كتاب الشهادات

- السيد محمد رضا الگلپايگاني المزيد...
461 /
255

ذلك، فان وجد فلا يشهد لوهن الكاشفية، و في المسالك: «و اعتبر في التصرف التكرر، لجواز صدور غيره من غير المالك كثيرا» و عن المبسوط عدم كفاية التصرف في نحو الشهر و الشهرين، لكن عن الخلاف التصريح بعدم الفرق بين الطويلة و القصيرة.

و يدل على ما ذهب اليه المحقق السيرة المستمرة، فإن الناس يتعاملون مع من تصدر منه تلك التصرفات العاملة مع المالك، فيشترون منه و يستأجرون و من اشترى منه الشي‌ء حلف على أنه ملك له.

و يدل عليه أيضا الإجماع عن الشيخ و في المسالك و غيره، و عليه الشهرة المحققة.

و قد يستدل له بخبر حفص بن غياث عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال له رجل: إذا رأيت شيئا في يدي رجل يجوز لي أن اشهد أنه له؟ قال:

نعم. قال الرجل أشهد انه في يده و لا أشهد انه له فلعله لغيره. فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): أ فيحل الشراء منه؟ قال: نعم. فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام):

فلعله لغيره، فمن أين جاز لك أن تشتريه و يصير ملكا لك، ثم تقول بعد الملك هو لي و تحلف عليه، و لا يجوز أن تنسبه الى من صار ملكه من قبله إليك؟ ثم قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): لو لم يجز هذا لم يقم للمسلمين سوق» (1). فإنه و ان لم يكن فيه لفظ «التصرف» لكن فيه دلالة على ذلك، بعموم قوله (عليه السلام) فيه: «لو لم يجز هذا ما قامت للمسلمين سوق»، الا أن المحقق يفرق بين «التصرف» و «اليد»، فلا يجوز الشهادة استنادا الى اليد كما ستعرف.

و هذا الخبر و ان كان ضعيفا سندا الا أنه منجبر بالشهرة، و في المسالك:

انه موافق للقوانين الشرعية، و لكن لم نعثر على غيره من النصوص، و قد‌

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 215 الباب 25 من أبواب كيفية الحكم.

256

ناقش في الجواهر في دلالته، كحديث فدك الذي استدل به في الرياض بعد خبر حفص قائلا: «قريب منه الصحيح المروي في الوسائل عن على (عليه السلام) في حديث فدك انه قال لأبي بكر: تحكم فينا بخلاف حكم اللّه تعالى في المسلمين؟ قال: لا. قال: فان كان يد المسلمين على شي‌ء يملكونه، ادعيت أنا فيه، من تسأل البينة؟ قال: إياك أسأل البينة على ما تدعيه على المسلمين.

قال: فإذا كان في يدي شي‌ء فادعي فيه المسلمون تسألني البينة على ما في يدي و قد ملكته في حياة رسول اللّه و بعده، و لم تسأل المؤمنين البينة على ما ادعوه علي، كما سألتني البينة على ما ادعيته عليهم الخبر» (1).

بأن الدلالة على أصل الملكية شي‌ء، و جواز الاستناد الى التصرف أو اليد في الشهادة عليها شي‌ء آخر، على أنه ليس في خبر حفص تعرض للتصرف، اللهم الا أن يكون بينه و بين اليد ملازمة، لا سيما في المدة الطويلة، لكن ظاهر المحقق نفيها، و أنه لا يدل قوله (عليه السلام): «لو لم يجز.» على جواز الشهادة استنادا الى التصرف، إذ لا يختل بعدم الشهادة استنادا إليه أمر السوق و معاش المسلمين، بخلاف اليد، فان ذلك يلزم من عدم جواز الشهادة استنادا إليها قطعا.

قلت: قد ذكرنا سابقا انه إذا كان العلم المأخوذ في ضابط الشهادة طريقا فان كلا من التصرف و اليد و نحوهما طريق،- و لعل هذا مراد المسالك من موافقة خبر حفص للقواعد، و الا فمن البعيد القول بأن دليل كاشفية التصرف عن الملكية دليل على جواز الشهادة بها استنادا الى التصرف- و ان كان المراد منه العلم الموضوعي فلا يجوز العمل به، لأنه يقتضي جواز ما لا يجوز في الشرع، أو يحمل على غير الشهادة عند القاضي، لكنه خلاف الظاهر فلا حظ.

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 215 الباب 25 من أبواب كيفية الحكم.

257

و لعله لما ذكرنا قال المحقق في النافع بأن الأولى الشهادة بالتصرف دون الملك، لأنه دلالة على الملك و ليس بملك.

و أما منع جواز الشهادة من جهة أن التصرف قد يكون من غير المالك، فقد يتصرف المستأجر في العين المستأجرة، فلا ظهور للتصرف في الملكية فيشكل المساعدة عليه، لان التصرف ظاهر في الملكية ظهورا تاما عند العقلاء و قد ذكرنا قيام السيرة عليه.

هل يشهد بالملك لمن في يده دار مثلا؟

ثم تعرض المحقق لحكم الشهادة استنادا الى اليد بقوله:

(أما من في يده دار فلا شبهة في جواز الشهادة له باليد، و هل يشهد له بالملك المطلق؟

قيل: نعم. و هو المروي. و فيه اشكال من حيث ان اليد لو أوجبت الملك لم يسمع دعوى من يقول: الدار التي في يد هذا لي. كما لا تسمع لو قال:

ملك هذا لي).

أقول: نعم لا شبهة في جواز الشهادة له باليد، و هل يشهد له بالملك المطلق؟

قولان. الأول: نعم، و هو المروي، رواه حفص بن غياث عن أبي عبد اللّه (عليه السلام). و الثاني: لا، لان اليد لا ظهور لها في الملكية، فلو كان لم يسمع دعوى من يقول: الدار التي في يد هذا لي كما لا تسمع لو قال: ملك هذا لي، من جهة كونه إقرارا بالملكية، لكن الدعوى مسموعة، فاليد أعم من الملكية، بخلاف التصرف، فإنه ظاهر فيها، و حينئذ فلو آجر عينا لغيره و هي في يد صاحبها فامتنع المالك من تسليم العين إلى المستأجر حكم للموجر المتصرف، من جهة كون تصرّفه أقوى في الدلالة.

و نقض على المحقق بأنه إذا لم تقبل تلك الدعوى يلزم عدم قبول قوله: ما في‌

258

يدي ملك لك، مع أنه مقبول، لان اليد أعم من الملكية، فإذا قال ذلك فقد أقر بالملكية، و لو كانت اليد ظاهرة في الملك لكان هذا القول بمعنى: ما في ملكي ملك لك و هذا تناقض.

و في الجواهر نقضا عليه: انه يلزم عدم قبول ما إذا قال: ما في تصرفك ملك لي. لأنكم تقولون بأن دلالة التصرف أقوى.

و أجيب عن كلام المحقق حلا بأن اليد و التصرف ظاهر ان في الملكية، و قوله: ملك ملكي نص فيها، و لا تمانع بين النص و الظاهر.

و في المسالك نسب ما ذكره المحقق الى الشيخ في المبسوط.

و أجيب أيضا: بأن الشاهد له علم مطابق لليد أو التصرف، فيشهد بعلمه بلا فرق، و حيث لا يعلم لا يشهد بلا فرق كذلك.

و لكن هذا الجواب يبتني على اعتبار العلم في الشهادة، و الكلام مع المحقق هو في الشهادة استنادا إلى الاستفاضة أو اليد أو التصرف، مع عدم افادتها للعلم.

قال في الجواهر: ان لم يوافق المحقق على النص المذكور من جهة ضعفه و عدم انجباره، فلا يجوز الشهادة استنادا الى هذه الأمور لأن الشهادة غير إثبات الموضوع بشي‌ء من الأدلة و هي السيرة و الإجماع و الأولوية. و أما مع اعتبار الخبر فالملازمة بين ثبوت الشي‌ء و الشهادة عليه ثابتة. لكن صاحب الجواهر ينكر دلالة الخبر.

و على الجملة فإن العلم الحاصل من الاستفاضة كاف، بل يكفي ان أفاد الظن المتاخم، فله الشهادة على طبقه في الملك و نحوه، بل قيل: يكفى و ان لم يفد الظن أو كان الظن على الخلاف. ثم قالوا: ان الملك بذاته ليس مما يرى و لذا يكفي فيه السماع، و لكن هل يعتبر في الشهادة و جود ما يدل على‌

259

الملك مما يشاهد كاليد و التصرف؟ قالوا: لا يشترط.

و حينئذ فالاستفاضة وحدها كافية في الشهادة، فإن انضم إليها التصرف و اليد فذاك منتهى الإمكان- و قد ادعي الإجماع على ان للشاهد القطع بالملك حينئذ- و كذا اليد و التصرف بلا استفاضة. و أما اليد المجردة أو التصرف المجرد فلا إشكال في الشهادة بنفس اليد أو التصرف، و هل له الشهادة بالملك استنادا إليها؟

فيه كلام و خلاف.

فالصور في المسألة أربع، و قد تعرض لها في المسالك بقوله: «إذا اجتمع في ملك يد و تصرف و استفاضة بالملك فلا إشكال في جواز الشهادة له بالملك بل هو غاية ما يبنى عليه الشهادة، و انما يحصل الاشتباه فيما لو انفرد واحد من الثلاثة و اجتمع اثنان.»‌

و في التنقيح ما حاصله: دلائل الملك أقسام: أعلاها و هو حصول الاستفاضة و اليد و التصرف بلا منازع، و هو منتهى الإمكان، فللشاهد القطع بالملك إجماعا و الثاني: يد و تصرف بالهدم و تغيير الشكل و إيقاع عقود متكررة بغير منازع في الصورتين، لكن لا سماع. الثالث: مجرد يد من غير تصرف. و هنا يشهد له باليد خاصة. و هل يشهد له بالملك؟ الرابع: مجرد التصرف. و فيه مسائل: قيل يكفي في الشهادة بالملك مشاهدته يتصرف في ملكه. و فيه رواية. و الأولى الشهادة بالتصرف، و هو المشار اليه بقول الشيخ في الخلاف و تردده، و جعل ذلك رواية الأصحاب.

ثم ان كاشف اللثام ذكر أن الشهادة بمقتضى الطرق الشرعية نظير الشهادة بالمسبب بمشاهدة السبب الشرعي، فقال ما حاصله: تشبيه الشهادة بمقتضى الطرق الشرعية بالشهادة على أثر الأسباب الشرعية، فإنها أيضا محتملة للفساد كما تحتمل الطرق التخلف.

و استغربه صاحب الجواهر و أشكل عليه بالفرق بين الأمرين، من جهة‌

260

أن السبب لا يتخلف عن تأثيره في المسبب بخلاف الطرق فقد تتخلف عن الإصابة للواقع، قال: «ان الشارع قد جعل السبب في الظاهر سببا للأثر فيه على وجه لم يتخلف عن مقتضاه بخلاف الطريق، فإنه قد جعله طريقا مع تخلفه إذا التصرف قد يجامع غير الملك، بخلاف البيع الصحيح بحسب الظاهر، فإنه لا يتخلف عن أثره فيه كالسبب في الواقع.

و ان أبيت عن ذلك و فرضت صورة يختلف فيها الشهادة بالسبب و بأثره، لم تجوز الشهادة بالأثر أيضا، بل لا بد فيها إذا كانت عند الحاكم من الشهادة بالسبب نفسه.

