كتاب الشهادات

- السيد محمد رضا الگلپايگاني المزيد...
461 /
105

و الحاصل: انّ المراثي قد يصدق عليها الغناء كما قد يصدق على قراءة القرآن، و لذا ورد عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «اقرأوا القرآن بألحان العرب و إيّاكم و لحون أهل الفسوق و الكبائر و سيجي‌ء بعدي أقوام يرجّعون القرآن ترجيع الغناء و النوح و الرهبانية. لا يجوز تراقيهم، قلوبهم مقلوبة و قلوب من يعجبه شأنهم».

نعم قيل باستثناء المراثي حكما، «فقد حكى في جامع المقاصد قولا لم يسمّ قائله باستثناء الغناء في المراثي، نظير استثنائه في الأعراس.

و ربما وجّهه بعض من متأخري المتأخرين بعمومات أدلّة الابكاء و الرثاء، و قد أخذ ذلك ممّا تقدّم من صاحب الكفاية من الاستدلال بإطلاق أدلة قراءة القرآن.

لكن فيه ما تقدم من أن أدلّة الاستحباب و الكراهة و الإباحة لا تقاوم أدلّة الحرمة و الوجوب، بل يتقدم دليل الحرمة أو الوجوب بلا كلام عقلا و شرعا و قد دلّ الخبر المذكور: «اقرأوا القرآن.» على استحباب قراءة القرآن باللحن غير المحرّم، و بعبارة أخرى: يدل على تحسين الصوت بالقرآن ما لم ينته إلى التغني فيحرم، فالمراثي و نحوها كذلك، فان قرائتها بالصّوت الجيّد المعين على البكاء مندوب ما لم ينته الى حدّ الغناء.

و ما عن المحقق الأردبيلي- بعد توجيه استثناء المراثي و غيرها من الغناء بأنّه ما ثبت الإجماع إلا في غيرها، و الاخبار ليست بصحيحة صريحة في التحريم- من تأييد هذا الاستثناء بأن البكاء و التفجع مطلوب مرغوب و فيه ثواب عظيم، و الغناء معين على ذلك، و انه متعارف دائما في بلاد المسلمين من زمن المشايخ الى زماننا هذا من غير نكير، و بأن النياحة جائزة و كذا أخذ الأجر عليها، و الظاهر أنها لا تكون الا مع الغناء، و بأن تحريم الغناء للطرب على‌

106

الظاهر، و ليس في المراثي طرب بل ليس الّا حزن.

فقد أجاب عنه الشيخ بأن شيئا مما ذكره لا ينفع في جواز الغناء على الوجه الذي ذكرنا، و اما كون الغناء معينا على التفجع و البكاء فهو ممنوع بناء على ما عرفت من كون الغناء هو الصوت اللهوي، بل و على ظاهر تعريف المشهور من الترجيع المطرب، لان الطرب الحاصل منه ان كان سرورا فهو مناف للتفجع لا معين، و ان كان حزنا فهو على ما هو المركوز في النفس الحيوانية من فقد المشتهيات النفسانية، لا على ما أصاب سادات الزمان، مع انه على تقدير الإعانة لا ينفع في جواز الشي‌ء كونه مقدمة لمستحب أو مباح، بل لا بد من ملاحظة عموم دليل الحرمة له، فان كان فهو و الا فيحكم بإباحته للأصل، و على أي حال فلا يجوز التمسك للإباحة بكونه مقدمة لغير حرام لما عرفت.

الى آخر كلامه (قدس سره). فتأمل.

فتلخص عدم تمامية هذا الاستثناء.

في استثناء الغناء في الأعراس

و أما استثناء غناء المغنية في الأعراس إذا لم يقترن به محرم فالمشهور كما ذكر الشيخ استثناءه، لكن لم يذكر المحقق قده هذا الاستثناء، و هو المحكي عن المفيد و القاضي و الحلي و العلّامة في التذكرة و غيرهم، و قد استدل للاستثناء بالأخبار الواردة عن أبي بصير في أجر المغنية التي تزف العرائس.

و قد أجاب الشيخ عن الاخبار بأن في سندها أبا بصير و هو غير صحيح، و تحقق الشهرة الجابرة مع مخالفة من عرفت غير ثابت. قال: لكن الإنصاف أن سند الروايات- و ان انتهت الى أبي بصير- لا يخلو عن وثوق، و العمل بها تبعا للأكثر غير بعيد، و ان كان الأحوط- كما في الدروس الترك.

107

و في الوسيلة: قد يستثنى غناء المغنيات في الأعراس، و ليس ببعيد و ان كان الأحوط تركه.

قال السيد الأستاذ في تعليقته: مشكل و الأحوط تركه، كما أن الأحوط على فرض الارتكاب الاقتصار بالمغنية المملوكة دون الحرة و الرجل أو الغلام، بشرط ان لا يستعمل معها آلات اللهو، و لا يكون المستمع رجلا، و لا يدخل عليهن الرجال، و يكون النكاح شرعيا دائميا، و كان في حال الزفاف و هو حال دخول المرأة في بيت زوجها [1].

____________

[1] أقول: «أبو بصير» كنية جماعة من الرواة، أشهرهم: يحيى بن القاسم- أو أبو القاسم- الأسدي و ليث بن البختري المرادي- فقيل: ان هذه الكنية متى أطلقت يكون المراد هو الأسدي فهل هو ثقة أو لا؟ و قيل: بالاشتراك بين الثقة و غير الثقة، فلا بد من الرجوع الى القرائن لأجل التعيين، ثم أيهما الثقة؟

و قيل: كلاهما ثقة، فلا أثر للاشتراك.

هذا بحث طويل، أفرده بعضهم بالتأليف و التحقيق على ضوء الروايات و الأقوال.

أما أخبار المقام فقد نص في الحدائق و الجواهر على اعتضادها بالشهرة، فهي جابرة للضعف- على المبنى- ان كان، و في الحدائق: الأخبار المذكورة ظاهرة في جوازه في هذه الصورة، فيجب تخصيص الاخبار المطلقة بها، و به يظهر ضعف قول من ذهب الى عموم التحريم.

نعم لا ريب في أن الأحوط تركه.

و أما القيود التي ذكرها السيد الأستاذ فهي مستفادة من نفس تلك الاخبار، و مقتضى القاعدة للخروج عن الاخبار الدالة بإطلاقها أو عمومها على حرمة الغناء، و المدعى اباؤها عن التقييد و التخصيص هو الاقتصار على ذلك.

108

نعم لا يبعد جواز الهتاف و الشعار و الرجز و نحو ذلك مما تعارف في ميادين الحرب منذ صدر الإسلام، لغرض الحماسة و التهييج على القتال، لعدم صدق الغناء عرفا، فتكون خارجة موضوعا.

في حكم الحداء

كما لا يبعد جواز الحداء- كدعاء، و هو صوت يرجع فيه لسوق الإبل وفاقا لجماعة منهم المحقق حيث قال:

(و لا بأس بالحداء).

بل هو المشهور كما عن الكفاية، لعدم صدق الغناء عليه عرفا كذلك.

و في المسالك: قد روى أنه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) قال لعبد اللّه بن رواحة: «حرك بالقوم. فاندفع يرتجز، و كان عبد اللّه بن رواحة جيد الحداء و كان مع الرجال، و كان أنجشة مع النساء، فلما سمعه أنجشة تبعه، فقال النبي (صلى اللّه عليه و آله) لأنجشه: رويدك رفقا بالقوارير. يعني النساء» (1).

و قد خدش فيه الشيخ سندا و دلالة [1].

هذا و لو شك في اندراج صوت تحت موضوع الغناء، فإن الأصل يقتضي إباحته، و كذا لو كانت الشبهة مفهومية للشك في مفهوم الغناء، لان الاحتياط يكون واجبا ان كان المفهوم مجملا مرددا بين أفراد تكون نسبته الى الجميع على السواء، كما لو فرض ورود النهي عن التكتّف في الصلاة، و تردد مفهوم التكتف بين وضع اليدين إحداهما على الأخرى مطلقا أو وضعهما كذلك على‌

____________

[1] و في الحدائق: لم أقف في الاخبار له- أي لاستثناء الحداء- على دليل و توقف في الجواهر في استثنائه، لكن السيد الأستاذ يرى كون الحداء قسميا للغناء بشهادة العرف، فيكون خارجا موضوعا، قال في الجواهر: و لا بأس به.

____________

(1) و انظر الاستيعاب في معرفة الأصحاب 1- 140- ترجمة أنجشة العبد الأسود.

109

الصدر. أما إذا كان القدر المتيقن من المفهوم هو خصوص الحالة الثانية فلا يجب الاحتياط بترك الاولى. و ما نحن فيه من هذا القبيل، فان حكم بعض الأطراف معلوم، إذ قد عرفت القدر المتيقن في ماهية الغناء، فإذا شك في حرمة الزائد جرت أصالة البراءة.

قال المحقق (قدس سره): (و يحرم من الشعر ما تضمن كذبا، أو هجاء مؤمن أو تشبيبا بامرأة معروفة غير محللة. و ما عداه مباح، و الإكثار منه مكروه).

أقول: في العبارة أحكام:

حكم الشعر المتضمن للكذب

الأول: كل كلام تضمن كذبا فهو حرام، و قائله فاسق تردّ شهادته، لحرمة الكذب بالأدلة الأربعة، من غير فرق بين الشعر و غيره، و لعل تخصيص الشعر بالذكر من جهة شيوع الاشعار المتضمنة للكذب، و أما الشعر المتضمن لخلاف الواقع من باب المبالغة أو الإغراق فلا يبعد عدم حرمته، بل في المسالك الحكم بجوازه، قال: «و أما الشعر المشتمل على المدح و الإطراء فما أمكن حمله على ضرب من المبالغة فهو جائز، ألا ترى ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) قال لفاطمة بنت قيس: أما معاوية فصعلوك لا مال له، و اما أبو جهم فلا يضع عصاه على عاتقه، و معلوم انه كان يضعها كثيرا. و ان لم يمكن حمله على المبالغة كان كذبا محضا كسائر أنواع الكذب. و ربما قيل بعدم التحاقه بالكذب مطلقا، لان الكاذب يري الكذب صدقا و يروّجه، و ليس غرض الشاعر أن يصدق في شعره، و انما هو صناعة».

و لو توقف حفظ نفس محترمة أو مال محترم على الكذب جاز، بل وجب.

110

حكم هجاء المؤمن

الثاني: هجاء المؤمن حرام، فمن فعل فسق و ردّت شهادته و يدل على حرمته الأدلة الأربعة، لأنه إيذاء، و ظلم، و هتك، و همز، و لمز، و كل ذلك حرام، بل كبيرة موبقة. و من ذلك يظهر أنه لا دليل على حرمة «الهجاء» بعنوانه من الكتاب و السنّة بل يحرم من جهة انطباق أحد هذه العناوين عليه، نعم الدليل القائم على حرمته بالخصوص هو الإجماع بقسميه كما في الجواهر.

فهجاء المؤمن- و هو ذمّه و ذكر عيوب له شعرا- سواء كان فيه أو لا و سواء كان في حضوره أو لا حرام. و بما ذكرنا يظهر الفرق بينه و بين الكذب و الغيبة و التشبيب.

و يحرم هجاء المؤمن سواء كان عادلا أو فاسقا، بل متجاهرا بالفسق و ان جازت غيبته بذلك، و أما الخبر «محصوا ذنوبكم بذكر الفاسقين» فالمراد به الخارجون عن الايمان، قال في المسالك: اللهم الا ان يدخل هجاء الفاسق في مراتب النهي عن المنكر بحيث يتوقف ردعه عليه، فيمكن جوازه حينئذ ان فرض».

