كتاب الشهادات

- السيد محمد رضا الگلپايگاني المزيد...
461 /
205

«إذا سمع الرجل الشهادة و لم يشهد عليها فهو بالخيار ان شاء شهد و ان شاء سكت، إلا إذا علم من الظالم فيشهد، و لا يحل له الا ان يشهد».

و ما رواه يونس عن بعض رجاله عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) كذلك.

و أيده في الجواهر بخبر على بن أحمد بن أشيم قال: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل طهرت امرأته من حيضها فقال: فلانة طالق، و قوم يسمعون كلامه لم يقل لهم اشهدوا أ يقع الطلاق عليها؟ قال: نعم هذه شهادة، أ فيتركها معلقة؟».

و بما أرسله الصدوق عن الصادق (عليه السلام) «العلم شهادة إذا كان صاحبه مظلوما».

و في الوسائل بعد هذا الخبر: «حمل الصدوق ما تضمن التخيير على ما إذا كان على الحق غيره من الشهود، فمتى علم ان صاحب الحق مظلوم و لا يحيى حقه الا بشهادته وجب عليه إقامتها و لم يحل له كتمانها، و استدل بالحديث الأخير».

و الى هذا الجمع أرجع صاحب الجواهر عبارة الشيخ في النهاية و كلام غيره.

أقول: و على هذا يصير كانحصار الواجب الكفائي في شخص، و لا كلام في دلالة الأدلة على وجوب الإقامة عليه حينئذ، و ان لم يشهد، لكن النصوص تدل على الوجوب مع الاشهاد حتى مع عدم توقف الحق عليها، و من هنا اختلفت كلماتهم في المسألة:

فقال بعضهم: بأن ما دل على التخيير محمول على صورة وجود الغير، و ما دل على الوجوب إذا اشهد على ما إذا لم يوجد غيره، فالوجوب كفائي مع عدم التوقف مطلقا.

206

و قال صاحب الرياض بأن الوجوب كفائي في صورة عدم الإشهاد، فإن انحصر فعيني، و في صورة الاشهاد يكون الوجوب عينيا عرضا، و هذا لا ينافي كونه كفائيا بالذات.

و قال كاشف اللثام باحتمال تنزيل النصوص على عدم الوجوب العيني لوجود ما يثبت به الحق المشهود غيره، و باحتمال أن يراد بسماع الشهادة- في صحيحتي محمد بن مسلم و نحوهما- سماعها و هي تقام عند الحاكم، قال: بل هو الظاهر، فيكون الاستغناء عنه أظهر، و يكون المعنى انه إذا سمع الشهود يشهدون بحق و لم يشهد عليه أي لم يطلب منه الشهادة للاكتفاء بغيره كان بالخيار.

أقول: لكن هذا الاحتمال يخالف ظواهر النصوص.

ثم ذكر غير هذين الاحتمالين أيضا.

و قال صاحب الجواهر: بأن الذي أشهد يجب عليه الإقامة إلا إذا علم بإقامة غيره فيسقط عنه التكليف، و حاصل ذلك بقاء الوجوب مع الشك في إقامة غيره، و اما الذي لم يشهد فلا يجب عليه الإقامة إلا إذا علم بضياع الحق بعدم اقامته، و حاصل ذلك عدم الوجوب عليه مع الشك في توقف الحق على شهادته، فهذا هو الفرق بين من أشهد و من لم يشهد.

أقول: لكن القول بعدم الوجوب على من يشهد عن الشك في قيام الغير بالواجب يخالف مقتضى أدلة الوجوب الكفائي، فإن مقتضاها وجوب الإقامة إلا مع اليقين بقيام الغير.

و مما ذكرنا ظهر أن النزاع معنوي، و أن الأقرب الوجهان الأولان، و اللّه العالم.

207

«المسألة الرابعة» (في حكم التبرع بالشهادة)

قال المحقق (قدس سره) (التبرع بالشهادة قبل السؤال يطرق التهمة فيمنع القبول).

أقول: في هذه المسألة فروع:

1- في حقوق الآدميين

قال المحقق: «يطرق التهمة فيمنع القبول» و في النافع: «التبرع بالأداء قبل الاستنطاق يمنع القبول لتطرق التهمة» و قال العلامة في القواعد:

«السبب السادس: الحرص على الشهادة، بالمبادرة إليها قبل الاستدعاء، فلو تبرع بإقامة الشهادة عند الحاكم قبل السؤال لم تقبل، للتهمة و ان كان بعد الدعوى» و في المسالك: «من أسباب التهمة: الحرص على الشهادة بالمبادرة إليها قبل استنطاق الحاكم، سواء كان بعد دعوى المدعي أم قبلها» و قد صرح بهذا الإطلاق صاحب الرياض أيضا، قال: «بلا خلاف أجده، و به صرح في الكفاية و يظهر من المسالك و غيره، و احتمله إجماعا بعض الأجلة» بل في كشف اللثام: «انه مما قطع به الأصحاب» قال في الجواهر: «و لعله العمدة في الحكم المزبور، لا التعليل بالتهمة الواقع من كثير».

قلت: هل المانع من القبول «التهمة» أو عنوان «التبرع» و هي علة المنع أو حكمته؟ وجوه. فان كان موضوع المنع «التهمة» فالشهادة من المتبرع مقبولة في موارد لعدمها، و ان كان «التبرع» و هي علة فكذلك، لأن العلة قد تعمم و قد تخصص، و ان كان الموضوع «التبرع» و «التهمة» حكمة‌

208

المنع، كان اقترانها به غالبا موجبا للحكم بالمنع مطلقا.

قال صاحب الجواهر بأن موجب المنع هو التبرع، فإنه تهمة شرعية بدليل الإجماع القائم على منع شهادة المتبرع، و ليس المنع لأجل تطرق التهمة العرفية لقبول الشهادة في بعض موارد وجودها كشهادة المختبي، و لانه لو كان المانع التهمة للزم قبول شهادة المتبرع بها في كل مورد تنتفي عنه التهمة العرفية، ككون المشهود له عدوا و المشهود عليه صديقا له أو غير ذلك، و أيضا لو كان المانع التهمة لكان المتجه الرد مطلقا مع أن بعضهم ذكر قبولها في المجلس الأخر.

فالحاصل أن المانع هو التبرع، و الدليل هو الإجماع، فيكون عدم قبول شهادة المتبرع حكما من أحكام القضاء، نظير عدم تأثير يمين المنكر بلا استدعاء من المدعي.

و من هنا استغرب صاحب الجواهر من سيد الرياض التزام قبول شهادة المتبرع في كل مورد تنتفي عنه التهمة، مدعيا انصراف إطلاق الأصحاب إلى الغالب الذي تحصل معه التهمة.

و انتهى (رحمه اللّه) الى القول بأن الأولى القول انه تهمة شرعا بدليل الإجماع المزبور، المؤيد بالنبوي المذكور في معرض الذم و ان لم يكن من طرقنا: «ثم يجي‌ء قوم يعطون الشهادة قبل أن يسألوها»، و آخر: «ثم يفشو الكذب حتى يشهد الرجل قبل أن يستشهد» و ثالث: «تقوم الساعة على قوم يشهدون من غير أن يشهدوا» مع ما ورد «من انها تقوم على شرار الخلق».

قال: الا ان المتجه حينئذ الاقتصار على ما علم كونه موردا للإجماع.

قلت: ان تنزيل الشارع لشي‌ء بمنزلة شي‌ء آخر يكون تارة من قبيل:

«الطواف بالبيت صلاة» حيث نزل الطواف منزلة الصلاة في أحكامها و بلحاظ‌

209

ما يعتبر فيها من الطهارة و غير ذلك.

و أخرى يكون تنزيلا لموضوع بمنزلة موضوع آخر، كحكمه بإطلاق ماء قد استعمل فشك في إطلاقه أو كريته بقوله: لا تنقض اليقين بالشك، فجعل هذا الماء المشكوك في إطلاقه ماءا مطلقا و كرا، كما كان في حالته السابقة، و ان كان مشكوكا بالوجدان.

فإن أراد تنزيل «التبرع» بمنزلة «التهمة العرفية» من قبيل الأول، فهذا خلاف ظواهر كلمات الأصحاب، لأن موضوع الحكم عندهم «التهمة»، و لم يقل أحد منهم بأن التبرع بمنزلة التهمة، على أنه يصح أن يقال: شهادة المتبرع لا تقبل للتهمة، و لا يقال: يشترط في الطواف الطهارة لأنه صلاة.

و ان كان التنزيل من قبيل الثاني ففيه انه لا شك في اشتمال التبرع على التهمة، و حيث لا تهمة قطعا فلا معنى للتنزيل.

و أما الأحاديث التي ذكرها فمع الغض عن أسانيدها نقول: بأنه ليس في الخبر الأول ذكر للتهمة، بل الموضوع فيه الشهادة قبل السؤال، و في الثاني يوجد لفظ «الكذب» و ذم الشهادة قبل الاستشهاد، و كذا الكلام في الثالث الذي هو من أخبار المستدرك عن دعائم الإسلام عن جعفر عن آبائه عن علي (عليهما السلام).

فظهر أن للتعليل بالتهمة الواقع في كلام كثير من الأصحاب مدخلية في الحكم، فهي اما علة الحكم أو الحكمة فيه.

و لو شهد هذا المتبرع في مجلس آخر بعد السؤال قبلت، لعدم كونه متبرعا حينئذ، و لا يضر بعدالته رد شهادته السابقة للتهمة، بل لو أعادها في نفس المجلس بعد السؤال قبلت كذلك.

210

2- التبرع بالشهادة في حقوق اللّه

قال المحقق (قدس سره): (أما في حقوق اللّه تعالى أو الشهادة للمصالح العامة فلا يمنع، إذ لا مدعي لها، و فيه تردد).

أقول: في قبول شهادة المتبرع في حقوق اللّه تعالى كشرب الخمر و الزنا و في الشهادة للمصالح العامة كالمدارس و المساجد و القناطر قولان، و قد تردد المحقق بينهما، و يظهر وجه التردد بعد ذكر أدلة القولين:

فالمشهور شهرة عظيمة هو القبول، بل في الجواهر استقرار المذهب عليه، و قد استدل له المحقق و غيره، بوجوه أحدها: أن حقوق اللّه و المصالح العامة لا مدعي لها بالخصوص، لاختصاص الحق باللّه تعالى، أو لاشتراكه بين الكل، فحقوق اللّه تعالى لا مدعى لها أصلا، و المصالح العامة كل الناس مدعون فيها، من جهة كونها مشتركة بين الناس كلهم و منهم الشاهد نفسه، فيكون الشاهد مدعيا في الحقيقة، قال كاشف اللثام: «فلو شرطنا الابتداء بالدعوى لم يبتدئ بها الا بعضهم، و الشهادة لا تثبت حينئذ إلا قدر نصيبهم، و هو مجهول لتوقفه على نسبة محصور الى غير محصور».

الثاني ما ذكره بقوله: «و لأن المصلحة إذا عمّت عدول المؤمنين بأجمعهم كانت الشهادة منهم دعوى، فلو توقفت على دعوى غيرهم كان ترجيحا من غير مرجح».

و الثالث: لزوم الدور.

و الرابع: ان الشهادة بحقوق اللّه تعالى نوع من الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر، و هما واجبان، و الواجب لا يعد تبرعا.

و الخامس: انه مقتضى الجمع بين ما مر من الخبرين، و هما قوله صلى‌

211

اللّه عليه و آله و سلم «ثم يفشو الكذب.» و قوله: «تقوم الساعة.» و بين قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «ألا أخبركم بخير الشهود؟ قالوا: بلى يا رسول اللّه. قال: أن يشهد الرجل قبل أن يستشهد».

