مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى - ج10

- الشيخ محمد تقي‏ الآملي المزيد...
558 /
401

قاعدة التجاوز و المضي و حمل فعل المورث على الصحة، و قد تقدم المنع عن اجراء هذه القواعد في أمثال المقام في المسألة الثانية من هذا الختام فلا نعيده، و خلاصة الكلام هو وجوب الإخراج على الوارث في جميع هذه الصور الخمسة إلا الأولى منها كما لا يخفى.

[السادسة إذا علم اشتغال ذمته اما بالخمس أو الزكاة]

(السادسة) إذا علم اشتغال ذمته اما بالخمس أو الزكاة وجب عليه إخراجهما إلا إذا كان هاشميا فإنه يجوز ان يعطى للهاشمي بقصد ما في الذمة و ان اختلف مقدارهما قلة و كثرة أخذ بالأقل و الأحوط الأكثر.

إذا علم باشتغال ذمته بشي‌ء مردد بين الخمس و الزكاة فاما يكون المعلوم متفق المقدار على تقدير كونه خمسا أو زكاة كما إذا علم باشتغال ذمته بعشرة دنانير مرددا بين كونها خمسا يجب عليه ردها إلى أربابه أو زكاة يجب تأديتها إلى مستحقها أو يكون مختلف المقدار كما إذا علم باشتغال ذمته بعشرة دنانير زكاة أو خمسة عشر دينار خمسا مثلا و على التقديرين فاما يكون هاشميا يجوز صرف زكاته إلى الهاشمي أو لا يكون هاشميا فيحرم زكاته على الهاشمي فإن كان هاشميا فمع كون المعلوم بالإجمال متفق القدر يجوز له إعطاء ما يعلم كونه في ذمته إلى الهاشمي فينوي إخراج ما عليه و يكون مكلفا بإخراجه خمسا أو زكاة و لا يضر الجهل بخصوصية متعلق الذمة بعد العلم بتعلق الأمر به و انه يقصد امتثال شخص الأمر المتوجه اليه و يشير إليه في قصد امتثاله بعنوان ما هو المتوجه اليه و يكفي في الخروج عن امتثاله بقصد امتثاله و لو بهذا العنوان اعنى واقع الأمر المتوجه اليه، و كون المتعلق و هو الخمس أو الزكاة مرددا بين مختلفي النوع غير مضر، في صدق امتثال الأمر بعد تعينه، و الإشارة إليه عند قصد امتثاله بعنوان يشير اليه و لو بعنوان ما هو متوجه اليه.

و نظير ذلك ما إذا علم باشتغال ذمته بشخص معين كزيد مثلا مرددا بين ان يكون دينا أو نذرا اى لا يعلم منشأ اشتغاله به هل هو النذر له أو الاستدانة منه مثلا، فإنه يصح إعطاء ما يعلم باشتغاله به بعنوان ما هو في ذمته و لو لم يعلم انه‌

402

دين أو نذر و يبرء ذمته عما هو فيه بهذا الإعطاء، و على تقدير كون الإعطاء قريبا يصح منه قصد امتثال ما هو المتوجه اليه من الأمر واقعا، هذا إذا كان المعلوم بالإجمال متفق القدر، و لو كان مختلفا، فلا إشكال في حصول الإبراء بإخراج الأكثر، فهل يتعين عليه إخراجه أو يجوز له الاكتفاء بإخراج الأقل وجهان، مبنيان على ان المقام هل هو من قبيل الدين المردد بين الأقل و الأكثر الاستقلاليين حيث ينحل علمه الإجمالي بالاشتغال بالقدر المردد بين الأقل و الأكثر إلى علم تفصيلي بالعلم بالاشتغال بالأقل و الشك في الاشتغال بالأكثر، بل التعبير بالانحلال لا يخلو من مسامحة، لأنه من الأول لم ينعقد علم إجمالي أصلا لأن العلم الإجمالي الأصولي هو العلم بالجامع المقرون مع الشك في الخصوصيات، و في مورد الأقل و الأكثر لم يكن من أول الأمر كذلك، بل كان علما بالأقل بخصوصيته و شكافى زائد عنه، و بعبارة أخرى خصوصيته مقدار الأقل و لو لا بحد الأقلية كانت معلومة، و انما الشك في خصوصيته الأكثر أو انه يكون كالصلاة المرددة بين القصر و الإتمام أو الظهر و الجمعة حيث يكون المعلوم مرددا بين المتبائنين، و مختار المصنف (قده) في المتن هو الأول، و لكن الأحوط هو الأخير، و ذلك لان المعلوم بالإجمال المردد بين الأقل و الأكثر يكون معلما بغير عنوان المتعلق المردد إذ الترديد ليس في الاشتغال بعشرة أو خمسة عشر المجرد عن عنوان آخر، بل المعلوم بالإجمال مردد بين الأقل على تقدير كونه خمسا و الأكثر على تقدير كونه زكاة أو بالعكس، فهو يعلم إجمالا باشتغال ذمته بالخمس الذي هو العشرة أو الزكاة التي هي خمسة عشر فالمعلوم بالإجمال مردد بين الخمس أو الزكاة فلو كان مما في ذمته الزكاة لكان تمام خمسة عشر متعلقا للعلم الإجمالي لا ان الخمسة الزائدة على العشرة تكون مشكوكة بالشك البدوي، فيكون نظير ما إذا علم في العين الخارجي بأن هذه العشرة لنريد أو تلك الخمسة عشر له، فالترديد بين العينين يوجب صيرورة تمام خمسة عشر طرفا للعلم الإجمالي لا العشرة منه فقط، و في المقام تكون الخمسة عشر المعلمة بعنوان‌

403

الزكاتية منشأ لصيرورتها بتمامها طرفا للعلم الإجمالي، و لا ينحل العلم الإجمالي بعلم تفصيلي بالأقل و شك بدوي بالأكثر، فالحق وجوب إخراج الأكثر و عدم الاكتفاء بإخراج الأقل، هذا كله إذا كان هاشميا يجوز له إعطاء زكاته بهاشمي مثله، و لو لم يكن هاشميا يجب عليه الاحتياط باخراجهما سواء كان متفقي المقدار أو كانا مختلفين فيكون نظير الدين المردد بين شخصين بان يعلم باشتغال ذمته بعشرة اما بزيد أو بعمرو أو يعلم بأنه إما يكون مديونا بزيد بخمسة أو بعمرو بعشرة فإنه يجب فيه الاحتياط بالأداء الى كليهما و ان كان هنا فروع كثيرة قد تعرضنا لها في كتاب الخمس هذا.

و في حاشية سيد أساتيدنا (قده) في المقام نفى البعد عن جواز إخراج ذلك المقدار بقصد ما في الذمة و إيصاله إلى الحاكم الشرعي من حيث كونه وليا للطائفتين فيبرء ذمته من الحق الواقعي ثم يرى الحاكم ما هو تكليفه من القرعة أو التوزيع انتهى، أقول: و ذلك لان أداء العين الى الحاكم يوجب ان يصير متعينا في كونه مصداقا لما في ذمة الدافع فيخرج المورد بقبض الحاكم عن كونه دينا مرددا بين ان يكون لمستحق الزكاة أو لأرباب الخمس فيجي‌ء فيه احتمال التوزيع و القرعة لكن التوزيع في المقام بعيد في الغاية، لأن الحاكم بقبضه لا بد من ان يجعل الدين مرددا بين الطائفتين و صيرورة العين كذلك فرع ثبوت الحق لهما، و بعبارة أخرى الحاكم ولى على الطائفتين في قبض مالهما من الحق و يتعين المأخوذ في كونه لهما بعد فرض ثبوت الحق لهما و مع عدم الحق لا يتعين المأخوذ بقبض الآخذ إذ لا ولاية للحاكم على ما ليس للمولى عليه و إذا كان المفروض ثبوت الحق لإحدى الطائفتين فقط تكون ولايته على ذي الحق منهما فقط و نتيجة ذلك صيرورة العين لمن له الحق منهما فقط، و الحاصل ان الحاكم لا يكون وليا في المقام للطائفتين فلا يكون قبضه قبضا عنهما بل هو ولي لذي الحق من الطائفتين، أما أرباب الخمس أو مستحقي الزكاة فبقبضه يتعين اما خمسا أو زكاة و ليس معه موردا للتوزيع.

404

و الحاصل ان العين التي لا تعدو عن أشخاص متعددة تكون مورد الحكم بالتوزيع، و في المقام تصير العين بقبض الحاكم مما لا تعدو عن الطائفتين و صيرورتها كذلك يتوقف على قبض الطائفتين بقبض وليهما و هو متوقف على كون الحاكم وليا عنهما و هو متوقف على كون الحق لهما كما لا يخفى.

[السابعة إذا علم إجمالا ان حنطته بلغت النصاب]

السابعة إذا علم إجمالا ان حنطته بلغت النصاب أو شعيرة و لم يتمكن من التعيين فالظاهر وجوب الاحتياط باخراجهما إلا إذا أخرج بالقيمة فإنه يكفيه إخراج قيمة أقلهما قيمة على اشكال لأن الواجب أولا هو العين و مردد بينهما إذا كانا موجودين بل في صورة التلف أيضا لأنهما مثليان و إذا علم ان عليه اما زكاة ثلاثين بقرة أو أربعين شاة وجب الاحتياط الا مع التلف فإنه يكفيه قيمة شاة و كذا الكلام في نظائر المذكورات.

إذا علم إجمالا بأنه يجب عليه اما إخراج الزكاة من الحنطة أو من الشعير فلا يخلوا اما يخرج من العين أو يخرج القيمة اما مع وجود العين أو مع تلفها لا إشكال في وجوب الاحتياط باخراجهما معا فيما إذا يخرج من العين و ذلك لكون المعلوم بالإجمال مرددا بين المتباينين و هما الحنطة و الشعير و ان كانت قيمتهما متفاوتة بالأقل و الأكثر الا ان التردد بين العينين لتعلق بأي نحو الزكاة بالعين من الأنحاء كان على حسب ما تقدم و ليست متعلقة بالذمة الساذجة، و منه يظهر وجوب الاحتياط أيضا فيما إذا أخرجها من القيمة مع وجود العين، حيث ان القيمة يدل من العين في رتبة المتأخرة عن تعلق وجوب إخراج العين فيكون التخيير بين العين و القيمة في رتبة الامتثال اعنى أول ما ثبت على المكلف هو أداء العين و في رتبة إخراجها ثبت له التخيير بين إخراج نفس ما ثبت في ذمته أو قيمته، و هذا كما ترى تخيير في رتبة الامتثال لا في مرتبة الاشتغال، و حيث ان الثابت في الذمة في رتبة ثبوته مردد بين الإخراج من الحنطة أو الشعير يكون طرف التخيير في رتبة الامتثال مرددا بين إخراج قيمة الحنطة عشرة و قيمة الشعير خمسة مثلا، الا ان ما هو طرف‌

405

العلم الإجمالي ليس هو العشرة و الخمسة بما هما تعلما اعنى عشرة التي قيمة الحنطة و الخمسة التي قيمة الشعير، و العشرة و الخمسة مع تعنونهما بهذين العنوانين من قبيل المتباينين، و هكذا الكلام في إخراج القيمة مع تلف العين لأنه في صورة تلفها ينتقل الذمة بإخراج مثل التالف لأن الحنطة و الشعير مثليان فيكون حالهما في صورة التلف كحالهما في صورة كونهما موجودين و يكون في صورة التلف مأمورا بإخراج المثل و في رتبة الامتثال يقع التخيير بين إخراج نفس ما يتعلق التكليف بإخراجه و هو المثل أو إخراج بدله و هو القيمة فحال وجود العين كحال التلف، الا انه في وجود العين يصير مخيرا في رتبة الاسقاط بين الإخراج من العين أو القيمة، و في صورة التلف بين إخراج المثل أو القيمة، و الحاصل ان الأقوى وجوب الاحتياط في إخراج الجميع مع الإخراج من العين أو القيمة في صورة وجود العين و تلفها، و إذا علم ان عليه اما زكاة ثلاثين بقرة أو أربعين شاة وجب عليه الاحتياط بإخراج ما على ثلاثين بقرة من التبيع و التبيعة و ما على أربعين شاة من الشاة الواحدة لو اخرج من العين أو القيمة مع وجود العين، و اما مع تلف العين، ففي المتن انه يكفيه قيمة شاة لأن الشاة و التبيع أو التبيعة قيمي يجب عند التلف إخراج قيمتها فالقيمة الواجبة مرددة بين الأقل و الأكثر الاستقلاليين، لانه لو كان عليه زكاة ثلاثين بقرة يجب عليه قيمة التبيع و التبيعة و هي عشرين مثلا، و لو كان عليه زكاة أربعين شاة فالواجب عليه قيمة شاة واحدة و هي عشرة مثلا، فيكون ما عليه مرددا بين العشرة و العشرين و حيث ان العشرة متيقنة على كل تقدير يؤخذ بها و يرجع فيما زاد عليها الى البراءة، و لكن الأقوى وجوب الاحتياط في هذه الصورة أيضا، لأن التبيع أو التبيعة و الشاة و ان كانتا قيمتين و التفاوت بين قيمتهما بالقلة و الكثرة لكن طرفي المعلوم بالإجمال معلمان، حيث انه اى المعلوم بالإجمال مردد في المثال المذكور بين ان يكون العشرة التي هي قيمة الشاة و العشرين التي هي قيمة التبيع أو التبيعة و العشرة و العشرين من حيث نفسهما و ان كانتا مختلفين بالقلة‌

406

و الكثرة لكنهما بما هما قيمتي الشاة و التبيع أو التبيعة متباينين لأن العشرة التي هي قيمة الشاة بهذا العنوان ليست في ضمن العشرين التي قيمة التبيع أو التبيعة و ان شئت فقل الشعرة التي هي قيمة الشاة عبارة عن مالية الشاة و روحها و العشرين على هذا التي هي قيمة التبيع أو التبيعة هي ماليتهما فالترديد بين العشرة و العشرين على هذا الوصف ترديد بين الماليتين و هما متباينان اعنى ماليته القائمة بالشاة بوصف قيامها بها متباين مع مالية التبيع بما هي قائمة به.

و مما ذكرناه يظهر الكلام في نظائر المذكورات و ان الحكم في الجميع هو الاحتياط، ثم ان في كيفية إخراج الجميع من المالك مطلقا سواء كان إخراجه من العين أو من القيمة أو بالاختلاف يتصور أنحاء يتفاوت حكمها بالنسبة إلى الآخذ.

(الأول) ان يخرج على ان تكون الزكاة منه زكاة و الزائد منه هبة، و لا إشكال في صيرورة الجميع حينئذ ملكا للآخذ مقدار الزكاة منه زكاة و الباقي هبة.

(الثاني) ان يخرج الجميع على ان يكون مقدار الزكاة منه زكاة و الزائد عنه باقيا على ملك المخرج و لكن الأخذ لم يعلم بالحال، و في هذه الصورة يصير المأخوذ مشتركا على نحو نحو الإشاعة بين الآخذ و المخرج لصيرورة مقدار الزكاة من الجميع ملكا للآخذ و يبقى الباقي على ملك المخرج فمع بقاء العين يكون مشتركا بينهما و يجوز للمالك ان يرجع الى ملكه بعد تبين الحال و مع تلف العين لا يكون الآخذ ضامنا و لو كان التلف بإتلافه لمكان جهله بالحال.

(الثالث) ان يخرج الجميع كالنحو الثاني و لكن بعلم الآخذ بالحال فان كان المخرج من عين النصاب يحصل علم إجمالي للآخذ بكون احدى العينين له و الأخرى للمالك مرددة بين ان تكون الحنطة له و الشعير للمالك أو بالعكس فمع عدم رضاء المالك بتصرف الآخذ فيما زاد على الزكاة يكون مقتضاه عدم جواز تصرفه في شي‌ء منهما و يصير الإعطاء و الأخذ حينئذ لغوا و لا يجوز للمالك استرداد الزائد لاحتمال ان يكون هو الزائد، و يمكن ان يقال: بوجوب دس الزائد في ملك المالك‌

407

على الآخذ و ان كان المخرج من القيمة يصير مشتركا بينهما بالنسبة فيكون حكمه حكم المال المشترك حينئذ، ثم لا يخفى انا قد كتبنا جملا وافية مما يرتبط بالمقام في البحث عن الحلال المختلط بالحرام من كتاب الخمس فراجع اليه ينفعك في المقام‌

[الثامنة إذا كان عليه الزكاة فمات قبل أدائها]

(الثامنة) إذا كان عليه الزكاة فمات قبل أدائها هل يجوز إعطائها من تركته لواجب النفقة عليه حال حيوته أم لا اشكال.