و احترز بالمؤمن عن المخالف، فإنه يجوز هجوه لعدم احترامه، و كذا يجوز هجاء الفاسق المبدع لئلا يؤخذ ببدعة، لكن بشرط الاقتصار على ذكر المعايب الموجودة فيه.

و قد ألحق صاحب الجواهر المخالفين بالمشركين في الحكم المذكور، فقال ما ملخصه بلفظه: اما المشركون فلا اشكال كما لا خلاف في جواز هجوهم و سبّهم و لعنهم و شتمهم ما لم يكن قذفا مع عدم شرائطه أو فحشا. فالظاهر إلحاق المخالفين بالمشركين في ذلك، لاتحاد الكفر الإسلامي و الإيماني فيه‌

111

بل لعل هجاءهم على رؤس الاشهاد من أفضل عبادة العبّاد ما لم تمنع التقية، و اولى من ذلك غيبتهم التي جرت سيرة الشيعة عليها في جميع الأعصار و الأمصار، علمائهم و عوامهم، حتى ملاوا القراطيس منها، بل هي عندهم من أفضل الطاعات و أكمل القربات، فلا غرابة في دعوى تحصيل الإجماع كما عن بعضهم، بل يمكن دعوى كون ذلك من الضروريات فضلا عن القطعيات.

لا يخفى على الخبير الماهر الواقف على ما تظافرت به النصوص بل تواترت من لعنهم و سبّهم و شتمهم و كفرهم، و انهم مجوس هذه الأمة، و أشر من النصارى و أنجس من الكلاب.

حكم التشبيب

الثالث: التشبيب بالمرأة كما في المكاسب عن جامع المقاصد: ذكر محاسنها و إظهار شدّة حبّها بالشعر.

و قد نقل الشيخ في المكاسب الحكم بالحرمة عن المبسوط و جماعة كالفاضلين و الشهيدين و المحقق الثاني، بل في الجواهر: بلا خلاف أجده فيه بل الإجماع بقسميه عليه.

و البحث الان في جهتين، أما الأولى ففي موضوع الحكم، فان المحقق (قدس سره) قيد بالامرأة المعروفة غير المحللة، و في المكاسب: المرأة المعروفة المؤمنة المحترمة، و أما الثانية ففي دليل الحكم المذكور:

قال الشيخ: و استدل عليه بلزوم تفضيحها، و هتك حرمتها، و إيذائها و إغراء الفسّاق بها، و إدخال النقص عليها و على أهلها، و لذا لا ترضى النفوس الآبية ذوات الغيرة و الحمية أن يذكر ذاكر عشق بعض بناتهم و اخواتهم، بل البعيدات من قراباتهم.

112

ثم أشكل على هذا الاستدلال بقوله: و الانصاف ان هذه الوجوه لا تنهض لإثبات التحريم، مع كونه أخص من المدعى، إذ قد لا يتحقق شي‌ء من المذكورات في التشبيب، بل و أعم منه من وجه فان التشبيب بالزوجة قد يوجب أكثر المذكورات.

أقول: انه لا دليل على حرمة التشبيب بعنوانه، فينبغي الاقتصار على المورد الذي يتحقق فيه شي‌ء من العناوين المذكورة، و المتيقن من ذلك هو الشعر المتضمّن لمحاسن المرأة الأجنبية و نشره أو إنشاده للغير، و هذا هو المتعارف بين أراذل الناس و أفواه السفلة.

و حينئذ فلو فعل ذلك بالنسبة إلى غلام حرم كذلك. فالتقييد بالمرأة لا وجه له. و كذا يحرم لو كان بالنسبة إلى حليلته، و لكن التقييد بغير المحللة لا حاجة إليه، لأن أحدا من ذوي الغيرة لا يتشبب عادة بزوجته و حليلته عند غيره، بل قد لا يكتب الشعر في ورقة مخافة أن تقع بيد الغير.

و على هذا فلو أنشأ شعرا تضمن تشبيبا بامرأة معروفة غير محللة لكنه أخفاه عن غيره، بل محاه أو مزق الورقة المكتوب عليها لم ينطبق شي‌ء من الوجوه المذكورة، و لا بد من دليل خاص يدل على حرمته، اللهم الا أن يدعى انطباق عناوين «اللهو» و «الباطل» و «الفحشاء» و «عدم العفاف» و نحو ذلك مما ذكره الشيخ للاستدلال على الحكم بعد الإشكال في الاستدلال بما ذكروه، لكن الإنصاف أن هذه الوجوه أيضا لا تنهض لإثبات التحريم لما ذكرناه.

فظهر انه ان أذاع الشعر و نشره ثبتت الحرمة سواء كان بامرأة أجنبية أو حليلة، أو بغلام، لانطباق الوجوه التي ذكرها القوم، و الا فلا حرمة لا من جهة تلك الوجوه، و لا من جهة ما ذكره الشيخ، اللهم الا صدق عنوان «اللهو» و «الباطل» و نحوهما، بناء على شمولها لذلك، لكن فيه انه إذا تم ذلك لزم الحكم بحرمة‌

113

نظم الشعر في وصف شجرة مثلا، لانه «عبث» و «لغو». و هو في غاية البعد.

و من هنا يقال بعدم حرمة التشبيب بالمخطوبة قبل العقد، بل مطلق من يراد تزويجها، لعدم جريان أكثر ما ذكر فيها، إذا لم يطلع غيره على الشعر، بل لا يكون هذا عادة، فيجوز له التشبيب بها كما يجوز له النظر إليها.

و أما التقييد بالمعروفة، فلجواز التشبيب بالمرأة المبهمة، بأن يتخيل امرأة و يتشبب بها عند الكل، كما في المكاسب.

و أما التقييد بالمؤمنة فقد نقله الشيخ عن العلّامة في القواعد و التذكرة و غيره لعدم احترام غير المؤمنة.

حكم الشعر إنشاء و إنشادا

الرابع: ان ما عدا ذلك من الشعر مباح إنشاؤه و إنشاده، و قد كان للنبي (صلى اللّه عليه و آله) شعراء يصغي إليهم، كما اشتهر عنه قوله: «ان من البيان لسحرا و ان من الشعر لحكمة».

حكم الإكثار من الشعر

الخامس: ان الإكثار من الشعر أي من حيث نفسه مع قطع النظر عن جهة أخرى ترجحه مكروه للنهي، خصوصا ليلة الجمعة و يومها، و للصائم، بل عن الخلاف كراهة إنشاده مطلقا، مستدلا عليه بالإجماع و غيره.

«المسألة السادسة» (في حرمة استعمال آلات اللهو)

قال المحقق (قدس سره): (العود و الصنج و غير ذلك من آلات اللهو حرام

114

يفسق فاعله و مستمعه، و يكره الدف في الاملاك و الختان خاصة).

أقول: أما حرمة العود و الصنج و غير ذلك من آلات اللهو فلا خلاف فيها، بل الإجماع بقسميه عليها كما في الجواهر.

و يدل على الحرمة. قبل ذلك. طائفة كبيرة من الاخبار الناهية [1] عن فعل ذلك بجميع أشكاله بالالسنة المختلفة:

1- إسحاق بن جرير: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: ان شيطانا يقال له القفندر إذا ضرب في منزل الرجل أربعين صباحا بالبربط و دخل الرجال، وضع ذلك الشيطان كل عضو منه على مثله من صاحب البيت ثم نفخ فيه نفخة، فلا يغار بعدها حتى تؤتى نساؤه فلا يغار».

دل على حرمة الضرب ب‍ «البربط» [2]. فإذا فعل ذلك أربعين صباحا ترتب الأثر الوضعي المذكور، نتيجة استحواذ الشيطان المسمى ب‍ «القفندر» على جميع أعضاء الرجل كما ذكر في الخبر.

و جاء في خبر آخر ترتب أثر آخر على ذلك و هو: «نزع الحياء من الرجل فلم يبال ما قال و لا ما قيل فيه» و هذا نصه:

2- أبو داود المسترق قال: «من ضرب في بيته بربط أربعين يوما سلط‌

____________

[1] انظر الباب 100 من أبواب ما يكتسب به. وسائل الشيعة 12- 232.

لكن بعض هذه الاخبار غير صريح في التحريم، و ذلك غير ضائر- كضعف بعضها سندا- لتعاضد بعضها ببعض، مع وجود ما هو صريح، بالإضافة إلى الإجماعات المحكية.

[2] البربط كجعفر: من ملاهي العجم و العرب تسميه المزهر و العود. كذا في المصباح.

115

اللّه عليهم شيطانا يقال له: القفندر، فلا يبقى عضو من أعضائه إلا قعد عليه، فإذا كان كذلك نزع منه الحياء و لم يبال ما قال و لا ما قيل فيه».

3- كليب الصيداوي: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: ضرب العيدان ينبت النفاق في القلب كما ينبت الماء الخضرة».

و هذا أثر آخر من آثار هذه المعصية.

4- موسى بن حبيب: «عن علي بن الحسين (عليهما السلام) قال: لا يقدس اللّه أمة فيها بربط يقعقع و ناية تفجع» [1].

فيمكن أن يكون المراد اتخاذ الأمة ذلك بمعنى شيوعه فيهم و كونه شعارا لهم، و أن يكون المراد وجود البربط فيها و لو في بعض الدور أو بين طائفة من الأمة.

5- سماعة: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): لما مات آدم شمت به إبليس و قابيل فاجتمعا في الأرض، فجعل إبليس و قابيل المعازف و الملاهي شماتة بآدم (عليه السلام)، فكل ما كان في الأرض من هذا الضرب الذي يتلذذ به الناس فإنما هو من ذلك».

أي: ان جعل المعازف و اللعب بالملاهي شماتة بآدم (عليه السلام) حسب السنة السيئة التي جعلها إبليس و قابيل.

6- السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): أنهاكم عن الزفن و المزمار و عن الكوبات و الكبرات» [2].

____________

[1] قعقع: صوت. و الناية مفرد النأي و هو من آلات اللهو معروف.

[2] الزفن: الرقص و أصله: اللعب و الدفع. و المزمار من آلات اللهو معروف. و الكوبات: جمع الكوبة و هو الطبل كما في خبر نوف عن أمير

116

7- عمران الزعفراني: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: من أنعم اللّه عليه بنعمة فجاء عند تلك النعمة بمزمار فقد كفرها. الحديث».

8- حماد بن عمرو و أنس بن محمد عن أبيه: «عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) في وصية النبي «ص» لعلي قال: يا علي ثلاثة يقسين القلب:

استماع اللّهو، و طلب الصيد، و إتيان باب السّلطان».

9- احمد بن عامر الطائي عن الرضا (عليه السلام) في حديث الشامي انّه «سأل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن معنى هدير الحمام الراعية «عبية» [1] قال:

تدعو على أهل المعازف و المزامير و العيدان».

10- الطوسي في مجالسه «عن على بن موسى عن آبائه عن علي (عليهم السلام) قال: كلّ ما ألهى عن ذكر اللّه فهو من الميسر».

أي الذي جاء في الآية الكريمة «إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصٰابُ وَ الْأَزْلٰامُ رِجْسٌ(1).

____________

المؤمنين (عليه السلام) الوسائل 12- 235 و في المصباح: الطبل الصغير المخصر.

و عن بعض اللغويين: النرد في كلام أهل اليمن. و في النهاية: النرد، و قيل:

الطبل، و قيل: البربط. و في المصباح الكبر بفتحتين: الطبل له وجه واحد.

