفة، كما ان المرتبة الولاية الختمية من النبوة بل أصل النبوة أيضا كذلك فإنه سبحانه ما جعل سيد المرسلين (صلّى اللّه عليه و آله) خاتما بالجعل المؤلف تكوينا أو تشريعا بل جعل وجوده الشريف و لازم تلك المرتبة من الوجود بل نفس حقيقته ان يكون فاتحا لما استقبل و خاتما لما سبق و بعبارة اخرى، ان يكون أولا و آخرا، و بهذا التحقيق ينفصم أساس توهم اجراء استصحاب نبوة موسى (عليه السلام) أو عيسى (عليه السلام) حسبما توهمه الكتابي في مناظرته، إذ المتيقن من نبوتهما من الأول ليس تلك المرتبة القابلة للبقاء حتى يستصحب عند الشك في بقائها و كيف كان فهذه المرتبة من الولاية ليست قابلة للنيابة، و لا للتفويض و لا للخلع بل هي كالنور بالنسبة إلى الشمس غير قابلة الانفكاك عن المحل القائم به و ثانيهما الولاية التشريعية بمعنى وجوب اتباعهم في كل شي‌ء، و انهم اولى بالناس شرعا في كل‌

371

شي‌ء من أنفسهم و أموالهم و هي القابلة للنيابة و ان لها شعبتان شعبة تكون من مناصب الولاة و هي الأمور النوعية الراجعة إلى تدبير الملك، و سياسة البلاد و جباية الخراج و جمع الزكوات و صرفها في مصالح العامة من حفظ الولايات و تجهيز الجيوش و إعطاء حقوق ذوي الحقوق، و بعبارة أخرى كلما يكون وظيفة السلطان في مملكته و الوالي في خطة ولايته و منه جعل القضاة و إعطاء حقوقهم من بيت المال و إجراء أحكامهم، و شعبة تكون من مناصب القضاة و هي كقطع الخصومات عند الترافع إليهم، و حبس الممتنع و جبره على أداء ما عليه، و الحجر عليه في التصرف في أمواله مع استغراق دينه و مباشرة بيع ماله في دينه إذا امتنع هو بنفسه عن مباشرته: و نحو ذلك مما هو من شئون القضاة، ثم ان هنا أمورا يشك في انه من وظيفة الوالي أو من وظيفة القاضي، و لعل من ذلك اقامة الحدود و التعزيرات أو التصرف في أموال القصر من الأيتام و المجانين و الغائبين و غير ذلك من الحسبيات التي تكون في هذه الأعصار من وظائف ادارة المدعى العام، إذا عرفت ذلك فاعلم انه لا إشكال في ثبوت منصب القضاء للفقهاء الجامع للشرائط في عصر الغيبة و انما الكلام في ثبوت منصب الولاية لهم في هذا العصر فان ثبت لهم ذاك المنصب يجوز لهم التصدي في كلما علم انه من مناصب الولاة أو القضاة، أو ما شك في كونه من اى المنصبين و ان علم عدم ثبوت الولاية لهم أو لم يعلم ثبوته لا يجوز لهم التصدي لما علم في كونه من مناصب الولاة، أو شك فيه مع الشك في كون مطلوبيته الشرعية متوقفة على صدوره من الوالي، و يجوز له التصدي لما علم في كونه من مناصب القضاة أو شك فيه مع القطع بأنه لا يرضى الشارع بتركه و ان كان مع وجود الوالي من وظائفه لكن مع عدمه يجب فعله على من يتمكن منه دفعا لاختلال النظام و رفعا للعسر و الحرج كما في حفظ أموال القصر و إذا تبين محل الكلام في ولاية الفقيه فاعلم انه قد استدل لثبوت الولاية العامة لهم بوجوه غير نقية عن الاشكال مثل قوله ع العلماء ورثة الأنبياء و قوله‌

372

العلماء أبناء الرسل، و قوله (صلّى اللّه عليه و آله) علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل أو أفضل منهم و قوله ع اولى الناس بالأنبياء أعلمهم بما جائوا به، و نحو ذلك مما لا يدل على هذا المدعى بشي‌ء، و أحسن ما استدل به مقبولة بن حنظلة و فيه انه (عليه السلام) قال: فانى جعلته عليكم حاكما، فإن الحكومة لو لم تكن ظاهرة في الولاية فلا أقل من ان إطلاقها يشمل كلنا الوظيفتين اعنى وظيفة الولاة و القضاة لكن يبعده كون مورده مسألة القضاء في مثل الدين و الميراث و ان قيل ان خصوصيته المورد لا توجب تخصيص العموم أو تقييد الإطلاق لكنه يوجب وهنه، و كون المذكور في رواية أبي خديجة، فإني جعلته عليكم قاضيا مع كون الاخبار تكشف بعضها عن بعض و إطلاق الحاكم على القاضي في غير واحد من الاخبار كما في المكاتبة الواردة في تفسير قوله تعالى وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ وَ تُدْلُوا بِهٰا إِلَى الْحُكّٰامِ، فإنه كتب (عليه السلام) بخطه المبارك الحكام القضاة و بالجملة فليس لإثبات الولاية المطلقة اعنى مناصب الولاة للحاكم الشرعي في عصر الغيبة دليل معتد به، و القدر المتيقن مما ثبت تصديه له هو تصدى ما هو من مناصب القضاة أو ما شك فيه مع العلم بعدم رضاء الشارع تبركه اما جواز تصدى ما علم كونه من وظائف القضاة فظاهر حيث ان منصب القضاء في هذا العصر و ان كان فيه بحث فإنما هو في جواز تصدى غيرهم أو انحصار تصديه بهم و اما جواز تصديهم فهو ما لا اشكال فيه أصلا، و اما ما شك في كونه من مناصب الولاة أو القضاة مع العلم بعدم رضاء الشارع تبركه فالمتعين في عصر الغيبة هو تصدى الفقيه له، و ذلك لدورانه بين التعيين و التخيير، لاحتمال ان يكون من مناصب القضاة، فيجب ان يكون متصديه الحاكم الشرعي، أو ان يكون من مناصب، الولاة، مع كون الحاكم الشرعي واليا، فتصديه مما يقطع بجوازه، اما من جهة احتمال كونه واليا، أو احتمال ان يكون هو كأحد ممن يتمكن ان يتصديه، مع عدم ولايته، و كون العمل من وظائف الولاة، و اما تصدى غيره بلا مراجعة إليه فهو مما يشك في جوازه‌

373

مع التمكن من المراجعة اليه، و منشأ الشك هو احتمال ان يكون من مناصب الولاة، مع الشك في ولايته أو كونه من مناصب القضاة، مع القطع في جواز قضاوته، و اما ما علم كونه من مناصب الولاة، أو شك فيه، و لم يعلم بعدم رضاء الشارع في تركه، فلا يتعين على الحاكم الشرعي تصديه بل المعلوم منه بين ان يكون، مما يجوز تصديه إذا احتمل كونه من مناصب الولاة خاصة بحيث يوقف مع عدمهم، و بين ان لا يتعين عليه بل يكون هو كغير في تصديه إذا علم بأنه من مناصب الولاة، و لكن الشارع لا يرضى تبركه مع عدمهم بل يجب قيام الناس عليه مع عدمهم، على نحو الوجوب الكفائي، و المشكوك فيه لا يجوز تصديه له و لغيره من جهة الشك في كونه من مناصب الوالي خاصة، و ان مطلوبيته منوطة بصدوره من الوالي بالخصوص.

هذا بعض الكلام في حكم ولاية الفقيه في عصر الغيبة، و تمام الكلام فيه فيما كتبناه على المكاسب و مما ذكرناه يظهر حكم أخذه الزكاة و الأخماس في عصر الغيبة، و الظاهر ان أخذهما من وظائف الولاة لا القضاة، لأنه من شئون وظائف المالية التي هي من الوظائف الموظفة للولاة، فأخذ الحاكم لهما في عصر العينية مما ليس له دليل بالخصوص، و لا يدل عليه أدلة العامة المثبتة للولاية، إذا المتيقن منه هو جعل مناصب القضاة، لا الولاية العامة لكن قد عرفت أنهم أرسلوه إرسال المسلمات مع تصريح جملة من الأساطين بثبوته، و كيف كان فان تم الإجماع فهو و الا فللتأمل فيه مجال.

(الأمر الثاني) بناء على ثبوت ولاية الحاكم الشرعي على الفقراء في أخذ الزكوات عنهم، إذا دفع المالك الى الحاكم الشرعي بهذا العنوان، يتعين عليه النية، حين الدفع الى الحاكم لان يده ح يد المستحق المولى عليه، و لذا تبرء ذمته أي ذمة الدافع بدفعها الى الحاكم، و ان تلفت عند الحاكم بتفريط أو بدونه أو إعطائه لغير المستحق اشتباها بل عمدا أيضا لأنه في حكم التفريط، لكن إذا‌

374

لم يكن تفريطه هذا كاشفا عن عدم عدالته حين الأخذ، حتى لا يكون جامعا للشرائط حينه بل يكون على وجه طرو الفسق بعده، إذ اللازم من ولايته على الفقراء حين الأخذ و كون يده يدهم برأيه الدافع عنها حين الدفع، و ان لم يصل الى الفقير، و كان عدم وصولها اليه بتقصير من الحاكم الموجب لخروجه عن الولاية و ضمانه، لما قصر فيه، لكن ضمانه لا يوجب اعادة شغل ذمة الدافع لما دفع اليه بل هو بري‌ء بدفعه، و ان اشتغل ذمة الحاكم بتقصيره و سوء صنيعه، و مما ذكرنا يظهر انه لا يحتاج في الحكم ببراءة ذمة الدافع بتقييد إعطاء الحاكم غير المستحق اشتباها كما صنعه المصنف قده في المسألة الرابعة عشر من فصل بقية أحكام الزكاة كما تقدم، و كيف كان فالمتولي للنية عند الدفع الى الحاكم بعنوان الولاية هو المالك و وقت النية حين الدفع اليه، و لا يتولاها الحاكم حين الدفع الى الفقير و لا المالك حين دفع الحاكم الى الفقير كما لا يخفى.