لكن يمكن المناقشة في الأول: بأن القائل بالمنع انما يقول به لأجل توقف قبول الشهادة على طلب المدعي، و ذلك يكون في كل دعوى لها مدعي و أما مع عدمه كحقوق اللّه فلا توقف. و أما في المصالح العامة فإن ما ذكره كاشف اللثام يتوجه إذا كانت الشركة فيها شركة اشاعية يكون لكل فرد منها نسبة كسرية كالواحد في الألف مثلا، و أما مع كون الاشتراك فيها بمعنى أن يكون كل واحد من الناس ذا حق في الاستفادة من الكل فلا يتم الاستدلال، إذ يجوز حينئذ ان يدعي أحد كون هذا المكان مسجدا و يشهد له اثنان، و أمّا ما دلّ على عدم قبول شهادة الشريك في المال المشترك فمحمول على الأموال و الاملاك المشتركة بين جماعة لسبب من الأسباب، لا المصالح العامة المشتركة بين كل الناس كالمساجد و المدارس و نحوها.

و منه يظهر النظر في الوجه الثاني، فإن كل من يشهد فهو بالنسبة إلى حق نفسه مدع و بالنسبة إلى حق غيره شاهد، فلا يرد اشكال الترجيح بلا مرجّح.

و كذا الثالث، فإنه لا يلزم الدور على ما ذكرناه.

و في الرابع: انه لو سلم فخارج عن الفرض.

و في الخامس: انه يحتمل أن يكون المراد من «قبل أن يستشهد» هو قبل أن يطلب منه التحمّل، فيكون مما دلّ على الخيار، و من كان مخيّرا بين الإقامة و الترك فقد أحسن إحسانا باختيار جانب الإقامة، فيكون خير الشهود.

فهذا هو القول الأول و ما استدل به له.

212

و القول الثاني محكي عن الشيخ في النهاية، و قد استدل له بأن التهمة المانعة من قبول الشهادة موجودة في حقوق اللّه و المصالح العامة و في حقوق الآدميين على السواء، فيمنع من القبول فيهما، لتساويهما في العلة.

و في الرياض بعد أن ذكر دليل القول بالقبول: «و في هذا نظر، إذ ليس فيه ما يفيد تقييد الأدلة المانعة عن قبول الشهادة مع التهمة بعد حصولها، كما هو فرض المسألة بحقوق الآدميين خاصة، و مجرد عدم المدعي لحقوق اللّه تعالى لا يرفع التهمة، و لا يفيد التقييد المزبور، إذ لا دليل على افادته له من إجماع أو رواية، و أداء عدم القبول فيها الى سقوطها لا دلالة فيه على أحد الأمرين أصلا، و لا محذور في سقوطها مع عدم قبولها، بل هو مطلوب لبناء حقوق اللّه تعالى على التخفيف، اتفاقا فتوى و نصا».

أقول: ان المنع من قبول شهادة المتبرع في موجبات الحدود يؤدّي الى سقوطها رأسا، و معنى ذلك انتفاء الحكمة في تشريعها لا الى التخفيف فيها، لانحصار طريق ثبوتها حينئذ بالإقرار و هو نادر جدا.

الا أنه لبناء حقوق اللّه تعالى على التخفيف جعل لقبول الشهادة في موجبات الحدود أحكاما كثيرة و شديدة.

قال: «و لو سلم فإنما يؤدي الى السقوط لو ردّوه مطلقا، سواء كان في مجلس التبرع أو غيره، أما لو خص الرد بالأول كما هو رأي بعض في حقوق الآدميين فلا يؤدي الى السقوط، لإمكان قبوله لو أدى في مجلس آخر من غير تبرع ثانيا» أي: يعيد الشهادة بعد أمر الحاكم بإقامتها بطلب من المدعي.

قال: «و بما ذكرنا يظهر قوة القول الأول. الا أن ندرة القائل به، بل و عدمه، لرجوع الشيخ عنه في المبسوط الى خلافه، و اشتهاره بين المتأخرين أوجب‌

213

التردد فيه. و يمكن أن يكون هذا وجها للتردد من الفاضلين، لا ما مر، فتأمل».

و صاحب الجواهر لما كان مبناه عدم قبول إطلاقات مانعية التهمة، بل قال بأن المستفاد منها مانعيتها في الجملة، ففي كل مورد قام إجماع أو نص على المنع فهو، و في موارد الشك يتمسك بعموم أدلة قبول شهادة العدل، و قد عرفت انه لا إجماع و لا نص في المقام، فإنه على هذا المبنى أشكل على الرياض بقوله: «و من أنصف و تأمل رأى أن أكثر ما ذكره السيد في الرياض هنا ساقط لا يوافق فتاوى الأصحاب، بل و لا قواعد الباب، و التحقيق ما عرفت من القبول في المقام، لعدم الإجماع، بل مظنته في العكس».

قلت: أما عدم الموافقة لفتاوى الأصحاب فقد اعترف به صاحب الرياض، و أما قواعد الباب فكأنه يريد عدم الدليل على مانعية كل تهمة، و قد عرفت اختلاف المبنى في ذلك.

و أما قوله بعد ذلك: «بل على احتمال كون مبنى المنع في التبرع عدم الاذن من صاحب الحق يتجه القبول هنا، لعدم مدع بالخصوص».

فيرد عليه نفس ما أورده على الرياض من عدم موافقته لفتاوى الأصحاب، فإن صريح ما عثرنا عليه من كلماتهم كون المنع من جهة التهمة لا من جهة عدم اذن صاحب الحق.

3- التبرع بالشهادة في الحقوق المشتركة

و في الحقوق المشتركة بين اللّه تعالى و بين الآدميين وجوه:

الأول: القبول في حق اللّه تعالى لانه لا مدعي له و الرد في حق الآدمي للتهمة أو الإجماع كما تقدم، فحينئذ تقطع يد السارق بشهادة المتبرع و لا يغرم.

الثاني: القبول فيهما معا، لان المانع من القبول في حق الآدمي بناء على‌

214

عدم مانعية مطلق التهمة هو الإجماع، و هو دليل لبي و معقده حق الآدمي الخالص، فيؤخذ بالقدر المتيقن منه، و يبقى المشترك على عموم أدلة القبول.

الثالث: التفصيل بين الموارد، بأن تقبل في الطلاق و العتاق و الرضاع و الخلع و العفو عن القصاص و النسب، لغلبة حق اللّه تعالى فيها، قاله كاشف اللثام، قال: و لذا لا تسقط بالتراضي.

أقول: ان الملاك هو ان كل ما كان الأمر فيه بيد الشارع و كان معنونا بعنوان الحكم فهو حق اللّه و ان كان فيه حق الآدمي أيضا، و كل ما لم يكن كذلك فهو حق آدمي خالص، و هذا هو القابل للسقوط بالتراضي.

«المسألة الخامسة» (في شهادة المشهور بالفسق إذا تاب لتقبل)

قال المحقق (قدس سره): (المشهور بالفسق إذا تاب لتقبل شهادته. الوجه انها لا تقبل حتى يستبان استمراره على الصلاح).

أقول: موضوع الحكم هو «المشهور بالفسق» و هو مقيد بأنه إذا تاب لتقبل شهادته، و ظاهره كفاية التوبة من غير المشهور بالفسق إذا لم تكن توبته لأجل قبول الشهادة، فلا يتوقف قبول شهادته على مضي مدة يستبان فيها استمراره على الصلاح.

اذن يشترط في قبول شهادة المشهور بالفسق إذا تاب أمران: أحدهما ان لا تكون الغاية من توبته قبول شهادته. قيل- كما في الجواهر- لأن التوبة واجبة من الواجبات العبادية المشروطة بقصد القربة و امتثال أمر اللّه تعالى، و لذا اعتبر بعضهم في تحققها كذلك كون الترك عن جميع المعاصي و الذنوب، لا خصوص التي كان يرتكبها.

215

و الحاصل انه إذا لم تكن توبته بقصد القربة فليست توبته حقيقية، لأن عدم التوبة الحقيقية كما يكون بعدم الندم الواقعي بل انه يتظاهر بالندم لأجل قبول شهادته، كذلك يكون بعدم قصد القربة و ان كان نادما و تاركا واقعا، كمن ترك معصية لأنها تضر ببدنه و مزاجه. فهما في عدم تحقق التوبة على السواء.

قلت: ان من ترك معصية حفظا لبدنه فهو تائب لغة، لأن التوبة هي الرجوع عما كان يفعل، اللهم الا ان يقال بأن قبولها مشروط بالقربة، فمن ترك شرب الخمر حفظا لصحته لم تحصل منه التوبة المقبولة. لكن في الجواهر: ان هذه التوبة منه معصية أخرى، و لعله يريد أن ذلك إصرار منه على ترك التوبة، أو انه بدعة، و الا فإن وجه ما ذكره غير واضح.

و قيل- كما في القواعد و كشف اللثام- ان هذه التوبة من مصاديق التهمة، فوجه عدم قبول شهادته هي التهمة لا ما ذكره صاحب الجواهر.

و أما أنه هل يعتبر في التوبة الإخلاص فيكون من الواجبات التعبدية أو لا يعتبر فيكون من الواجبات التوصلية؟ فإن هذا بحث كلامي، فصاحب التجريد يعتبر في التوبة كون ترك الذنب من جهة كونه قبيحا، و من هنا يعتبر فيها أن يكون الترك لجميع المعاصي لا لخصوص ما يرتكبه، لاشتراكها جميعا في القبح. و أما إذا كان السبب في الترك هو الضرر للبدن فلا ملازمة بين ترك ما كان يفعله و ترك غيره من الذنوب، إذ قد لا يكون في غيره ضرر على بدنه فلا يتركه.

انما الكلام في قبول توبة من تاب خوفا من عذاب اللّه و عدم قبولها، ففي التجريد و شرحه للعلّامة عدم القبول، لاشتراط كون التوبة للّه، و فيه تأمّل، لأن التوبة من عذاب اللّه لا ينافي الإخلاص، إذ العقاب انما يجعل على المخالفة لأن يكون رادعا للعبد عن المخالفة و داعيا إلى الإطاعة، فكيف لا تكون التوبة لهذا الداعي مقبولة؟ ان التوبة من الذنب فرارا من العذاب‌

216

المترتب عليه ليس كالفرار من المؤذيات الدنيوية الواجب الحذر منها وجوبا توصليا، على أن لازم ذلك أن لا تقبل عبادة المطيعين للّه خوفا من ناره أو طمعا في جنّته، و هذا لا يلتزم به أحد.

هذا كله بالنسبة الى الأمر الأول.

و أما الثاني و هو اشتراط استبانة استمراره على الصلاح، فقد نص عليه غير المحقق من الفقهاء كالعلامة في القواعد، و الشهيد في الدروس.

قال المحقق: (و قال الشيخ: يجوز أن يقول: تب أقبل شهادتك).

أقول: هذا قول الشيخ في موضع من المبسوط، قال العلّامة: «و ليس بجيد، نعم لو عرف استمراره على الصلاح قبلت» و في الدروس: «هذا يتم إذا علم منه التوبة بقرائن الأحوال».

و في المسالك: «و ذهب الشيخ في موضع من المبسوط الى الاكتفاء بإظهار التوبة عقيب قول الحاكم له: تب أقبل شهادتك، لصدق التوبة المقتضي لعود العدالة مع انتفاء المانع، فيدخل تحت عموم قبول شهادة العدل.