و لعله لذا أوجب الأصحاب ذكر السبب في الشهادة بالجرح و لم يجوزوا الشهادة بالأثر، لاحتمال كونه غير مسبب عند الحاكم، و ليس هو الا التجنب عن التدليس و التلبيس و نحوهما، و منه المقام حتى مع عدم المعارض أيضا، لأن الشهادة بالأثر تقطع معارضة الخصم لو أرادها، و الفرض ان واقع الشاهد غيره، أو على غير ذلك مما يوافق القوانين الشرعية.

قال: و من ذلك يعرف أنه لا وجه لما في المسالك من دعوى موافقة الخبر المزبور للقوانين الشرعية، إذ من المعلوم أنها تقتضي كون الشاهد لا يشهد بعلم، و الا على مثل الشمس و مثل الكف. و الفرض أنه يشهد بمشكوك فيه أو مظنون العدم، و ان جوز الشارع شراءه ممن في يده كذلك، لكن ذلك لا يقتضي الشهادة بملكيته له، إذ من المعلوم أن الشارع لم تكن له حقيقة شرعية في الشهادة و لا مراد شرعي، بل هي باقية على المعنى الذي هو الاخبار الجازم على الوجه المخصوص، فأي مدخلية للثبوت الشرعي في تحقق معناها العرفي نعم إذا أراد الشهادة على مثل الشمس يشهد بالتصرف نفسه و باليد نفسها، فيحكم الحاكم بمقتضاها.

261

قلت: لعل نظر الشهيد إلى أنه إذا كان الخبر حجة فإما يكون العلم موضوعا، و اما يكون طريقا، فان كان طريقا تقدم الخبر ورودا أو حكومة، و هذا موافق للقاعدة، و ان كان موضوعا يكون الخبر خاصا، و هذا أيضا موافق للقاعدة. إنما الكلام في استلزام العمل بهذا الخاص لتجويز الكذب، و هذا اشكال آخر لصاحب الجواهر، فلا بد من حمل الخبر على صورة حصول العلم، بناء على ارادة العلم العادي العرفي منه في ضابط الشهادة، لا العلم الحقيقي الدقي، فان تشخيص حدود المفاهيم موكول الى العرف.

«المسألة الثانية» (في ثبوت الوقف و النكاح بالاستفاضة)

قال المحقق: (الوقف و النكاح يثبت بالاستفاضة، أما على ما قلناه فلا ريب فيه، و أما على الاستفاضة المفيدة لغالب الظن فلان الوقف للتأبيد، فلو لم تسمع فيه الاستفاضة لبطلت الوقوف مع امتداد الأوقات و فناء الشهود، و أما النكاح فلانا نقضي بأن خديجة (عليها السلام) زوجة النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) كما نقضي بأنها أم فاطمة (عليها السلام)، و لو قيل ان الزوجية تثبت بالتواتر، كان لنا أن نقول: التواتر لا يتم إلا إذا استند السماع الى محسوس و من المعلوم ان المخبرين لم يخبروا عن مشاهدة العقد و لا عن إقرار النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلّم)، بل نقل الطبقات مستند إلى الاستفاضة التي هي مستند الطبقة الاولى، و لعل هذا أشبه بالصواب).

أقول: قوله «أما على ما قلناه فلا ريب فيه» يدل كما في المسالك على أن مختاره اشتراط العلم في الشهادة بالاستفاضة و لم يصرح به فيما سبق، و انما‌

262

تردد فيه، فعلى هذا المبنى لا ريب في ثبوت الوقف و النكاح بها، لانه ليس وراء العلم شي‌ء.

و أما بناء على الاستفاضة المفيدة لغالب الظن فيثبتان أيضا، أما الوقف فلأنه للتأبيد، فلو لم يجز الشهادة فيه بالاستفاضة أدى الى بطلان الوقوف، لان شهود الوقف لا يبقون، و الشهادة الثالثة لا تسمع. و أما النكاح فلانا نقضي بأن خديجة (عليها السلام) زوجة النبي (صلى اللّه عليه و آله)، و لم يثبت ذلك إلا بالاستفاضة، لأنا ما شاهدناهم.

قال في المسالك: و اعترض على الأول بأن الشهادة بدون العلم منهي عنها، فتخصيص ذلك بالوقف تحصيلا لمصلحة ثبوته ليس بأولى من تخصيص النهي عن سماع الشهادة الثالثة بالوقف لهذه المصلحة، بل هذا التخصيص أولى، لأنه لا مانع منه عقلا، بخلاف الشهادة بمجرد الظن.

قال: و أجاب عنه المصنف بأن المانع من سماع الشهادة الثالثة النقل و الإجماع، فلم يكن معارضتها بالتخصيص، بخلاف الشهادة بمجرد الظن، فإنه لا إجماع على منعها، بل الأكثر على تجويزها، و يمنع من كون العقل دالا على النهي عن ذلك. لان أكثر الأحكام الشرعية مبناها على الظن.

و اعترض على الثاني بما ذكره المحقق نفسه و أجاب عنه بقوله: و لو قيل.

قلت: لم يتعرض المحقق في العبارة للشهادة، بل بقول: يثبت. و هو ظاهر في الثبوت لدى الحاكم، أي ان الحاكم له الحكم استنادا إلى الاستفاضة في أمور ذكرها المحقق نفسه في كتاب القضاء، و ان الوجه الذي ذكره هنا للوقف يأتي في النسب أيضا، و الاولى أن نستدل للقبول بالسيرة غير المردوعة، لعدم جواز الرجوع الى الظن المجرد في باب القضاء و الشهادات، الا أن الظن الذي‌

263

قامت السيرة على قبوله و الاستناد اليه يسد مسد العلم، و يكون المراد من «إنما أقضي بينكم بالبينات و الايمان» هو الحكم بمطلق الحجة، لا خصوص البينة و اليمين.

و أما قضاؤنا بأن خديجة (عليها السلام) زوجة النبي (صلى اللّه عليه و آله) فهو عن علم لا عن ظن، للقرائن الخارجية الموجبة لليقين، بل في المسالك تحقق التواتر فيه، فإنه بعد أن ذكر جواب المحقق قال: و فيه نظر، لأن الطبقة الأولى السامعين للعقد، المشاهدين للمتعاقدين بالغون حد التواتر و زيادة، لأن النبي (صلى اللّه عليه و آله) كان ذلك الوقف من أعلى قريش و عمه أبو طالب المتولي لتزويجه كان حينئذ رئيس بني هاشم و شيخهم و من اليه مرجع قريش، و خديجة (عليها السلام) كانت من أجلاء بيوتات قريش، و القصة في تزويجها مشهورة و خطبة أبي طالب (عليها السلام) في المسجد الحرام بمجمع قريش ممن يزيد عن العدد المعتبر في التواتر، فدعوى معلومية عدم استناد الطبقة الاولى الى مشاهدة العقد و سماعه ظاهرة المنع، و انما الظاهر كون ذلك معلوما بالتواتر، لاجتماع شرائطه، فلا يتم الاستدلال به على هذا المطلوب».

و ناقشه في الجواهر بأن جلالتهم و شهرتهم و غير ذلك لا تقتضي معلومية مشاهدة العقد لعدد التواتر، كما نرى الان بالوجدان في تزويج بنات السلاطين و أولادهم، لا يبلغ الشاهدون للفظ العقد فيه ذلك، نعم يستفيض و يشتهر ذلك على وجه يحصل العلم بذلك، و ان لم يكن بطريق التواتر، فلا أقل من احتمال كونه كذلك، فدعوى معلومية التواتر واضحة المنع أيضا، و لعل الاولى دعوى حصول العلم من الاستفاضة المزبورة، و ان لم يحرز اجتماع شرائط التواتر فيها، نحو غيرها من أفراد الاستفاضة في البلدان و الملوك و غير ذلك.

الا أن ما ذكره الشهيد هو الأظهر، فقد كانوا في ذلك الزمان يجرون‌

264

الصيغة بصورة علنية و عند جميع الحاضرين، لا في مجلس لا يشهده أحد و لا يحضره غير العاقدين كما يتفق كثيرا في زماننا. لكن بلوغ الحاضرين عدد التواتر في الطبقة الاولى لا يحقق التواتر لنا، لتوقف تحققه على بلوغ عدد الطبقة الثانية الناقلين للخبر عن الاولى للعدد المذكور، و هكذا الثالثة، فما بعد. فالأولى أن يقال بالتواتر بالنسبة إلى الطبقة الاولى، و بحصول العلم بالاستفاضة فيما بعدها من الطبقات.

و كيف كان فإن الاستفاضة يثبت بها النكاح و الوقف، للسيرة غير المردوعة من قبل الشارع. و اللّه العالم.

«المسألة الثالثة» (في حكم شهادة الأخرس و كيفيتها)

قال المحقق (قدس سره): (الأخرس يصح منه تحمّل الشهادة و أداؤها، و يبنى على ما يتحققه الحاكم من إشارته، و ان جهلها اعتمد فيها على ترجمة العارف بإشارته، نعم يفتقر الى مترجمين، و لا يكون المترجمان شاهدين على شهادته، بل يثبت الحكم بشهادته أصلا لا بشهادة المترجمين فرعا).

أقول: الأخرس يصح منه تحمل الشهادة، لأنه كسائر الافراد في مشاهدة ما يفتقر الى البصر، فاطلاقات أدلة الشهادة شاملة له، و كذا تعمّه الأدلة في قبول الشهادة منه إذا أداها [اللهم الا ان يدعى انصراف الإطلاقات عنه، لكن المسألة لا كلام فيها و لا خلاف].

و حيث يريد أداء الشهادة عند الحاكم فتارة يفهم الحاكم المقصود من إشارته، و أخرى لا يفهمه، فعلى الأول يبنى على ما يتحققه الحاكم من إشارته،

265

لأن إشارة الأخرس تقوم مقام اللفظ من غيره، فكما يبنى على ما يفهمه من لفظ المتكلم كذلك يبنى على ما يفهمه من إشارة الأخرس، و على الثاني يعتمد الحاكم في معنى الإشارة على ترجمة العارف بها، لأن الأخرس كغيره يعتمد على من يعرف لغته.

و هل يشترط تعدد المترجم؟

قال المحقق هنا «يفتقر الى مترجمين»

و كذا في كتاب القضاء حيث قال «إذا افتقر الحاكم الى مترجم لم يقبل الا شاهدان عدلان، و لا يقنع بالواحد، عملا بالمتفق عليه».

أي: لأن الترجمة مردّدة بين الشهادة و الرواية، فإن كانت من الشهادة شملتها أدلة اعتبار التعدد في الشهادة، و ان كانت من الرواية شملتها أدلة اعتبار خبر العادل، و حيث لا دليل و لا أصل يعيّن الموضوع، لم يجز التمسك بدليل أحد الأمرين، لكونها شبهة موضوعية، الا أنّه لا يقنع الحاكم بالمترجم الواحد من جهة كون قبول ترجمة الاثنين متيقّنا، أمّا لو كان واحدا ثم شك في نفوذ الحكم المستند الى ترجمته كان الأصل عدمه.

و ذكر في الجواهر هناك دعوى أن الأصل هو الرواية، لأن الشهادة قسم من الخبر، و لكن اعتبر الشارع في بعض أفرادها التعدد، فما لم يثبت فيه التعدد يبقى على عموم ما دلّ على قبول خبر العدل، لان المخصص حجة في المتيقن و هو الشهادة، و في المشكوك يتمسك بالعام- و الشبهة مفهومية.