(الأمر الثالث) قال في الشرائع و المراعى نية الدافع ان كان مالكا و ان كان ساعيا أو الإمام أو وكيلا، جاز ان يتولى النية كل من الدافع و المالك، انتهى.

و ما ذكره قده لو سلم في الوكيل فلا يخلوا عن الإشكال في الإمام (عليه السلام) و الساعي لأن الدفع إليهما ان كان بعنوان الوكالة عن الدافع في الأداء أو الإيصال فلا يكونا في مقابل الوكيل، حتى يذكرا بالخصوص، و ان كان بعنوان الولاية، فلا وجه للاجتزاء بنيتهما حين دفعهما الى المستحق، بل يحتاج إلى نية المالك حين دفعه إليهما تعيينا.

(الأمر الرابع) المحكي عن التذكرة عدم الفرق في كفاية نية الدافع حين الدفع الى الحاكم بين ان يطول زمان دفعه الى المستحق و بين ان يقصر، و هو كذلك لان الملاك في الاكتفاء هو كون يد الحاكم يد المستحق، و لا يفرق بين طول زمان دفع الحاكم، و قصره من هذه الجهة.

375

(الخامس) حكى عن التذكرة انه في كل موضع قلنا بالاجزاء مع عدم نية المالك لو لم ينو الساعي أو الإمام أيضا حالة الدفع الى الفقراء توجه الاجزاء، لان المأخوذ زكاة قد تعينت بالأخذ انتهى و لازمه عدم النية ح لا من المالك و لا من الدافع الى المستحق، و هو كما ترى ضرورة توقف تعين المدفوع بالزكوتية على النية، فكيف يتعين زكاة بالأخذ مع انها عبادة محتاجة في تحققها إلى النية.

[مسألة 4 إذا أدى ولي اليتيم أو المجنون زكاة مالهما]

مسألة 4 إذا أدى ولي اليتيم أو المجنون زكاة مالهما يكون هو المتولي للنية.

قال في الجواهر: بلا خلاف و لا إشكال، أقول: مضافا الى ان الولي هو المكلف بهذا التكليف الذي في مالهما لكون الخطاب بالإخراج إليه، كما في خبر يونس بن يعقوب، و خبر الحناط، كما تقدم في المسألة الاولى من مسائل أول كتاب الزكاة، و قد قلنا في ذلك الموضع، بأنه ليس للطفل ان يتصدى إخراجها، بدون اذن الولي و لو على القول بشرعية عباداته، لانه لا يكون مخاطبا به و ليس الإخراج عبادة له بل و لا لغير الطفل و الولي أيضا من احاد المسلمين، خلافا للمقدس الأردبيلي حيث احتمل جواز الأخذ لآحاد المؤمنين و المستحقين عند عدم حضور الولي و هو ممنوع بما تقدم في المسألة المذكورة هذا و في الشرائع بعد ان قال: و الولي عن الطفل و المجنون يتولى النية، قال: أو من له ان يقبض عنه كالإمام و الساعي انتهى و قد تقدم في المسألة الاولى من أول الكتاب عن السيد المرتضى قده انه ذهب أكثر أصحابنا إلى أن الإمام يأخذ الصدقة من زرع الطفل و ضرعه انتهى و مقتضاه كون الإخراج وظيفة الامام، و مع غيبته يتصديه الحاكم و لا يخفى ان ما في الشرائع اما مبتن على ولاية الامام و الساعي على من كانت الزكاة في ماله مطلقا سواء كان من عليه الزكاة مسلما أو ممتنعا كما تكون الولاية لهما على المستحق، أو انه مبتن على ولايتهما على خصوص زكاة الطفل و المجنون، و الأول غير ثابت لعدم الدليل على ولايتهما على إخراج‌

376

الزكاة عن مال الملك المخاطب بها مطلقا و لو مع تسليمه على الإخراج، نعم هما وليان على الممتنع عن الإخراج، كما ان الثاني أيضا كذلك لان المخاطب بالإخراج عن مالهما هو الولي الخاص فلا وجه لتولية عن غيره نعم مع فقد الولي الخاص يتولاه الحاكم لأنه ولي ح كما لا يخفى.

[مسألة 5 إذا أدى الحاكم الزكاة عن الممتنع]

مسألة 5 إذا أدى الحاكم الزكاة عن الممتنع يتولى هو النية عنه، و إذا أخذها من الكافر يتولاها أيضا عند أخذه منه أو عند الدفع الى الفقير عن نفسه لا عن الكافر.

هذه المسألة تنحل الى مسئلتين (الاولى) انه إذا لم ينو رب المال و نوى الحاكم فاما يكون أخذه منه كرها أو طوعا فعلى الأول أعني الأخذ كرها فالظاهر صحته و جواز الاكتفاء به، لقيام الحاكم ح مقام المالك بعد فرض امتناعه فيصح منه النية وقت الدفع الى المستحق لأنه ولي الممتنع اعنى به المالك الممتنع عن دفع ما عليه من الزكاة كما يصح منه النية وقت الأخذ من المالك لأنه ولي المستحق و إذا نوى بقيامه مقام المالك حين الأخذ منه، يكون كما نوى حين الدفع الى المستحق لان يده يد المستحق، و على الثاني أعني الأخذ طوعا فإن أخذه بعنوان الولاية على المستحق فحكمه حكم المولى عليه و قد تقدم.

(المسألة الثانية) إذا أخذ الحاكم الزكاة من الكافر ففي سقوط النية ح رأسا أو الاكتفاء بنية الحاكم الأخذ حين الأخذ من الكافر أو الدفع الى المستحق وجوه، و هكذا لكلام في الخمس المأخوذ من الذمي الذي اشترى الأرض من المسلم ففي البيان في الخمس في أرض الذمي، و لا يشترط فيها النصاب و لا الحول و لا النية، و في الدروس و النية هنا أي في الأرض التي اشتراها الذمي غير معتبرة من الذمي، و في وجوبها على الحاكم أو الإمام نظر أقربه الوجوب عنهما لا عنه مع احتمال ان يقال ان هذا القسم من العبادة لا يحتاج إلى النية، كتغسيل الكافر للمسلم عند عدم المسلم، و كغسل الكافرة إذا كانت تحت مسلم. و قد طهرت‌

377

و فلنا انه لا يحل إتيان الحائض حتى تغتسل، و حكم في المالك بتولي النية الإمام أو الحاكم، وجوبا عنهما لا عنه، ثم احتمل سقوطها و غير ذلك من كلماتهم في مسألة الخمس الجاري مثلها في المقام، و الأقوى في المسئلتين احتياجها إلى النية، و ان المتولي لها الحاكم، و يتولاها عن نفسه لا عن الكافر، اما أصل الحاجة الى النية فلأنها عبادة تتوقف عليها، و لا دليل على سقوطها بعد إمكانها من الحاكم، و اما ان المتولي لها الحاكم فلان الكافر ليس محلا لها مع ان الأخذ منه يكون كرها لعدم مطاوعة الكافر في إخراجها مع كفره و اما انه يتولاها عن نفسه لا عن الكافر فلانه لا يقع العبادة منه حتى تقع نيابة عنه و لا عنه حتى تقع ولاية عليه من حيث كون الحاكم ولى الممتنع، فان قلت العبادة يتوقف تحققها على الأمر لها و لا أمر على الحاكم حتى يأتي بها امتثاله له إذا المأمور بالإخراج هو المالك الكافر، و الأمر المتوجه الى الكافر لا يصح امتثاله عن الحاكم لا عن الكافر و لا عن نفسه اما عن الكافر فلعدم صحة إتيان العبادة منه أعني بالوكالة منه و لا عنه أعني بالولاية و اما عن نفسه فلان الأمر المتوجه الى الكافر، لا يكون مصححا لعبادة الحاكم عن نفسه، و كيف يعقل امتثال الأمر المتوجه الى شخص موجبا لتقرب شخص آخر بان يتقرب شخص بامتثال الأمر المتوجه الى شخص أخر و ليس أمر أخر متوجها الى الحاكم نفسه، حتى يقصد التقرب بامتثاله، قلت: بل هنا أمر أخر غير الأمر المتوجه الى الكافر، و هو المتوجه الى الامام أو الحاكم المخاطبين بأخذ الزكاة أو الخمس من الكافر، فالتقرب منهما ح باعتبار هذا الخطاب. الذي لا ريب في اجزائه في مثل الخمس و الزكاة المشابهة بالديون فتأمل فان في هذا الجواب كأنه اعتراف بان الأمر المتوجه الى الكافر لا يكون عباديا، و الا فمع عباديته لا محيص الا عن الالتزام بعدم الصحة، فالجمع بين عباديته هذا لخمس أو الزكاة، و عدم صحة العبادة عن الكافر، بنفسه أو بوكيله أو وليه مما لا يجتمعان، و كون أمر المتوجه إلى الأخذ عباديا لا يصح‌

378

عبادية زكاة الكافر، أو خمسه بما هو فعله، فالأقوى ح اما الالتزام بسقوط النية. أو القول بتوليها الحاكم عنه، و ان لم يحصل له القرب، إذ قصد القرب لا يستلزم حصول القرب دائما، اللهم الا ان يقال بعدم جواز قصد التقرب منه، أو عنه لانه نوع استعطاف عليه و هو غير مجوز، كما يدل عليه قوله وَ لٰا تُصَلِّ عَلىٰ أَحَدٍ مِنْهُمْ، مٰاتَ أَبَداً وَ لٰا تَقُمْ عَلىٰ قَبْرِهِ الآية و بالجملة المسألة غير صافية و قد استشكلنا فيها في مسألة الأرض التي اشتراها الذمي من المسلم فيما كتبناه في الخمس أيضا، و قد مر بعض الكلام في ذلك في أول هذا الكتاب في المسألة السادسة عشرة في ان الكافر تجب عليه الزكاة لكن لا تصح منه.