و منشأ الاشكال هو الإشكال في ان المنع عن إعطاء الزكاة بمن يجب نفقته على المعطى، هل هو من جهة كونه ممن تجب نفقته عليه و لو كانوا فقراء، كما يستفاد من بعض الاخبار الذي فيه انه خمسة لا يعطون الزكاة شيئا الأب و الام و الولد و المملوك و الزوجة، أو لأجل صيرورتهم بوجوب نفقتهم على المعطى أغنياء، فعلى الأول لا يجوز إعطائها إياهم من تركته بعد موته لأنهم معنونون بالعناوين الخمسة المتقدمة أعني الأب و الام و الولد و الزوجة منها، و على الثاني يجوز الإعطاء لهم إذا كانوا فقراء كما لا يخفى، و لعل الأول في الأب و الام و الولد و الزوجة هو الأقوى، و ان كان في ذيل الخبر المتقدم ما ربما يومي الى الأخير حيث علل فيه المنع عن إعطاء الخمسة المذكورة بأنهم عياله لازمون له، لكن الانصاف عدم دلالته على كون المنع عن إعطائهم لمكان غناهم بالعيلولة بل لعل المنع من جهة كونهم عيالا له أظهر.

[التاسعة إذا باع النصاب بعد وجوب الزكاة]

التاسعة إذا باع النصاب بعد وجوب الزكاة و شرط على المشتري زكاته لا يبعد الجواز إلا إذا قصد كون الزكاة عليه لا ان يكون نائبا عنه لانه مشكل.

اعلم انه لو لا شرط الزكاة على المشتري تكون عليه لمكان تعلقها بالعين و انها تذهب حيثما ذهبت العين، غاية الأمر أنه ان أداها البائع عن مال آخر يسقط إخراجها من العين و الا يؤديها المشتري عن العين ثم يرجع بها الى البائع، هذا مع عدم الاشتراط، و اما لو شرطها على المشتري فهذا الشرط يحتمل وجوها.

(الأول) ان يكون الغرض من الشرط نفس هذا المعنى الذي لو لا الشرط‌

408

كان على المشتري غاية الأمر انه مع الشرط لا يرجع بعد الأداء الى البائع بما اداه فيكون نتيجة الاشتراط عدم ضمان البائع لما يؤديه المشتري بعد أدائه، و لا يخفى ان الشرط بهذا المعنى سائغ صحيح مثل سائر الشروط السائغة يدخل تحت دليل وجوب الوفاء من غير اشكال.

(الثاني) ان يقصد البائع في شرطه هذا توكيل المشتري في الدفع و كونه نائبا عن البائع في الدفع، و لازمه جواز رجوع المشتري حينئذ إلى البائع بعد الدفع كما لو لم يكن شرط، فيكون هذا الاشتراط لغوا لا يؤثر في شي‌ء لعدم الحاجة في دفع المشتري الى قصد النيابة لأن المخاطب بالزكاة من بيده الأعيان الزكوية و لا حاجة الى اشتراط النيابة و لا تبرء ذمة البائع عن الزكاة الا بالأداء لا بنفس الاشتراط، و الحاصل انه لا يترتب على هذا الاشتراط أثر أصلا.

(الثالث) ان يكون الشرط تحول التكليف بالزكاة من البائع إلى المشتري بالشرط بان يقال: بعتك بشرط ان تكون زكاته عليك، و هذا مما لا ينبغي الإشكال في فساده، إذ الشرط لا يصلح ان يكون ناقلا للتكليف عن شخص الى آخر كما لا يخفى، و قد تقدم في مسألة الحادي عشرة من أول الكتاب الزكاة في البحث عن كون زكاة القرض على المقترض بعد قبضه جملة وافية لما يناسب المقام.

[العاشرة إذا طلب من غيره ان يؤدى زكاته تبرعا من ماله]

(العاشرة) إذا طلب من غيره ان يؤدى زكاته تبرعا من ماله جاز و اجزء عنه و لا يجوز للمتبرع الرجوع عليه و اما ان طلب و لم يذكر التبرع فأداها عنه من ماله فالظاهر جواز رجوعه عليه بعوضه لقاعدة احترام المال إلا إذا علم كونه تبرعا.

لا يخفى ان طلب التبرع عن الزكاة و أداء المتبرع و سقوط ذمة المتبرع عنه بتبرعه، متوقف على صحة التبرع في الزكاة، و في صحته خلاف، و الأقوى صحته، و قد تقدم منا الدليل على صحته في مسألة الحادي عشرية من أول كتاب الزكاة فراجع، و اما إذا طلب و لم بذكر التبرع فأداها عنه، فالأقوى جواز رجوعه‌

409

عليه بما ادعى، لقاعدة احترام المال، و نظير ذاك المقام، كلما يستوفى الآمر بأمر معاملي مالا من المالك كما في أعتق عبدك عنى أو عملا من العامل كما في احلق رأسي أو احمل متاعي و نحو ذلك، أو الق متاعك في البحر، فيما إذا كان في الغائه غرض عقلائي للآمر، كتخفيف السفينة عند التطام البحر، و ضابط ما يضمن الآمر بامره انما هو في كل مورد أمكن وقوع الفعل عن المالك بالتبرع عن الآمر لو لا امره و استدعائه، فكلما يصح فيه التبرع يصح فيه الاستدعاء و يكون تبرعه موجبا لبراءة المتبرع عنه لو كان مشغولا به مع وقوع الفعل عن المتبرع من غير ضمان المتبرع عنه ببدله و وقوعه بامره و استدعائه موجب بوقوعه عنه و اشتغال ذمة الآمر ببدله بواسطة أمره فإن عين شيئا يكون ضمانه بما عين و بالمسمى و الا فيكون ضامنا بالمثل أو القيمة، و حيث قد ثبت جواز التبرع في أداء الزكاة يكون أدائها بأمر من المالك موجبا لبراءة ذمته من الزكاة و اشتغالها بما أداه المأمور، كل ذلك بعد أدائه، لكن جواز رجوعه الى الآمر، انما هو فيما إذا لم يكن قاصدا للتبرع، و الا فلا رجوع له مع قصده، و ليعلم انه كان حق العبارة ان يقول: الا إذا كان متبرعا لان الكلام يكون في مقام الثبوت و بيان ما يجوز له الرجوع واقعا لا مقام الإثبات لكي يحتاج الى العلم بالتبرع.

[الحادية عشرة إذا وكل غيره في أداء زكاته]

الحادية عشرة إذا و كل غيره في أداء زكاته أو في الإيصال إلى الفقير هل تبرء ذمته بمجرد ذلك أو يجب العلم بأنه أداها أو يكفي إخبار الوكيل بالأداء لا يبعد جواز الاكتفاء إذا كان الوكيل عدلا بمجرد الدفع اليه.

اما براءة الذمة بمجرد التوكيل في الأداء فمما ينبغي القطع بعدمها و لو كان الوكيل عادلا، فإنه لا يكون أداء قطعا و لا عزلا عرفا، فكيف تحصل البراءة بمجرد إنشاء الوكالة في الأداء، و اما حصولها بالتوكيل في الإيصال بناء على جواز العزل و حصول البراءة به، فله وجه إذ التوكيل في الإيصال عزل عرفا فعلى تقدير جوازه مع وجود المستحق و ينبغي ان يقال: بحصول البراءة به الا انه لا يخلو‌

410

عن تأمل، فالأقوى اعتبار الاطمئنان بأداء الوكيل في البراءة من اى سبب حصل و لو كان من اخبار الوكيل إذا كان عادلا، و اما جواز الاكتفاء بمجرد الدفع الى الوكيل إذا كان عادلا و لو لم يخبر بالأداء و لم يحصل العلم العادي به من طريق آخر عدا اخباره فلعله لا وجه له.

[الثانية عشرة إذا شك في اشتغال ذمته بالزكاة]

الثانية عشرة إذا شك في اشتغال ذمته بالزكاة فاعطى شيئا للفقير و نوى انه ان كان عليه الزكاة كان زكاة و الا فإن كان عليه مظالم كان منها و الا فإن كان على أبيه زكاة كان زكاة له و الا فمظالم له و ان لم يكن على أبيه شي‌ء فلجده ان كان عليه و هكذا فالظاهر الصحة.

و هذا ما يمكن ان يقع منه على نحوين أحدهما ما هو ظاهر عبارة المتن من ان يكون المنوي أحد هذه الأمور المذكورة طولا بان يكون زكاة نفسه على تقدير ان تكون عليه الزكاة أو مظالم نفسه ان لم يكن عليه الزكاة أو زكاة أبيه ان لم يكن عليه مظالم أو مظالم أبيه ان لم يكن على أبيه زكاة و هكذا، و نتيجة ذلك وقوع كل ما هو واقع من المنويات المترتبة في لسلسلة الطولية و لا يبقى محل لوقوع ما ترتب عليه في السلسلة الطولية لو كان، و ثانيهما ان ينوي ما كان من هذه المنويات بان يتصور زكاة نفسه و مظالمه و زكاة أبيه و مظالمه و ما لجده من المظالم و الزكاة فينوي كون المخرج مخرجا عما في ذمته أو ذمة أبيه أو جده من الزكاة أو المظالم، و لازم ذلك وقوعه عن زكاة أحدهم أو مظالمه لو كان عليه أو على أبيه أو على جده زكاة فقط أو مظالم كذلك، و اما إذا كان عليه كلاهما أو على أبيه أو على جده أو كلاهما على الجميع أو على الاثنين من الجميع، كما إذا كان عليه أو على أبيه الزكاة و المظالم أو عليه و على جده أو على أبيه و على جده، فلا بدمع عدم الترتب ان يحمل على التوزيع، و كيف كان فما في حاشية بعض السادة (قدس سره) من ان صحة ما في المتن لا يخلو عن اشكال لعله مبنى على ما استشكله من التبرع في أداء الزكاة و الا فلا ينبغي الإشكال فيه.

411

[الثالثة عشرة لا يجب الترتيب في أداء الزكاة]

(الثالثة عشرة) لا يجب الترتيب في أداء الزكاة بتقديم ما وجب عليه أولا فأولا فلو كان عليه زكاة السنة السابقة و زكاة الحاضرة جاز تقديم الحاضرة بالنية و لو اعطى من غير نية التعيين فالظاهر التوزيع.

اما عدم وجوب الترتيب فلعدم الدليل على وجوبه، و اما التوزيع لو اعطى من غير نية التعيين بمعنى كون المخرج يوزع على ما عليه من زكاة ما مضى من السنين بالنسبة، فلعله أيضا لا وجه له، و لعل الأقرب احتساب المخرج عما في ذمته من الزكاة كما حرج من غير تعيين و لا توزيع، كما ان إخراجه لم يكن عن تعيين، و بعبارة أوضح إذا كان عليه من السنة الماضية عشرة و من السنة الحاضرة أيضا عشرة فاخرج عشرة من غير تعيين تبرء ذمته عن عشرة من عشرين من غير تعيين و يبقى عشرة أخرى من غير تعيين في كونها من الماضية أو الحاضرة في ذمته، و اما احتساب خمسة من العشرة المخرجة مما مضى و عشرة من السنة الحاضرة الذي هو معنى التوزيع، فليس عليه دليل، و قد تقدم الإشكال في التوزيع في أول الفصل المنعقد في ان الزكاة من العبادات هذا، و في حاشيته شيخ اساطيننا العراقي (قده) في المقام عند قول المصنف: فالظاهر التوزيع قال: (قده) بل الظاهر سقوط احد الخطابين عنوان انتهى، أقول: و فيما أفاده إشكال بل منع إذ لم يكن احد الخطابين بلا عنوان ثابتا حتى يسقط بإعطائه من غير تعيين، و انما الثابت هو الخطاب بإخراج ما تعلق به في السنة الماضية و هذه السنة و التحقيق ان يقال:

حال إخراج ما عليه من السنة السابقة و هذه السنة كالدين التي استدانها في السنة السابقة و هذه السنة، بل التحقيق ان الزكاة من حيث تعلقها بالذمة دين حقيقة و ان لم تكن متعلقة بالذمة الساذجة، بل تكون لها تعلق بالعين على احد أنحاء التعلق التي تقدم تفصيلها، و لا يخفى انه في دين السنة السابقة و الحاضرة يصير مرجع الخطابين الى خطاب واحد متعلق بأداء ما في ذمته من الدين مطلقا من غير تعيين لهذه السنة أو السنة الماضية على نحو الانحلال بالنسبة اجزاء الدينين،

412

هكذا يجب عليك أداء كل فلس مما في ذمتك من الدين سواء كانت من هذه السنة أو السنة الماضية و يكون هذه الخطابات الانحلاليته بعدة اجزاء الدينين على نحو الاستقلال، فكل فلس مما في ذمته منهما متعلق لخطاب استقلالي بوجوب الأداء من غير تعين متعلقة بكونه الفلس من دين السنة الماضية أو هذه السنة فإذا أدى فلسا من دينه من غير تعيين كونه من دين السنة الماضية أو هذه السنة يقع به امتثال هذا الخطاب الانحلالي في من الخطاب بأداء كل فلس من الدين و يبرء ذمته من الدين بقدر ما اداه بلا تعين زائد عن كونه فلسا من الدين، و منشأ البراءة امتثال الخطاب الانحلالي و استقلاليته بحيث لو أدى شيئا مما يصدق عليه انه من الدين تبرء ذمته بقدر ما أداء و لازم ذلك سقوط ما تعلق من الخطاب بما اداه تعيينا لا سقوط احد الخطابين من السنة الماضية أو هذه السنة بلا عنوان على ما افاده (قدس سره).

[الرابعة عشرة و في المزارعة الفاسدة الزكاة]

(الرابعة عشرة) و في المزارعة الفاسدة الزكاة من بلوغ النصاب على صاحب البذر.

لأن الثمرة حينئذ جميعها لصاحب البذر و لو كان هو العامل و انما للعامل اجرة عمله لمكان فساد المزارعة إذا لم يكن البذر له، و الا فعليه أجرة أرض المالك و هذا ظاهر،

و في

المزارعة‌

الصحيحة منها عليهما إذا بلغ نصيب كل منها.

لأن الزكاة كما تقدم تجب على من يملك الثمرة بالزراعة و هذا يصدق على المالك و العامل إذ كل منهما ملك النصاب بالزراعة و هذا يصدق على المالك و العامل إذ كل منهما ملك النصاب بالزراعة كما لا يخفى.

و ان بلغ نصيب أحدهما دون الآخر فعليه فقط و ان لم يبلغ نصيب واحد منهما فلا يجب على واحد منها و ان بلغ المجموع النصاب.

لان كل واحد مخاطب بخطاب يخصه على نحو الاستقلال بالخطاب الانحلالي بعدة احاد المكلفين و يكون كل واحد من تلك الخطاب الانحلاليته مشروطا ببلوغ النصاب فلا يكفى بلوغ المجموع النصاب و هذا أيضا ظاهر.