و أجاب عنها بأن الرواية و الشهادة مفهومان متباينان في العرف، الذي هو المرجع في تشخيص المفاهيم، فتارة يرادفهم معنى اللفظ أو المراد من الإشارة فلا يحتاج الى اثنين، و أخرى يراد الوقوف على الواقع و الحكم طبق‌

266

الترجمة اعتبر التعدد.

أقول: و بناء على أنّ المترجم ليس شاهدا- كما سيأتي- فلا يشترط التعدّد.

ثم قال صاحب الجواهر في كتاب القضاء: و قد يقال: انه يمكن استفادة اعتبار التعدّد في كل ما كان له مدخلية في القضاء، و لو موضوع المدعى و تزكية الشاهد و جرحه و غير ذلك، و منه حينئذ الترجمة لشهادة الشاهد و دعوى المدعى أو نحو ذلك، لا الترجمة من حيث كونها ترجمة و ان لم تكن في موضوع يتعلق به القضاء.

قلت: و الانصاف: الفرق بين ترجمة اللغات و ترجمة الإشارات، ففي الأولى يكفي الواحد، لان المترجم يشهد بما هو محسوس له، و في الثانية قد يستند في الترجمة إلى الحدس، فان من عرف إشارة الأخرس على أثر المعاشرة معه يحتاج في فهم مراداته إلى إعمال حدسه و نظره، و حينئذ لا تعم أدلة حجية خبر العدل ترجمة إشارة الأخرس، لأنها لا تشمل الحدسيات، فيشترط تعدّد المترجم، و لا يلزم من اشتراطه توقف الاحكام و تعطيل الحقوق، لا سيما مع إمكان إحلاف الأخرس، كما في الخبر عن محمد بن مسلم قال:

«سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الأخرس كيف يحلف إذا ادعي عليه دين و أنكر و لم يكن للمدعي بيّنة؟ فقال: ان أمير المؤمنين (عليه السلام) أتي بأخرس فادعي عليه دين و لم يكن للمدعي بينة. فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) الحمد للّه الذي يخرجني من الدنيا حتى بيّنت للأمة جميع ما تحتاج اليه.

ثم قال: ايتوني بمصحف فأتي به، فقال للأخرس: ما هذا؟ فرفع رأسه الى السماء و أشار أنه كتاب اللّه عز و جل، ثم قال: ايتوني بوليّه، فأتي بأخ له فأقعده الى جنبه ثم قال: يا قنبر عليّ بدواة و صحيفة، فأتاه بهما. ثم قال لأخي‌

267

الأخرس: قل لأخيك هذا بينك و بينه انه علي، فتقدم اليه بذلك، ثم كتب أمير المؤمنين (عليه السلام): و اللّه الذي لا إله الّا هو عالم الغيب و الشهادة الرحمن الرحيم الطالب الغالب الضار النافع المهلك المدرك الذي يعلم السر و العلانية ان فلان ابن فلان المدعي ليس له قبل فلان ابن فلان- أعني الأخرس- حق و لا طلبة بوجه من الوجوه، و لا بسبب من الأسباب. ثم غسله و أمر الأخرس أن يشربه، فامتنع. فألزمه الدين» (1).

و هل يكون الترجمة شهادة فرع في القضية؟

قال المحقق: «لا يكون المترجمان شاهدين على شهادته»

بل انها شهادة بمعنى اللفظ أو المراد من الإشارة، و من شهد بذلك لا يشهد بتحقق أصل المطلب، و على هذا فان رأى الحاكم إشارة الأخرس و ترجم عدلان عارفان بإشاراته تلك الإشارة كان للحاكم الحكم في أصل المطلب، جاعلا الأخرس شاهدا على الأصل، دون المترجمين لاشارته، فإنهما يترجمان إشارته و لا يكونان شاهدي فرع، و لذا لا يشترط حضورهما و لا عدم حضورهما تلك الإشارة، بل يكفي الترجمة عند الحاكم، فلو كانت شهادة فرع منهما لم تسمع الترجمة منهما مع حضور الأخرس، بناء على عدم سماع شهادة الفرع مع حضور شاهد الأصل.

هذا ما ذكره المحقق هنا.

و قال في النافع في كتاب الإقرار: و يشهد على الأخرس بالإشارة و لا يقيمها بالإقرار. و علّله في الرياض بقوله: لاحتمال خطائه في الفهم، فيتحقق الكذب. أي: لأن الكذب يتحقق بالخبر المشكوك في صدقه كما يتحقق‌

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 222 الباب 33 أبواب كيفية الحكم. صحيح.

268

بالخبر المقطوع بمخالفته للواقع.

ثم قال في الرياض: و لعلّه مراد من علّل المنع بنفس الإقرار بالكذب المطلق لاحتماله، كالحلي و غيره، و الّا فيشكل الحكم بإطلاق الكذب، فقد يعلم الشاهد بإقراره و يحصل له القطع به من إشارته، فلا يكون كذبا، فكيف يعلّل به؟

اللهم الا أن يكون المراد أن الإقرار حقيقة في الاخبار عن الحق باللفظ الدال عليه، بحكم التبادر و غيره، فيكون بالإشارة مجازا، و ارادته من الإقرار المطلق المنصرف الى اللفظ بغير قرينة غير جائز، و إطلاقه من دونهما يعيّن كونه كذبا.

و فيه نظر فان خرسه قرينة حال واضحة [1] على إرادته بالاخبار بالإشارة من الإقرار دون الحقيقة، فلا كذب. انتهى كلام الرياض.

و اعترضه في الجواهر بعد نقله بقوله: قلت: قد يقال: أولا: ان إشارة الأخرس كاللفظ من غيره، فيكتفى بالظاهر منها، كما يكتفى بالظاهر منه في جميع المواضع، و لكن الانصاف عدم خلوّ هذا عن النظر.

أقول: وجه النظر هو الفرق بين الكلام و الإشارة، إذ ليست الإشارة كاللفظ في الظهور، فإن الإشارة يفهم المراد منها بمعونة القرائن، و هي مختلفة فبعضها يفيد العلم و بعضها لا يفيده، بخلاف اللفظ فإنه ان كان ظاهرا في معناه فبنفسه، و حينئذ لا يعبأ العقلاء باحتمال ارادة المعنى المخالف للظاهر. و بعبارة أخرى اللفظ ظاهر في معناه بالوضع، و ظهور الإشارة بالقرينة، و هي قد يخطأ فيها، و قد لا تفيد العلم بالمعنى.

____________

[1] أي: انه إذا قال: قد أقر الأخرس. كان معناه: أشار، لا انه تلفظ، لوضوح ان الأخرس لا يمكنه النطق.

269

قال: و ثانيا: لا ينبغي الإشكال في جواز الشهادة عليه بالإقرار، بمعنى الالتزام، مع القطع بالمراد من إشارته، بل لعله كذلك في غير الأخرس أيضا، على ان المفهوم من إشارة الأخرس غالبا يستند إلى قرائن الأحوال التي لا يمكن نقلها أو يتعسّر، فتكليف الشاهد بنقلها متعذر أو متعسّر. و قد عرفت أنّ مدار الشاهد على العلم. و مما ذكرنا يظهر لك الحال في الترجمة أيضا فتأمّل.

أقول: لعله وجهه هو أنه كما أن الجارح ان لم يصرّح بالسبب لم تقبل شهادته بالجرح، من جهة احتمال ان لا يكون السبب الذي اعتمده الشاهد جارحا في نظر الحاكم، فكذلك إشارة الأخرس، فإنها قد يستفيد شخص منها معنى، و يستفيد آخر معنى آخر، و قد تفيد الإشارة العلم بمعنى لكن يختلف الاثنان في بيانه و ترجمته.

فاذن الأقوى الشهادة بالإشارة. و اللّه العالم.

(الثالث: ما يفتقر الى السماع و المشاهدة)

قال المحقق (قدس سره) (الثالث:- ما يفتقر الى السماع و المشاهدة، كالنكاح و البيع و الشراء و الصلح و الإجارة، فإن حاسّة السمع تكفي في فهم اللفظ، و يحتاج الى البصر لمعرفة اللافظ، و لا بأس في شهادة من اجتمع له الحاستان).

أقول: هذا لا كلام فيه و لا خلاف، فان من اجتمع له الحاستان يشهد بوقوع العقد أو الإيقاع، لأنه قد سمع اللفظ، و رأى اللافظ، فيقول: أشهد بوقوع هذا العقد مثلا من زيد، و تكون هذه الشهادة مقبولة للعمومات و الإطلاقات إنما الكلام في بعض فروع المسألة التي ذكرها المحقق، فقد قال‌

270

في شهادة الأعمى في العقد و على العاقد

(أما الأعمى فتقبل شهادته في العقد قطعا، لتحقق الإله الكافية في فهمه، فان انضم الى شهادته معرّفان جاز له الشهادة على العاقد مستندا الى تعريفهما، كما يشهد المبصر على تعريف غيره).

أقول: إذا فقد الشاهد البصر توقف شهادته على العاقد على تعريف عدلين له، فإذا عرفاه شهد كما قال المحقق هنا، و في النافع «و لا يشهد الا مع المعرفة، أو شهادة عدلين بالمعرفة» قال في الرياض: «لا خلاف بين الأصحاب فيما أعلم في اعتبارهم العلم الشرعي المستند إلى شهادة العدلين أيضا. (قال): بل ظاهر السرائر الإجماع عليه، فإنه قال: فإذا حضر الشاهدان فلا يجوز له أن يشهد الا على من يعرفه، فإن أراد أن يشهد على من لا يعرفه، فليشهد بتعريف من يثق الى ديانته من رجلين عدلين عند أصحابنا.»‌

و في الكفاية: «قالوا: فالاعمى ان انضم إلى سماعة معرّفان يشهدان على العاقد جاز له الشهادة عليه».

و على الجملة فلا كلام في جواز الشهادة. و المستند في الجواز هنا كما في الرياض عن ظاهر السرائر- انما هو فتوى الأصحاب، و في الجواهر:

لعله لإطلاق خبر محمد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام): «سألته عن شهادة الأعمى فقال: نعم إذا أثبت» (1) بناء على ان المراد من إثباته ما يشمل شهادة العدلين، مضافا الى النصوص الدالة على جواز الشهادة على المرأة إذا حضر من يعرفها، بعد حمل ما في بعضها من وجوب كشفها عن وجهها و عدم الاجتزاء‌

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 295 الباب 42 شهادات.

271

بشهادة العدلين على التقية.

و حيثما استندت شهادته إلى شهادة العدلين فهل يذكر الشهادة مطلقة كالبصير أو لا بل يقول: أشهد على فلان بتعريف فلان و فلان؟

ذهب الأكثر إلى الأول، و هو ظاهر عبارة المحقق في النافع، و تبعه صاحب الرياض، لكن عبارته هنا ليست مثلها في الظهور، و من هنا احتمل في الجواهر كون المراد منها هو الثاني، لكن يضعفه عدم تعرض الرياض له.

و كيف كان فقد نسب الثاني إلى جماعة من الأصحاب و منهم الحلي في السرائر و الفاضل في التحرير و غيره، بل عن كشف اللثام إرساله إرسال المسلمات.