[مسألة 6 لو كان له مال غائب مثلا]

مسألة 6 لو كان له مال غائب مثلا فنوى انه ان كان باقيا فهذا زكوته، و ان كان تالفا فهو صدقة مستحبة صح بخلاف ما لو ردد في نيته، و لم يعين هذا المقدار أيضا فنوى ان هذا زكاة واجبة أو صدقة مندوبة فإنه لا يجزى

الفرق بين الصورتين هو ان الترديد في الصورة الأولى في المنوي مع الجزم بالنية بخلاف الصورة الثانية فإن الترديد فيها في النية نفسها، و توضيح ذلك ان الجزم و اخوانه من الظن و الوهم و الشك و نحوها و ان كانت من الصفات النفسانية، لكن الصفات النفسانية مطلقا سواء كانت من الإدراكات كالمذكورات أو كانت من غيرها، كالإرادة و المحبة و الميل و أمثالها قد تتعلق الى الشي‌ء مطلقا بحيث يكون الإطلاق حالة للمتعلق، لا قيد الإرادة المتعلقة به، و قد تتعلق اليه مقيدا، بحيث يكون القيد قيدا للمتعلق أيضا، و اما نفس الصفة فهي على نحو الإطلاق متحققة في كلنا الحالتين مثال الأول كما إذا أراد الخبز في حالتي الشبع و الجوع بحيث إذا تصور الخبز مع حالة الجوع يكون مراد أو مع حالة الشبع أيضا يكون مرادا، فالارادة متحققة في الحال و المراد هو الخبز على نحو الإطلاق، أي سواء في حالة الجوع أو الشبع، فلا ترديد في الإرادة أصلا بل هي مجزوم بها اى متحققة مطلقة بالخبز المطلق، و مثال الثاني كما إذا أراد الخبز في حالة الجوع‌

379

بحيث إذا تصور الخبز مع حالة الجوع يكون مرادا، و مع حالة الشبع لا يكون مرادا، فالارادة في هذه الصورة أيضا متحققة في الحال و المراد هو الخبز المقيد بحالة الجوع، و لا ترديد أيضا في الإرادة أصلا بل هي مجزوم بها أي متحققة متعلقة بالخبز المقيد بحالة الجوع، و هذا هو التصور المعقول من الواجب المشروط حسبما حققناه في الأصول، ثم ان قيد المتعلق اعنى حالة الجوع اما معلوم التحقق في الحال، أو يعلم بعدم تحققه، أو يكون تحققه في الحال مشكوكا، و في الحالات الثلاثة تتحقق الإرادة المتعلقة بالخبز المقيد بحالة الجوع في الحال، اما مع الجزم بتحقق قيد المتعلق فواضح، و اما مع الجزم بعدمه أو الشك فيه فكذلك، لكن على تقدير لحاظ وجود القيد و تصور تحققه بحيث إذا لا حظ تحققه و لو مع الجزم بعدمه يرى نفسه مشتاقا الى الخبز مريدا له ارادة متعلقة به في تلك الحالة بحيث تكون الحالة صفة للمراد فالارادة مطلقة اى متحققة غير معلقة تحققها بشي‌ء حاصل أو غير حاصل و انما المراد منوط فيكون الإرادة مجزوما بها و لو كان ترديد فإنما هو في المراد و المنوي، و ترديده لا يضر بالجزم في الإرادة لأن الإرادة حاصلة على تقدير حصول قيد المراد، و لا أقول: على تقدير حصول القيد تحصل الإرادة بحيث كان حصول المراد قيدا لحصول الإرادة بل المتعلق على تقدير حصول قيده اعنى الخبز على تقدير حصول الإرادة بل المتعلق على تقدير حصول قيده اعنى الخبز على تقدير حصول الجوع مراد بالإرادة المجزومة الآن من غير انتظار في حصول الإرادة لحصول قيد المتعلق، حتى لو لم يعلم بحصوله لم تكن إرادة أصلا و تصوير ما ذكرناه من الإرادة التي نسميها بالإرادة المنوطة لا يخلو من غموض، و بسط الكلام فيها في الواجب المشروط، إذا تبين ذلك نقول: معنى الترديد في المنوي هو تعلق الإرادة فعلا بإخراج الزكاة الواجبة بحيث لا ترديد في الإرادة أصلا، لكن المراد و هو إيتاء الزكاة الواجبة لبس مطلقا بل هو مقيد ببقاء المال الغائب، فللمالك ارادة فعلية متعلقة بإخراج الزكاة الواجبة‌

380

على تقدير بقاء المال بحيث يكون كلمة (على تقدير) اعنى هذا الجار و المجرور متعلقا بالزكاة الواجبة لا بالإرادة المتعلقة بها، فالارادة الفعلية و تعلقها بمتعلقها ليس فيها تعليق و انما التعليق في متعلق الإرادة و هو إخراج الزكاة الواجبة على تقدير بقاء المال و الحاصل ان متعلق ارادته هو إخراج الزكاة الواجبة لكن لا الزكاة الواجبة على كل حال بل الواجبة على تقدير بقاء المال، فالترديد في هذا المنوي لعدم العلم بتحقق المعلق عليه اعنى بقاء المال.

و اما النية أعني إرادة الإخراج على هذا التقدير فلا ترديد فيه بل هو جازم عازم مريد للإخراج على هذا التقدير، و معينى الترديد في النية هو كون الإرادة مرددة بين كونها متعلقة بالزكاة الواجبة و الصدقة المندوبة على تقدير بقاء المال و تلفه بحيث انه على تقدير بقاء المال أيضا لا يكون مريدا لإخراج الزكاة معينا و لا الصدقة المندوبة كذلك بل يكون مرددا بين إخراج هذا أو ذاك، و معلوم انه حينئذ لا يريد شيئا إذ الترديد مناف مع الجزم و الإجماع و التصميم على العمل، فهو حينئذ لا يريد شيئا فهذا الفعل أعني إعطاء المال من حيث انه إعطاء و ان كان اختياريا صادرا منه بالإرادة، الا انه من حيث انه إخراج للزكاة الواجبة أو إيتاء للصدقة المندوبة ليس اختياريا متعلقا للإرادة أصلا فالترديد في النية مضاد مع النية لا يجتمع معها بخلاف الترديد في المنوي حيث انه مع الترديد تكون الإرادة الجازمة متحققه، غاية الأمر متعلقة بالمنوي المقيد لا به مطلقة إذا عرفت ذلك فاعلم ان الترديد في المنوي لا يوجب بطلان العمل لا عقلا، لعدم منافاته مع النية المعتبرة في العبادة، و لا نقلا لعدم الخلاف في صحة العبادة مع الترديد في المنوي: كما صرح به في الجواهر في المقام حيث قال: بلا خلاف أجده بين من تعرض له منا، بل في فوائد الشرائع لا مانع من صحته بوجه من الوجوه، بل عن الشيخ الإجماع عليه.

و اما الترديد في النية فهو موجب للبطلان لمنافاته كما عرفت مع النية‌

381

المعتبرة في صدق الامتثال، و لا يخفى ان مقتضى ما حققناه في معنى الترديد في المنوي هو الحكم بالصحة معه و لو لم يكن إجماع عليها، و لا ينحصر صحتها أيضا بصورة الاضطرار، بل اللازم الحكم بها مطلقا و لو في حال الاضطرار، و منه يظهر ما فيما جعله في الجواهر تحقيقا في المقام حيث يقول: بعد الحكم بالصحة في الترديد في المنوي مستدلا بأنه جازم بالوجوب على تقدير سلامة المال و بالنفل على تقدير تلفه ما لفظه: و التحقيق ان هذا و ان كان ترديدا لكن بعد الإجماع المزبور عليه و شدة الحاجة إليه في كثير من المقامات و ثبوت شرعيته في الفائتة المجهولة و في ركعات الاحتياط في كثير من موارد الاحتياط لا مناص من القول به مع الاضطرار دون الاختيار، كما صرح به في المسالك انتهى.

