كتاب الشهادات

- السيد محمد رضا الگلپايگاني المزيد...
461 /
305

مال للموقوف عليه فهو من حقوق الناس، و قد قيد القبول بذلك في الجواهر تبعا للمسالك بأنه ان كان موقوفا على محصور، فلو كان على غير محصور أشكل كونه ملكا لهم لعدم العرفية في اعتبار الملكية لغير المحصور، و لعدم تصوير النزاع حينئذ، لأن كلا من المدعي و المدعى عليه مالك، و علله في المسالك بأنه إذا كان على غير محصور فلا يمكن حلفه. أي لأن يمين الشخص في غير ماله غير مقبولة، فيكون غير المحصور ملكا للّه ملكا اعتباريا و للكل الانتفاع بمنافعه. أما إذا كان على محصور ففي الجواهر انه تجري عليه جميع أحكام الملك عدا الامتناع عن نقله، و ذلك لا يخرجه عن الملكية كأم الولد.

على أنه قد يجوز بيعه في بعض الأحوال.

و ذهب الشيخ في الخلاف الى عدم ثبوت الوقف بذلك. قال: لان الوقف ليس بمال للموقوف عليه، بل له الانتفاع به فقط دون رقبته.

فظهر أن الخلاف في المقام مبني على الخلاف في الوقف.

و الأشبه من التفصيل بين المحصور و غير المحصور هو التفصيل بين ما إذا كان الموقوف عليه الأشخاص عموما أو خصوصا و ما إذا كان الوقف على الجهة، فيثبت في الأول دون الثاني. بل يثبت في الأول حتى على القول بعدم ملكية المنفعة و القول بجواز الانتفاع كالجلوس في المسجد. و من فروع هذه المسألة:

ما إذا أقام الشخص عن مكانه في المسجد فصلى في مكانه، فعلى القول بالملكية تبطل صلاته دون القول بجواز الانتفاع.

و منها ما في العروة الوثقى من أن الأحوط للموقوف عليهم في الأوقاف الخاصة دفع الخمس. فيفيد عدم الخمس إذا كان الوقف عاما. فإذا كان البستان وقفا على الأولاد فعلى القول بالملكية يملكون الاثمار و عليهم الخمس،

306

و أما إذا كان وقفا على عموم الناس فلا يملك أحد شيئا، بل لهم الاستفادة منها فلا خمس. نعم يجب بناء على اعتبار الملكية للعموم.

و الحاصل أن الأشبه هو القبول فيما إذا كانت الدعوى في مال أو فيما يقصد به المال، أعم من العين و المنفعة.

ثم ذكر الجواهر مصاديق أخرى من موارد الثبوت بالشاهد و اليمين، و هي حقوق الأموال، كالأجل و الخيار اشتراطا و انقضاء و الشفعة و فسخ العقد المتعلق بالأموال، و قبض نجوم الكتابة أو غيرها من الأموال، لأن جميعها حق آدمي، بل المقصود منها أجمع ثبوت مال أو زواله. بل و كذا النجم الأخير من الكتابة، و ان توقف فيه الفاضل في القواعد، لكنه في غير محله، خصوصا بناء على ما ذكرناه».

قلت: وجه توقّف العلّامة في القواعد احتمال كون النزاع حينئذ في الحرية و هي ليست بمال.

[3] من حقوق الآدمي: ما يثبت بالرجال و النساء مطلقا

قال المحقق قده: الثالث: ما يثبت بالرجال و النساء منفردات و منضمات و هو الولادة و الاستهلال و عيوب النساء الباطنة.

أقول: القسم الثالث ما يثبت بشهادة النساء منفردات عن الرجال و اليمين و منضمات أمور، و ضابطها ما يعسر اطلاع الرجال عليه أو يحرم أو لا يكون عادة. و الحكم الكلي في قبول شهادة النساء كونهن أربع نسوة. لكن في المستند اشتراط ضم اليمين و ان كن أربع نسوة.