و تظهر الثمرة في كونه شاهد أصل أو فرعا، فمقتضى الأول كونه شاهد أصل، و محصله كفاية العلم الشرعي في الشهادة، فيكون المقام من موارد الاستثناء من الضابط فيها و هو «العلم» من جهة ظهوره في معناه الحقيقي لغة و عرفا، و في الجواهر بعد القول الثاني: «و مقتضاه عدم قبول الشهادة إذا لم تكن على الوجه المزبور، لما فيه من إيهام المعرفة بنفسه، و قطع الطريق على الخصم لو أراد جرح شهود التعريف مثلا، بل هذا يومئ الى أن شهادة التعريف من شهادة الفرع أو بحكمها، الذي ستعرف انه كذلك فيها، و حينئذ ينقدح من هذا أنه لا استثناء لهذه الصورة من ضابط العلم.».

أقول: تارة يقول المعرفان: هذا الشخص هو العاقد، فيقول الاعمى:

هذا هو العاقد كما يقول المعرفان، فهذه شهادة فرع، و أخرى: يقولان للأعمى:

الذي سمعته أجرى العقد هو هذا فشهد الاعمى علي العاقد، فهذه شهادة أصل لا فرع، غير أن العاقد تعين بتعريف العدلين، و مورد الخلاف هو الصورة الثانية، و قد اختار العلامة في التحرير الوجه الثاني، الا أنه نص على أنه لا يكون شاهد فرع، فقد قال: «و لو شهد عنده عدلان بالنسب شهد عليه مستندا إلى شهادة المعرفين‌

272

بالتعريف، فيقول أشهد على فلان بتعريف فلان و فلان، و لا يكون في الإقرار شاهد فرع».

فكلامه صريح في خلاف ما ذكره الجواهر بقوله: «بل هذا يومي.»‌

نعم يمكن حمل عبارة التحرير على أنها شهادة أصل بالنسبة إلى السمع و شهادة فرع بالنسبة إلى البصر، و كيف كان فليست شهادة الفرع.

و عبارة السرائر المزبورة آنفا ليست صريحة في القول الثاني- و ان نسب إليه في الرياض- بل كما يحتمل اعتبار أن يقول: سمعت رجلين عدلين أنه زيد، كذلك يحتمل قبول شهادته مطلقة حين الأداء، لكنها مستندة الى شهادة العدلين، بل لعل الثاني هو الأظهر لقوله بعد تلك العبارة: «فأما الواحد و النساء فلا يشهد بتعريفه و لا تعريفهن، لانه لا دليل على ذلك، فإذا أقام الشهادة أقامها كذلك، فإذا اشهد على امرأة و كان يعرفها بعينها جاز له أن يشهد عليها، و ان لم ير وجهها، فان شك في حالها لم يجز له أن يشهد الا بعد أن تسفر عن وجهها و يثبتها معرفة، فإن عرفها من يثق بديانته من العدلين جاز له الشهادة عليها و ان لم تسفر عن وجهها.» فإنه ظاهر في الشهادة بلا اشتراط لذكر المعرفين في الشهادة.

هذا كله لو حصل المعرفان.

قال المحقق: (و لو لم يحصل ذلك و عرف هو صوت العاقد معرفة يزول معها الاشتباه، قيل: لا يقبل، لأن الأصوات تتماثل. و الوجه: أنها تقبل، فان الاحتمال يندفع باليقين، فانا نتكلم على تقديره. و بالجملة فإن الأعمى يصح شهادته محتملا و مؤديا عن علمه و عن الاستفاضة فيما شهد به بالاستفاضة).

أقول: في هذه الصورة قولان، نسب الأول- و هو المنع- في الجواهر الى الشيخ في محكي الخلاف مستدلا عليه بالإجماع و الاخبار، و علله المحقق بقوله: «لأن الأصوات تتماثل».

273

و ذهب المحقق (قدس سره) الى الثاني، و تبعه صاحب الكفاية قال: الأقرب القبول ان حصل له العلم و ادعاه، بل في المسالك: هو الأشهر، قال: لان الفرض علمه القطعي بالقائل و معرفته إياه، و وقوع ذلك أكثري مشاهد في كثير من العميان. و للإجماع على أن للأعمى أن يطأ حليلته اعتمادا على ما يعرفه من صوتها. و أما احتمال الاشتباه لتماثل الأصوات فيندفع باليقين، فانا نتكلم على تقديره.

أقول: أما ما استدل به الشيخ في الخلاف فأمران، أحدهما الأخبار، لكن الشيخ لم ينقل رواية تدل على المنع، بل ذكر رواية محمد بن قيس الدالة على القبول بطريقين. و الأخر الإجماع، لكن في المسالك أن الأشهر هو القبول. و أما التعليل الذي ذكره المحقق، فان كان المراد منه مجرد احتمال الاشتباه، ففيه ما ذكره في الجواب، و ان كان المراد عدم حصول اليقين للأعمى، ففيه: انه تشكيك في الوجدان و المشاهد من كثير من العميان، اللهم الا أن يراد انه لما كان الغالب في العميان هو الاشتباه كان الوجه عدم قبول الحاكم شهادته، حتى لو حصل للأعمى العلم و ادعاه، بأن لا يكون احتمال الاشتباه علة للحكم حتى ينتفي بانتفائه، بل يكون حكمة له يؤخذ بها حتى في موارد عدم الاشتباه يقينا.

و أما الاستدلال للقبول بالإجماع على جواز وطئ الاعمى زوجته اعتمادا على ما يعرفه من صوتها ففيه: أنه ليس لأحد منع عن غن ترتيب الأثر على يقينه، و كذلك ما نحن فيه، فان الأعمى إذا حصل له اليقين جاز له الشهادة، لكن الكلام في قبول الحاكم لشهادته، و لذا لو وقع النزاع بينه و بين زوجته لم يكن يقين الاعمى دليلا للحاكم على الحكم بكونها زوجة له.

و كيف كان فإن الأقرب هو القبول لخبر محمد بن قيس المعتضد بفتوى المشهور.

274

حكم ما لو تحمل و هو مبصر ثم عمى

قال المحقق: و لو تحمل شهادة و هو مبصر ثم عمي، فان عرف نسب المشهود به أقام الشهادة، و ان شهد على العين و عرف الصوت يقينا جاز أيضا.

أقول: إذا تحمل شهادة يحتاج الى البصر و هو بصير ثم عمى، فان تحملها على رجل معروف النسب و الاسم لرجل معروف النسب و الاسم فله أن يشهد بعد ما عمي، لحصول العلم بالمشهود له و المشهود عليه، بلا خلاف و لا اشكال كما في الجواهر.

و ان شهد على العين و عرف الصوت يقينا جاز أيضا بناء على المختار في الفرع المتقدم. قال في الجواهر: و كذا لو عرفه بغير الصوت على وجه اليقين.

نعم في الاجتزاء هنا له بتعريف العدلين إشكال. أقواه العدم، لما عرفته في نظيره.

قال المحقق: (أما شهادته على المقبوض فماضية قطعا).

أقول: قال في المسالك: هذه الصورة مما استثناه القائلون بالمنع من قبول شهادته، و سموها الضبطة، و هي أن يضع رجل فمه على أذن الاعمى و يد الاعمى على رأسه، بحيث يتيقن أنه يسمع منه، فيقر بطلان أو عتق أو حق لرجل معروف الاسم و النسب، و يقبضه الاعمى، و لا يزال يضبطه حتى يشهد بما سمع منه عند الحاكم، فيقبل شهادته على القولين، لحصول العلم بالمشهود له و عليه.

و ربما قيل باطراد المنع هنا، لان التصوير المذكور فيه عسر و تدقيق، و اللائق حسم الباب، كما أنا لا نقبل شهادة الفاسق على الإطلاق، و ان كان قد‌

275

يغلب على ظننا صدقه في بعض الموارد. و يضعف بانتفاء المانع في هذه الصورة قطعا، مع وجود المقتضي للقبول، و دقة الفرض لا يدفع الحكم.

و تشبيهه بالفاسق الذي يغلب على الظن صدقه فاسد، لوجود الفارق و هو أن الفاسق منهي عن الركون الى قوله مطلقا لا باعتبار ظن صدقه و عدمه، بل من حيث كونه فاسقا، بخلاف الأعمى فإن المانع من قبول شهادته عدم علمه بالمشهود عليه و له، لا من حيث هو أعمى، فإذا فرض العلم قبل.

قال المحقق: (و تقبل شهادته إذا ترجم للحاكم عبارة حاضر عنده).

أقول: قال في الجواهر: بلا اشكال و لا خلاف، للانتفاء المانع عن القبول حينئذ، إذ الحاكم يعرف المشهود عليه و له، و انما يشتبه عليه معنى اللفظ، و لا تتوقف شهادة الأعمى على ترجمة العبارة على البصر.

276

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

277

(3) أقسام الحقوق

278

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

279

قال المحقق (قدس سره): و هي قسمان: حق اللّه تعالى شأنه و حق لادمي و الأول: منه ما لا يثبت إلا بأربعة رجال كالزنا و اللواط و السحق.

أقول: الكلام في حق اللّه تعالى من حيث طريق ثبوته شرعا. و ينقسم الى قسمين:

[من حقوق اللّه: ما لا يثبت إلا بأربعة رجال كالزنا و اللواط و السحق]

من حقوق اللّه: ما لا يثبت إلا بأربعة رجال كالزنا و اللواط و السحق

فمن حق اللّه تعالى ما لا يثبت إلا بأربعة رجال، كالزنا و اللواط و السحق، قال في الجواهر: بلا خلاف في ثبوت الثلاثة بذلك.

و في المسالك: قيل: و الحكمة في اختصاصه بذلك أن الشهادة فيه على اثنين، فاعتبر لكل واحد رجلان. (قال): و هذا التعليل مروي أيضا عن أبي حنيفة رواية عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

و فيه: ان شهادة الاثنين مقبولة على الجماعة إذا شهدوا على كل واحد منهم، و لانه قد لا يعرف أحد الزانيين فلا يمكنه الشهادة عليه.

و في أخبار كثيرة أن ذلك تعبد محض، و أن فيه دليلا على بطلان القياس و الا لكان القتل أولى باعتبار الأربعة لأنه أفحش.

280

نعم يمكن أن يقال بأن الحكمة طلب الستر مهما أمكن، و المحافظة على عدم الهتك، و لذا لو شهد ثلاثة و امتنع الرابع عنها حد الثلاثة.

و كيف كان فالدليل على اعتبار الأربعة رجال في الزنا قوله تعالى «وَ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنٰاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدٰاءَ» (1). و قال سبحانه «لَوْ لٰا جٰاؤُ عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدٰاءَ» (2) و قال «فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ» (3).

و قال سعد: «يا رسول اللّه: أ رأيت لو وجدت مع امرأتي رجلا أمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ قال: نعم».

هذا كله في الزنا، و أما اللواط و السحق فليس في النصوص ما يدل على اعتبار الأربعة فيهما، نعم في اللواط: «حده حد الزنا» و كذا في السحق، بل في بعضها الرجم الا أن الحكم مجمع عليه بين الأصحاب، قال في المسالك:

«فمن حقوق اللّه تعالى الزنا، و في معناه: اللواط و السحق عندنا».

ما يثبت به إتيان البهائم

قال المحقق: و في إتيان البهائم قولان أصحهما ثبوته بشاهدين.

أقول: قد نسب الجواهر مختار المحقق إلى الأشهر بل المشهور، و في المسالك إلى الأكثر، و استدل للثاني بالأصل و كونه وطيا محرما في معنى الزنا و مشتملا على الهتك. و للأول بإطلاق ما دل على الثبوت بهما، لان الشارع جعل ثبوت الاحكام في غير الزنا بشاهدين، قال تعالى وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ. و إتيان البهائم ليس بزنا و لا يوجب الحد، و بما ذكر ينقطع الأصل.