و لا يخفى ما فيه، فان التحقيق كما عرفت يقتضي الحكم بأنه لا يكون ترديدا في النية، و على تقدير كونه ترديدا فيها لا يمكن تصحيحه بالإجماع المحكي عن الشيخ بعد كونه إجماعا منقولا، و على تقدير كونه محصلا بعد ضم نفى الخلاف الذي ادعاه به لا يمكن الاستناد اليه بعد معلومية كون نظر المجمعين الى عدم منافاة الترديد في المنوي مع الجزم بالنية و إذا كان الحق عنده (قده) إرجاع الترديد في المنوي إلى النية أيضا فلا سبيل له الى الاعتماد بمثل هذا الإجماع بعد كونه معلوم المدرك بما كان خطاء عنده، ثم شدة الحاجة إليه لا يصحح ما كان باطلا لولاها.

و الا الزم صحة كل فاقد الشرط أو الجزء عند الحاجة اليه و هو كما ترى، و ثبوت الشرعية في الفائتة المجهولة لا يكون دليلا على الصحة مع الترديد في النية لإمكان ان يكون من قبيل الترديد في المنوي، و على تقدير تسليمه مختص بموضعه و لا ينبغي التعدي عنه، لعدم الدليل المثبت لشرعيته في غيره بعد ان كان ثبوتها على خلاف القاعدة و كذلك في كثير من موارد الاحتياط، نعم في المعاملات‌

382

الأعم من العقود و الإيقاعات بعد استحالة التعليق في الإنشاء و إمكانه في المنشأ قام الإجماع على بطلانها. فيما إذا كان التعليق في المنشأ الا فيما قامت الضرورة عليه، مثل صلح المال الذي يشك انه منه و طلاق المرأة التي يشك انها زوجة، فإنهم صرحوا بصحة صلحه و طلاقها، و لعل ذلك لأجل الضرورة، و لكن يمكن ان يقال: فيها أيضا تكون الصحة من جهة عدم الدليل على البطلان الذي هو الإجماع على بطلان ما في منشئه المتعلق لأنه لا إجماع فيما إذا ادعت الضرورة عليه، فتكون الصحة لا من أجل قيام الضرورة، بل لمكان عدم الدليل على البطلان عند قيامها.

فقد ظهر عدم الفرق في المقام، فيما إذا كان الترديد في المنوي في الحكم بالصحة و لو لم تكن ضرورة بل كان متمكنا من تحصيل العلم ببقاء المال و فيما إذا كان الترديد في النية في الحكم بالبطلان و لو مع الضرورة و عدم التمكن من العلم بتلف المال هذا، و الى ما ذكرنا يشير ما في المدارك من قوله (قده) في الفرع المذكور: ان الفرق بين المسئلتين ان الزكاة في المسألة الاولى مجزوم بها على تقدير سلامة المال، و كذا نية النقل على تقدير تلفه، و لا مانع من صحة ذلك بخلاف الثانية لأن الترديد بين كون المدفوع زكاة أو نافلة على تقدير واحد و لو كان الغائب سالما انتهى.

[مسألة 7 لو اخرج عن ماله الغائب زكاة ثم بان كونه تالفا]

مسألة 7 لو اخرج عن ماله الغائب زكاة ثم بان كونه تالفا فان كان ما أعطاه باقيا له ان يسترده و ان كان تالفا استرد عوضه إذا كان القابض عالما بالحال و الا فلا.

قد تقدم حكم هذه المسألة في خلال المسائل المتقدمة مرارا و هو واضح لا اشكال فيه من حيث انه قيد الإخراج بمال معين، و قد ظهر خلافه، و لازم ذلك بقائه على ملكه فله ان يصرفه فيما يشاء ان كان باقيا مطلقا و لو مع جهل‌

383

القابض و ان يسترد عوضه مع علم القابض بالحال و لا اختصاص لهذا الحكم بما فرض في المتن، بل يعم كل مورد اخرج المالك شيئا زكاة، ثم بان عدم وجوبها، اما من جهة تلف المال، أو عدم بلوغه النصاب، و نحو ذلك، و لعل الوجه في ذكر هذا الفرد في ذاك المورد اعنى مورد إخراج الزكاة عن مال الغائب و استبانة تلفه هو ذكره في كتب الأصحاب، دفعا لما ذهب اليه الشيخ (قده).

قال في الشرائع: و لو اخرج عن ماله الغائب ان كان سالما ثم بان تالفا جاز نقلها الى غيره على الأشبه انتهى، و أشار بقوله: على الأشبه إلى خلاف الشيخ في المبسوط حيث منع من جواز نقلها الى غيره لفوات وقت النية.

و لا يخفى ما فيه بعد فرض بقاء المدفوع في ملكه و عدم خروجه عنه فيجوز له استرداده مع بقائه مطلقا و استرداد عوضه مع تلفه مع علم القابض بالحال و ان يحتسبها زكاة من غير ذاك المال على القابض نفسه أو أخذها منه و إعطائها الى أخر كل ذلك لمكان كون المدفوع من أموال المالك فيكون كسائر أمواله و لعل مراد الشيخ (قده) من قوله: فوات وقت النية هو احتساب ما دفعه حين دفعه زكاة بالنية المتأخرة بأن تكون النية متأخرة و المنوي متقدما لا ان يجعل المدفوع زكاة من حين النية، حيث انه يمنع تأخر النية عن الدفع وجه إذ هي لو لم تعتبر مقارنتها مع المنوي بناء على كفاية الداعي فيها يعتبر عدم تأخرها عن المنوي قطعا إذ لا يصح جعل العمل الماضي عبادة بالنية المتأخرة بأن يجعل في اليوم الإمساك عن المفطرات المتحققة منه بالأمن صوما، و اتى بركعات مثلا ثم ينويها صلاة أو يعطى فقيرا شيئا ثم ينوى ما أعطاه صدقة فان جميع ذلك مما لم يعهد صحته ففرق‌

384

بين ان يجعل ما على الفقير من الدين صدقة بالنية حين النية فيترتب عليه براءة ذمة الفقير من الدين و بين ان يجعل الإعطاء السابق صدقة بالنية اللاحقة.

[ختام فيه مسائل متفرقة]

ختام فيه مسائل متفرقة

[الأولى استحباب استخراج زكاة مال التجارة و نحوه]

الأولى استحباب استخراج زكاة مال التجارة و نحوه للصبي و المجنون تكليف للولي و ليس من باب النيابة عن الصبي و المجنون.

الفرق بين الوكالة و النيابة و بين الولاية ان الوكيل و النائب يفعل فعل الموكل و المنوب عنه في المعاملات و يمتثل تكليف المتوجه الى المنوب عنه في العبادات و ذلك فيما يقبل النيابة، أما الولي فهو يفعل فعل نفسه في المولى عليه لا انه يفعل فعله، فالبيع الصادر من الولي لمال المولى عليه ليس فعل المولى عليه صادرا عن الولي بالنيابة إذ ليس له بيع ماله حتى يصدر عن بدنه التنزيلي أعني وكيله بل هو بيع من الولي نفسه لمال المولى عليه، و لا يقال: انه حينئذ لا يصح لان مال المولى عليه ليس للولي مع انه لا بيع إلا في ملك، لان المراد بالملك في لا بيع إلا في ملك هو السلطنة فمعنى لا بيع إلا في ملك انه لا يصح البيع الا مع السلطنة على البيع و الولي سلطان على البيع و بالجملة فالبيع بيع من الولي في مال المولى عليه لا انه ينوب عنه في بيعه بحيث يكون الصادر عنه بيع المولى عليه تنزيلا، و هكذا في الخطابات التكليفية المتعلقة بالولي بالنسبة الى مال المولى عليه التي منها التكليف بالزكاة وجوبا أو استحبابا، فهي تكليف متعلق بالولي غاية الأمر في مال المولى عليه.

أو نفسه أو بدنه و هذا حكم عام بالنسبة الى كل حكم تكليفي أو وضعي متعلق بالولي فيمال المولى عليه أو نفسه و بدنه.

و يدل عليه بالخصوص في المقام كون الخطاب بإخراج الزكاة من مال الطفل أو المجنون متوجها الى الولي، فيكون هو المكلف بإخراج الزكاة من مال‌

385

المولى عليه، ففي خبر ابى العطاء الحناط قلت: لأبي عبد اللّه (عليه السلام) مال اليتيم يكون عندي فاتجر به قال: إذا حركته فعليك زكاته، و إذا يكون التكليف بالإخراج متوجها الى الولي و لا يكون من باب النيابة عن الصبي و المجنون.

فالمناط اجتهاد الولي أو تقليده فلو كان من مذهبه اجتهادا أو تقليدا وجوب إخراجها أو استحبابه ليس للصبي بعد بلوغه معارضته و ان قلد من يقول بعدم الجواز.

أو صار هو مجتهدا و صار قائلا بعدمه‌

كما ان الحال كذلك في سائر تصرفات الولي في مال الصبي أو نفسه من تزويج و نحوه فلو باع ماله بالعقد الفارسي أو عقد له النكاح بالعقد الفارسي أو نحو ذلك من المسائل الخلافية و كان مذهبه أو مذهب مجتهده الجواز ليس للصبي بعد بلوغه إفساده بتقليد من لا يرى الصحة.

