كتاب الشهادات

- السيد محمد رضا الگلپايگاني المزيد...
461 /
55

انه من دان بدين قوم لزمته أحكامهم» (1).

و عن علي بن جعفر «أنه سأل أخاه موسى بن جعفر (عليه السلام) عن يهودي أو نصراني طلّق تطليقة ثم أسلم هو و امرأته ما حالهما؟ قال: ينكحها نكاحا جديدا. قلت: فان طلّقها بعد إسلامه تطليقة أو تطليقتين هل تعتد بما كان طلّقها قبل إسلامها؟ قال: لا تعتد بذلك» (2).

فالحاصل عدم اختصاص المطلب بالعامة.

و على هذا فان اختص الإلزام بموارد الاخبار فهو، و ان كان مفادها هو القبول مطلقا تم الاستدلال بالقاعدة في محل الكلام، لكن حديث معاذ بن جبل صالح للاستدلال بمفهومه على القبول في أهل دينهم، الّا أنّه لا يخلو من كلام كما تقدّم.

ثم ان معنى الإلزام، هو جعل هذا الطلاق- مثلا- صحيحا بالنسبة إلى المسلمين، فيجوز للمسلم نكاح هذه المرأة من باب الإلزام، و هذا شي‌ء يستبعده الذهن، لان المفروض كونها زوجة له لان لكل قوم نكاحا، و الطلاق يشترط فيه عند المسلمين شروط هي مفقودة بحسب الفرض، فكيف يكون الطلاق الباطل مجوّزا لنكاح المسلم تلك المرأة؟

فقيل: ان هذا نظير تصرّف ذي الخيار في مورد الخيار، ففي الان الذي يعقد عليها المؤمن تكون مطلقة طلاقا صحيحا من زوجها فيصحّ له نكاحها، و أما قبل ذلك فهي باقية على الزوجية للمطلّق، نظير تصرّف ذي الخيار حيث يكون الشي‌ء في ذلك الوقت ملكا له.

____________

(1) وسائل الشيعة 15- 322.

(2) وسائل الشيعة 15- 399.

56

لكن هذا يخالف الرواية التي جاء فيها انه: «ذكر عند الرضا (عليه السلام) بعض العلويين ممن كان ينتقصه. فقال (عليه السلام): أما انه مقيم على حرام.

قلت: جعلت فداك و كيف و هي امرأته؟ قال (عليه السلام): لانه قد طلّقها. قلت:

كيف طلّقها؟ قال: طلّقها و ذاك دينه فحرمت عليه» (1).

أقول: و الأمر بالنسبة إلى الكفار أسهل، لأنهم إذا عملوا بشرائط الذمة يعاملون في أعمالهم معاملة الصحة سواء كان طلاقا أو غيره، فيكون نظير النجاسة في ثوب المصلي حيث ان العلم بها موجب لبطلان الصلاة و الا فهي صحيحة و ان كانت على ثوبه. و هنا لمّا لم يكن المطلق عالما باشتراط العدلين مثلا يكون طلاقه صحيحا و يترتب عليه الأثر.

هذا و بناء على عدم قبول شهادتهم على أمثالهم فهل تقبل لأمثالهم؟ قال العلّامة في المختلف. لا. و الشيخ يقول: نعم. و في المستند: و ظهر مما ذكرنا انه لم يخرج من الأصل إلّا صورة واحدة و هي شهادة أهل كل ملة على أهل ملته خاصة. و هل يقبل له؟ الظاهر: لا للأصل. إلا إذا كانت عليه أيضا فتسمع لانّ قبول الشهادة عليه بالدليل و عدم قبولها له بالأصل، و الدليل مقدم على الأصل».

قلت: الأظهر: ان «على» في أخبار الباب و في قوله تعالى «وَ كَذٰلِكَ جَعَلْنٰاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدٰاءَ عَلَى النّٰاسِ.» ليس بمعنى «الضرر» حتى لا تقبل في غيره. مع أن في كل مورد يوجد «عليه» يوجد «له» لان المفروض كون الطرفين من أهل ملة واحدة. اللهم الا ان لا يكون طرف آخر، كما لو كان قد أوصى بصرف كذا من ماله على المعبد مثلا، لكنه قليل.

نعم لو شك في القبول فالأصل عدمه كما لا يخفى.

____________

(1) التهذيب 2- 210، الاستبصار 3- 291.

57

الوصف الرابع: العدالة

قال المحقق: (الرابع: العدالة. إذ لا طمأنينة مع التظاهر بالفسق).

أقول: التعليل بعدم الطمأنينة بشهادة الفاسق ربما يفيد قبول شهادة الفاسق مع إفادة الطمأنينة، و أيضا: ربما يفيد قوله: مع التظاهر بالفسق قبول الشهادة من الفاسق غير المتظاهر بالفسق.

لكن الالتزام بالأمرين مشكل.

فالصحيح الاستدلال بالكتاب و السنّة و الإجماع في كلمات غير واحد من الأصحاب على اعتبار وصف العدالة [1] في الشاهد، و عدم قبول شهادة الفاسق.

أما الكتاب فقد استدل بآيات منه، كقوله تعالى «وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ» (1) و قوله تعالى في الوصية «اثْنٰانِ ذَوٰا عَدْلٍ مِنْكُمْ» (2) فان اعتبار العدالة في الشاهد على الوصية يقتضي اعتبارها في غيرها بالأولوية، و قوله تعالى:

____________

[1] ذكر السيد الأستاذ في تعليقته على العروة و على الوسيلة ان العدالة نفس الاجتناب عن الكبائر الناشئ عن الحالة النفسانية المعبّر عنها بالملكة و ان حسن الظاهر كاشف عن وجودها.

و قد استظهر دام ظله هذا الذي اختاره من صحيحة عبد اللّه بن أبي يعفور المذكورة في المتن، حيث تكلم بعض الشي‌ء في شرح العدالة، و تعرض للأقوال المذكورة فيها. و لعلنا ننشر ذلك في رسالة مستقلة بإذن اللّه.

____________

(1) سورة الطلاق: 2.

(2) سورة المائدة: 106.

58

«مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدٰاءِ» (1).

و أما السنة فبالاخبار الكثيرة الواردة في الأبواب المختلفة، كالوارد في شهادة المملوك: «لا بأس بشهادة المملوك إذا كان عدلا» و في شهادة المكاري و الجمال و الملاح: «ما بأس بهم، تقبل شهادتهم إذا كانوا صلحاء» و في شهادة الضيف: «لا بأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفا صائنا» الى غير ذلك.

و من أشهر الأخبار في مسألة العدالة و تعريفها و اعتبارها في الشهادات صحيحة عبد اللّه بن أبي يعفور قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): بم تعرف عدالة الرجل بين المسلمين حتى تقبل شهادته لهم و عليهم؟ قال: أن تعرفوه بالستر و العفاف و كف البطن و الفرج و اليد و اللسان، و يعرف باجتناب الكبائر التي أوعد اللّه عليها النار، من شرب الخمر و الزنا و الربا و عقوق الوالدين و الفرار من الزحف و غير ذلك. و الدلالة على ذلك كله: أن يكون ساترا لجميع عيوبه حتى يحرم على المسلمين ما وراء ذلك من عثراته و عيوبه و تفتيش ما وراء ذلك. و يجب عليهم تزكيته و إظهار عدالته بين الناس، و يكون منه التعاهد للصلوات الخمس إذا واظب عليهن، و حفظ مواقيتهن بحضور جماعة من المسلمين، و أن لا يختلف عن جماعتهم في مصلاهم الا من علة، فإذا كان كذلك لازما لمصلاه عند حضور الصلوات الخمس.

فإذا سئل عنه في قبيلته و محلته قالوا: ما رأينا منه إلا خيرا، مواظبا على الصلوات، متعاهدا لأوقاتها في مصلاه، فان ذلك يجيز شهادته و عدالته بين المسلمين، و ذلك أن الصلاة ستر و كفارة للذنوب، و ليس يمكن الشهادة على الرجل بأنه يصلى إذا كان لا يحضر مصلاه، و يتعاهد جماعة المسلمين، و انما جعل الجماعة و الاجتماع إلى الصلاة لكي يعرف من يصلي ممن لا يصلي، و من يحفظ مواقيت الصلاة‌

____________

(1) سورة البقرة: 282.

59

ممن يضيع، و لو لا ذلك لم يمكن لأحد أن يشهد على آخر بصلاح، لان من لا يصلي لا صلاح له بين المسلمين، فان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) هم بأن يحرق قوما في منازلهم، لتركهم الحضور لجماعة المسلمين، و قد كان فيهم من يصلي في بيته فلم يقبل منه ذلك، و كيف يقبل شهادة أو عدالة بين المسلمين ممن جرى الحكم من اللّه عز و جل و من رسوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) فيه الحرق في جوف بيته بالنار، و قد كان يقول: لا صلاة لمن لا يصلي في المسجد مع المسلمين الا من علة» (1).

إنما الكلام في ما يزيل العدالة و ما لا يزيلها:

قال المحقق (قدس سره): (و لا ريب في زوالها بمواقعة الكبائر، كالقتل و الزنا و اللواط و غصب الأموال المعصومة).

جهات البحث في المقام

أقول: هنا جهات من البحث:

فالأولى: هل المعاصي منقسمة في الشرع إلى كبائر و صغائر؟

لا مجال لإنكار أن طائفة من المعاصي كبائر، و يدل على ذلك من الكتاب قوله تعالى «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ» (2). و الآية الكريمة «مٰا لِهٰذَا الْكِتٰابِ لٰا يُغٰادِرُ صَغِيرَةً وَ لٰا كَبِيرَةً إِلّٰا أَحْصٰاهٰا» (3). و من السنة أخبار كثيرة يأتي بعضها.

و الثانية:

في معنى الآية الاولى من الآيتين المذكورتين، فان ظاهرها‌

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 288 الباب 41 شهادات.

(2) سورة النساء: 31.

(3) سورة الكهف: 49.

60

التكفير للصغيرة باجتناب الكبيرة حتى مع عدم التوبة، و هذا يوجب الجرأة على المعصية، إذ الإنسان يتعمد- غالبا- المعصية إن أمن العذاب، مع أن اللّه عز و جل لا يأذن بالمعصية بالضرورة.

كما أن ما ورد عنهم (عليهم السلام) من أنه «لا صغيرة مع الإصرار كما لا كبيرة مع الاستغفار» (1) ظاهر في عدم المؤاخذة على الصغيرة التي لا يكون معها إصرار (2).

قال المحدث الكاشاني بتفسير الآية: «و في المجمع نسب إلى أصحابنا أن المعاصي كلها كبيرة، لكن بعضها أكبر من بعض، و ليس في الذنوب صغيرة، و انما يكون صغيرا بالإضافة الى ما هو أكبر و استحقاق العقاب عليه أكثر.

قيل: و توفيقه مع الآية أن يقال: من عن له أمران و دعت نفسه إليهما بحيث لا يتمالك، فكفها عن أكبرهما، كفر عنه ما ارتكبه، لما استحق عليه من الثواب على اجتناب الأكبر، كما إذا تيسر له النظر بشهوة و التقبيل، فاكتفى بالنظر عن التقبيل. و لعل هذا مما يتفاوت أيضا باعتبار الأشخاص و الأحوال، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين، و يؤاخذ المختار بما يعفى عن المضطرين.

أقول: ظاهر الآية و الاخبار الواردة في تفسيرها و تفسير الكبائر يعطي تمايز كل من الصغائر و الكبار عن صاحبتها، كما لا يخفى على من تأمل فيهما، و ما نسبه في المجمع إلى أصحابنا لا مستند له، و قول الموفق يعطي أن من قدر على قتال أحد فقطع أطرافه كان قطع أطرافه مكفرا، و هو كما ترى، فلا بد لكلامه‌

____________

(1) وسائل الشيعة 11- 268 الباب 48. جهاد النفس.

(2) و اليه ذهب جمع من علمائنا كالبهائى و المجلسي و صاحب الجواهر قدست أسرارهم.

61

و كلام الأصحاب من توجيه حتى يوافقا الظواهر» (1).