____________

(1) سورة النور: 4.

(2) سورة النور: 13.

(3) سورة النساء: 15.

281

نعم في الشبهة المصداقية- كما لو وطئ و شك في أن الموطوء حيوان أو إنسان- لم يجز التمسك بتلك العمومات. و لو شك فيه من حيث المفهوم باحتمال كون وطئ البهيمة زنا فإنه ليس في الآيات المذكورة التي اعتبر فيها الأربعة ذكر الزنا، بل الفاحشة، و إتيان البهيمة فاحشة، لكن القدر المتيقن من مفهومها هو «الزنا» فيكون الايات حجة فيه، و يخصص بها عمومات البينة، و يبقى غيره و منه إتيان البهيمة تحت عمومات البينة، فيثبت بشاهدين.

و أما أن إتيان البهائم يشارك الزنا في الهتك فيلحقه حكمه فقياس باطل.

في ثبوت الزنا بغير الأربعة رجال أيضا

قال المحقق: و يثبت الزنا خاصة بثلاثة رجال و امرأتين، و برجلين و أربع نساء، غير أن الأخير لا يثبت به الرجم و يثبت به الجلد.

أقول: في الفرع ثلاثة أحكام، أحدها: ثبوت الزنا- دون اللواط و السحق- بثلاثة رجال و امرأتين. و الثاني: ثبوته برجلين و أربع نساء. و الثالث: انه يثبت بشهادة الرجلين و الأربع نسوة حكم الزنا جلدا لا رجما.

و المدرك في هذه الاحكام هو النصوص المستفيضة (1) التي لا يعارضها الايات الكريمة المعتبرة لشهادة أربعة رجال، لان ثبوت الزنا بذلك لا ينفي ثبوته بغيره و هذا بعضها:

1- عبد اللّه بن سنان قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: لا تجوز شهادة النساء في رؤية الهلال، و لا يجوز في الرجم شهادة رجلين و أربع نسوة و يجوز في ذلك ثلاثة رجال و امرأتان.».

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 260 الباب 24 شهادات.

282

2- الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «سألته عن شهادة النساء في الرجم. فقال: إذا كان ثلاثة رجال و امرأتان، و إذا كان رجلان و أربع نسوة لم تجز في الرجم».

3- محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) في حديث:

«و تجوز شهادتهن في حد الزنا إذا كان ثلاثة رجال و امرأتان، و لا تجوز شهادة رجلين و أربع نسوة في الزنا و الرجم.»‌

4- زرارة عن أبي جعفر قال- في حديث- «و قال علي (عليه السلام):

تجوز شهادة النساء في الرجم إذا كان ثلاثة رجال و امرأتان، و إذا كان أربع نسوة و رجلان فلا يجوز الرجم».

5- أبو الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)- في حديث- عن علي (عليه السلام): «إذا شهد ثلاثة رجال و امرأتان جاز في الرجم، و إذا كان رجلان و أربع نسوة لم تجز».

6- زيد الشحام قال: «سألته عن شهادة النساء. قال فقال: لا تجوز شهادة النساء في الرجم الا مع ثلاثة رجال و امرأتين، فإن كان رجلان و أربع نسوة فلا تجوز في الرجم.».

7- الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «انه سئل عن رجل محصن فجر بامرأة فشهد عليه ثلاثة رجال و امرأتان وجب عليه الرجم، و ان شهد عليه رجلان و اربع نسوة فلا تجوز شهادتهم و لا يرجم و لكن يضرب حد الزاني».

و بالجمع بين هذا الخبر- الذي لم يتعرض له الشهيد الثاني لا في المقام و لا في باب حد الزنا- و بين خبره المتقدم يتم الدليل على ما ذكره المحقق.

و أما ما دل على عدم قبول شهادة المرأة في الحد فمحمول على رد شهادتها فيه منفردة عن الرجل، و لو سلمنا إطلاقه فمخصص بما عرفت.

283

و ما دل على عدم القبول منها في خصوص الرجم فقد حمله الشيخ على التقية أو عدم اجتماع شرائط القبول فيه.

فثبت الأحكام الثلاثة بالنصوص المذكورة.

و عن جماعة الخلاف في الحكم الثالث، فنفوا الحد أصلا، قال في المسالك بعد ذكر بعض الاخبار: «و هي مع كثرتها ليس فيها تصريح بثبوت الجلد برجلين و أربع نسوة. لكن الشيخ و الجماعة استندوا في ثبوته إلى رواية أبان عن عبد الرحمن عن الصادق (عليه السلام) قال يجوز شهادة النساء في الحدود مع الرجال. و حيث انتفى الرجم بالأخبار الكثيرة يثبت الجلد.

(قال): و فيه نظر، لضعف الطريق عن إثبات مثل ذلك، مع ورود روايات كثيرة بأنه لا تقبل شهادتهن في حد. و من ثم ذهب جماعة منهم الصدوقان و أبو الصلاح و العلّامة في المختلف الى عدم ثبوت الحد بذلك، عملا بالأصل، و بأنه لو ثبت الزنا بشهاداتهم لثبت الرجم، و التالي باطل للأخبار الكثيرة الدالة على عدم سماع رجلين و أربعة نسوة في الرجم، فالمقدم مثله. و بيان الملازمة:

دلالة الإجماع على وجوب الرجم على المحصن الزاني، فإن ثبت هذا الوصف ثبت الحكم و الا فلا. و هذا الحكم متجه».

أقول: و هو- كما في الجواهر- كالاجتهاد في مقابلة النص.

و نبه المحقق (قدس سره) بقوله «خاصة» على خلاف جماعة منهم الصدوق و ابن الجنيد في الحكم الأول، حيث قال بتعدي الحكم الى اللواط و السحق.

قال الشهيد الثاني: و هو ضعيف، لعدم المقتضي لإلحاقهما بالزنا، مع الاخبار بعدم قبول شهادتهن في الحد.

فهما باقيان على مقتضى ما دل على اعتبار الأربعة رجال، و يؤيده عموم عدم جواز شهادة النساء في الحدود الدال عليه عدة من النصوص، و عليه نص الشهيد‌

284

في الدروس بقوله: «ما لا يثبت إلا بشهادة أربعة رجال و هو اللواط و السحق» و في المستند عن الإسكافي إلحاقهما بالزنا. قال: «و هو ضعيف، و أما رواية البصري و الرضوي لشذوذهما خارجان عن الحجية».

فالدليل على عدم الإلحاق بعد عدم الدليل المعتبر هو بقاؤهما على مقتضى ما دل على اعتبار الأربعة رجال. نعم عن بعض العامة (1) تفسير «الفاحشة» في قوله تعالى «اللّٰاتِي يَأْتِينَ الْفٰاحِشَةَ مِنْ نِسٰائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ» بالسحق.

و أن المراد من «اللذان» في قوله تعالى «وَ الَّذٰانِ يَأْتِيٰانِهٰا مِنْكُمْ فَآذُوهُمٰا فَإِنْ تٰابٰا وَ أَصْلَحٰا فَأَعْرِضُوا عَنْهُمٰا إِنَّ اللّٰهَ كٰانَ تَوّٰاباً رَحِيماً» هو الرّجلان اللوّاطان، و حيث لا تصريح في هذه الآية بطريق إثبات الفاحشة، يكون طريق إثباتها هو ما ذكر في سابقتها، فيكون طريق إثبات اللواط هو الأربعة رجال.

هذا وجه الاستدلال بالآيتين. و فيه أوّلا: ان التفسير المذكور ليس عن أهل البيت (عليهم السلام)، و قد نص على ذلك الفيض الكاشاني بعد حكايته.

و ثانيا: الفاحشة هي الفعل القبيح، فإن أريد العموم شمل جميع القبائح، و ان أريد لحاظ مناسبة الحكم و الموضوع اختص الزنا. و ثالثا: ان الاستدلال بالآية الثانية مبني على أن يكون المراد من اللذان هو الرجلان. لكن هذا اللفظ يطلق على الرجل و المرأة أيضا.

و على الجملة ففي ما ذكرنا من الاستدلال كفاية، و لا حاجة الى التكلّف المذكور، و قد تسالم الأصحاب على الحكم.

و ان ادعى السيد في الغنية الإجماع على قبول الثلاثة و المرأتين فيهما- و ان كان يشهد له إطلاق خبر عبد الرحمن البصري: «تجوز شهادة النساء في‌

____________

(1) تفسير الصافي 1- 398.

285

الحدود مع الرجال» لكنه- كما في المستند- شاذ. و أما جعل الزنا أعم من اللواط و السحق فيدخلان في المستثنى من دليل عدم جواز شهادة النساء في الحدود فضعيف، و لا أقل من الشك في شمول المفهوم فيؤخذ بالقدر المتيقن.

فثبوت السحق و اللواط بالأربعة رجال فقط.

قال المحقق: و لا يثبت بغير ذلك.

أقول: أي لا يثبت الزنا بغير الأربعة رجال، و الثلاثة و المرأتين، و الرجلين مع أربعة نساء. و قد نبّه بهذا على خلاف الشيخ في الخلاف، حيث ذهب الى ثبوت: الحد دون الرجم بشهادة رجل واحد و ست نساء. ذكره في المسالك و قال: و لعله استند الى عموم رواية عبد الرحمن السابقة، و هو شاذ.

قلت: و لعل المستند قوله تعالى «فَإِنْ لَمْ يَكُونٰا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتٰانِ» بتقريب: أن الامرأتين تقومان مقام الرجل، فتكون الستة قائمة مقام الثلاثة رجال، فيتم مع الرجل شهادة الأربعة رجال، لا يقال: فعلى هذا تقبل شهادة الثمانية نسوة.

لأن النصوص دلت على عدم قبول شهادتهن منفردات إلا في القتل. فالحاصل:

قيام المرأتين مقام الرجل في كل مورد الّا حيث جاء النص على عدم القبول.

لكن يضعّفه ان الآية مخصّصة بما دل على عدم قبول شهادة النساء في الحدود، بناء على إطلاقه بالنسبة إليهن منضمات الى الرجال، خرج منه الأربع نسوة و الرجلان، و الثلاثة رجال و المرأتان. و بقي غيرهما تحت العام. كما أن هذا الدليل يقيد إطلاق خبر عبد الرحمن البصري بغض النظر عن شذوذه.

286

[2] من حقوق اللّه: ما يثبت بشاهدين كالسرقة و شرب الخمر

قال المحقق (قدس سره): و هو ما عدا ذلك من الجنايات الموجبة للحدود كالسرقة و شرب الخمر و الردة.

أقول: هذه الثلاثة التي ذكرها المحقق موجبة للحد و هو حق اللّه تعالى، و ان كان في السرقة حق الآدمي أيضا، و كذا الكلام في حقوق اللّه الماليّة كالزكاة و الخمس. فهذه كلها تثبت بشاهدين عدلين، و الدليل على ذلك إطلاقات أدلة حجية البينة فإنها تقتضي قبول شهادة العدلين في كل مورد، و ان لم يكن هناك دليل على عدم قبول شهادة غيرهما.

و استدل في الجواهر مع ذلك بخبر مسمع بن عبد الملك عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «ان أمير المؤمنين (عليه السلام) كان يحكم في زنديق إذا شهد عليه رجلان عدلان مرضيان و شهد له ألف بالبراءة يجيز شهادة الرجلين و يبطل شهادة الألف لأنه دين مكتوم» (1) فإنه يدل على ثبوت الحد بشهادة العدلين في هذا المورد، لكن في دلالته على ثبوت بذلك في غيره بإلغاء الخصوصية إشكال.