413

[الخامسة عشرة يجوز للحاكم الشرعي ان يقترض على الزكاة]

الخامسة عشرة يجوز للحاكم الشرعي ان يقترض على الزكاة و يصرفه في بعض مصارفها كما إذا كان هناك مفسدة لا يمكن دفعها الا بصرف مال و لم يكن عنده ما يصرفه فيه، أو كان فقير مضطر لا يمكنه إعانته و رفع اضطراره الا بذلك أو ابن السبيل كذلك، أو تعمير قنطرة، أو مسجد أو نحو ذلك و كان لا يمكن تأخيره، فحينئذ يستدين على الزكاة و يصرف و بعد حصولها يؤدى الدين منها و إذا اعطى فقيرا من هذا الوجه و صار عند حصول الزكاة غنيا لا يسترجع منه إذ المفروض أنه أعطاه بعنوان الزكاة و ليس هذا من باب اقتراض الفقير و الاحتساب عليه بعد ذلك، إذ في تلك الصورة تشتغل ذمتة الفقير، بخلاف المقام فان الدين على الزكاة و لا يضر عدم كون الزكاة ذات ذمته تشتغل، لان هذا الأمور اعتبارية و العقلاء يصححون هذا الاعتبار، و نظيره استدانة متولي الوقف لتعميره ثم الأداء بعد ذلك من نمائه، مع انه في الحقيقة راجع الى اشتغال ذمته أرباب الزكاة من الفقراء و الغارمين و أبناء السبيل من حيث هم من مصارفها لا من حيث هم، و ذلك مثل ملكيتهم للزكاة فإنها ملك لنوع المستحقين فالدين أيضا على نوعهم من حيث انهم من مصارفه لا من حيث أنفسهم، و يجوز ان يستدين على نفسه من حيث ولايته على الزكاة و على المستحقين بقصد الأداء من مالهم و لكن في الحقيقة هذا أيضا يرجع الى الوجه الأول و هل يجوز لآحاد المالكين إقراض الزكاة قبل أو ان وجوبها أو الاستدانة لها على حذو ما ذكر في الحاكم وجهان و يجرى جميع ما ذكرنا في الخمس و المظالم و نحوهما.

في هذه المسألة أمور ينبغي التعرض لها (الأول) قالوا: يجوز للمجتهد ان يقترض على الزكاة بأن يجعل الزكاة مديونا و يصرفه في مصارفها مما عده المصنف (قده) في المتن، قال في الجواهر: في مسألة تقديم الزكاة قبل وقت وجوبها و لا وجه لحمل النصوص الواردة في جواز التقديم على كونه قرضا على الزكاة حسب استقراض المجتهد عليها فلا تكون ذمته الفقير حينئذ مشغولة و يكون‌

414

الدفع اليه كالصرف في سبيل اللّه على الزكاة فإنه لا تشغل ذمته فيه لأحد انتهى، و حاصله ان الحاكم يستدين من شخص كزيد مثلا ولاية منه على الزكاة و يجعل الدين على الزكاة و تصير الزكاة باستدانته مديونا بالدائن الذي استدان كزيد في فرضنا، فزيد دائن و الزكاة مديون و الحاكم متدين بالولاية التي له على الزكاة و يصير الدين باستدانته على الزكاة زكاة فيصرفه في مصارفها التي يراها من الفقراء و الغارمين و في سبيل اللّه، و لازم ذلك كون ما يعطيه الفقير على هذا الوجه زكاة فيملكه الفقير بالقبض و لا تكون ذمته حينئذ مشغولة به و تصير الزكاة مديونا و بعد حصولها يؤدى الحاكم الدين منها بمعنى انه يصرفها في أداء هذا الدين التي استدانها على الزكاة، ثم ان هذه الاستدانة يمكن ان تقع على وجهين أحدهما ان يجعل الدين على زكاة معينة من مالك معين بان يستدين على زكاة أموال زيد مثلا قبل وقت وجوبها فتصير زكاته مديونا فيصرف ما يقبضه منه على دين زكاته و ثانيهما ان يجعل الزكاة المطلق اعنى ما يجبى من الزكاة بلا إضافته إلى مالك معين بل من حيث انها زكاة تجبى من اى مالك كان و من غير ان تكون من هذه السنة أو السنين الاتية، و على كل تقدير، فيرد على جواز هذا الفعل من ان الزكاة لا ذمته لها حتى يجعل في ذمتها شيئا لأنها ملك أو حق لمستحقها و ليست من الجهات التي يعتبر لها ملك و ذمتة و قد دفعه المصنف (قده) بقوله: لان هذه الأمور اعتبارية و العقلاء، يصححون هذا الاعتبار كالاستدانة لتعمير الوقف ثم الأداء من نمائه الصادرة عن متوليه، و لا يخفى ان ما افاده من اعتبارية هذه الأمور و ان كان صحيحا الا ان البحث في اعتباره عند العقلاء و ليس كل أمر اعتباري يترتب عليه الأثر ما لم يعتبره العقلاء و اعتبارهم الدين على الزكاة و جعل الزكاة مديونا بعيد عن الارتكاز، مثل بعد نظيره و هو الاستدانة على الوقف بجعل الوقف مديونا، بل الظاهر في الوقف كون الاستدانة على نفس المتولي من حيث هو متولي الوقف، و كون مديونيته لأجل مصلحة الوقف فيودى دينه حينئذ من نمائه لا ان الوقف مديون مع‌

415

ما من الفرق بينه و بين الاستدانة على الزكاة فان في الاستدانة على الوقف يصير الوقف مصرف الدين حيث يصرف في تعميره، و في الاستدانة على الزكاة لا تكون الزكاة مصرف الدين بل يصرف في الفقراء و مستحقي الزكاة لا على الزكاة نفسها، و هذا الوجه لعله لا يفيد شيئا، و يحتمل ان يجعل المديون في هذا الدين هو طبيعة الفقراء مثلا و هي التي تكون مالكا للزكاة فإن الزكاة على القول بالملك تكون لنوع الفقراء لا لاشخاصهم، و لذلك لا يستحق كل شخص منهم للمطالبة و لا إسقاط الزكاة و إبراء ذمة المزكى عنها قبل أخذها، بل و لا المصالحة عليها على ما يأتي لأنها ليست له من حيث نفسه و ان كان مستحقا لها من حيث انه مصداق للطبيعة، فكما أن الطبيعة تملك الزكاة و يصح اعتبار الملك لها كذلك تصير مديونا و يصح اعتبار الذمة لها، و الى هذا إشارة المصنف (قده) بقوله:

مع انه في الحقيقة راجع الى اشتغال ذمة أرباب الزكاة الا انه يرد عليه ان هذا لو تم لكان وجها على حدة لا انه مرجع استدانة الحاكم على الزكاة، إذ في الاستدانة على الزكاة تصير الزكاة مديونا، و في الاستدانة على طبيعة الفقراء تكون الطبيعة مديونا كما انها مالك للزكاة.

فكم فرق بين جعل الدين على الزكاة و صيرورتها مديونا، أو جعله على الفقراء لا بأشخاصهم، و صيرورة طبيعتهم مديونا فكيف يقال بإرجاع الأول إلى الأخير مع ان في هذا الوجه ما لا يخفى، فان جعل الطبيعة مديونا لا يصحح إعطاء ما جعله دينا على الطبيعة بعنوان الزكاة على الأخذ بحيث يصير المأخوذ بقبضه زكاة حتى لا تشتغل ذمته بما أخذه، ثم لا وجه لاداء دين طبيعة الفقراء من الزكاة بعد جبايتها الا من سهم الغارمين، و المفروض احتساب ما إعطاء الفقير بعنوان سهم الفقراء بهذه الاستدانة، ثم انه يحتاج في تأدية دين الثابت على الطبيعة من الزكاة إلى النية وقت التأدية، و مرجع هذا إلى أخذ الزكاة من المعطى وقت وجوبها و إعطائها إلى الدين التي على طبيعة الفقراء، فلا بد حينئذ من دائن‌

416

على الطبيعة الذي يأخذ الزكاة بقبضه من المالك إذا كان هو المباشر للإيصال، أو الحاكم وقت الأخر.

ثم ان في اعتبار الذمة للطبيعة حتى تشتغل ذمتها بالدين منعا لا لأجل عدم إمكانه بل لعدم الدليل على اعتبارها، فهذا الوجه أيضا لا يفيد شيئا، و يحتمل ان يكون المديون الحاكم نفسه لكن لا من حيث نفسه بل من حيث كونه واليا، و هذا له اعتبار عند العرف و العقلاء كاستدانة السلطان لمصالح مملكته كما يصح ملكيته كذلك بان كان ما للدولة ملكا للسلطان من حيث انه سلطان، و لذا لا يعتبرون انتقاله الى وارثه بموته، بل يرون السلطان المتخلف عنه مالكا له قائما مقامه في ملكه، فكما ان ما للدولة يكون له بما هو سلطان و يصح الشراء منه بما هو سلطان كذلك ما على الدولة يكون على ذمته بما هو سلطان، و حيث ان الاستدانة وقعت لمصالح ماله الولاية عليه من الصرف إلى معونة المضطرين و تعمير المساجد و القناطر و السبل و كلما يكون في تركه المفسدة فلا جرم يصح دفعها من الزكاة من سهم سبيل اللّه و الغارمين، و اى سبيل اسبل من هذا السبيل، و اى غارم اغرم من الوالي في غرمه للمصالح التي تكون في تركها المفسدة، و الى هذا الاحتمال أشار المصنف (قده) بقوله: و يجوز ان يستدين على نفسه من حيث ولايته، و هذا الاحتمال وجيه و لكنه لا يرجع الى الوجه الأول أعني الاقتراض على الزكاة و جعل الزكاة مديونا.

و يحتمل عندي وجه رابع و هو الاستدانة على بيت المال و جعل بيت المال مديونا، و هذا أيضا مما يعتبره العرف و العقلاء و الدول، حيث يستقرض أرباب الدول و من بيده زمام أمور الدولة على الدولة، و يجعلون الدولة مديونا كما ان الدائن أيضا قد يكون هو الدولة، فتكون دولة أقرض دولة فالاقراض من الدولة بيدار بابها و الاستقراض أيضا من الدولة كذلك، و لذلك لا يرون الدائن المديون متغيرا بتبدل الدولة بل مع تغيرها في طرف الدائن و المديون يرون الدائن و المديون‌

417

منها ثابتا غير متغير، و لذا يطالب الدائن من الدولة الحاضرة ما أعطاها بالدولة الماضية، و يرون أرباب الدولة الحاضرة دولتهم مديونة بنفس ما استدانه الدولة السابقة، و هذا ديوان مالية الدول قد يصير.

دائنا و قد يصير مديونا ترى ادارة من الادارات يستدين من ادارة اخرى فيقال: إن البلدية مديونة أو مؤسسة البانك مديون أو دائن، و الاستدانة من البانك أمر شائع في الدنيا عرفي ليس بعزيز، و في كل سنة يقال: الاستانة الرضوية على صاحبها السلام و التحية مطالب أو مطلوب، و ليس قرض الاستانة على متوليها و لو من حيث كونه متوليا بل انما الدين على نفس الاستانة، فيكون اعتبار مديونيتها أمرا عرفيا ارتكازيا.

و نقول في المقام الاقتراض لمصالح العامة مما ذكر في المتن قرض على بيت المال، و ان شئت فقل على مالية الدولة الإسلامية لأن تلك المصالح مما يصرف فيها بيت المال، فيكون المتصدي للاقتراض على بيت المال لهذه المصارف رب بيت المال الذي هو الوالي فيجوز أدائه مما يحصل لبيت المال الذي من جملته الزكاة و لعل هذا الاعتبار الذي سنح بخواطر الفاتر أقرب الى الارتكاز و مساعدة العرف و العقلاء و الحمد للّه.

(الأمر الثاني) على كل من الاحتمالات الأربع إذا اعطى فقيرا من هذا الوجه و صار عند حصول الزكاة غنيا لا يسترجع منه، إذا المفروض ان الحاكم لم يقرض الفقير من الزكاة حتى يحتسب عليه حين حلول وقتها و إذا صار غنيا يسترجع منها، بل على الوجه الأول أعطاه الزكاة قبل وقتها قرضا على الزكاة لو تصورنا ذلك، فلا بد من تعيين الدائن على الزكاة إذا الزكاة مديون و الفقير قابض للزكاة بعد استدانة الزكاة و الحاكم ولى على الزكاة مستدين عليها اى جاعل للدين على ذمة الزكاة، و انما الكلام في الدائن على الزكاة فيمكن ان يكون غير الحاكم بان يقترض الحاكم من شخص دينا على الزكاة و يعطيها الفقير بعنوان الزكاة ثم‌

418

بعد جبايتها يعطيها بإزاء دينه التي له على الزكاة، و يمكن ان يكون هو الحاكم لكن لا من حيث هو حاكم بل من حيث شخص نفسه أي يأخذ من مال نفسه بما هو هو لا بما هو حاكم و يجعله دينا على الزكاة فيعطيه الفقير بعنوان الزكاة من سهم الفقراء، ثم بعد جباية الزكاة يعطيها الى من استدان منه أو يأخذه هو لنفسه بإزاء دينه و عوضا عما يطالبه على الزكاة، و لعل مرجع هذا الى صرف الزكاة من سهم الغارمين لا جعلها مديونا و صرفها في سبيل الفقراء، و هذا إشكال أخر على احتمال صيرورة الزكاة مديونا كما لا يخفى، و على الاحتمال الثاني يعطى الحاكم ما صار ملكا لطبيعة الفقراء قرضا لشخص منهم على وجه الزكاة، ثم يؤدى الدين التي على الطبيعة من الزكاة وقت جبايتها، و كذا على الاحتمال الثالث يعطيه الحاكم ما ملكه بالاقتراض من حيث هو حاكم بعنوان الزكاة، و على الاحتمال الذي رجحناه يعطيه بعنوان الزكاة أيضا قرضا على بيت المال و على جميع الاحتمالات لا يسترجع من الفقير شيئا أصلا.

(الأمر الثالث) هل للمالك ان يفعل ما يفعله الحاكم من الاحتمالات أم لا؟

قال المصنف (قده) في المتن: و فيه وجهان.

(أقول) و الأقوى عدمه على جميع تلك الاحتمالات لان المقرض في جميع تلك الاحتمالات لا بد من ان يكون له ولاية على المقترض حتى يجعل الدين على عهدة المقترض و يصيره مديونا، و لا ولاية للمالك في شي‌ء من ذلك فليس له الاقتراض على الزكاة أو على طبيعة المستحقين المالك للزكاة، أو على نفسه أو على بيت المال، و لعل هذا ظاهر لا يخفى.

(الأمر الرابع) يجرى جميع ما ذكرناه في الزكاة من الاحتمالات الصحيح و الفاسد منها في كل ما للحاكم ولاية من الخمس و المظالم و نحو هما، و الحق في جميع ذلك عندنا صحة الاستدانة على بيت المال و جعل بيت المال مديونا ثم أداء دينه من ماله المعدلة الذي يصرف في المصارف التي أعد بيت المال لها.

419

[السادسة عشرة لا يجوز للفقير و لا للحاكم الشرعي أخذ الزكاة من المالك]

السادسة عشرة لا يجوز للفقير و لا للحاكم الشرعي أخذ الزكاة من المالك ثم الرد عليه المسمى بالفارسية به دست گردان، أو المصالحة معه بشي‌ء يسير، أو قبول شي‌ء منه بأزيد من قيمته، أو نحو ذلك، فان كل هذه حيل في تفويت حق الفقراء، و كذا بالنسبة إلى الخمس و المظالم و نحوهما، نعم لو كان شخص عليه من الزكاة أو المظالم أو نحوهما، مبلغ كثير و صار فقيرا لا يمكنه أدائها و أراد ان يتوب الى اللّه تعالى لا بأس بتفريغ ذمته بأحد الوجوه المذكورة، و مع ذلك إذا كان مرجو التمكن بعد ذلك الاولى ان يشترط عليه أدائها بتمامها عنده.