أو لا يرى نفسه الصحة لو صار مجتهدا، لكن الصبي ليس له إفساده بعد بلوغه إذا كان ما فعله الولي مخالفا لما يفعله الصبي اجتهادا أو تقليدا فيما يرجع الى وظيفة الولي، فلو باع ماله بالعقد الفارسي و لم يبق ثمن المبيع ليس للصبي بعد بلوغه إفساده برد مثل الثمن و استرجاع المبيع لو كان باقيا أو عوضه مع تلفه أو عقد له النكاح على امرأة بالعقد الفارسي و ماتت المرأة ليس له إفساده.

و اما بالنسبة إلى وظيفة الصبي نفسه بعد البلوغ، كما إذا بقي ثمن المبيع الى ان بلغ الصبي و بقيت المرأة الى بعد بلوغه بحيث يريد ان يترتب اثر الملك على ما عنده من الثمن و أثر الزوجية على من عقد عليها بالعقد الفارسي، فترتب مثل هذه الآثار على ما صدر من الولي مع مخالفته لرأي الصبي بعد بلوغه اجتهادا أو تقليدا في غاية إشكال، إذ لا دليل على الاجزاء في هذه الصورة، و غاية ما دل الدليل على اجزائه هو فيما إذا فعل المكلف فعل نفسه بما يراه تقليدا أو اجتهادا ثم تبدل رأيه كذلك اى تقليدا أو اجتهادا، حيث يقال بقيام الإجماع حينئذ‌

386

على الاجزاء، و اما مثل المقام الذي يفعل الولي فعل نفسه الذي هو مخالف لفعل الصبي و صار الصبي موظفا بترتيب الآثار على فعله بما هو وظيفة نفسه فلا دليل على الاجزاء، نعم مع جهل الصبي بمخالفة ما صدر عن الولي مع رأيه تقليدا أو اجتهادا يجوز له ترتيب الأثر على ما صدر من الولي للبناء على أصالة الصحة في فعله.

نعم لو شك الولي بحسب الاجتهاد أو التقليد في وجوب الإخراج أو استحبابه أو عدمهما و أراد الاحتياط بالإخراج ففي جوازه إشكال.

اما إذا كان الشك في الاستحباب و عدمه مع القطع بعدم الجواز لو لا الاستحباب، فلا ينبغي الإشكال في عدم الجواز لعدم معارضة الاحتياط من جانب احتمال الاستحباب مع الاحتياط من جانب احتمال حرمة التصرف في مال الصبي، و اما مع الشك في الوجوب فيقع الإشكال في الاحتياط في الإخراج.

لأن الاحتياط فيه معارض بالاحتياط في تصرف مال الصبي.

و قول المصنف قده‌

نعم لا يبعد ذلك إذا كان الاحتياط وجوبيا.

بعيد، لأن المعارضة كما عرفت متحقق في تلك الحالة.

و كذا الحال في غير الزكاة كمسألة وجوب إخراج الخمس من أرباح التجارة للصبي حيث انه محل للخلاف.

و قد استوجه في المدارك عدم وجوبه في أرباح مكاسب الصبي أو ماله المختلط بالحرام و في أرض يشتريه إذا كان ذميا و في ما يحصل له من قسمة الغنيمة، و في الشرائع و عن القواعد، انحصار ذكر التعميم بين الكبير و الصغير و الحر و العبد في الكنز و المعادن و الغوص، و هو يشعر باعتبار التكليف كالحرية فيما عدا هذه الثلثة من الأربعة الباقية، و تأمل في الأربعة المذكورة في الجواهر و في رسالة الشيخ الأكبر (قده) في الخمس، اختيار ثبوته في تمام الأربعة خصوصا الحلال المختلط بالحرام و هذا هو الأقوى، و يدل على ثبوته في أرباح‌

387

مكاسبه بعد إمكان انتسابه الى الكثير حيث يستدلون على ثبوته في الكنز بأنه نوع من الاكتساب و يجب في الاكتساب و هو يكشف عن مفروغية ثبوته في كل كسب، إطلاق جملة من الاخبار الدالة على ثبوته في أرباح المكاسب فإنه لا موجب لتقييده بالمكلف البالغ و تمام الكلام في ذلك في كتاب الخمس، فليس الإشكال في هذا الاحتياط مختصا بباب الزكاة أو الخمس بل‌

و كذا الحال في سائر التصرفات في ماله و المسألة محل اشكال مع أنها سيالة.

[الثانية إذا علم بتعلق الزكاة بماله]

الثانية إذا علم بتعلق الزكاة بماله و شك في انه أخرجها أم لأوجب عليه الإخراج للاستصحاب إلا إذا كان الشك بالنسبة إلى السنين الماضية فإن الظاهر جريان قاعدة الشك بعد الوقت أو بعد تجاوز المحل هذا و لو شك في انه اخرج الزكاة عن مال الصبي في مورد يستحب إخراجها كمال التجارة له بعد العلم بتعلقها به فالظاهر جواز العمل بالاستصحاب لانه دليل شرعي و المفروض ان المناط فيه شكه و يقينه و بعبارة أخرى، و ليس نائبا عنه.

في هذه المسألة أمور (الأول) إذا علم بتعلق الزكاة بماله و شك في إخراجها يجب عليه الإخراج لاستصحاب بقائها في عهدته، و عدم إخراجها لقاعدة اليقيني حيث يقطع باشتغال ذمته بالتكليف بالإخراج مع الشك في الخروج عنه، و الاشتغال اليقين يستدعي البراءة اليقينية و ان كانت قاعدة الاشتغال في مثل المقام محكومة بالاستصحاب و لو كانا متوافقين إذ الحاكم كما يمكن ان يكون مخالفا مع المحكوم يمكن ان يكون موافقا معه أيضا، و لا يتوهم في أمثال المقام عدم اجراء الاستصحاب، لكون المقام مجرى قاعدة الاشتغال لكون الحكم للشك لا للمشكوك، كما ربما يسند الى الشيخ الأكبر (قده) و ذلك لما حققناه في الأصول و أوضحناه فيما كتبناه في قاعدة حيلولة الوقت، من بيان مورد قاعدة الاشتغال في محل الاستصحاب و تمييزه عما يجرى فيه الاستصحاب و ان النسبة إلى الشيخ الأكبر في غير محله فراجع.

388

(الثاني) إذا كان الشك في الإخراج بالنسبة إلى السنين الماضية فهل تجري قاعدة الشك بعد الوقت أو الشك بعد تجاوز المحل أم لا (احتمالان) المستظهر عند المنصف (قده) الجريان، و لعل وجهه عدم اختصاص موردهما بخصوص باب الصلاة و صدق موردهما في المقام حيث ان وقت إخراج ما عليه في كل سنة هو تلك السنة أعني ما تقدم من انه لا يجوز تأخيرها عن وقتها بما يعد تسامحا عرفا فيجري بعد انقضاء وقته كلتا القاعدتين أعني قاعدة الوقت حائل، و قاعدة التجاوز، و هذا لا يخلو عن النظر بل المنع.

و ذلك اما (أولا) فللمنع عن جريان القاعدتين في غير باب الصلاة، بل الظاهر من دليل قاعدة حيلولة الوقت اختصاصها بخصوص الصلاة اليومية و عدم جريانها في غير اليومية من الصلوات الموقتة التي لها قضاء كالكسوف و الخسوف من الآيات كما ان الظاهر من قاعدة التجاوز جريانها في خصوص الصلاة و لو قلنا بتعميمها فتسرى في كل مركب ذو أجزاء مرتبة هو به لكل واحد من اجزائه محل محدود كالقراءة و الركوع و السجود في الصلاة و كالطواف و السعي و الوقوف في الحج، و تمام الكلام في القاعدتين فيما كتبناه فيهما مستقلا.

و اما (ثانيا) فلانه لو سلم جريانهما في غير باب الصلاة فإنما تجريان في كلما له وقت موظف شرعي في قاعدة الوقت حائل و ما كان له أجزاء مترتبة مبوبة و ليس لإخراج الزكاة وقت محدود، و بعبارة أخرى الزكاة ليست من الواجبات الموقتة التي تصير قضاء بخروج وقتها كالصلاة اليومية، بل انما هي كالصلاة الزلزلة من صلاة الآيات التي هي أداء مدة العمر و ان وجبت فورا ففورا، و كأداء الدين مع مطالبة الدائن و القدرة على الأداء، نعم لا يبعد ان تكون زكاة الفطرة من الموقتات و ان وقتها من غروب ليلة العيد الى زوال يومه على ما باقي.

389

و اما زكاة الأموال فليست كذلك كما انها ليست من ذات اجزاء مترتبة حتى يجرى فيها قاعدة التجاوز، و لا فرق فيما ذكرناه بين من كان عادته إخراجها في وقت معين كأول حلولها مثلا أو وقت الحصاد أو وقت الحمل الى المخزن و نحوه و بين من لم يكن كذلك إذا الاعتياد بالإخراج في وقت معين لا يجعله موقتا لكي يجري فيه قاعدة حيلولة الوقت، و لا ذو أجزاء مترتبة حتى يجرى فيه قاعدة التجاوز، فلا و جهلا في بعض الحواشي من نفى البعد عن جواز البناء على الإخراج إذا كان من عادته إخراج الزكاة من كل سنة و لا بين ان تصرف في النصاب بإتلاف و نحوه بعد ان كانت عادته مستقرة بإخراج الزكاة عند وجوبها و التصرف في النصاب بعد ذلك، و بين عدمه، فلا وجه لما في حاشية بعض الأساتيد، من نفى البعد عن عدم الوجوب في الأول نعم لا يبعد ان تكون العادة في إخراجها في وقت معين، امارة على إتيان المشكوك الا انه لا دليل على اعتبارها، كما ان نظر بعض الأساتيد في نفى البعد فيما إذا تصرف في النصاب بإتلاف و نحوه بعد ان كانت عادته مستقرة بالتصرف بعد إخراج ما عليه من الزكاة بإجراء أصالة الصحة في فعله، و لا يخفى انها لا تثبت الإخراج كما لا يخفى.