و في النهاية: الطبل ذو الرأسين و قيل: الطبل الذي له وجه واحد. و لم أجد «الكبرات» جمعا له.

[1] كذا في الوسائل، و الظاهر أن الصحيح «الراعبية» و هي التي يستحب اتخاذها في البيوت، ففي خبر السكوني: «اتخذوا الحمام الراعبية في بيوتكم فإنها تلعن قتلة الحسين بن علي (صلوات اللّه عليهما)». و هديرها. سجعها.

يقال: هدر الحمام يهدر أي سجع.

____________

(1) سورة المائدة: 90.

117

11- الصدوق في خصاله: عن السيّاري رفعه «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) انه سئل عن السفلة فقال: من يشرب الخمر و يضرب بالطنبور».

12- ورّام في كتابه: «قال (عليه السلام): لا تدخل الملائكة بيتا فيه خمر أو دف أو طنبور أو نرد، و لا يستجاب دعاؤهم و ترفع عنهم البركة».

فروع في استعمال آلات اللهو

هل يشمل معقد الإجماع و قول المحقق «و غير ذلك» الصنج المستعمل في هذه الأزمنة في الشعائر الحسينية؟ في المستند: يحكم فيه و في كل ما يشك في دخوله في معقد الإجماع بمقتضى الأصل. قال: و أما ما روي من قولهم:

«إياك و الصوانج فان الشيطان يركض معك و الملائكة تنفر عنك» فلا يصلح لا ثبات الحرمة، لاختلاف النسخة، فان في الأكثر: الصوالج. فتأمل.

أقول: هل اختلاف النسخة في المقام و نحوه يوجب رفع اليد عن الخبر، و الأخذ بمقتضى أصالة البراءة، أو أن مقتضى القاعدة فيه هو الاحتياط؟ الظاهر الثاني، للعلم الإجمالي بكون الصادر أحد اللفظين، فالمنهي عنه في الخبر أما هذا و اما ذاك، و مقتضى القاعدة ترك استعمال كلا الأمرين ليحصل اليقين بالامتثال، لا الرجوع الى أصالة البراءة، و لعل هذا وجه التأمل الذي أمر به.

و الصوالج جمع الصولجان [1].

نعم إذا كان المراد من الصنج المحرم هو الدف المشتمل على جلا جل‌

____________

[1] أقول: جاء الصوالج جمعا للصولجان كما في التاج، و لم أجد في كتب اللغة الصوانج جمعا للصنج، فكون اللفظ هو الصوالج كما في أكثر النسخ هو الظاهر، فيكون الخبر في مورد الصولجان فقط.

118

كما في المسالك و عن بعض اللغويين، اختصت الحرمة بما كان بهذه الكيفية، و ليس منها ما تعارف استعماله في الشعائر، لكن كلمات الفقهاء و اللغويين مختلفة.

هذا و المتيقن من الدخول تحت عنوان «الملاهي» و «المعازف» كلّ آلة اتخذت للّهو و أعدّت له عند أهل العرف، فيحرم استعمالاتها المناسبة لها بقصد التلهي و الإلهاء.

و لو استعملت الإله الاستعمال الخاص بها لا بقصد الإلهاء بل لغرض عقلائي مقصود كايقاظ النائم، أو إعلام الغافل مثلا، فالظاهر الحرمة أيضا لصدق استعمال آلة اللهو الاستعمال المحرّم، و عدم مدخلية للقصد المذكور.

و لو استعملها بغير النحو الخاص المجعولة له، كجعل الدفّ ظرفا لبعض الأشياء، و المزمار عصا، و نحو ذلك، فقد اختار في المستند الحرمة قال: بل كأنه لا خلاف فيه.

أقول: ان كان دليل الحرمة وجوب كسر آلات اللهو و إعدامها كما في خبر أبي الربيع الشامي: «ان اللّه بعثني رحمة للعالمين و لا محق المعازف و المزامير» فان ذلك لا يقتضي حرمة الاستعمال المذكور، فلو عصى الأمر بالكسر و اتخذ المزمار عصا لم يرتكب أمرين محرّمين، بل المعصية واحدة و هي ترك الكسر و الاعدام. و ان كان الدليل خبر تحف العقول عن الصادق (عليه السلام): «كل أمر يكون فيه الفساد مما هو منهي عنه من جهة أكله و شربه أو كسبه أو نكاحه أو ملكه أو هبته أو عاريته أو إمساكه أو يكون فيه شي‌ء من وجوه الفساد نظير البيع بالربا و البيع للميتة و الدم و لحم الخنزير أو لحوم السباع من جميع صنوف سباع الوحش أو الطير أو جلودها أو الخمر أو شي‌ء من وجوه النجس فهذا كلّه حرام محرّم، لان ذلك كله منهي عن أكله و شربه و لبسه و ملكه‌

119

و إمساكه و التقلب فيه فجميع تقلبه في ذلك حرام. الحديث» و نحوه. فان الظاهر انصراف هذه الاخبار و كلمات الأصحاب عن مثل هذا الاستعمال.

و لو تحقق اللّهو بغير آلات اللهو كالطشت و نحوه يضرب به كالدّف ففي المستند: الظاهر عدم الحرمة للأصل، و اختصاص ثبوت الحرمة باستعمال آلات اللّهو. قال: نعم لو ثبت حرمة مطلق اللّهو لأمكن القول بالحرمة لذلك. و لكنه غير ثابت.

أقول: لا حاجة الى ثبوت حرمة مطلق اللهو للقول بالحرمة هنا، للقطع بأن العلّة في تحريم استعمال آلات اللهو هو مبغوضية اللهو الحاصل منها، فلو حصل ذلك اللّهو باستعمال غيرها من الأشياء قلنا بحرمة ذاك الاستعمال أيضا و ان لم يصدق عليه استعمال آلة اللهو، إذ لا خصوصية للعود و المزمار و نحوهما، فظهر أن نفس التحريم لاستعمال آلات اللهو كاف لتحريم التلهي بغيرها، سواء كان دليل آخر أولا، و سواء كان مطلق اللهو حراما أو لا.

هذا كله بالنسبة إلى نفس الاستعمال.

حكم استماع أصوات آلات اللهو

و صريح المحقق و جماعة حرمة استماع أصوات آلات اللهو. قال في المستند: و كأنه لصدق الاشتغال المصرّح به في رواية الفضل [1].

أقول: قد يناقش في صدق «الاشتغال» على «الاستماع» لكن لا حاجة‌

____________

[1] يعني خبر الصدوق في عيون الأخبار بأسانيده إلى الفضل بن شاذان عن الرضا (عليه السلام) في كتابه إلى المأمون، الذي ذكر فيه الكبائر، و عدّ منها: «الاشتغال بالملاهي». الوسائل 11- 260.

120

الى التمسك برواية الفضل، بل ان نفس أدلة حرمة الاستعمال كافية في الدلالة على حرمة الاستماع، لما تقدم من أن الاشتغال بها انما حرّم لأجل التلهي بالصوت و الالتذاذ المحرم الحاصل من ذلك، و لا ريب في حصول ذلك لمستمعه، بل قد يحصل له ما لا يحصل لفاعله. هذا مضافا الى قوله تعالى «إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا» (1) حيث استشهد به الامام (عليه السلام) لحرمة استماع الغناء [1]، و الى الاخبار الواردة في تحريم خصوص الاستماع.

و هل يحرم السماع كذلك؟ و تظهر الثمرة فيما إذا مرّ على طريق يوجب السماع، مع إمكان العبور من غيره، فهل يجوز له العبور منه؟ قال في المستند: لا يحرم للأصل و عدم صدق الاشتغال، و ان وجب المنع نهيا عن المنكر.

____________

[1] يعني خبر مسعدة بن زياد قال: «كنت عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال له رجل: بأبي أنت و أمي، اني أدخل كنيفا ولي جيران و عندهم جوار يتغنين و يضربن بالعود، فربما أطلت الجلوس استماعا مني لهن. فقال (عليه السلام):

لا تفعل. فقال الرجل: و اللّه ما أتيتهن، انما هو سماع أسمعه بأذني. فقال (عليه السلام): باللّه أنت أما سمعت اللّه يقول:

إِنَّ السَّمْعَ وَ الْبَصَرَ وَ الْفُؤٰادَ كُلُّ أُولٰئِكَ كٰانَ عَنْهُ مَسْؤُلًا

. فقال: بلى و اللّه كأني لم أسمع بهذه الآية من كتاب اللّه من عربي و لا عجمي، لا جرم اني لا أعود ان شاء اللّه، و اني استغفر اللّه. فقال له:

قم فاغتسل و صل ما بدا لك، فإنك كنت مقيما على أمر عظيم، ما كان أسوء حالك لو مت على ذلك.» الوسائل 2- 957.

____________

(1) سورة الإسراء: 36.

121

أقول: الفرق بين السماع و الاستماع واضح، و لكن صدق الاستماع لمن اختار الطريق الموجب للسماع على الطريق الأخر غير الموجب له مع إمكان العبور منه غير بعيد، فعليه اختيار الطريق الثاني، و كذا لو حضر مجلسا لصديق له مثلا- لا للاستماع- فترك الخروج عن المجلس لم يبعد صدق الاستماع بالنسبة اليه و ان لم يكن بقاؤه في المجلس لأجل الاستماع، كما أن الأحوط لمن سمع صوتا من بعيد و هو في داره و لم يمكنه النهي أن يسد السمع بخرقة مثلا.

و على الجملة فإن الاحتياط في جميع هذه الموارد و نحوها لازم، لاحتمال صدق الاستماع المحرّم على ذلك.

و أما حضور مجلس الاشتغال بالملاهي مع العلم بعدم إمكان المنع و عدم إمكان الخروج فلا ريب و لا كلام في حرمته، كحرمة حضور مجلس القمار و الخمر حتى مع عدم الاشتغال بالملاهي و عدم الاستماع و السماع، بل يحرم حتى على الأصم.

و من أحكام المسألة: وجوب كسر آلات اللهو أو إتلافها على كل متمكن من باب النهي عن المنكر، الذي هو إمساكه و اقتنائه، و لا يضمن به لصاحبه، نعم يجب عليه في صورة الكسر ردّ المكسور الى المالك، لان الواجب إعدام الهيئة فقط.

هل الاشتغال بالملاهي كبيرة؟

ثم ان ظاهر المحقق و غيره ممن أطلق تحقق الفسق بالاشتغال بالملاهي كون ذلك من المعاصي الكبيرة، و هو صريح خبر عيون الاخبار، و خالف في ذلك الشهيد الثاني في المسالك، و تبعه بعضهم، و لعلّه لعدم اعتبار الخبر‌

122

المزبور، أو للقول بأن الكبيرة ما أوعد اللّه عليها النار في القرآن المجيد كما تقدم عن الكفاية.

حكم الدف في الاملاك و الختان

و قد استثنى المحقق من الحرمة هنا- و في النافع- استعمال الدف في الاملاك و الختان خاصة، فقال بالكراهة، و تبعه العلّامة في التحرير فقال: أمّا الدف فيكره في الاملاك و الختان خاصة و يحرم في غيرهما، و هو المحكي في الجواهر عن الخلاف و المبسوط.

و ذهب جماعة إلى المنع مطلقا، قال في الكفاية: و منع منه ابن إدريس مطلقا و رجحه العلّامة في التذكرة، محتجا بأن اللّه عز و جل حرم اللهو و اللعب و هذا منه و هو غير بعيد.