الكلام في هذه المسألة في أمور (الأول) هل يجوز للفقير ان يفعل شيئا من هذه الأمور المذكورة في المتن أعني الأخذ و الرد أو المصالحة معه بشي‌ء منه بأزيد من قيمته، أو إسقاط ذمته عن شي‌ء من الزكاة، أو إبرائها و نحو ذلك أم لا؟ اما الأخذ و الرد المسمى (به دست گردن) فالظاهر انه لا مانع عنه على الفقير من حيث هو فقير و لو خرج بأخذه عن الفقر و صار غنيا، فبكل أخذ يصير غنيا، و بكل رد يصير فقيرا، اما المصالحة معه بشي‌ء يسير فالظاهر عدم جوازها من الفقير إذ هو قبل الأخذ لا يستحق شيئا بما هو هو، و ان كان مستحقا له بما هو مصداق للفقير فلا يجوز له المصالحة على الزكاة و لا بيعها و لا إسقاطها و إبرائها، و بالجملة فما لم يقبضها ليس له التصرف فيها بنحو من أنحاء التصرف، و منه يظهر عدم قبول شي‌ء منه بأزيد من قيمته إذ هو أيضا يرجع الى إبراء ما زاد عن قيمته، اللهم الا ان يكون بنحو الاشتراء بأزيد من قيمته ثم احتساب الزائد عن القيمة الذي استقر على ذمته بعقد البيع زكاة، و بالجملة فكل تصرف يقع منه بعد القبض ان استقر ذمته يصح من الفقير و كلما لا يكون كذلك فلا وجه لصحته هذا بالنسبة إلى الفقير.

و اما الحاكم فالظاهر عدم جواز الأخذ و الرد المسمى (به دست گردان) عليه لانه تفويت لحق الفقراء، و لا ولاية له على تفويته بل لو ثبت له الولاية عليهم‌

420

فإنما هي في الحفظ و الجباية، اللهم الا ان تكون خصوصية موجبه في المقام تقتضيه و هو أبصر بها، و منه يظهر عدم جواز المصالحة معه بشي‌ء يسير، أو قبول شي‌ء منه بأزيد من قيمته، أو الشراء منه كذلك ثم احتساب الزائد زكاة، أو إسقاط شي‌ء منها أو إبرائه منها كل ذلك لكونه تفويتا لحق الفقراء اللهم الا مع خصوصية موجبة له تقتضيه المقام.

(الأمر الثاني) هل يجوز للمالك ان يتشبث بشي‌ء من هذه الأمور لتحصيل البراءة مما عليه من الزكاة أم لا؟ الظاهر عدمه في الإعطاء و الأخذ المسمى (به دست گردان) من جهة عدم تمشي قصد الإعطاء منه معه ضرورة انه حينئذ مقدم على الإخراج منوطا بالرد اليه من الفقير بحيث لو لا هذا التباني لم يكن معطيا، فإرادته الإعطاء ارادة منوطة اى انه مريد للإعطاء على تقدير رد الفقير اليه بعد الأخذ و لا يريده لولاه، و هذا القصد غير كاف في تحقق النية المعتبرة في العبادة، بل لا بد من ان يكون قاصدا للإخراج المطلق، بل ينبغي منه ان يكون كارها للرد اليه بحكم الراجع إلى قيئه فكيف يكون قصد الإخراج المنوط بالرد الذي لو لا تعقبه بالرد لم يكن قاصدا له إخراجا عباديا مع ان الأمر يتعلق بالإخراج المطلق مع مرجوحية الاسترداد، و ان شئت فقل ان التباني مع الفقير على الأخذ و الرد أشبه شي‌ء بالبيع بشرط ان لا يتصرف المشتري في المبيع، فكان الإخراج مع التباني متضمن للشرط الضمني فيؤل الى ان المالك يعطيه بشرط ان يرد الفقير اليه و هو ليس بمفيد قطعا.

و اما المصالحة مع بشي‌ء يسير أو إعطاء شي‌ء بأزيد من قيمته منهما مما لا مانع من طرف المالك ان سلم من طرف الأخذ من الحاكم و المستحق، و قد عرفت سلامتها من طرفه، فالحق عدم الفائدة في شي‌ء من هذه الحيل لحصول البراءة من الزكاة إلا بقدر ما يعطيه ان تحققت النية فيه (الأمر الثالث) لو كان على شخص مبلغ كثير من الزكاة أو المظالم‌

421

و نحوهما و صار فقيرا لا يمكنه الأداء لا بأس بالتشبث بالوجوه المذكورة لتفريغ ذمته، اما من ناحية المالك فلمكان تمشي قصد الإخراج منه في الأخذ و الرد لانه على حال لو كان متمكنا لأخرج إخراجا مطلقا غير منوط على الرد بل ربما يكون كارها للرد أيضا فلا مانع منه من هذه الجهة، و اما من ناحية الأخذ فلعدم تفويت منه حينئذ إذ لو لا ذلك لا يتمكن المالك من الأداء، نعم لو كان تمكنه مرجوا ينبغي ان يشترط عليه الأداء عند التمكن في ضمن عقد المصالحة، و اما في الأخذ و الرد بل في القبول بأزيد من قيمته المأخوذ الذي مرجعه إلى الإبراء فلا محل للشرط لكن الأخذ و الرد يصح من الحاكم و المستحق، و اما الصلح و القبول بأزيد من قيمته فيصح من الحاكم فقط دون المستحق كما عرفت في الأمر الأول.

[ (السابعة عشرة) اشتراط التمكن من التصرف فيما يعتبر فيه الحول]

(السابعة عشرة) اشتراط التمكن من التصرف فيما يعتبر فيه الحول كالأنعام و النقدين معلوم، و اما فيما لا يعتبر فيه كالغلات ففيه خلاف و اشكال.

قد تقدم في أول هذا الكتاب في بيان شرائط وجوب الزكاة و انها لا تجب في المغصوب نقل الخلاف في هذه المسألة، و الاشكال عن صاحب المدارك في اشتراط التمكن من التصرف فيما لا يعتبر فيه الحول كالغلات قال (قده) لعدم وضوح مأخذه لدلالة الأخبار الواردة في المقام في المغصوب مما يعتبر فيه الحول و لا دلالة لها على حكم ما لا يعتبر فيه الحول، فلو قيل بوجوب الزكاة في الغلات متى تمكن المالك من التصرف فيه لم يكن بعيدا انتهى، لكن الأقوى اعتباره فيه أيضا لإطلاق معاقد الإجماعات المدعاة في اعتباره، و إطلاق صحيح ابن سنان عن الصادق (عليه السلام) قال ع: لا صدقة على الدين و لا على المال الغائب عنك حتى يضع في يدك، و المعتبر من التمكن فيه هو زمان تعلق الوجوب فلو لم يكن متمكنا عنده فلا زكاة و لو تمكن بعده، و لكن الأحوط إخراج زكوته‌

422

لو تمكن من التصرف فيه قبل تلفه، و سيأتي زيادة البحث في حكم هذه المسألة في مسألة الحادية و الأربعين من هذا الختام فانتظر.

[الثامنة عشرة إذا كان له مال مدفون في مكان]

(الثامنة عشرة) إذا كان له مال مدفون في مكان و نسي موضعه بحيث لا يمكنه العثور عليه لا يجب فيه الزكاة إلا بعد العثور و مضى الحول من حينه، و اما إذا كان في صندوقه مثلا لكنه غافل عنه بالمرة فلا يتمكن من التصرف فيه من جهة غفلته و الا فلو التفت إليه أمكنه التصرف فيه يجب فيه الزكاة إذا حال عليه الحول، و يجب التكرار إذا حال عليه أحوال فليس هذا من عدم التمكن الذي هو قادح في وجوب الزكاة.

اما عدم الوجوب في مال مدفون في مكان نسي موضعه فلما في خبر سدير الصيرفي و قد مر في أول الكتاب عند قول المصنف و المدفون في مكان منسي في مقام بيان اشتراط التمكن من التصرف، و اما وجوبها إذا كان المال في صندوقه مع غفلته عنه بالمرة فلصدق التمكن من التصرف فيه عرفا، إذا المدار فيه على الصدق العرفي لا العقلي منه و الا فهو غير متمكن منه عقلا في حال النوم بل و في غيره من بعض أحوال اليقظة كحال اكله و شربه و عبادته و أمثال ذلك، و هذا منشأ عدم قدح مثل هذا العدم من التمكن في وجوب الزكاة، و اما وجوب التكرار إذا حال عليه الأحوال فواضح، و لكن، ينبغي تقييده بما إذا لم ينقص عن النصاب و الا فيختص الوجوب بما كان المال فيه بقدر النصاب.

[التاسعة عشرة إذا نذر ان لا يتصرف في ماله الحاضر]

(التاسعة عشرة) إذا نذر ان لا يتصرف في ماله الحاضر شهرا أو شهرين أو أكرهه مكره على عدم التصرف، أو كان مشروطا عليه في ضمن عقد لازم ففي منعه من وجوب الزكاة و كونه من عدم التمكن من التصرف الذي هو موضوع الحكم إشكال، لأن القدر المتيقن ما إذا لم يكن المال حاضرا عنده أو كان حاضرا و كان بحكم الغائب عرفا.

و قد تقدم في أول الكتاب في بيان شرائط الوجوب ان الاخبار الدالة على‌

423

اشتراط التمكن وردت في نفى الزكاة في مال الغائب كما في موثقي إسحاق و صحيحة زرارة التي مرت في ذلك، فيحتمل ان تكون لغيبة المال خصوصية في دخلها في سقوط الزكاة من حيث هي غيبة و لو تمكن معها على التصرف في المال، و هذا الاحتمال مما نفى عنه البعد في الكفاية، و يحتمل ان يكون في سقوطها عن مال الغائب لعدم التمكن من التصرف فيه فتكون مع عدم التمكن من التصرف ساقطا و لو كان المال حاضرا، و هذا الذي قويناه سابقا، و يدل عليه ذيل صحيحة زرارة المتقدمة، و لا يخفى ان المتقدم من الاحتمالين هو اشتراط التمكن من التصرف في مال الغائب فيكون السقوط في مال الغائب الذي لا يتمكن من التصرف فيه.

و اما الغائب الذي يتمكن من التصرف فيه أو الحاضر الذي لا يتمكن من التصرف فيه كالا مثلة المذكورة في المتن فيقع مورد الاشكال، لكن الأقوى هو ما تقدم من كون المناط هو اشتراط التمكن في وجوب الزكاة فلا تجب فيما لا يتمكن من التصرف فيه مطلقا و لو كان حاضرا، و ذلك لكون التمكن من التصرف مأخوذا في معاقد الإجماعات و تذيل صحيحة زرارة بالتعليل على سقوطها في مال الغائب بكونه مما لا يتمكن من التصرف فيه، فيكون المناط به لا بالغيبة مطلقا كما عليه الكفاية، و لا بها مع عدم التمكن كما هو القدر المتيقن، فالحق سقوط الزكاة في الأمثلة الثلاثة المذكورة في المتن، و اما التفكيك بينها بالحكم بسقوط الزكاة فيما اشتراط عليه ترك التصرف في ضمن عقد لازم بل فيما أكرهه مكره على تركه دون ما نذر بتركه شهرا أو شهرين كما في حاشية بعض السادة (قده) فلا وجه له، و لعله يرى ان النذر لا يوجب المنع عن ترك التصرف بان يحدث حقا بتركه بخلاف الشرط، و لكن الحق كون النذر في ذلك كالشرط الا ان المشروط له في الشرط هو الشارط، و في النذر هو اللّه سبحانه، و قد حررنا في أول هذا الكتاب جملة وافية في مسألة النذر و انه يوجب المنع عن التصرف المنذور مطلقا سواء كان نذر الفعل أو النتيجة، و سواء كان مطلقا أو معلقا، و سواء حصل المعلق عليه في المعلق منه أولا فراجع.

424

[العشرون يجوز ان يشترى من زكوته من سهم سبيل اللّه كتابا]

(العشرون) يجوز ان يشترى من زكوته من سهم سبيل اللّه كتابا أو قرانا أو دعاء و يوقفه و يجعل التولية بيده أو يد أولاده و لو أوقفه على أولاده و غيرهما ممن تجب نفقته عليه فلا بأس به أيضا نعم لو اشترى خانا أو بستانا و وقفه على من تجب نفقته عليه لصرف نمائه في نفقتهم فيه اشكال.

جواز وقف ما اشتراه من سهم سبيل اللّه و جعل توليته لنفسه أو لأولاده انما هو لعدم صرف الوقف المشتري من زكوته على نفسه أو من تجب نفقته عليه، و هذا من هذه الجهة مما لا اشكال فيه، انما الكلام في صحة وقفه بعد شرائه فإنه لا يخلو اما ان يشترى بمال نفسه قبل تعينه بالزكوية ثم يجعله وقفا من باب سهم سبيل اللّه بحيث يكون صرف الزكاة في الوقف لا في الشراء نظير ما إذا نقل مال نفسه من بلده الى بلد أخر ثم يخرجه في البلد الأخر في الزكاة الذي هو خارج عن نقل الزكاة بل هو إخراجها في بلد أخر عن مال له فيه، و اما ان يعينه للزكاة قبل الشراء ثم يشترى بالزكاة شيئا و يجعله وقفا في سبيل اللّه، لا إشكال في القسم الأول فإن سلطنته الإخراج و اختيار الصرف في الأصناف بيده فله ان يصرفها في الوقف، و حيث انه واقف فله ان يجعل التولية لمن يشاء من نفسه أو أولاده أو الأجنبي، و في الثاني يقع الإشكال في شرائه بالزكاة الا انه أيضا لا اشكال فيه، و ذلك لصيرورة ما يخرجه زكاة بالإخراج زكاة كما إذا باع الوقف بشي‌ء في مورد جوازه فان ثمنه بنفس جعله عوضا للوقف يقوم مقامه من غير حاجة الى إنشاء وقفية، فالثمن بنفس البيع يقع وقفا و كذلك ما يشتريه بالزكاة بنفس الشراء يتعين زكاة، فكما ان للمالك ان يصرف ما عينه زكاة في ما يشاء من الأصناف فكذا له ان يصرف عوضها الذي هو بالعوضية صار زكاة فيما يشاء من الأصناف فإذا جعله وقفا يكون صرفا له في سبيل اللّه و لو أوقفه على من تجب نفقته فلا بأس به أيضا لأنه أيضا صرف في سبيل اللّه، غاية الأمر جعل الانتفاع من ذاك السبيل لمن تجب عليه نفقته كما إذا وقف مسجدا أو‌

425

مدرسة لمن تجب نفقته عليه، أو سبل سبلا و بنى قنطرة لمرورهم فإنه وقف في سبيل اللّه لطائفة خاصة و يكون لهم الانتفاع، و ليس لهم ملك لا بالنسبة إلى العين و لا بالنسبة إلى المنفعة.

و اما لو اشترى خانا أو بستانا من الزكاة من سهم سبيل اللّه و وقفه على من تجب نفقته عليه لصرف نمائه في نفقتهم بحيث يكونوا مالكا لمنفعته ففيه إشكال، لأنه من صرف الزكاة فيمن تجب نفقته كما لا يخفى.

[الحادية و العشرون إذا كان ممتنعا من أداء الزكاة]

(الحادية و العشرون) إذا كان ممتنعا من أداء الزكاة لا يجوز للفقير المقاصة إلا بإذن الحاكم الشرعي في كل مورد.

و ذلك لما عرفت مرارا من ان الفقير لا يملك الزكاة إلا بالقبض فليس له المقاصة و لا الإبراء و الاسقاط و لا المصالحة و لا شي‌ء من التصرفات، نعم تكون الزكاة ملكا للطبيعة فيكون التصرف فيها من رب الطبيعة و هو الحاكم فله المقاصة كما له إجبار الممتنع من الأداء و لو بأشق الأحوال.

[الثانية و العشرون لا يجوز إعطاء الزكاة للفقير]

(الثانية و العشرون) لا يجوز إعطاء الزكاة للفقير من سهم الفقراء للزيارة أو الحج أو نحوها من القرب، و يجوز من سهم سبيل اللّه.