و اما (ثالثا) فلانه على تقدير تسليم جريان القاعدتين، لا فرق بين ما إذ كان الشك بالنسبة إلى السنين الماضية أو السنة التي هو فيها، بعد ان كان لإخراجها عنده وقتا محدودا بحسب عادته و قد مضى، إذ الملاك في جريانها بالنسبة إلى السنين الماضية موجودة في السنة التي هو فيها بعد ان كان الشك في الإخراج عند مضى الوقت المضروب عنده بحسب عادته للإخراج، فالحكم بوجوب الإخراج في هذه الصورة متمسكا بالاستصحاب و عدمه بالنسبة إلى السنين الماضية للقاعدتين لا وجه له.

و لو شك في انه إخراج الزكاة عن مال الصبي في مورد يستحب إخراجها كمال التجارة له بعد العلم بتعلقها به فالظاهر جواز العمل بالاستصحاب

390

لأنه دليل شرعي و المفروض ان المناط فيه شكه و يقينه فإنه المكلف لا شك الصبي و يقينه و بعبارة أخرى ليس نائبا عنه.

و هذا ظاهر بعد ما عرفت من ان المكلف بالإخراج عن مال الصبي هو الولي، فالولي بالإخراج يمتثل تكليف المتوجه إليه بالإخراج وجوبا أو استحبابا و شكه في الإخراج موجبا لتحقق ركني الاستحباب سواء كان الصبي مثله في اليقين و الشك أم لإبل و لو مع قطع الصبي بالإخراج أي إخراج الولي عن ماله إذ لا عبرة بيقينه و شكه.

[الثالثة إذا باع الزرع أو الثمر]

(الثالثة) إذا باع الزرع أو الثمر و شك في كون البيع بعد زمان تعلق الوجوب حتى تكون الزكاة عليه أو قبله حتى يكون على المشتري ليس عليه شي‌ء إلا إذا كان زمان التعلق معلوما و زمان البيع مجهولا فإن الأحوط حينئذ إخراجه على اشكال في وجوبه و كذا الحال بالنسبة إلى المشتري إذا شك في ذلك فإنه لا يجب عليه شي‌ء إلا إذا علم زمان البيع و شك في تقدم التعلق و تأخره فان الأحوط حينئذ إخراجه على اشكال في وجوبه.

في هذه المسألة صورتين ينبغي التعرض لهما (الأولى) إذا شك البائع في كون البيع قبل زمان تعلق الوجوب حتى تكون الزكاة على المشتري أو بعده حتى تكون عليه، فالأصل الاولى و ان كان هو البراءة عن الوجوب الا ان البراءة محكومة بالاستصحاب في بعض الشقوق، فإنه في الفرض المذكور لا يخلو اما يكون زمان التعلق معلوما و زمان البيع مجهولا، كما إذا تعلق الزكاة في أول شهر رمضان مثلا، و لكن يشك في ان البيع هل هو قبل مجيئي و مضان أو بعده.

و اما يكون زمان البيع معلوما و هو أول شهر رمضان مثلا و زمان التعلق مجهولا هل هو قبل مجيئي شهر رمضان أو بعد مجيئه، و اما يكون كلاهما مجهولا، فعلى الأول أعني كون زمان التعلق معلوما و زمان البيع مجهولا، فالأصل أعني‌

391

استصحاب عدم البيع يجري إلى زمان البيع فهل يثبت به وجوب الزكاة على البائع وجهان مبنيان على ان وجوبها مترتب على عدم نفس صدور البيع قبل زمان التعلق أو على كون التعلق في ملك البائع، فعلى الأول فيثبت باستصحاب عدم البيع وجوب الزكاة على البائع بخلاف الثاني، حيث ان استصحاب عدم البيع الى زمان التعلق لا يثبت كون التعلق في ملك البائع، الأعلى القول بالأصل المثبت و الحق هو الأول، و ذلك لان وجوب الزكاة أمر مترتب على نفس عدم البيع و ان شئت فقل: ان عدم الوجوب مترتب على صدور البيع قبل زمان التعلق، و باستصحاب عدم صدوره ينتفى اثر الصدور قبل التعلق و يصح استصحاب نقيض الشي‌ء لإثبات حكم نقيضه، مع ان بقاء ملك البائع إلى زمان التعلق الذي هو الموضوع لوجوب الزكاة، هو بنفسه مجرى الاستصحاب لتحقق أركانه من اليقين به و الشك في بقائه إلى زمان التعلق و لا يحتاج الوجوب الا الى بقاء الملك الى زمان التعلق و لا يحتاج إلى إحراز كون التعلق في زمان الملك حتى يكون إحرازه باستصحاب بقاء الملك الى زمان التعلق مثبتا هذا.

و لكن المصنف (قده) يستشكل في ذلك حيث يقول: على اشكال في وجوبه، إذا التعبير في موضوع الوجوب هو ملكية الزرع أو الثمر للمكلف حين تعلق الوجوب فيحتاج إلى إحرازه بالأصل فليتأمل، و على الثاني أعني كون زمان البيع معلوما مع الجهل بزمان التعلق و الأصل عدم تعلق الزكاة إلى زمان البيع و لا يحتاج إلى إثبات تأخره عن البيع و لا إلى إحراز كون التعلق في ملك المشتري لنفى وجوبها عن البائع و هذا ظاهر، ففي هذا الشق يجرى الاستصحاب و يثبت به عدم الوجوب فيكون موافقا مع البراءة، الا انه يقدم عليها لكونه حاكما عليها، و لو كان موافقا معها، و على الثالث اعنى كونهما معا مجهولي التاريخ فلا يجرى الاستصحاب في مجهولي التاريخ، اما لكون الأصل في كل طرف معارض مع الأصل في الطرف الآخر على ما هو مختار الشيخ الأكبر (قده)،

392

أو لمكان عدم جريان الأصل في مجهولي التاريخ رأسا.

لا لمكان المارضة، بل لمكان عدم اتصال زمان الشك بزمان اليقين على ما هو المختار عند الآخرين، و كيف كان فيرجع الى أصالة البراءة من غير إشكال.

(الصورة الثانية) في حكم الشك في مفروض المقام بالنسبة الى حال المشتري، فإنه أيضا يشك في وجوب الزكاة عليه إذ الشك في كون شرائه بعد زمان التعلق حتى لا يجب عليه أو قبله حتى تجب عليه و لا يخلو فاما ان يلاحظ حال المشتري بالقياس الى نفسه و شكه من غير ملاحظة حال البائع سواء كان البائع عالما بالحال أو يكون هو أيضا شاكا مثله و مع علمه بالحال سواء علم بوجوبها عليه أو على المشتري و مع علمه بوجوبها عليه سواء أداها من هذا المال أو من مال آخر أم لا و مع عدم التأدية سواء كان موطنا على أدائها من مال آخر أو موطنا على عدمه أو لا يكون له توطين على الأداء و عدمه أصلا، و بالجملة تكون النظر الى حال المشتري و شكه، و اخرى يلاحظ في الواقعة التي تكون البائع أيضا شاكا مثل المشتري، اما على الأول أعني ملاحظة شك المشتري من حيث نفسه فيجري فيه الشقوق الثلاثة المتقدمة في شك البائع، فإنه أيضا اما يعلم زمان التعلق و يشك في زمان البيع انه قبل زمان التعلق أو بعده أو يعلم زمان البيع و يشك في زمان التعلق أو يكونا معا مجهولي التاريخ، فعلى الأول أعني ما يعلم زمان التعلق و يشك في زمان البيع، فالأصل الجاري هو أصالة عدم صدور البيع الى زمان التعلق و يكون أثره عدم تعلق الوجوب في ملكه لكي تجب الزكاة عليه و يكون موافقا مع البراءة و مع سلامته عن يكون مثبتا يكون حاكما عليها، و هذا مما لا اشكال فيه.

و على الثاني أعني فيما علم زمان البيع و كان الشك في زمان التعلق يكون الأصل الجاري هو أصالة عدم تعلق الوجوب الى زمان البيع، لكنه لا يثبت‌

393

الوجوب على المشتري إلا بعد إثبات تأخر التعلق عن البيع لكي يكون التعلق في ملك المشتري، و هو تعويل على الأصل المثبت و نفس عدم تحقق التعلق الى زمان البيع لا يثبت الوجوب على المشتري، فان وجوبها ليس من آثار عدم تقدم، زمان التعلق على زمان البيع بل هو من آثار تأخره عن البيع، و بعبارة أخرى وجوب الزكاة على المشتري من آثار كون التعلق في ملكه و هو لا يثبت بعدم تقدم التعلق على البيع بل يثبت بتأخره عنه و الأصل لا يتكفل لإثباته الا على التعويل بالأصل المثبت.