أقول: لا كلام في حرمة اللّهو و اللعب، فان تمّ ما استدل به للجواز كان دليلا على التقييد و التخصيص. و قد استدلّ للاستثناء في الاملاك- و هو النكاح و التزويج- بخبرين نبويين: أحدهما: «أعلنوا النكاح و اضربوا عليه الغربال، يعني الدف» و الأخر: «فصل ما بين الحرام و الحلال بالضرب بالدف عند النكاح» لكنهما غير تامين سندا، و تحقق الشهرة الجابرة- على المبنى- غير معلوم.

و أمّا الختان فلم يذكروا لاستثنائه دليلا الا ما في المستند قال: و المرسل المروي في التذكرة حيث قال: و روي جواز ذلك في الختان و العرس.

و كيف كان فان القول بالاستثناء مشكل جدا.

123

«المسألة السابعة» (في الحسد و بغضة المؤمن و ان التظاهر بذلك قادح)

قال المحقق (قدس سره): (الحسد معصية، و كذا بغضة المؤمن، و التظاهر بذلك قادح في العدالة).

أقول: هنا بحثان:

البحث الأول: في الحسد)

الحسد كما في الجواهر: تمنّي زوال النعمة عن الغير أو هزوله، و الصحيح ما في كشف اللثام: أو ملزومه، قال المحقق: «معصية» و في القواعد:

«الحسد حرام».

و ظاهر المحقق أنه معصية صغيرة ما لم يتظاهر به، فان تظاهر كان معصية كبيرة، تقدح في العدالة، و تسقط بها الشهادة، لكن صريح المسالك انه معصية كبيرة، تظاهر بها أولا، فإن تظاهر لم تقبل شهادته، قال (رحمه اللّه): لا خلاف في تحريم هذين الأمرين، و التهديد عليهما في الاخبار مستفيض، و هما من الكبائر، فيقدحان في العدالة مطلقا، و انما جعل التظاهر بهما قادحا لأنهما من الأعمال القلبية، فلا يتحقق تأثيرهما في الشهادة إلا مع اظهارهما، و ان كانا محرّمين بدون الإظهار.

و في شرح الإرشاد بعد أن ذكر أخبار المسألة: و الظاهر من هذه الاخبار أن الحسد كبيرة، بل كاد أن يكون كفرا، فان أوّلت بحيث لا يكون كبيرة فيكون إخلاله بالشهادة باعتبار إصراره و المداومة كغيره مما تقدم و تأخّر، و الظاهر أن الحسد مطلقا ذنب، سواء أظهر أو لم يظهر، و لكن إخلاله بالشهادة انّما‌

124

يكون إذا كان ظاهر حتى يعلم، كغيره من الذنوب.

فهذان قولان، و ظاهر الجواهر قول ثالث، فإنه بعد أن صرّح بعدم الخلاف في الحرمة- كالمسالك- قال بعد ذكر خبر حمزة بن حمران الاتي:

«فيمكن أن يقال: ان التظاهر بهما محرم».

و صريح المسالك كون الحسد من الأعمال القلبية، و عليه يمكن أن يكون محكوما بحكم من الاحكام، لكن ظاهر أخبار المسألة أنه من صفات القلب، فكيف يحكم عليه بشي‌ء من الاحكام؟ و بعبارة أخرى: ان موضوعات الأحكام هي أفعال العباد لا أوصافهم. نعم إذا كان وصف من الأوصاف باختيار العبد وجودا أو عدما أمكن أن يقال للعبد: ان أوجدت الصفة الكذائية في نفسك أو أعدمتها فالحكم كذا، لكن الحسد ليس من هذا القبيل، فإنه كالخوف و البخل مثلا خارج عن الاختيار، فقولهم: «معصية» أو «حرام» مشكل، نعم لا مانع من أن يقال بوجوب تغيير الصفة السيئة مع الإمكان.

أمّا إظهار الحسد و عدم إظهاره فذلك تحت اختيار المكلّف، فيحرم عليه الإظهار، و يجب عليه المنع من ظهوره، و على هذا تحمل الأخبار الدالة على حرمة الحسد، فان تظاهر سقط عن العدالة، و سقطت شهادته عن القبول.

كما يجب حمل ما دل منها على عدم خلو الأنبياء و الأولياء عن الحسد على الغبطة أو على الصفة غير الاختيارية، غير أن النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) لا يتظاهر به بالنسبة إلى غيره، حتى إذا كان الغير كافرا، أو يحمل على غير ذلك مما لا ينافي العصمة.

و الحق أنه ان التفت الحاسد الى لوازم الحسد كالسخط على اللّه تعالى فهو معصية فوق الكبيرة، سواء تظاهر بها أو لم يتظاهر، فان لم يتظاهر كان كالمنافق، و ان تظاهر بها مع ذلك فذاك معصية أخرى، و يترتب على التظاهر‌

125

عدم قبول الشهادة و ان لم يلتفت الى شي‌ء من ذلك. هذا كله بالنسبة إلى الحسد و هذه نصوص بعض الاخبار في ذمّه:

1- محمد بن مسلم: «قال أبو جعفر (عليه السلام): ان الرجل ليأتي بأدنى بادرة فيكفر، و ان الحسد ليأكل الايمان كما تأكل النار الحطب».

2- داود الرقي: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: اتقوا اللّه و لا يحسد بعضكم بعضا. الحديث».

3- السكوني: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) كاد الفقر أن يكون كفرا و كاد الحسد أن يغلب القدر».

4- معاوية بن وهب: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): آفة الدين الحسد و العجب و الفخر».

5- داود الرقي: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال اللّه عز و جل لموسى بن عمران: يا ابن عمران لا تحسدن الناس على ما آتيتهم من فضلي، و لا تمدن عينيك الى ذلك، و لا تتبعه نفسك، فان الحاسد ساخط لنعمتي، صاد لقسمي الذي قسمت بين عبادي، و من يك كذلك فلست منه و ليس مني».

6- الفضيل بن عياض: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ان المؤمن يغبط و لا يحسد، و المنافق يحسد و لا يغبط».

7- أبو بصير: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: أصول الكفر ثلاثة الحرص و الاستكبار و الحسد. الحديث».

8- حمزة بن حمران: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: ثلاثة لم ينج منها نبي فمن دونه: التفكر في الوسوسة في الخلق، و الطيرة، و الحسد، الا انّ المؤمن لا يستعمل حسده».

126

ذكر هذه الاخبار و غيرها في وسائل الشيعة (1). و سيأتي ما يدل على ذلك في حرمة بغضة المؤمن.

البحث الثاني: في بغضة المؤمن

و أما بغضة المؤمن، فالكلام فيها كالكلام في الحسد، و عندنا أنها صفة من الصفات القلبية، قد تكون اختيارية و قد تكون غير اختيارية، و من قال بحرمتها من دون تظاهر- فقد جعلها من الأفعال القلبية أو أراد الاختيارية منها كما هو الأظهر.

الا أنه لا ريب في قدح التظاهر بها في العدالة، و سقوط الشهادة به، و في المبسوط: انه ان ظهر منه سب و فحش فهو فاسق، و الا ردت شهادته للعداوة.

و استدل للحرمة في كشف اللثام و الجواهر بما ورد من الأمر بالتحاب و التعاطف، و النهي عن التعادي و التهاجر، و في شرح الإرشاد انه لم يرد نهي صريح عن البغضة، لكن الصحيح ورود النهي الصريح عنها، على أنه إذا كان التحريم من جهة الأمر بالتحاب و التعاطف لزم القول بوجوب ذلك حتى يحرم التباغض لكونه تركا للواجب، مع أن أحدا لا يفتي بحرمة الترك المذكور، و ليس التحاب و التباغض ضدين لا ثالث لهما.

و نحن نذكر هنا بعض النصوص من كلتا الطائفتين:

1- عمر بن يزيد: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): ما كاد جبرئيل يأتيني إلا قال: يا محمد اتق شحناء الرجال‌

____________

(1) الباب 55 من أبواب جهاد النفس 11- 292. و لا حاجة الى النظر في أسانيدها كما لا يخفى.

127

و عداوتهم» (1).

2- مسمع بن عبد الملك: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) في حديث: الا ان في التباغض الحالقة. لا أعني حالقة الشعر، و لكن حالقة الدين» (2).

و هذا الخبر المشتمل على لفظة «التباغض» سنده معتبر.

3- شعيب العقر العقرقوفي: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول لأصحابه:

اتقوا اللّه و كونوا إخوة بررة، متحابين في اللّه، متواصلين متراحمين، تزاوروا و تلاقوا و تذاكروا أمرنا و أحيوه» (3).

4- أبو المغراء: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: يحق على المسلمين الاجتهاد في التواصل، و التعاون على التعاطف، و المواساة لأهل الحاجة، و تعاطف بعضهم على بعض، حتى تكونوا كما أمركم اللّه عز و جل رُحَمٰاءُ بَيْنَهُمْ. متراحمين مغتمين لما غاب عنهم من أمرهم، على ما مضى عليه معشر الأنصار على عهد رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله)» (4).

هذا و قد ذكروا أن ما يجده الإنسان من الثقل من بعض اخوانه لبعض أحوال أو أفعال أو لغير ذلك ليس من البغض، فإنه لا ينفك عنه أحد من الناس، و استثنوا من البغضة العداوة لأمر ديني، فقالوا بأنها غير محرمة.

و من ذلك كله يظهر أن البغضة المحرمة ليست مطلق الكراهية و الاستثقال‌

____________

(1) وسائل الشيعة 8- 569 الباب 136 من أبواب أحكام العشرة.

(2) وسائل الشيعة 8- 569.

(3) وسائل الشيعة 8- 552 الباب 124 من أبواب أحكام العشرة.

(4) وسائل الشيعة 8- 552.

128

بل المراد بغض المؤمن و هجره عن بغض و عداوة، و في بعض الاخبار ما يؤيد ذلك.

ثم انه يمكن أن يقال باستقلال العقل بقبح بغض المؤمن من غير مجوز، و ان الأدلة الشرعية إرشاد الى هذا الحكم العقلي.

«المسألة الثامنة» (في حرمة لبس الحرير و رد الشهادة به)

قال المحقق (قدس سره): (لبس الحرير للرجال في غير الحرب اختيارا محرم، ترد به الشهادة).

أقول: في هذه المسألة مبحثان، و يشتمل كل منهما على فروع:

المبحث الأول: لبس الحرير

أ- لا ريب و لا خلاف في حرمة لبس الحرير المحض للرجال عدا ما‌

استثني، بل عليه الإجماع في المسالك و غيره، بل عليه إجماع علماء الإسلام و نصوصهم كما في الجواهر و كشف اللثام، و هذه طائفة من النصوص الدالة على ذلك من أخبارنا (1).

1- محمد بن مسلم: «عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: لا يصلح لباس الحرير و الديباج، فأما بيعهما فلا بأس».

2- أبو الجارود عن أبي جعفر: «ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) قال لعلي (عليه السلام): اني أحب لك ما أحب لنفسي، و أكره لك ما أكره‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3- 266 الباب 11 من أبواب لباس المصلي.

129

لنفسي، فلا تختم بخاتم ذهب. الى أن قال- و لا تلبس الحرير، فيحرق اللّه جلدك يوم تلقاه».

3- جراح المدائني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «انه كان يكره أن يلبس القميص المكفوف بالديباج، و يكره لباس الحرير.».

و الكراهة محمولة على التحريم في الحرير، بقرينة الخبر المتقدم عليه.

4- مسعدة بن صدقة: «عن جعفر بن محمد عن أبيه: ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) نهاهم عن سبع: منها لباس الإستبرق، و الحرير.».