و استدل أيضا بخبر عمرو بن خالد عن زيد بن علي عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام): «سئل رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) عن الساحر فقال:

إذا جاء رجلان عدلان فيشهدان عليه فقد حل دمه» (2). لكنه يتوقف على إلغاء الخصوصية و هو مشكل.

و في المسالك: «الأصل في الشهادة شهادة الرجلين».

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 303 الباب 51 شهادات. ضعيف.

(2) وسائل الشيعة 18- 303 الباب 51 شهادات.

287

و فيه: ان كون الأصل في الشهادة شهادة الرجلين يتوقف على الاستقراء أو إلغاء الخصوصية في الخبرين.

فالأولى الاستدلال بإطلاق أدلة البينة كقوله (صلى اللّه عليه و آله): «إنما أقضي بينكم بالبينات و الايمان» فإنه مطلق، و قول الصادق (عليه السلام) لابنه إسماعيل: «إذا شهد عندك المؤمنون فصدّقهم» (1) و خبر مسعدة بن صدقة:

«و الأشياء كلها على هذا حتى تستبين أو تقوم به البينة» (2) و نحوها غيرها (3)، فإنها تدل على قبول شهادة العدلين في كل مورد، و ان الأصل ذلك الّا فيما استثني، و على الجملة: انه يكفي ذلك للدلالة على قبول الشهادة العدلين و عدم قبول شهادة غيرهما، و في كل مورد قبل فبدليل، كالنصوص الدالة على قبول شهادة النساء فيما لا سبيل للرجال اليه.

و أما الاستدلال لذلك بقوله تعالى «وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ» فيتوقف على أن يكون المستفاد منها كون شهادة العدلين حكما كليا طبّق في ذلك المورد، و أما إذا كان حكما خاصا به فلا إطلاق.

و لما كانت الاخبار تعين المصداق للبيّنة في الرجلين العدلين في موارد كثيرة أمكن دعوى تبادر هذا المعنى من لفظ «البيّنة» في عرف المتشرعة.

قال المحقق (قدس سره): و لا يثبت شي‌ء من حقوق اللّه تعالى بشاهد و امرأتين، و لا بشاهد و يمين، و لا بشهادة النساء منفردات و ان كثرن.

أقول: قد ذكرنا أن مقتضى الأدلة قبول شهادة العدلين في كل مورد، و ان‌

____________

(1) وسائل الشيعة 13- 230 الباب 6 في أحكام الوديعة. صحيح.

(2) وسائل الشيعة 12- 60 الباب 4 من أبواب ما يكتسب به. موثق.

(3) قد بحث المحقق النراقي هذا الموضوع في عوائد الأيام ص 273 و ذكر الأدلة عليه. فراجعه.

288

كل مورد اعتبر فيه غير ذلك فبدليل، و قد وردت نصوص في قبول شهادة النساء في موارد خاصة، و قد يقال بالنسبة الى غير تلك الموارد بإطلاق «فَإِنْ لَمْ يَكُونٰا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتٰانِ» فلا يختص قيام المرأتين مقام الرجل بمورد الآية. لكن النصوص تنفي هذا الإطلاق، و تصرّح بأنه حكم خاص بموردها و هو «الدين»، هذا بالإضافة الى ما دل على عدم قبول شهادة النساء في الحدود، فلا دليل على قبول شهادتهن، فيبقى اعتبار «البيّنة».

و من تلك النصوص التي أشرنا إليها (1):

1- خبر جميل بن دراج و محمد بن حمران عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

2- خبر محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام).

3- خبر زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام).

[1] من حقوق الآدمي: ما لا يثبت الا بشاهدين كالطلاق

قال المحقق: و أما حقوق الآدمي فثلاثة، منها: ما لا يثبت الا بشاهدين و هو الطلاق و الخلع و الوكالة و الوصية اليه و النسب و رؤية الأهلة.

أقول: القسم الأول: ما لا يثبت الا بشاهدين، فلا يجزي فيه النساء منضمّة إلى الرجال فضلا عن الانفراد، و لا اليمين مع الشاهد، قال في المسالك:

مورد الشاهدين من حقوق الآدمي كلما ليس بمال و لا المقصود منه المال، و في الدروس نسبة هذا الضابط إلى الأصحاب، و في كشف اللثام: ما يطلع عليه الرجال غالبا و ما لا يكون. لكن في الجواهر: لم أقف في النصوص على ما يفيد هذا الضابط، بل فيها ما ينافيه.

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 258 الباب 24 شهادات. باب ما تجوز شهادة النساء فيه و ما لا تجوز.

289

[أما الطلاق] فيدل على عدم ثبوته الّا بشاهدين ذكرين عدّة من النصوص (1) و منها:

1- الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «انه سئل عن شهادة النساء في النكاح. فقال: تجوز إذا كان معهن رجل، و كان علي (عليه السلام) يقول: لا أجيزها في الطلاق».

2- أبو بصير: «سألته عن شهادة النساء. فقال: تجوز شهادة النساء وحدهن على ما لا يستطيع الرجال النظر اليه. و تجوز شهادة النساء في النكاح إذا كان معهن رجل، و لا تجوز في الطلاق.»‌

3- محمد بن الفضيل عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) في حديث:

«و لا تجوز شهادتهن في الطلاق».

4- محمد بن مسلم قال: «قال لا تجوز شهادة النساء في الهلال و لا في الطلاق».

5- زرارة: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن شهادة النساء تجوز في النكاح؟

قال: نعم و لا تجوز في الطلاق.».

6- أبو الصباح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال علي (عليه السلام):

شهادة النساء تجوز في النكاح و لا تجوز في الطلاق.».

فهذه الاخبار صريحة في عدم ثبوت الطلاق بشهادة النساء مطلقا، و عن الغنية الإجماع عليه أيضا. و لكن اختلف كلام الشيخ في ثبوت الطلاق بشهادتهن منضمات، فعن الخلاف و النهاية النص على المنع.

و عن المبسوط أنه قوى القبول. قال في المسالك: و اليه ذهب جماعة، و هو ضعيف، و في الجواهر: انه لم يجد القول به الا ما يحكى عن أبي على‌

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 258 الباب 24 شهادات و فيها الصحيح و غيره.

290

انه قال: لا بأس بشهادتهن مع الرجال في الحدود و الأنساب و الطلاق».

نعم في كشف اللثام: «لكن أخبار الطلاق يحتمل شهادتهن حين الطلاق» و اعترضه في الجواهر بقوله:- «و هو مع بعده فيها ما لا يقبله كالمروي عن العلل و العيون بأسانيده الى محمد بن سنان. و في خبر داود بن الحصين.

(قال): و من الأخير يستفاد عدم الاجتزاء فيه أيضا بالشاهد و اليمين».

قلت: قد ذكرنا أن الأصل المستفاد من أدلة اعتبار البينة عدم القبول الا بدليل، و مع هذا الأصل لا حاجة الى الدليل على عدم القبول، بل يكفي عدم الدليل على القبول [1].

[و اما الخلع] فان كانا متوافقين على البينونة و انما النزاع في الحقوق المالية المترتبة عليها- كأن تدعي الزوجة كون الطلاق رجعيا و تطالب بالمهر، و يدعي الزوج وقوعه خلعا و بذل المرأة المهر- فحينئذ تقبل شهادتهن في أنها بذلت المهر في مقابل الطلاق. و ان كان نزاعهما في أصل البينونة- كأن تدعي المرأة الخلع و تعترف بالبذل، فلا رجوع، و الرجل يدعي الرجوع و يدفع إليها المهر- فليس المتنازع فيه حقا ماليا، بل البينونة تدعيها المرأة و ينكرها الرجل فلا تقبل شهادتهن حينئذ.

و قيل: إذا تنازعا في المال و ثبت الحق بشهادة العدلين كان اللازم كون الطلاق خلعا.

و قيل: إذا ثبت الطلاق ثبت الحق المالي بالتبع.

و قيل: ان في الخلع جهتين فتقبل في الجهة المالية و لا تقبل في غير المالية.

____________

[1] أقول: ما ذكره السيد الأستاذ هو الاولى في الجواب، إذ يمكن مناقشة الجواهر بأن ما لا يقبل الاحتمال المذكور ضعيف سندا، و التام سندا يقبله.

291

نظير السرقة حيث يثبت الحق المالي و لا يحد. و أجيب بالفرق بين الأمرين إذ السرقة تتحقق بلا شاهد، بخلاف الطلاق فإنه لا يثبت بدونه. و الطلاق يلازم الحق المالي، بخلاف السرقة ففيها حكمان قد يثبت أحدهما و لا يثبت الأخر.

[و أما الوكالة] فليست من الأمور المالية- و ان تضمنت مالا أو انجرت اليه- فلا تثبت الا بشاهدين بناء على الضابط المذكور، و ان كان المرجع في المقام هو مفاد الاخبار من ان الملاك القبول في كل ما هو «حق» لا «حكم» قبلت شهادتهن في الوكالة ان كانت من الحقوق، و لم يرد في المنع عن القبول فيها نص خاص كما هو الظاهر.

و بناء على تقييد الحق بالمالي من ورود النص الخاص بقبول شهادتهن في «الدين» فان تعميم الحكم الى كل حق مالي يتوقف على إلغاء خصوصية الدين كما هو واضح.

[و أما الوصية] ففيها بالخصوص نصوص، فلا بد من النظر الى مفادها.

و لا يكفي الأخذ بالضابط في موردها.

[و أما النسب] فهو أمر واقعي يترتب عليه آثار مالية و غيرها، و ليس من الحقوق و لا الأموال، فلا يثبت الا بشاهدين عدلين.

[و أما رؤية الهلال] ففيها نصوص خاصة صريحة في عدم قبول شهادتهن و ان استلزمت مالا كحلول أجل الدين مثلا، و من هذه النصوص (1):

1- خبر محمد بن مسلم. و قد تقدم.

2- عبد اللّه بن سنان: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول. لا تجوز شهادة النساء في رؤية الهلال.».

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 258 الباب 24 شهادات.

292

3- حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «لا تقبل شهادة النساء في رؤية الهلال، و لا يقبل في الهلال الا رجلان عدلان».

4- العلاء عن أحدهما: «لا تجوز شهادة النساء في الهلال.».

نعم عن داود بن الحصين عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث طويل قال: «لا تجوز شهادة النساء في الفطر إلا شهادة رجلين عدلين، و لا بأس في الصوم بشهادة النساء و لو امرأة واحدة» (1).

قال في الوسائل: «قال الشيخ: الوجه في هذا الخبر ان يصوم الإنسان بشهادة النساء استظهارا و احتياطا، دون ان يكون ذلك واجبا».

قلت: و لعل وجه هذا الحمل- و عدم تخصيص تلك النصوص بهذا الخبر بان تقبل شهادتهن في الصوم خاصة- هو إباء تلك النصوص عن التخصيص، لا سيما و ان بعضها معلل بضعف رؤية النساء.

هل يثبت العتق و القصاص و النكاح بالشاهد و المرأتين؟

قال المحقق: و في العتق و القصاص و النكاح تردد أظهره ثبوته بالشاهد و المرأتين.

أقول: [أما العتق]: فان كان مالا من جهة أنه يتعلق بالعبد و هو مال مملوك فتقبل، إذ يكون الشهادة على العتق كالشهادة على تلف مال، و ان لم يكن العتق مالا بل كان النظر إلى جهة الخروج عن الرقية فلا. و من هنا تردد المحقق ثم اختار الثبوت وفاقا للمبسوط و خلافا للخلاف، و خالفه في المسالك.