و أجيب بمنع اعتبار توبته حينئذ، لأن التوبة المعتبرة هو أن يتوب عن القبيح لقبحه، و هنا ظاهرها أنها لا لقبحه، بل لقبول الشهادة. و فيه نظر، لانه لا يلزم من قوله تب أقبل شهادتك. كون التوبة لأجل ذلك، بل غايته أن تكون التوبة علة في القبول، أما انه غاية لها فلا، و أيضا فالمأمور به التوبة المعتبرة شرعا، لا مطلق التوبة، فالمغياة بقبول شهادته ليست كذلك، نعم مرجع كلامه الى أن مضي الزمان المتطاول ليس بشرط في ظهور التوبة، و الأمر كذلك ان فرض غلبة ظن الحاكم بصدقه في توبته في الحال، و الا فالمعتبر ذلك».

قال في الجواهر: و مرجع ذلك الى كون النزاع مع الشيخ لفظيا، و هو خلاف ما فهمه المصنف و غيره.

217

ثم قال: و ظني أن الشيخ يجتزئ لأصل الصحة بمجرد إظهار التوبة في تحققها المقتضي لإجراء الأحكام عليها، التي منها قبول الشهادة، للنصوص المستفيضة التي تقدم سابقا جملة منها في توبة القاذف، الدالة على قبول شهادة الفاسق إذا تاب، بل لا خلاف فيه في الظاهر. و فيه: ان التوبة لما كانت من الأمور القلبية، ضرورة كونها الندم و العزم، و هما معا قلبيان، و اخباره بحصولهما لا دليل على الاجتزاء به، بل ظاهر الأدلة خلافه، فليس حينئذ إلا تعرفهما بالآثار الدالة على ذلك، نحو غيرهما من الأمور الباطنة، و لا يجدي أصل الصحة في حصول التوبة، ضرورة كون مورده الفعل المحقق في الخارج المشكوك في صحته و فساده، كالبيع و الصلاة و نحوهما، لا الأفعال القلبية التي لم يعلم حصولها، كما هو واضح، و بذلك ظهر لك وجه البحث على أحسن وجه فتأمل».

في التوبة حكما و موضوعا

و كيف كان فقد انقدح بما ذكرنا أن الفاسق لا تقبل شهادته، الا أن يتوب عن المعصية، لكونها معصية، و لا بد من إحراز الحاكم هذه التوبة اما بعلم و اما بحجة شرعية، هذا في المشتهر بالفسق، و أما غيره فتقبل شهادته و ان كانت توبته لقبولها، لان المفروض كونه واجدا لملكة العدالة، و بالتوبة تعود تلك الملكة.

قالوا: و ترك التوبة معصية صغيرة، و مع الإصرار على الترك تكون كبيرة، و الوجه في ذلك أن العقاب يترتب بحكم العقل على مخالفة الأوامر و النواهي الإلهية، من جهة أن الخوف من العقاب يدعو الى الامتثال و الإطاعة، و لو لا العقاب لما أطاع أكثر الناس، و لكن لا حكم للعقل باستحقاق العقاب على‌

218

معصية الأمر بالتوبة عن المعصية. و أما الشرع فقد جعل معصية الأمر بالتوبة عن المعاصي معصية صغيرة لا يعاقب عليها مع ترك المعاصي الكبيرة، قال اللّه عز و جل «إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبٰائِرَ مٰا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئٰاتِكُمْ» فإن أصر على الترك للتوبة كانت المعصية كبيرة كسائر الصغائر.

و الحاصل: ان وجوب التوبة حكم شرعي مولوي، و لكن لا دليل من الشرع على أن مخالفته معصية كبيرة، كما لا حكم من العقل على استحقاق العقاب على مخالفة هذا الأمر، كما يحكم باستحقاقه على ارتكاب نفس المعصية المنهي عنها، و الا لزم التسلسل.

ثم ان التوبة تتحقق بمجرد الندم على المعصية [1]، و العزم على عدم العود إليها، فهذا حقيقة التوبة، لكن قبولها مشروط، كما أنها تكمل بأمور منها الاستغفار. و تفصيل ذلك:

ان الذنب قد يكون خاليا من حق للّه و العباد، فهنا لا شي‌ء عليه سوى الندم و العزم، و ذلك كالنظر إلى الأجنبية و نحوه، و قد يكون فيه حق للّه، مثل ترك الصلاة مثلا، فالواجب عليه الندم و العزم، و لا تقبل هذه التوبة إلا بقضاء الصلاة، و قد يكون فيه حق للعباد، فقبول توبته يتوقف على أداء الحق إلى مستحقه سواء كان مالا أو دية، و قد يكون فيه حق اللّه و العباد كالسرقة، فلا بد من القيام بالحقين حتى تقبل توبته.

و لو عصى معصية مستتبعة للحد الشرعي و ليس فيها حق للعباد و لم يعلم‌

____________

[1] تاب الى اللّه أناب و رجع عن المعصية إلى الطاعة. كذا في التاج و غيره، فليس فيه العزم على عدم العود و غيره، نعم ذلك مقتضى الملازمة العرفية.

219

بها أحد كالزنا ثم تاب عن ذلك قبلت توبته و سقط عنه الحد، كما انه إذا استحل من مستحق الحق المالي فأبرأه قبلت توبته، و مع عدم الإبراء دفع إليه الحق بعينه، كما إذا كان عينا مغصوبة و هي موجودة، و الا فالعوض من المثل أو القيمة، فان لم يتمكن من ذلك مطلقا عزم على الأداء في أول أوقات الإمكان، و لو لم يتمكن من إيصاله الى صاحب لموته دفعه الى وارثه، و الا فإلى وارث وارثه، و هكذا فإن بقي إلى الآخرة فمن المطالب منه هنا؟ الشخص المغصوب منه، أو وارثه لأنه الذي تنتقل إليه أمواله و منها العين المغصوبة مثلا، أو أن المطالب هو اللّه سبحانه؟ وجوه. قال في المسالك: أصحها الأول. و استدل له بصحيحة عمر بن يزيد.

و أما إذا ظهر الزنا فقد فات الستر، فيجب عليه الحضور عند الحاكم لإقامة الحد عليه، الا أن يكون ظهوره قبل قيام البينة عليه عنده، فقد تقرر في كتاب الحدود سقوط الحد مطلقا بالتوبة قبل قيام البينة عند الحاكم.

و أما إذا كان في الحد حق للعباد، كحد القذف، فان توبته تقبل بالاستحلال من المقذوف مع تكذيب ما نسبه اليه، و للمقذوف حينئذ المطالبة بإجراء الحد عليه، فان كان ميتا انتقل الحق إلى وارثه، و ليس له الرضا بعدم اجراء الحد عليه، قاله في الجواهر، و دليله غير واضح.

و أما القصاص فان توبته تقبل بالحضور عند ولي المقتول، و له العفو عنه أو القصاص.

و قد اشترطوا في الاستحلال من الغيبة و نحوها فيما إذا بلغه ذلك أن لا يكون فيه أذى على الشخص و الا تركه و استغفر.

و هل يجب عليه الاستغفار و القيام بالأعمال الصالحة للمغصوب منه الميت، بالإضافة إلى دفع الحق إلى وارثه؟ الظاهر ذلك.

220

هذا كله بالنسبة إلى حقيقة التوبة و شرائط قبولها.

و قد اشتمل قول أمير المؤمنين (عليه السلام) و قد سمع قائلا يقول:

استغفر اللّه: «ثكلتك أمك أ تدري ما الاستغفار؟ ان الاستغفار درجة العليين و هو اسم واقع على ستة معان، أولها: الندم على ما مضى، الثاني: العزم على ترك العود إليه أبدا، الثالث: أن تؤدي الى المخلوقين حقوقهم حتى تلقى اللّه سبحانه أملس ليس عليك تبعة. الرابع: أن تعمد إلى فريضة ضيعتها فتؤدي حقها الخامس: أن تعمد الى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبه بالأحزان حتى يلصق الجلد بالعظم و ينشأ بينهما لحم جديد. السادس: أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية» على بيان حقيقة التوبة و أنها الندم على ما مضى و العزم على ترك العود إليه أبدا. فان بينهما ملازمة عرفية، و على بيان ما يتوقف عليه قبولها و هو أداء حق المخلوقين و حق اللّه.

و اشتمل أيضا على شرط كمال التوبة و هو الأمران الخامس و السادس، فان هذين الأمرين شرطان لكمال التوبة لا لقبولها، و يؤيد ذلك قيام الإجماع على تحقق التوبة و قبولها من الكافر و ان بقي على بعض المعاصي.

و هل يعتبر فيها الاستغفار؟

و أما الاستغفار، فقال الشيخ الأنصاري (قدس سره) في بحثه عن التوبة:

«و هل يعتبر فيها الاستغفار أم لا؟ التحقيق انه ان أريد به حب المغفرة و شوق النفس الى أن يغفر له اللّه، فالظاهر انه لا ينفك عن الندم، و ان أريد به الدعاء للمغفرة، الذي هو نوع من الطلب الإنشائي، ففي اعتباره وجهان من إطلاقات الندم، و من مثل قوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): لا كبيرة مع الاستغفار.

و قوله: دواء الذنوب الاستغفار. و قوله: ما أصر من استغفر و نحو ذلك».

221

أما ما ذكره في الشق الأول ففيه: ان الإنسان قد يندم على ما فعله، و يكون لشدة خجله مما فعل غافلا عن حب المغفرة. فلا ملازمة بين الأمرين، و لعل الشيخ يريد حال الالتفات و تحقق الاشتياق إلى المغفرة.

و في الشق الثاني نقول بالوجه الأول و هو عدم الاعتبار لإطلاقات الندم، و أما رواية «لا كبيرة مع الاستغفار» فلا تنفي زوال الكبيرة مع التوبة، لعدم افادتها الحصر، بل ان الاستغفار المؤثر يكون دائما عن الندم. و كذا الكلام في الخبرين الآخرين.

و التحقيق: ان الإنسان التائب يسوءه فعله في أول الأمر فيندم منه، ثم يستغفر اللّه، أي يطلب منه الغفران، فالاستغفار هو طلب المغفرة المسبوق بالندم و العزم على عدم العود. و المراد من التوبة هو الرجوع الى اللّه، و الإطاعة العملية في أوامره و نواهيه.

و المستفاد من قوله (عليه السلام) في خبر جنود العقل و الجهل: «التوبة و ضدها الإصرار، و الاستغفار و ضدها الاغترار» هو أن التوبة توجب المغفرة من اللّه تفضلا منه عز و جل، لكن التائب مأمور بالاستغفار لئلا يغترّ بعفو اللّه و توبته عليه، فيكون الاستغفار غير التوبة، و هي تتحقق بدونه لكنه مكمل لها.

فتحصل ان التوبة غير الاستغفار لغة و عرفا، نعم قد يظهر الإنسان ندمه على المعصية و عزمه على عدم العود بقوله استغفر اللّه، كما يظهر ذلك بقوله أتوب الى اللّه. و إذا جمع بينهما فقال: أتوب الى اللّه و أستغفره، أو: استغفر اللّه و أتوب اليه كان أكمل، لان «أتوب الى اللّه» إظهار للندم، «و استغفر اللّه» طلب للستر عليه، فان الغفر في اللغة التغطية، فهو حينما يندم و يتوب الى اللّه يطلب منه الستر، لان اللّه قد لا يستر على من عصاه، كما في قصة آدم (عليه السلام)، إذ قال «وَ عَصىٰ آدَمُ رَبَّهُ فَغَوىٰ» و حكى قصته في القرآن الكريم و غيره من‌

222

الكتب السماوية- مع أنه قبل توبته و قرّبه اليه و اختاره نبيا- لمصالح اقتضت ذلك.