و في الميزان بعد أن نفى الريب في دلالة الآية على انقسام المعاصي إلى كبائر و صغائر، و أن الصغائر سميت في الآية بالسيئات، و أن الآية في مقام الامتنان جعل مساق الآية مساق الآية الداعية إلى التوبة التي بعد غفران الذنوب، قال:

«هي تقرع إسماع المؤمنين بعناية لطيفة إلهية انهم ان اجتنبوا البعض من المعاصي كفر عنهم البعض الأخر، فليس إغراء على ارتكاب المعاصي الصغار، فان ذلك لا معنى له، لأن الآية تدعو الى ترك الكبائر بلا شك، و ارتكاب الصغيرة من جهة أنها صغيرة لا يعبأ بها و يتهاون في أمرها، يعود مصداقا من مصاديق الطغيان و الاستهانة بأمر اللّه سبحانه، و هذا من أكبر الكبائر، بل الآية تعد تكفير السيئات من جهة أنها سيئات لا يخلو الإنسان المخلوق على الضعف المبني على الجهالة من ارتكابها بغلبة الجهل و الهوى عليه» (2).

قلت: ان الألطاف الإلهية بالنسبة إلى المؤمنين في باب العفو و المغفرة تتجلّى في التوبة، و في الشفاعة، و في إذهاب الحسنات للسيّئات، و في غفران اللّه سبحانه الذنوب لمن يشاء الّا الشرك به عز و جل. لكن جعل مساق الآية الكريمة «إِنْ تَجْتَنِبُوا.» مساق ما يدل على التوبة خلاف الظاهر، للفرق بين التوبة و مدلول الآية، لأن سد باب التوبة يوجب اليأس و القنوط من رحمة اللّه، و الإنسان إذا يئس توغل في المعاصي و أفرط في المخالفة بخلاف فتح هذا الباب. فإنه لا يسبب ذلك، أما مدلول الآية الشريفة فظاهره الوعد بتكفير الصغائر و عدم المؤاخذة عليها دائما بشرط اجتناب الكبائر.

فالجواب المذكور غير مقنع، و تفصيل الكلام في بيان معنى الآية الكريمة‌

____________

(1) الصافي في تفسير القرآن 1- 412.

(2) الميزان في تفسير القرآن 4- 345.

62

بحيث يساعده ظاهرها و ينطبق على سائر الأدلة له مجال آخر.

و الثالثة لو اشتبهت عليه المعصية فلم يعلم هل هي كبيرة أو صغيرة فان مقتضى حكم العقل الاجتناب عنها،

لانّ العقل يحكم بلزوم معاملة كلّ معصية معاملة الكبيرة المؤاخذ عليها حتى لا يقع في المعصية الكبيرة في الواقع و ذلك لان البيان الشرعي على وجوب اجتناب الكبائر واصل، و العقل يرشد إلى الإطاعة و الامتثال، فإذا خالف استحق العقاب، لعدم كونه من العقاب بلا بيان.

و هل يسقط عن العدالة بارتكاب المشكوك في كونها معصية كبيرة؟

ظاهر الآية «إِنْ تَجْتَنِبُوا.» وجوب ترك ذات المعصية الكبيرة لا الترك بعنوان الكبيرة. و لكن إذا كانت العدالة هي الملكة، فان الملكة تمنع من ارتكاب الكبيرة المعلوم كونها كبيرة، و على هذا فارتكاب المحتمل كونها كبيرة لا يضرّ بالعدالة.

الرابعة: ان تشخيص الكبيرة من غيرها لا يكون إلّا بالأدلة من الكتاب و السنة المعتبرة،

إذ لا سبيل لعقولنا الى ذلك، لجهلنا بملاكات الاحكام و درجات القبح في المحرّمات. و قد اختلف علماؤنا في معنى «الكبيرة» على أقوال، و ذكر الشيخ الأنصاري خمسة أمور يثبت بها كون المعصية كبيرة، لكن قال في الكفاية: «و الأشهر الأقوى أنّ الكبيرة كل ذنب توعد عليه بالوعيد في الكتاب المجيد، و في حصره خلاف».

قلت: قد عقد في الوسائل بابا لتعيين الكبائر التي يجب اجتنابها، و وردت الضابطة المذكورة في بعض تلك الاخبار، و اشتمل بعضها على الاستشهاد بآيات الكتاب، و لنذكر واحدا منها تيمّنا:

عن عبد العظيم الحسني عن أبي جعفر الثاني عن أبيه عن جده عليهم‌

63

السلام قال: «دخل عمرو بن عبيد على أبي عبد اللّه (عليه السلام)، فلمّا سلّم و جلس تلا هذه الآية الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبٰائِرَ الْإِثْمِ وَ الْفَوٰاحِشَ. ثم أمسك. فقال له أبو عبد اللّه (عليه السلام): ما أسكتك؟ قال: أحب أن أعرف الكبائر من كتاب اللّه عز و جل. فقال: نعم يا عمرو، أكبر الكبائر الإشراك باللّه، يقول اللّه مَنْ يُشْرِكْ بِاللّٰهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّٰهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ. و بعده اليأس من روح اللّه، لان اللّه عز و جل يقول إِنَّهُ لٰا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللّٰهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكٰافِرُونَ. ثم الأمن من مكر اللّه لان اللّه عز و جل يقول فَلٰا يَأْمَنُ مَكْرَ اللّٰهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخٰاسِرُونَ. و منها عقوق الوالدين، لان اللّه سبحانه جعل العاق جبارا شقيا. و قتل النفس التي حرم اللّه الّا بالحق، لان اللّه عز و جل يقول فَجَزٰاؤُهُ جَهَنَّمُ خٰالِداً فِيهٰا الى آخر الآية.

و قذف المحصنة لأن اللّه عز و جل يقول لُعِنُوا فِي الدُّنْيٰا وَ الْآخِرَةِ وَ لَهُمْ عَذٰابٌ عَظِيمٌ. و أكل مال اليتيم لان اللّه عز و جل يقول إِنَّمٰا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نٰاراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً، و الفرار من الزحف، لان اللّه عز و جل يقول وَ مَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلّٰا مُتَحَرِّفاً لِقِتٰالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلىٰ فِئَةٍ فَقَدْ بٰاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللّٰهِ وَ مَأْوٰاهُ جَهَنَّمُ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ. و أكل الربا لان اللّه عز و جل يقول الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبٰا لٰا يَقُومُونَ إِلّٰا كَمٰا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطٰانُ مِنَ الْمَسِّ. و السحر لان اللّه عز و جل يقول وَ لَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرٰاهُ مٰا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلٰاقٍ. و الزنا لان اللّه عز و جل يقول وَ مَنْ يَفْعَلْ ذٰلِكَ يَلْقَ أَثٰاماً يُضٰاعَفْ لَهُ الْعَذٰابُ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ وَ يَخْلُدْ فِيهِ مُهٰاناً. و اليمين الغموس الفاجرة لأن اللّه عز و جل يقول إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللّٰهِ وَ أَيْمٰانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلًا أُولٰئِكَ لٰا خَلٰاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ. و الغلول لان اللّه عز و جل يقول وَ مَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمٰا غَلَّ يَوْمَ الْقِيٰامَةِ و منع الزكاة المفروضة لأن اللّه عز و جل يقول فَتُكْوىٰ بِهٰا جِبٰاهُهُمْ وَ جُنُوبُهُمْ وَ ظُهُورُهُمْ.

و شهادة الزور و كتمان الشهادة لأن اللّه عز و جل يقول وَ مَنْ يَكْتُمْهٰا فَإِنَّهُ

64

آثِمٌ قَلْبُهُ.

و شرب الخمر لان اللّه عز و جل نهى عنها كما نهى عن عبادة الأوثان.

و ترك الصلاة متعمدا أو شيئا مما فرض اللّه عز و جل، لان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) قال: من ترك الصلاة متعمدا فقد بري‌ء من ذمة اللّه و ذمة رسوله. و نقض العهد و قطيعة الرحم لان اللّه عز و جل يقول لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَ لَهُمْ سُوءُ الدّٰارِ.

قال: فخرج عمرو و له صراخ من بكائه و هو يقول: هلك من قال برأيه، و نازعكم في الفضل و العلم» (1).

فالكبيرة كل ذنب توعد عليه في الكتاب أو عدّ من الكبائر في السنة.

الإصرار على الصغائر كبيرة

قال المحقق (قدس سره): (و كذا بمواقعة الصغائر مع الإصرار أو في الأغلب).

أقول: ظاهر الآية الشريفة إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ» عدم زوال العدالة بمواقعة الصغائر مطلقا، لكن يدلّ على ذلك عدة من الاخبار:

1- في كتاب التوحيد عن محمد بن أبي عمير قال: «سمعت موسى بن جعفر (عليه السلام) يقول: من اجتنب الكبائر من المؤمنين لم يسئل عن الصغائر قال اللّه تعالى إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ وَ نُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيماً. قال قلت: فالشفاعة لمن تجب؟ فقال: حدثني أبي عن آبائه عن علي (عليهم السلام) قال قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): إنما شفاعتي‌

____________

(1) وسائل الشيعة 11- 252 الباب 46 جهاد النفس. صحيح.

65

لأهل الكبائر من أمتي فأما المحسنون فما عليهم من سبيل.

قال ابن أبي عمير فقلت له: يا ابن رسول اللّه، فكيف تكون الشفاعة لأهل الكبائر، و اللّه تعالى يقول وَ لٰا يَشْفَعُونَ إِلّٰا لِمَنِ ارْتَضىٰ، و من يرتكب الكبائر لا يكون مرتضى؟ فقال: يا أبا أحمد ما من مؤمن يذنب ذنبا الّا ساءه ذلك و ندم عليه، و قد قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) كفى بالندم توبة. و قال:

من سرّته حسنته و ساءته سيئته فهو مؤمن، فمن لم يندم على ذنب يرتكبه فليس بمؤمن و لم تجب له الشفاعة (الى أن قال) قال النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): لا كبير مع الاستغفار و لا صغير مع الإصرار. الحديث» (1).

2- بصير: «قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «لا و اللّه لا يقبل اللّه شيئا من طاعته على الإصرار على شي‌ء من معاصيه» (2).

3- السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) من علامات الشقاء: جمود العين، و قسوة القلب، و شدة الحرص في طلب الدنيا، و الإصرار على الذنب» (3).

4- جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) «في قول اللّه عز و جل وَ لَمْ يُصِرُّوا عَلىٰ مٰا فَعَلُوا وَ هُمْ يَعْلَمُونَ. قال: الإصرار أن يذنب الذنب فلا يستغفر اللّه و لا يحدث نفسه بالتوبة فذلك الإصرار» (4).

____________

(1) وسائل الشيعة 11- 266 الباب 47 جهاد النفس صحيح.

(2) وسائل الشيعة 11- 268 الباب 48 جهاد النفس صحيح.

(3) وسائل الشيعة 11- 268 الباب 48 جهاد النفس.

(4) وسائل الشيعة 11- 268 الباب 48 جهاد النفس. فيه. «عمرو بن شمر» و هو ضعيف.

66

5- عبد اللّه بن إبراهيم الجعفري عن جعفر بن محمد عن أبيه (عليهما السلام) «قال قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): من أذنب ذنبا و هو ضاحك دخل النار و هو باكي» (1).

هذا و اختلفت تعبيرات القوم في معنى «الإصرار» فقيل: إنه الإكثار من فعل الصغيرة سواء كانت من نوع واحد أو أنواع مختلفة، و قيل: انه المداومة على فعل واحد من الصغائر، و قيل: يحصل بكل منهما [1]. و قد ضعف في الجواهر القول بأنه عدم التوبة لكون ما يدل عليه و هو خبر جابر المذكور ضعيف السند، على أن الصغيرة تقع مكفرة لا تحتاج إلى توبة، قال: بل لعله مخالف لكلام أهل اللغة.

____________

[1] ذكر في المحجة البيضاء و جامع السعادات ما ملخصه: ان الصغيرة قد تكبر بأسباب:

1- الإصرار و المواظبة. و لذلك قال الصادق (عليه السلام): لا صغيرة مع الإصرار و لا كبيرة مع الاستغفار».

2- استصغار الذنب و عدم استعظامه. قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): اتقوا المحقرات من الذنوب فإنها لا تغفر.» و قال أمير المؤمنين (عليه السلام): أشد الذنوب ما استخف به صاحبه.

3- أن يأتي الصغائر و لا يبالي بفعلها، اغترارا بحلم اللّه و ستره.

4- السرور بالصغيرة، قال أمير المؤمنين (عليه السلام): «سيئة تسؤك خير من حسنة تعجبك».

5- أن يذنب و يظهر ذنبه، بأن يذكره بعد إتيانه، أو يأتي به في مشهد غيره.