قد تقدم في فصل أصناف المستحقين في المسألة الثانية منه بأنه يجوز إعطاء الفقير أزيد من مقدار مؤنة سنته دفعة، و لا يلزم الاقتصار على مقدار مؤنة سنته بل يجوز دفع ما يكفيه لسنين، و في مسألة الثلاثين منه بأنه لا يجب الإعطاء الى من علم بأنه من أي الأصناف المستحقين بل يجوز الإعطاء بقصد الزكاة الى من علم باستحقاقه و لو لم يعلم انه من اى صنف من الأصناف، و لازم ما تقدم هو عدم وجوب الإعطاء إلى الفقير لأجل صرفه في مؤنته بل بعد كونه فقيرا يجوز الإعطاء إليه الى ان يصير غنيا سواء كان الإعطاء لأجل صرف في مؤنته أو غير ذلك من المصارف التي منها الصرف في القرب من الزيارة و الحج، و عليه فلا مانع من إعطاء الزكاة من سهم الفقراء لأجل الزيارة و الحج و نحوهما من القرب، هذا إذا كان فقيرا لا يملك‌

426

مؤنة سنته، و اما لو كان قادرا على مؤنة سنته و لم يكن قادرا على مؤنة سفره للزيارة أو الحج فيجوز إعطائه للزيارة و الحج و نحوهما من القرب من سهم سبيل اللّه من غير اشكال، و في جوازه من سهم الفقراء اشكال أقربه المنع، و لو فيما إذا كان في كمال الاشتياق بحيث يصعب عليه تركه لأنه بصعوبة الترك عليه لا يصير فقيرا اى لا يدخل في مؤنته التي بواسطة القصور عنه ما يدخل في عنوان الفقير كما لا يخفى.

[الثالثة و العشرون يجوز صرف الزكاة من سهم سبيل اللّه]

(الثالثة و العشرون) يجوز صرف الزكاة من سهم سبيل اللّه في كل قربة حتى إعطائها للظالم لتخليص المؤمنين من شره إذا لم يمكن دفع شره الا بهذا.

فيبرء المعطى عما يجب عليه من الزكاة لانه صرفها في مصرفها و هو سبيل اللّه اعنى خلاص المؤمن من الشر و ان لم يجز أخذه للظالم و كان ضامنا لما قبضه، و لكن الظاهر انه ضامن للمستحقين اعنى طبيعة الفقراء و يكون المطالب منه هو الحاكم، و اما المالك فصار أجنبيا عنه بتعين ما أعطاه بالزكاة.

[الرابعة و العشرون لو نذر ان يكون نصف ثمر نخلة أو كرمه]

(الرابعة و العشرون) لو نذر ان يكون نصف ثمر نخلة أو كرمه أو نصف حب زرعه لشخص بعنوان نذر النتيجة و بلغ ذلك النصاب وجبت الزكاة على ذلك الشخص أيضا لأنه مالك له حين تعلق الوجوب، و اما لو كان بعنوان نذر الفعل فلا تجب على ذلك الشخص و في وجوبها على المالك بالنسبة إلى المقدار المنذور إشكال.

إذا نذر الحصة المشاعة من ثمر نخلة أو كرمه أو زرعه لشخص بعنوان نذر النتيجة فالكلام يقع تارة في صحة نذره، و اخرى في حكم زكوته بعد صحة نذره، اما نذر الحصة المشاعة لشخص بعنوان نذر النتيجة فقد يقال: بعدم صحته من جهة كون الملكية متوقفة على أسباب خاصة و ليس النذر منها، لكن الأقوى صحته مع قبول المنذور له حسبما قدمنا الكلام فيه في مسألة الثانية عشر من أول الكتاب في مسألة إذا نذر التصدق بالعين الزكوية فراجع.

427

و اما حكم زكوته فلا ينبغي الإشكال في عدم وجوبها على الناذر بعد فرض صحة نذره و خروج المنذور عن ملكه بالنذر إذا كان منجزا أو معلقا مع حصول المعلق عليه لانتفاء شرط الوجوب و هو الملك، بل و في المعلق مع عدم حصول المعلق عليه أيضا لكن لا لانتفاء الملك بل لفقدان التمكن من التصرف بسبب النذر و لو قبل حصول المعلق عليه، و اما وجوبها على المنذور له في المنجز أو المعلق بعد حصول المعلق عليه فالأقوى وجوبها عليه بعد تحقق شرائطه من حلول الحول في ملكه بعد قبوله و التمكن من التصرف و نحوهما من شرائط الوجوب، و مما ذكرنا تظهر المسامحة في تعبير المصنف عند قوله (قده): وجبت الزكاة على ذلك الشخص أيضا إذ لا تجب زكاة هذه الحصة على المالك حتى يقال بوجوبها على ذلك الشخص أيضا، بل ينبغي ان يقال بوجوبها على ذاك الشخص فقط عند اجتماع شرائط الوجوب عليه و عدم وجوبها على الناذر مطلقا سواء وجبت على المنذور له لاجتماع شرائط الوجوب عليه و عدم وجوبها على الناذر مطلقا سواء وجبت على المنذر له لاجتماع شرائط الوجوب أم لا هذا بالنسبة إلى نذر النتيجة، و اما لو كان بعنوان نذر الفعل كما إذا نذر ان يملك الحصة المشاعة من الثلث و نحوه بشخص فبالنسبة إلى المنذور له لا إشكال في عدم وجوب الزكاة عليه قبل التمليك عليه و اجتماع شرائط الوجوب بعد حصول الملك له سواء كان النذر منجزا أو معلقا حصل المعلق عليه أم لا و ذلك واضح بعد وضوح توقف تحقق ملكه على التمليك، و بالنسبة إلى الناذر فالأقوى عدم وجوبها عليه أيضا و لو كان المنذور معلقا و لم يحصل المعلق عليه بعد و ذلك لا لخروجه عن ملكه بل لمكان عدم تمكنه من التصرف فيه بما ينافي التمليك حسبما تقدم في المسألة الثانية عشر من أول الكتاب.

[الخامسة و العشرون يجوز للفقير ان يوكل شخصا يقبض له الزكاة]

(الخامسة و العشرون) يجوز للفقير ان يوكل شخصا يقبض له الزكاة من اى شخص و في أي مكان كان، و يجوز للمالك إقباضه إياه مع علمه بالحال و تبرء ذمته و ان تلفت في يد الوكيل قبل الوصول الى الفقير، و لا مانع من ان يجعل الفقير للوكيل جعلا على ذلك.

428

الكلام في هذه المسألة يقع في أمور.

(الأول) هل يصح للفقير ان يوكل أحدا لان يقبض له الزكاة من شخص أم لا، (وجهان) بل قولان، و المحكي عن ابني إدريس و البراج هو المنع، و اختاره صاحب المدارك (قده) لأن إقامة الوكيل مقام الموكل في ذلك يحتاج الى دليل و لم يثبت، و لأن الذمة مرتهنة بالزكاة و لا خلاف بين الأمة في اليقين بالبراءة بالتسليم الى المستحق و ليس كذلك حال تسليمها الى الوكيل لانه ليس من أحد الأصناف الثمانية التي لا خلاف في حصول البراءة بالتسليم إليهم، و لان التوكيل انما يثبت فيما يستحق الموكل المطالبة به، و الزكاة لا يستحقها واحد بعينه و لا يملكها الا بعد القبض هذا و قد أورد عليهم في الجواهر بقوله (قده): و الجميع كما ترى، ضرورة صلاحية إطلاق أدلة الوكالة للأعم من ذلك كما لا يخفى على من له أدنى بصيرة انتهى.

(أقول) و الانصاف عدم صحة التمسك بإطلاق أدلة الوكالة لعدم إطلاق لها لكي يرجع اليه عند الشك فيما يقبل النيابة، لكن الأقوى مع ذلك صحة الوكالة في ذلك لكون قبضه كقبض الدين الذي تقبل النيابة، بل الحكم في قبض كل حق يكون كذلك، فكما انه يصح الوكالة من المالك في الإعطاء تصح من الأخذ في الأخذ بل الإشكال في صحة الوكالة في الإعطاء أنسب حيث انه عبادة و الأصل في العبادة اعتبار المباشرة من المكلف بها الا فيما ثبت فيه صحة الاستنابة الذي منه الزكاة كما تقدم، و اما صحة الاستنابة في الأخذ فمما لا ينبغي الإشكال فيها، و اما الوجوه التي استدلوا بها على المنع ففي جميعها منع.

اما الأول فلان ما يدل على جواز الاستنابة في أخذ ما عدا الزكاة من الحقوق كالدين و نحوه كاف في إثبات جوازها فيها، و لا يحتاج إثبات صحة الاستنابة في الزكاة إلى دليل خاص يخص بها.

و اما كون الذمة مشغولة بالزكاة و اليقين بالبراءة لا يحصل بإعطائها إلى وكيل‌

429

المستحق ففيه بعد صحة الوكالة يحصل القطع بالبراءة، بالإعطاء إلى وكيل المستحق و لا يبقى شك حتى يرجع الى قاعدة الاشتغال.

و اما اختصاص مورد الوكالة بما يستحق الموكل ان يطالب به ففيه منع الاختصاص، بل انما موردها فيما للموكل ان يفعله سواء كان المطالبة أم لا، و لا إشكال في ان له أخذ الزكاة من المعطى و ان لم يكن له المطالبة منه هذا و قد قالوا بجواز التوكيل في حيازة المباحات كالاحتطاب و نحوه و هذا اولى كما لا يخفى.

(الأمر الثاني) كما يجوز التوكيل من الفقير في أخذ الزكاة من شخص معين يجوز في أخذها من اى شخص و في أي مكان، فإذا أخذها الوكيل بقصد النيابة عن موكله يصير المقبوض بأخذه ملكا لموكله كما هو الحال في حيازة المباحات كالسمك و الصيد و الاحتطاب و نحوها من الاستقاء و الاحتشاش و هذا ظاهر.

(الأمر الثالث) إذا علم المالك بالوكالة يجوز له اقباض الوكيل و تبرء ذمته بإقباضه لأن إقباضه اقباض الفقير نفسه لان وكيله بمنزلته و ان تلفت العين المقبوض يكون كتلفها في يد الفقير نفسه.

(الأمر الرابع) يجوز ان يجعل للوكيل جعلا على أخذ الزكاة له لانه عمل محترم يصح أخذ العوض عنه، و حيث انه غير معين لا يصح جعل الأجرة له و لذا عبر عن العوض بالجعل الذي يصح جعله و لو في غير معين.

[السادسة و العشرون لا تجزى الفضولية في دفع الزكاة]

(السادسة و العشرون) لا تجزى الفضولية في دفع الزكاة، فلو اعطى فضولي زكاة شخص من ماله من غير إذنه فأجاز بعد ذلك لم يصح، نعم لو كان المال باقيا في يد الفقراء أو تالفا مع ضمانه بان يكون عالما بالحال يجوز له الاحتساب إذا كان باقيا على فقره.

و قد أشكل جريان الفضولي في الزكاة في الجواهر و قال (قده) بعد ان‌

430

قوى جريان التبرع فيها ما لفظه: بل قد يقال بجريان الفضولي في الزكاة من دون اعتبار الوكالة لكنه لا يخلو عن اشكال و منع انتهى.

و الحق عدم جريانه فيها، و تحقيق الكلام في ذلك ان إخراج الزكاة أو الخمس أو الدين أو الكفارات و نحوها من الأمور الإيجادية و الإيجادات منها ما يتعلق بالأمور الخارجية التاصلية و ذلك مثل الضرب أو إخراج الزكاة الذي هو محل الكلام و نحوها مما يكون موطن وجودها و عالم تحققها العين و الخارج بحيث يكون الخارج ظرفا لوجوده، و منها ما يتعلق بالأمور الاعتبارية التي لا وعاء لوجودها الا عالم الاعتبار، اما الخارجيات فهي مما يترتب وجودها على إيجادها بلا مهلة و لا يعقل التفكيك بينها فإذا تحقق الكسر يتحقق الانكسار أو التسخين يتحقق التسخن، و اما الاعتباريات ففيها مرحلتان مرحلة وجود المنشأ في موطن الإنشاء و هذه المرحلة كالخارجيات لا ينفك المنشأ فيها بوجوده الإنشائي، و مرحلة تحقق المنشأ في عالم الاعتبار و هذه المرحلة يمكن انفكاكها عن الإنشاء فيما توقف تحققه على أمر أخر كالقبض مثلا في بيع الصرف و السلم، و اعتبار من بيده الاعتبار في المعاملات إذ ليس كل منشأ ممن بيده الاعتبار إذا تبين ذلك فنقول الخارجيات اما قابلة للنيابة، أو لا تقبلها، و على التقديرين فلا تجرى فيها الفضولي.

اما مالا تقبل منها النيابة فلأنها عند تحققها تكون مستندة الى فاعلها المباشر لإيجادها محضا، و اما القابلة منها للنيابة فإن كان باذن سابق من غير المباشر تكون مستندة الى الآذن و ان لم يكن باذن سابق فلا تصير بالاذن اللاحق مستندة الى الاذن كما إذا ضرب أحد أحدا عنك و أنت تجيز ضربه بعد العلم بصدوره فضربه هذا له جهتان جهة صدوره عن فاعله بالمعنى المصدري، و جهة تحققه في الخارج بالمعنى الاسم المصدري، و مع استنابته في ضربه يستند الى الموكل و المنوب عنه، و إذا أجازه بعد صدوره لا يستند إليه بالإجازة لا معناه‌

431

المصدري و لا معناه الاسم المصدري، أما معناه المصدري فلاستحالة انقلابه عما وقع عليه و المفروض انه صادر عن مباشرة و لا يعقل ان يصير بالإجازة مستندا الى المجيز، و اما المعنى الاسم المصدري فلتحققه حين الإيجاد من غير مهلة و لا توقف في تحققه على أمر مترقب، و الشي‌ء الواقع لا يعقل ان ينقلب عما وقع عليه ففي مثله يستحيل تأثير الإجازة المتأخرة فلا يتمشى فيه الفضولي بوجه من الوجوه بل يكون مورده الاعتباريات التي تقبل النيابة بالنسبة إلى معناها الاسم المصدري، و ما لا تقبل النيابة منها لا تجرى فيها الفضولي كما في المعنى المصدري من ما تقبل النيابة منها، و قد بسطنا الكلام في ذلك في ما حررناه في المكاسب فتبين مما ذكرناه عدم جريان الفضولي في إخراج الزكاة و أمثاله، و المال المخرج بفعل الفضولي لا بتعين زكاة بل يبقى على ملك مالكه فحينئذ فله استرداده مع بقاء عينه كما ان له ان ينوي كونه زكاة فيصير زكاة من حين قصده بمعنى صيرورته زكاة بإنشاء كونه كذلك لا بتنقيد فعل الفضولي حتى يجرى فيه حديث النقل و الكشف بل هو إخراج صادر عن المالك نفسه مثل ما لو لم يصدر عن الفضولي شيئا أصلا و مع تلفه فان كان القابض عالما بالحال فكذلك يجوز المطالبة عنه ببدله أو احتسابه عليه زكاة إذا كان القابض باقيا على شرائط الاستحقاق حين الاحتساب، و لا يجوز الاحتساب عليه زكاة مع جهله بالحال إذ لا ضمان عليه و لا عهدة حتى يحسب ما في ذمته زكاة، و لكن يجوز المطالبة منه ببدله كما يجوز المطالبة عن الفضولي فإن رجع المالك الى القابض يرجع القابض الى الدافع الفضولي بعد أداء ما يرجع اليه المالك لانه مغرور يرجع الى الغار، و ان رجع الى الدافع فلا يرجع الدافع الى القابض بما اغترمه للمالك و ذلك واضح، و لا يخفى جريان بعض هذه الفروض على القول بجريان الفضولي في إخراج الزكاة لكن عند رد المالك كما لا يخفى.

[السابعة و العشرون إذا و كل المالك شخصا في إخراج زكوته]

(السابعة و العشرون) إذا و كل المالك شخصا في إخراج زكوته من ماله أو أعطاه له و قال: ادفعه الى الفقراء يجوز له الأخذ منه لنفسه ان كان

432

فقيرا مع علمه بان غرضه الإيصال إلى الفقراء و اما إذا احتمل كون غرضه الدفع الى غيره فلا يجوز.

اعلم ان هذه المسألة سيالة غير منحصرة بمورد الزكاة بل يجري في كلما يكون مثلها، و قد عنونها في الشرائع في المسألة الثالثة من المسائل التي ذكرها في أخر المكاسب هكذا إذا دفع الإنسان مالا الى غيره ليصرفه في قبيل و كان المدفوع اليه بصفتهم فان عين له عمل عمل بمقتضى تعيينه، و ان أطلق جاز ان يأخذ مثل أحدهم من غير زيادة انتهى.