و لان من آثار الاستغفار هو طهارة الإنسان من الأدناس و الأرجاس و الإقبال على اللّه بقلب طاهر و نفس زكية تؤهله للوصول الى جناب الحق سبحانه و تعالى، و اللّه سبحانه ولي التوفيق.

ثم ان ظاهر قوله تعالى «إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّٰهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ بِجَهٰالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ فَأُولٰئِكَ يَتُوبُ اللّٰهُ عَلَيْهِمْ وَ كٰانَ اللّٰهُ عَلِيماً حَكِيماً.

و ليست التوبة للذين يعملون السيئات حتى إذا حضر أحدهم الموت قال اني تبت الان و لا الذين يموتون و هم كفار أولئك اعتدنا لهم عذابا أليما» هو: ان التوبة المقبولة هي التي تكون من قريب فقط، أي هي توبة الذين يندمون بعد السيئة بفاصلة قليلة، و لكن قوله بعد ذلك: و ليست. يفيد وجود الفرصة للقبول حتى حلول الموت. و في الخبر عن الفقيه عن النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): «من تاب و قد بلغت نفسه هذه- و أهوى بيده الى حلقه- تاب اللّه عليه» و عنه عن الصادق (عليه السلام) في الآية: «ذلك إذا عاين أمر الآخرة» (1).

نسأل اللّه المغفرة لنا و لجميع المؤمنين، بمحمد و آله الطاهرين.

«المسألة السادسة» (في ما إذا تبين في الشهود ما يمنع القبول بعد الحكم)

قال المحقق (قدس سره): (إذا حكم الحاكم ثم تبين في الشهود ما يمنع القبول، فان كان متجددا بعد الحكم لم يقدح، و ان كان حاصلا قبل الإقامة و خفي

____________

(1) الصافي في تفسير القرآن 1- 399. و الآية في سورة النساء: 17

223

عن الحاكم نقض الحكم)

أقول: في هذه المسألة صور:

إحداها: أن يحكم الحاكم ثم يتبين في الشهود ما يمنع قبول الشهادة مع العلم بكون المانع متجددا بعد الحكم، فلا خلاف في عدم قدح هذا المانع في الحكم، بل و لا اشكال، من جهة وقوعه بحسب الموازين الشرعية، و عدم وجود المانع عن قبول الشهادة حتى صدور الحكم.

و الثانية: أن يحكم الحاكم ثم يتبين المانع مع العلم بكونه حاصلا بعد إقامة الشهادة و قبل الحكم من الحاكم. و سيأتي البحث في هذه الصورة إنشاء اللّه تعالى.

و الثالثة: أن يحكم الحاكم ثم يتبين وجود المانع مع العلم بكون المانع حاصلا قبل إقامة الشهادة، و أنه قد خفي عن الحاكم، فان الحكم ينقض حينئذ، لوضوح عدم وقوع الحكم بحسب الموازين الشرعية.

قال في المسالك: إذا حكم الحاكم بشهادة اثنين، ثم بان له ما يمنع قبول الشهادة، فإن كان المانع متجددا بعد الحكم كالكفر و الفسق لم ينقض الحكم مطلقا، لوقوعه بشهادة عدلين، و ان كان حدوثه بعد الشهادة و قبل الحكم فسيأتي البحث فيه، و ان كان حاصلا قبل الإقامة و خفي على الحاكم، كما لو تبين له انهما كانا كافرين أو صبيّين أو عبدين على وجه لا يقبل فيه شهادتهما أو امرأتين أو عدوين للمشهود عليه أو أحدهما عدوا أو ولدا له على القول به نقض حكمه، لأنه تيقّن الخطأ فيه، كما لو حكم باجتهاده ثم ظهر النص بخلافه. و لو تبين لقاض آخر انه حكم بشهادتهما كذلك نقض حكمه أيضا، إلا في صورة الحكم بالعبدين و الولد مع اختلافهما في الاجتهاد، و ذهاب‌

224

الحاكم الى قبول شهادتهما، فليس للثاني نقضه حينئذ، و لو كان موافقا له في الاجتهاد فاتفق غلطه نقضه أيضا».

طريق ثبوت الفسق قبل الحكم

قال: (و طريق ثبوت فسقهما سابقا يحصل بحضور جارحين بأمر سابق على الشهادة).

و اعترضه صاحب الجواهر بقوله: «بعد تنزيل كلامه على ارادة استمراره الى حين الشهادة التي قد حكم بها من السابق: قد يشكل ذلك بمنافاته لمشروعية القضاء الذي هو الفصل المبني على الدوام و التأبيد، و أنه لا تجوز الدعوى عنده و لا عند حاكم آخر، ضرورة أن البينة المزبورة تقتضي العلم بفساد ميزان الحكم، خصوصا مع إمكان معارضتها بأقوى منها حال القضاء، أو الجرح لها، أو بغير ذلك. فلا ينقض الحكم المحمول شرعا على الوجه الصحيح المبني على الدوام و التأبيد، الموافق للحكمة المزبورة بالبينة المفروضة، خصوصا بعد سؤال الحاكم الجرح للخصم فعجز عنه، ثم انه تيسر له بعد ذلك شاهدان، بل لو فرض بقاء حق الجرح له بعد الحكم لم تبق فائدة للحكم، بل ليس الفصل فصلا. نعم لو بان الجرح على وجه يعلم خطأ الحاكم فيه لغفلة و نحوها اتجه ذلك. و يمكن تنزيل كلام الأصحاب على ذلك، بل لعل حكمهم بعدم النقض بالتغيير بالاجتهاد مما يرشد الى ذلك، ضرورة كون السبب فيه عدم معلومية الخطأ المشترك في المقامين».

و قد تعرض المحقق للمسألة في كتاب القضاء حيث قال: «و لو حكم بالظاهر ثم تبين فسوقهما وقت الحكم نقض حكمه». قال في الجواهر: «اللهم الا أن يدعى أن الشرط علمي، نحو العدالة في إمام الجماعة. لإطلاق ما دل‌

225

على نفوذ الحكم و عدم جواز رده إذا كان على نحو قضائهم (عليهم السلام) و على حسب الموازين التي نصبوها لذلك، و لا دليل على اشتراط أزيد من ذلك، حتى قوله تعالى وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ. المراد منه ذوي عدل عندكم، لا أقل من الشك فيبقى ما دل على نفوذ الحكم بحاله.

لكن اتفاق كلمة الأصحاب ظاهرا على النقض، مع أصالة الواقعية في الشرائط، و لو كانت مستفادة من نحو: و أشهدوا الآية. يرفع ذلك كله، مضافا الى إمكان الفرق بين ما هنا و بين الجماعة، بأن المدار هناك على الصلاة خلف من تثق بعدالته نصا و فتوى، و ظهور الفسق فيما بعد لا ينافي الوثوق، بخلاف المقام المعتبر فيه كونه عدلا».

هذا و قد ذكر الشهيد الثاني هنا فرعين: أحدهما: لو قال القاضي بعد الحكم بشهادة شاهدين: قد بان لي أنهما كانا فاسقين و لم يظهر بينة تشهد بفسقهما، ففي تمكينه من نقضه وجهان، أظهرهما ذلك، بناء على جواز قضائه بعلمه».

و الثاني: لو قال أكرهت على الحكم بقولهما، و كنت أعرف بفسقهما، قبل قوله من غير بينة على الإكراه مع ظهور اماراته، كما لو كان قاضيا من قبل سلطان جائر يظهر في حقه ذلك. و الا فوجهان، و لعل القبول أقوى مطلقا».

226

الوصف السادس: طهارة المولد

قال المحقق (قدس سره): (السادس: طهارة المولد، فلا تقبل شهادة ولد الزنا أصلا. و قيل: تقبل في اليسير مع تمسكه بالصلاح. و به رواية نادرة).

أقول: اختلف الأصحاب في شهادة ولد الزنا، فالمشهور بينهم شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، بل هي كذلك في محكي الانتصار و الخلاف و الغنية و السرائر أنها لا تقبل أصلا.

و اختلفوا في تعليل عدم القبول، فالأكثر عللوه بورود النصوص الاتية بذلك، و علله ابن إدريس بأن ولد الزنا كافر، محتجا بالإجماع، و من هنا لا تقبل شهادته كغيره من الكفار. و احتج السيد بالإجماع و بالخبر الذي ورد أن ولد الزنا لا ينجب، قال: فإذا علمنا بدليل قاطع أنه لا ينجب لم يلتفت الى ما يظهر من الايمان و العدالة، لأنه يفيد ظن صدقه، و نحن قاطعون بخبث باطنه و قبح سريرته، فلا تقبل شهادته. و علله ابن الجنيد بورود الخبر أنه شر الثلاثة.

و لكن هذه الوجوه- عدا الأول- لا تخلو من المناقشة، و لذا لم يوافق‌

227

عليها بعض القائلين بالمنع أيضا، و أما الإجماع الذي ذكره ابن إدريس على كفر ولد الزنا فالظاهر أنه لم يدعه غيره، و أما الخبر الذي اعتمد عليه ابن الجنيد فقد اعترضه السيد بأنه خبر واحد لا يوجب علما و لا عملا. و اعترض الشهيد الثاني عليه بأن هذا الإيراد مشترك بين خبريهما، فلا وجه للتخصيص، و عن المختلف الاعتذار للسيد بجواز كون خبره متواترا في زمانه ثم انقطع قال في المسالك: و لا يخفى ما فيه من التكلف و ظهور المنع. و أجاب في الجواهر بأنه لا حاجة الى صحة السند بعد الانجبار.

قلت: ان اعتراض السيد على ابن الجنيد، بضميمة أنه لا يرى حجية الأخبار الآحاد، و دعواه القطع بأنه لا ينجب، يكشف عن وجود ما يقتضي إفادة الخبر الذي احتج به للقطع عنده، فلا يرد عليه ما ذكره صاحب المسالك.

و كيف كان فإن العمدة في المقام هو النصوص الواردة في المسألة (1)، المتأيدة بالوجوه المذكورة، و هذه جملة منها:

1- أبو بصير: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن ولد الزنا أ تجوز شهادته؟

فقال: لا. فقلت: ان الحكم بن عتيبة يزعم انها تجوز. فقال: اللهم لا تغفر ذنبه. ما قال اللّه للحكم: و انه لذكر لك و لقومك».

قال صاحب الوسائل: و رواه الصفار في بصائر الدرجات عن السندي بن محمد عن جعفر بن بشير عن ابان بن عثمان مثله.

و عن علي بن إبراهيم عن صالح بن السندي عن جعفر بن بشير مثله.

و رواه الكشي في كتاب الرجال عن محمد بن مسعود عن على بن الحسن ابن فضال عن العباس بن عامر عن جعفر بن محمد بن حكيم عن ابان بن‌

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 275 الباب 31. شهادات.

228

عثمان مثله و زاد: «فليذهب الحكم يمينا و شمالا، فو اللّه لا يوجد العلم إلا في أهل بيت نزل عليهم جبرئيل».

2- محمد بن مسلم: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): لا تجوز شهادة ولد الزنا» و قد وصف المجلسي في مرآة العقول هذا الخبر بالصحة.

3- زرارة: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: لو أن أربعة شهدوا عندي بالزنا على رجل و فيهم ولد زنا لحددتهم جميعا، لانه لا تجوز شهادته و لا يؤم الناس».

وصفه المجلسي بالموثقة.

4- الحلبي: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: سألته عن شهادة ولد الزنا. فقال: لا و لا عبد».