و يدل على الحرمة ما دل على جواز لبسه في الحرب و الضرورة، و ما دل على جواز لبس الحرير غير المحض، و ما دل على جواز لبسه للنساء،. كما سيأتي.

و أما ما دل على خلاف ذلك، فمحمول على الحرير غير المحض، أو على التقية.

ب- و ظاهر المحقق (قدس سره) هنا و في النافع، و العلّامة في القواعد و التحرير كون اللبس معصية كبيرة، فلا يشترط الإصرار و المداومة على اللبس و ذلك لان كل معصية توعد عليها النار فهي كبيرة، و قد ورد ذلك بالنسبة إلى لبس الحرير في بعض الاخبار [1].

____________

[1] أقول: المراد خبر أبي الجارود المتقدم. و ذهب المقدس الأردبيلي و تبعه السبزواري في الكفاية و صاحب الرياض الى العدم. قال الأخير: «و فيه إشكال، إذ لا يستفاد من أدلة المنع كونه من الكبائر، و انما غايتها افادة التحريم و هو أعم منه، و الأصل يلحقه بالصغائر، فالوجه عدم رد الشهادة بمجرد اللبس من دون إصرار و مداومة، كما نبه عليه المقدس الأردبيلي (رحمه اللّه)، و تبعه

130

هذا بالنسبة إلى اللبس.

و أما الصلاة فيه للرجال، فان كان مما تتم به الصلاة، فالحكم هو عدم الجواز إجماعا كذلك، و الا ففيه خلاف، كما سيأتي.

و أما حكم التكأة عليه، و الافتراش له. فسيأتي أيضا.

____________

صاحب الكفاية فقال: و لعل قدحه في الشهادة باعتبار الإصرار، و ربما يفهم منه كون ذلك مراد الأصحاب و مذهبهم أيضا و هو غير بعيد، و لا ينافيه إطلاق عبائرهم، لقوة احتمال وروده لبيان جنس ما يقدح في العدالة، من دون نظر الى اشتراط حصول التكرار أو الاكتفاء بالمرة الواحدة، و انما أحالوا تشخيص ذلك الى الخلاف في زوال العدالة بكل ذنب أو بالكبائر منها خاصة.».

قلت: ان خبر أبي الجارود يستفاد منه كونه من الكبائر، و معه لا مجال للرجوع الى الأصل، و ان كان كونه ملحقا إياه بالصغائر محل بحث، و أما احتمال كون ذلك مراد الأصحاب فيخالف ظواهر عبائرهم، كاحتمال ورودها لبيان جنس ما يقدح في العدالة، فقد ذكر المحقق مثلا ان الحسد معصية و كذا بغضة المؤمن ثم قال: و التظاهر بهما قادح في العدالة.

انما الكلام في سند الخبر المزبور، فأبو الجارود- و هو زياد بن المنذر- لم يوثقه أحد من الرجاليين، بل هو مذموم أشد الذم كما في تنقيح المقال نعم هو من رجال كامل الزيارات و تفسير القمي. على أن الخبر رواه الصدوق بإسناده اليه، و طريق الصدوق اليه ضعيف، و ان كان الظاهر تمامية سند الخبر في العلل.

فالخلاف في المقام مبني على اعتبار الخبر و عدمه، بعد الخلاف الكبروي الذي أشرنا إليه في نظير المقام فيما تقدم.

131

ج- و بقيد «المحض» يخرج غير المحض، فلا ريب في جواز لبسه و الصلاة فيه، قال المحقق (قدس سره): «و إذا مزج بشي‌ء، مما تجوز فيه الصلاة حتى خرج عن كونه محضا، جاز لبسه، و الصلاة فيه، سواء كان أكثر من الحرير أو أقل منه» قال في الجواهر بشرحه: بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، بل الثاني منهما مستفيض كالنصوص، أو متواتر، و من النصوص الصريحة في ذلك (1):

1- عبيد بن زرارة: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا بأس بلباس القز، إذا كان سداه أو لحمته من قطن أو كتان».

2- إسماعيل بن الفضل: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في الثوب يكون فيه الحرير. فقال: ان كان فيه خلط فلا بأس».

3- زرارة: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) ينهى عن لباس الحرير للرجال و النساء، الا ما كان من حرير مخلوط بخز، لحمته أو سداه خز، أو كتان أو قطن.».

4- يوسف بن إبراهيم: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا بأس بالثوب أن يكون سداه و زره و علمه حريرا، و انما كره الحرير المبهم للرجال».

د- و قد وقع الكلام في حكم لبس ما نسج نصفه حريرا محضا، و نصفه الأخر غير حرير، فقد أفتى السيد في العروة بعدم الجواز، و الأقوى هو الجواز لان المستفاد من الأدلة حرمة الحرير المحض، أو المبهم، أو المصمت، على اختلاف العناوين الواردة فيها، و التي لا يصدق شي‌ء منها عرفا على هذا الثوب.

فان شك في الجواز، فإن الأصل الاولي في لبس كل لباس هو الجواز،

____________

(1) وسائل الشيعة 3- 271 الباب 13 من أبواب لباس المصلي.

132

ثم خصص ذلك بأدلة حرمة لبس الحرير المحض، و مع الشك في شمول دليل المخصص لما خيط أو نسج بهذه الكيفية، يكون العام هو المرجع، و يحكم بالجواز. و ان كان العام ما دل على حرمة الحرير، ثم خرج منه الحرير غير المحض، فمع الشك في صدق غير المحض على هذا الثوب، كان المرجع أدلة حرمة الحرير. لكن الأظهر هو الأول، و هو كون المرجع عمومات جواز مطلق اللبس، فيجوز لبس هذا الثوب.

و لو شك في أنه من الحرير أو غيره، و من هذا القبيل اللباس المتعارف في زماننا المسمى بالشعري لمن لم يعرف حقيقته، جاز لبسه، للشك في شمول الأدلة له، و لو شك في أنه حرير محض أو ممتزج قال السيد في الوسيلة: الأحوط الاجتناب. لكن الأقوى عند السيد الأستاذ عدم وجوبه، كما ذكر في حاشيتها، لجريان البراءة، نعم هو لازم بالنسبة إلى الصلاة فيه بناء على شرطية غير الحرير فيها.

ه‍- استثني من الحرمة، اللبس في حالين:

1- لبس الحرير في حال الحرب:

و قد ادعى عليه الإجماع جماعة من الأصحاب، و يدل عليه قبله من النصوص (1).

1- إسماعيل بن الفضل: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا يصلح للرجل أن يلبس الحرير إلا في الحرب».

2- ابن بكير عن بعض أصحابنا: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا يلبس الرجل الحرير و الديباج إلا في الحرب».

____________

(1) وسائل الشيعة 3- 269 الباب 12 لباس المصلي.

133

3- سماعة بن مهران: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن لباس الحرير و الديباج. فقال: أما في الحرب فلا بأس به، و ان كان فيه تماثيل».

و هل المستثنى مطلق الحرب أو يختص بالحرب الواجبة أو الجائزة؟

لا ريب في جواز اللبس في الحرب الواجبة، أما الجائزة فوجهان، العدم لعدم وجوب الحرب، فلما ذا يقوم بالحرب مع عدم وجوبها، حتى يجوز له لبس الحرير. و الجواز، لانه مع جواز الحرب، يجوز له اللبس إذا اختار القيام بها، نظير السفر في شهر رمضان من جهة. و أما المحرمة فلا، لان دليل الجواز في الحرب منصرف ظاهرا عن الحرب المحرمة، فإذا حارب و لبس فقد ارتكب محرمين.

و المراد من حال الحرب، حال قيامها فعلا، أو الكون في بعض مقدماتها القريبة منها، بحيث يصدق عرفا كونه في حال الحرب.

ثم انه ذكر في الجواهر و غيرها: ان المراد استثناء حال الحرب من حرمة اللبس و بطلان الصلاة معا، قال: كما هو ظاهر المتن أو صريحه، بل و غيره من كلمات الأصحاب، و قد نص على الجواز السيد في العروة حيث قال:

و حينئذ تجوز الصلاة فيه أيضا.

و التحقيق أنه: ان كان عدم جواز الصلاة في الحرير مستندا إلى النهي عن مطلق لبسه، ففي الحرب ينتفي النهي، فلا وجه لبطلانها فيه، و ان كان حكما مستقلا من جهة انه مانع أو عدمه شرط فلا نصح، و تظهر الثمرة فيما إذا أمكنه النزع و تبديل الثوب، و الظاهر هو الثاني، فيكون كلبس الذهب للرجال، فيحرم لبسه، و تبطل الصلاة فيه، كما سيأتي في المبحث الثاني. و بناء على عموم دليل استثناء حال الحرب للصلاة، تكون النسبة بينه و بين دليل: لا تصل في الحرير: العموم من وجه، فيتعارضان في مورد الاجتماع، و يتساقطان و يكون‌

134

المرجع هو الأصل.

نعم لو ورد نص فيه: لا تلبس الحرير، و لا تصل فيه الا في الحرب، تعين الأول.

2- لبس الحرير في حال الضرورة:

و يدل على جواز اللبس في حال الضرورة كالبرد المانع من نزعه الأدلة العامة، الواردة في الأبواب المختلفة من الفقه، مثل قولهم (عليهم السلام):

1- ليس شي‌ء مما حرم اللّه الا و قد أحله لمن اضطر اليه.

2- كلما غلب اللّه عليه فاللّه أولى بالعذر.

3- رفع عن أمتي الخطأ و النسيان و ما أكرهوا عليه و ما لا يطيقون.

و غير ذلك من الأدلة العامة الحاكمة على الأدلة الأولية.

و من هنا نص جماعة على الإجماع على هذا الحكم.

و أما الاستدلال له بخصوص ما عن الصدوق (رحمه اللّه) من أنه: «لم يطلق النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) لبس الحرير لأحد من الرجال، الا لعبد الرحمن ابن عوف، و ذلك انه كان رجلا قملا»، فيتوقف على إلغاء الخصوصية فيه، و هو مشكل، لاحتمال كونه قضية في واقعة، لجواز وصول حال عبد الرحمن حدا جاز له ذلك بالأدلة العامة.

و من هنا يشكل التعدي من ضرورة البرد و نحوه الى كل ضرورة، بأن يقال بجواز الصلاة في كل ضرورة جاز معها اللبس.

و- و بقيد «الرجال» يخرج النساء، و قد نص على ذلك المحقق في كتاب الصلاة بقوله: «و يجوز للنساء مطلقا» قال في الجواهر: إجماعا أو‌

135

ضرورة من المذهب، بل الدين، و يدل عليه من النصوص (1):

1- ليث المرادي: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ان رسول اللّه «ص» كسا أسامة بن زيد حلة حرير، فخرج فيها، فقال: مهلا يا أسامة، إنما يلبسها من لا خلاق له، فاقسمها بين نساءك».

2- يوسف بن إبراهيم: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام). انما يكره المصمت من الإبريسم للرجال، و لا يكره للنساء».

3- ابن بكير عن بعض أصحابنا: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: النساء يلبسن الحرير و الديباج إلا في الإحرام».

4- الحسين بن زيد عن جعفر بن محمد عن آبائه (عليهم السلام) في حديث المناهي: «نهى رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) عن لبس الحرير و الديباج و القز للرجال، فأما النساء فلا بأس».

5- جابر الجعفي: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: ليس على النساء أذان. و يجوز للمرأة لبس الديباج و الحرير، في غير صلاة و إحرام، و حرم ذلك على الرجال إلا في الجهاد.».

6- قرب الاسناد عن موسى بن جعفر (عليه السلام): «سألته عن الديباج هل يصلح لبسه للنساء؟ قال: لا بأس».