6- ان يكون الاتي بالصغيرة عالما يقتدي به الناس.

____________

(1) وسائل الشيعة 11- 268 الباب 48. جهاد النفس.

67

و لو ارتكب الصغيرة عازما على فعلها مرة أخرى أو عزم على إيقاع الصغائر و لم يفعل بعد فهل تزول عدالته؟ قال في الجواهر: الظاهر عدم إحراز وصف العدالة معه لاحتمال صدق «الإصرار» و حينئذ لا تقبل شهادته، لاعتبار وجود وصف العدالة في الشاهد، و هذا يكون بناء على عدم وجوب التوبة، و أما على وجوبها فان العازم على المعاودة على المعصية تارك للواجب و ترك المواجب معصية كبيرة، بل ان الإكثار من الارتكاب و التوبة لا يبعد ان يكون إصرارا على المعصية.

و أما بناء على عدم وجوب التوبة فإن العزم على المعصية ليس معصية و المفروض عدم المواقعة ثانية بعد، فلا وجه للتوقف في قبول شهادته، اللهم الا أن يكون ترك التوبة «إصرارا» كما يفيده خبر جابر عن الباقر (عليه السلام). لكن قد عرفت تضعيفه إياه.

هذا كله في الصغيرة على الحال الذي عرفت.

قال المحقق: (أما لو كان في الندرة، فقد قيل: لا يقدح لعدم الانفكاك منها الا في ما يقل، فاشتراطه التزام للأشق، و قيل: يقدح لإمكان التدارك بالاستغفار، و الأول أشبه).

أقول: نسب القول الأول إلى المشهور و اختاره المحقق، و جعله صاحب الجواهر أشبه بأصول المذهب و قواعده، و القول الثاني الى ابن إدريس.

و قد استدل المحقق للأول بأن الإنسان لا ينفك من مواقعة الصغيرة فاشتراطه التزام للأشق، إذ تتوقف شئون الناس و أمورهم المعتبر فيها العدالة، فيقعون في الحرج، و هو منفي في الشرع لقوله تعالى «مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ» أو يقع الشخص غير المنفك نفسه في حرج، و لكن النهي عن المواقعة يكشف عن عدم كون الترك حرجيا.

68

قلت: أي مشقة في ترك الصغائر؟ فإن كل مؤمن متشرع ملتفت إلى الأحكام يمكنه الترك بلا عسر و لا حرج، فما ذكره غير واضح عندنا.

نعم الدليل ما ذكره في الجواهر من أن الصغيرة بلا إصرار مكفرة باجتناب الكبائر، فلا حاجة حينئذ إلى التوبة، و به يتضح الجواب عن دليل القول الثاني.

قال المحقق: (و ربما توهم و أهم أن الصغائر لا تطلق على الذنب الا مع الإحباط، و هذا بالاعراض عنه حقيق فإن إطلاقها بالنسبة، و لكل فريق اصطلاح)

أقول: قد أشرنا إلى انقسام المعاصي إلى كبائر و صغائر، كما دلت عليه الايات و الاخبار، و أن الأشهر هو القول بأن الكبيرة ما أوعد اللّه عليه النار، و تقابلها الصغيرة. و ذهب جماعة الى أن الذنوب كلها كبيرة، الا أن بعضها أكبر من بعض، و ليس في الذنوب صغيرة، و انما يكون صغيرا بالإضافة الى ما هو أكبر.

و أشار هنا الى أن من الأصحاب من قال بأن الصغائر لا يطلق على الذنوب الا على مذهب القائلين بالإحباط، قال: و هذا و هم، لأن الكبائر قد اعتبرها من قال بالإحباط، و من أبطله و هم الإمامية، كما عرفت [1].

____________

[1] قال الشيخ المفيد: «لا تحابط بين المعاصي و الطاعات، و لا الثواب و العقاب» و في التجريد: «الإحباط باطل لاستلزامه الظلم، و لقوله تعالى:

«فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقٰالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ

.» قال العلّامة في شرحه: «اختلف الناس هنا فقال جماعة من المعتزلة بالإحباط و التكفير، و معناهما أن المكلف يسقط ثوابه المتقدم بالمعصية المتأخرة، أو يكفر ذنوبه المتقدمة بالطاعة المتأخرة و نفاهما المحققون ثم القائلون بهما اختلفوا، فقال أبو علي: ان المتأخر يسقط المتقدم و يبقى على حاله. و قال أبو هاشم: أنه ينتفي الأقل بالأكثر، و ينتفي من الأكثر بالأقل ما ساواه

69

قال في المسالك: على أن القائل بالإحباط يعتبر الأكثر من الطاعة و المعصية فيثبته أجمع، أو يثبت ما زاد عن مقابله من أي نوع كان من أنواع المعاصي، فربما كانت المعصية المخصوصة على هذا مما يحبط عن شخص أو يبقى على آخر بالنظر الى ما يقابلها من الطاعة، فلا يتحقق الصغيرة في نوع من أنواع المعاصي. و من ثم أطلق على هذا الفهم الوهم، و جعله حقيقا بالاعراض عنه.

ثم على تقدير إطلاق القائلين بالإحباط لفظة «الصغيرة» على ما يمحى بالذنوب، فهو اصطلاح لهم، و إطلاقها عند الفقهاء على ما ذكرنا- بحسب ما يدل عليه الكتاب و السنة- اصطلاح آخر، و لكل فريق اصطلاح.

هل يقدح ترك المندوبات؟

قال: (و لا يقدح في العدالة ترك المندوبات و لو أصر مضربا عن الجميع ما لم يبلغ حدا يؤذن بالتهاون بالسنن).

أقول: ظاهر العبارة كفاية إتيان بعض المندوبات، لكن في المسالك: «لو‌

____________

و يبقى الزائد مستحقا و هذا هو الموازنة.

و يدل على بطلان الإحباط انه يستلزم الظلم، لان من أساء و أطاع، و كانت إساءته أكثر يكون بمنزلة من لم يحسن، و ان كان إحسانه أكثر يكون بمنزلة من لم يسي‌ء، و ان تساويا يكون مساويا لمن يصدر عنه أحدهما. و ليس كذلك عند العقلاء. و لقوله تعالى

فَمَنْ يَعْمَلْ

. و الإيفاء بوعده و وعيده واجب».

ثم ذكر دليل بطلان الموازنة.

و في مجمع البحرين: «لو قيل ببطلان الإحباط و الموازنة، و القول بالتكفير من باب العفو و التفضل لم يكن بعيدا، و ظاهر الأدلة تؤيده».

70

اعتاد ترك صنف منها كالجماعة و النوافل و نحو ذلك فترك الجميع، لاشتراكهما في العلة المقتضية لذلك، نعم لو تركها أحيانا لم يضر».

لكن الانصاف- وفاقا للجواهر- عدم خلوه من البحث ان لم يكن إجماعا، ضرورة عدم المعصية في ترك جميع المندوبات، أو فعل جميع المكروهات من حيث الاذن فيهما فضلا عن ترك صنف منهما، و لو للتكاسل و التثاقل منه.

و احتمال كون المراد بالتهاون الاستخفاف فيه، يدفعه أن ذلك من الكفر و العصيان، و لا يعبر عنه ببلوغ الترك حد التهاون كما هو واضح.

هل تعتبر المروة؟

بقي شي‌ء: و هو أن المحقق (قدس سره) لم يتعرّض للمروة، فهل هي جزء من العدالة أو شرط في قبول الشهادة أو لا؟

قال في الجواهر: كأن المحقق لم يجعل ترك المروة قادحا في العدالة أو يتوقف في ذلك، و هو قول محكي عن بعض العلماء، من حيث ان منافيها مناف للعادة لا الشرع.

و المحكي عن الأشهر اعتبارها في الشهادة، فالمشهور على أنها شطر من العدالة، و قيل هي خارجة عنها لكنها شرط في قبول الشهادة كالعدالة، و قد أغرب العلّامة في القواعد حيث جمع بين الأمرين، فجعلها جزء من العدالة ثم جعلها شرطا آخر كالعدالة لقبول الشهادة.

هذا بالنسبة إلى الأقوال [1]. و أما معنى المروة، ففي اللغة: الإنسانية أو‌

____________

[1] كما في الجواهر. و في رسالة الشيخ الأعظم: المشهور بين من تأخر

71

الرجولية، و المراد بلوغ حد الكمال فيهما، و في الاصطلاح- كما في كشف اللثام- هيئة نفسانية تحمل الإنسان على الوقوف عند محاسن الأخلاق و جميل الافعال و العادات.

و في المسالك: في ضبط المروة عبارات متقاربة. فذكر جملة من تلك العبارات. و مختاره: عدم قبول شهادة من لا مروة له، و سنذكر دليله و النظر فيه.

و في الجواهر: لا إشكال في ردّ الشهادة بمنافيها إذا رجع الى محرم أو خبل، لمنافاة الأول للتقوى، و الثاني لكمال العقل. و أما ما لا يرجع الى ذلك فقد يشكل اعتباره في الشهادة أو العدالة بإطلاق الأدلة. ثم انه استدل للاعتبار بوجوه:

الأول فتوى المعظم: لكن فتوى المشهور ليس بمستند إلا إذا حصل الاطمئنان بها بالدليل الشرعي من جهة أن معظم الأصحاب لا يفتون بشي‌ء إلا بدليل‌

____________

عن العلّامة اعتبار المروة في مفهوم العدالة، و هو الذي يلوح من عبارة المبسوط أما كلام غير الشيخ ممن تقدم على العلّامة فلا دلالة فيه بل و لا اشعار على ذلك. و ممن لم يعتبر المروة في العدالة: المحقق في الشرائع و النافع، و تبعه العلّامة في الإرشاد و ولده في موضع من الإيضاح، و هو ظاهر الشهيد في النكت.

قال الشيخ: و الحاصل انه لو ادعى المتتبع أن المشهور بين من تقدم على العلّامة عدم اعتبار المروة في العدالة، خصوصا في غير الشاهد لم يستبعد ذلك منه، لما عرفت من كلمات من عدا الشيخ. و أما الشيخ فالعدالة المذكورة في كلامه لا تنطبق على ما ذكره المتأخرون.

قال: و ينبغي الجزم بعدم اعتبارها في العدالة المعتبرة في الإمام.

72

معتمد.

الثاني: فحوى ما ورد في رد شهادة السائل بكفه.

قلت: من ذلك ما رواه علي بن جعفر عن أخيه أبي الحسن موسى (عليهما السلام) «قال: سألته عن السائل الذي يسأل بكفه، هل تقبل شهادته؟ فقال:

كان أبي لا يقبل شهادته إذا سأل في كفه».

و ما رواه الشيخ بإسناده عن أحمد بن محمد بن خالد عن محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): «قال قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «شهادة السائل الذي يسأل في كفه لا تقبل.».

و ما رواه علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: «سألته عن السائل بكفه، أ تجوز شهادته؟ فقال: كان أبي يقول: لا تقبل شهادة السائل بكفه».

و ما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «رد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) شهادة السائل الذي يسأل في كفه، قال أبو جعفر (عليه السلام) لانه لا يؤمن على الشهادة، و ذلك لأنه أن أعطي رضي و ان منع سخط».

فالسؤال بالكف ينافي المروة (و قد استثنى بعضهم سؤال مستحق الخمس أو الزكاة ممن يجب عليه ذلك) لان السخط على من لا يحسن- لا جل عدم الإحسان- معصية، و لا أقل من أن يسلب السؤال بالكف الاطمئنان و الوثوق بكلامه و شهادته، لان من لا يحفظ كرامته أمام الناس لشي‌ء يعطى أو يمنع فإنه لا يحفظ اعراض الآخرين و كرامتهم بالأولوية. هذا وجه الاستدلال.

و فيه: ان الحكمة التي ذكرها الامام (عليه السلام) في صحيحة محمد بن مسلم تفيد أن السائل بكفه لا ينفك غالبا عن المعصية سواء رضي أو سخط كما نشاهد في مجتمعنا بالعيان، فالسؤال بالكف ينافي العدالة، و حينئذ لا مجال للأولوية حتى يكون فحوى هذه الاخبار دليلا على اعتبار المروة، و القول‌

73

بسقوط شهادة من يجتنب الكبائر و يأتي بالواجبات لكنه يقوم ببعض المنافيات للمروة أحيانا.