وصفه المجلسي بالصحة، و كذا غيره، و اعترف بذلك صاحب المسالك ثم قال: «لكن دلالته لا تخلو عن قصور».

و قد أجاب في الرياض عن مناقشة المسالك في سند النصوص، و في الجواهر: لا حاجة الى صحة السند بعد الانجبار و الاعتضاد بما عرفت.

و كيف كان فان هذه النصوص قد تعبدتنا بعدم قبول شهادة ولد الزنا و ان كان عادلا، و لذا قد يفتي بصحة إمامته في الصلاة، من جهة عدم تمامية سند ما دل على أنه «لا يؤم» الا أن ينجبر بفتوى المشهور، و قد جوز في الجواهر الطلاق عنده على تأمل فيه، لان من آثار الطلاق عنده هو التمكن من الشهادة به بعد ذلك، و قد عرفت عدم قبول شهادته.

هذا هو القول الأول في المسألة. و هو الأقوى.

القول الثاني ما ذكره المحقق، قال: «به رواية نادرة».

أقول: هي رواية الكليني بإسناده عن الحسين بن سعيد عن فضالة عن‌

229

أبان عن عيسى بن عبد اللّه قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن شهادة ولد الزنا. فقال: لا تجوز إلا في الشي‌ء اليسير إذا رأيت منه صلاحا» (1).

و قد قال بها الشيخ في النهاية و ابن حمزة كما في المسالك و غيره.

و أجيب عن هذه الرواية بحملها على التقية كما في الوسائل و غيره، و بغير ذلك.

و القول الثالث هو القبول مطلقا و هو كما في المسالك: «للشيخ في المبسوط أنه يقبل شهادته مع عدالته في الزنا و غيره. نقل ذلك عن قوم. قال: و هو قوي. لكن أخبار أصحابنا تدل على أنه لا تقبل شهادته».

و يظهر من المسالك الميل الى هذا القول، فإنه ناقش في سند أدلة المنع الا صحيح الحلبي فناقش في دلالته. و أجاب عن خبر عيسى بن عبد اللّه الدال على القبول في اليسير فقط باشتراك عيسى بن عبد اللّه بين الثقة و غيره، قال: فلا يعارض روايته تلك الأخبار الكثيرة أو عموم الكتاب و السنة الدالان على القبول مطلقا» و من هنا اعترض على كلام الشيخ في المبسوط بقوله: «و مجرّد معارضة أخبار أصحابنا لا يقتضي الرجوع عما قواه، لجواز العدول عن الاخبار لوجه يقتضيه، فقد وقع له كثيرا. و وجه العدول واضح. و ان عموم الأدلة من الكتاب و السنة على قبول شهادة العدل مطلقا يتناول ولد الزنا، و من ثم ذهب إليه أكثر من خالفنا».

و قد استغرب في الجواهر من هذا الكلام، و أجاب عنه بما لا مزيد عليه.

هذا كله في المعلوم حاله- و لو شرعا- انه ولد زنا، قال في المستند: هذا البحث قليل الجدوى.

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 276 الباب 31. شهادات.

230

حكم ما لو جهلت حاله

قال المحقق: (و لو جهلت حاله قبلت شهادته و ان نالته بعض الألسن) قال في الجواهر: بلا خلاف و لا إشكال لإطلاق الأدلة و عمومها.

أقول: انه بعد أن تقرر عدم قبول شهادة ولد الزنا، فان التمسك بإطلاق أدلة القبول و عمومها في من شك في كونه ولد زنا يكون من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية للمخصص، و كأن صاحب الجواهر يقول بجوازه، و عليه السيد صاحب العروة.

ثم قال: نعم في الرياض يحتمل العدم في صورة النسبة عملا بالإطلاق من باب المقدمة، و فيه انه لا وجه لها مع أصل شرعي كالفراش و نحوه يقتضي خلافها، بل و لو لم يكن فراش على الأصح في نحوه مما جاء النهي فيه على طريق المانعية الظاهرة في اختصاص المعلوم دون المشكوك فيه الداخل في العمومات.

قلت: لكن الذي في الرياض يختلف عما نقله، و هذا نص عبارته: «ثم ان المنع يختص بمن علم كونه ولد الزنا، أما من جهل فتقبل شهادته بعد استجماعه للشرائط الأخر من العدالة و غيرها، و ان نسب الى الزنا، ما لم يكن العلم بصدق النسبة حاصلا، و به صرح جماعة من غير خلاف بينهم أجده.

و لعله للعمومات و اختصاص الأخبار المانعة بالصورة الأولى دون الثانية، لكونها من الافراد غير المتبادرة، فلا ينصرف إليها الإطلاق كما مرّ غير مرّة.

و يحتمل العدم لكنه ضعيف في صورة النسبة عملا بالإطلاق من باب المقدمة» الا ان كون الإطلاق منصرفا الى الفرد المعلوم يخالف ما بنى هو و غيره عليه من أن الألفاظ منزلة على المفاهيم الواقعية لا المعلومة، فكون الدم نجسا‌

231

منزل على الدم الواقعي لا المعلوم كونه دما. على أن أفراد المشكوك أكثر من المعلوم فلا يتم هذا الانصراف.

و أما الإطلاق فقد عرفت كون التمسك به مبنيا على القول به في الشبهات المصداقية.

ثم قال في الجواهر: هذا ان لم نقل بظهور أصل شرعي في الحكم بطهارة مولد كل من لم يعلم انه ابن زنا.

قلت: لكن استفادة هذا المعنى يخالف ظواهر النصوص و عبارات الأصحاب و اللّه العالم.

232

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

233

(2) ما به يصير الشاهد شاهدا

234

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

235

في أن الضابط العلم أو الوثوق

قال المحقق (قدس سره): (و الضابط العلم لقوله تعالى وَ لٰا تَقْفُ. و لقوله (صلى اللّه عليه و آله و سلّم).)

أقول: ان «الشهادة» من «شهد» بمعنى حضر، و لكن ليس مطلق الحضور مجوّزا للشهادة، بل لا بد من العلم- و سيأتي الكلام في ما يعتبر في حصول العلم.

و يدل على اعتبار العلم الكتاب و السنة، فمن الكتاب قوله تعالى «وَ لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» (1) قالوا: لا تقف أي لا تتبع، و في الصافي: لا تقل. و قوله تعالى «إِلّٰا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقِّ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ» (2) و من السنة: ما رواه المحقق عن النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) أنه قال: و قد سئل عن الشهادة: «هل ترى الشمس؟ على مثلها فاشهد أو دع».

و يدل عليه أخبار أخرى (3) منها:

____________

(1) سورة الإسراء: 36.

(2) سورة الزخرف: 86.

(3) وسائل الشيعة 18- 234 الباب 8 باب: انه يجوز للإنسان أن يشهد بما يجده بخطه و خاتمه إذا حصل له العلم.

236

1- علي بن غياث: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: لا تشهدن بشهادة حتى تعرفها كما تعرف كفّك».

2- السكوني: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم): لا تشهد بشهادة لا تذكرها، فإنه من شاء كتب كتابا و نقش خاتما».

فالضابط هو العلم، و بمثل عبارة المحقق قال الشهيد: و الضابط في تحمل الشهادة العلم بالسماع أو الرؤية أو بهما» و العلّامة في القواعد قال: و مناطه العلم القطعي، و عليه صاحب الجواهر، و هو الأظهر.

و عن الشيخين و الصدوقين و آخرين العمل بخبر عمر بن يزيد الاتي، بل في الدروس نسبته إلى الأكثر، بل عن المختلف نسبته الى المشهور بين القدماء، و هذا نصّ الخبر بسنده:

«محمد بن يعقوب عن محمد بن يحيى عن أحمد بن محمد عن الحسن [الحسين] ابن علي بن النعمان عن حماد بن عثمان عن عمر بن يزيد قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يشهدني على شهادة، فأعرف خطّي و خاتمي، و لا أذكر من الباقي قليلا و لا كثيرا. قال فقال لي: إذا كان صاحبك ثقة و معه رجل ثقة فاشهد له».

و هذه الرواية صحيحة سندا، و ظاهرها كون المناط الوثوق و لا حاجة الى العلم.

و قد أجاب عنها في الرياض بعد الاعتراف بصحة سندها بالتأمل في شهرتها بين القدماء كما هي، قال: لدلالتها على اعتبار كون المدعي أيضا ثقة و لم يعتبره من الجماعة غير والد الصدوق خاصة، فالعامل بها على هذا نادر. لكن فيه: أن عدم عمل المشهور بجزء من مدلول الخبر لا يوجب سقوطه عن الاعتبار، بل الاولى‌

237

تقييدها بصورة حصول العلم العادي بشهادة الثقة كما في الرياض و الجواهر، قال في الجواهر: على انه لم تتحقق نسبته إلى الأكثر.

و لو فرض صلاحيتها للمعارضة مع الاخبار المتقدمة المعتبرة للعلم فإنه تعارض العموم من وجه. لان مفهوم تلك النصوص عدم اعتبار الشهادة من دون علم و لا تذكر سواء حصل الوثوق أو لم يحصل. و مفهوم الصحيحة كفاية شهادة الثقة سواء حصل علم أو لا، فيقع التعارض في صورة الاجتماع بين المفهومين، لكن الترجيح لتلك النصوص لكثرتها و شهرتها، بل تواترها كما عن بعضهم، مضافا الى أن أخبار اعتبار العلم موافقة للكتاب. قال تعالى «وَ لٰا تَقْفُ مٰا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ» و الموافقة مع الكتاب من المرجحات المسلّمة.

هل يجوز الشهادة استنادا الى الاستصحاب؟

قال في الجواهر: قد يستفاد من صحيحة معاوية بن وهب و غيره جواز الشهادة بالاستصحاب، و عن التنقيح: يكفي حصول العلم بالمشهود به حين التحمل و ان جوز حصول النقيض في ما بعد في كثير من الصور، كالشاهد بدين مع تجويز رده، و الشاهد بملك مع تجويز انتقاله، و الشاهد بزوجية امرأة مع تجويز طلاقها، بل يكفيه الاستصحاب. و في الوسائل: «باب جواز البناء في الشهادة على استصحاب بقاء الملك و عدم المشارك في الإرث» (1).

ثم ذكر ثلاثة نصوص، و هي:

1- معاوية بن وهب: «قلت له: ان ابن أبي ليلى يسألني الشهادة عن هذه الدار، مات فلان و تركها ميراثا و أنه ليس له وارث غير الذي شهدنا له. فقال:

اشهد بما هو علمك. قلت: ان ابن أبي ليلي يحلفنا الغموس. فقال: احلف‌

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 245 الباب 17 شهادات، و كلها تامة سندا.

238

انما هو على علمك».

و هو ظاهر في جواز الاستناد الى العلم الظاهري، و هو الاستصحاب.

2- معاوية بن وهب: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يكون له العبد و الأمة قد عرف ذلك، فيقول: أبق غلامي أو أمتي، فيكلفونه القضاة شاهدين بأن هذا غلامه أو أمته لم يبع و لم يهب. أ نشهد على هذا إذا كلفناه؟ قال:

نعم».

و هو ظاهر في ذلك كسابقه.

3- معاوية بن وهب: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الرجل يكون في داره، ثم يغيب عنها ثلاثين سنة و يدع فيها عياله، ثم يأتينا هلاكه و نحن لا ندري ما أحدث في داره و لا ندري ما أحدث له من الولد، إلا انا لا نعلم انه أحدث في داره شيئا و لا حدث له ولد، و لا تقسم هذه الدار على ورثته الذين ترك في الدار، حتى يشهد شاهدا عدل على ان هذه الدار دار فلان ابن فلان مات و تركها ميراثا بين فلان و فلان، أو نشهد على هذا؟ قال: نعم. قلت:

الرجل يكون له العبد و الأمة فيقول: أبق غلامي أو أبقت أمتي فيؤخذ بالبلد، فيكلفه القاضي البينة أن هذا غلام فلان، لم يبعه و لم يهبه، أ فنشهد على هذا إذا كلفناه و نحن لم نعلم أنه أحدث شيئا؟ فقال: كلما غاب من يد المرء المسلم غلامه أو أمته، أو غاب عنك لم تشهد به».

لكن الجواب عن هذه النصوص هو أن صريح الامام (عليه السلام) في ذيل الخبر الأخير المنع عن الشهادة استنادا الى الاستصحاب، و احتمال الشيخ المجلسي في مرآة العقول أن يكون «لم تشهد» استفهاما إنكاريا خلاف الظاهر، و بذلك تسقط الاخبار عن الاستدلال. على أنه يحتمل صدور في الخبرين الأولين عن تقية.

قال في الجواهر: و ربما توهم من هذا و نحوه ان العلم معتبر في الشهادة‌

239

حال التحمل لا حال الأداء. و قد سمعت عبارة الدروس.

قلت: مورد عبارة الدروس فرع آخر، فهناك يلزم الذكر بما كتب و يشترط في حال الأداء، و هو فيما نحن فيه متذكر حال الأداء و غير شاك في وقوع العقد مثلا، الا أنه يشك في بقاء تلك الزوجية و عدمه.

ثم أجاب (رحمه اللّه) بأن هذا الكلام مجمل، ضرورة أن من الواضح اعتبار الجزم و العلم في الشهادة كتابا و سنة كما عرفت، بل قد عرفت تعريفها بذلك، فلا يكون الشاهد شاهدا و هو غير عالم. و حينئذ فالمراد بالشهادة بالاستصحاب ان كان بالمستصحب فهي شهادة بعلم لا بالاستصحاب، و ان أريد بالشهادة بالاستصحاب، بمعنى الشهادة الان بشغل ذمته و كونها زوجته و ان لم يكن عالما بذلك بل كان مستند ذلك علمه السابق، فلا ريب في عدم صدق تعريف الشهادة عليه.

و حينئذ فلا بد من حمل الخبر المزبور على جواز الشهادة لحصول ضرب من العلم، أو لأن الاستصحاب كاف و لكن القضاة لا يكتفون إلا بالشهادة على الوجه المزبور، فسوغ له ذلك استنقاذا لمال المسلم، أو على غير ذلك. كما انه يجب ارادة ما يكون به الشاهد شاهدا من التحمل المزبور، لا ان المراد به الفرق بين الشهادة حال الأداء و حال التحمل، إذ هو واضح الفساد، لأن الشهادة حال واحد و معنى واحد، كما هو واضح.

حكم الشهادة على إقرار المرأة

قال في الجواهر: و اما ما روي من جواز الشهادة على إقرار المرأة إذا حضر من يعرفها فمبني على استثناء مسألة التعريف من الضابط المزبور، ففي خبر ابن يقطين عن أبي الحسن الأول (عليه السلام)

240

«لا بأس بالشهادة على إقرار المرأة و ليست بمفسرة إذا عرفت بعينها أو حضر من يعرفها.» (1).

قال: و لكن في صحيح الصفار قال: «كتبت الى الفقيه (عليه السلام) في رجل أراد أن يشهد على امرأة ليس لها محرم، هل يجوز له أن يشهد عليها من وراء الستر و يسمع كلامها، و إذا شهد رجلان عدلان أنها فلانة بنت فلان التي تشهدك، و هذا كلامها، أو لا تجوز له الشهادة عليها حتى تبرز و يثبتها بعينها؟

فوقع (عليه السلام): تتنقب و تظهر للشهادة» (2).

و هذا الخبر عندنا مجمل، و قد حمل على التقية، و لم يظهر لنا وجه هذا الحمل.

في مستند الشهادة

(الأول): المشاهدة

قال المحقق (قدس سره): (و مستندها إما المشاهدة أو السماع أو هما.).

أقول: قد تقدم أنّ الضابط في الشهادة هو العلم، و أن الشهادة بلا علم غير مسموعة، ثم ان حصول العلم بالشي‌ء يكون بواسطة الحواس غالبا، فالمبصرات بالابصار، و المسموعات بالسمع و هكذا. و مقتضى كون الضابط هو «العلم» أن يكون للابصار و السّمع و غيرهما طريقية لا موضوعية، لكن ظاهر عبارة المحقّق: (فما يفتقر إلى المشاهدة: الأفعال لأن آلة السمع لا تدركها كالغصب و السرقة و القتل و الرضاع و الولادة و الزنا و اللواط، فلا يصير شاهدا بشي‌ء من ذلك الا مع المشاهدة) هو الموضوعية للابصار في المبصرات، مع أن الإنسان كثيرا ما يحصل له العلم بسماع شي‌ء من المبصرات كما قد رآه.

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 297 الباب 43، و هو صحيح.

(2) التهذيب 6- 255 ط النجف الأشرف.

241

و حيث أن الشرط في المبصرات عند المحقق هو الابصار من غير مدخلية للسمع فيه، قال: (و يقبل فيه شهادة الأصم، و في رواية: يؤخذ بأول قوله لا بثانيه، و هي نادرة) فإذا رأى بعينه قبلت شهادته مطلقا و ان كان أصم، و أما الرواية فهي:

جميل قال: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن شهادة الأصم في القتل.

فقال: يؤخذ بأول قوله و لا يؤخذ بالثاني» (1).

فقد أجاب عنها بكونها «نادرة» [1].

و كيف كان فان الكلام في اشتراط المشاهدة في الأفعال، مع أن الضابط في الشهادة هو العلم، و أن أدلة قبول شهادة العالم العادل عامة، و من هنا أشكل فيه جماعة، قال السبزواري. «و فيه إشكال، إذ السماع قد يفيد العلم» و قال كاشف اللثام: «و لعله يمكن استناد الشهادة فيها الى التواتر، فإنه يفيد العلم كالمشاهدة، و يجوز أن يكون مراد الأصحاب بالاستناد إلى المشاهدة ما يعم الاستناد إليها بلا واسطة أو بها». و قال صاحب الرياض: «و يشكل فيما لو أفاده، لعدم دليل على المنع حينئذ، مع عموم أدلة قبول شهادة العالم، و الى هذا الإشكال أشار المولى الأردبيلي، فقال بعد أن نقل عنهم الحكم بعدم كفاية السماع فيما مر من الأمثلة، و فيه تأمل، إذ يجوز أن يعلم هذه الأمور بالسماع من الجماعة الكثيرة بقرائن أو غيرها، بحيث يتيقن و لم يبق عنده شبهة أصلا، كسائر المتواترات و المحفوفات بالقرائن، فلا مانع من الشهادة حينئذ لحصول العلم.

____________

[1] و في السند «سهل بن زياد الآدمي» و فيه الخلاف المعروف، و كان بعض مشايخنا يقول: الأمر في سهل ليس بسهل.

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 296 الباب 42 شهادات.

242

و نحوه صاحب الكفاية.

و هو في محله، الا أن ظاهر كلمة الأصحاب الإطباق على الحكم المزبور، فان تم حجة و الا فالرجوع الى العموم أولى. الا أن يمنع بتخيل أن ما دل عليه متضمن للفظ الشهادة، و هي لغة الحضور، و هو بالنسبة إلى العالم غير المستند علمه الى الحس من نحو البصر و غيره مفقود، إذ يقال له عرفا و لغة:

انه غير حاضر للمشهود. و اشتراط العلم مطلقا فيما مر من الفتوى و النص غير مستلزم لكفاية مطلقه بعد احتمال أن يكون المقصود من اشتراطه التنبيه على عدم كفاية الحضور الذي لم يفد غير الظن، و انه لا بد من افادته العلم القطعي، و محصله حينئذ أنه لا بد مع الحضور من العلم، الا أن مطلقه يكفي. هذا و ربما كان في النبوي و نحوه اشعار باعتبار الرؤية و نحوها مما يستند الى الحس الظاهري، مع أن القطع المستند إلى الحس الباطني ربما يختلف شدة و ضعفا، و لذا يتخلف كثيرا، فلعل الشاهد المستند علمه اليه يظهر عليه خلاف ما شهد به، فكيف يطمئن بشهادته.

و هذا الخيال و ان اقتضى عدم الاكتفاء بالعلم بالمستند الى التسامع و الاستفاضة فيما سيأتي، الا أن الإجماع كاف في الاكتفاء به فيه، مضافا الى قضاء الضرورة و مسيس الحاجة، اللذين استدلوا بهما للاكتفاء به فيه، و هذا أوضح شاهد على أن الأصل في الشهادة عندهم القطع المستند الى الحس الظاهري، اعتبارا منهم فيها بالمعنى اللغوي مهما أمكنهم. و هذا الوجه من الخيال و ان كان ربما لا يخلو عن نظر، الا أن غاية الإشكال الناشئ من الفتاوى و العمومات الرجوع الى حكم الأصل و مقتضاه، و لا ريب أنه عدم القبول، فإذا الأجود ما قالوه لكن مع تأمل».

قلت: و بالتأمل في هذا الكلام يظهر عدم ورود نقض الجواهر باقتضائه‌

243

عدم صحة الشهادة لنا لأمير المؤمنين بنصب النبي (صلى اللّه عليه و آله) له اماما يوم غدير خم، و لا على أبي بكر و عمر بغصب فدك من الزهراء. و نحو ذلك من الأمور الواصلة إلينا بالتواتر أو بالأخبار المحفوفة بالقرائن، قال: بل يقتضي هذا الكلام أن لا تكون الشهادتان شهادة حقيقة، لعدم الحضور فيها.

و ذلك لان صاحب الرياض و ان قال بأن اشتراط كون العلم في الشهادة عن حس هو الأصل، لكنه قيده بصورة الإمكان، و نص على قبول الشهادة مع العلم غير المستند الى الحس في موارد لمسيس الحاجة و قضاء الضرورة، و ادعى الإجماع على القبول في تلك الموارد.

و بعبارة أخرى ان الشهادة لغة الحضور، و أداء الشهادة لغة و عرفا: إظهار العلم و الاخبار عنه، فان كان المشهود به من الأمور الحسية التي يمكن الاخبار بها عن حس، بأن يحضر الأمر فيشاهده أو يسمعه فهذا لا تقبل الشهادة فيه الا كذلك، و ان كان من الأمور الاعتقادية كالشهادتين فالشهادة فيه اخبار عن الاعتقاد الجازم و إظهار للعلم القطعي به، و ان كان من الأمور الحسية لكن الاخبار عنه بالعلم المستند الى الحس متعذر لوقوعه في الزمان السابق كواقعة غدير خم، أو متعسر لصعوبة الحضور عنده لبعده عن مكانه و بلده، فيكفي في الشهادة العلم الحاصل بالتواتر و نحوه.

و لا ينافي ما ذكر كون الأصل في الشهادة الحضور، بل قد ورد الشهادة في اللغة بمعنى الاخبار عن جزم كما هو المصطلح عليه شرعا.

و بالجملة لا يرد على الرياض شي‌ء مما ذكر صاحب الجواهر، إذ الأصل الذي ذكره يعتبر مهما أمكن، و عليه السيرة العقلائية كما أشار هو إليها، و هذه السيرة متصلة بزمان المعصوم، و لعل في قول النبي (صلى اللّه عليه و آله) «على مثلها فاشهد أودع» إشارة الى ذلك، أي أن رأيت الأمر كما ترى الشمس فاشهد‌

244

و الا فدع الشهادة و ان حصل لك العلم عن طريق غير الروية [1]. و بالاعتبار «مهما أمكن» يجمع بين الأصل و ما تقدم من أن الضابط هو العلم.

و أما كلمات الأصحاب كالمحقق و من تبعه فظاهرها التنافي للضابط المذكور كما أشرنا، و هو لا يخفى على من راجعها في التنقيح و التحرير و المسالك.

و بذلك تعرف ما في كلام كاشف اللثام و كلام الجواهر: «بل لعل الأصحاب لا يخالفون في ذلك، و انما غرضهم في الكلام المزبور استثناء ما يثبت بالسماع و ان لم يصل الى حد العلم في الأمور السبعة أو الأزيد كما تعرف، لا اعتبار كون الشهادة بطريق البصر بحيث لا يجوز غيره، و ان حصل العلم القطعي حتى بالتواتر و نحوه مما ينتهي إلى المشاهدة أيضا بالواسطة.» فإن الحمل المذكور يخالف ظواهر كلماتهم.

(الثاني) ما يكفى فيه السماع و الاستفاضة

قال المحقق (قدس سره): (و ما يكفي فيه السماع فالنسب و الموت و الملك المطلق لتعذر الوقوف عليه مشاهدة في الأغلب، و يتحقق كل واحد من هذه بتوالي الاخبار عن جماعة لا يضمهم قيد المواعدة، أو يستفيض ذلك حتى يتاخم العلم. و في هذا عندي تردد).

أقول: ليس الوقوف على بعض ما ذكر متعذرا كذلك، ثم ان قسيم المشاهدة هو السماع كما ذكر هو و غيره، و الذي يكفي في هذه الأمور هو التسامع المسمى بالشياع تارة و بالاستفاضة أخرى، كما ذكر هو (رحمه اللّه) أيضا، و هذا غير السماع، و من هنا قال في الجواهر: «فلا إشكال في سماجة العبارة و ما شابهها» ثم قال: و أسمجها عبارة الدروس المزبورة. يعني قول‌

____________

[1] هذا لا يخلو عن تأمل، و ان كنا ذكرناه بعنوان «لعل».

245

الشهيد: «و الضابط في تحمل الشهادة العلم بالسماع أو الرؤية أو بهما، فيكفي الاستفاضة في تسعة. و المراد بها اخبار جماعة يتاخم قولهم العلم و قيل يحصله، و قيل يكفي شاهدان على اعتبار الظن» و ذلك لتصريحه بالاستفاضة متفرعة بالفاء على السماع. قال في الجواهر: «نعم أحسنها عبارة الإرشاد حيث قال في ذكر شرائط الشاهد: العلم و هو شرط في جميع ما يشهد به، الا النسب و. فقد اكتفى في ذلك بالاستفاضة بأن يتوالى الاخبار.» حيث جعل «الاستفاضة» بالمعنى الذي ذكره مقابلا للعلم.

و كيف كان فقد ذكر المحقق هنا تحت عنوان ما يكفي فيه الاستفاضة ثلاثة أمور، و في النافع أربعة، بحذف الموت و زيادة النكاح و الوقف، و ذكر بعضهم أقل من الثلاثة، حتى اقتصر بعضهم على النسب فقط، و بعضهم أكثر من ذلك و منهم المحقق نفسه في قضاء الشرائع و سنذكر عبارته قريبا، حتى ذكر في الجواهر قولا بكفاية الاستفاضة في ستة و عشرين أمرا.

فهل المراد من القبول في هذه الأمور عدم اشتراط العلم فيها، أو أنّه يشترط و لكن لا يشترط استناده الى الحس؟ الظاهر هو الأول.

و قد ذكر المحقق في كتاب القضاء في الأمور التي تثبت بالاستفاضة، ما نصه «تثبت ولاية القاضي بالاستفاضة، و كذا يثبت بالاستفاضة النسب و الملك المطلق و الموت و النكاح و الوقف و العتق» فزاد فيها أمورا على ما ذكر هنا، فأوضح صاحب الجواهر معنى الاستفاضة بقوله: «التي تسمى بالشياع، الذي يحصل غالبا منه سكون النفس و اطمئنانها بمضمونه، خصوصا قبل حصول مقتضى الشك، بل لعل ذلك هو المراد بالعلم في الشرع موضوعا أو حكما، و حينئذ فلا ريب في الاكتفاء به قبل حصول مقتضى الشك، أما معه فقد يشك فيه، لكن في غير الولايات التي جرت السيرة بالاكتفاء بها بمثل ذلك، و هذا‌

246

ظاهر في كون الاستفاضة بنفسها حجة و ان لم يحصل منها الاطمئنان الشخصي لأنها تفيده نوعا، و قد فصلنا الكلام في ذلك في كتاب القضاء فراجع (1).

هذا و ما الدليل على كفاية الاستفاضة في هذه الأمور؟

قال في الجواهر: «لم نعثر في شي‌ء من النصوص الواصلة إلينا على ما يستفاد منه حكم ذلك الا مرسل يونس. و الخبر المشتمل على قضية إسماعيل.» قال: «و قد ذكرناهما في كتاب القضاء، و ذكرنا الكلام فيهما، و قد اشتمل الأول منهما على غير ما ذكره الأصحاب. و كيف كان فقد اتفق الجميع على ثبوت النسب به».

قلت: و قد ذكرنا نحن هناك الإشكال في الاستدلال بالمرسلة، أما الصحيحة فقلنا بأنها «صريحة في اعتبار الشياع بين الناس و ترتيب الأثر عليه بأن لا يأتي الإنسان بما يخالف مقتضاه» و أما الإشكال على الصحيحة باشتمالها على معصية إسماعيل لأبيه (عليه السلام)، و هو بعيد جدا. فيندفع بحمل نهي الامام (عليه السلام) على الإرشاد، فدلالة الصحيحة على حجية الشياع تامة، اللهم الا على احتمال أن يكون مراد الامام (عليه السلام) هو الاحتياط من هكذا شخص، لا ترتيب الأثر على مقتضى الشياع في حقه. و هذا ما ذكرناه في كتاب القضاء. لكن ظاهر قوله (عليه السلام): «ان شارب الخمر لا يزوج.»‌

بل قوله (عليه السلام): «. و لا تأتمن شارب الخمر» هو أن من شاع عنه ذلك يجوز نسبته اليه، فتدبر.

و كيف كان ففي قيام السيرة على الاكتفاء بالاستفاضة- إلا في حال وجود منكر كما سيأتي- كفاية و الصحيحة إمضاء لها. هذا كله بالنسبة إلى حجية الشياع و الاستفاضة.

____________

(1) كتاب القضاء ج 1 ص 106.

247

حكم الشهادة استنادا إلى الاستفاضة

إنما الكلام في حكم الشهادة استنادا إلى الاستفاضة، و التحقيق هو:

دوران أمر الشهادة استنادا إلى الاستفاضة، مدار «العلم» المأخوذ في الضابطة من حيث الطريقية أو الموضوعية، فعلى الموضوعية يشترط تحقق العلم، و الأثر يترتب عليه دون غيره، الا بدليل خاص، و قد عرفت عدم دلالة الصحيحة الا على حجية الاستفاضة، من غير تعرض لباب القضاء و الشهادة، فإن إثبات الحجية لموضوع أمر و جواز الشهادة أو القضاء استنادا إليه أمر آخر، و من هنا يظهر أنّه لا تعارض بين الصحيحة و حديث: «انما أقضي بينكم بالبينات و الايمان» حتى يجمع بينهما بالعموم و الخصوص خلافا لقضاء الجواهر، و وفاقا لما ذكره هنا.

و على الجملة فإن ما يفيد حجية الاستفاضة يثبت حكما ذاتيا لها، و لا علاقة له بحكم طارئ على الاستفاضة، و هو جواز الشهادة استنادا إليها و عدم جوازها.

و على الطريقية- كما هو الظاهر المستفاد من كلمات جماعة من المحققين كما تقدم- نظير العلم المأخوذ في «كل شي‌ء لك طاهر حتى تعلم أنه قذر» فان كل ما ثبتت طريقيته يقوم مقام العلم في جواز الاستناد إليه في الشهادة، و من ذلك الاستفاضة، فيجوز الشهادة استنادا إليها، و يكون المراد من الحديث «إنما أقضي.» هو القضاء بين الناس بحسب الحجج الظاهرية، فيقضي بالبينة و اليمين من حيث كونهما حجتين، فلا تعارض كذلك بين الحديث و الصحيحة، بل تتقدم الصحيحة عليه بالحكومة أو الورود.

فهذا هو التحقيق و الملاك في المقام و نظائره، و بما ذكرنا يظهر لك ما في بعض الكلمات.

و كيف كان فقد قام الدليل الخاص- و هو الاتفاق كما في الجواهر-

248

على ثبوت النسب بالشهادة المستندة إلى الاستفاضة.

و في المسالك التشكيك في ثبوته بالنسبة إلى الأم و الجدات، لإمكان رؤية الولادة. و أشكل عليه في الجواهر. بأن ذلك و ان كان ممكنا، الا أنه لا يطلع غالبا الا النساء بالأقاويل منهن، و لذا اكتفى بشهادتهن، فهو في الحقيقة مما لا يمكن رؤيته في العادة، على انه بالنسبة إلى الجدات العاليات غير ممكن لأن شهادة الفرع في الثالثة غير مسموعة، و التواتر بحيث يرجع الى محسوس في الطبقة الأولى متعذر أو متعسر، و من هنا أطلق الأصحاب النسب من غير فرق بين الأب و الام.

و في المسالك أيضا: و يعتبر مع انتساب الشخص و نسبة الناس أن لا يعارضهم ما يورث التهمة و الريبة، فلو كان المنسوب اليه حيا فأنكر لم تجز الشهادة.

و هل يقدح في ذلك طعن من يطعن في النسب؟ وجهان. أظهرهما مراعاة الشرط، و هو الظن المتاخم أو العلم».

قلت: و قيام السيرة على ما ذكره غير بعيد، و لعل هذا منه تقييد للقبول، و الا فهو (رحمه اللّه) يقول بثبوت النسب بالشهادة المستندة إلى الشياع و الاستفاضة.

لكن معقد الإجماع المدعى هو القبول مطلقا.

قال المحقق قده: و قال الشيخ: لو شهد عدلان فصاعدا صار السامع متحملا و شاهد أصل، لا شاهدا على شهادتهما، لأن ثمرة الاستفاضة الظن، و هو حاصل بهما. و هو ضعيف لان الظن يحصل بالواحد.

أقول: ان كان الشيخ قد استفاد من دليل حجية الاستفاضة كون ملاك حجيتها هو افادة الظن، فكل ظن حجة، توجه عليه نقض المحقق، لانه ليس مطلق الظن بحجة، بل الظن الحاصل من خصوص الاستفاضة. لكن استفادة الشيخ ذلك من دليل حجية الاستفاضة غير معلومة، و لذا قيّد بالعدلين، و لا يبعد أن‌

249

يكون الشيخ جعل «العلم» في ضابط الشهادة بما هو طريق لا بما هو موضوع، و حينئذ تقبل الشهادة المستندة إلى الحجة و ان لم تكن بعلم، و شهادة العدلين حجة.

«فرع» (هل يتحقق التحمل لو سمعه يقول للكبير هذا ابني و هو ساكت؟)

قال المحقق (قدس سره): (لو سمعه يقول للكبير: هذا ابني و هو ساكت.