إنما الكلام و الخلاف في موضعين:

صلاة المرأة في الحرير

الأول: في صلاة المرأة في الحرير، فالمشهور شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، هو الجواز، و عليه السيدان في العروة و الوسيلة، و عن الصدوق:

____________

(1) وسائل الشيعة 3- 275 الباب 16 من أبواب لباس المصلي.

136

المنع، و عن الأردبيلي: انه أولى، و عن الحبل المتين: أنه أوجه. و عن جماعة: التوقف.

و قد استدل للمنع بإطلاق صحيحي عبد الجبار الآتيين، و بخصوص خبري زرارة و جابر الجعفي المتقدمين.

و أجيب عن الصحيحين بتقييد ما دل على اختصاص الحرمة بالرجال لهما و عن خبر جابر بالضعف في السند، و عن خبر زرارة بالحمل على الكراهة جمعا بين الأدلة.

إحرام المرأة في الحرير

الثاني: في إحرام المرأة في الحرير، فإنه لا يخلو من الإشكال، للاخبار الناهية عن إحرامها فيه، أو لبسها للحرير في حال الإحرام.

في وظيفة الخنثى

أما الخنثى: فألحقها في الجواهر بالمرأة، قال: و الخنثى المشكل ملحق بها في جواز اللبس على الأقوى، لأصالة براءة الذمة، بل و في الصلاة أيضا عندنا، لصدق الامتثال، و عدم العلم بالفساد. و ما ذكره غير واحد من مشايخنا من إلحاقها في الصلاة بأخس الحالين، مبني على أصالة الشغل، و إجمال العبادة، و نحو ذلك مما لا نقول به، كما هو محرر في محله.

أقول: توضيح ما ذكره هو: أن أمر الصلاة دائر بين الأقل و الأكثر، لأن الخنثى تشك في اشتراط عدم الحرير، أو مانعية الحرير لصحة صلاتها، مضافا الى سائر الشرائط، فيكون الأقل- و هو ما عدا الحرير- هو المتيقن، و يجري الأصل بالنسبة إلى الأكثر، فلا يكون الحرير مانعا أو عدمه شرطا لها.

137

و لو شكت في تحقق الامتثال بعد الفراغ، كان شكها مسببا عن الشك في الاشتراط أو المانعية، و الأصل هو العدم.

و كذا الأمر في أصل التكليف، فإنه مع الشك في اشتغال الذمة، تجري أصالة البراءة، لحديث الرفع و غيرها من أدلتها، كما هو محرر في محله.

فان كان المستند لما ذكره غير واحد من المشايخ، الاحتياط في الشبهة التحريمية، و في دوران الأمر بين الأقل و الأكثر، فالمبنى باطل، كما تقرر في الأصول.

و ان أرادوا من «أخس الحالين» أن الخنثى ليست قسما برأسه، بل هو اما ذكر، أو أنثى، و هذا العلم الإجمالي يقتضي امتثالها بالنسبة إلى تكاليف الرجل و المرأة معا، فيلزمها فيما نحن فيه الاحتياط، و لا وجه للرجوع الى الأصل، نظير الحكم عليها بوجوب التستر، من كلا القسمين، كان الوجه ما ذهبوا اليه.

هل يجوز للصبي لبس الحرير؟

و أما الصبي: فلا بأس بلبسه الحرير، ضرورة عدم تكليفه بشي‌ء من التكاليف، انما الكلام في وجوب منع الولي، و حرمة إلباسه إياه، و صحة صلاته فيه بناء على كون عباداته شرعية.

و الحكم بوجوب منع الولي، و حرمة إلباسه إياه، يتوقف على العلم بكون لباس الحرير للذكور من قبيل ما علم من الشارع كراهة وجوده في الخارج حتى من الصبيان، ليتوجه الخطاب إلى أوليائهم أو غيرهم كفاية، بمنعهم عن اللبس، و بعدم الباسهم إياه.

لكن في صحة صلاته فيه اشكال، بناء على أن المستفاد من الأدلة كون‌

138

النهي عن الصلاة في الحرير مستقلا عن النهي عن اللبس، و هو ليس ببعيد.

في حكم ما لا تتم الصلاة فيه

ز- هل يجوز لبس ما لا تتم الصلاة منفردا، كالتكة و القلنسوة و نحوهما، و الصلاة فيه؟ فيه خلاف و من جوز لبسه في الصلاة، فقد جوزه في غيرها، فنقول:

قد نسب القول بالجواز إلى الأشهر في الجواهر كما في الوافي، و عن جماعة كثيرة كالمفيد و الصدوق و الشيخ في النهاية و العلامة في بعض كتبه و غيرهم المنع، و عن جماعة- منهم المحقق قده في كتبه الثلاثة- التردد، لكن قال المحقق: «و الأظهر الكراهة»، و هذا هو المختار [1].

استدل للمنع: بمكاتبة محمد بن عبد الجبار قال: «كتبت الى أبي محمد أسأله هل يصلى في قلنسوة حرير محض أو قلنسوة ديباج؟ فكتب: لا تحل الصلاة في حرير محض». و بمكاتبته الأخرى: «كتبت الى أبي محمد (عليه السلام) أسأله هل يصلى في قلنسوة حرير محض أو قلنسوة ديباج. فكتب لا تحل الصلاة في حرير محض» [2].

____________

[1] قال السيد في العروة: أن لا يكون حريرا محضا للرجال، سواء كان ساترا للعورة أو كان الساتر غيره، و سواء كان مما تتم فيه الصلاة أو لا على الأقوى كالتكة و القلنسوة و نحوهما، بل يحرم لبسه في غير حال الصلاة أيضا إلا مع الضرورة» فقال سيدنا الأستاذ في تعليقته: «لا قوة فيه و الأحوط اجتنابه» و من هنا وافق السيد صاحب الوسيلة في قوله: «أن لا يكون حريرا محضا للرجال على الأحوط».

[2] أقول: هل هي مكاتبة أخرى أو هي مكاتبة واحدة؟ صريح الجواهر

139

و للجواز: بما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كل ما لا تجوز الصلاة فيه وحدة فلا بأس بالصلاة فيه، مثل التكة الإبريسم و القلنسوة و الخف و الزنار يكون في السراويل و يصلى فيه» (1).

أما المكاتبة فلا كلام في صحتها سندا، و أما خبر الحلبي فقد أجاب المانعون عنه بضعف سنده ب‍ (أحمد بن هلال العبر تايي) فإنه ضعيف، و أجيب:

بأنه مع التسليم ينجبر الضعف بعمل الأصحاب بالخبر [1]، الا أنه لا سبيل الى‌

____________

هو الأول، لكن الثاني غير بعيد، بل هو الظاهر عند المحقق النائيني، ففي كتاب الصلاة للاملي عنه (قدس سرهما): الظاهر أنهما رواية واحدة، الا انه لمكان تقطيعها يذكر كل فقرة منها في الموضع المناسب لها، و المنقول عن بعض السادة من أهل أصفهان وجود أصل نسخة المكاتبة عنده، الذي كان الجواب فيها بخط العسكري (عليه السلام)، و انه ذكر فيها نحو من خمسة عشر الى عشرين سؤالا.

قلت: قد ذكرت المكاتبة في الوسائل مرة في الباب الحادي عشر، و مرتين في الباب الرابع عشر من أبواب لباس المصلي، و قد أضاف في الموضع الأخير ذكر السؤال عما لا تتم الصلاة فيه من غير المأكول مع الجواب بأنه إذا كان ذكيا فلا بأس.

[1] أقول: الكلام في «أحمد بن هلال» طويل، فمن الأصحاب من لا يعتمد على خبره لكونه فاسد المذهب ضعيفا، و منهم من يعتمد عليه، لان فساد المذهب لا يضر بعد وثاقة الراوي. قلت: ان كان منشأ تضعيف من ضعفه هو الفساد في العقيدة و انه في نفسه ثقة أمكن الاعتماد على خبره بناء على ان

____________

(1) وسائل الشيعة 3- 272 الباب 14 من أبواب لباس المصلي.

140

تقديمه على المكاتبة، لأنها أصح بلا كلام.

كما أنه لا سبيل الى تقديم خبر الحلبي على المكاتبة بالحكومة- و ان كان مقدما على إطلاقات عدم جواز الصلاة في الحرير بالحكومة، لأنه ناظر الى تلك الإطلاقات- و لا بالتقييد، لانه من قبيل تخصيص المورد، و هو مستهجن الا أن يقال بأن الامام (عليه السلام) قد أعرض عن جواب السؤال، بل ذكر الحكم بصورة العموم، لكنه خلاف الظاهر.

و حمل الفقيه الهمداني المكاتبة على الغالب، أي أن الغالب في القلنسوة أن تكون من حرير، و هو كما ترى، لأن السؤال قد وقع عن القلنسوة، و إعطاء الجواب عن الفرد الغالب منه خلاف المتعارف، بل يمكن أن يكون من الإغراء بالجهل إذ يمكن أن يكون المحتاج اليه حكم القلنسوة غير الحرير.

كما أن حمل المكاتبة على التقية غير تام، لأن العامة يقولون بجواز الصلاة في ذلك (1) فقوله (عليه السلام) «لا تحل» الظاهر في الحرمة الوضعية ينافي التقية.

بقي حمل المكاتبة على الكراهة، بقرينة خبر الحلبي، و فيه: ان لسان النهي عام، لانه قال: «لا تحل الصلاة في حرير محض»، فهو من الأدلة الدالة على عدم جواز الحرير مطلقا، فيتوقف حمله على الكراهة على القول بعموم المجاز فيه، بأن استعملت الهيئة في الجامع بين الحرمة و الكراهة، فتكون الحرمة لما تتم فيه الصلاة، و الكراهة لما لا تتم فيه، لكن الحمل على عموم المجاز فيه مشكل.

____________

فساد العقيدة لا يضر بالوثاقة كما عليه بعض مشايخنا. و راجع المستمسك 5- 356. معجم رجال الحديث 2- 367.

____________

(1) انظر الخلاف للشيخ 1- 190.

141

الا أن يقال بأن معنى المكاتبة: لا تحل الصلاة في قلنسوة حرير محض، فلا يكون الجواب عاما، بل هو نهي عن خصوص القلنسوة فيمكن حمله على الكراهة بقرينة خبر الحلبي، و هذا هو الاولى، نظير ما إذا قال السائل: هل يصلى خلف شارب الخمر، فورد الجواب: لا تصل خلف الفاسق، فيحمل على أن المراد لا تصل خلف شارب الخمر لانه فاسق.

و صاحب الجواهر و بعضهم قدموا خبر الحلبي لكونه أشهر، و عليه فلما ذا القول بالجواز على كراهة؟ الا أن يقال: بأن «لا بأس» فيه اشعار بوجود حزازة فيها، و اللّه العالم.

و لو وصل الأمر الى الأصل، فلا ريب في أنه البراءة، لأنه من دوران الأمر بين الأقل و الأكثر.

ثم ان المراد ما لا تتم فيه الصلاة منفردا، أي لكل رجل بحسب حاله، لا مطلقا، و لا الوسط من الرجال، خلافا للجواهر.

ح- لا بأس بالكف بالحرير، و ترقيع الثوب به، لعدم صدق اللبس معه، و يجوز الصلاة فيه أيضا، لانصراف أدلة النهي عن الصلاة فيه عن مثله. و ان كان الأحوط أن لا يزيد على أربع أصابع.

ط- و لا بأس أيضا في حمل الحرير، و استصحابه، في الصلاة و غيرها، لعدم صدق اللبس، و انصراف الأدلة عنه، و ان كان مما تتم فيه الصلاة.