و على الثالث اعنى ما إذا كان زماني الشراء و التعلق كلاهما مجهولا، فلا يجري الأصلان أعني أصالة عدم تقدم الشراء على التعلق و أصالة عدم تقدم التعلق على الشراء، اما لسقوطها بالمعارضة، أو لعدم جريانهما في مجهولي التاريخ رأسا، فيرجع الى البراءة، هذا حال ملاحظة شك المشتري من حيث نفسه و اما من حيث ملاحظته مع حال البائع، فلا يخلو اما ان يخرجها البائع اما لمكان كونه عالما بتعلق وجوبها في ملكه أو لمكان انه يحتاط أولا يخرجها، اما لمكان جهله بتعلقه في ملكه و لا يحتاج، أو و لو مع علمه بتعلق الوجوب في ملكه، و لكنه لا يخرجها عصيانا، اما مع إخراج البائع إياها فلا يتفاوت حال المشتري مع حكمه بملاحظته في نفسه فيكون حكمه كما تقدم من الشقوق، و مع عدم إخراج البائع إياها فالمشتري يقطع بوجوب إخراج مقدار الزكاة مما اشتراه اما لأجل تعلق الوجوب بإخراجها على البائع، أو على المشتري نفسه فالمقدار من الزكاة من هذا المال مما يجب إخراجه قطعا، و ان كان الشك فيمن تعلق به الوجوب فيجب على المشتري إخراجها ثم لا يمكنه الرجوع الى البائع بعوض ما أخرجه مع علمه بعدم إخراج البائع كما هو الفرض، ذلك لمكان الشك في تعلق الوجوب في ملك البائع حتى يجب عليه البدل فتكون النتيجة كما لو علم بوجوبها على المشتري في وجوب الإخراج عليه و عدم رجوعه إلى البائع هذا حال المشتري‌

394

بالنسبة إلى علمه بعدم إخراج البائع، و كذلك للحاكم و الساعي أخذ الزكاة مما في يد المشتري من العين، و ذلك لكونه مما تعلق به الزكاة قطعا اما في ملك البائع أو في ملك المشتري و ليس للمشترى ان يرجع الى البائع عند أخذ الساعي أو الحاكم عنه، لما عرفت من عدم إحراز وقوع البيع حال تعلق الزكاة لكي تستقر على البائع، و نتيجة ذلك أيضا قرار الزكاة على المشتري و ان لم يحرز وجوبها عليه.

[الرابعة إذا مات المالك بعد تعلق الزكاة]

(الرابعة) إذا مات المالك بعد تعلق الزكاة وجب الإخراج من تركته و ان مات قبله وجب على من بلغ سهمه النصاب من الورثة، و إذا لم يعلم ان الموت كان قبل التعلق أو بعده، لم يجب الإخراج من تركته و لا على الورثة إذا لم يبلغ نصيب واحد منهم النصاب، الا مع العلم بزمان التعلق و الشك في زمان الموت، فان الأحوط حينئذ الإخراج، على الاشكال المتقدمين، و اما إذا بلغ نصيب كل منهم النصاب أو نصيب بعضهم، فيجب على من بلغ نصيبه منهم للعلم الإجمالي بالتعلق به اما بتكليف الميت في حيوته أو بتكليفه هو بعد موت مورثه بشرط ان يكون بالغا عاقلا، و الا فلا يجب عليه لعدم العلم الإجمالي بالتعلق حينئذ.

لا إشكال في وجوب الإخراج من التركة إذا مات المالك بعد تعلق الزكاة لأن الزكاة دين تقدم على الإرث، كما لا إشكال في وجوبها على الوارث إذا مات المالك قبل التعلق مع بلوغ نصيب الوارث النصاب، كعدم الإشكال في عدم وجوبها على الوارث مع عدم بلوغ نصيبه النصاب، و إذا شك في تقدم موت المالك على التعلق، فيجي‌ء الشقوق المتقدمة في المسألة المتقدمة.

و لا إشكال في عدم وجوب الزكاة على الوارث في الصورتين منها، و هما صورة ما علم زمان الموت و شك في زمان التعلق، و صورة ما كان كلاهما مجهولا.

395

أما الاولى، فلان الأصل الجاري فيها هو أصالة عدم التعلق الوجوب الى زمان الموت، و لكنه لا اثر له لأن الأثر و هو الوجوب على الوارث يترتب على تأخر الوجوب عن الموت لا على عدم تقدمه عليه و باستصحاب عدم التعلق الى زمان الموت لا يثبت كونه بعد الموت الا على التعلق بالأصل المثبت.

و اما الثانية فلعدم إجراء الأصل في مجهولي التاريخ، أما للمعارضة أو لعدم جريانه في مورد مجهولي التاريخ رأسا من جهة عدم اتصال زمان الشك باليقين، و اما الصورة الثالثة من الشقوق المحتملة، أعني ما علم زمان التعلق و شك في زمان الموت، فالأصل الجاري فيها هو أصالة عدم الموت الى زمان التعلق، فهل يجرى و يثبت به الوجوب على المالك أولا، وجهان مبنيان، على ان الوجوب اثر كون التعلق في حال حيوة المالك كما هو الحق، أو اثر تقدم التعلق على الموت، فعلى أولا فيجري الأصل من غير اشكال، و على الثاني فيبتني اجراء على الأصل المثبت، و حيث ان الوجوب ترتب على كون التعلق في ملك المالك و هو يثبت بإحراز حيوته في حال التعلق و المفروض إحراز حيوته في حاله بالاستصحاب فلا جرم يكون الحق هو الإخراج من تركته في هذه الصورة أعني فيما علم زمان التعلق و شك في زمان الموت هذا كله إذا لم يبلغ نصيب الوارث النصاب، و اما مع بلوغ نصيبهم أو نصيب بعض منهم، فيجب على من بلغ نصيبه النصاب إخراجها من نصيبه بقدر ما يتعلق بنصيبه، و ذلك للعلم التفصيلي بوجوب الإخراج مما يتعلق بنصيبه، الحاصل من العلم الإجمالي بتعلق وجوب إخراج هذا المقدار من نصيبه، اما على مورثه، أو عليه نفسه فوجوب إخراج هذا المقدار عليه يقيني على كلا تقديري التعلق على المورث أو عليه نفسه و لكن ذلك فيما إذا كان جامعا لشرائط التكليف من البلوغ و العقل و التمكن من التصرف و نحوها و الا فلا يجب عليه لعدم العلم الإجمالي بالتعلق و هذا ظاهر.

[الخامسة إذا علم ان مورثه كان مكلفا بإخراج الزكاة]

الخامسة إذا علم ان مورثه كان مكلفا بإخراج الزكاة و شك في انه

396

أداها أم لا ففي وجوب إخراجه من تركته لاستصحاب بقاء تكليفه، أو عدم وجوبه للشك في ثبوت التكليف بالنسبة إلى الوارث و استصحاب بقاء تكليف الميت لا ينفع في تكليف الوارث وجهان، أوجههما الثاني لأن تكليف الوارث بالإخراج فرع تكليف الميت حتى يتعلق الحق بتركته و ثبوته فرع شك الميت و إجرائه الاستصحاب لا شك الوارث، و حال الميت غير معلوم انه متيقن بأحد الطرفين أو شاك، و فرق بين ما نحن فيه، و ما إذا علم نجاسة يد شخص أو ثوبه سابقا و هو نائم و نشك في انه طهرهما أم لا حيث ان مقتضى الاستصحاب بقاء النجاسة مع ان حال النائم غير معلوم انه شاك أو متيقن، إذ في هذا المثال لا حاجة الى إثبات التكليف بالاجتناب بالنسبة الى ذلك الشخص النائم، بل يقال ان يده كانت نجسة و الأصل بقاء نجاستها فيجب الاجتناب عنها، بخلاف المقام حيث ان وجوب الإخراج من التركة فرع ثبوت تكليف الميت و اشتغال ذمته بالنسبة إليه من حيث هو، نعم لو كان المال الذي تعلق به الزكاة موجودا أمكن ان يقال: الأصل بقاء الزكاة فيه، ففرق بين صورة الشك في تعلق الزكاة بذمته و عدمه و الشك في ان هذا المال الذي كان فيه الزكاة أخرجت زكاته أم لا، هذا كله إذا كان الشك في مورد لو كان حيا و كان شاكا وجب عليه إخراجه، و اما إذا كان الشك بالنسبة الى الاشتغال بزكاة السنة السابقة أو نحوها فما يجرى فيه قاعدة التجاوز و المضي و حمل فعله على الصحة، فلا اشكال، و كذا الحال إذا علم اشتغاله بدين أو كفارة أو نذر أو خمس أو نحو ذلك.

إذا علم ان مورثه كان مكلفا بإخراج الزكاة و شك في انه أداها فلا يخلو، اما يكون شكه هذا مع تلف العين التي يشك في أداء زكاتها، أو يكون مع وجودها، و على الأول، فاما ان يعلم بان التلف على الوجه الغير المضمن على تقدير بقاء الزكاة، أو يعلم انه على الوجه الذي يكون المالك ضامنا، أو يشك في ذلك فههنا صور.

397

(الأولى) ما إذا كان شك الوارث في إخراج مورثه ما عليه من الزكاة مع تلف العين على الوجه الغير المضمن، و لا إشكال في عدم وجوب الإخراج في هذه الصورة على الوارث، و ذلك لانه يقطع بعدم وجوب شي‌ء على المورث حين موته، اما من جهة أدائه أو من جهة تلف العين على الوجه الغير المضمن، و لا مورد لاستصحاب بقاء تكليف الميت في هذه الصورة حتى يبحث عن صحة جريانه.