و إطلاق قوله مالا يشمل الواجب و الندب كان الواجب زكاة أو خمسا أو كفارة أو غير ذلك و نظير ذلك ما ذكروه في توكيل المرأة رجلا لان يزوجها من رجل فإنهم قالوا لا يزوجها الوكيل من نفسه إلا إذا أذنت فيه عموما أو خصوصا، فينبغي بسط الكلام في هذه المسألة لسيلانها و عموم البلوى بها، فنقول الكلام فيها تارة في مرحلة الثبوت و اخرى في طريق الإثبات و ثالثة في وظيفة الوكيل كل ذلك بحسب القواعد الأولية، و رابعة فيما يستفاد من اخبار الواردة في المقام و نظائره مما يمكن ان يستنبط منها حكم المقام فهنا مقامات.

(الأول) في كيفية توكيل الموكل، و اعلم انه إذا و كل شخصا في دفع مال الى محل فاما يعينه بالخصوص كان يقول: ادفعه الى زيد مثلا، فلا إشكال في وجوب العمل على ما يعينه، و لا يجوز التخطي عنه من غير فرق بين ان يكون تعيين الموكل للقابض من الوكيل لأجل كونه عالما بانطباق عنوان عليه مثل عنوان الفقير و نحوه أولا، و على الأول كان علمه مطابقا للواقع أو جهلا مركبا علم الوكيل بكون تعيينه لأجل علمه بالانطباق أو لم، و سواء علم بكون علمه مطابقا للواقع أو علم انه جهل مركب أو لم يعلم شيئا، ففي جميع هذه الصور يجب على الوكيل ان يعمل على ما عين، و لا يجوز له التخطي عنه و ان علم ان موكله عين ما عين لأجل اعتقاده انه من الفقير الذي يجب على الموكل ان يدفع الزكاة‌

433

و علم الموكل أيضا بأنه جاهل مركب و ذلك لان العنوان حينئذ داع للموكل على الإعطاء، و يكون تخلفه غير مضر بما وكيل فيه، نعم اللهم إلا إذا كان العنوان بعنوان التقييد مثل ما إذا قال: أعط هذا المال بزيد ان كان فقيرا، أو أعطه زيد الفقير فإنه مع علم الوكيل بعدم فقير زيد لا يجوز له إعطائه إياه و لو كان الموكل معتقدا فقره مع رؤية الوكيل مخالفة اعتقاده مع الواقع و لكن لا يجوز له إعطائه إلى فقير أخر فضلا عن ان يصرفه في نفسه إذا كان فقيرا هذا إذا عين المدفوع اليه بالخصوص و لو عينه بالعموم مثل ما إذا قال ادفعه الى الفقراء فان كان من نيته صرفه الى الفقير اى فقير كان و لو كان الوكيل نفسه يصح للوكيل صرفه في نفسه على نحو الاختصاص أو الاشتراك على حسب ما اراده الموكل و لو كان من قصده صرفه الى الفقير ما عدا الوكيل، فلا يجوز له الصرف في نفسه، و بالجملة جواز صرف الوكيل المال المدفوع في نفسه ثبوتا مبنى على شمول الاذن له و هذا ظاهر.

(المقام الثاني) في طريق إثبات شمول الاذن لصرف الوكيل في نفسه، فاعلم ان العبارة الصادرة عن الموكل على أنحاء.

الأول- ان يكون اللفظ الدال على التوكيل صريحا في الاذن في صرفه في نفسه بان قال: ادفع هذا المال الى الفقراء و لو نفسك، أو اصرفه في الفقراء و لو في نفسك، أو قالت المرأة زوجني بمن شئت و لو من نفسك، فلا إشكال في الجواز كما لو كان صريحا في المنع عن نفسه فلا إشكال في المنع.

الثاني- انه لم يكن صريحا و لكن كان دالا على شمول الاذن للوكيل على وجه العموم بان قال اصرفه الى كل أحد شئت أو قالت زوجني ممن شئت و الظاهر استفادة الإذن منه و دلالته على اذن الموكل في صرف الوكيل ما دفعه اليه الموكل في نفسه و تزويج الوكيل موكلته لنفسه ما لم يعلم بالمنع بقرينة خارجية فإن اللفظ الدال على الاذن بالدلالة اللفظية يدل على شموله له، و لا دافع عنه فيؤخذ‌

434

بمدلوله و يستكشف به مراد المتكلم جريا على طبق أصالة الظهور.

الثالث- ان يكون الدال على شمول الاذن للوكيل على وجه الإطلاق بإجراء مقدمات الحكمة، و هل يصح التمسك به لإثبات شمول الاذن للوكيل المذكور المختار في الشرائع في مسألة توكيل المرأة لتزويجها هو المنع، و احتمله في التذكرة، و في المسالك نفى الخلاف في ذلك لكنه (قده) أشكل في الفرق بين الإطلاق و العموم، و قال (قده): ان الفرق لا يخلو عن نظر من حيث انه اى الوكيل داخل في الإطلاق كما هو داخل في العموم و ان كان العموم أقوى دلالة إلا أنهما أي العموم و الإطلاق مشتركان في أصلها أي في أصل الدلالة، و الحق في هذا المقام هو صحة إثبات الشمول من الإطلاق، اللهم الا ان يقال بان المفهوم من الأمر بدفعه أو تزويجها هو كون المدفوع اليه أو الزوج غيره عملا بشهادة الحال، و بعبارة أخرى الذي يحتاج الى التصريح هو إدراج الوكيل في الاذن، و مع عدمه ينصرف اللفظ الى الغير فيكون الانصراف قرينة على عدم إرادة الإطلاق حتى يشمل الوكيل أيضا مع إمكان المنع عن ذلك أيضا بدعوى عدم انصراف اللفظ الى غير الوكيل من غير فرق في ذلك بين قول القائل ادفع هذا المال الى الفقير، أو اشتر لي شيئا، أو بع مالي، أو قول القائل زوجني بمن شئت فإن جميع تلك الموارد و ان ادعى انصراف اللفظ فيها الى الاذن بغير الوكيل لكن الإنصاف ان هذا الانصراف بدوي لا يضر بالتمسك بالإطلاق بعد تناول اللفظ له لكون دفع الوكيل الى نفسه أو بيعه لنفسه أو شرائه من نفسه أو تزويجه المرأة لنفسه دفعا أو بيعا أو شراء أو تزويجا، و الوكالة التي هي استنابة في التصرف لا تقتضي ارادة غير هذا الفرد، و انصراف اللفظ الى غيره بدوي لا يضر بالتمسك بإطلاق اللفظ، فالأقوى مع الشك في إرادة المتكلم جواز التمسك بإطلاق كلامه في إحراز العموم و ان حكم الإطلاق في كلامه حكم العموم المستفاد من اللفظ الا ان يقوم الإجماع على الفرق بينهما كما ادعى نفى الخلاف في الفرق بينهما في المسالك، فحينئذ فالأحوط عند عدم العلم بإرادة‌

435

التعميم عدم الركون الى الإطلاق في إثبات التعميم، و مما ذكرنا ظهر.

(المقام الثالث) و هو وظيفة الوكيل، و حاصله انه مع علمه بمراد الدافع من التوسعة أو التضييق يعمل به، و مع الشك فيه لا يجوز عمل التوسعة فيما إذا كان للفظ المتكلم إطلاق و يجوز فيما كان له العموم.

(المقام الرابع) فيما يستفاد من الاخبار الواردة في نظائر المقام، اعلم ان الاخبار في نظائر المقام على طائفتين، فمنها ما تدل على الجواز و ذلك كموثق سعيد بن يسار عن الصادق (عليه السلام)، و فيه قلت له ع: الرجل يعطى الزكاة يقسمها في أصحابه أ يأخذ منها شيئا؟ قال ع: نعم، و الحسن عن الكاظم (عليه السلام) في رجل اعطى ما لا يفرقه فيمن يحل له أ يأخذ منه شيئا لنفسه و ان لم يسم له قال:

يأخذ منه لنفسه مثل ما يعطى غيره، و صحيح عبد الرحمن بن الحجاج سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الرجل يعطى الدراهم يقسمها و يضعها في مواضعها و هو ممن تحل له الصدقة، قال: لا بأس ان يأخذ لنفسه كما يعطى غيره و لا يجوز ان يأخذ إذا أمره أن يضعها في مواضع سماة إلا باذنه، و مقتضى هذه الاخبار الثلاثة جواز أخذ الوكيل لنفسه لكن مع اعتبار المساواة في التناول لأحدهم، و قد افتى باعتبارها المحقق في الشرائع و نسبه في المسالك الى المجوزين، و فيه كلام لعله يأتي تحريره منا، و صحيح عبد الرحمن بن الحجاج أيضا عن الصادق (عليه السلام) في رجل أعطاه رجل مالا ليقسمه في المساكين و له عيال محتاجون أ يعطيهم من غير ان يستأمر صاحبه؟ قال ع: نعم، فان الحكم فيه بجواز إعطاء الوكيل بعياله المحتاج يدل على جواز أخذه لنفسه إذا كان محتاجا، فيظهر منه ان المدار على تحقق عنوان ما وكل فيه و هو عنوان المساكين من غير فرق بين من يرجع إليه في الحقيقة كعياله و غيره، بل الدفع الى عياله المحتاج ليس إلا الأخذ لنفسه، اللهم الا ان يقال ان في الدفع الى عياله إخراج إلى الغير فيصدق معه العمل بما و كل فيه بخلاف أخذه لنفسه بناء على عدم صدق الدفع معه، و انه لا يعتبر فيه التغاير‌

436

الحقيقي بين الدافع و المدفوع اليه المحقق في الدفع الى عياله دون الأخذ لنفسه، لكن الكلام في اعتبار الحقيقي من التغاير، بل الظاهر كفاية الاعتباري منه، و لا إشكال في ان الوكيل من حيث انه نائب عن الموكل في الدفع و انه هو تنزيلا دافع، و من حيث نفسه و انه مما يصدق عليه عنوان المدفوع اليه مدفوع اليه و لا بأس به، و مكاتبة عمرو بن سعيد الساباطي عن ابى جعفر (عليه السلام)، و فيها انه كتب الى ابى جعفر ع يسأله عن رجل اوصى اليه رجل ان يحج عنه ثلاثة رجال فيحل له ان يأخذ لنفسه حجة منها، فوقع بخطه و قرأته حج عنه إنشاء اللّه فان لك مثل اجره و لا ينقص من اجره شي‌ء إنشاء اللّه، و هذه المكاتبة و ان وردت في الوصي إلا أن الوصي أيضا نائب بكله بعد الموت إذا لوصية هي الاستنابة بعد الموت فهو وكيل في المعنى الا ان الوكالة استنابة في التصرف في حال الحيوة و الوصية استنابة بعد الموت، و هذه اخبار تدل على الجواز و لعل المتتبع يعثر على ما لم نعثر به.

و منها ما تدل على المنع و ذلك كالمروي عن الصادق (عليه السلام) في الصحيح أو الحسن إذا قال لك الرجل اشتر لي فلا تعطه من عندك و ان كان الذي عندك خيرا منه، و موثق إسحاق بن عمار قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يبعث الى الرجل بقول له اتبع لي ثوبا فيطلب له في السوق فيكون له ما يجد له في السوق فيطيعه من عنده فقال ع: لا يقربن هذا و لا يدنس نفسه ان اللّه عز و جل يقول إِنّٰا عَرَضْنَا الْأَمٰانَةَ عَلَى السَّمٰاوٰاتِ وَ الْأَرْضِ وَ الْجِبٰالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهٰا وَ أَشْفَقْنَ مِنْهٰا وَ حَمَلَهَا الْإِنْسٰانُ إِنَّهُ كٰانَ ظَلُوماً جَهُولًا- و ان كان عنده خبر مما يجد له في السوق فلا يعطيه من عنده، و الرضوي و إذا سئلك رجل شراء ثوب فلا تعطه من عندك و لو كان الذي عندك أجود مما عند غيرك، و هذه الاخبار الثلاثة مما وردت في المنع عن اشتراء ماله لموكله إذا وكله في شراء مال، و صحيح عبد الرحمن الوارد في المنع عن أخذ ما وكل في دفعه الى المحاويج و لو كان الوكيل منهم و فيه عن رجل أعطاه رجل مالا ليقسمه في محاويج أو مساكين و هو محتاج أ يأخذ منه لنفسه و لا يعلمه؟ قال‌

437

لا يأخذ منه شيئا حتى يأذن له صاحبه، و خبر عمار الوارد في المنع عن تزويج الوكيل لنفسه المرأة التي و كلها في ان يزوجها و فيه سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن امرأة تكون في أهل بيت فتكره ان يعلم بها أهل بيتها أ يحل لها ان توكل رجلا يريد ان يتزوجها تقول له قد وكلتك فاشهد على تزويجي، قال: لا الى ان قال قلت فان وكلت غيره تزويجها منه قال: نعم.

هذه جملة من الاخبار التي عثرنا عليها من الطرفين، و لا يخفى ان دلالة الطائفة الأولى على الجواز لعلها أظهر من الطائفة الثانية الواردة في المنع، إذ يمكن تطرق المناقشة في دلالة هذه الطائفة، أما الثلاثة الأولى منها الواردة في التوكيل على الشراء فلظهور كلمة اشتر أو ابتع في كون الشراء من الغير لبعد التعبير في مقام الاشتراء من الوكيل باشتر من نفسك، بل المناسب ان يقول يعنى مالك لا اشتر لي مالك عن نفسك كما لا يخفى، مع ما في الرضوي من المناقشة في سنده حسبما قرر في محله، و بالجملة فلعل مورد هذه الاخبار الثلاثة الواردة في التوكيل في الشراء بكلمة اشتر لي خارج عن محل البحث الذي هو فيما إذا لم يكن للكلام ظهور في الاشتراء عن الغير، و اما صحيح عبد الرحمن فلعله ظاهر بل صريح فيما إذا كان صرف الوكيل في نفسه مع عدم اذن الوكيل حيث يسئل عن أخذ الوكيل لنفسه و لا يعلمه، و جواب الامام ع بالمنع عن الأخذ حتى يأذن له صاحبه، و لا إشكال في عدم جواز الأخذ مع عدم الاذن، و انما الكلام في ان الإعطاء إلى الوكيل لان يصرفه في محاويج و مساكين طائفة من أنهم اذن له في صرفه في نفسه أم لا؟ و فرض عدم الاعلام في الأخذ شاهد على كون مورد السؤال فيما كان الإعطاء لأجل الصرف الى غير الوكيل، و الا فمع شمول الإطلاق له و كونه مأذونا بالعموم لم يكن وجه لعدم الاعلام فكان فرض عدم الإعلام لأجل الخوف من منع المالك في صرف الوكيل لان يصرفه في محاويج و مساكين طائفة من أنهم اذن له في صرفه في نفسه أم لا؟ و فرض عدم الاعلام في الأخذ شاهد على كون مورد السؤال فيما كان الإعطاء لأجل الصرف الى غير الوكيل، و الا فمع شمول الإطلاق له و كونه مأذونا بالعموم لم يكن وجه لعدم الاعلام فكان فرض عدم الإعلام لأجل الخوف من منع المالك في صرف الوكيل ما قبضه للدفع الى المحاويج في نفسه، فيكون مورد السؤال عما كان الإعطاء لأجل الصرف الى الغير غاية الأمر مع عدم المنع عن الصرف في نفسه، و يكون‌

438

الجواب منعه عن الصرف في نفسه و لو لم يمنعه المالك لتوقف جواز الصرف على الاذن المفروض انتفائه و لو على سبيل العموم، و عدم كفاية عدم المنع عنه، و على هذا فهذه الصحيح أجنبي عن الدلالة على المنع في محل البحث و هو فيما إذا استفيد الاذن من إطلاق الترخيص في الصرف.