في حكم التكأة على الحرير

ى- و أما التكأة على الحرير، و الافتراش له، و التدثر به، فقد قال المحقق هنا: «و في التكأة عليه و الافتراش له تردد، و الجواز مروي» و قال في كتاب الصلاة: «و يجوز الركوب عليه و افتراشه على الأصح».

142

قال في الجواهر: وفاقا للأكثر، بل المشهور نقلا و تحصيلا، بل في المدارك: انه المعروف من مذهب الأصحاب لصراحة نصوص المسألة في اللبس، و لا ريب في عدم صدق على التكأة و الافتراش، و لو كان ثمة حديث ضعيف يدل على المنع، فمحمول على المنع من اللبس، بقرينة سائر النصوص، و للغلبة في استعمال الحرير- و ان كان في دعوى غلبة لبس الحرير على سائر استعمالاته، بحيث يصح حمل الخبر المطلق على هذا الاستعمال الخاص نظر.

و كيف كان ففي الصحيح عن علي بن جعفر قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الفراش الحرير و مثله من الديباج، و المصلى الحرير، هل يصلح للرجل النوم عليه و التكأة و الصلاة؟ قال: يفترشه و يقوم عليه و لا يسجد عليه» (1).

و أما التدثر فان صدق عليه اللبس حرم، و الا فلا، و في مجمع البحرين:

«يٰا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ» أي المدثر في ثيابه، و ظاهره الصدق.

و مع الشك في الصدق- من جهة اختلاف اللغة و العرف- فبالنسبة إلى اللبس يجري الأصل، و أما بالنسبة إلى الصلاة فيه، فتصح بناء على مانعية الحرير، للشك في المانعية، و لا تصح بناء على اشتراط عدمه. و هذا كله مبني على ما هو الأظهر من عدم استناد النهي عن الصلاة فيه الى النهي عن اللبس، و الا فلا كلام في الصحة، لانتفاء الحرمة للأصل.

هذا كله في المبحث الأول.

المبحث الثاني: التختم بالذهب

قال المحقق (قدس سره): (و كذا يحرم التختم بالذهب و التحلي به للرجال).

____________

(1) وسائل الشيعة 3- 274 الباب 15 من أبواب لباس المصلي.

143

أقول: هنا مطالب:

1- حكم التختم بالذهب و التحلي به

لا كلام في حرمة ذلك، و لا خلاف فيه بل الإجماع بقسميه عليه كما في الجواهر، و بذلك ينجبر ضعف بعض النصوص، و لا فرق في ذلك بين أن يكون ذهبا خالصا أو غير خالص، بل يحرم حتى المموه عند المشهور، و أما المشكوك في كونه ذهبا أو لا فيرجع فيه الى أهل الخبرة، و مع بقاء الشك لجهلهم أو اختلافهم مثلا لم يحرم، للشك في شمول الأدلة الناهية له، و عدم جواز التمسك بها في الشبهة المصداقية، و لا عبرة بتسمية بعض الناس إياه بالذهب، و لو شك فيه من جهة الشك في المفهوم فالحكم هو الأخذ بالقدر المتيقن و إجراء البراءة عن الزائد عليه.

و من نصوص المسألة:

1- جابر الجعفي: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: ليس على النساء أذان- الى أن قال-: و يجوز أن تتختم بالذهب و تصلي فيه، و حرم ذلك على الرجال إلا في الجهاد» (1).

2- روح بن عبد الرحيم: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال قال رسول اللّه لأمير المؤمنين: لا تتختم بالذهب فإنه زينتك في الآخرة» (2).

3- علي بن جعفر: «عن موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3- 276 الباب 16 من أبواب لباس المصلي. ضعيف.

(2) وسائل الشيعة 3- 299 الباب 30 من أبواب لباس المصلي. موثق.

144

الرجل هل يصلح له الخاتم الذهب؟ قال: لا» (1).

و يدل على ذلك أيضا ما سنذكره في حكم الصلاة فيه:

2- حكم الصلاة في الذهب

و لا كلام و لا خلاف كذلك في بطلان الصلاة في الذهب، سواء كان ساترا أو غير ساتر، بل حتى فيما لا تتم الصلاة به منه، قيل: للنهي عن لبسه، فإنه إذا صلى فيه اجتمع الأمر و النهي، و حينئذ تبطل الصلاة، لأنها عبادة، و ان قلنا بجواز الاجتماع، لأن الشي‌ء المنهي عنه لا يكون مقربا.

قلت: لكن الكلام في الصغرى، فإنه بأي جزء من أجزاء الصلاة يتحد الخاتم؟ قد عبر بعضهم بالكون في هذا اللباس. و لكن الكون ليس من أجزاء الصلاة، و لا ينتقض بالكون في المكان المغصوب، لان المكان الذي يقف عليه المصلي يتحد مع وقوفه، و من هنا نقول ببطلان الصلاة إذا كان مكان المصلي ذهبا.

فالأولى الاستدلال لبطلان الصلاة في الذهب بالنصوص و منها:

1- عمار بن موسى: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: لا يلبس الرجل الذهب و لا يصلي فيه، لانه من لباس أهل الجنة» (2).

2- موسى بن أكيل النميري: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام). و جعل‌

____________

(1) وسائل الشيعة 3- 301 الباب 30 من أبواب لباس المصلي. (قرب الاسناد).

(2) وسائل الشيعة 3- 300 الباب 30 من أبواب لباس المصلي. موثق.

145

اللّه الذهب في الدنيا زينة النساء، فحرم على الرجال لبسه و الصلاة فيه» (1).

و أما إذا كان متحليا بالذهب، فلا كلام في بطلانها مع صدق اللبس، و هل المستفاد من «لا يلبس الرجل الذهب و لا يصلي فيه» هو البطلان و ان لم يصدق، كما هو الحال في: لا تصل في و بر ما لا يؤكل لحمه؟ يحتمل أن يكون المراد «اللباس» و يحتمل أن يكون المراد «المعية» يجوز الوجهان لكن الظاهر هو الثاني خلافا للجواهر حيث ادعى الانصراف عن المعية.

و كيف كان فلا ريب في جريان الأصل مع الشك.

3- في موارد الجواز

هذا و قد جوّز الأصحاب الصلاة في المحمول من الذهب، و شدّ الأسنان به، لعدم صدق اللبس عليهما، و يدل على الجواز في الثاني صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) (2).

قال السيد في العروة: بل الأقوى انه لا بأس بالصلاة فيما جاز فعله فيه من السلاح كالسيف و الخنجر و نحوهما و ان أطلق عليهما اسم اللبس، و لكن الأحوط اجتنابه.

«المسألة التاسعة» (في أحكام اتخاذ الحمام)

قال المحقق (قدس سره): (اتخاذ الحمام للأنس و إنفاذ الكتب ليس بحرام،

____________

(1) وسائل الشيعة 3- 300 الباب 30 من أبواب لباس المصلي. ضعيف.

(2) وسائل الشيعة 3- 302 الباب 31 من أبواب لباس المصلي.

146

و ان اتخذها للفرجة و التطيير فهو مكروه، و الرهان عليها قمار)

أقول: في المسألة فروع:

1- حكم اتخاذ الحمام

أمّا حكم اتخاذ الحمام للأنس و إنفاذ الكتب فقد قال المحقق: «ليس بحرام» قال في الجواهر: بلا خلاف أجده فيه على ما اعترف به غير واحد، للأصل و غيره.

و تدل عليه- بل على استحباب الاتخاذ لذلك- النصوص المستفيضة، بل المتواترة، فإنها زهاء ثلاثين خبر، أوردها صاحب الوسائل في أبواب مختلفة:

فذكر في باب «استحباب اتخاذ الحمام في المنزل» ستة عشر حديثا.

و في باب «استحباب إكرام الحمام و البقر و الغنم» حديثا واحدا.

و في باب «تأكد استحباب اتخاذ الحمام الراعبي في المنزل، و فتّ الخبز للحمام» ثلاثة أحاديث.

و في باب «استحباب اختيار الحمام الأخضر و الأحمر للإمساك في البيت، و أنّ من قتل الحمام غضبا استحب له الكفارة عن كل حمامة بدينار» خمسة أحاديث.

و في باب «جواز تزويج الذكر من الطّير.» حديثين.

2- حكم اللعب بالحمام

و اما حكم اللعب بالحمام و تطييره. فقال المحقّق (قدس سره): «و ان اتخذها للفرجة و التطيير فهو مكروه».

147

أقول: أمّا الجواز فهو المشهور، و في الجواهر عن ظاهر المبسوط: الإجماع عليه، و هو مقتضى الأصل، و يدل عليه أخبار (1):

1- العلاء بن سيابة: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن شهادة من يلعب بالحمام. فقال: لا بأس إذا كان لا يعرف بفسق».

2- العلاء بن سيابة: «سمعته يقول: لا بأس بشهادة الذي يلعب بالحمام، و لا بأس بشهادة السباق المراهن عليه، فان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قد أجرى الخيل و سابق، و كان يقول: ان الملائكة تحضر الرهان في الخف و الحافر و الريش، و ما سوى ذلك قمار حرام» 3- العلاء بن سيابة: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن شهادة من يلعب بالحمام. قال: لا بأس إذا كان لا يعرف بفسق، قلت: فان من قبلنا يقولون قال عمر:

هو شيطان، فقال: سبحان اللّه، أما علمت أن رسول اللّه «ص» قال: ان الملائكة لتنفر عند [عن] الرهان و تلعن صاحبه، ما خلا الحافر و الخف و الريش و النصل فإنها تحضره الملائكة. و قد سابق رسول اللّه «ص» أسامة بن زيد و أجرى الخيل».

بل يدل على جواز اللعب و الفرجة بها ما دلّ على استحباب إكرامها و تزويجها و نحو ذلك، لعدم انفكاك هذه الأمور عن الفرجة بها عادة.

و قال ابن إدريس في السرائر: «و يقبل شهادة المتخذ للحمام غير اللاعب بها و المسابق و المراهن عليها، إذا لم يعرف منه فسق، و قول شيخنا في نهايته و يقبل شهادة من يلعب بالحمام، غير واضح، لانه سماه لاعبا، و اللعب بجميع‌

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 305 الباب 54 من أبواب الشهادات، و «العلاء ابن سيابة» لم يرد في حقه مدح و لا ذم.

148

الأشياء قبيح، فقد صار فاسقا بلعبه، فكيف تقبل شهادته؟، و انما أورد لفظ الحديث إيرادا لا اعتقادا، و ان كان المقصود باللعب ما ذكرناه، و هو اتخاذها للأنس و حمل الكتب دون اللعب».

و في قوله: «و اللعب بجميع الأشياء قبيح، فقد صار فاسقا بلعبه» منع واضح، إذ ليس كلّ لعب و لهو بحرام، فمن ذلك ما يحسنه العقل، و يعمله العقلاء، لما فيه من المنافع و الآثار، بل يمكن دعوى قيام السيرة على مثل ذلك حتى زمن المعصوم، كما في الخبر المروي في الأمالي من مصارعة الحسنين بحضرة النبي (صلى اللّه عليه و آله)، و قوله للحسن (عليه السلام):

اصرع الحسين، و قد كان جبرئيل يقول للحسين: يا حسين اصرع الحسن.

و المحرّم من اللهو ما يحرك الشهوات و يعدّ من الملذّات النفسانية و ليس فيه شي‌ء من الأغراض العقلائية.