(الثانية) ما إذا كان شك الوارث مع تلف العين على الوجه الذي يكون ضامنا كما إذا علم بأنه لو لم يؤد كان تأخيره على وجه لا يجوز التأخير معه بان كان المستحق حاضرا أو كان التأخير معه بما يتسامح معه في الأداء و انما الشك في اشتغال ذمته من جهة الشك في الأداء، و هل يصح في هذه الصورة إجراء الاستصحاب اعنى استصحاب بقاء تكليف الميت لإثبات وجوب الإخراج على الوارث، وجهان أقواهما الأول، و ذلك لوجود المقتضي لإجرائه من تمامية أركانه و عدم المانع، الا ما ربما يجعل مانعا عنه، و هو وجهان الأول ما في المتن من ان تكليف الوارث بالإخراج فرع تكليف الميت به و هو متوقف على إحرازه لكن إحراز حال الوارث، فكما انه إذا علم بعدم أدائه وجدانا يتوقف عليه التكليف بالأداء و لو لم يكن حال الميت معلوما من انه متيقن بأحد الطرفين أو شاك بل و لو علم بأنه كان متيقنا بالأداء لكن الوارث عالم بعدم أدائه و انه كان في يقينه هذا بالخطاء و كان جاهلا مركبا، كذلك إذا أحرز عدمه بالاستصحاب الذي هو إحراز تعبدي يترتب عليه التكليف بالأداء فكما أن الإحراز الوجداني صفة للوارث فإنه بإحرازه الوجدانى يجب عليه الإخراج فكذلك بإحرازه التعبدي يصير الإخراج واجبا عليه فهذا الوجه لا يمنع عن إجرائه.

(الثاني) ما في حاشية بعض الأساطين من السادة، و هو ان استصحاب عدم إخراج الميت للزكاة لا يثبت اشتغال ذمته به الأعلى التعويل بالأصل المثبت‌

398

لأن الملازمة بين عدم الإخراج و بين بقاء الاشتغال عقلية لا شرعية فإثبات الاشتغال باستصحاب عدم الإخراج منوط بصحة التعويل على الأصل المثبت و فيه ان الأصل يجري في نفس بقاء الاشتغال لا في عدم الإخراج لإثبات الاشتغال، و ذلك لتمامية أركان الاستصحاب فيه من اليقين بالوجود و الشك في بقائه من جهة الشك في الأداء، و حيث ان التلف يكون على وجه الضمان على تقدير عدم الأداء فيكون بقاه الاشتغال مشكوكا بعد التلف كما كان مشكوكا قبله، فيصح استصحاب بقائه لإثبات وجوب الإخراج على الوارث، و الحاصل ان الاشتغال مشكوك قبل التلف و حال التلف و بعده، فيصح استصحابه و لا يحتاج في صحة استصحابه الى العلم به بعد التلف، و بذالك يسقط ما في حواشي بعض أساتيدنا في المقام من منع اجراء الاستصحاب في هذه الصورة مع التزامه بصحته فيما لو علم بالاشتغال بعد التلف، كما إذا علم الوارث بأنه لم يؤد المورث حتى تلف النصاب مع كون التلف على وجه الضمان و يشك بعد التلف في بقاء الاشتغال من جهة الشك في أدائه بعده، فان الالتزام بصحة إجرائه في هذا الفرض يستلزم صحة إجرائه فيما إذا كان الشك في بقاء الاشتغال حال التلف و قبله من جهة الشك في أدائه قبله و لا يحتاج الى العلم ببقائه بعده كما لا يخفى.

و الحاصل انه ان كان مبنى الاشكال في إجراء الأصل مع عدم اليقين ببقاء الاشتغال بعد التلف، من جهة ان مجراه هو عدم الإخراج، و إثبات الاشتغال باستصحاب عدم الإخراج تعويل على الأصل المثبت، يكون مع العلم ببقاء الاشتغال بعد التلف كذلك، و ان كان مبنى الصحة في إجرائه مع العلم ببقاء الاشتغال بعد التلف، لمكان كون الاشتغال بنفسه مصب الأصل و مجراه، فليكن مع عدم اليقين ببقائه بعد التلف كذلك لكونه متيقنا في زمان تعلق الزكاة و هذا اليقين بحدوثه كاف في استصحابه مع الشك في بقائه، و بالجملة فلا إشكال في إجراء الاستصحاب و إثبات وجوب الأداء على الوارث في هذه الصورة هذا، و قد فصل بعض أساتيدنا (قده)

399

في حاشية منه في المقام بعد التزامه بعدم الإشكال في إجراء استصحاب الوارث بقاء اشتغال الميت و كفاية شكه اى شك الوارث في بقائه من غير حاجة الى إحراز شك الميت بعدم وجوب الإخراج على الميت في صورة التلف إذا كانت عادة الميت جارية بإخراج زكاة ماله عند وجوبها و عدم وجوبه لو لم تكن عادته كذلك، و هذا التفصيل منه (قده) مبنى على ما تقدم منه في المسألة الثانية من هذا الختام من عدم وجوب الإخراج على المالك لو شك في إخراجها إذا كانت من عادته الإخراج عند وجوبه و قد تقدم منا منعه و انه لا دليل على اعتبار تلك العادة و انها لا تكون إلا أمارة لم يقم على اعتبارها دليل، مع انه على تقدير تسليم اعتبارها لا اختصاص لاعتبارها بصورة تلف العين بل تكون متبعة حتى مع وجودها، اللهم الا ان يكون نظره (قده) بالاختصاص بصورة التلف هو الاختصاص بصورة تصرف المالك في النصاب بإتلاف و نحوه كما أفاده في حاشية أخرى في تلك المسألة، و لعل وجهه قوة أمارية العادة في تلك الصورة حيث ان تصرفه في النصاب بإتلافه و نحوه مع استقرار عادته على الإخراج عند وجوبه لعله دليل قوى على الإخراج، الا انه مع ذلك لا دليل على اعتباره ما لم ينته الى العلم.

و بالجملة فالأقوى عندي صحة إجراء الاستصحاب، اعنى استصحاب بقاء شغل المورث و إثبات وجوب الأداء به على الوارث في هذه الصورة بل في صورة تلف العين مع العلم لكون تلفه مضمنا على تقدير عدم الأداء حتى مع العلم باستقرار عادة المورث على الإخراج عند وجوبه و تصرفه في العين بالإتلاف و نحوه.

(الصورة الثالثة) ما إذا شك الوارث في إخراج المورث مع تلف العين و الشك في كون تلفه مضمنا، و الحكم في هذه الصورة أيضا كالصورة الثانية، هو صحة التمسك باستصحاب بقاء شغل الميت، و لكن في حاشية بعض السادة من الأساطين (قد) هو المنع عن إجرائه لا لأجل كونه مثبتا عنده كما في الصورة الثانية، بل لمكان عدم الملازمة بين عدم الإخراج الذي يراد إثباته بالأصل و شغل الذمة الذي‌

400

يراد إثباته باستصحاب عدم الإخراج، و ذلك لاحتمال ان لا يكون التلف مضمنا، و لا يخفى ان ما افاده يصح إذا أريد إجراء الأصل في عدم الإخراج لإثبات شغل الذمة به، و اما إذا كان الأصل جاريا في نفس بقاء اشتغال الميت الذي تيقن به عند مجيئي زمان وجوب الإخراج فلا مورد للمنع عن إجرائه بالمنع عن الملازمة كما لا يخفى.

(الصورة الرابعة) ما إذا كان الشك في إخراج المورث مع وجود العين و لا ينبغي الإشكال في صحة التمسك بالاستصحاب في هذه الصورة كما افاده المصنف أيضا في قوله: نعم لو كان المال الذي تعلق به الزكاة موجودا، ثم فرق بين صورة تلف المال و بين صورة وجوده بالمنع عن اجراء الاستصحاب في الأول و صحة إجرائه في الثاني، و لعل نظره (قده) في الفرق بين الصورتين هو عدم العلم بالحالة السابقة بالاشتغال في صورة التلف المانع عن إجراء الأصل معه بخلاف الصورة الثانية، حيث ان تعلق الزكاة بهذا المال كان معلوما و انما الشك في إخراجها فيستصحب عدمه، و لا يخفى ما أفاده في الصورة الثانية متين، و الحق في الصورة الأولى أيضا كذلك، فان اشتغال ذمته بوجوب الإخراج و لو كان حكما تكليفيا محضا كان معلوما و يشك في بقائه فيستصحب بقائه، مع انه يرد عليه بعدم الفرق بين تلف المال و بين وجوده في دخل شك الميت في إجراء الأصل أو كفاية شك الوارث و مع دخل شك الميت ينبغي المنع عن إجرائه حتى مع وجود المال عند عدم إحراز شكه و لو كان الوارث شاكا، و مع كفاية شك الوارث يكون الحكم صحة إجراء الأصل حتى مع تلف المال فالتفرقة بين تلفه و وجوده لا وجه له، هذا كله فيما إذا كان الشك في بقاء شغل ذمة الميت بالنسبة إلى زكاة هذه السنة في تمام هذه الصور الأربع.

(الصورة الخامسة) ما إذا كان الشك بالنسبة إلى الاشتغال بزكاة السنة السابقة و نحوها و المختار عند المصنف (قده) هو عدم الإشكال في برأيه الوارث لأجل‌