و مما ذكرنا ينقدح عدم الوجه لاندراجه في الظنين، و هو الوجه:

الثالث: و هو ما ذكره بقوله: و لعل منه ينقدح اندراجه في الظنين الذي استفاضت النصوص في ردّ شهادته، منها: خبر ابن سنان: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما يرد من الشهود؟ قال فقال: الظنين و المتهم.

قال: قلت: فالفاسق و الخائن؟ قال: ذلك يدخل في الظنين».

و منها: خبر سليمان بن خالد قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) و ذكر مثله الا انه قال: «الظنين و الخصم».

و منها: خبر أبي بصير قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)، و ذكر مثله الا انه قال: الظنين و المتهم و الخصم».

و منها: خبر الحلبي قال: «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عما يرد من الشهود فقال: الظنين و المتهم و الخصم. قال قلت: فالفاسق و الخائن؟ فقال: هذا يدخل في الظنين».

و منها: خبر محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) «قال قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): لم تجز شهادة الصبي و لا خصم و لا متهم و لا ظنين».

لظهور تلك الاخبار في عدم انفكاك السائل بكفه عن المعصية المسقطة للعدالة و الموجبة لرد الشهادة، فلا يندرج تحت عنوان «الظنين».

الرابع: قول الكاظم (عليه السلام): «لا دين لمن لا مروة له، و لا مروة لمن لا عقل له» (1).

____________

(1) الكافي 1- 19.

74

و فيه ما ذكره صاحب الجواهر، ضرورة ارادة الكمال الزائد على وصف العدالة منه، فيكون نظير «لا صلاة لجار المسجد إلا في المسجد».

الخامس: ما قيل من انه يشعر به ما في بعض النصوص: «من عامل الناس فلم يظلمهم، و حدثهم فلم يكذبهم، و وعدهم فلم يخلفهم، فهو ممن كملت مروته، و وجبت اخوته، و حرمت غيبته» (1).

و فيه: ان الظلم و الكذب محرمان يخلان بأصل العدالة، و كذا خلف الوعد بناء على كونه من الكذب، اذن ليس المراد من المروة في الخبر ما ذكروه في معناها لغة و اصطلاحا.

السادس: ان فاقد المروة غير مرضي الشهادة عرفا فلا يدخل في قوله تعالى «مِمَّنْ تَرْضَوْنَ» (2).

قلت: عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذه الآية المباركة قال: «ممن ترضون دينه و أمانته و صلاحه و عفته و تيقظه فيما يشهد به و تحصيله و تمييزه، فما كل صالح مميزا و لا محصلا، و لا كل محصل مميز صالح».

و الظاهر انه أجنبي عن محل الكلام، لانه ساكت عن الأمور المتعارفة بين الناس و سلوكه في المجتمع بحسب العادات و الأخلاق العرفية المتبعة.

السابع: أصالة عدم ترتب أحكام العدالة على فاقد المروة بعد عدم الوثوق بإطلاق يتناوله.

أقول: لا مجال لهذا الأصل بعد سكوت صحيحة ابن أبي عمير عن اعتبار المروة، إذ لو كانت شطرا من العدالة لذكرت في الصحيحة، مع كون الامام (عليه السلام) في مقام بيان العدالة و خصوصياتها، لا سيما بناء على القول بالحقيقة‌

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 293 الباب 41 شهادات.

(2) سورة البقرة: 282.

75

الشرعية للفظ «العدالة». و حينئذ يكون الأصل في اعتبار شي‌ء زائدا على ما في الصحيحة هو العدم.

و ليس هذا الشك في الاعتبار مسببا عن الشك في مفهوم العدالة، و لو سلم فان هذه السببية شرعية و المرجع فيها هو الشرع، فلما كان الوضوء سببا شرعيا لحصول الطهارة كان على الشارع بيان الوضوء، فان شك في جزئية شي‌ء فيه و لم يذكره كان الأصل عدم الجزئية.

فظهر بما ذكرنا الإشكال في جميع الوجوه التي ذكرها صاحب الجواهر لاعتبار المروة، و أما ما ذكره صاحب المسالك في وجه عدم قبول شهادة من لا مروة له من «أن طرح المروة اما أن يكون لخبل و نقصان أو قلة مبالاة و حياء، و على التقديرين يبطل الثقة و الاعتماد على قوله. أما الأول فظاهر، و أما قليل الحياء، فمن لا حياء له يصنع ما شاء كما ورد في الخبر».

ففيه: ان المراد من الحياء في هذا الخبر و نحوه هو الحياء من اللّه عز و جل لا الحياء في الأمور العرفية و العادية، و من الواضح أن من لا يستحي من اللّه سبحانه فيه اقتضاء ان يفعل ما شاء، و عدم الحياء بهذا المعنى الظاهر من الخبر ينافي العدالة، بل هو كفر باللّه عز و جل، و هذا معنى «من لا حياء له لا دين له».

76

[ (مسائل)]

(مسائل)

«المسألة الاولى» (في عدم قبول شهادة المخالف في أصول العقائد)

قال المحقق (قدس سره): (كل مخالف في شي‌ء من أصول العقائد ترد شهادته، سواء استند في ذلك الى التقليد أو الى الاجتهاد).

أقول: قال في المسالك: «المراد بالأصول التي ترد شهادة المخالف فيها أصول مسائل التوحيد و العدل و النبوة و الإمامة و المعاد، و أما فروعها من المعاني و الأحوال و غيرهما من فروع علم الكلام فلا يقدح فيها، لأنها مباحث ظنية، و الاختلاف فيها بين علماء الفرقة الواحدة كثير شهير، و قد عد بعض العلماء جملة مما وقع الخلاف فيه منها بين المرتضى و شيخه المفيد فبلغ نحوا من مائة مسألة فضلا عن غيرهما».

و في الجواهر شرح العبارة بحيث تعم الفروع الاعتقادية أيضا لكن مقيدة بكونها مما علم ضرورة من الدين أو المذهب، قال: «لاشتراك الجميع في عدم المعذورية الموجبة للكفر فضلا عن الفسق» فيكون المراد من الفروغ: الفروغ‌

77

المسلمة الضرورية، و لا ريب في أن من خالف في شي‌ء من هذه الفروع ترد شهادته، بل يخرج بمخالفته عن الدين أو المذهب، كالقائل بالتجسيم و القائل بالجبر و نحوهما، و في العروة: «لا إشكال في نجاسة الغلاة و الخوارج و النواصب و أما المجسمة و المجبرة و القائلين بوحدة الوجود من الصوفية إذا التزموا بأحكام الإسلام فالأقوى عدم نجاستهم، الا مع العلم بالتزامهم بلوازم مذاهبهم من المفاسد».

و لا ريب في أن المسائل التي وقع الخلاف فيها بين العلماء- و التي يقول صاحب المسالك بعدم قدح الخلاف فيها- ليست من فروع الاعتقادات الضرورية بل هي مباحث ظنية كما قال. فإن أراد الشهيد الثاني ما ذكرنا فهو و الا ورد عليه اشكال الجواهر.

قال المحقق: (و لا ترد شهادة المخالف في الفروع من معتقدي الحق، إذا لم يخالف الإجماع، و لا يفسق و ان كان مخطئا باجتهاده).

أقول: ان الخلاف في الفروع الفقهية لا يضر بالعدالة و لا بالشهادة، إذ قد يؤدي الى ذلك الاجتهاد و النظر في الأدلة و هي كلها ظنية أمّا سندا كما في السنة و اما دلالة ما في الكتاب.

هذا الا إذا كانت مخالفته مخالفة للإجماع الثابت المعلوم دخول المعصوم (عليه السلام) في المجمعين، و كذا إذا خالف الحكم المقطوع به بحيث يقطع بقبول المعصوم له، كما إذا كان مما يستقل به العقل، فان مثل هذا الحكم لا ريب في قبوله له، لانه يكون مورد قاعدة الملازمة: كل ما حكم به العقل حكم به الشرع، أو يكون الحكم مما اتفق عليه فقهاء الفرقة المحقة و استقرت عليه كلمتهم، مع اختلاف الأعصار و الأمصار، بناء على أن مثل ذلك كاشف عن الواقع الذي لم يتخلف عنه المعصوم (عليه السلام)، فان هذا الحكم لا يجوز‌

78

مخالفته لكشفه عن رأي المعصوم، بل لا يجوز مخالفة كل إجماع كان عن اجتهاد صحيح يكشف عن وجود دليل معتبر لا يجوز مخالفته باجتهاد.

و مثل الإجماع المذكور في ذلك مخالفة صريح الكتاب و نصه أو الخبر المتواتر المعلوم.

«المسألة الثانية» (في عدم قبول شهادة القاذف)

قال المحقق (قدس سره): (لا تقبل شهادة القاذف، و لو تاب قبلت)

أقول: الأصل في هذه المسألة هو قول اللّه سبحانه «وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنٰاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدٰاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمٰانِينَ جَلْدَةً، وَ لٰا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهٰادَةً أَبَداً، وَ أُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ إِلَّا الَّذِينَ تٰابُوا مِنْ بَعْدِ ذٰلِكَ وَ أَصْلَحُوا فَإِنَّ اللّٰهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ» (1). و تدل على ذلك الأخبار المستفيضة، و قد قام الإجماع بقسميه عليه.

و انما لا تقبل شهادته مع عدم اللعان أو البينة أو إقرار المقذوف، و أما مع أحد الأمور المذكورة أو إذا تاب قبلت سواء أقيم الحد عليه أولا، و لو أقيم و لم يتب لم تقبل.

اتفق المفسرون على عدم رجوع الاستثناء إلى الجملة الأولى «فَاجْلِدُوهُمْ ثَمٰانِينَ جَلْدَةً» و هم بين من أرجعه إلى الجملتين الباقيتين و بين من أرجعه إلى الثالثة و هي «أُولٰئِكَ هُمُ الْفٰاسِقُونَ».

____________

(1) سورة النور: 4- 5.

79

و أما الحد فان كان في حقوق اللّه فلا يسقط إلا إذا تاب قبل أن يؤخذ الى الحاكمى كما في الاخبار [1]، و ان كان في حقوق الناس يسقط بعفو صاحبه، و الا فلا يسقط سواء تاب أولا، و ما نحن فيه من هذا القبيل، فهو يسقط بعفو المقذوف، كما يرتفع الفسق و تقبل شهادته بالتوبة.

حد توبة القاذف

انما الكلام في حد التوبة و معنى الإصلاح المذكور في الآية، إما «التوبة» فالآية ساكتة عن حدها و كلمات الأصحاب مختلفة فيه:

قال المحقق: (و حد التوبة ان يكذب نفسه و ان كان صادقا و يوري باطنا. و قيل: يكذبها ان كان كاذبا و يخطئها في الملإ ان كان صادقا. و الأول مروي)

و لننظر في أخبار المسألة:

1- أبو الصباح الكناني قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن القاذف بعد ما يقام عليه الحد ما توبته؟ قال: يكذب نفسه. قلت: أ رأيت ان أكذب نفسه و تاب، أتقبل شهادته؟ قال: نعم» (1).

2- القاسم بن سليمان قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يقذف الرجل فيجلد حدا ثم يتوب و لا يعلم منه الا خير، أ تجوز شهادته؟

قال: نعم، ما يقال عندكم؟ قلت: يقولون توبته فيما بينه و بين اللّه، و لا تقبل‌

____________

[1] في الوسائل: «باب ان من تاب قبل أن يؤخذ سقط عنه الحد» ج 18- 327 و من ذلك صحيحة ابن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «السارق إذا جاء من قبل نفسه تائبا الى اللّه عز و جل، ترد سرقته الى صاحبها و لا قطع عليه».

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 282. الباب 36 شهادات. فيه «محمد بن الفضيل»

80

شهادته ابدا. فقال: بئس ما قالوا، كان أبي يقول: إذا تاب و لم يعلم منه الا خير جازت شهادته» (1).

3- السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «قال أمير المؤمنين (عليه السلام): ليس يصيب أحد حدا فيقام عليه ثم يتوب الا جازت شهادته» (2).

4- يونس عن بعض أصحابه عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «سألته عن الذي يقذف المحصنات تقبل شهادته بعد الحد إذا تاب؟ قال: نعم. قلت:

و ما توبته؟ قال: يجي‌ء فيكذب نفسه عند الامام و يقول: قد افتريت على فلانة و يتوب مما قال» (3).

5- الكناني: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن القاذف إذا أكذب نفسه و تاب أتقبل شهادته؟ قال نعم» (4).