[و أما القصاص] فقد نص المحقق في كتاب القصاص على عدم الثبوت و لعل نظره هنا إلى الدية و هي مال. و الاخبار في بعضها: «إلا في القتل» و في آخر «إلا في القود» فيحمل أحدهما على القتل الخطأي و الأخر على العمدي.

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 266.

293

[و أما النكاح] فإنه ليس من حيث هو مالا، لكن جهة الدعوى تختلف فان كان النظر فيها الى المهر و النفقة و الإرث فذلك مال و تقبل، و الا فلا.

هذا بالنظر الى الضابطة المذكورة في أول البحث.

و أما الاخبار فإنها بالنسبة إلى القصاص مختلفة، و قد اختلف بتبعها كلمات الأصحاب، و هذه نصوص بعضها (1):

1- جميل بن دراج و محمد بن حمران «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلنا أ تجوز شهادة النساء في الحدود؟ فقال: في القتل وحده. ان عليا (عليه السلام) كان يقول: لا يبطل دم امرئ مسلم».

ظاهره العدم في حال وجود الرجال، إذ لا يبطل دم المسلم حينئذ.

2- أبو بصير: «سألته عن شهادة النساء. فقال: تجوز شهادة النساء وحدهن على ما لا يستطيع الرجل النظر اليه. و تجوز شهادة النساء في النكاح إذا كان معهن رجل، و لا تجوز في الطلاق، و لا في الدم.».

ظاهره عدم القبول لا في القصاص و لا في الدية.

3- إبراهيم الحارثي: «. و تجوز شهادتهن في النكاح، و لا تجوز في الطلاق و لا في الدم.».

4- زرارة: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن شهادة النساء تجوز في النكاح؟ قال: نعم و لا تجوز في الطلاق (الى أن قال): قلت: تجوز شهادة النساء مع الرجال في الدم؟ قال: لا».

5- أبو الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال قال علي (عليه السلام): شهادة النساء تجوز في النكاح. و قال: تجوز شهادة النساء في الدم مع الرجال».

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 258 الباب 24 شهادات.

294

6- ربعي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «لا تجوز شهادة النساء في القتل» قال في الوسائل: حمله الشيخ على عدم ثبوت القود، و ان ثبتت بشهادتهن الدية.

7- غياث بن إبراهيم: «عن جعفر بن محمد عن أبيه عن علي (عليه السلام): لا تجوز شهادة النساء في الحدود و لا في القود».

8- موسى بن إسماعيل بن جعفر: «عن أبيه عن آبائه عن علي (عليه السلام): لا تجوز شهادة النساء في الحدود و لا قود».

قال في المسالك: الأخبار مختلفة و أصحها و أكثرها دال على القبول، و عليه الأكثر.

أقول: ان كلا من أخبار الطرفين فيها ما يمنع أو يدل على القبول بالإطلاق و فيها ما يدل على ذلك مقيدا. و الدال على المنع مقيدا هو الخبران الأخيران فإنه مقيد بالقود. أي: تجوز في الدية. و الدال على الجواز مقيدا خبرا زرارة و أبي الصباح الدالان على القبول مقيدا بكونهن مع الرجال. و مقتضى الجمع بين المقيدين: عدم القبول في القود إلا إذا كان معهن رجل. فيكون دليل القول بثبوت غير موجب القصاص بشهادتهن مع الرجال.

و ان قلنا بالتعارض بينهما بالعموم من وجه، لان ذاك يمنع في القود سواء مع الرجل أو لا، و هذا يجوز إذا كان معهن رجل سواء في القود و غيره، و إذا تعارضا في مورد الاجتماع- و هو القود مع وجود الرجل معهن- و تساقطا كان ثبوت القود بشهادتهن حتى مع الرجال بلا دليل، و تقبل شهادتهن مع الرجل في الدية. و يكون هذا شاهد جمع بين المانع بالإطلاق و الدال على القبول بالإطلاق، فيحمل المانع على غير الدية و هو القود، و المجوز على الدية دون القود، و هذا دليل هذا القول.

و حيث لا يقبل شهادتهن في القود فهل معنى ذلك عدم ثبوت القصاص و لا‌

295

الدية، أو انه لا يقبل في القود و يتنزل إلى الدية؟ وجهان. و هذا البحث يجري في الشهادة على المحصنة، فإذا قيل لا تقبل في الرجم ليس معناه ثبوت الجلد عوض الرجم.

في الجواهر ان شهادتهن لا تقبل في القود، لا أنها تقبل و لكن تؤخذ الدية بدلا عن القتل. و ظاهر الجمع الذي ذكرناه تبعا للنهاية هو القبول في الدية، نعم كلام الشيخ مجمل، إذ لم يصرح باختياره أحد الوجهين.

و كيف كان ففي الجواهر: «لا بأس بقبول شهادتهن بالقتل المقتضي للدية و إذا أمكن الجمع بين النصوص بذلك كان أولى، و الا كان الترجيح للنصوص النافية قبول شهادتهن فيه. و أما الجمع بينها بحمل النافية على شهادتهن منفردات و المثبتة على صورة الانضمام مع رجل، فلا يقبله ظاهر بعضها أو أكثرها».

قلت: و الجمع الذي تعرض له مذكور في المسالك، و الظاهر أنه الاولى.

قال في المسالك: و اعلم أن محل الاشكال شهادتهن منضمات الى الرجال أما على الانفراد فلا تقبل شهادتهن قطعا. و شذ قول أبي الصلاح بقبول شهادة امرأتين في نصف دية النفس و العضو و الجراح، و المرأة الواحدة في الربع».

قال في الجواهر: و هو كذلك إذا كان المراد بالانفراد حتى عن اليمين.

أما معه فالظاهر قبول المرأتين فيما يوجب الدية كالرجل مع اليمين.

يعني: انه يثبت حق الآدمي بشهادة المرأة مع الرجل أو يمين المدعي و الحق أعم من المالي و غيره الا ما قام الدليل على المنع فيه. فتحمل فتوى أبي الصلاح على شهادتها مع يمين المدعي، لا شهادتها منفردة.

و أما في النكاح فالأخبار تدل على الثبوت، كأخبار أبي بصير، و أبي الصباح و زرارة و غيرها. و الدال على المنع هو:

خبر السكوني: «عن جعفر عن أبيه عن علي (عليه السلام) انه كان يقول‌

296

شهادة النساء لا تجوز في طلاق و لا نكاح و لا حدود، إلا في الديون، و ما لا يستطيع الرجال النظر اليه» (1).

قال في الوسائل: حمله الشيخ على التقية و الكراهة. و استدل على كونه للتقية برواية داود بن الحصين السابقة.

قلت: بالإضافة الى ما في سنده من الكلام.

لكن لا يخفى ان الحمل على التقية و نحوه هو بعد الفراغ عن تعذر الجمع بالإطلاق و التقييد، و من الممكن الجمع كذلك بينه و بين ما دل على الجواز مثل خبر الحلبي: «تجوز إذا كان معهن رجل» المقيد لما دل على الجواز مطلقا كخبر أبي بصير ان كان مطلقا.

[2] من حقوق الآدمي: ما يثبت بالشاهدين و الشاهد و اليمين و غيرهما كالديون

قال المحقق (قدس سره): و منها ما يثبت بشاهدين و بشاهد و امرأتين و بشاهد و يمين، و هو الديون و الأموال، كالقرض و القراض و الغصب و عقود المعاوضات كالبيع و الصرف و السلم و الصلح و الإجارة و المساقاة و الرهن و الوصية له و الجناية التي توجب الدية.

أقول: القسم الثاني من حقوق الآدمي هو الحقوق المالية، أي ما كان متعلق الدعوى فيه مالا كالديون و الأموال أو المقصود منه المال كعقد البيع و الجناية التي توجب الدية كالخطإ و شبه العمد و الجروح غير القابلة للقصاص.

فهذا القسم من الحقوق يثبت بأحد الاقسام الاتية من الشهادة:

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 267 الباب 24 شهادات.

297

1- شهادة الرجلين

فالأول- أن يشهد شاهدان. و يدل على ثبوته بشاهدتهما الكتاب و السنة و الإجماع. فلا كلام في هذا الموضوع.

2- شهادة الرجل و الامرأتين

و الثاني- أن يشهد رجل و امرأتان- و استدل لثبوته بذلك من الكتاب بقوله تعالى «وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونٰا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتٰانِ» الا أن في الاستدلال بها هنا تأملا من جهة أن ظاهرها قبول هذه الشهادة في حال عدم الرجلين، لانه قال: «فَإِنْ لَمْ يَكُونٰا.» و يدل على ذلك بعض الاخبار كخبر داود بن الحصين- الاتي نصه الوارد في تفسير الآية، لكن ظاهر عبارات الأصحاب كالمحقق عدم تعليق قبولها على عدم الرجلين.

ثم ان مورد هذه الآية هو خصوص «الدين». و يدل على ذلك أيضا خبر داود بن الحصين الوارد في تفسيرها.

و من هنا لم يذكر بعض الأصحاب إلا «الدين» كما سيأتي.

و استدل من السنة بنصوص:

1- الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث: «قلت: تجوز شهادة النساء مع الرجل في الدين؟ قال: نعم» (1).

دل على قبول شهادة المرأتين مع الرجل. لكنه في الدين خاصة [1].

____________

[1] فهو يدل على الجهة الثانية، لكن ظاهره عدم التوقف على عدم الرجلين كما عليه عبارات الأصحاب. لكن يؤيد ظاهر الآية مرسلة يونس: «استخراج

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 258 الباب 24 شهادات. صحيح.

298

2- داود بن الحصين عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث: «و كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يجيز شهادة المرأتين في النكاح عند الإنكار و لا يجيز في الطلاق الا شاهدين عدلين. قلت: فأنى ذكر اللّه تعالى قوله فَرَجُلٌ وَ امْرَأَتٰانِ. فقال: ذلك في الدين إذا لم يكن رجلان فرجل و امرأتان و رجل واحد و يمين المدعي إذا لم يكن امرأتان. قضى بذلك رسول اللّه «ص» و أمير المؤمنين «ع» بعده عندكم» (1).

دل على ثبوت الحق بشهادتهما مع الرجل، لكن إذا كان دينا، و إذا لم يكن رجلان.

4- يونس عمن رواه قال: «استخراج الحقوق بأربعة وجوه، بشهادة رجلين عدلين، فان لم يكونا رجلين فرجل و امرأتان.» (2) و الحقوق عام يشمل الحقوق المالية كلها أيضا، فلا اختصاص بالدين.

لكنه مرسل. مع أنه ظاهر في توقف القبول على عدم الرجلين.

و هل تقبل شهادة المرأتين مع الرجل في كل ما كان مالا أو المقصود منه المال أو في خصوص الدين؟

قد عرفت ما في الاستدلال بالأخبار الثلاثة الأخيرة،. إما الآية و الخبران الآخران فتدل على القبول في الدين فحسب. و لهذا لم يذكر الشيخ في‌

____________

الحقوق بأربعة وجوه.» 18- 198. و عن تفسير العسكري (عليه السلام) 18- 198 بتفسير الآية: «عدلت امرأتان في الشهادة برجل واحد، فإذا كان رجلان أو رجل و امرأتان أقاموا الشهادة قضى بشهادتهم»

.

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 265 الباب 24 شهادات. معتبر.

(2) وسائل الشيعة 18- 198 الباب 15 من أبواب كيفية الحكم.