و من صغريات هذا الضابط «الولادة» و «استهلال المولود» أي صياحه و بكاؤه عند الولادة، و «عيوب النساء الباطنة كالقرن و نحوه». أما الظاهرة‌

307

كالعرج و نحوه فلا.

و الحكم بالثبوت في هذه الموارد لا خلاف فيه كما في الجواهر و عن كاشف اللثام، لمسيس الحاجة، و للنصوص (1):

1- الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث: «و سألته عن شهادة القابلة في الولادة. قال: تجوز شهادة الواحدة. و قال: تجوز شهادة النساء في المنفوس و العذرة».

2- أبو بصير: «سألته عن شهادة النساء فقال: تجوز شهادة النساء وحدهن على ما لا يستطيع الرجال النظر (ينظرون) إليه.»‌

3- إبراهيم الحارقي (ثي) قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول:

تجوز شهادة النساء فيما لا يستطيع الرجال أن ينظروا اليه و يشهدوا عليه.»‌

4- محمد بن الفضيل عن الرضا (عليه السلام) في حديث: «قال: تجوز شهادة النساء فيما لا يستطيع الرجال أن ينظروا اليه و ليس معهن رجل».

5- محمد بن مسلم: «سألته عن النساء تجوز شهادتهن؟ قال: نعم في العذرة و النفساء».

6- عبد اللّه بن بكير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «تجوز شهادة النساء في العذرة و كل عيب لا يراه الرجل».

7- عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث: «تجوز شهادة النساء وحدهن بلا رجال في كل ما لا يجوز للرجال النظر اليه».

8- داود بن سرحان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «أجيز شهادة النساء في الغلام (الصبي) صاح أو لم يصح. و في كل شي‌ء لا ينظر اليه الرجال تجوز شهادة النساء فيه».

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 258 الباب 24 شهادات.

308

9- السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «أتي أمير المؤمنين (عليه السلام) بامرأة بكر زعموا أنها زنت. فأمر النساء فنظرت إليها فقلن هي عذراء.

فقال: ما كنت لا ضرب من عليها خاتم من اللّه. و كان يجيز شهادة النساء في مثل هذا».

10- العلاء عن أحدهما (عليهما السلام) قال: «لا تجوز شهادة النساء في الهلال. و سألته هل تجوز شهادتهن وحدهن؟ قال: نعم في العذرة و النفساء».

و هل تثبت الأمور المذكورة بشهادة الرجلين أو الرجل و المرأتين كما إذا جاز النظر أو اتفق، أو نظر و تاب أم لا؟

قال في الجواهر: الثبوت هو المشهور كما في كشف اللثام. و نسبه في المستند الى ظاهر كلام الأصحاب، و استدل لذلك بالعمومات، كمرسلة يونس في استخراج الحقوق قال في الجواهر: بل لم أتحقق فيه خلافا و ان حكي عن القاضي انه قال: لا يجوز أن يكون معهن أحد من الرجال. لكن يمكن أن يريد الحرمة بدون الضرورة على الأجانب، فإن تعمدوا ذلك خرجوا عن العدالة. لا أنه لا يجوز لهم الاطلاع مع الضرورة أو لا تقبل شهادتهم و ان اتفق اطلاعهم عليه، لحلية أو من غير عمد أو قبل عدالتهم، و على تقديره فلا ريب في ضعفه.

و هل تقبل شهادة النساء منفردات في الرضاع؟

هذا. و قد اختلفوا في قبول شهادتهن في الرضاع.

قال المحقق:

و في قبول شهادة النساء منفردات في الرضاع خلاف أقربه الجواز.

أي: تبعا للمفيد و سلار و ابن حمزة كما في المختلف، قال: و هو الظاهر من كلام ابن الجنيد و ابن أبي عقيل، بل ظاهر المحكي عن ناصريات السيد الإجماع عليه. خلافا لظاهر المبسوط بل في المسالك ان عليه الأكثر، بل‌

309

صريح الخلاف الإجماع عليه.