نعم لا كلام في حرمة اللهو و اللعب و الفرجة بالحمام، إذا أدّى ذلك الى ترك واجب، أو ارتكاب محرّم، أو اقترن بشي‌ء من المحرّمات. كما لا كلام في منافاة ذلك للمروية في حق بعض الناس.

و بالجملة ليس كل لعب بحرام، و ما دل على حرمته عموما أو إطلاقا منصرف عن مثل ما ذكرناه البتة.

و أما الكراهة، فلان تطيير الحمام و الفرجة بها- و ان لم يكن معصية- يمنع من الاشتغال بالاعمال المفيدة، و صرف العمر فيما ينبغي أن يصرف فيه.

و من هنا يظهر أنه ليس المراد من هذه الكراهة، الكراهة الاصطلاحية في عرف المتشرعة.

149

3- حكم السباق بالحمام

و اما حكم السباق بالحمام. فقال: «و الرهان عليها قمار».

أقول: ان الأصل في كتاب السبق و الرماية هو قوله (عليه السلام): «لا سبق إلا في نصل أو خف أو حافر» [1]. و قد اختلفت الرواية في لفظ «سبق»، فبناء على أنه بفتح الباء- و هو بمعنى العوض المعين لمن غلب- يدلّ الخبر على حرمة الرّهان في غير الثلاثة، فتجوز المسابقة مع الرّهان فيها و لا تجوز فيما خرج عنها، لكن لا نهي عن «السبق» بسكون الباء بلا رهان، و عليه فيجوز ذلك في الحمام، و بناء على أنه بسكون الباء يدل على المنع في غير ما ذكر، و ان كان بلا رهان.

و اما بناء على عدم ثبوت رواية الفتح، و احتمال كل الأمرين معا، لم يثبت دليل على المنع من المسابقة بلا رهان في ما عدا الثلاثة، و كان المرجع فيه الأصل.

و المتيقن من الخبر هو الدلالة على حرمة «السبق» بفتحها في غير الثلاثة، و هو المجمع عليه بين الأصحاب، و تدل عليه غيره من الاخبار، فإن هذا الرهان قمار.

لكن في خبر العلاء بن سيابة استثناء الحمام كالثلاثة، و هو الخبر الثالث من الاخبار المذكورة. و قد أجيب عنه باحتمال ارادة «الخيل» من «الحمام» كما هو لغة أهل مكة، لكن يضعفه أنه لا يعبر عن المسابقة بالخيل ب‍ «اللعب» و ان كان فمجاز. مع ان لفظ «الريش» في الذيل يؤيد كون الحمام في الصدر‌

____________

[1] أقول: في هذا الخبر سندا و دلالة و متنا خلاف و بحث بين الأصحاب، راجع من كتبهم: الروضة البهية 2- 13 و الكفاية 136 و الرياض 2- 41.

150

هو «الطير» و من حمله على «الخيل» قال بأن المراد منه هو «النصل» و هو خلاف الظاهر.

الا ان سند هذا الخبر غير معتبر، و لا جابر له، و هذا هو الجواب الصحيح.

فتلخص عدم النهي عن السبق بلا رهان، و عدم الجواز معه، لخبر الحصر في الثلاثة، المعمل به لدى الأصحاب.

«المسألة العاشرة» (في قبول شهادة أصحاب الصنائع المكروهة)

قال المحقق (قدس سره): (لا ترد شهادة أحد من أرباب الصنائع المكروهة، كالصياغة و بيع الرقيق، و لا من أرباب الصنائع الدنية، كالحجامة و الحياكة، و لو بلغت في الدناءة، كالزبال و الوقاد. لان الوثوق بشهادته مستند الى تقواه).

أقول: إذا كان للشاهد تقوى توجب الوثوق بشهادته، فلا ينظر الى حرفته و صنعته، حتى و لو كانت من الصنائع المكروهة شرعا كالصياغة و بيع الأكفان، و بيع الرقيق، و نحوها، أو الصنائع الدنية عرفا، كالحجامة و الحياكة، بل حتى لو كانت في غاية الدناء، كالزبال و الوقاد، لوضوح عدم منافاة هذه الصنائع للتقوى، التي هي الملاك في قبول الشهادة و الوثوق بها.

و المسألة لا خلاف فيها بين الأصحاب، بل لم يكن حاجة الى التعرض لها، و انما الغرض من ذلك التنبيه على خلاف بعض العامة، و لا ريب في بطلان ما ذهبوا إليه، لإطلاقات أدلة قبول شهادة العدل، بل ان هذه الصنائع واجبة بالوجوب الكفائي، حفظا للنظام، فضلا عن عدم منافاتها للمروة، و توهم أن من يقوم هذه الصنائع يعرض نفسه لازراء الناس، و يحقر نفسه في المجتمع، و من كان كذلك هان عليه تضييع الحقوق و الأحكام الإلهيّة. واضح الاندفاع،

151

على أن القيام ببعض المندوبات بل الواجبات قد يوجب إزراء الناس.

عدم انحصار القادح فيما ذكره المحقق

قال في الجواهر: ثم لا يخفى عليك أن المصنف و غيره ممن تعرض لذكر بعض ما يقدح في العدالة، ليس غرضه حصر ذلك فيما ذكروه، ضرورة عدم انحصار الأمر فيما ذكره، لمعلومية حرمة أمور كثيرة لم يذكروها، كمعلومية كونها من الكبائر، بل قد ذكر في كتب الأخلاق أمور كثيرة تقتضي القدح في العدالة لم تذكر في كتب الأصحاب، مع أن فيها روايات كثيرة مشتملة على المبالغة في نفي الايمان معها، و قد ذكر الأردبيلي جملة منها و من أخبارها.

أقول: ان الأمور القادحة في العدالة من الكثرة بحيث إذا جمعت مع أخبارها كانت كتابا ضخما، و ان من الأمور التي ذكرها المحقق الأردبيلي (رحمه اللّه) ما ليس بحرام في نفسه- ما لم يقترن بفسق أو يؤدي إليه- فلا يرتفع به العدالة، و لا ترد الشهادة، كعدة «حب الرئاسة» منها، فإنه من الصفات القلبية، و ليس من المحرمات في نفسه، إلا إذا تترتب عليه شي‌ء منها في الخارج، فيقدح في العدالة، نعم من العسير جدا وجوده في القلب وجودا مجردا عن ترتب شي‌ء من المحرمات، و من هنا ورد الذم الشديد عليه، كالطمع و البخل و الحسد و ما شابه ذلك، و جاء الأمر بمعالجة ذلك كما ذكر في كتب الأخلاق، قال اللّه تعالى «وَ أَمّٰا مَنْ خٰافَ مَقٰامَ رَبِّهِ وَ نَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوىٰ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوىٰ».

و على الجملة فكل ما دخل من الصفات الرذيلة تحت الاختيار حدوثا أو بقاء توجه إليه الأمر و النهي، فان خالف زالت عدالته، و ردت شهادته، و ما لم يكن كذلك لم يكن وجوده أو استمراره مخلا بالعدالة، و هذا هو القاعدة الكلية في المقام.

152

الوصف الخامس: ارتفاع التهمة

قال المحقق (قدس سره): (الخامس: ارتفاع التهمة، و يتحقق المقصود في مسائل).

أقول: لا ريب في اشتراط انتفاء التهمة عن الشاهد، حتى تقبل شهادته، و لا خلاف في ذلك في الجملة، بل في الجواهر الإجماع بقسميه عليه، و يدل على ذلك النصوص المستفيضة أو المتواترة (1)، و منها:

1- ابن سنان: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ما يرد من الشهود؟

فقال: الظنين و المتّهم. قلت: فالفاسق و الخائن؟ قال: ذلك يدخل في الظنين».

2- أبو بصير: «عن الذي يرد من الشهود؟ فقال: الظنين و المتهم و الخصم قلت: فالفاسق و الخائن؟ قال: كل هذا يدخل في الظنين».

3- سماعة: «سألته عما يردّ من الشهود، فقال: المريب و الخصم‌

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 274 الباب 30 شهادات. و لا حاجة الى النظر في أسانيدها.

153

و الشريك و دافع مغرم و الأجير و العبد و التابع و المتهم. كل هؤلاء ترد شهادتهم» و قد اشتملت هذه النصوص على بعض مصاديق من ترد شهادته، و قد عنون الفقهاء أفرادا غير من ذكر في الاخبار، و بحثوا عن كونها مصاديق المسألة، و هل ترد شهادات هؤلاء مطلقا أو في حالات خاصة؟

في ضابط التهمة

و إذا أمكن إعطاء قاعدة كلية يرجع إليها، في معرفة المصداق و تمييزه عن غيره فهو، و الا ففي كل فرد قام الدليل على مصداقيته من نص أو إجماع فهو، و في غيره يكون المرجع ما دل على قبول شهادة العدل من الكتاب و السنّة، و قد بحث المحقق (قدس سره) عن المصاديق في خمس مسائل، و العلّامة في القواعد في ست، و كأنهما يريدان حصر المصاديق فيمن ذكراه في تلك المسائل.

و تصدى صاحب الرياض (قدس سره) لإعطاء الضابط في هذا المقام بقوله:

«التحقيق في المسألة يقتضي الرجوع الى إطلاق الاخبار المتقدمة، نظرا إلى أنها بالإضافة الى ما دل على قبول شهادة العدل عموما أو إطلاقا، امّا خاصة فيقيّد بها، أو عامة فيصير التعارض بينهما تعارض العموم و الخصوص من وجه و حيث لا مرجّح لأحدهما على الأخر، من إجماع و غيره، ينبغي الرجوع الى حكم الأصول، و هو هنا عدم القبول مطلقا.

الا أن يتردد في التهمة في بعض الأفراد، أنها هل هي تهمة أو داخلة في إطلاق التهمة في النصوص المانعة عن قبول الشهادة معها، كما سيأتي من شهادة الوصي أو الوكيل، فيما لهما الولاية فيه، مع عدم نفع لهما الا خصوص التصرف فيه فان قبول الشهادة في مثله أوفق بالأصل، من حيث العموم الدال‌

154

عليه على الإطلاق، مع سلامته عن معارضة عموم هذه الاخبار، لما عرفت من التأمل، أمّا في أصل حصول التهمة، أو دخولها في إطلاق التهمة المذكورة فيها.».

و حاصل ما ذكره عدم قبول الشهادة، إلا مع الشك في تحقق أصل موضوع التهمة، أو في اندراج التهمة في الإطلاق المذكور في الاخبار.

لكن التحقيق أن يقال: بمنع كل شهادة يرجع الشاهد بها الى كونه مدعيا أو منكرا، و ان كان رجوعه الى ذلك من آثار تلك الشهادة و لوازمها، كما هو الحال في بعض المسائل الاتية كما سنوضّحه، ثم وجدنا التصريح بذلك في مفتاح الكرامة، مع التنبيه على ما ذكرناه، قال: «فكانت الضابطة في التهمة ما كان الشاهد فيها مدعيا و لو في الآخرة، و منكرا كذلك، و لا ريب في أن المدعي لا يقبل قوله.

و كل ما ذكروه فهو من هذا القبيل.

لان المتهم حيث يجلب نفعا يصير كالمدعي، و حيث يدفع ضررا يصير كالمنكر.».

فيكون البحث في الحقيقة حول الموارد التي يصير فيها الشاهد مدّعيا أو منكرا و لو بالأخرة، فكل مورد صار فيه الشاهد كذلك ردت شهادته، و كلّ مورد لم يكن فيه كذلك قبلت، اللهم إلا إذا ورد نص شرعي يقتضي القبول أو الرد،

و يتم هذا البحث في مسائل: