كتاب الشهادات

- السيد محمد رضا الگلپايگاني المزيد...
461 /
155

«المسألة الأولى» (في شهادة من تجر شهادته نفعا اليه)

قال المحقق (قدس سره): (لا تقبل شهادة من تجر شهادته نفعا).

أقول: يدل على ذلك بصراحة ما روي: «عنه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم):

نهى أن يجاز شهادة الخصم و الظنين و الجار الى نفسه شهادة» (1).

و قد ذكر المحقق لمن تجر شهادته نفعا إليه أربعة أمثلة:

فالأول: الشريك

قال: (كالشريك فيما هو شريك فيه).

أقول: قيّده جماعة بما إذا اقتضت الشهادة المشاركة له فيه، دون ما إذا لم يقتض ذلك فتقبل، و قد مثلوا للأول بأن يقول «هو بيننا». و للثاني:

بما إذا شهد بأن له نصفه، و بعبارة اخرى: ان تعرّض في شهادته الى ما يرجع الى نفسه فلا تقبل و الّا فتقبل، و ان كان مرجع كلتا الشهادتين الى معنى واحد.

أقول: ان الشهادة للشريك ان رجعت الى شهادة المدعي فيما يجر النفع الى نفسه، فلا حاجة الى التمسك لعدم القبول بأخبار «المتهم»، لوضوح أن البينة على المدعي و اليمين على من أنكر، لكن إذا كانت العلة في المنع كونه مدعيا- كما في كشف اللثام و غيره- فان ذلك يكون بالنسبة إلى النصف الذي يرجع الى نفسه، دون الذي يرجع الى أخيه، فالتعليل أخص من المدعى و ان كانت جرّ النفع الى نفسه ففيما إذا شهد بأن له نصفه يوجد جرّ النفع‌

____________

(1) المستدرك. كتاب الشهادات. الباب 24.

156

كذلك، فلا وجه للتفصيل.

فالأقوى عدم القبول في مطلق ما له فيه نصيب كما في الخبر:

عن أبان: «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن شريكين شهد أحدهما لصاحبه قال: تجوز شهادته، إلا في شي‌ء له فيه نصيب» (1).

فان هذا الخبر صادق على ما إذا قال: «هو بيننا» أو شهد بأن له نصفه.

و عن عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه قال: «سألت أبا عبد اللّه عن ثلاثة شركاء شهد اثنان عن واحد. قال: لا تجوز شهادتهما» (2) و هو و ان كان سؤالا عن قضية شخصية، و ليس فيه ذكر لكيفية الشهادة، الا أن الامام (عليه السلام) أجاب بعدم الجواز من دون استفصال، و هذا ظاهر في عدم القبول مطلقا، و هو حكم تعبدي، و ليس من جهة كونه جر نفع الى نفسه.

و يدل على عدم قبول شهادة الشريك مطلقا: ما عن سماعة قال: «سألته عمّا يرد من الشهود. قال: المريب و الخصم و الشريك. كل هؤلاء تردّ شهاداتهم» (3).

و الثاني: صاحب الدين إذا شهد للمحجور عليه

قال: (و صاحب الدين إذا شهد للمحجور عليه)

أقول: إذا شهد صاحب الدين للمحجور عليه بمال يتعلّق دينه به و عينه باقية، كأن يشهد بأن هذا المحجور عليه قد اشترى منه هذا الكتاب، لم تقبل‌

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 272 الباب 27 شهادات. و هو الصدوق بإسناده عن فضالة عن أبان، و إسناده إلى فضالة صحيح، فالخبر صحيح.

(2) وسائل الشيعة 18- 272 الباب 27 شهادات. موثق.

(3) وسائل الشيعة 18- 278 الباب 32 شهادات. موثق.

157

شهادته، لان المفروض كونه غريما، فإذا قبلت شهادته أخذ الكتاب الذي باعه من المحجور عليه، من غير تقسيم له بينه و بين سائر الغرماء، و هذا نفع قد ترتب على هذه الشهادة.

هذا إذا كان المدين محجورا عليه.

و هل تقبل قبل الحجر عليه؟ قيل: تقبل مطلقا، و قيل: لا تقبل ان كان معسرا، لأن أثر الشهادة حينئذ ليس إلّا إثبات المطالبة لنفسه، لان المعسر ينظر و لا يطالب قلت: ليس إثبات المطالبة لنفسه نفعا ترد به الشهادة، بل يترتب على هذه الشهادة ملكية المعسر للشي‌ء، و لا يجب عليه أداء الدين منه، كما لا يجوز على الدائن المطالبة ما دام معسرا، فالقول الأول هو الظاهر.

و الثالث: شهادة السيد لعبده

قال: (و السيد لعبده المأذون).

أقول: وجه ذلك هو أن العبد و ما في يده لمولاه فإذا شهد له كانت الشهادة لنفسه، و لذا اختلفوا في الشهادة للعبد المكاتب على قولين، فقيل بالقبول لانتفاء سلطنته عنه، و قيل بالعدم لظهور التهمة بعجز العبد خصوصا المشروط. قلت:

هذه شبهة مصداقية للعجز، لتكافؤ احتمال العجز مع احتمال عدمه، و المرجع بعد عدم إمكان الرجوع الى عمومات قبول شهادة العدل، و لا عمومات عدم قبول شهادة المتهم- هو أصالة عدم قبول الشهادة، فالأقوى القول الثاني لما ذكرنا، لا لما ذكروه.

و الرابع: شهادة الوصي فيما هو وصى فيه

قال: (و الوصي فيما هو وصي فيه).

158

أقول: لو أوصى الميت الى أحد بأن يصرف ثلث ماله في كذا، فوقع النزاع في شي‌ء من الأموال، فإن كان المال للميت كان للوصي الولاية على ثلثه بحسب الوصية، و الا كان كله لمن يدعي ملكيّته، فهل تقبل شهادة الوصي بكون المال للميت أو لا تقبل؟

قال المحقق (قدس سره): بعدم القبول، لأن أثر هذه الشهادة دخول المال في ولايته، فيعمها ما دل على عدم قبول الشهادة في شي‌ء يكون للشاهد فيه نصيب.

و فصل بعضهم بأنه ان كان الموصى قد عيّن للوصي شيئا من الثلث مثلا في مقابل قيامه بالوصية، ردّت شهادته لكونها مصداقا لجرّ النفع، و ان لم يكن له شي‌ء بإزاء سعيه قبلت.

قلت: هذا يتوقف على تمامية ظهور «النفع» في النفع المالي الدنيوي، و انصرافه عن النفع الأخروي، أو الولائي، و الا لم يتم التفصيل.

و قيل: بالقبول إذا لم يكن له شي‌ء، بشرط أن لا يكون الوصي مدعيا، لكن الوصي- و كذا الوكيل- يقومان مقام الموصى و الموكّل في الدعوى مسامحة عرفية.

قلت: نعم الوصي ينزل منزلة الموصى و كذا الوكيل بالنسبة إلى موكله في كل ما يقبل الوصاية و الوكالة، لكن الشهادة ليست من الأمور القابلة لذلك، فلا ينزل منزلته فيها، حتى يكون شهادته منزلة بمنزلة شهادة الموصى و الموكل فلا تقبل شهادته.

و الذي يمكن أن يقال في وجه عدم قبول الشهادة هو: ان ولاية هذا الوصي على هذا المال، متقومة بأمرين، أحدهما: كون المال ملكا للميت، و الأخر:

كونه وصيا من قبل الميت في هذا المال، فإذا انتفى أحد الأمرين انتفت‌

159

ولايته على المال، و على هذا فإذا شهد بكون المال للميت، فهو في مقام إثبات الولاية لنفسه على هذا المال، و هذا نفع، فلا تقبل هذه الشهادة.

و كذا الأمر لو ادعى أحد الورثة مالكية الأب للمال و شهد الوصي بها، فلا تقبل هذه الشهادة- خلافا للجواهر- لانه و ان تعدد المدعي و الشاهد، لكن لازم شهادة الوصي ثبوت ولايته على المال، و هي لا ثبتت بشهادة مدعيها كما عرفت.

فتلخص أنه لا فرق في عدم القبول بين أن يشهد الشاهد في نفع، أو بشي‌ء يحقق موضوع النفع، كما هو الشأن في شهادة الوصي فيما هو وصي فيه، سواء كان له أجر على الوصية أو لا، و كذا لا فرق بين أن يكون وكيلا أو وصيا في الدعوى أو لم يكن.

هذا كله بقطع النظر عن مكاتبة الصفار: «الى أبي محمد (عليه السلام) هل تقبل شهادة الوصي للميت بدين له على رجل مع شاهد آخر عدل؟ فوقع إذا شهد معه آخر عدل، فعلى المدعي اليمين» و ظاهرها كون المدعي غير الوصي، فإذا شهد الوصي مع عدل آخر قبلت، و أما اليمين، فلعلها للاستظهار و الاحتياط، و كيف كان فالشهادة مقبولة، لكن في كشف اللثام: «ليس فيها الا أن عليه الشهادة، و أما قبولها فلا» و لعله قال ذلك بالنسبة إلى جواب السؤال الثاني في المكاتبة: «و كتب: أ يجوز للوصي أن يشهد لوارث الميت صغيرا أو كبيرا، و هو القابض للصغير- و ليس للكبير بقابض؟ فوقع (عليه السلام): نعم، و ينبغي للوصي أن يشهد بالحق و لا يكتم الشهادة» من جهة أن السؤال و الجواب عن الجواز لا القبول.

لكن الظاهر هو القبول، و يشهد بذلك قوله: «و ينبغي.» و الا لغا الأمر بالشهادة و النهي عن الكتمان.

160

و بالجملة فإن الخبر ظاهر في القبول، و لا أقل من ظهوره في القبول في صورة التعدد عرفا بين الشاهد و المدعي التي قال صاحب الجواهر فيها بالقبول.

الا أن الاشكال هو إعراض الأصحاب عن العمل به، كما في الجواهر.

فالأقوى عدم القبول.

هذا كله في شهادة من يجر بشهادته نفعا.

عدم قبول شهادة من يستدفع بها ضررا

قال المحقق: (و كذا لا تقبل شهادة من يستدفع بشهادته ضررا، كشهادة أحد العاقلة بجرح شهود الجناية، و كذا الوصي و الوكيل بجرح شهود المدعي على الموصى و الموكل).

أقول: قال العلّامة في القواعد: ان من الشهادة الممنوعة أيضا أن يشهد أن فلانا جرح مورثه. و أضاف كاشف اللثام: فإنه يثبت الدية لنفسه أو القصاص ان شهد بعد الموت أو قبله و الجراحة لم تندمل مع احتمال السريان عادة، أو نص الشاهد باحتمال السريان و ان لم يسر و لم يستوعب الدين تركته التي منها الدية، ان قلنا بتعلق حق الديان بأعيانها. قال في الجواهر بعد نقله: و فيه نظر.

أقول: لا إشكال في أصل المطلب، لأنه إذا شهد بالجناية فقد شهد بموضوع استحقاق الدية أو حق القصاص لنفسه، و هذه الشهادة غير مقبولة، لتحقق التهمة، لأنها في الحقيقة في حق النفس، فلا تقبل، بل ان السبب في جعل إقامة البينة على المدعي في قولهم (عليهم السلام): «البينة على المدعي» هو التهمة، إلا إذا كان المدعي معصوما، فلا يطلب منه البينة لعدم التهمة.

161

و لو شهد بمال لمورثه المجروح و لو جراحة سارية عادة، أو المريض مرضا يعلم موته فيه قبل ما لم يمت، قبل الحكم، لعموم الأدلة، و لا يقدح الانتقال اليه بعد الموت. و الفرق بين هذا و سابقه هو ان اثر الشهادة في الأول في ما بعد الموت، فليس هو الا مدعيا لنفسه الدية أو القصاص، بخلاف الثاني فإن المال فعلا للمورث.

«المسألة الثانية» (في أن العداوة الدينية لا تمنع القبول)

قال المحقق (قدس سره): (العداوة الدينية لا تمنع القبول، فان المسلم تقبل شهادته على الكافر).

أقول: ان العداوة الدينية ليست من أسباب التهمة، و لا توجب الفسق، بل هي واجبة بالكتاب و السنة، فلا كلام في قبول شهادة المسلم على الكافر، و المحق على المبتدع، و كذا من أبغض الفاسق لفسقه.

قال: (أما الدنيوية فإنها تمنع، سواء تضمنت فسقا أو لم تتضمن.)

أقول: ان العداوة الدنيوية للمؤمن- بل لغيره أيضا كما احتمله بعضهم- من موانع قبول الشهادة، لأنها من أسباب التهمة، فتدل على هذا الحكم النصوص المتقدمة في أول الباب، و خصوص ما اشتمل منها على لفظ «الخصم» و في الجواهر: بلا خلاف أجده فيه، بل الإجماع بقسميه عليه، و في المسالك:

من أسباب التهمة العداوة الدنيوية، فلا يقبل شهادة العدو على عدوه عندنا و عند أكثر العامة. و في الخلاف الاستدلال له بما روى طلحة بن عبيد اللّه قال أمر رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) مناديا فنادى: لا تقبل شهادة خصم و لا‌

162

ظنين و العدو منهم. و قال (عليه السلام): لا تقبل شهادة الخائن و الخائنة و لا الزاني و لا الزانية و لا ذي غمرة على أخيه، و ذو الغمر من كان في قلبه حقد أو بغض».

و على الجملة، فلا كلام في هذا الحكم، انما الكلام في معنى قول المحقق:

(سواء تضمنت فسقا أو لم تتضمن، و تتحقق العداوة بأن يعلم من حال أحدهما السرور بمساءة الأخر و المساءة بسروره، أو يقع بينهما تقاذف).

فان ظاهر هذا الكلام اجتماع «العدالة» مع «العداوة» مع أنه قد قال سابقا بكون بغضة المؤمن معصية، و ان التظاهر بها قادح في العدالة، فالتجأ العلماء الى توجيه العبارة، و حملها على نحو لا ينافي ما تقدم منه هناك، إلا أنا ذكرنا هناك بأن الحب و البغض و الحسد و نحوها صفات قلبية، و هي بمجردها ليست بمعاص و لا تضر بالعدالة.

و هنا نقول: بأن المستفاد من بعض الايات في القرآن الكريم هو اجتماع العداوة مع العدالة حتى مع إظهارها، ان كانت العداوة مسببة عن ظلم أو إيذاء، قال تعالى «لٰا يُحِبُّ اللّٰهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلّٰا مَنْ ظُلِمَ» (1). و في قصة ابني آدم «إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَ إِثْمِكَ فَتَكُونَ مِنْ أَصْحٰابِ النّٰارِ وَ ذٰلِكَ جَزٰاءُ الظّٰالِمِينَ» (2).

فالعداوة ان كانت مستندة الى ظلم و نحوه لا تنافي «العدالة»- و ان كان هذا الشخص موردا للتهمة عرفا- و يكون المشهود عليه الموجب للعداوة بظلمه فاسقا، و لو وقع بينهما تقاذف كان الظلم للبادي كما قيل. و لو وقعت العداوة بينهما لا عن سبب صحيح مقصود، كأن يكون عن شبهة أو خطأ لم تقدح في عدالة واحد منهما.

____________

(1) سورة النساء: 148.

(2) سورة المائدة: 29.

163

و لو قذف المشهود عليه الشاهد قبل الشهادة أو آذاه، حتى يكون مصداقا للعدو فترد شهادته عليه، قبلت شهادته ان لم يرد على الأذى بشي‌ء، و ان كانت التهمة موجودة، و يمكن أن يقال بعدمها، من جهة أن من يتحمل الأذى و لا يرد عليه بشي‌ء لعدالته و شدة حمله، لا يحمله البغض الحاصل من الأذى على الشهادة بخلاف الواقع، فهو خارج عن مورد الاتهام عرفا.

هل تقبل شهادة رفقة الطريق على اللصوص؟

قال المحقق: (و كذا لو شهد بعض الرفقاء لبعض على القاطع عليهم الطريق، لتحقق التهمة).

أقول: «التهمة» هنا اما من جهة أن هذا البعض يشهد للآخر حتى يشهد ذاك لهذا، و اما من جهة أنه يشهد بهذه الشهادة لكي يدفع التهمة و الشبهة عن نفسه.

و قد نسب ما ذهب اليه المحقق الى المشهور. قالوا: و بذلك ينجبر ضعف خبر محمد بن الصلت الدال على هذا الحكم، قال: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن رفقة كانوا في طريق، فقطع عليهم الطريق، و أخذوا اللصوص، فشهد بعضهم لبعض. قال: لا تقبل شهادتهم إلا بإقرار من اللصوص أو شهادة من غيرهم عليهم» (1).

و هذا الخبر مطلق، يعم ما إذا أخذ من الشهود شي‌ء أو لم يؤخذ، مع انه إذا لم يؤخذ فالتهمة منتفية. و ما إذا شهد البعض الأخر لمن شهد أولا، و ما إذا تعرض الشهود في شهادتهم إلى أخذ اللصوص شيئا منهم أولا، و ما إذا صرح الشهود في شهادتهم بالأعيان المأخوذة من كل واحد من الرفقة أو كانت الشهادة مجملة.

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 272 الباب 27 شهادات.

164

فالخبر مطلق يعم جميع الصور، و كذا عبارة المحقق و العلّامة.

لكن قيل بالقبول بالنسبة إلى الغير فقط، فيما إذا كان الشاهد مأخوذا كذلك و تعرض في شهادته لما أخذ منه أيضا.

قلت: الخبر و ان احتمل كونه في قضية شخصية خارجية، لكن ترك الامام (عليه السلام) الاستفصال يدل على العموم، و أما ان كانت قضية مفروضة فالكلام مطلق.

و عن الدروس: لا تقبل شهادة رفقاء القافلة على اللصوص إذا لم يكونوا مأخوذين. و لو أخذ الجميع فشهد بعضهم لبعض و لم يتعرضوا لذكر ما أخذ لهم في شهادتهم قيل: لا يقبل. و القبول قوي، و ما هو إلا كشهادة بعض غرماء المديون لبعض، و كما لو شهدا لاثنين بوصية من تركة، و شهد المشهود لهما للشاهدين بوصية منهما.

قال في الجواهر: بل مقتضى قبوله الشهادة المبعضة القبول هنا، لو تعرضوا في الشهادة الى ما أخذ منهم، فترد حينئذ فيما يتعلق بهم، و تقبل في الأخر، و لذا حكاه عنه في المسالك في الفرض المزبور.

و على كل حال ففيه- مع انه كالاجتهاد في مقابلة النص المعمول به- ان الفرق بين المقامين واضح، ضرورة تحقق العداوة في الأول. بخلاف المثالين.

هذا و ينبغي أن يعلم كون الشهادة فيما ذكر من الصور خالية من الاشكال، و جامعة لشرائط القبول في حد نفسها بغض النظر عن الاتهام، فمثلا إذا لم يعين الشاهد الشي‌ء المسروق و قلنا بعدم سماع الشهادة المجملة، كان الاجمال مانعا من قبولها، من قبل أن يبحث عن تحقق التهمة و عدمه، و على هذا فلا وجه لحمل الخبر على الصورة التي فيها مانع عن القبول في حد نفسها.

165

«المسألة الثالثة» (في شهادة الانسباء)

قال المحقق (قدس سره): (النسب و ان قرب لا يمنع قبول الشهادة، كالأب لولده و عليه، و الولد لوالده، و الأخ لأخيه و عليه، و في قبول شهادة الولد على والده خلاف، و المنع أظهر).

أقول: ان القرابة و ان كانت موجبة للتهمة في الجملة و لكن لا دليل على منع هذه التهمة قبول الشهادة، إذ ليس كل تهمة بمانعة، بل خصوص التهمة الوارد فيها النص. فهذا هو الحكم الكلى، و الكلام في المسألة في موارد:

1- في شهادة الوالد لولده و بالعكس و الأخ لأخيه

أما شهادة الوالد لولده و عليه و الولد لوالده، و الأخ لأخيه و عليه، فيدل على القبول العمومات و الإطلاقات، و لا خلاف فيه، بل الإجماع بقسميه عليه كما في الجواهر، و هناك نصوص خاصة فيها المعتبر سندا و الصريح دلالة (1) و منها:

1- الحلبي: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: تجوز شهادة الولد لوالده، و الوالد لولده، و الأخ لأخيه».

2- سماعة قال: «سألته عن شهادة الوالد لولده، و الولد لوالده و الأخ لأخيه. قال: نعم».

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 270 الباب 26 من أبواب الشهادات.

166

2- في شهادة الولد على والده

أما شهادة الولد على والده ففي قبولها خلاف بين الأصحاب على قولين، فالمشهور هو المنع، و المحكي عن المرتضى و ابن الجنيد هو القبول قيل:

و قد مال إليه أكثر المتأخرين.

استدل للمنع بوجوه:

الأول: الإجماع، فقد حكي دعوى الإجماع عليه عن الموصليات للسيد و الخلاف للشيخ و الغنية لابن زهرة و السرائر لابن إدريس.

و الثاني: قوله تعالى «فَلٰا تَقُلْ لَهُمٰا أُفٍّ» (1). قال في الإيضاح: يدل على تحريم تكذيبه، و أداء الشهادة عليه مظنة تكذيبه و أذاه، فيكون منهيا عنها، فلا تقبل.

و الثالث: قوله تعالى «وَ إِنْ جٰاهَدٰاكَ عَلىٰ أَنْ تُشْرِكَ بِي مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلٰا تُطِعْهُمٰا وَ صٰاحِبْهُمٰا فِي الدُّنْيٰا مَعْرُوفاً» (2). قال في الإيضاح: و إذا حرم عليه أذاهما على الكفر ففي الشهادة عليه أولى.

و الرابع: الأخبار. ففي الخلاف نسبة المنع الى أخبار الفرقة. و يدل عليه مرسلة الصدوق: «لا تقبل شهادة الولد على والده» و ضعفها منجبر بعمل الأصحاب.

و استدل للقبول بالكتاب و السنة:

فمن الكتاب قوله تعالى «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّٰامِينَ(3).

____________

(1) سورة الإسراء: 23.

(2) سورة لقمان: 15.

(3) سورة النساء: 135.

167

و قد أورد على الاستدلال بها بأن الإقامة أعم من القبول. و أجيب بأنه لو لا القبول كان الأمر بالإقامة لغوا. و أجيب: بعدم انحصار الفائدة في القبول حتى تلزم اللغوية بدونه. قال في المختلف: فائدته تذكر الأب لو كان ناسيا أو مشتبها عليه فيزيل اشتباهه. قال في الإيضاح: و فيه نظر، لأن الأمر بالإقامة مع عدم القبول لا يجتمعان، لان المفهوم و المقصود من الأمر بالإقامة هو القبول. و بهذا يندفع ما ذكره صاحب المستند من أنه ليست الآية صريحة و لا ظاهرة في الأمر بالإقامة، فالإنصاف: دلالتها على وجوب الإقامة، و أن الاشكال بعدم الملازمة بين الإقامة و القبول ضعيف، و أن الفوائد المذكورة نادرة.

و من السنة: عمومات قبول شهادة العدل. و خصوص الخبرين:

1- علي بن سويد: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث: فأقم الشهادة للّه و لو على نفسك أو الوالدين و الأقربين فيما بينك و بينهم، فان خفت على أخيك ضيما فلا» (1).

2- داود بن الحصين: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: أقيموا الشهادة على الوالدين.» [1].

هذا مضافا الى أنّه ليس إظهار الحق موجبا للعقوق و منافيا للمصاحبة بالمعروف، بل هو عين المعروف، بل هو مأمور به، ففي الحديث: «أنصر‌

____________

[1] وسائل الشيعة 18- 250 الباب 19 شهادات. فيه «ذبيان بن حكيم الأودي» و هو مهمل في كتب الرجال، و في معجم رجال الحديث 7- 152: قيل ان في رواية الأجلاء عنه دلالة على وثاقته و جلالته، و لكن قد مر ما في ذلك غير مرة» و لكنه مع هذا وصف الخبر في المباني بالصحيحة.

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 229 الباب 3 شهادات. و هو مروي بأسانيد لم يتم شي‌ء منها.

168

أخاك ظالما أو مظلوما. قيل: يا رسول اللّه كيف أنصره ظالما؟ قال: تردّه عن ظلمه، فذاك نصرك إياه» على أنّ ما ذكروه منقوض بقبول الشهادة على الأم.

أقول: و الأظهر هو القول الأول، و العمدة هو الإجماع، فان لم يثبت فلا أقل من الشهرة العظيمة، و هي جابرة للمرسلة [1]، فتصلح لتخصيص قوله تعالى:

«يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوّٰامِينَ.»، بأن يكون المراد منها: وجوب تقديم المؤمنين حق اللّه على أنفسهم و على الوالدين فضلا عن سائر الناس، الا في خصوص الشهادة على الأب فلا يشهدون، كما أن الشهرة موهنة لخبري علي بن سويد و داود بن الحصين بناء على تمامية السند في الثاني منهما.

فالأظهر هو القول الأول وفاقا للمشهور و المحقق. قال:

(سواء شهد بمال أو بحق متعلق ببدنه كالقصاص و الحد).

أقول: هذا إشارة إلى خلاف بعض العامة حيث قال بالتفصيل، محتجا- كما في المسالك- بأنّه لا يجوز أن يكون الولد سببا لعقوبة الأب، كما لا يقتص به و لا يحد بقذفه. أي: كما لا يقتل الوالد في الوالد كذلك لا تقبل الشهادة منه الموجبة لقتل الوالد.

و لكنه قياس باطل.

ثم انّه هل يتعدى الحكم الى من علا من الإباء و من سفل من الأبناء أولا؟

قال العلّامة: و في مساواة الجد للأب و ان علا اشكال.

____________

[1] جبر الخبر بعمل الأصحاب- بناء على القول به- يتوقف على ثبوت اعتمادهم في الفتوى عليه، فلو كان في المسألة دليل آخر لم يثبت ذلك، و في المقام قد استدل بآيتين من الكتاب أيضا، الا ان يقال بان الملاك عمل القدماء و هم لم يستدلّوا إلا بالمرسلة. مضافا الى نسبته في الخلاف الى اخبار الفرقة.

169

أقول: وجه الاشكال هو الشك في صدق «الوالد» على «الجد». و في صدق «الولد» على «ولد الولد». أما على القول بالقبول فلا إشكال في قبولها على الجد بالأولوية.

و التحقيق ان يقال: ان كان المستند للحكم بالمنع هو الإجماع أمكن القول بعدم التعدي، أخذا بالمتيقن من الدليل اللبي، و ان كان المستند هو الخبر المنجبر جاء الاشكال من حيث الصدق و عدمه، لكنه في غير محله، فقد رتب الشارع الاحكام من غير فرق بين الأب و الجد، و بين الابن و ابن الابن فقد حرم بقوله تعالى «وَ لٰا تَنْكِحُوا مٰا نَكَحَ آبٰاؤُكُمْ» على الابن منكوحة الأب و الجد. و بقوله تعالى «وَ حَلٰائِلُ أَبْنٰائِكُمُ» على الأب حليلة الابن و ابن الابن.

اللهم الا ان يقال بأن مقتضى العمومات من الكتاب و السنة قبول الشهادة على كل احد، خرج منه خصوص الأب بلا واسطة بسبب الخبر، و خروج غيره موقوف على دليل، و إذ ليس فالمتيقن هو الأب الأدنى.

3- في شهادة الزوجة لزوجها و بالعكس

قال المحقق: (و كذا تقبل شهادة الزوج لزوجته و الزوجة لزوجها مع غيرها من أهل العدالة. و منهم من شرط في الزوج الضميمة كالزوجة. و لا وجه له).

أقول: و من موارد التهمة شهادة كلّ من الزوجين للآخر لكن لا كلام و لا خلاف- كما في المسالك- في القبول، لضعف التهمة مع العدالة، قال:

لا خلاف عندنا في قبول شهادة كل من الزوجين للآخر، لوجود المقتضى و انتفاء المانع، و ضعف التهمة مع وصف العدالة.

170

أما الشهادة عليه فتكون مقبولة بالأولوية لعدم التهمة.

و الدليل على قبول الشهادة من كل للآخر هو العمومات و الإطلاقات، و خصوص النصوص:

1- الحلبي: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: تجوز شهادة الرجل لامرأته و المرأة لزوجها إذا كان معها غيرها» (1).

2- عمار بن مروان: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام)- أو قال: سأله بعض أصحابنا- عن الرجل يشهد لامرأته. قال إذا كان خيرا [آخر] جازت شهادته معه لامرأته» (2).

3- سماعة في حديث قال: «سألته عن شهادة الرجل لامرأته قال: نعم.

و المرأة لزوجها؟ قال: لا الا ان يكون معها غيرها» (3).

انما الكلام في اشتراط الضميمة و عدمه، فالأصحاب فيه على أقوال:

الأول: عدم الاعتبار مطلقا. و هو مختار صاحبي المسالك و كشف اللثام و لم يستبعده صاحب الجواهر و نسبه الى المحكي عن المتأخرين كافة، و ظاهر أكثر القدماء.

و الثاني: الاعتبار مطلقا، و هو المحكي عن الشيخ في النهاية و القاضي و ابن حمزة.

و الثالث: التفصيل بين الزوجة فيعتبر، و الزوج فلا يعتبر. و عليه المحقق.

أقول: النصوص المذكورة ظاهرة أو صريحة في القول الثالث.

و استدل للقول الثاني بصحيحة الحلبي باعتبار ان مرجع الضمير في‌

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 269 الباب 25 شهادات. صحيح.

(2) وسائل الشيعة 18- 269 الباب 25 شهادات. صحيح.

(3) وسائل الشيعة 18- 270 الباب 25 شهادات. موثق.

171

«غيرها» هو «الشهادة» لا «الزوجة» فيكون المعنى: اشتراط وجود غير الشاهد سواء كان الشاهد الزوج أو الزوجة، في قبول الشهادة. و فيه:

أولا: ان الخبر في نسخة: لا إلا إذا كان معها غيرها. فيختص الحكم بالزوجة.

و ثانيا: إرجاع الضمير إلى «الشهادة» خلاف الظاهر.

و ثالثا: انه ينافي التصريح بالتفصيل في موثقة سماعة، الا ان يجعل «نعم» مجرد خطاب كما هو متعارف في المحاورات، لا جوابا للسؤال الأول، فيكون الجواب للسؤالين قوله (عليه السلام): لا الا ان يكون معها- أي الشهادة- غيرها. و فيه:

أولا: ما تقدم من ان إرجاع الضمير إلى «الشهادة» خلاف الظاهر.

و ثانيا: حمل «نعم» على ما ذكر خلاف الظاهر.

و ثالثا: انه ينافي ما في خبر عمار بن مروان بناء على نسخة «خيرا».

و استدل للقول الأول- بعد تضعيف الثاني- بأن الشرط: «إذا كان.»‌

في الخبرين وارد مورد الغالب، مع عدم ثبوت الحق بالامرأة منفردة و لو مع اليمين الا نادرا كما في الوصية، بخلاف الزوج الذي يثبت الحق بشهادته مع اليمين، فلا يصلح الخبران حينئذ لتخصيص عمومات الأدلة، و الحاصل: هو التمسك بعمومات أدلة قبول الشهادة، بعد حمل الشرط في الخبرين على مورد الغالب، لعدم إمكان إبقاء «الغير» على ظاهره من الإطلاق، بأن يكفي في قبول شهادة الزوجة عدم كونها منفردة، و لعدم إمكان حمله على ما يكمل به العدد المعتبر في كل مورد. فلا يبقى فرق بين شهادتها على زوجها أو على غيره، إذ يسئل حينئذ عن الوجه في تخصيص هذا الشرط بالزوجة دون الزوج.

لكن حمل الشرط على الغلبة دون الاحتراز فيه‌

172

أولا: ان كون موارد قبول شهادة المرأة منفردة أقل من موارد قبول شهادة الرجل وحده غير معلوم، إذ لا ينحصر قبول شهادتها كذلك بباب الوصية، بل يقبل قولها في موارد أخرى سيأتي ذكرها، و من أهمها كل ما لا يعرف الا من قبلها و ما لا يستطيع الرجال النظر اليه.

و ثانيا: ان وجود كلمة «لا» يمنع من الحمل على الغلبة، فقد نفى الامام (عليه السلام) القبول لو كانت منفردة ثم قال: الا ان يكون. و لذا لو سئل الإمام (عليه السلام) عن نكاح الربائب فأجاب بقوله: لا الا أن لا تكون في الحجور كان ظاهرا في الاحتراز و ان كان قيدا غالبيا.

فالحاصل عدم تمامية هذا الحمل، كحمله على أنه ناظر الى مواضع قبول شهادتها بدون ضميمة كباب الوصية، بأن تكون شهادتها مقبولة ان كانت متعلقة بوصية للغير، و أما ان كانت متعلقة بوصية من زوجها فلا تقبل الا مع الضميمة، لكونه خلاف الظاهر، فان الشرط ظاهر في عدم القبول مطلقا، و حمله على الموارد النادرة غير تام.

فالأولى أن نقول: ان الفرق المذكور حكم تعبدي، و ان ذكر المحقق له وجها بقوله:

(و لعل الفرق انما هو اختصاص الزوج بمزيد القوة في المزاج أن تجذبه دواعي الرغبة).

أي بخلاف الزوجة، فإنها ليس لها هذه المرتبة غالبا و ان كانت على العدالة.

و أشار الى ثمرة هذا الفرق بقوله:

(و الفائدة تظهر لو شهد في ما تقبل فيه شهادة الواحد مع اليمين. و تظهر الفائدة في الزوجة لو شهدت لزوجها في الوصية).

أي: انه لو شهد الزوج لها فيما تقبل فيه شهادة الواحد مع اليمين، فإنه على القول بعدم اعتبار الضميمة يكفي يمينها في أخذ المشهود به، فيكون كشهادته لغير زوجته. و على القول باعتبارها لا يكفى، بل لا بد من غيره، و لكن‌

173

إذا كان المؤثر يمينها مع شهادة الغير فأي فائدة في شهادة الزوج؟ اللهم الا ان يكون الأثر لشهادة الزوج و شهادة الغير بغض النظر عن اليمين.

و لو شهدت الزوجة للزوج في الوصية فإنه على القول الأول يثبت الربع كما لو لم تكن الشهادة للزوج، و على القول الثاني لا يثبت بشهادتها منفردة شي‌ء، بل لا بد من ضم الضميمة. نعم يكفي انضمام امرأة أخرى إليها و ان كانت زوجة أخرى للرجل نفسه، لإطلاق النصوص.

4- في شهادة الصديق لصديقه

قال المحقق: (و شهادة الصديق لصديقه و ان تأكدت بينهما الصحبة و الملاطفة، لأن العدالة تمنع التّسامح).

أقول: و هذا أيضا من جملة موارد التهمة، لكنها مع فرض العدالة لا تمنع القبول، بل العدالة تمنع التسامح. و هذا الحكم لا خلاف فيه عندنا. و انما عنونه تنبيها على خلاف بعض العامة.

«المسألة الرابعة» (في عدم قبول شهادة السائل في كفه)

قال المحقق (قدس سره): (لا تقبل شهادة السائل في كفه، لانه يسخط إذا منع، و لان ذلك يؤذن بمهانة النفس، فلا يؤمن على المال. و لو كان ذلك مع الضرورة نادرا لم يقدح في شهادته).

أقول: لا تقبل شهادة السائل بكفه عند الأكثر كما في الكفاية بل المشهور كما في المسالك و المستند، بل لا خلاف فيه في الجملة كما في الرياض بل يمكن تحصيل الإجماع عليه كما في الجواهر، و في المسألة جهات من البحث‌

174

نذكرها بعد ذكر نصوصها (1)، و هي:

1- على بن جعفر عن أخيه (عليه السلام): «قال: سألته عن السائل الذي يسأل بكفّه هل تقبل شهادته؟ فقال: كان أبي لا يقبل شهادته إذا سأل في كفّه».

2- محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «ردّ رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) شهادة السائل الذي يسأل في كفه. قال أبو جعفر: لانه لا يؤمن على الشهادة، و ذلك لأنه ان اعطي رضي و ان منع سخط».

3- علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال: «سألته عن السائل بكفه، أ تجوز شهادته؟ فقال: كان أبي يقول: لا نقبل شهادة السائل بكفه. [في كفه]».

جهات البحث في المسألة

و أما جهات البحث في المسألة:

فالأولى: في المراد ب‍ «السائل بكفه»،

و قد اختلفت كلماتهم فيه، ففي التحرير: يرد شهادة السائل في كفه، لانه يسخط إذا منع، إذا كان معتادا، و لو وقع منه ذلك ندرة للحاجة لم يمنع قبول الشهادة. و في المستند: المراد به الذي يسأل في نحو أبواب الدور و الأسواق و الدكاكين و الحجرات، و اتخذ ذلك ديدنا له لانه المتبادر من هذا التركيب، لا من يسأل أحيانا لحاجة دعته اليه. و في الجواهر: إذا اتخذ ذلك صنعة و حرفة.

و منهم من أطلق كالمسالك إذ قال: «و المراد بالسائل بكفه من يباشر السؤال و الأخذ بنفسه، و السؤال في الكف كناية عنه» و في الرياض أي: «من يباشر السؤال و الأخذ بنفسه».

قلت: ان لم يكن المتبادر منه الأول كما في المستند و الجواهر فلا ريب‌

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 281 الباب 35. و الأول منها صحيح. و الثاني موثق، و الثالث عن (قرب الاسناد).

175

في أنه المتيقن، فالأولى الاقتصار عليه.

و في المستند بعد عبارته المتقدمة: «و على هذا فهو مراد من أطلق المنع كما في النافع، و حكي عن الشيخ و القاضي، كما هو صريح من قيد، كما عن الحلي و التحرير و الشرائع و الإرشاد و التنقيح و الدروس و المسالك و غيرها بل هو المشهور كما قيل».

بل هو المشهور كما قيل».

(الثانية: في حكم السؤال تكليفا،

و قد اختلفت كلماتهم في المستفاد من النصوص و كلمات الأصحاب من حيث الحكم التكليفي للسؤال، ففي الرياض أن في تعليل الامام (عليه السلام) فيما رواه محمد بن مسلم و تعليل المحقق الحكم بقوله: «و لان ذلك يؤذن بمهانة النفس فلا يؤمن على المال» و نحوه كلام غيره إيماء الى تهمته، و عدم حرمة السؤال، و الا لعلل بحرمته الموجبة لفسق فاعله بمجرده أو بالإصرار عليه و استمراره. و في الجواهر جعله المستفاد من النصوص بل و الفتاوى، لكن قال في الرياض: «و فيه نظر، فان عدم التعليل بالحرمة لا يستلزم الإباحة، فقد يكون وجهه لزوم حمل أفعال المسلمين و أقوالهم على الصحة، بناء على عدم اتصاف كل سؤال بالحرمة، بل الذي لا تدعوا إليه حاجة و لا ضرورة محرم خاصة، فكيف ينسب السائل إلى فعل محرم بمجرد سؤاله الذي هو من الحرام أعم؟».

و أجاب عنه في الجواهر بعد أن أشار إليه بقوله: اللهم الا أن يحمل.

فقال: «و لكن لا يخفى عليك أن هذا بعد فرض معلومية حرمة السؤال و لو بالكف مع فرض عدم التدليس به، كما لو صرّح بغنائه عن ذلك، و هو و ان كان مغروسا في الذهن، و النصوص مستفيضة بالنهي عن سؤال الناس، لكن كثيرا منها محمول على بعض مراتب الأولياء. و آخر محمول على المدلس. و أما حرمة السؤال من حيث كونه سؤالا و لو بالكف فلا دليل مطمئن به على حرمته‌

176

و ان كان ذلك مغروسا في الذهن، فتأمل.».

و حاصل كلامه (قدس سره) هو أنه كما أن إطلاق نصوص المسألة يقتضي عدم قبول شهادة السائل و ان كان سؤاله عن حاجة، فإن إطلاقها يقتضي عدم الحرمة و ان كان سؤاله عن غير حاجة، و ما ذكره صاحب الرياض يبتني على فرض ثبوت حرمة السؤال من غير حاجة كما صرح هو به، مع أنه لا دليل مطمئن به على حرمته، و النصوص المستفيضة المشار إليها محمولة على بعض الوجوه.

قلت: أما نصوص المسألة فالظاهر عدم دلالتها على حرمة السؤال مطلقا و ما ذكره في الرياض من أن وجه عدم التعليل بالحرمة لزوم محل أفعال المسلمين و أقوالهم على الصحة بعيد، لأن السؤال هو عن قبول شهادة السائل و عدم قبولها، فان كان سؤاله عن خصوص غير المحتاج كان المتجه ان يجيب الامام (عليه السلام) بعدم القبول، و يعلل ذلك بكونه فاسقا ان كان السؤال من غير حاجة و لا ضرورة محرما، و ان كان عن خصوص المحتاج كان الجواب القبول لعدم الحرمة، و ان كان السؤال عن السائل مطلقا كان المتجه التفصيل، لا التعليل المذكور، فترك التفصيل و الإطلاق في الجواب و التعليل بما ذكر كل ذلك يقتضي عدم القبول حتى في صورة الحاجة، و يبقى الكلام في الحكم التكليفي و لا دلالة في هذه النصوص على الحرمة مطلقا.

و أما النصوص الأخرى التي أشار إليها في الجواهر و وصفها بالاستفاضة فسيأتي ذكرها و بيان المستفاد منها.

هذا و في المستند: «دل التعليل على أن صاحب ذلك الوصف ليس مأمونا عن شهادة الزور و الكذب ما دام كذلك، فلا يعرف عدالته، لان من لا يظن عدم ارتكابه الكذب و شهادة الزور كيف يعرف بالعدالة، فلا يكون ذلك عادلا، و يكون هذا الوصف مانعا عن الحكم بالعدالة بمعرفاته.

177

و فيه: انه لا يعتبر في قبول الشهادة و ترتيب الأثر عليها وجود الظن بعدم الكذب، نعم الحكمة في قبول شهادة العادل هو الظن النوعي بعدم كذبه، و لكن ليس من شرط القبول العلم بعدم كذبه في هذه الشهادة، بل ان الفقهاء يفتون بقبول شهادة البينة حتى مع الظن بالخلاف.

قال: فلا تعارض بين الروايتين و عمومات قبول شهادة العدل، نعم لو عرف أولا بالعدالة ثم صار سائلا بالكف يلزم استصحاب عدالته و قبول شهادته.

أقول: هو جواب سؤال تقديره ان بين نصوص المسألة و عمومات قبول شهادة العدل عموم من وجه، فيتعارضان و يتساقطان في مورد الاجتماع. فأجاب بأن السائل بالكف ليس بعادل، و لا أقل من الشك في عدالته، فلا تعمه عمومات القبول، نعم لو كان عادلا ثم صار سائلا استصحب عدالته.

لكن قد عرفت عدم دلالة النصوص على عدم العدالة، و انه لا يشترط في قبول الشهادة عدم الظن بالخلاف فضلا عن عدم احتماله، و لو كان ذلك شرطا لم يقبل شهادة كل من له صلة ما من قرابة أو صداقة و غيرهما بالمشهود له، الا موارد خاصة تعبدنا فيها بعدم القبول، و منها السائل بالكف، و لا ملازمة بين عدم القبول و عدم العدالة كما هو واضح.

الثالثة: في أخبار النهي عن سؤال الناس.

قد عرفت حمل الجواهر هذه النصوص على بعض المحامل، فلنذكر طرفا منها لنرى هل يتم ما ذكره أو لا؟

1- مالك بن حصين السلولي: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ما من عبد يسأل من غير حاجة فيموت حتى يحوجه اللّه إليها و يثبت اللّه له بها النار».

2- مالك بن عطية: «عن أبي عبد اللّه قال قال علي بن الحسين (عليه السلام):

ضمنت على ربي انه لا يسأل أحد من غير حاجة الا اضطرته المسألة يوما الى‌

178

أن يسأل من حاجة».

3- محمد بن مسلم «قال أبو جعفر (عليه السلام): يا محمد لو يعلم السائل ما في المسألة ما سأل أحد أحدا، و لو يعلم المعطى ما في العطية ما رد أحد أحدا، ثم قال: يا محمد انه من سأل و هو يظهر غنى لقي اللّه مخموشا وجهه يوم القيامة».

4- عنبسة بن مصعب: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: من سأل الناس و عنده قوت ثلاثة أيام لقي اللّه يوم يلقاه و ليس على وجهه لحم».

5- عدة الداعي «عن الصادق (عليه السلام) قال: من سأل من غير فقر فكأنما يأكل الجمر».

6- العياشي عن محمد بن الحلبي: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): ثلاثة لا ينظر اللّه إليهم يوم القيامة و لا يزكيهم و لهم عذاب أليم: الديوث من الرجل و الفاحش المتفحش، و الذي يسأل الناس و في يده ظهر غنى».

هذه من اخبار الباب 31 باب: تحريم السؤال من غير احتياج (1).

و من أخبار الباب 32 باب: كراهة المسألة مع الاحتياج حتى سؤال مناولة السوط و الماء (2).

7- عدة الداعي «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): لو يعلم السائل ما عليه من الوزر ما سأل أحد أحدا، و لو يعلم المسئول ما عليه إذا منع ما منع أحد أحدا».

8- عدة الداعي «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: شعيتنا من لا يسأل الناس و لو مات جوعا».

____________

(1) وسائل الشيعة 6- 305.

(2) وسائل الشيعة 6- 306.

179

و انظر الأبواب اللاحقة للبابين أيضا.

أقول: و في بعض هذه الاخبار وعيد على السؤال من غير حاجة، و هو ظاهر في الحرمة، و حملها على ما ذكره صاحب الجواهر (قدس سره) بلا موجب، و أما مع الحاجة فتدل طائفة منها على عدم الحرمة و لكن على الكراهة.

الرابعة: في حكم السؤال مع التصريح بعدم الحاجة.

ان السؤال ان كان عن تدليس فان التدليس موجب للسقوط عن العدالة، فلا تقبل الشهادة، فان سأل بلا تدليس بل مع التصريح بعدم الحاجة فلا يبعد القول بعدم دلالة الاخبار على حرمته، و لكن هكذا شخص يتصف بمهانة النفس و دنائتها فلا يؤمن على المال، فلا تقبل شهادته.

و لو ذكر حاجته و كشف عن حاله من دون سؤال فلا حرمة على الظاهر و لا ترد شهادته، بل في بعض الاخبار أن من شكى إلى مؤمن فكأنما شكى الى اللّه.

الخامسة: في من سأل مع الضرورة.

قال المحقق و غيره: من سأل مع الضرورة نادرا لم يقدح في شهادته.

السادسة: في حكم السؤال كتابة.

قد عرفت تقييد جماعة من الأصحاب السؤال «بالمباشرة» فهل جعل الوسيط بأن يطلب من شخص أن يشرح حاله و يسأل له عند شخص آخر يخرجه عن المباشرة؟ الظاهر ذلك، لان اللجوء الى ذلك يؤذن بعزة النفس و حفظ ماء الوجه. و هل الكتابة كذلك؟ ان صدق السؤال بالمباشرة على كتابة الحاجة عرفا غير بعيد، و ان كان بينه و بين السؤال شفاها فرق.

السابعة: في الطفيلي،

قال العلّامة في التحرير: و لا يقبل شهادة الطفيلي، و هو الذي يأتي طعام الناس من غير دعوة. و كذا قال غيره، و هو كذلك و لكن‌

180

ليس على إطلاقه، فمن الطفيلي من يسر صاحب الدعوة بمجيئه، بل يشكره على ذلك، فهذا لا ترد شهادته و لا قدح في عدالته.

«المسألة الخامسة» (في شهادة الأجير و الضيف)

قال المحقق (قدس سره): (تقبل شهادة الأجير و الضيف، و ان كان لهما ميل الى المشهود له، لكن يرفع التهمة تمسكهما بالأمانة).

أقول: الكلام في المسألة في موضعين:

الأول في شهادة الضيف

قال المحقق بقبول شهادة الضيف، و ان كان له ميل الى المشهود له و هو مضيفه و كذا في التحرير، و غيره، بل لا خلاف فيه في المسالك، و في الجواهر عن غير واحد، قال بل يمكن تحصيل الإجماع عليه.

و يدل عليه العمومات، و خصوص ما رواه أبو بصير: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): لا بأس بشهادة الضيف إذا كان عفيفا صائنا» (1).

و أما التهمة الحاصلة من ميلة الى مضيفه فمرتفعة، لان عدالته تمنع من الاقدام على الباطل.

و الثاني في شهادة الأجير

فاختلف الأصحاب في قبولها، فقال المحقق و العلّامة بقبول شهادته كذلك‌

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 274 الباب 29 شهادات. موثق.

181

و اختاره الشهيد الثاني في المسالك، قال: و عليه المتأخرون. و المحكي عن أكثر المتقدمين كالصدوقين، و الشيخ في النهاية، و أبي الصلاح و غيرهم عدم القبول.

استدل للقبول بالعمومات و الإطلاقات، و بخصوص ما جاء في ذيل خبر أبي بصير المتقدم و هو قوله: «قال: و يكره شهادة الأجير لصاحبه، و لا بأس بشهادته لغيره، و لا بأس بها له عند مفارقته» بجعل «الكراهة» فيه الكراهة الاصطلاحية.

و أما التهمة الحاصلة بالميل الى المشهود له فمرتفعة بالعدالة كما تقدم في الضيف.

و استدل للمنع بخبر أبي بصير المذكور بحمل «الكراهة» فيه على الحرمة لا الكراهة الاصطلاحية، و بنصوص أخرى وصفت في الرياض و الجواهر بالاستفاضة و منها:

1- سماعة: «سألته عما يرد من الشهود. قال: المريب و الخصم و الشريك و دافع مغرم و الأجير و العبد و التابع و المتهم، كل هؤلاء ترد شهاداتهم» (1).

2- صفوان «عن أبي الحسن (عليه السلام) قال: سألته عن رجل أشهد أجيره على شهادة ثم فارقه، أ تجوز شهادته له بعد أن يفارقه؟ قال: نعم و كذلك العبد إذا أعتق جازت شهادته» (2).

قلت: لقد كثر الكلام حول مفاد خبر أبي بصير، فالقائلون بالقبول حملوا «الكراهة» على الكراهة الاصطلاحية، فأشكل المانعون بان هذا المعنى اصطلاح جديد، و المعنى المقصود من هذا اللفظ في كلام الأئمة (عليهم السلام) هو الحرمة.

لكن لا مجال للحمل على الحرمة التكليفية في هذا الخبر، لعدم حرمة هذه‌

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 278 الباب 32 شهادات. موثق.

(2) وسائل الشيعة 18- 273 الباب 29 شهادات. صحيح.

182

الشهادة، بل ان جميع الأخبار الواردة في كتاب الشهادات ناظرة إلى الحكم الوضعي، و هو القبول و عدم القبول.

و أشكل المانعون أيضا بأن الشهادة لو كانت مقبولة ينبغي وجوبها عينا مع عدم الغير و الا كفاية، فما معنى الكراهة؟ و أجيب بأنه حيث يكون الشهادة واجبة عليه كفاية يكره عليه المبادرة بالقيام بها، لأجل احتمال التهمة.

و في الرياض عن خاله الوحيد حمل الشهادة فيه على «الاشهاد» فيكره إشهاد الأجير. و هو كما ترى، و من هنا لم يرتضه صاحب الرياض.

و كيف كان فالأولى ترك الاستدلال بهذا الخبر- ان لم تكن الكراهة فيه كناية عن عدم القبول-، إذ في الاخبار الأخرى للقولين غنى و كفاية، فيدل على القبول العمومات و الإطلاقات و يدل على المنع أخبار.

و وجه الاستدلال بخبر صفوان المزبور هو ظهوره في المنع من جهة تقرير الامام (عليه السلام) لما دل عليه السؤال من كون عدم القبول قبل المفارقة مفروغا عنه، و من جهة تشبيه الامام (عليه السلام) الأجير قبل المفارقة بالعبد قبل الانعتاق، فالإنصاف تمامية دلالة هذه الصحيحة على المنع خلافا للمستند.

و النسبة بين هذه الصحيحة المختصة بالعادل حيث صرح فيها بالقبول بعد المفارقة و بين ما دل على القبول هي العموم و الخصوص المطلق، فتقدم عليها و يحكم بعدم القبول، فالأقوى عدم القبول و ان كان ذلك مخالفا لإطباق المتأخرين كما قيل، و اللّه العالم.

و بما ذكرنا يظهر أنه لا وجه للتوقف في المسألة كما عن الدروس حيث نقل فيه الخلاف فيها مقتصرا عليه من دون ترجيح، و عن الرياض حيث قال:

المسألة عند العبد محل توقف.

ثم ان صاحب الرياض قال: «الا أن مقتضى الأصول حينئذ عدم القبول»‌

183

و اعترضه في الجواهر بقوله: «و فيه ما عرفته سابقا من أنه مع الشك ينبغي الرجوع الى عموم أدلة القبول، لعدم تحقق التهمة المانعة حينئذ».

قلت: لكن الأقرب الأول، إذ التعارض يفرض بين ما دل على القبول من العمومات و غيرها ان كان و بين ما دل على العدم، فيتساقط الجميع، و يكون المرجع الأصل.

هذا و لا خلاف في عدم القبول إذا كان هناك تهمة بجلب نفع أو دفع ضرر كما لو شهد لمن استأجره على قصارة الثوب أو خياطته له، من غير فرق بين بقاء الأجرة و عدمه كما في الجواهر، و في المسالك حمل خبر سماعة على هذا المحمل.

184

لواحق- و هي ست مسائل

«المسألة الأولى» (في أن المعتبر استكمال الشرائط عند الأداء)

قال المحقق (قدس سره): (الصغير و الكافر و الفاسق المعلن إذا عرفوا شيئا ثم زال المانع عنهم فأقاموا تلك الشهادة قبلت، لاستكمال شرائط القبول).

أقول: ان من تحمل الشهادة في حال عدم القبول منه و أداها في حال زوال المانع تقبل شهادته، كالصغير و الكافر و الفاسق المعلن- و أما الفاسق المستتر فسيأتي-، و الحاصل ان العبرة بحال الأداء لا بحال التحمل، و ان الصغير إذا كبر، و الكافر إذا أسلم، و الفاسق إذا تاب فقد استكمل شرائط القبول فتقبل شهادته بلا خلاف، بل الإجماع بقسميه عليه كما في الجواهر، لعموم أدلة قبول الشهادة، و خصوص ما ورد منها في الصغير و اليهودي و النصراني و غيرهم من المعتبرة المستفيضة أو المتواترة.

و أما ما رواه جميل قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن نصراني‌

185

أشهد على شهادة ثم أسلم بعد أ تجوز شهادته؟ قال لا» (1) ففي الوسائل: «ذكر الشيخ انه خبر شاذ، و حمله على التقية لأنه مذهب بعض العامة، لما مضى و يأتي. و يحتمل الحمل على ما لو شهد بها في حال كفره فلا تقبل و ان أسلم بعد، و على عدم عدالته بعد الإسلام».

قال المحقق: (لو أقامها أحدهم في حال المانع فردت ثم أعادها بعد زوال المانع قبلت).

أقول: ان كان قد أعاد الشهادة مرة أخرى بعد زوال المانع من الصغر أو الكفر أو الفسق قبلت شهادته لاستكمال الشرائط حينئذ، فيندرج في الأدلة، و لا ينافي ذلك ردها سابقا.

قال المحقق: (و كذا العبد لو ردت شهادته على مولاه ثم أعادها بعد عتقه).

أقول: سيأتي الكلام على قبول شهادة العبد و عدم قبولها مطلقا أو مقيدا في المسألة الاتية، فبناءا على القبول الا على مولاه- كما اختاره المحقق- أو عدم القبول مطلقا كما هو قول بعض أصحابنا يرتفع المانع بالعتق، فإذا أعاد الشهادة بعده تقبل، لاستكمال الشرائط كذلك، و لا ينافي ذلك ردها سابقا.

قال: (أو الولد على أبيه فردت ثم مات الأب و أعادها).

أقول: قد تقدم الكلام على شهادة الولد على والده، فبناءا على عدم القبول في حياة الأب، لو أعادها بعد موته فلا مانع من القبول مع استكمال الشرائط، و لا ينافي ذلك ردها سابقا.

و الدليل على الحكم في جميع هذه الفروع واحد، و هو ما ذكرناه من‌

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 286 الباب 39. صحيح.

186

عمومات الأدلة و خصوصها، بالإضافة إلى الإجماع المدعى.

نعم في خبر للسكوني: «عن الصادق (عليه السلام) عن علي (عليه السلام):

ان شهادة الصبيان إذا أشهدوا و هم صغار جازت إذا كبروا ما لم ينسوها، و كذلك اليهود و النصارى إذا أسلموا جازت شهادتهم، و العبد إذا شهد بشهادة ثم أعتق جازت شهادته إذا لم يردها الحاكم قبل أن يعتق. و قال علي (عليه السلام):

و ان أعتق لموضع الشهادة لم تجز شهادته» [1]. فان ذيله يفيد عدم القبول لو كان ازالة المانع و هو الرق لأجل قبول الشهادة، و صدره يفيد العدم في العبد إذا كان الحاكم قد رد شهادته قبل العتق.

الا أن الأصحاب ذهبوا الى القبول للعمومات و الإطلاقات، و أجابوا عن الخبر بالضعف سندا في نفسه أو بإعراض الأصحاب عنه، و أما حمل الصدر على ما إذا صدر الحكم من الحاكم فإنه لا ينقض حينئذ، فقد تأمل فيه صاحب الجواهر، و لعله لاحتمال الحكم بجواز النقض حينئذ. لكن فيه بحث، فلو لم يكن للمدعي شاهد في دعواه فحكم الحاكم فيها ثم جاء بشهود لم ينقض الحكم، و ما نحن فيه كذلك.

قال المحقق: (أما الفاسق المستتر إذا أقام فردت و أعادها فههنا تهمة الحرص على دفع الشبهة لاهتمامه بإصلاح الظاهر، لكن الأشبه القبول).

أقول: قد ذكرنا حكم شهادة الفاسق المعلن، و مثله الفاسق المستتر، فإنه تقبل شهادته لو أعادها بعد التوبة، و أما التهمة المذكورة فليست بمانعة عن القبول الذي هو مقتضى العمومات و الإطلاقات، و كذلك احتمال عدم التوبة‌

____________

[1] وسائل الشيعة 18- 257. أورده عن الشيخ بسنده عن إسماعيل بن أبي زياد. و هو السكوني. ثم قال: و رواه الصدوق بإسناده عن إسماعيل بن أبي زياد، فهو خبر واحد لا خبران كما هو ظاهر الجواهر.

187

حقيقة، فإنه إذا ظهرت عليه آثار التوبة و الإصلاح شملته العمومات و الإطلاقات.

فهذه هي الفروع التي ذكرها المحقق في هذه المسألة.

و أضاف صاحب الجواهر إليها فروعا اخرى نذكرها تبعا له فنقول:

لو كان الكافر مستترا بكفره ثم أسلم و أعادها فالوجهان المذكوران في الفاسق المستتر، و الأقوى القبول.

و لو وقع نزاع بين العبد المكاتب و غيره و شهد المولى لمكاتبه مع احتمال كونه عاجزا عن أداء حق المولى و الوفاء بشرطه، فلا تقبل هذه الشهادة للتهمة، فإن أعتق العبد زال المانع، فلو أعادها المولى قبلت.

و لو كان له عبد فعقد له أمة فلا إشكال في كون ولده مملوكا له، و ان عقد له حرة فكذلك بناء على إلحاق الولد بالأب في الإنسان و ان كانت أمّه أشرف فإن شهد المولى للعبد على نكاح كانت الشهادة في نفعه، فلا تقبل، و تقبل إن أعادها بعد العتق.

و لو شهد اثنان من الشفعاء- بناء على القول بصحة الأخذ بالشفعة و ان كانوا أكثر من اثنين- على عفو ثالث لم تقبل شهادتهما، لأن في عفوه نفعا لهما، فان عفوا كذلك و أعاد الشهادة على عفو الثالث قبلت، و يكون حق الشفعة حينئذ لرابعهم مثلا.

و لو شهد اثنان يرثان من رجل عليه بجراحة غير مندملة و يحتمل موته بها، ترد هذه الشهادة لأنها في الحقيقة في نفعهما دية أو قصاصا، فان اندمل الجرح و أعادا الشهادة قبلت، و كانت الدية للرجل.

188

«المسألة الثانية» (في شهادة المملوك)

قال المحقق (قدس سره): (قيل: لا تقبل شهادة المملوك أصلا، و قيل:

تقبل مطلقا، و قيل: تقبل الا على مولاه، و منهم من عكس، و الأشهر القبول الا على المولى).

أقول: في شهادة المملوك أقوال كثيرة، ذكر المحقق أربعة منها و أضاف في الجواهر إليها ثلاثة أقوال، و ان منشأ اختلاف الأقوال في المسألة هو اختلاف النصوص فيها.

فيدل على القول الأول و هو المنع من القبول مطلقا عدة نصوص فيها الصحيح و الموثق، و منها:

1- محمد بن مسلم عن أحدهما: «تجوز شهادة المملوك من أهل القبلة على أهل الكتاب و قال: العبد المملوك لا تجوز شهادته» (1).

2- محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): «لا تجوز شهادة العبد المسلم على الحرّ المسلم» (2).

3- الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «سألته عن شهادة ولد الزنا.

فقال: لا و لا عبد» (3).

4- سماعة: «سألته عما يرد من الشهود. فقال: المريب و الخصم و الشريك‌

____________

(1) وسائل الشيعة 17- 256 الباب 23 شهادات. صحيح.

(2) وسائل الشيعة 18- 256 الباب 23 شهادات. صحيح.

(3) وسائل الشيعة 18- 277 الباب 31 شهادات. صحيح.

189

و دافع مغرم و الأجير و العبد» (1).

5- صفوان: «عن أبي الحسن. و كذلك العبد إذا أعتق جازت شهادته» (2).

و استدل له في الجواهر بأمرين آخرين، أحدهما اعتباري و هو ان الشهادة من المناصب الجليلة التي لا تليق بحال العبد كالقضاء، و لاستغراق وقته بحقوق المولى على وجه يقصر عن أدائها و عن تحمّلها. و هذا الوجه ان انتهى الى الشارع فهو، و الا فإن الأهلية للمناصب الإلهية بيد الشارع، فلا بد من كاشف عن الجعل أو عدمه منه.

و الأخر: ان نفوذ القبول على الغير نوع ولاية، فيعتبر فيها الحرية كما في سائر الولايات. و هذا الوجه كسابقه، فان قبول الشهادة و ردّها من الأحكام الشرعية، و لا بد له من دليل شرعي، و ليس لأحد سلب الأهلية من أحد أو إعطائها إياه.

نعم من المحتمل استفادة ذلك من قوله عز و جل: «ضَرَبَ اللّٰهُ مَثَلًا عَبْداً مَمْلُوكاً لٰا يَقْدِرُ عَلىٰ شَيْ‌ءٍ وَ مَنْ رَزَقْنٰاهُ مِنّٰا رِزْقاً حَسَناً. وَ ضَرَبَ اللّٰهُ مَثَلًا رَجُلَيْنِ أَحَدُهُمٰا أَبْكَمُ. هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَ مَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ» (3) ففي الآية الأولى: لم يفرق بين العبد و الحر تكوينا، فله الأعضاء و الجوارح التي للحرّ و هو يتصرّف فيها كتصرفه، و انما فرّق بينهما تشريعا، فالعبد ليس له مال حتى يكون مسلطا عليه. و ليس له شي‌ء يكون قادرا على التصرّف فيه، بخلاف الذي رزقه‌

____________

(1) وسائل الشيعة 17- 278 الباب 32 شهادات. موثق.

(2) وسائل الشيعة 18- 273 الباب 29 شهادات. صحيح.

(3) سورة النحل: 75- 76.

190

رزقا حسنا فهو ينفق منه، فكيف يستويان؟

و في الثانية جعل أحد الرجلين أبكم- و من كان أبكم فهو أصم- و الأخر له القدرة على التكلم و بالخصوص الكلام الحق من الأمر بالعدل و نحو ذلك هل يستويان؟

فمن كان «كلا على مولاه» لا يليق لان يتولى شؤون المجتمع و أن يقوم بوظائف الأمة، و أن يدير أمور الناس، و الشهادة من هذا القبيل، لترتب الآثار المهمة عليها في موارد النفوس و الاعراض و الأموال و الحقوق.

و عن تفسير الإمام العسكري (عليه السلام): «كنا عند رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و هو يذكّرنا بقوله تعالى وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ. قال: أحراركم دون عبيدكم، فان اللّه تعالى شغل العبيد بخدمة مواليهم عن تحمل الشهادة و أدائها». و ما في الرياض من أن دلالته بمفهوم الوصف و ليس بحجة على الأشهر الأظهر، لعله بالنظر الى ذيله، لان الصدر صريح في عدم القبول.

فمن الممكن رجوع الوجهين المذكورين الى الآيتين- و الثالثة بضميمة الرواية في تفسيرها.

و يدل على القول الثاني- و هو القبول مطلقا- عدة نصوص فيها الصحيح و غيره كذلك (1)، و منها:

1- عبد الرحمن بن الحجاج: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): قال أمير المؤمنين (عليه السلام): لا بأس بشهادة المملوك إذا كان عدلا». دل على القبول مطلقا.

____________

(1) انظر وسائل الشيعة 18- 253 الباب 23 شهادات.

191

2- بريد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «سألته عن المملوك تجوز شهادته؟

قال: نعم، ان أول من رد شهادة المملوك لفلان».

3- محمد بن مسلم: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): في شهادة المملوك إذا كان عدلا، فإنه جائز الشهادة، ان أول من رد شهادة المملوك عمر بن الخطاب.».

و من هذا و سابقه يظهر أن نصوص المنع صادرة تقية، و يؤيد ذلك اتفاق الأئمة الأربعة عند أهل السنة على الفتوى بالمنع.

4- محمد بن مسلم: «عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: تجوز شهادة المملوك من أهل القبلة على أهل الكتاب». و هذا ليس له ظهور في التقييد بكونها على أهل الكتاب، و الا لقيد، لما تقرر من حمل المطلق على المقيد و ان كان مثبتين بشرط إحراز وحدة المطلوب.

5- محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «تجوز شهادة العبد المسلم على الحرّ المسلم». قال في الوسائل: «و في نسخة: «لا يجوز» و هو محمول على التقية» و نقل عن الصدوق: انه محمول على ما لو شهد لغير سيده، و هو القول الثالث من الأقوال الأربعة، لكن الحمل عليه متوقف على وجود شاهد.

6- الحلبي: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول في المكاتب- الى أن قال- قلت: أ رأيت أن أعتق نصفه تجوز شهادته في الطلاق؟ قال: ان كان معه رجل و امرأة جازت شهادته» قال في الوسائل: إدخال المرأة هنا محمول على التقية، لأن شهادتها لا تقبل في الطلاق، ذكره الصدوق و الشيخ و غيرهما.

7- الحلبي: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في رجل مات و ترك جارية و مملوكين، فورثهما أخ له، فأعتق العبدين، و ولدت الجارية غلاما فشهدا بعد العتق أن مولاهما كان أشهدهما انه كان يقع على الجارية و ان الحمل منه-

192

قال: تجوز شهادتهما، و يردان عبدين كما كانا».

دل على قبول شهادة العبد، و استشهد به بعضهم على استثناء المولى ليكون دليلا على القول بعدم القبول عليه- و هو القول الثالث- لأنه ان كانت شهادته مقبولة عليه في حال الرق لما قيد السائل بكون الشهادة بعد الحرية. لكن الظاهر من منطوق الخبر القبول، فلا وجه للتمسك بمفهوم تقييد السائل للعدم لكن يمكن الاستدلال له في القبول، من جهة ثبوت بنوة الولد للمولى فيرثه و يكون العبدان مملوكين له.

8- ابن أبي يعفور: عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «سألته عن الرجل المملوك المسلم تجوز شهادته لغير مواليه؟ قال: تجوز في الدين و الشي‌ء اليسير». دل على القبول «في الدين و الشي‌ء اليسير» لغير مواليه فقط، و أما مواليه فلا تقبل لا لهم و لا عليهم، و قد حمله في الوسائل على التقية.

أقول: قد عرفت أن أدلة القبول ناظرة إلى أدلة المنع و متعرضة لحالها، لتضمن بعضها أن أول من منع قبول شهادة المملوك هو عمر بن الخطاب و من هنا تحمل أدلة المنع على التقية، على أنه لا قائل بالمنع منا- الا ابن أبي عقيل كما قيل- فهي معرض عنها عند الأصحاب، فالأقوى حتى الان هو القول بالقبول للأدلة العامة و الخاصة الموافقة للكتاب و المخالفة للعامة.

و قد ذكر القائلون بالقبول الثالث- و هو القبول الا على مولاه- ان ذلك مقتضى الجمع بين الأدلة الدالة على المنع مطلقا و الدالة على القبول كذلك.

فنقول: ان الجمع يكون بأحد طريقين، أحدهما بمعونة القطع من الخارج مثل الجمع بين «ثمن العذرة سحت» و «لا بأس ببيع العذرة» بتقريب ان المقطوع به في الأول شموله لعذرة ما لا يؤكل لحمه فهو فيه نص و في غيره ظاهر، و المقطوع به في الثاني شموله لعذرة ما يؤكل لحمه، فهو فيه نص، و في‌

193

من الطرفين و به نرفع اليد عن الظاهر في الأخر. و هذا هو الجمع التبرعي في الاصطلاح.

و الأخر: الجمع العرفي، و هو وجود دليل فيه التقييد بعدم القبول في الشهادة على المولى، فيكون هذا الخبر شاهد جمع بين الطرفين، و بذلك يكون الجمع عرفيا، و ما يمكن أن يكون شاهدا للتقييد بقيد هنا هو:

خبر محمد بن مسلم: «تجوز شهادة المملوك من أهل القبلة على أهل الكتاب» لكن هذا الخبر لا يصلح للتقييد كما تقدم لعدم حجية المفهوم فيه.

و خبر ابن أبي يعفور، لكنه محمول على التقية، على أن تقرير الامام (عليه السلام) لتقييد السؤال ليس في الحجية بحيث يمكن تقييد المطلقات به.

و خبر جميل: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المكاتب تجوز شهادته؟

فقال: في القتل وحده» و هذا لم يظهر قائل به.

و خبر محمد بن مسلم: «تجوز شهادة العبد المسلم على الحر المسلم» و قد عرفت انه في نسخة «لا يجوز» و هذا يوجب الشك فيه، فلا يصلح للتقييد.

و خبر الحلبي في شهادة العبدين، لكن مفهوم السؤال لا يقيّد الجواب، على أنه يفيد القبول له و لا يدل على العدم ان كان عليه.

أقول: هذه هي الأخبار المقيّدة بظاهرها، و قد عرفت أنه لا شاهد فيها للجمع بين الاخبار كما ذكر أصحاب القول الثالث.

و أما إلحاق العبد بالولد لاشتراكهما في وجوب الطاعة و حرمة العصيان ففيه ما لا يخفى، على أن الحكم في المقيس عليه مختلف فيه كما تقدم في محله.

194

فظهر بما ذكرنا عدم الدليل على التقييد، فالأقوى هو القبول مطلقا، و اللّه العالم.

ثم قال المحقق: (و لو أعتق قبلت شهادته على مولاه).

أقول: هذا على مختاره، و لا خلاف في القبول بعد العتق بل في كشف اللثام الاتفاق عليه، لارتفاع المانع و استكمال الشرائط كما تقدم، و تدل على ذلك بعض النصوص بصراحة:

محمد بن مسلم: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الذمي و العبد يشهدان على شهادة، ثم يسلم الذمي و يعتق العبد، أ تجوز شهادتهما على ما كانا أشهدا عليه؟ قال: نعم إذا علم منهما بعد ذلك خير جازت شهادتهما» (1).

و أما خبر السكوني: «ان شهادة الصبيان.» فقد عرفت حمله على بعض الوجوه، مع أن أحدا لم يفت بما تضمنه صدرا و ذيلا.

قال: (و كذا حكم المدبر و المكاتب المشروط، أما المطلق إذا أدى من مكاتبته شيئا قال في النهاية: تقبل على مولاه بقدر ما تحرر منه، و فيه تردد أقربه المنع).

أقول: قد عرفت أن الأقوى قبول شهادة المملوك مطلقا، و على ما ذكرنا تقبل شهادة المدبر و المكاتب مطلقا. و مذهب المحقق «قده» استثناء الشهادة على مولاه، فعطف العبد المدبر- و هو الذي قال له مولاه: أنت حر دبر وفاتي- و المكاتب المشروط- و هو الذي اشترط عليه مولاه ان لا ينعتق منه شي‌ء حتى يؤدي كل المكاتبة فينعتق كله- على العبد القن في الحكم المذكور. و الوجه في ذلك واضح، لأنهما لا يخرجان بالتدبير و المكاتبة المشروطة عن المملوكية، و لا يتحرر شي‌ء منهما، فيندرجان فيما دل على المنع من القبول على مولاه عند المحقق.

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 285 الباب 39 شهادات. صحيح.

195

و أما المكاتب المطلق- و هو الذي يتحرر منه بقدر ما يؤدي من المكاتبة- فإن شهد في حال انه لم يؤد شيئا فكذلك، و ان أدّى من مكاتبته شيئا فتحرر منه بقدر ما أدى فقولان:

فالشيخ في النهاية و جماعة على القبول بقدر ما تحرّر منه.

و المحقق على المنع، وفاقا للمشهور بين من تعرض له كما في الجواهر.

استدل للمنع بوجوه: أحدها: صدق العبد و المملوك على المبعض.

و الثاني: ان المانع من القبول هو الرقية، فما لم تزل بتمامها لم تقبل الشهادة.

و الثالث: ان عقولنا لا تهتدي إلى القبول في بعض المشهود فيه دون بعض، فلا نقول به الا فيما أجمع عليه، أو دل عليه دليل قاطع.

ذكر هذه الوجوه كاشف اللثام، و اعترضه صاحب الجواهر بأن الأولين مصادرة.

قلت: أما الثاني فنعم. و أما الأول فلا. لكن يمكن الجواب عنه بتحقق الصدق في الجملة، و عليه فان كان الصدق في الجملة كافيا لشمول أدلة المنع، فان المبعض يصدق عليه الحر في الجملة كذلك، فلما ذا تقدم فيه أدلة المنع على أدلة القبول؟

و من هنا يمكن القول بأنه ان كان كلا الدليلين منصرفين عن المبعض فالطرفان في عدم الشمول على حد سواء، و الا فيشمله كلاهما، فيقبل شهادته بما هو عدل، و يمنع من القبول بما هو عبد، فيكون الحكم مبعضا كموضوعه، و يكون الحاصل القبول بقدر ما تحرر منه.

و أما الوجه الثالث فقد أشكل عليه صاحب الجواهر بأن أقصاه عدم القبول على وفق قاعدة عدم جواز تبعيض السبب التي لا تنافي الدليل على جوازه.

قلت: ان قام الدليل على القبول في البعض فإنه يكشف لنا عدم كون‌

196

السببية للقبول أو المنع الحرية أو العبدية بكليته، بل ان البعض أيضا سبب بحسبه.

اذن يكفي للقول بالقبول الأدلة الدالة على قبول شهادة العدل، و الأدلة الدالة على عدم قبول شهادة العبد الا على مولاه، بناء على عدم انصرافها عن المبعض، و شمول كلا الطرفين له، و بناء على الانصراف نرجع الى الدليل الخاص القائم في خصوص المبعض، فان تم سندا و دلالة فيتم القبول، و الا فيرجع الى الأصل، و هو هنا الاستصحاب و مقتضاه عدم القبول.

و قد استدل للقبول في المقام بخصوص خبرين:

أحدهما: ما رواه أبو بصير قال: «سألته عن شهادة المكاتب كيف تقول فيها؟ قال: فقال: تجوز على قدر ما أعتق منه ان لم يكن اشترط عليه أنك ان عجزت رددناك، فان اشترط عليه ذلك لم تجز شهادته حتى يؤدي أو يستيقن انه قد عجز. قال فقلت: فكيف يكون بحساب ذلك؟ قال: إذا كان أدى النصف أو الثلث فشهد لك بألفين على رجل أعطيت من حقك ما أعتق النصف من الألفين» (1).

و قد أشكل في الجواهر في الخبر بأمور، منها: كونه مضمرا، لكن الظاهر ان إضماره لا يضر باعتباره لأن أبا بصير لا يروي عن غير الامام (عليه السلام)، و منها: عدم الوجه في قوله: أو يستيقن انه قد عجز، و لكن الظاهر ان المراد انه ان جاء الموعد و عجز فهو عبده و كذا إذا تيقن العجز عن الأداء عند الموعد [1]،

____________

[1] قد يقال: ان هذا يصح في جملة: «إن عجزت رددناك» و أما هذه الجملة فمعطوفة على «يؤدي» فالمعنى: لم تجز حتى يستيقن انه قد عجز، أي في حال الاستيقان تجوز.

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 257 الباب 23 شهادات.

197

فالجملة ليست أجنبية، و ليس اللفظ مضطربا.

و الثاني: ما رواه محمد بن مسلم و أبو بصير و الحلبي جميعا «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في المكاتب يعتق نصفه هل تجوز شهادته في الطلاق؟ قال: إذا كان معه رجل و امرأة- و قال أبو بصير- و إلا فلا تجوز» (1).

لكن الخبرين محمولان على التقية، أما الأول فلأن المنع من قبول شهادة المملوك هو قول العامة تبعا لإمامهم عمر بن الخطاب كما تقدم، و أما الثاني فلإدخال المرأة في الشهادة في الطلاق، لان شهادتها لا تقبل فيه كما تقدم أيضا.

فظهر عدم الدليل الخاص على القبول، و من هنا ذهب صاحب الجواهر الى المنع كالقن، قال: «للأصل، و قاعدة عدم تبعيض السبب بعد وضوح قصور الخبر المزبور عن تخصيصها، و حرمة القياس على حكم غيره من أفراد المبعض في الإرث و نحوه».

أقول: المراد من الأصل هو الاستصحاب، إذا الحكم قبل التبعيض هو المنع، فان شك فيه بعده استصحب، و الظاهر وحدة الموضوع عرفا.

و قاعدة عدم تبعيض السبب مسلمة بلا كلام، فإذا جعل الشارع الغسل سببا لرفع الجنابة لم يكن غسل بعض البدن سببا لرفع بعضها، فهذه هي القاعدة، و متى شك كانت هي المرجع.

و هذا يتم فيما نحن ان كانت الحرية السبب في القبول، و أما ان كانت العبدية السبب لعدم القبول فان نصف العبدية مثلا لا يكون سببا لعدم القبول.

الا ان التحقيق ان يقال: بأن مقتضى عمومات الشهادة كتابا و سنة قبول شهادة العدل مطلقا، خرج منها شهادة العبد القن على المولى، و مع الشك في خروج‌

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 256 الباب 23. صحيح.

198

العبد المبغض كذلك يتمسك بالعمومات و هي متقدمة على الاستصحاب، و لا مجال معها لقاعدة عدم تبعيض السبب، لحكومة العمومات، كما لا يرد اشكال القياس.

فالأقوى هو قبول شهادة المملوك المبعض حتى بناء على القول بعدم شهادة المملوك على مولاه. كما عليه الشيخ و من تبعه، و اللّه العالم.

و قد فرع الشهيد في غاية المراد بناء على القبول فروعا أوردها صاحب الجواهر، و نحن نوردها تبعا له مع بعض التوضيح:

الأول: لو شهد مع المبعض عدل حر بمائة مثلا، يثبت بشهادتهما خمسون، لقيام البينة بالنسبة إلى الخمسين، و أما الخمسون الأخرى فلها شاهد واحد و هو الحر، و لا يثبت بشهادة الواحد شي‌ء، فللمدعي أن يحلف معه على الخمسين الثانية فيأخذها، لما تقرر في محله من ثبوت الأموال بشاهد واحد مع يمين المدعي. و ظاهر الرواية الثانية يدل على جعله كالمرأة، فحينئذ لا يثبت بشهادتهما شي‌ء أصلا إذ يكون كما لو شهد رجل و امرأة. و لو انضم إليهما امرأة ثبت المال، لتحقق البينة بشهادة رجل و امرأتين، و على ظاهر الفتاوى تثبت الخمسون بشهادة الثلاثة- لا المائة- و له الحلف على الخمسين الأخرى كما تقدم، لان الخمسين الأخرى لم يشهد بها في الحقيقة سوى رجل و امرأة [1]، و تظهر الفائدة في الرجوع عن الشهادة، فإنه لا يسترجع الحاكم ما أعطاه للمدعي، بل يأخذه من الشهود كل بحسب تأثير شهادته في الحكم.

الثاني: لو شهد المملوك وحده بمال على السيد، فللمشهود له الحلف على نصفه، لانه يكون شهادته بمنزلة شهادة الحر على النصف، و قد عرفت ثبوت‌

____________

[1] كأنه من جهة أن قبول شهادة المبعض هو بلحاظ النصف المحرر منه

199

المال بشهادة رجل مع يمين المدعي، هذا على ظاهر الرواية الاولى، و على مفهوم الرواية الثانية لا حكم لشهادته، لانه كالمرأة الواحدة.

الثالث: لو شهد المبعض بالوصية بالمال ثبت ربع ما يشهد به على مفهوم الرواية الثانية، لأنه كالمرأة الواحدة، و هي لو شهدت بالوصية بالمال يثبت ربعه، و على الرواية الأولى يثبت نصفه، و على هذا فللمدعي أن يحلف معه بناء على القول باليمين هنا، فيثبت له الكل.

الرابع: لو شهد على مولاه بالقتل أو شبهه- أو الخطأ في احتمال كون هذه الشهادة على المولى لا على العاقلة- مع شاهد آخر، فعلى مفهوم الرواية الثانية لا يثبت القتل، لأنه كالمرأة الواحدة، بل يكون لوثا و حينئذ تقام القسامة. و على ظاهر كلام الأصحاب يحتمل ثبوت نصف القتل على معنى ثبوت نصف الدية أو القود، بعد رد ما قابل الباقي، و يحتمل الانتفاء أصلا، من جهة ان الخبر الأول وارد في مورد المال و لا يعم القتل، و أشد اشكالا من القتل الشهادة في الحدود.

هذه هي الفروع التي ذكرها الشهيد الأول في غاية المراد.

و في كشف اللثام: «ثم على تقدير السماع بقدر الحرية يحتمل اشتراطه بانضمام رجل إليه» أي: حتى يثبت نصف المشهود فيه، و هذا هو الذي ذهب اليه صاحب الجواهر جازما به حيث قال: ان مقتضى الخبر الأول قبول شهادته على مقدار ما فيه من الحرية، لكن على نحو غيره مما يقبل فيه ذلك باليمين أو بشاهد آخر معه. أما كاشف اللثام فقال: «و هو الأحوط» و فيه: ان الاحتياط لا مورد له في مثل المقام، لأن الأمر يتعلق بحقوق الناس، و لا بد من مراعاة‌

____________

و نصف الحر لا اثر له، و بقي الرجل الواحد و الامرأة الأخرى. لكن إذا كان كذلك فإنه لا يثبت شي‌ء بشهادة الرجل الواحد مع الامرأة الواحدة، فلما ذا الخمسون؟

200

حق كلا الطرفين، نعم هو مطابق للأصل.

قال: و يحتمل العدم. اي عدم اشتراط الانضمام، فيثبت النصف بشهادته وحده.

قال: و على الأول يحتمل القبول بعين ذلك القدر كما هو الظاهر من الخبر، حتى إذا انضم الى من تحرر نصفه رجل كامل الحرية لم يسمع إلا في النصف، لأنه الذي اجتمع عليه شاهدان، و هو الأحوط، و في هذا الاحتياط ما عرفت.

قال: و يحتمل تقسيم المشهود به بحسب ما في الشاهدين من الحرية، فيسمع في المثال في ثلاثة أرباع و يحمل الخبر على انضمام مثله اليه، أو على انه يثبت نصف الألفين بما فيه من الحرية و ما بإزائه من حرية الأخر، و ان كان يثبت ربعهما أيضا بما في الأخر من باقي الحرية.

و هذا احتمال بعيد، و حمل الخبر على ما ذكر خلاف الظاهر.

قال: و على الثاني [1] يحتمل السماع بإزاء الحرية مطلقا، حتى إذا تحرر منه عشر سمعت شهادته في العشر، فإذا تحرر تسعة أعشاره سمعت في تسعة أعشاره، و يحتمل أن لا تسمع ما لا يتحرر ربعه فما زاد، و لا تسمع إلا في الربع الى النصف، و على كل فلا بد من قصر السماع على ما تسمع فيه شهادة امرأة واحدة خصوصا ما ذكره من الاحتمال. و اللّه العالم.

____________

[1] أقول: الاحتمال الأول يتوجه بالنظر الى الخبر الأول، و الثاني بالنظر الى الخبر الثاني. فلا تغفل.

201

«المسألة الثالثة» (في تحقق اسم الشهادة للسامع و المختبئ)

قال المحقق (قدس سره): (إذا سمع الإقرار صار شاهدا، و ان لم يستدعه المشهود عليه، و كذا لو سمع اثنين يوقعان عقدا كالبيع و الإجارة و النكاح، و كذا لو شاهد الغصب أو الجناية، و كذا لو قال له الغريمان: لا تشهد علينا، فسمع منهما أو من أحدهما ما يوجب حكما، و كذا لو خبأ فنطق المشهود عليه مسترسلا).

أقول: لا خلاف و لا كلام في صيرورة الإنسان شاهدا متحمّلا للشهادة بالسماع فيما يكفي فيه السماع، كما إذا سمع الإقرار أو صيغة العقد، و بالمشاهدة فيما يكفي فيه المشاهدة، كما لو شاهد الغصب أو الجناية، لوضوح صدق الشاهد عليه لغة و عرفا.

و لا يعتبر في تحقق عنوان الشهادة تحملا و أداء الاشهاد من الغير، بل يصير شاهدا حتى لو قال له الغريمان أو أحدهما: لا تشهد علينا، فسمع منهما أو من أحدهما ما يوجب حكما له أو عليه، بل و كذا لو خبأ الشخص أي جلس في زاوية مستخفيا منهما فنطق المشهود عليه صار متحمّلا للشهادة. قال في الرياض: بلا خلاف أجده الا من الإسكافي، و هو شاذ لا يعبأ به، بل عن غاية المراد: قد سبقه الإجماع أو تأخر عنه. قالوا: لان المعتبر في صدق الشهادة و قبولها علم الشاهد- مع استجماعه للصفات المعتبرة فيه شرعا- بما يشهد به، سواء كان العلم مسبوقا باستدعاء المشهود له أو المشهود عليه أو اتفق علمه بالواقعة، و ذلك لاشتراك الجميع في المقتضي للقبول و هو العلم.

و في المسالك و غيره: انه لا يحمل اختفاؤه لتحمل الشهادة على الحرص‌

202

عليها، إذا الحاجة قد تدعو اليه، و أشكل عليه في الجواهر و غيره بأن التهمة في المختبئ ليست بأقل منها في المتبرّع بالشهادة، الذي سيأتي دعوى الإجماع على عدم قبول شهادته، و أن الاحتياج الى ذلك لو سلم كونه دليلا لمشروعية مثله فلا يقتضي الصحة مطلقا حتى إذا لم تدع الحاجة، فالعمدة في الجواب هو انه ليس كل تهمة بمانعة، بل هي التهمة التي ورد دليل شرعي على مانعيتها.

هذا كله بالنسبة إلى صدق اسم الشهادة و تحققها و قبولها.

حكم تحمل الشهادة و أدائها مع الاستدعاء و بدونه

و أمّا حكمها فالمشهور كما في المستند عن جماعة وجوب التحمل إذا دعي اليه، خلافا للحلي إذ قال: و الذي يقوى في نفسي انه لا يجب التحمّل، و للإنسان أن يمتنع عن الشهادة إذا دعي إليها ليتحملها، إذ لا دليل على وجوب ذلك عليه، و ما ورد في ذلك فهو أخبار احاد.

هذا بالنسبة إلى التحمل.

و أما بالنسبة إلى أداء الشهادة، فإن كان تحمله بالاستدعاء وجب عليه الأداء حينما يطلب منه ذلك، إذا توقف الحق على شهادته، إجماعا قطعيا بل بالضرورة و حكاية الإجماع عليه مستفيضة، و الايات عليه دالة، و الاخبار متواترة كما في المستند. و ان كان تحمله بدون استدعاء من صاحب الحق للتحمل فقولان:

الوجوب، و هو المشهور بين المتأخرين كما قيل.

و العدم، و هو مذهب جماعة من القدماء، بل نسب الى المشهور بينهم، فقالوا: هو بالخيار بين الإقامة و عدمها.

و استدل للاول بالعمومات و الإطلاقات الإمرة بإقامة الشهادة، سواء اشهد عليها أو لم يشهد، و هي و ان كانت تقتضي الإقامة عينا، الا ان ظاهر الأصحاب-

203

كما في الرياض- الإطباق على وجوبها كفاية.

و للثاني بالأصل، و بالنصوص:

1- محمد بن مسلم: «عن أبي جعفر (عليه السلام): إذا سمع الرجل الشهادة و لم يشهد عليها، فهو بالخيار ان شاء شهد و ان شاء سكت» (1).

2- هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) مثله. و أضاف: «إذا أشهد لم يكن له الا أن يشهد» (2).

3- محمد بن مسلم قال: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يحضر حساب الرجلين فيطلبان منه الشهادة على ما سمع منهما، قال: ذلك اليه ان شاء شهد و ان شاء لم يشهد، و ان شهد شهد بحق قد سمعه، و ان لم يشهد فلا شي‌ء، لأنهما لم يشهداه» (3).

فان هذه النصوص ظاهرة في عدم وجوب إقامتها على من لم يشهد حتى مع توقف الحق عليها.

و أجاب في الجواهر- مع فرض كون المراد التوقف- عن الأصل بقوله:

«ان الأصل مقطوع بما دلّ عليه العقل المقطوع به من النقل كتابا و سنة بل و إجماعا من إيجاب إقامة الشهادة على من هي عنده، و انها بمنزلة الأمانة التي يجب على من عنده أداؤها و ان لم يستأمنه إياها صاحبها، نحو الثوب الذي أطارته الريح و غيره».

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 231 الباب 5 شهادات. صحيح.

(2) وسائل الشيعة 18- 231 الباب 5 شهادات. صحيح.

(3) وسائل الشيعة 18- 232 الباب 5 شهادات. فيه «محمد بن عبد اللّه بن هلال» لا توثيق له، لكنه من رجال كامل الزيارات.

204

قلت: ان كان العقل مستقلا بلزوم إقامة الشهادة هنا فان من الممكن أن يقال بأن الأدلة اللفظية و الإجماع كلها واردة في مورد حكم العقل و أنها إرشادية لا مولوية، الا ان استقلال العقل بلزوم الشهادة لئلا يحكم على المدعى عليه بغير حق، أو لئلا يضيع حق أحد في مرافعة مالية فيه تأمل، نعم إقامة الشهادة زورا و كذبا ان ترتب عليها ضياع حق ظلم قبيح عقلا.

و أما في مثال الثوب الذي ذكره و نحوه فان الموجب لحفظه و وجوب رده هو وقوعه تحت اليد، و لذا لا يفتي بوجوب أداء الشهادة فيما لو وقع الثوب الذي أطارته الريح في دار غيره من باب وجوب حفظ مال الغير، هذا بالإضافة الى أن أدلة وجوب حفظ الأمانة منصرفة عن إقامة الشهادة.

و على الجملة: فإنا نحكم بلزوم الإقامة في كل مورد كان الظلم مستندا الى ترك الشهادة، و من هنا نقول بالضمان عليه فيما إذا ضاع حقه على أثر شهادته أو تركها، و أما في غير ذلك فلا استقلال للعقل باللزوم.

هذا و لم يتضح لنا معنى عبارة الجواهر: «بما دل عليه العقل المقطوع به من النقل كتابا و سنة.» [1].

و أجاب صاحب الجواهر عن النصوص بحملها على عدم توقف الحق على الشهادة، و هو الذي ذهب اليه صاحب الوسائل في عنوان الباب حيث قال:

«باب ان من علم بشهادة و لم يشهد عليها جاز له أن يشهد بها و لم يجب عليه الا ان يخاف ضياع حق المظلوم» و بذلك جمع بين هذه النصوص و ما دل على وجوب الشهادة إذا علم من الظالم، فيما رواه محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) قال:

____________

[1] و يحتمل سقوط «واو» في العبارة، بأن يكون: العقل و المقطوع به من النقل.