6- عبد اللّه بن سنان: «سألت أبا عبد اللّه عن المحدود إذا تاب أتقبل شهادته؟ فقال: إذا تاب و توبته أن يرجع في ما قال و يكذب نفسه عند الامام و عند المسلمين فإذا فعل فان على الامام أن يقبل شهادته بعد ذلك» (5).

ان هذه الاخبار تدل على أن توبته «إكذاب نفسه» كما عليه المحقق تبعا للصدوقين و المعاني و نهاية الشيخ و الشهيدين و غيرهم، بل قيل انه المشهور،

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 282. الباب 36 شهادات. فيه «القاسم بن سليمان».

(2) وسائل الشيعة 18- 282. الباب 36 شهادات.

(3) وسائل الشيعة 18- 283. الباب 36 شهادات. فيه: «إسماعيل بن مرار» و هو أيضا مرسل.

(4) وسائل الشيعة 18- 283. الباب 37 شهادات. صحيح.

(5) وسائل الشيعة 28- 283. الباب 36. شهادات.

81

بل ادعى عليه الإجماع، و لا ريب أن هذا الا كذاب يكون عقيب الندم فيما بينه و بين اللّه عز و جل، و أنه يعتبر بعد حمل مطلقها على مقيدها أن يكون عند الامام و عند المسلمين وفاقا للجماعة، بل عن بعضهم عدم الخلاف في اعتبار ذلك، فما في الجواهر من أن الظاهر ارادة اجهاره بذلك لا كونه شرطا في التوبة، خلاف ظاهر الاخبار، بل الظاهر منها عدم تحقق التوبة المؤثرة لقبول الشهادة إلا بذلك كما لا يخفى على من لاحظها، لا سيما صحيحة ابن سنان حيث يسأل عن المحدود إذا تاب أتقبل شهادته؟ فقال الامام (عليه السلام): «نعم إذا تاب، و توبته أن يرجع فيما قال و يكذب نفسه عند الامام و عند المسلمين، فإذا فعل فان على الامام ان يقبل شهادته بعد ذلك».

و قد ظهر بذلك ضعف القول الأخر- و القائل به الشيخ في المبسوط و ابن إدريس و ابن سعيد و العلّامة- فإنه اجتهاد في مقابلة نصوص المسألة، بل في المسالك انه تعريض بقذف جديد غير القذف الأول.

كما ظهر من خبر القاسم بن سليمان خلاف العامة في المسألة، حيث يقولون بأن توبته فيما بينه و بين اللّه تعالى، و لا تقبل شهادته أبدا. و من هنا حمل على التقية ما رواه السكوني «عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) قال: ليس أحد يصيب حدا فيقام عليه ثم يتوب الا جازت شهادته الا القاذف، فإنه لا تقبل شهادته، ان توبته فيما كان بينه و بين اللّه تعالى» (1).

الا ان حمله على التقية من البعد بمكان، لانه عن أمير المؤمنين و لم يكن (عليه السلام) في تقية في بيان المسائل الشرعية الفرعية، و أبعد منه احتمال نسبة الامام الصادق (عليه السلام) ذلك الى جده (عليه السلام) من باب التقية.

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 283. الباب 36. شهادات.

82

فالصحيح في الجواب عنه هو: ان الاستثناء المزبور قد اختص به بعض نسخ التهذيب، و قد خلا عنه البعض الأخر، و كتاب الكافي الذي تقرر كونه أضبط من التهذيب، فيتقدم الخبر الخالي عنه لما ذكرنا، و ان كان الأصل في دوران الأمر بين الزيادة و النقيصة هو عدم الزيادة.

هذا كله في حد التوبة في هذا المقام.

و أما «الإصلاح» فهل هو شرط زيادة عن التوبة؟ و ما معناه؟

هل يشترط إصلاح العمل زيادة عن التوبة؟

قال المحقق (قدس سره):

(و في اشتراط إصلاح العمل زيادة عن التوبة تردّد، و الأقرب: الاكتفاء بالاستمرار، لان بقاءه على التوبة إصلاح و لو ساعة)

أقول: الأصل في هذا قوله تعالى «إِلَّا الَّذِينَ تٰابُوا مِنْ بَعْدِ ذٰلِكَ وَ أَصْلَحُوا». و لم تذكر الآية شيئا زائدا على «الإصلاح» فقيل: العطف تفسيري و لا يشترط شي‌ء زائدا على التوبة، و قيل: يشترط إصلاح العمل زيادة عن التوبة، فقيل: يكتفى في إصلاح العمل بالاستمرار على التوبة، و قيل:

المراد إصلاح الحال و النفس بمنعها عن ظهور ما ينافي العدالة.

قال في الجواهر: التأمل الجيد يقتضي كون المراد بالإصلاح إكذاب نفسه بين الناس الذي يكون به الإصلاح لما أفسده من عرض المقذوف بقذفه، و ذلك لظهور النصوص أو صراحتها في مغفرة ذنب القاذف بالتوبة و إكذاب نفسه، و أنّه لا يحتاج بعد ذلك الى أمر آخر، و الآية ذكرت التوبة و الإصلاح، فيعلم حينئذ كون المراد ذلك، لان كلامهم (عليهم السلام) كالتفسير لها.

أقول: ليس ظاهر النصوص- فضلا عن صراحتها- ما ذكره (رحمه اللّه)،

83

ففي خبر القاسم بن سليمان: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يقذف الرجل فيجلد حدا ثم يتوب و لا يعلم منه الأخير تجوز شهادته؟ قال: نعم. ما يقال عندكم؟ قلت: يقولون: توبته فيما بينه و بين اللّه تعالى، و لا تقبل شهادته أبدا. فقال: بئسما قالوا، كان أبي يقول: إذا تاب و لم يعلم منه الأخير جازت شهادته» و ظاهره اعتبار شي‌ء زائدا على التوبة، فيعلم حينئذ كون المراد من «الإصلاح» في الآية «أن لا يعلم منه الا خير» بعد التوبة، لأن كلامهم (عليهم السلام) كالتفسير لها. فظهر اشتراط اعتبار ذلك زيادة عن «التوبة» خلافا لمن نفى ذلك، و أن العطف ليس تفسيريا خلافا لمن احتمله، و أنه لا يكفي في ذلك الاستمرار على التوبة و لو ساعة خلافا للمحقق و غيره، و القول بأن المراد أن لا يعلم منه الأخير قبل التوبة خلاف ظاهر الخبر.

فالحق هو القول باشتراط إصلاح العمل زيادة عن التوبة [1].

____________

[1] أقول: توضيح ما ذكره السيد الأستاذ هو: ان الايات التي جاء فيها «لا صلاح» بعد «التوبة» على طوائف، منها: الآية المذكورة في صدر المسألة و هي في سورة النور: 5

«وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنٰاتِ

.

إِلَّا الَّذِينَ تٰابُوا مِنْ بَعْدِ ذٰلِكَ وَ أَصْلَحُوا

.» و قوله تعالى

وَ السّٰارِقُ وَ السّٰارِقَةُ

.

فَمَنْ تٰابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَ أَصْلَحَ

.» و قوله: «.

أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءاً بِجَهٰالَةٍ ثُمَّ تٰابَ مِنْ بَعْدِهِ وَ أَصْلَحَ

.».

و منها: الآية في سورة آل عمران: 89

«كَيْفَ يَهْدِي اللّٰهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمٰانِهِمْ

.

إِلَّا الَّذِينَ تٰابُوا مِنْ بَعْدِ ذٰلِكَ وَ أَصْلَحُوا

.» و نحوها.

و منها: الآيات الكثيرة التي جاء فيها «العمل الصالح» بعد الايمان «و التوبة».

و المستفاد من مجموعها أن التوبة لا تتحقق أو لا تكمل الّا بالإصلاح الذي هو ضد الإفساد، فلا بد من إصلاح العبد ما بينه و بين مولاه بالدخول في الصلاح

84

ثم ان هذا الخبر بناء على تمامية سنده- يقيّد الأخبار المطلقة الدالة على جواز شهادته بتوبته المجرّدة المتحقّقة بالكذاب نفسه، كما عرفت ظهور الآية الكريمة في اشتراط «الإصلاح» بالمعنى المذكور زيادة عن التوبة- و لا أقل من احتفاف تلك الاخبار بما يصلح للقرينية، فلا يصح التمسك بإطلاقها.

قال المحقق: (و لو أقام بينة بالقذف أو صدقه المقذوف فلا حد عليه و لا ترد).

أقول: أي: لو أقام القاذف بينة بما صدر منه من القذف أو صدّقه المقذوف فلا حد عليه و لا ترد شهادته. و هو واضح.

«المسألة الثالثة» (في حرمة اللعب بآلات القمار مطلقا)

قال المحقق (قدس سره): (اللعب بآلات القمار كلها حرام، كالشطرنج

____________

و القيام بالصالحات، حتى لا يعلم منه الّا خير. و هذا هو ظاهر الطائفتين الثانية و الثالثة من الآيات.

الا ان الطائفة الأولى امتازت ببيان اشتراط التوبة عن تلك الذنوب الخاصة- و هي ارتكاب «رمي المحصنات» و «السرقة» و «السوء» بإصلاح ما أفسد في تلك الموارد، بالإصلاح المناسب لكل منها، و من الواضح ان إصلاح ما أفسده في مورد آية رمي المحصنات يكون بإكذاب نفسه بين الناس، و به صرّحت النصوص.

فالعمل الصالح زيادة عن التوبة شرط، و قد يشترط بالإضافة الى ذلك في بعض الموارد إصلاح خاص.

85

و النرد و الأربعة عشر و غير ذلك، سواء قصد الحذف أو اللهو أو القمار).

أقول: لا ريب في حرمة اللعب بآلات القمار نصا و فتوى، كما لا ريب في حرمة التصرف في المال الحاصل من هذا الطريق، لأنه أكل للمال بالباطل.

و لنذكر طائفة من نصوص المسألة:

1- زياد بن عيسى قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قوله عز و جل:

وَ لٰا تَأْكُلُوا أَمْوٰالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبٰاطِلِ. فقال: كانت قريش يقامر الرجل بأهله و ماله، فنهاهم اللّه عز و جل عن ذلك) (1).

2- جابر «عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لما أنزل اللّه على رسوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطٰانِ فَاجْتَنِبُوهُ. قيل: يا رسول اللّه ما الميسر؟ فقال: كل ما تقومر به حتى الكعاب و الجوز. قيل: فما الأنصاب؟ قال: ما ذبحوا لآلهتهم. قيل:

فما الأزلام؟ قال: قداحهم التي يستقسمون بها» (2).

3- حماد بن عيسى، قال: «دخل رجل من البصريين على أبي الحسن الأول (عليه السلام) فقال له: جعلت فداك إني أقعد مع قوم يلعبون بالشطرنج و لست ألعب بها و لكن أنظر، فقال: ما لك و لمجلس لا ينظر اللّه الى أهله» (3).

4- سليمان الجعفري «عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: المطلع في الشطرنج كالمطلع في النار» (4).

5- ابن رئاب قال: «دخلت على أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقلت له:

جعلت فداك ما تقول في الشطرنج؟ فقال: المقلب لها كالمقلب لحم الخنزير.

قال فقلت: ما على من قلب لحم الخنزير؟ قال: يغسل يده» (5).

____________

(1) وسائل الشيعة 12- 119 الباب 35 من أبواب ما يكتسب به.

(2) وسائل الشيعة 12- 240 الباب 103 من أبواب ما يكتسب به.

(3) وسائل الشيعة 12- 240 الباب 103 من أبواب ما يكتسب به.

(4) وسائل الشيعة 12- 240 الباب 103 من أبواب ما يكتسب به.

(5) وسائل الشيعة 12- 240 الباب 103 من أبواب ما يكتسب به.

86

6- أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «بيع الشطرنج حرام، و أكل ثمنه سحت، و اتخاذها كفر، و اللعب بها شرك، و السلام على اللاهي بها معصية و كبيرة موبقة، و الخائض فيها يده كالخائض يده في لحم الخنزير، لا صلاة له حتى يغسل يده كما يغسلها من مس لحم الخنزير، و الناظر إليها كالناظر في فرج أمه، و اللاهي بها و الناظر إليها في حال ما يلهي بها و السلام على اللاهي بها في حالته تلك في الإثم سواء، و من جلس على اللعب بها فقد تبوء مقعده من النار، و كان عيشه ذلك حسرة عليه في القيامة، و إياك و مجالسة اللاهي و المغرور بلعبها، فإنها من المجالس التي باء أهلها بسخط من اللّه، يتوقعونه في كل ساعة فيعمك معهم» (1).

7- الحسين بن زيد عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) في حديث المناهي قال: «نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) عن اللعب بالنرد و الشطرنج و الكوبة و المرطبة و هي الطنبور و العود. و نهى عن بيع النرد» (2).

8- معمر بن خلاد «عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: النرد و الشطرنج و الأربعة عشر بمنزلة واحدة، و كل ما قومر عليه فهو ميسر» (3).

9- أبو بصير «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال قال أمير المؤمنين (عليه السلام): النرد و الشطرنج هما الميسر» (4).

10- عيون الاخبار عن الرضا (عليه السلام) في رسالته الى المأمون، في ذكر الكبائر: «و الميسر و هو القمار» (5).

11- الفضيل قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن هذه الأشياء التي‌

____________

(1) وسائل الشيعة 12- 241 الباب 103 من أبواب ما يكتسب به.

(2) وسائل الشيعة 12- 242 الباب 104 من أبواب ما يكتسب به.

(3) وسائل الشيعة 12- 242 الباب 104 من أبواب ما يكتسب به.

(4) وسائل الشيعة 12- 242 الباب 104 من أبواب ما يكتسب به.

(5) وسائل الشيعة 11- 260 الباب 46 من أبواب جهاد النفس.

87

يلعب بها الناس: النرد و الشطرنج حتى انتهيت الى السدر. فقال: إذا ميز اللّه الحق من الباطل مع أيهما يكون؟ قال: مع الباطل. قال: فمالك و الباطل؟» (1).

12- زيد الشحام قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عز و جل فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثٰانِ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ. قال: الرجس من الأوثان الشطرنج. و قول الزور الغناء» (2).

13- عمر بن يزيد «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ان للّه عز و جل في كل ليلة من شهر رمضان عتقاء من النار، الا من أفطر على مسكر، أو مشاحن أو صاحب شاهين. قلت: و أي شي‌ء صاحب الشاهين؟ قال: الشطرنج» (3).

14- العلاء بن سيابة: «سمعته يقول: لا تقبل شهادة صاحب النرد و الأربعة عشر، و صاحب الشاهين.» (4).

دلت هذه الاخبار و غيرها على حرمة اللعب بآلات القمار على اختلاف أنواعها، و سواء كان اللعب مع المراهنة أو بدونها.

انما الكلام في أنه هل اللعب بها من الكبائر فتزول به العدالة و تردّ الشهادة و لو بمرة واحدة، أو أنه من الصغائر فلا تزول به العدالة إلّا مع الإصرار؟

ظاهر المحقق و غيره بل الأكثر هو الأول، و عليه صاحب الجواهر و هو المختار.

____________

(1) وسائل الشيعة 12- 242 الباب 104 من أبواب ما يكتسب به.

(2) وسائل الشيعة 12- 237 الباب 102 من أبواب ما يكتسب به.

(3) وسائل الشيعة 12- 238 الباب 102 من أبواب ما يكتسب به.

(4) وسائل الشيعة 18- 280 الباب 33 من أبواب الشهادات.

88

و ذهب صاحب المسالك الى الثاني حيث قال: «و ظاهر النهي أنها من الصغائر، فلا تقدح في العدالة إلا مع الإصرار» و استحسنه في الكفاية، و في الرياض: «في زوال العدالة به من دون إصرار إشكال، لعدم ما يدل على كونه من الكبائر، و انما المستفاد من النصوص مجرد النهي عنه و تحريمه من دون توعيد عليه بالنار، فهو من الصغائر، لا يقدح في العدالة إلا مع الإصرار عليها نعم ربما يستفاد من جملة من الاخبار التوعيد بها في اللعب بالشطرنج.

لكنها مع قصور أسانيدها جملة غير واضحة الدلالة.».

قلت: ان العمدة في وجه ما ذهبوا اليه تخصيص الكبائر بما أوعد اللّه عليه النار في القرآن المجيد كما تقدم عن الكفاية اختياره و نسبته إلى الأشهر، و عدم الاعتناء بالأخبار الواردة في بيان الكبائر و تعيينها. و هذا مشكل.

و أما في المقام فان استدلالنا هو بمجموع تلك الاخبار، بألفاظها المختلفة و تعابيرها الشديدة، كجعل «الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثٰانِ» هو «الشطرنج» و أنه و النرد من «الباطل»، و أن الناظر الى الشطرنج كالناظر في فرج أمه، بل ان كان ما تقومر به فهو «الميسر»، بل في بعضها و هو خبر عيون الاخبار التصريح بكون «الميسر» من «الكبائر» و لا يبعد تمامية سنده، بل في بعضها ان السلام على اللاهي بالشطرنج معصية و كبيرة موبقة، و كيف كان فإن الأخبار بمجموعها ظاهرة في أن اللعب بآلات القمار معصية كبيرة توجب السقوط عن العدالة.

و مع التسليم بضعفها سندا [1]، فان دعوى عدم الجابر لها ضعيفة، إذ يكفي‌

____________

[1] أقول: عمدة أخبار المسألة في هذه الجهة خبر المستطرفات عن جامع البزنطي. و قد اختلف مشايخنا في أخبار المستطرفات، فمنهم من لا يعتمد عليها، لعدم ثبوت الطرق المعتبرة إلى تلك الاخبار، و منهم من يعتمد، لان ابن إدريس من المنكرين لحجية الاخبار الآحاد، فلو لا ثبوت تلك الاخبار

89

في الجبر تعاضد النصوص و الفتاوى على أن الأصل في كل معصية كونها كبيرة لأن الأصل عدم تكفيرها.

و يترتب على هذا الأصل اختلال العدالة بارتكاب المعصية المشكوك كونها كبيرة أو صغيرة.

فلو شك في بقاء عدالة المرتكب للمعصية المشكوك فيها من هذا الحيث فان كان الشك مسببا عن الشك في كونها كبيرة أو صغيرة لم يجر استصحاب بقاءها. و الّا فالظاهر جريانه في نفسه- خلافا لصاحب الجواهر القائل بالعدم من جهة تبدل الموضوع- ضرورة اتحاد الموضوع- و هو الشخص- في نظر العرف، بعد البناء على أن المعتبر هو نظر العرف في أمثال المقام.

«المسألة الرابعة» (في عدم قبول شهادة شارب المسكر)

قال المحقق (قدس سره): (شارب المسكر تردّ شهادته و يفسق، خمرا كان أو نبيذا أو بتعا أو فضيخا. و لو شرب منه قطرة).

أقول: حرمة المسكر لا ريب فيها و لا خلاف، و يدل عليها الكتاب و السنة.

كما لا خلاف في أن شاربه تردّ شهادته و يفسق، و في الجواهر: الإجماع بقسميه عليه، بل المحكي منهما مستفيض أو متواتر.

و لا فرق في هذا الحكم بين ان يشرب الخمر و هو كما قال الراغب:

المتخذ من العنب و التمر، أو النبيذ و هو كما في النهاية: ما يعمل من الأشربة‌

____________

بطرق معتبرة لما استطرفها في آخر سرائره، و للبحث في هذا الموضوع مجال آخر.

90

من التمر و الزبيب و العسل و الحنطة و الشعير و غير ذلك- أو بتعا و هو بكسر الباء و سكون التاء و قد تفتح نبيذ العسل و هو خمر أهل اليمن، أو منصّفا و هو من العصير كما في المصباح: ما طبخ حتى بقي على النصف، أو فضيخا و هو كما في النهاية: شراب يتخذ من البسر المفضوخ أي المشدوخ.

و يترتب ما ذكر من الآثار و لو شرب منه قطرة، و في كشف اللثام و الجواهر قال الشافعي: من شرب يسيرا من النبيذ أحدّه و لا أفسّقه و لا أردّ شهادته. و عن أبي حنيفة: لا أحده و لا أفسّقه و لا أردّ شهادته.

قال في الكفاية: و الأصحاب أطلقوا الحكم بأن شارب الخمر تردّ شهادته و يفسق، و هذا يدلّ على كون ذلك عندهم كبيرة.

قال المحقق: (و كذا الفقّاع. و كذا العصير إذا غلا من نفسه أو بالنار و لو لم يسكر الّا أن يغلي حتى يذهب ثلثاه).

أقول: أمّا الفقّاع فهو خمر قد استصغره الناس، و أمّا العصير العنبي فإذا غلا بنفسه أو بالنار يحرم و ان لم يسكر، فان غلى حتى يذهب ثلثاه حلّ الثلث الباقي. قال في الكفاية: قد ذكروا في هذا المقام العصير العنبي إذا غلا قبل ذهاب الثلثين، و تحريمه ثابت، لكن في كونه كبيرة تأمل، و الأقرب عدم ذلك. فتأمل.

قال: (و اما غير العصير من التمر فالأصل أنه حلال ما لم يسكر)

أقول: أي فان أسكر حرم، لان كل مسكر حرام.

قال: (و لا بأس باتخاذ الخمر للتخليل).

أقول: يدل على ذلك ما رواه زرارة «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

سألته عن الخمر العتيقة تجعل خلّا؟ قال: لا بأس» (1).

____________

(1) وسائل الشيعة 17- 296 الباب 31 الأطعمة و الأشربة. صحيح

91

و عن عبيد بن زرارة قال «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يأخذ الخمر فيجعلها خلا. قال: لا بأس» (1).

قال في الجواهر: سواء كان بعلاج أو غيره، بل لعل الظاهر ما في كشف اللثام من انه لا يحكم بفسق متخذ الخمر إلّا إذا علم انه لا يريد به التخليل.

و في المسالك: ترك العلاج بشي‌ء أفضل.

قلت: وجه أفضليّة الترك ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال «سئل عن الخمر يجعل فيها الخل. فقال: لا الا ما جاء من قبل نفسه» قال صاحب الوسائل: «حمله الشيخ على استحباب تركها حتى يصير خلا من غير أن يطرح فيها ملح أو غيره» (2).

«المسألة الخامسة» (في الغناء و رد الشهادة به)

قال المحقق (قدس سره): (مدّ الصوت المشتمل على الترجيع المطرب يفسق فاعله و تردّ شهادته. و كذا مستمعه، سواء استعمل في شعر أو قرآن).

أقول: البحث في هذه المسألة في جهات:

جهات البحث في المسألة

الجهة الاولى: في حرمة الغناء. و لا خلاف بين الأصحاب في تحريم الغناء، بل في الجواهر الإجماع بقسميه عليه، بل قد ادعى التواتر في الاخبار الدالة على حرمته، و ستأتي نصوص بعضها.

____________

(1) وسائل الشيعة 17- 296. الباب 31 الأطعمة و الأشربة. موثق.

(2) وسائل الشيعة 17- 297 الباب 31 الأطعمة و الأشربة.

92

و الجهة الثانية: في حرمة استماع الغناء. و هذا أيضا لا خلاف في حرمته، و الاخبار الدالة عليه كثيرة، و سيأتي بعضها.

و الجهة الثالثة: في كونه معصية كبيرة. و هذا أيضا لا خلاف فيه. و يدلّ عدّة من الاخبار على كونه ممّا أوعد اللّه عليه النار، و سيأتي بعضها.

و الجهة الرابعة: في موضوع الغناء المحرّم. و هو عند المحقق و جماعة:

بل نسب إلى الأكثر «مدّ الصوت المشتمل على الترجيع المطرب» و منهم من اعتبر فيه التسمية العرفية، قال في المسالك: و الاولى الرجوع فيه الى العرف، فما يسمى فيه غناء يحرم.

قال المحقق: «سواء استعمل في شعر أو قرآن»

أقول: أي أنّ المحرّم هو الكيفيّة الخاصّة المذكورة أو التي يسميها العرف غناءا و يسمى في الفارسية ب‍ «سرود» من غير فرق بين ان تكون تلك الكيفية في كلام حق كالقرآن و الدعاء و أمثالهما أو باطل كالاشعار الباطلة، و سواء اقترن بشي‌ء من المحرمات كآلات اللّهو و حضور الرجال في مجلس النساء أو لم يقترن. و هذا هو المشهور بين الأصحاب، و هو المستفاد من أخبار الباب، و إليك نصوص طائفة منها (1):

1- زيد الشحام قال: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): بيت الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة، و لا تجاب فيه الدعوة، و لا يدخله الملك».

2- زيد أيضا قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قوله عز و جل:

وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ. قال: قول الزور الغناء».

3- أبو الصباح «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في قوله عز و جل:

____________

(1) لا حاجة الى النظر في أسانيد هذه الاخبار بعد كونها مستفيضة. و كلها في الباب 99 من أبواب ما يكتسب به 12- 225.

93

لٰا يَشْهَدُونَ الزُّورَ. قال: الغناء».

4- محمد بن مسلم و أبو الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في قول اللّه عز و جل وَ الَّذِينَ لٰا يَشْهَدُونَ الزُّورَ. قال: الغناء».

5- محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «سمعته يقول: الغناء مما وعد اللّه عليه النار. و تلا هذه الآية: وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَ يَتَّخِذَهٰا هُزُواً أُولٰئِكَ لَهُمْ عَذٰابٌ مُهِينٌ».

6- مهران بن محمد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال «سمعته يقول: الغناء مما قال اللّه عز و جل وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ».

7- أبو بصير قال «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قول اللّه عز و جل:

فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثٰانِ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ. قال: قول الزور الغناء».

8- أبو أسامة عن «أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: الغناء عش النفاق».

9- الوشاء قال: «سمعت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) يقول: سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الغناء. فقال: هو قول اللّه عز و جل وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ».

10- إبراهيم بن محمد المدني عمن ذكره «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن الغناء و انا حاضر. فقال: لا تدخلوا بيوتا اللّه معرض عن أهلها».

11- يونس قال: «سألت الخراساني (عليه السلام) عن الغناء و قلت: ان العباسي ذكر عنك أنك ترخّص في الغناء. فقال كذب الزنديق، ما هكذا قلت له، سألني عن الغناء، فقلت: ان رجلا أتى أبا جعفر (عليه السلام) فسأله عن الغناء. فقال: يا فلان إذا ميّز اللّه بين الحق و الباطل فأين يكون الغناء؟

قال: مع الباطل. فقال: قد حكمت».

12- عبد الأعلى قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الغناء و قلت‌

94

انهم يزعمون أن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) رخّص في أن يقال:

جئناكم جئناكم حيّونا حيّونا نحيّكم.

فقال: كذبوا، ان اللّه عز و جل يقول وَ مٰا خَلَقْنَا السَّمٰاءَ وَ الْأَرْضَ وَ مٰا بَيْنَهُمٰا لٰاعِبِينَ، لَوْ أَرَدْنٰا أَنْ نَتَّخِذَ لَهْواً لَاتَّخَذْنٰاهُ مِنْ لَدُنّٰا إِنْ كُنّٰا فٰاعِلِينَ.

بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبٰاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذٰا هُوَ زٰاهِقٌ وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمّٰا تَصِفُونَ.

ثم قال: ويل لفلان مما يصف. رجل لم يحضر المجلس».

13- عيون الاخبار عن الرضا عن آبائه عن علي (عليهم السلام) قال:

«سمعت رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) يقول: أخاف عليكم استخفافا بالدين، و بيع الحكم، و قطعية الرحم، و أن تتخذوا القرآن مزامير، تقدمون أحدكم و ليس بأفضلكم في الدين».

14- محمد بن أبي عباد- و كان مستهترا بالسّماع و يشرب النبيذ- قال:

«سألت الرضا (عليه السلام) عن السماع. فقال: لأهل الحجاز- العراق خ ل- فيه رأي، و هو في حيّز الباطل و اللهو، أما سمعت اللّه عز و جل يقول:

وَ إِذٰا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرٰاماً».

15- حماد بن عثمان «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن قول الزور. قال: منه قول الرجل للذي يغنّي أحسنت».

16- المقنع «قال الصادق (عليه السلام): شر الأصوات الغناء».

17- الحسن بن هارون قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول:

الغناء يورث النفاق، و يعقب الفقر».

18- عنبسة «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: استماع اللهو و الغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء الزرع» (1).

____________

(1) وسائل الشيعة 12- 235 الباب 101 ما يكتسب به.

95

19- أبو أيوب الخزاز: «نزلنا المدينة فأتينا أبا عبد اللّه (عليه السلام).

فقال لنا: أين نزلتم؟ فقلنا: على فلان صاحب القيان. فقال: كونوا كراما.

فو اللّه ما علمنا ما أراد به، و ظننا أنه يقول: تفضلوا عليه. فعدنا اليه فقلنا: لا ندري ما أردت بقولك كونوا كراما. فقال: أما سمعتم اللّه عز و جل يقول إِذٰا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرٰاماً» (1).

20- معاني الاخبار عن أبي الربيع الشامي: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سئل عن الشطرنج و النرد فقال: لا تقربوهما؟ قلت فالغناء؟ قال: لا خير فيه، لا تقربه» (2).

فهذه جملة من أخبار المسألة، و هي صريحة الدلالة على حرمة الغناء، و حرمة استماعه، و غير ذلك ممّا يتعلق بالحكم ككونه معصية كبيرة، و كحرمة أجر المغني و المغنية، و ثمنهما.

و أما موضوعه فان المرجع في تشخيصه هو العرف كسائر المفاهيم و الموضوعات في أدلة الأحكام الشرعية، فكل ما كان «غناء» عرفا فهو محرم، بغض النظر عن صدق عنوان «اللهو» و نحوه عليه و عدم صدقه، و سواء كان في كلام حق أو باطل، و سواء اقترن بشي‌ء من المحرمات كاستعمال آلات اللهو و الرقص و نحوهما أو لم يقترن، و يتضح ذلك مما سنذكره في معنى الغناء في كلمات الفقهاء و اللغويين و ما يتعلق بكلمات الشيخ الأعظم (رحمه اللّه).

لقد اختلفت عبارات الفقهاء و اللغويين في «الغناء» فعن المشهور من الفقهاء- و عليه المحقق قده- «مدّ الصوت المشتمل على الترجيع المطرب» و عن القواعد: «ترجيع الصوت و مده» و عن السرائر و الإيضاح: «الصوت‌

____________

(1) وسائل الشيعة 12- 336 الباب 101 ما يكتسب به.

(2) وسائل الشيعة 12- 239 الباب 102 ما يكتسب به.

96

المطرب» و في الجواهر عن بعض الأصحاب: «الصوت المشتمل على الترجيع المطرب»، و أخص هذه العبارات عبارة المشهور حيث جمعت بين جميع القيود.

و عن المصباح: «الغناء الصوت» و هذا التعريف لا يوضح لنا الموضوع، نعم يفيد كونه صوتا لا قولا، و عن الصحاح: «السماع» قال الشيخ: و هو الأحسن من الكل، و قد ترجمه في منتهى الارب ب‍ «آواز خوش» و لم نفهم وجه كونه الأحسن من الكل. و في القاموس: «الغناء- ككساء من الصوت ما طرب به» و كذا في التاج. و عن النهاية «كل من رفع صوتا و والاه فصوته عند العرب غناء».

ثم ان الشيخ الأعظم (قدس سره) لمّا رأى تطبيق الأئمة (عليهم السلام) عناوين «لَهْوَ الْحَدِيثِ» و «قَوْلَ الزُّورِ» و «اللهو» على «الغناء» جعل الدليل على حرمة الغناء حرمة هذه العناوين، فان كانت الكيفية ملهية كانت مصداقا لهذه العناوين و حرم ذلك الصوت، سواء كانت المواد ملهية كذلك أو لا، فجعل (رحمه اللّه) الأخبار الدالة على حرمة الغناء على ثلاث طوائف، منها ما ورد في تفسير قوله تعالى «وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ». و منها ما ورد في تفسير قوله تعالى «وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ». و منه ما رود في تفسير قوله تعالى «وَ الَّذِينَ لٰا يَشْهَدُونَ الزُّورَ».

ثم قال: «و قد يخدش في الاستدلال بهذه الروايات بظهور الطائفة الاولى بل الثانية في أن الغناء من مقولة الكلام، لتفسير قول الزور به. و كذا لهو الحديث بناء على انه من إضافة الصفة إلى الموصوف، فيختص الغناء المحرم بما كان مشتملا على الكلام الباطل، فلا تدل على حرمة نفس الكيفية و لو لم يكن في كلام باطل.

97

و منه يظهر الخدشة في الطائفة الثالثة، حيث أن مشاهد الزور التي مدح اللّه تعالى من لا يشهدها هي مجالس التغنّي بالأباطيل من الكلام، فالإنصاف أنها لا تدل على حرمة نفس الكيفية، الا من حيث اشعار لهو الحديث بكون اللهو عن إطلاقه مبغوضا للّه تعالى و كذا «الزور» بمعنى الباطل، و ان تحققا في كيفية الكلام لا في نفسه، كما إذا تغني في كلام حق من قرآن أو دعاء أو مرثية.

و بالجملة: فكل صوت يعد في نفسه مع قطع النظر عن الكلام المتصوّت به لهوا و باطلا فهو حرام».

ثم قال بعد إيراد أخبار استظهر منها الدلالة على حرمة الغناء من حيث اللهو و الباطل: «فالغناء و هو من مقولة الكيفية للأصوات كما سيجي‌ء ان كان مساويا للصوت اللهوي و الباطل كما هو الأقوى و سيجي‌ء فهو، و ان كان أعم وجب تقييده بما كان من هذا العنوان، كما أنه لو كان أخص وجب التعدي عنه الى مطلق الصوت الخارج على وجه اللهو.

و بالجملة فالمحرم هو ما كان من لحون أهل الفسوق و المعاصي التي ورد النهي عن قراءة القرآن بها، سواء كان مساويا للغناء أو أعم أو أخص، مع أن الظاهر ان ليس الغناء الا هو و ان اختلفت عبارات الفقهاء و اللغويين».

أقول: و هناك طائفة من الاخبار تدل على حرمة الغناء بعنوانه كقوله (عليه السلام): «شر الأصوات الغناء»، و ما دلّ على ذمّ التغني بالقرآن و اتخاذه مزامير، و ما دل على أن «أجر المغني و المغنية سحت» و غير ذلك، فإن النهي عن التغني بالقرآن يدل على حرمة «الغناء» من حيث نفسه، لوضوح أن التلهي بالقرآن ليس من الأمور المتعارفة في مجالس اللهو و التغني.

و على الجملة فكلما صدق عليه «الغناء» فهو حرام، و انطباق عنوان آخر‌

98

عليه من «اللهو» و «الباطل» و «قول الزور» أمر آخر، و ليس مورد السؤال في الروايات عن حكم «الغناء» خصوص ما تداول من الأصوات في مجالس اللهو و مشاهد الزور، حتى تكون هذه الاخبار ناظرة الى ذلك، بل «الغناء» من العناوين المحرمة «كاللهو» و «اللغو» و «الباطل» و «قول الزور» و نحوها، فما ذهب اليه من دوران الحكم مدار صدق اللهو و الباطل مشكل.

و بذلك يظهر النظر في ما ذهب اليه من المساواة بين «اللهو» و «الغناء»، إذ ليس كل صوت تعارف في مجالس اللهو إخراجه غناء، بل يعتبر في الغناء خصوصيات كما تقدم في عبارة المحقق و جماعة من الفقهاء و اللغويين.

و فيما ذكره بعد نقل بعض العبارات، في معنى «الغناء»، من أن كل هذه المفاهيم مما يعلم عدم حرمتها و عدم صدق الغناء عليها، فكلها إشارة إلى المفهوم المعين عرفا».

و فيما ذكره بقوله: «و كيف كان فالمحصل من الأدلة المتقدمة حرمة الصوت المرجع فيه على سبيل اللهو، فان اللهو كما يكون بآلة من غير صوت كضرب الأوتار و نحوه، و بالصوت في الإله كالمزمار و القصب و نحوهما، فقد يكون بالصوت المجرد، فكل صوت يكون لهوا بكيفيته و معدودا من ألحان أهل الفسوق و المعاصي فهو حرام و ان فرض انه ليس بغناء، و كل ما لا يعد لهوا فليس بحرام و ان فرض صدق الغناء عليه فرضا غير محقق، لعدم الدليل على حرمة الغناء الا من حيث كونه باطلا و لهوا و لغوا و زورا».

لأنا ذكرنا دلالة بعض أخبار المسألة على حرمة «الغناء» بما هو غناء لا بما هو لهو أو غير ذلك، و عليه فتوى الأصحاب، و بعبارة أخرى: لقد قام النهي عن الغناء بخصوصه و ان كان من أفراد اللهو و نحوه، لشدة قبحه أو كثرة شيوعه و إقبال الناس عليه. فالدليل على حرمة الغناء موجود لا من حيث كونه باطلا‌

99

و لهوا و لغوا و زورا، حتى لو فرض عدم صدق أحد هذه العناوين عليه فرضا غير محقق.