299

النهاية التي هي متون الاخبار الا الدين.

و قد أجاب في الجواهر بأن ما في ذيل الآية الكريمة من الاشهاد على البيع و هو قوله تعالى «وَ أَشْهِدُوا إِذٰا تَبٰايَعْتُمْ» ظاهر في إرادة الاشهاد السابق، الذي كان منه الرجل و المرأتان، متمما بعدم القول بالفصل.

قلت: ان ظاهر الآية كاف للاستدلال، و لا حاجة الى تتميمه بعدم القول بالفصل، إذ من البعيد جدا أن يراد بالشهادة في ذيل الآية غير الشهادة المذكورة في صدرها، إذ لو أراد غيرها لذكر. و لعله يريد عدم القول بالفصل بين الدين و البيع- أو بين البيع- و سائر عقود المعاوضات. لكن هذا يتوقف على تحقق عدم الفصل، و حينئذ فإن الآية صدرا و ذيلا تدل على عدم انحصار قبول الرجل و المرأتين بالدين. فلا مناص بعد ذلك من حمل «الدين» في الخبرين على أن المقصود منه المال، و هو المحكي عن المختلف بالنسبة إلى عبارة النهاية [1].

____________

[1] قال في المستند: المراد من الدين هو المال المتعلق بالذمة لغة و عرفا بأي سبب كان، و هو الدين بالمعنى العام الشامل للدين بالمعنى الأخص الذي هو القرض. و على هذا فيشمل الدين: الفرض و النسيئة و السلف و ثمن المبيع و الضمان و غرامة التالف و دية الجنايات، و غير ذلك مما يتعلق فيه المال بالذمة و يكون هو المقصود بالدعوى.

و قد ألحقوا بالدين جميع الدعاوي المالية أو ما يكون المقصود منه المال، و لأجله حكموا بالقبول في دعوى: الرهن و الإجارة و القراض و الشفعة و المزارعة و المساقاة و الهبة و الإبراء. و لا أرى لذلك الإلحاق دليلا. و قد أشار الى ذلك المحقق الأردبيلي.

300

و نوقش في الاستدلال للقبول بخبر الصيرفي: «كتبت الى الكاظم في رجل مات و له أم ولد و قد جعل لها سيدها شيئا في حياته ثم مات. فكتب: لها ما آتاها سيدها في حياته معروف ذلك لها، يقبل على ذلك شهادة الرجل و المرأة و الخدم غير المتهمين» (1) بأنه وارد في الوصية و ظاهر في إرادة ثبوتها بشهادة جنس الرجل و جنس الامرأة لأنها وصية [1].

و عن الخلاف و موضع من المبسوط منع قبول امرأتين و رجل في الوديعة، و حمله العلّامة على ما قيل على دعوى الودعي لا المالك.

أقول: هذا النزاع صغروي، فكأن الشيخ لا يوافق على كون النزاع في الوديعة نزاعا في مال، لا سيما غير المشروط فيها الضمان.

فأجاب في الجواهر بأن الودعي ينفي عنه الضمان و هو مال.

3- شهادة الرجل مع اليمين

و الثالث: أن يشهد رجل مع يمين المدعي. و هذا مراد المحقق من قوله‌

و بشاهد و يمين.

و يدل على قبول هذه الشّهادة عشرون نصّا، ورد في تسعة منها عنوان «الحق» (2) و هو ظاهر جدا في مطلق حقوق الناس، بل مفاد خبر درع طلحة ثبوت العين أيضا بهذه الشهادة.

و قد استدل صاحب الجواهر بفحوى هذه النصوص لثبوت مطلق الحق‌

____________

[1] أقول: ذكر السيد الأستاذ أن الخبر ظاهر في الهبة لا الوصية، و انه إذا كان ظاهرا في الجنس فهو مجمل، و الاخبار الأخرى مبينة له.

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 268 الباب 24 شهادات.

(2) أنظر الباب 14 من أبواب كيفية الحكم. وسائل الشيعة 18- 192.

301

بشهادة الرجل و الامرأتين، قال: «و بظهور خبر محمد بن خالد المزبور في أن الشاهد و اليمين قائم مقام الشاهد و المرأتين، و حينئذ فهما أولى من اليمين مع الرجل» [1].

و ربما يشكل عليه بأنه قياس. و فيه: ان هذا الاستدلال مبني على الاستظهار من النصوص و ليس قياسا. فان ظاهر المرسلة في استخراج الحقوق حيث ذكر أولا الرجلين العدلين فان لم يكونا فرجل و امرأتان، فان لم تكن امرأتان فرجل و يمين المدعي، هو قيام الرجل و اليمين مقام الرجل و الامرأتين فإذا ثبت الحق بشهادة الرجل و اليمين ثبت بشهادته مع الامرأتين بالأولوية.

شهادة الامرأتين مع اليمين

و تعرض صاحب الجواهر هنا لهذه المسألة لأجل أن يستدل بفحوى نصوصها لقبول شهادة الرجل و الامرأتين في مطلق الحقوق، فقال: «و بما ورد من إثبات الحق بالامرأتين مع اليمين، بل الظاهر ثبوت ذلك كله بهما مع اليمين، وفاقا للمشهور شهرة عظيمة، بل عن الشيخ في الخلاف الإجماع عليه».

أقول: مستند هذا الحكم:

1- ما رواه منصور بن حازم: «أن أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام)

____________

[1] المراد من خبر محمد بن خالد هو الخبر الذي تقدم بعنوان الصيرفي، (و انما قلنا الصيرفي للاختلاف في اسم الراوي في الكتب). لكن ليس فيه تعرض للشاهد و اليمين. و لعله «قده» يريد خبر محمد بن مسلم الذي ذكره من قبل. و هذا نصه: «لو كان الأمر إلينا أخذنا بشهادة الرجل الواحد إذا علم منه خير مع يمين الخصم في حقوق الناس».

302

قال: إذا شهد لطالب الحق امرأتان و يمينه فهو جائز» (1).

2- ما رواه الحلبي: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) ان رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) أجاز شهادة النساء مع يمين الطالب في الدين يحلف باللّه أن حقه لحق» (2).

دل بعضها على القبول في خصوص «الدين» و بعضها على القبول في «الحق» و مقتضى القاعدة هو القبول في مطلق الحقوق المالية.

و وجه الاستدلال بهذه النصوص لثبوت الحق بشهادة الرجل و الامرأتين هو أن الشارع اقام كلا من «المرأتين» و «اليمين» مقام «الرجل» فقبل شهادة «الرجل مع الامرأتين» و «شهادة الرجل مع اليمين» و حينئذ يقوم المجموع من «المرأتين و اليمين» مقام «الرجلين».

لكن ثبوت الحق بشهادة الامرأتين مع اليمين محل خلاف، فقد قال المحقق في النافع: «و لو انفردن كامرأتين مع اليمين فالأشبه عدم القبول» و هذا صريح المحكي عن السرائر و التنقيح و قضاء التحرير- و ان رجع عنه في الشهادات- و ظاهر سلار و الغنية. كما في الجواهر. قال: و الحلي منهم معذور على أصله. أي عدم اعتبار خبر الواحد. و لذا قال:

«جعلهما بمنزلة رجل يحتاج الى دليل و ليس، و حملهما على الرجل قياس، و الإجماع غير منعقد، و الاخبار غير متواترة، فإن وجدت فهي نوادر شواذ، و الأصل براءة الذمة. فمن أثبت بشهادتهما حكما شرعيا فإنه يحتاج إلى أدلة قاهرة. أما إجماع أو تواتر أخبار أو قرآن. و جميع ذلك خال منه».

لكن استغرب صاحب الجواهر من ابن إدريس- و تبعه المقداد- من دعوى‌

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 197 الباب 15 من أبواب كيفية الحكم. صحيح

(2) وسائل الشيعة 18- 198 الباب 15 من أبواب كيفية الحكم. صحيح.

303

ندرة النصوص و شذوذها، و حاول (رحمه اللّه) إثبات ندرة الرادين لها، قال:

لم نر لها رادا قبل ابن إدريس و لا من تأخر عنه الا النادر، لاختلاف فتوى المصنف، و الفاضل في التحرير قد رجع عن ذلك فيه فضلا عن قطعه بالحكم في باقي كتبه.

قال: و من هنا يمكن دعوى تحصيل الإجماع على ذلك. و تنقّح من جميع ما ذكرنا اتحاد موضوع الثلاثة، أي الشاهد و اليمين و الشاهد و المرأتين، و المرأتين مع اليمين، و هو كل حق آدمي أو المالي منه خاصة، على البحث الذي قدمناه في الشاهد و اليمين.

أقول: نعم الظاهر ثبوت الحق المذكور بكل واحد من الثلاثة المذكورة كشهادة الرجلين. لكن الاستدلال بنصوص الامرأتين مع اليمين لقبول الرجل مع الامرأتين بالأولوية يبتني على قبول المرأتين مع اليمين، و قد تعرف الإشكال في دعواه الإجماع على القبول من اعترافه بوجود الخلاف من التنقيح و المراسم و الغنية.

و أما الإشكال على القبول بعدم ذكر المرأتين مع اليمين في مرسلة يونس حيث ذكر فيه وجوه استخراج الحقوق فمندفع بإرساله أولا، و بتوقفه على المفهوم ثانيا، و بأن الحصر لو سلّم إضافي ثالثا.

هل تقبل شهادة النساء منفردات مطلقا؟

بقيت مسألة شهادة النساء منفردات عن الرجل و اليمين، قال في المسالك بعدم القبول قطعا و وافقه صاحب الجواهر. و لكن قد يستدلّ للقبول بما يلي:

1- الحلبي: «عن الصادق ان رسول اللّه أجاز شهادة النساء في الدين‌

304

و ليس معهن رجل» (1).

2- الحسن بن أبي عقيل: «قد روي عنهم ان شهادة النساء إذا كن أربع نسوة في الدين جائز» (2).

أقول: أما الأول فلعله حكاية عن قضية في واقعة، و من الجائز وجود اليمين معهن، و ان كان «جائز» بمعنى «نافذ» فإنه يجمع بينه و بين حسنته و صحيحة منصور المشتملين على اليمين، بناء على الجمع بين المطلق و المقيد المثبتين حيث يعلم بوحدة الحكم فيهما، مثل أعتق رقبة و أعتق رقبة مؤمنة، فلو كان مطلق الرقبة مفرغا للذمة كان تقييدها بالمؤمنة لغوا. على ان هذا الخبر مجمل فلم يتبين فيه عدد النساء.

و أما الثاني فخبر مرسل. و في الجواهر عمن ذكره أنه لم يقف على حقيقته و انه لم يصح عنده من طريق المؤمنين.

و من هنا قال في الجواهر: لا تقبل شهادة النساء منفردات في شي‌ء من ذلك و ان كثرن، بلا خلاف محقق أجده.

هل يثبت الوقف بشاهد و امرأتين و بشاهد و يمين؟

قال المحقق: في الوقف تردد. أظهره انه يثبت بشاهد و امرأتين، و بشاهد و يمين.

أقول: وجه تردد المحقق في القبول في الوقف هو الاختلاف في أنه هل ينتقل الى اللّه تعالى أو الى الموقوف عليه أو يبقى على ملك المالك، و حيث أن مختار المحقق هو الثاني فإنه يثبت بشاهد و امرأتين و بشاهد و يمين لأنه‌

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 262 الباب 24 شهادات. صحيح.

(2) الجواهر 41- 169. مرسل.