و اما خبر عمار فهو أجنبي عن المقام رأسا حيث انه في مورد توكيل المرأة من يريد تزويجها مع عدم اطلاعك أهلها كما يدل عليه قول السائل أ يحل لها ان توكل رجلا ان يزوجها؟ و لعل المنع عن توكيله انما هو لمكان كون التوكيل على الاشهاد كما يدل عليه قول المرأة فاشهد على تزويجي فيكون الرجل يريد ان يزوجها زوجا و شاهدا على التزويج و هو ليس بصحيح بناء على اعتبار الاشهاد بخلاف ما إذا و كلت غيره فإنه يكون الشاهد حينئذ شخصا و الزوج شخصا أخر، فالخبر حينئذ دال على عدم كفاية الاشهاد بالزوج نفسه في النكاح بناء على اعتبار الشاهد فيه، و لعل عدم التعرض لعدم اعتبار الشهادة فيه لكي يحتاج الى شخص أخر للإشهاد أو يكتفى به الى الزوج لمكان التقية، و لا يخفى ان الأنسب في التعبير بقرينة المقابلة أن يقول: فان و كلت غيره بإشهاده على تزويجها منه، ثم لا يذهب عليك ما في التعبير بالوكالة على الاشهاد بل حق العبارة ان يقول بمن يريد التزويج:

كن الشاهد على تزويجي لا وكلتك فاشهد على تزويجي الا ان سوء التعبير عن عمار ليس بعزيز و كم له في ذلك من شأن، و بالجملة فالإنصاف ان هذا الخبر أجنبي عن إثبات المنع عن تزويج الوكيل للمرئة إذا و كلها في ان يزوجها بمن يشاء، و ليت شعري كيف ذهلوا عما هو مفاده، و استدلوا به لإثبات المنع في محل البحث و الا لجئوا في رده بضعف سنده كما في الجواهر، أو المناقشة في دلالته كما في المسالك بما لا يخلو عن القدح، و الحاصل ان الاخبار الدالة على الجواز قابلة للاستناد إليها و لا يقابلها ما يمنع عن العمل بها لو لم يكن الإجماع على المنع، فالعمدة هو الإجماع المدعى إلا انه أيضا مما لا يركن اليه بعد القطع بتحقق الخلاف‌

439

كما نقل عن غير واحد، فلعل القول بالجواز في صورة الإطلاق و عدم ما يدل على المنع هو الأقوى، و ينبغي التنبيه على أمور.

(الأول) الظاهر ان قول الموكل اشتر لي أو ابتع و نحو ذلك مما يدل على ارادة الشراء من الغير، فيكون كما لو صرح بالوكالة في الشراء عن الغير فلا يجوز معه شرائه من نفسه و لو كان ما عنده مثل ما عند غيره بل أجود كما عرفت في المقام الأول من انه لو عين الموكل عمل الوكيل ليس له التخطي عما عينه و لو كان التعيين عن اعتقاد مخالف للواقع و علم الوكيل بمخالفته و لو عين للوكيل جعلا فالظاهر كونه قرينة على ارادة غيره كما لو قال ادفع هذا المال الى الفقراء و لك عشره، أو و لك كذا، أو اشتر المتاع لي و لك كذا، أو قالت المرأة زوجني ممن شئت و لك كذا من الجعل مثلا فان تعيين الجعل للوكيل قرينة على صرف مورد الوكالة عنه و انه أراد منه العمل.

(الثاني) ظاهر الشرائع في مسألة ما لو دفع الى الوكيل ما لا ليصرفه الى الفقراء اعتبار التسهيم و أخذ شي‌ء منه لو أراد الوكيل أخذه بناء على الجواز، و ذلك للأخبار المتقدمة الدالة على جواز أخذ شي‌ء منه كما في موثق سعيد بن يسار، أو الأسد لنفسه مثل ما يعطى غيره كما في المروي عن الكاظم ع، و صحيح عبد الرحمن، و لكن الأقوى ذلك فيما إذا كانت الوكالة على خصوص التقسيم، و اما إذا كانت في الدفع الى الفقراء بعنوان الصرف بحيث لو أراد الدفع الى غيره لصح منه الدفع الى واحد و لم يكن التقسيم واجبا عليه فلا مانع عن ان يصرف جميعه في نفسه، لان المعيار هو الصرف فيما وكل في الصرف فيه و المفروض انه نفسه منه أيضا، و اما الروايات المذكورة فلعلها في مورد التوكيل في التقسيم كما لا يخفى، أو بيان جواز فرد من الصرف في مقابل المنع المطلق فيكون دالا على جواز فرده الأخر من جهة إحراز نفى المنع عنه، قال في المسالك و لو دلت القرائن الحالية أو المقالية على تسويغ أخذه قوى القول بالجواز حينئذ فيأخذ كغيره لا أزيد‌

440

هكذا شرطه كل من سوغ له الأخذ و صرح به في الروايتين المجوزتين، و ظاهر هذا الشرط انه لا يجوز تفضيل بعضهم على بعض لانه من جملتهم، و ينجه ذلك إذا كان المعين للصرف محصورا اما لو كانوا غير محصورين كالفقراء فجواز التفاضل مع عدم قرينة على خلافه أوضح خصوصا إذا كان المال من الحقوق الواجبة كالزكاة، فان التسوية فيها ليست بلازمة و المسألة مفروضة فيما هو أعم من الواجب و الندب انتهى.

(الثالث) يجوز للوكيل ان يدفع الى عياله و أولاده و أقاربه سواء كانوا ممن تجب نفقتهم على الوكيل و لو قلنا بالمنع عن صرفه في نفسه، و ذلك للاقتصار في موضع المنع على مدلول الاخبار و هو الصرف في نفسه مع ما تقدم من صحيح عبد الرحمن ابن الحجاج المصرح فيه بجواز الدفع الى عياله إذا كانوا محتاجين من غير استيمار من صاحبه، و لعل ذلك لصدق الدفع الذي هو محل الوكالة على الدفع إليهم كما تقدم.

(الرابع) حكى في المسألة أقوالا شتى في التفصيل فيها منها- ما حكاه في المسالك من التفصيل بين ان يقول له الأمر ضعه فيهم أو ما ادى معناه، و بين ان يقول ادفعه أو اصرفه و نحوهما بالجواز في الأول، و المنع في الأخير.

- و منها- القول بالمنع حتى مع تصريح الموكل و نصه بصرف الوكيل في نفسه، و لعل منشئه الجمود على اخبار المنع، و دلالة خبر عمار عليه حيث انه كما عرفت في مورد توكيل الزوج في النكاح و انه مستلزم لاتحاد الموجب و القابل في المعاملات مثل البيع و النكاح.

- و منها- التفصيل بين القول بالجواز في صورة الاعلام و القول بعدمه مع عدم الاعلام، و لعل هذا هو القول بالمنع إذ مع الاعلام و الاستيذان يخرج عن محل الكلام بل هو اما إذن جديد سابق لو كان الاستيذان قبل فعل الوكيل، أو اذن لا حق إذا كان بعد فعله فيكون فعله فضوليا متعقبا بالإجازة.

441

- و منها- التفصيل بين قول الدافع هو للفقراء أو أعطه بهم مع عدم علم المالك بفقر الوكيل، و بين قوله ذلك مع علمه بفقره بالجواز في الأول بشرط الا يزيد على أحدهم، و بالمنع في الثاني مستدلا على المنع في الثاني بأنه لو اراده لخصه بشي‌ء مع علمه بفقره، و لا يخفى ما في هذه الأقوال المفصلة من الوهن بعد ما بيناه من انه بعد شمول اللفظ للوكيل، و عدم ما يوجب خروجه من القرينة الحالية أو المقالية يكون الأقوى هو الجواز في جميع هذه الصور.

(الخامس) لو زعم الموكل عدم اتصاف الوكيل بعنوان ما و كل فيه و كان في الواقع متصفا فان كان الاذن في الصرف في غيره و صرح بإخراجه الوكيل و لو كان منشأ إخراجه اعتقاده عدم اتصافه، بالعنوان الذي منظورة فلا يجوز له الصرف في نفسه حينئذ و لو لم يكن كذلك، بل قال اصرفه في الفقراء و لكن بزعمه عدم اتصاف الوكيل بالفقر بل يزعم خروجه عن المدفوع إليهم بحيث لو تبدل جهله و علم باتصاف الوكيل بالفقر لكان راضيا بصرفه في نفسه يجوز له الصرف حينئذ لا من جهة الاكتفاء بالرضاء التقديري، إذ لا عبرة به أصلا بل لمكان رضاه الفعلي بالصرف في الفقير، و لو جهل المالك بمصداقه كما إذا دفع الوكيل الى فقير يعلم بفقره مع كونه فقيرا واقعا أيضا فإنه يصح و لو لم يعلم المالك بفقره بل كان عالما بعدم اتصافه به، و بعبارة أخرى يكون الإذن بالإعطاء بمن اتصف بالعنوان على نهج القضايا الحقيقة و يكون تطبيقه بيد الوكيل فيجوز له الإعطاء بمن يعلم بتطبيق العنوان عليه و لو لم يعلم به الموكل، أو علم بالخلاف إلا إذا كان على نحو التقييد فيكون إخراج المخرج حينئذ على نحو القضية الخارجية و لو كان منشأ إخراجه علمه اى علم الموكل بخروجه عن العنوان، و نظير ذلك ما إذا أذن أحد شخصا في دخول داره فإنه يمكن ان يصدر منه الاذن على نحوين.

أحدهما ان يقول يا صديقي ادخل داري مع علم المخاطب بأنه ليس صديقه، و انه جهل بكونه عدوه و يكون الاذن بالدخول بمن هو الصديق، و توجيهه‌

442

نحو هذا المخاطب لزعمه انه الصديق فلا يجوز للمخاطب ان يدخل داره حينئذ لانه اذن بالصديق لا بهذا الشخص بما هو هو.

و ثانيهما ان يقول يا زيد ادخل داري و زيد يعلم أنه اذنه لزعمه انه صديقه مع انه ليس بصديقه و لكن الاذن صدر منه في دخول زيد في داره فيصح دخوله حينئذ و لو علم بأنه عدوه، و نظير ذلك أيضا ما إذا أتم بمن يصلى باعتقاد انه زيد فإنه تارة يأتم بزيد باعتقاد انه هذا المصلى فيكشف انه عمرو فلا تصح جماعته هذا و لو كان عمرو عادلا عنده، و تارة يأتم بهذا الحاضر باعتقاد انه زيد فانكشف كونه عمروا فإنه تصح جماعته إذا كان عمرو عادلا، و فيما نحن فيه إذا وكله في الصرف الى الفقراء و كان معتقدا عدم اتصاف الوكيل بالفقر يصح صرف الوكيل في نفسه إذا كان متصفا به، و لو أخرجه عن محل الوكالة لا يصح صرفه في نفسه و لو كان متصفا به و إذا صرح بالإذن في تصرفه في نفسه فان كان على نحو العنوان بان قال ايها الفقير اصرفه في نفسك لا يجوز له الأخذ و الصرف في نفسه مع عدم اتصافه به و ان كان على نحو الإشارة بأن قال: يا زيد اصرفه في نفسك يجوز لزيد صرفه في نفسه و لو علم ان داعي المالك في اذنه علمه بكون زيد فقيرا مع علم زيد بعدم اتصافه بالفقر لأن الإذن صدر في صرفه في نفسه بما هو زيد و ان كان الداعي في اذنه هو علمه بفقره بخلاف الأول، حيث ان المأذون فيه هو زيد لا بما هو هو بل بما هو فقير كما هو واضح، و قد أطلنا الكلام في هذه المسألة لكونها سيالا و محلا للابتلاء و الحمد للّه.

[الثامنة و العشرون لو قبض الفقير بعنوان الزكاة أربعين شاة]

(الثامنة و العشرون) لو قبض الفقير بعنوان الزكاة أربعين شاة دفعة أو تدريجا و بقيت عنده سنة وجب عليه إخراج زكوتها و هكذا في سائر الانعام و النقدين.

لان الفقير بالقبض يصير مالكا و إذا حال عليه الحول و تحقق باقي شرائط الوجوب تجب عليه الزكاة، و هكذا في سائر الانعام و النقدين دون الغلات لان الشرط في وجوب زكاة الغلات هو تملكها بالزرع و الحرث لا بسائر أنواع التملك‌

443

كما تقدم، و لعل الحكم بوجوب الإخراج في الانعام و النقدين إذا تملكهما بعنوان الزكاة مع كونه ظاهرا لا يحتاج الى البيان لدفع و هم مقايسة ما يملكه بالزكاة بالخمس حيث لا يجب الخمس فيما ملكه بالخمس و الزكاة و الصدقة لعدم صدق الفائدة عليها مع ورد النص بعدم وجوبه فيما ملكه بالخمس، و هو المروي عن الرضا (عليه السلام) مع تأمل في دلالته حسبما أوضحناه في كتاب الخمس فراجع.

[التاسعة و العشرون لو كان له مال زكوي مشتركا بين اثنين مثلا]

(التاسعة و العشرون) لو كان له مال زكوي مشتركا بين اثنين مثلا و كان نصيب كل منهما بقدر النصاب فأعطى أحدهما زكاة حصته من مال أخر أو منه بإذن الأخر قبل القسمة ثم اقتسماه فان احتمل المزكي ان شريكه يؤدى زكوته فلا اشكال، و ان علم انه لا يؤدى ففيه اشكال من حيث تعلق الزكاة بالعين فيكون مقدار منها في حصته.

عدم الاشكال فيما إذا احتمل المزكي ان شريكه يؤدى زكوته من جهة أصالة الصحة في القسمة، و اما الإشكال مع العلم بأنه لا يؤدي فعلى القول بتعلق الزكاة بالعين على نحو الشركة و الإشاعة واضح حيث ان مقدار الزكاة التي في حصته سار في مجموع الحصتين على نحو الإشاعة فيكون فيما يفرز له من مال المشترك بعد شي‌ء من الزكاة على نحو الإشاعة، و اما على القول بتعلقها بالعين على نحو الكلي في المعين فالظاهر عدم سريان الزكاة فيما يفرز للشريك بعد التقسيم إذا بقي في يد الشريك الغير المزكى ما يفي بمقدار زكوته كما هو الحكم فيما إذا باع صاعا من صيعان الصبرة على نحو الكلي في المعين و كانت الصيعان عشرة مثلا ثم باع تسعة أصواع منها إلى مشتري أخر و أقبضها إياه فإنه يصح البيع و القبض و يتعين الصاع الباقي ملكا لمشتري الصاع على نحو الكلي في المعين، و في المقام بعد تقسيم الشريك الغير المزكى مع شريكه المزكى يصير ما يبقى في يده متعلق الزكاة الواجبة عليه ما دام يبقى من حصته ما يفي بإخراج ما وجب عليه من الزكاة، فالإشكال الذي ذكره المصنف (قده) جار على القول بالإشاعة الذي لا بقول به، و لا اشكال‌

444

على القول بالكلي في المعين الذي يقول به.

و يمكن ان يقال بعدم الاشكال حتى على القول بالشركة أيضا لأن الزكاة تتعلق بحصة كل واحد من الشريكين بما هي ملكه، و بعد افراز حصة كل منهما و تمييز المزكاة عن غيرها تصير حصة المزكى خالية عن تعلق حق المستحق، و تصير حصة غيره محلا له لأن حصة المزكى بعد الافراز ليست ملكا لغيره و ما هو ملك لغير المزكى هو ما اختص به من حصته كما لا يخفى.

[الثلاثون قد مر ان الكافر مكلف بالزكاة]

(الثلاثون) قد مر ان الكافر مكلف بالزكاة و لا تصح منه و ان كان لو أسلم سقطت عنه، و على هذا فيجوز للحاكم إجباره على الإعطاء له أو أخذها من ماله قهرا عليه، و يكون هو المتولي للنية و ان لم يؤخذ منه حتى مات كافرا جاز الأخذ من تركته، و ان كان وارثه مسلما وجب عليه كما انه لو اشترى مسلم تمام النصاب منه كان شرائه بالنسبة إلى مقدار الزكاة فضوليا و حكمه حكم ما اشترى من المسلم قبل إخراج الزكاة و قد مر سابقا.

قد مر أحكام المذكورة في هذه المسألة في المسألة السادسة عشر، و السابعة عشر، و الثامنة عشر من أول كتاب الزكاة في المسألة الخامسة من فصل ان العقود في ان الزكاة من العبادات.

[الحادية و الثلاثون إذا بقي من المال الذي تعلق به الزكاة و الخمس مقدار]

(الحادية و الثلاثون) إذا بقي من المال الذي تعلق به الزكاة و الخمس مقدار لا يفي بهما و لم يكن عنده غيره، فالظاهر وجوب التوزيع بالنسبة بخلاف ما إذا كان في ذمته و لم يكن عنده ما يفي بهما فإنه مخير بين التوزيع و تقديم أحدهما، و اما إذا كان عليه خمس أو زكاة و مع ذلك عليه من دين الناس و الكفارة و النذر و المظالم و ضاق ماله عن أداء الجميع فان كانت العين التي فيها الخمس أو الزكاة موجودة وجب تقديمهما على البقية، و ان لم تكن موجودة فهو مخير بين تقديم أيهما شاء و لا يجب التوزيع و ان كان اولى، نعم إذا مات و كان عليه هذه الأمور و ضاقت التركة وجب التوزيع

445

بالنسبة كما في غرماء المفلس و إذا كان عليه حج واجب أيضا كان في عرضها.

في هذه المسألة أمور تعرض لها.

(الأول) لا إشكال في أنه إذا بقي من المال الذي تعلق به الزكاة و الخمس ما يفي بادائهما معا، أو كان عنده مال غيره يجب عليه أداء ما عليه من الزكاة و الخمس معا من نفس المال الذي تعلق به الزكاة و الخمس أو من غيره، و ذلك فيما إذا استقر عليه الوجوب و الضمان و لو فرض تلف شي‌ء مما فيه الخمس و الزكاة و هذا ظاهر.

(الثاني) إذا بقي من المال الذي تعلق به الزكاة و الخمس ما لا يفي بهما معا و ان و في بأحدهما و لم يكن عنده غيره فالظاهر وجوب التوزيع لان المال الموجود متعلق للحقين، و حيث لا مرجح لأحدهما يجب التوزيع كما هو الحكم في الماليات حين لا معين في البين.

(الثالث) إذا كان الزكاة و الخمس في ذمته كما إذا تلف العين التي متعلقهما مع ضمان و لم يكن عنده ما يفي بأحدهما فهو مخير في الأداء بين التوزيع أي إعطاء ما عنده مما لا يفي بهما بعضه زكاة، و بعضه خمسا مع التخيير بين التقسيم على التساوي أو التفاضل، و بين تقديم أحدهما، فيعطى تمام ما عنده خمسا أو زكاة، و ذلك لعدم تعلق حق بالعين و كونه في الذمة، و تخيير الدافع ما في ذمته بما يريد فيدفع ما يختار دفعه و لو كان متأخرا في الاشتغال.

(الرابع) إذا كان عليه خمس أو زكاة و شي‌ء أخر غيرهما من دين لأحد أو كفارة أو نذر أو شي‌ء من المظالم و لم يكن عنده ما يفي بأداء الجميع فان كانت العين التي تعلق بها الزكاة أو الخمس موجودة قدمتا على البقية، و ان كانت متعلقة لحق أخر من رهن أو نذر و نحوهما قدم، و ان كانت العين طلقا من هذه الحقوق كافة و كان ما عليه متمحضا في الذمة فهو مخير بين التوزيع، و بين تقديم ما يشاء،

446

و ان كان التوزيع اولى بمناط لزومه فيما إذا تعلقت الحقوق بالعين جمعا بين الحقوق.

(الخامس) إذا مات من عليه الحقوق المذكورة في الأمر المتقدم فان وفت تركته بأداء الجميع فتصرف في الجميع مقدما على الإرث، و ان ضاقت عن أداء الجميع يجب التوزيع لأن التركة بالموت تصير متعلقة للحقوق في عرض واحد بلا تقدم و تأخر بينها في تعلقها على التركة فيجب صرفها في الجميع، و حيث انها لا تفي بالجميع يصرف في الجميع بالنسبة و هو معنى التوزيع.

(السادس) الحج واجب مالي يخرج من الأصل و ان لم يوص به فإذا كان معه شي‌ء من الحقوق المذكورة و ضاقت التركة عن الجميع يشترك معها في التوزيع على الجميع.

[الثانية و الثلاثون الظاهر انه لا مانع من إعطاء الزكاة للسائل بكفه]

(الثانية و الثلاثون) الظاهر انه لا مانع من إعطاء الزكاة للسائل بكفه، و كذا في الفطرة و من منع من ذلك كالمجلسي في زاد المعاد في باب زكاة الفطرة لعلما نظره الى حرمة السؤال و اشتراط العدالة في الفقير و الا فلا دليل عليه بالخصوص، بل قال المحقق القمي (ره) لم أر من استثناه فيما رأيته من كلمات العلماء سوى المجلسي في زاد المعاد و لعله سهو منه و كأنه كان يريد الاحتياط فسهى فذكره بعنوان الفتوى.

المنع عن إعطاء الزكاة للسائل بكفه يمكن ان يكون من جهة اشتراط العدالة في الفقير، و كون السؤال مع التمكن من عدمه بالاشتغال بالكسب حراما كما هو الظاهر، و يمكن ان يكون من جهة كون السائل محترفا تفي حرفته بمؤنته فلا يكون حينئذ فقيرا، و عليه فليس المراد به مطلق السائل بكفه بل خصوص من تكون حرفته الاستعطاء من الناس، و كيف كان فيرد عليه بالمنع من اشتراط العدالة لو كان جهة المنع عن إعطائها إياه اشتراطها و المنع عن كون الاحتراف المحرم موجبا للغنى المانع عن أخذ الزكاة لو كانت جهة المنع احترافه كما إذا كان محترفا‌

447

بالسرقة و القمار و نحوهما من المحرمات، بل و لو مع الاشتغال بها إذ لا يصير مالكا لما يحصله بالحرفة المحرمة من القمار و الربا و السرقة و نحوهما، نعم في مثل السؤال بالكف إذا أعطاه المعطى لا بما هو مضطر يجوز له السؤال بل من حيث هو هو و لو كان داعيه في الإعطاء هو اعتقاد اضطراره لكن الاعتقاد المذكور أخذ داعيا لا عنوانا يصير الأخذ مالكا و لو مع علمه بعدم اضطراره و حرمة السؤال عليه فلا يجوز له أخذ الزكاة حينئذ إذا صار غنيا بعد الأخذ بالسؤال.

[الثالثة و الثلاثون الظاهر بناء على اعتبار العدالة في الفقير]

(الثالثة و الثلاثون) الظاهر بناء على اعتبار العدالة في الفقير عدم جواز أخذه أيضا لكن ذكر المحقق القمي انه مختص بالإعطاء بمعنى انه لا يجوز للمعطي ان يدفع الى غير العادل، و اما الأخذ فليس مكلفا بعدم الأخذ.

لا يخفى انه بناء على اشتراط العدالة يكون المنع عن إعطاء غير العادل لمكان سلب استحقاقه و انه لا يكون أهلا للزكاة و لازمه عدم جواز الأخذ عليه كما لا يجوز على غير رب المال أخذ المال بعنوان انه مالكه و مستحقه، نعم لو اختلف نظر المعطى و الأخذ في اشتراط العدالة اجتهادا أو تقليدا بان كان العدالة شرطا في الأخذ بنظر المعطى دون الآخذ نفسه فيمكن ان يقال بجواز الأخذ عليه لكنه حينئذ أيضا ممنوع لا لمكان عدم استحقاقه لانه يرى نفسه مستحقا، بل لمكان اعتبار ان يكون الدفع مقرونا بالنية، و لا يتمشى منه النية مع اعتقاد كون الآخذ غير مستحق، اللهم الا مع اعتقاده عدالته و الآخذ يعلم عدمها إذ جواز الأخذ حينئذ عليه قوى.

[الرابعة و الثلاثون لا إشكال في وجوب قصد القربة في الزكاة]

(الرابعة و الثلاثون) لا إشكال في وجوب قصد القربة في الزكاة و ظاهر كلمات العلماء انها شرط في الاجزاء فلو لم يقصد القربة لم يكن زكاة و لم يجز و لو لا الإجماع أمكن الخدشة فيه، و محل الاشكال غير ما إذا كان قاصدا للقربة في العزل و بعد ذلك نوى الرياء مثلا حين دفع ذلك المعزول الى الفقير فان الظاهر اجزائه و ان قلنا باعتبار القربة إذا المفروض تحققها حين حين الإخراج و العزل.

448

اما اعتبار قصد القربة في الزكاة و انها من العبادات فقد تقدم الكلام فيه في الفصل المعقود لذلك، و اما ظهور كلمات العلماء في انها شرط في الاجزاء فلا طلاق كلمات جماعة و تصريح آخرين بذلك كما يظهر للمتتبع، و يترتب على شرطيته في الاجزاء عدم الاجزاء مع عدم قصد القربة حسب انتفاء المشروط عند انتفاء شرطه، و اما الخدشة في ذلك فلعله لما عن التذكرة من تعين المأخوذ زكاة بالأخذ و لو لم بقصد بها القربة، قال (قده) في محكي التذكرة في كل موضوع قلنا بالاجزاء مع عدم نية المالك لو لم ينو الساعي أو الإمام أيضا حالة الدفع الى الفقراء توجه الاجزاء لان المأخوذ زكاة قد تعينت بالأخذ انتهى.

و لعل كلامه مثل عبارة المتن يظهر منهما انه مع فرض تسليم عبادية الزكاة و اعتبار قصد القربة يحكم بالاجزاء مع قصدها و هو بعيد في الغاية، إذ لا معنى لاعتبار قصد القربة فيها الا كونها شرطا في الاجزاء كما في غيرها من العبادات مثل الصلاة و الصوم، و كيف يصح القول بأن الصلاة مثلا عبادة يعتبر فيها قصد القربة و مع ذلك يصح و يجرى الإتيان بها بدون قصد القربة، و لهذا يقول في الجواهر: بان احتمال الاجزاء مع عدم نية المالك و الامام واضح الضعف لكون الزكاة عبادة كما صرح به غير واحد، نعم للتشكيك في عبادية الزكاة لو لا الإجماع وجه لما عرفت سابقا ممن ان المدرك لاعتبار قصد القربة فيها هو الإجماع لكنك قد عرفت تمامية الإجماع و عدم الخدشة فيه أصلا، و اما ما أفاده في ان محل الاشكال غير ما إذا كان قاصدا للقربة في العزل، و اما مع قصد القربة في العزل فان الظاهر اجزائه و لو نوى الرياء حين الدفع إذ المفروض تحققها حين الإخراج و العزل فهو أيضا لا يخلو عن بحث، و توضيح ذلك انه قد تقدم في المسألة الرابعة و الثلاثين في الفصل المعقود في زكاة الغلات، و في المسألة السادسة في الفصل المعقود في بقية أحكام الزكاة في حكم العزل ان تعين المعزول بالعزل هل يوجب خروجه عن ملك المالك حتى يصير في يده امانة بعد العزل، أو ان العزل يوجب تعيين وجوب دفعه في الزكاة‌

449

بعد ان كان مخيرا قبله في دفعه بالخصوص، و ان العزل هل هو في حكم الإيصال إلى المستحق أم لا.

فان قلنا بخروجه عن ملك المالك و انه في حكم الإيصال إلى المستحق يكفى قصد القربة في العزل حيث انه دفع و إيصال إلى المستحق، و به يصير المعزول ملكا للمستحق و يكون امانة عنده حتى يرده الى المستحق، و ان قلنا بعدم خروجه عن ملكه و عدم كونه إيصالا و دفعا يحتاج الى قصد القربة حين الدفع اليه و قد تقدم في المسئلتين المذكورتين ان الأقوى خروجه عن ملك المالك بالعزل في مورد جوازه و ان لم يكن في حكم الإيصال إلى المستحق لعدم الدليل على ولاية المالك على المستحق مثل ما ثبت للإمام أو نائبه عليه، فحينئذ فإن كان المعتبر في قصد القربة ان يكون وقت الإخراج عن الملك يكفى قصدها وقت العزل و ان لم يقصدها وقت الدفع و ان كانت العبرة بقصدها وقت الدفع يلزم قصدها وقته، و لا يكفى وقت العزل، و لعل نظر المصنف (قده) في حكمه بكفاية قصدها وقت العزل هو ذهابه الى كون العزل في حكم الدفع و الإيصال إلى المستحق، و نظر بعض السادة الأجلة في الاشكال عليه حيث يقول عند قول المصنف فان الظاهر اجزائه محل إشكال فإن العزل افراز لها و ما يكون من العبادات هو إيتاء الزكاة (انتهى) الى ان العزل ليس في حكم الإيصال و الدفع.

[الخامسة و الثلاثون إذا وكل شخصا في إخراج زكوته]

(الخامسة و الثلاثون) إذا وكل شخصا في إخراج زكوته و كان الموكل قاصدا للقربة و قصد الوكيل الرياء ففي الإجزاء إشكال، و على عدم الاجزاء يكون الوكيل ضامنا.

كون الموكل قاصدا للقربة إما يكون حين التوكيل أو حين دفع الوكيل الى المستحق، ثم الوكيل اما يكون كالوكيل المفوض في البيع و نحوه، و اما يكون كالالة في إيصال المالك زكوته الى المستحق مثل يد المالك مثلا، أو ما إذا القى الزكاة على رقبة حيوان و أرسله إلى المستحق حيث ان الدافع اليه هو المالك و الحيوان آلة له لا ان الحيوان يكون دافعا فهنا صور.

450

الاولى- ما إذا كان الوكيل كالوكيل المفوض، و لا إشكال في الاجزاء إذا قصد الوكيل القربة و كان المالك أيضا قاصدا لها حين دفع الوكيل الى المستحق بان تحققت النية منهما معا حين دفع الوكيل و هذا ظاهر.

الثانية- هي الأولى لكن مع قصد المالك القربة حين دفعه الى الوكيل و حين التوكيل لا حين دفع الوكيل الى المستحق، و حكم هذه الصورة انه مع القول باجتزاء نية الوكيل فقط حين الدفع الى المستحق كما هو الحق على ما سيأتي يجزى من غير اشكال، و على القول باعتبار نية الموكل أيضا يشكل الاجزاء حيث ان وقت دفع الموكل الى الوكيل ليس وقت الدفع و الإيتاء بل هو كإخراج المال من صندق الى صندوق أخر فلا يكفى نيته حينه.

الثالثة- ان يكون الموكل قاصدا للقربة حين دفع الوكيل الى المستحق دون الوكيل، و هذا ما ذكره في المتن و استشكل فيه بناء على ان يكون مراده (قده) من قوله و كان الموكل قاصدا للقربة ذلك اى قصد القربة حين دفع الوكيل الى المستحق لا دفع الموكل الى الوكيل، و وجه الإشكال في الاجزاء في هذه الصورة هو عدم إيتاء الزكاة منه في هذه الصورة بل الدافع الى المستحق هو الوكيل فلا وجه لنية التقرب منه، و تجويز الوكالة في إيتاء الزكاة المشتمل على النية لا يستلزم جوازها على مجرد الفعل بحيث يكون فعلا للموكل حتى ينوى التقرب به كما ان صحة النيابة في الصلاة و الصوم و الحج المشتملة على النية لا يستلزم صحتها على مجرد فعلها بحيث يأتي النائب بالحج مثلا عن الحي العاجز عنه و ينوى المنوب عنه التقرب به مقارنا لفعله، و أورد عليه في الجواهر بادعاء وضوح فساده بعد معلومية كون المراد من الإيتاء مجرد الوصول كيف ما كان و معلومية تناول إطلاق الوكالة ذلك قال (قده): فلا اشكال من هذه الجهة.

(أقول): ينبغي التفصيل فيما ذكره بين الوكيل المفوض إليه الإيصال الذي هو محل الكلام في هذه الصورة، و بين الوكيل في مجرد الإيصال الذي هو‌