هذا كله بالنسبة الى ما ذهب اليه الشيخ نفسه.

في ما نسب إلى الكاشاني و الكفاية

ثم ان الشيخ (قدس سره) نسب الى المحدث الكاشاني (قدس سره) الخلاف في أصل الحكم، قال: «انه خصّ الحرام منه بما اشتمل على محرم من خارج مثل اللعب بآلات اللهو، و دخول الرجال، و الكلام الباطل، و الا فهو في نفسه غير محرم، و المحكي من كلامه في الوافي انه بعد حكاية الأخبار التي يأتي بعضها قال: الذي يظهر من مجموع الأخبار الواردة اختصاص حرمة الغناء و ما يتعلق به من الأجر، و التعليم، و الاستماع، و البيع، و الشراء، كلها بما كان على النحو المعهود المتعارف في زمن الخلفاء، من دخول الرجال عليهن و تكلمهن بالباطل، و لعبهن بالملاهي، من العيدان و القصب و غيرهما، دون ما سوى ذلك من أنواعه، كما يشعر به قوله: «ليست بالتي تدخل عليها الرجال- الى أن قال-:

و على هذا فلا بأس بالتغني بالاشعار المتضمنة لذكر الجنة و النار و التشويق الى دار القرار، و وصف نعم الملك الجبار، و ذكر العبادات و الرغبات في الخيرات و الزهد في الفانيات و نحو ذلك، كما أشير إليه في حديث الفقيه بقوله: «ذكرتك الجنة» و ذلك لان هذا كله ذكر اللّه، و ربما تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَ قُلُوبُهُمْ إِلىٰ ذِكْرِ اللّٰهِ.

و بالجملة فلا يخفى على أهل الحجى بعد سماع هذه الاخبار تمييز حق الغناء عن باطله، و ان أكثر ما يتغنى به الصوفية في محافلهم من قبيل الباطل».

100

أقول: ظاهر العبارة لا يساعد ما نسب الشيخ إليه، لأنه يقول: «الذي يظهر من مجموع الأخبار الواردة اختصاص حرمة الغناء و ما يتعلق به.» و هذا ظاهر في القول بحرمة الغناء، الا انه يرى عدم حرمة ما كان منه في القرآن و المواعظ و نحوها، فهو غير منكر لأصل الحكم بل من القائلين بالحرمة في الجملة.

قال الشيخ: و نسب القول المذكور الى صاحب الكفاية أيضا. و الموجود فيها بعد ذكر الأخبار المتخالفة جوازا و منعا في القرآن و غيره: ان الجمع بين هذه الاخبار يمكن بوجهين: أحدهما: تخصيص تلك الأخبار الواردة المانعة بما عدا القرآن، و حمل ما يدل على ذم التغني بالقرآن على قراءة يكون على سبيل اللهو، كما يصنعه الفساق في غنائهم، و يؤيده رواية عبد اللّه بن سنان اقرءوا القرآن بألحان العرب، و إياكم و لحون أهل الفسق و الكبائر، و سيجي‌ء من بعدي أقوام يرجعون القرآن ترجيع الغناء. و ثانيهما: أن يقال- و حاصل ما قال- حمل الأخبار المانعة على الفرد الشائع في ذلك الزمان. قال: و الشائع في ذلك الزمان الغناء على سبيل اللهو من الجواري و غيرهن، في مجالس الفجور و الخمور و العمل بالملاهي و التكلم بالباطل و إسماعهن الرجال، فحمل المفرد المعرف- يعنى لفظ الغناء- على تلك الأفراد الشائعة في ذلك الزمان غير بعيد. الى ان قال:

ان في عدة من اخبار المنع عن الغناء اشعارا بكونه لهوا. و صدق ذلك في القرآن و الدعوات و الأذكار المقروءة بالأصوات الطيبة المذكّرة المهيجة للأشواق إلى العالم الأعلى محل تأمل.

على أن التعارض واقع بين أخبار الغناء و الاخبار الكثيرة المتواترة الدالة على فضل قراءة القرآن و الأدعية و الأذكار، مع عمومها لغة و كثرتها و موافقتها للأصل، و النسبة بين الموضوعين العموم من وجه. فإذا لا ريب في تحريم‌

101

الغناء على سبيل اللهو و الاقتران بالملاهي و نحوهما، ثم ان ثبت إجماع في غيره و الا بقي حكمه على الإباحة، و طريق الاحتياط واضح».

أقول: حاصل كلامه في الوجه الأول تخصيص اخبار المنع بما عدا القرآن.

و من الواضح أن التخصيص معناه حفظ دلالتها على المنع في غير مورد التخصيص، فهو قائل بالحرمة في الجملة.

و حاصل كلامه في الوجه الثاني الجواب عن اخبار المنع بوجوه، أحدها: منع صدق «الغناء» في القرآن و نحوه، و الثاني: انصراف اخبار المنع عن القرآن و نحوه، و الثالث: التخصيص.

و في المكاسب وجه رابع (ظاهر عبارته أنه للكفاية و لكن ليس فيها، و لعلّ نسخ الكفاية مختلفة) حيث قال: «على أن التعارض واقع بين اخبار الغناء و الاخبار الكثيرة المتواترة الدالة على فضل قراءة القرآن و الأدعية و الأذكار، مع عمومها لغة و كثرتها، و موافقتها للأصل، و النسبة بين الموضوعين عموم من وجه، فإذا لا ريب في تحريم الغناء على سبيل اللهو و الاقتران بالملاهي و نحوهما ثم ان ثبت إجماع في غيره و الا بقي حكمه على الإباحة و طريق الاحتياط واضح» و حاصله: تعارض أدلة الموضوعين في مادة الاجتماع و تساقطهما، فان كان إجماع على حرمة الغناء بالقرآن فهو و الا فالأصل الإباحة.

أقول: اما الوجه الأول فواضح البطلان، لعدم الفرق في الصدق بين القرآن و غيره لغة و عرفا.

و أما الوجه الثاني فكذلك، لما ورد في الاخبار المجوزة نفسها من النهي عن التغني بالقرآن، فكيف يقال بانصراف أدلة التحريم عن القرآن؟.

و أما الرابع فكذلك، لانه متى اجتمعت الحرمة مع غير الوجوب فلا إشكال في تقدم دليل الحرمة، و لا معنى للتعارض بينهما و التساقط، فلا تصل‌

102

النوبة إلى الإجماع، على أنه قائم في جميع موارد اجتماع الحرمة مع عدم الوجوب.

بقي الثالث، و هو يتوقف على تمامية ما دل على الجواز في القرآن سندا و دلالة، و هي أخبار:

الأول: ما عن الحميري بسند لم يستبعد في الكفاية إلحاقه بالصحاح عن علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: «سألته عن الغناء في الفطر و الأضحى و الفرح. قال: لا بأس ما لم يعص به».

و الثاني: في كتاب علي بن جعفر عن أخيه قال: «سألته عن الغناء هل يصلح في الفطر و الأضحى و الفرح؟ قال: لا بأس ما لم يزمر به» [1].

و الاستدلال بهما يتم على ان يكون المراد ما لم يعص باقتران القراءة بشي‌ء من المحرمات الخارجية و ما لم يستعمل فيه المزمار، و لكن الأظهر أن المراد ما لم يعص أو لم يزمر في نفس هذه القراءة. و على الجملة ما لم يكن الصوت مشتملا على الترجيع و الطرب، و الا فإن تحسين الصوت في الفرح و أيام السرور كالعيدين مطلوب مرغوب فيه، و يكون التعبير عن ذلك بالغناء على مبنى الشيخ تعبيرا مجازيا [2].

____________

[1] وسائل الشيعة 12- 85: «عبد اللّه بن جعفر في قرب الاسناد عن عبد اللّه ابن الحسن عن علي بن جعفر عن أخيه قال: سألته عن الغناء هل يصلح في الفطر و الأضحى و الفرح؟ قال: لا بأس به ما لم يعص به.

و رواه علي بن جعفر في كتابه الا أنه قال: ما لم يزمر به».

[2] أقول: و مع التنزل عن ذلك، فلا بد بعد تسليم السند من الحمل على بعض المحامل، قال في الوسائل: «هذا مخصوص بزف العرائس و بالفطر

103

و الثالث: عن أبي بصير قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن كسب المغنيات. فقال: التي يدخل عليها الرجال حرام، و التي تدعى إلى الأعراس لا بأس به، و هو قول اللّه عز و جل وَ مِنَ النّٰاسِ مَنْ يَشْتَرِي لَهْوَ الْحَدِيثِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللّٰهِ» (1).

و الرابع: عن أبي بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: أجر المغنية التي تزف العرائس ليس به بأس و ليست بالتي يدخل عليها الرجال» (2).

و أجاب الشيخ بقوله: «و أما رواية أبي بصير مع ضعفها سندا بعلي بن‌

____________

و الأضحى إذا اتفق معه العرس، و يمكن حمله على التقية، و يحتمل غير ذلك» و لا سيما بالنظر الى النصوص الواردة في أبواب صلاة العيد، ففي الباب 37:

الذي عنوانه: باب استحباب كثرة ذكر اللّه و العمل الصالح يوم العيد و عدم جواز الاشتغال باللعب و الضحك: «نظر الحسين بن علي (عليه السلام) الى ناس في يوم فطر يلعبون و يضحكون. فقال لأصحابه و التفت إليهم: ان اللّه عز و جل جعل شهر رمضان مضمارا لخلقه يستبقون فيه بطاعته الى رضوانه، فسبق فيه قوم ففازوا و تخلف آخرون فخابوا، فالعجب كل العجب من الضاحك اللاعب في اليوم الذي يثاب فيه المحسنون و يخيب فيه المقصرون، و أيم اللّه لو كشف الغطاء لشغل محسن بإحسانه و مسي‌ء بإساءته». و من تلك الأبواب: «باب استحباب استشعار الحزن في العيدين لاغتصاب آل محمد حقهم».

____________

(1) وسائل الشيعة 12- 84. الباب 15 من أبواب ما يكتسب به. فيه «علي ابن أبي حمزة».

(2) وسائل الشيعة 12- 85. الباب 15 من أبواب ما يكتسب به. و سنده معتبر.

104

أبي حمزة البطائني فلا يدل على كون غناء المغنية التي يدخل عليها الرجال داخلا في لهو الحديث في الآية، و عدم دخول غناء التي تدعى إلى الأعراس فيها، و هذا لا يدل على دخول ما لا يكن منهما في القسم المباح مع كونه من لهو الحديث قطعا. نعم الإنصاف انه لا يخلو من اشعار بكون المحرم هو الذي يدخل فيه الرجال على المغنيات. لكن المنصف لا يرفع اليد عن الإطلاقات لأجل الاشعار، خصوصا مع معارضته بما هو كالصريح في حرمة غناء المغنية و لو لخصوص مولاها».

و أجاب في الحدائق عن هذه الاخبار بأنها مع تسليم دلالتها لا تقاوم اخبار التحريم، لأنها أكثر عددا و أقوى سندا و أوضح دلالة، و انها موافقة للكتاب و مخالفة للعامة.

و على الجملة فهذا القول ضعيف جدا، و قد ظهر أن القائل به- أعني الكاشاني و السبزواري- لا يقول بعدم حرمة الغناء مطلقا كما نسب إليهما.

في ما قيل من منع صدق الغناء في المراثي

ثم ذكر الشيخ (قدس سره) انه قد ظهر من بعض من لا خبرة له من طلبة زمانه تقليدا لمن سبقه من أعياننا «من منع صدق الغناء في المراثي».

و قد أجاد (رحمه اللّه) فيما أفاد في الجواب عنه حيث قال: «و هو عجيب، فإنه ان أراد أن الغناء مما يكون لمواد الألفاظ دخل فيه، فهو تكذيب للعرف و اللغة، أمّا اللغة فقد عرفت، و أمّا العرف فلانه لا ريب أن من سمع من بعيد صوتا مشتملا على الإطراب المقتضي للرقص أو ضرب آلات اللهو لا يتأمل في إطلاق الغناء عليه الى أن يعلم موادّ الألفاظ. و ان أراد أن الكيفية التي يقرء بها المرثية لا يصدق عليها تعريف الغناء، فهو تكذيب للحس».