أو قال: هذا أبي و هو ساكت. قال في المبسوط: صار متحملا، لان سكوته في معرض ذلك رضا بقوله عرفا. و هو بعيد لاحتماله غير الرضا).

قال صاحب الجواهر: و هو جيد ان انضم الى ذلك قرائن أفادت العلم الحالي، أما السكوت من حيث انه سكوت فبعيد كونه دالا على الرضا عرفا، بل ممنوع.

أقول: و الانصاف ان مفروض المقام ليس بأقل من الشياع، بل انه لا ينفك من العلم العادي، إلا إذا انضم اليه ما يوهنه كما لو أنكر. فما ذهب اليه الشيخ في المبسوط في غاية المتانة، لكنه لا يتم الا على الطريقية، لأن السكوت في هذا الموضع طريق إلى الإقرار لا انه مثبت للنسب.

و أما قوله: لان السكوت في معرض ذلك رضا.

ففيه: انه لو لم نقل بأنه إقرار فإنه لا مدخلية الرضا بكونه ولدا له، أو الرضا بمضمون كلامه، لثبوت النسب، و لو قال: أنا راض بكونه ولدا لي لم يثبت به النسب. فمن يقول بترتب الأثر على هذا الكلام لا يقول الا من جهة ان كلام المدعي فيه نظير كلام ذي اليد، مع أنه بلا معارض، و سكوت الطرف في موقع الإنكار دليل على تصديق قوله، لا انه كاشف عن الرضا.

250

[ «تفريع على القول بالاستفاضة»]

«تفريع على القول بالاستفاضة»

[ (الأول- الشاهد بالاستفاضة لا يشهد بالسبب)]

قال المحقق (قدس سره) الشاهد بالاستفاضة لا يشهد بالسبب

أقول: انه على القول بحجية الاستفاضة و ثبوت الأمور المذكورة بها، و جواز الشهادة فيها استنادا إلى الاستفاضة، فان على الشاهد أن يشهد مستندا إلى الاستفاضة في ثبوت أصل الملك، و أما أن يشهد بسبب حصول الملك مثل البيع و الهبة و الاستغنام فلا، لان السبب المذكور لا يثبت بالاستفاضة، بل الذي يثبت بها هو الأمور المخصوصة المذكورة، فلا يجوز للشاهد أن يعزي الملك الى ذات السبب مع فرض إثباته بالشهادة المستندة إلى الاستفاضة. و الا كان كاذبا في النسبة المزبورة التي لا طريق له شرعي و لا عرفي إلى تحققها كي يشهد بها.

نعم له أن يقول: هذا ملك فلان، و الناس يقولون انه قد اشتراه مثلا.

فيشهد بأصل الملك جازما به، و يذكر مستنده في الشهادة بالسبب و هو الشراء.

هذا إذا كان السبب من الأمور التي لا تثبت بالاستفاضة.

و أما إذا كان من جملة الأمور المخصوصة كالموت صحت شهادته، و لذا قال المحقق: أما لو عزاه الى الميراث صح، لانه يكون عن الموت الذي يثبت بالاستفاضة فإذا سمع الشاهد بالاستفاضة ان هذا ملك زيد ورثه عن أبيه الميت، فله أن يشهد بالملك و سببه، لأنهما يثبتان بالاستفاضة.

بخلاف ما إذا سمع مستفيضا ان هذا الملك لزيد اشتراه من عمرو، فله أن يشهد بالملك المطلق لا بالبيع لان البيع، لا يثبت بالاستفاضة، فلو فعل ذلك على وجه لا يكون كاذبا كما أشرنا ففي قبول شهادته بالملك دون السبب وجهان. اختار المحقق الأول‌

حيث قال

251

و الفرق تكلف، لان الملك إذا ثبت بالاستفاضة لم تقدح الضميمة، مع حصول ما يقتضي جواز الشهادة.

أي: ان الشهادة تسمع حينئذ في الملك و تلغو الضميمة و هي السبب الذي لا يثبت بالاستفاضة، و ذلك لوجود المقتضي للقبول في الملك و هو الاستفاضة دون السبب.

و الوجه الثاني هو عدم القبول، لأنها شهادة واحدة و هي لا تبعض.

قلت: إذا كانت شهادة واحدة كما إذا قال: هذا ما اشتراه زيد من عمرو، حيث يشهد بالشراء و لازمه ثبوت الملك أشكل القبول، لأنها شهادة واحدة، و ليست شهادة بأمر منضما إليها أمر آخر، و لان عدم ثبوت الفصل و هو الشراء يقتضي عدم ثبوت الجنس الذي في ضمنه و هو الملك، و الفرض عدم استفاضته الا به.

قال في الجواهر: اللهم الا أن يقال ان ذلك من قبيل السرقة بالنسبة إلى المال دون القطع، و مرجعه إلى إجراء الأحكام صرفا لا إثبات موضوع [1].

قال في المسالك: «و تظهر الفائدة فيما لو كان هناك مدع آخر و له شهود بالملك و سببه من غير استفاضة فإن بينته تترجح على بينة هذا الذي لم يسمع إلا في المطلق المجرد عن السبب، و في القسم الأول (يعني الذي يثبت فيه السبب بالاستفاضة) يتكافئان. و لو كانت بينة أخرى شاهدة له بالملك المطلق رجحت بينة هذا (يعني ذي السبب الذي يثبت بالاستفاضة) في الأول عليه، و كافئت بينة الأخر (يعني الذي لم يثبت سببها بالاستفاضة) في الثاني».

____________

[1] لم يتضح لنا معنى هذا الكلام. و في السرقة جهتان: حق الناس و قد تقرر ثبوت الحق المالي بشاهد و يمين المدعي، و حق اللّه و هو الحد، و قد تقرر ان الحد لا يجري إلا بالبينة. و ليس في ما نحن فيه جهتان، بل هو الملك مع خصوصية حصوله بالشراء مثلا لا بالهبة مثلا.

252

نعم بناء على أن شهادة البينة جازمة، و الشهادة المستندة إلى الاستفاضة- بناء على أنها لا تفيد العلم- ظنية، و الظنية لا تعارض الجازمة تكون الأولى هي المرجحة.

«الفرع الثاني» (إذا شهد بالملك مستندا إلى الاستفاضة هل يفتقر الى مشاهدة اليد؟)

قال المحقق (قدس سره): (إذا شهد بالملك مستندا إلى الاستفاضة هل يفتقر الى مشاهدة اليد و التصرف؟ الوجه: لا).

أقول: إذا شهد بالملك مستندا إلى الاستفاضة و قد شاهد اليد و التصرف فلا إشكال في جواز هذه الشهادة و سماعها، انما الكلام في افتقار هذه الشهادة في جوازها للشاهد أو سماعها للحاكم الى مشاهدة اليد و التصرف، فالوجه عند المحقق قده هو أنه لا يشترط ذلك، لما تقدم من أن الملك المطلق يثبت بالاستفاضة التي كانت حجة، فكما لا حاجة في شهادة البينة و قبولها الى ضم ضميمة لحجية البينة فكذلك الاستفاضة، فإذا شهد العدل به استنادا إليها قبلت شهادته. و وجه عدم القبول الا مع المشاهدة هو إمكان الاطلاع على أسباب الملك، فلا بد من ضميمة ما يفيد القوة للشهادة- لضعف دلالة الاستفاضة على الملك- و يقوم مقام السبب من اليد و التصرف.

و أجيب عنه في المسالك و الجواهر بأن اليد و التصرف ليسا من الأسباب بل هما طريقان، فلو فرض اشتراط الاطلاع على السبب لم يقوما مقامه، و ان كانا ظاهرين في الملك.

253

لو تعارض اليد و السماع المستفيض فأيهما المرجح؟

قال المحقق: اما لو كان لواحد يد و للآخر سماع مستفيض فالوجه ترجيح اليد، لان السماع يحتمل اضافة الاختصاص المطلق المحتمل للملك و غيره، فلا تزال اليد بالمحتمل.

أقول: هل المراد من «اليد» في هذه العبارة يد المدعي المجردة، أو البينة المستندة إلى اليد؟

قد تقرر أن للحاكم الحكم استنادا إلى الاستفاضة، و بدليل حجيتها يقيد إطلاق «إنما أقضي بينكم بالبينات و الايمان» فلو كان المحكوم عليه ذائد تقدم قول المدعي الذي حكم له الحاكم استنادا إلى الاستفاضة، إذ اليد لا تقاوم حجة من الحجج، بل لو لم يكن للمدعي شي‌ء أصلا أقسم الحاكم صاحب اليد، فان نكل حكم عليه، و انتزعت العين من يده، و هذا يكشف عن أنه لا أثر لليد في مقابل الاستفاضة و غيرها من الحجج، و منه يظهر أن مراد المحقق من «اليد» ليس اليد المجردة، بل المراد تعارض البينة المستندة إلى اليد مع البينة المستندة إلى الاستفاضة، و قد تقرر في كتاب القضاء تقدم الاولى على الثانية لأنها أقوى، من جهة اعتضادها باليد. هذا كله ان كان المراد بيان وظيفة الحاكم.

و ان كان المراد وظيفة الشاهد الذي يرى العين بيد واحد و قد شاع كونها لاخر، فلأيهما يشهد؟ هنا يمكن القول بأنه يشهد لصاحب اليد، لما ذكرنا من أن السيرة قائمة على الشهادة استنادا إلى الاستفاضة في حال عدم وجود ما يوهن الاستفاضة، فلو حصل سقطت الاستفاضة عن الحجية، فلا تعارض حتى يقال بترجيح اليد.

و من هنا أيضا يظهر أن المراد من قوله «فالوجه ترجيح اليد» أن وظيفة الحاكم حينئذ ترجيح البينة المستندة إلى اليد على المستندة إلى الاستفاضة.

254

ثم انه بناء على ما ذكره المحقق من أن السماع قد يحتمل اضافة الاختصاص المطلق المحتمل للملك و غيره نقول ان الأمر يدور مدار الظهور، فان كان للسماع ظهور في الملكية فلا محذور في تقدم اليد على هذا الظهور، و الا فلا أثر للبينة المستندة إليه كذلك.

و قد أشكل في المسالك على المحقق بأن ما ذكره انما يتم إذا كان محصل السماع أن هذه الدار مثلا لفلان. فان اللام تحتمل الملك و الاختصاص الذي هو أعم منه. أما إذا كان محصله ان «الدار ملك فلان» فلم يتم، لانه صريح في المقصود، بخلاف اليد. و لا بد من فرض المسألة على الوجه الأول ليتم التعليل و يناسب الحكم المتقدم من ترجيح الملك على اليد، و ان كان إطلاق البينة المستندة إلى الاستفاضة أعم من ذلك.

و قد وافقه صاحب الجواهر في هذا الاشكال، ثم أشكل على التفصيل المذكور و على الجملة أنه ان استند إلى الإشاعة على الملك و شهد على الملك تقدم السماع على اليد، و ان كان المشاع هو الاختصاص فشهد بالملك- استنادا الى تلك الإشاعة أخذا بظهور الاختصاص في الملك- فاليد مرجحة على السماع.

«ثلاث مسائل»

(الاولى- في أن التصرف في الشي‌ء شاهد على الملك)

قال المحقق (قدس سره): لا ريب أن التصرف بالبناء و الهدم و الإجارة بغير منازع يشهد له بالملك المطلق.

أقول: التصرف الظاهر في الملكية كالهدم و البناء، و البيع و الشراء، يجوز الشهادة بالملكية استنادا اليه، و قد شرط المحقق عدم منازع ينازعه في‌