استدل للقبول بأن الرضاع أيضا من الأمور التي لا يطلع عليها الا النساء غالبا، و هو مما لا يجوز أو يعسر للرجال أو ليس من عادتهم النظر اليه. قالوا:

و يؤيد ذلك إطلاق قول الباقر (عليه السلام) في خبر ابن أبي يعفور: «تقبل شهادة المرأة و النسوة إذا كن مستورات» (1) و بالمفهوم في خبر ابن بكير عن الصادق (عليه السلام): «في امرأة أرضعت غلاما و جارية. قال: يعلم ذلك غيرها؟

قلت: لا. قال: لا تصدق ان لم يكن غيرها» (2).

دلّ على أنها تصدق ان كان معها غيرها. و «غير» مطلق يعم الرجال و النساء، ان لم نقل بأنه منصرف الى النساء خاصة. ثم ان إرساله لا يضر لان ابن بكير من أصحاب الإجماع.

و قال المانعون بأن الرضاع مما يمكن اطلاع الرجال عليه فلا يندرج تحت النصوص المزبورة. و الأصل عدم القبول، بل في المبسوط عن أصحابنا أنهم رووا: لا يقبل شهادة النساء في الرضاع.

و أجيب عن إجماع الخلاف بالمنع، فالمسألة مختلف فيها، بل الشيخ نفسه رجع عن القول بالمنع الى القول بالقبول في المحكي من شهادات المبسوط الذي هو متأخر عن كتاب الخلاف، و الشهادات متأخرة في المبسوط عن الرضاع. و لعلّ معقد هذا الإجماع هي قاعدة «ما يجوز للرجال النظر اليه فلا تقبل شهادة النساء فيه» فإنها قاعدة مسلمة عند الكل بلا خلاف، ثم لما‌

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 294 الباب 41 شهادات. و رواية «عبد الكريم بن أبي يعفور «لا توثيق له، لكن الراوي له عنه أخوه.

(2) وسائل الشيعة 14- 304 الباب 12 من أبواب ما يحرم بالرضاع.

مرسل.

310

جعل الرضاع مصداقا لهذه القاعدة ادعي الإجماع على عدم القبول فيه. الا أن الخلاف في المصداق.

و عن الأصل بانقطاعه بالنصوص.

و عن قول الشيخ: «عن أصحابنا أنهم رووا.» بأنه خبر مرسل لا وجود له في الأصول، و لا هو مقبول عند الشيخ في الموضع الذي نقله، فإنه حكاه في شهادات المبسوط الذي حكي عنه القول بالقبول فيه.

هذا، و المختار هو القبول لان الرضاع من الأمور التي لا يطلع عليها الرجال غالبا لا سيّما مع تأييده بمفهوم المرسلة المعتبرة سندا و دلالة. و بها ينقطع أصالة الإباحة التي ذكرها في المسالك دليلا للمنع- و لعلهم يريدون أصالة إباحة النكاح بين البنت و الغلام حتى يثبت المحرمية بينهما بالرضاعة و من هنا قال الشهيد الثاني: و لا يخفى ضعف الأصالة.

قال في الجواهر: «و في ما حضرني من نسخ الشرائع متصلا بذلك: و يقبل شهادة امرأتين مع رجل في الديون و الأموال. و شهادة امرأتين مع اليمين، و لا تقبل فيه شهادة النساء منفردات و لو كثرن».

قال:: الا انه لا يخفى عليك عدم مناسبته للعنوان. و لعله لذا لم يشرحها فيها حضرني من نسخة المسالك، لسقوط ذلك من نسخته، و على فرض صحتها فقد تقدم الكلام في ذلك مفصلا.

مورد قبول المرأة الواحدة

قال المحقق (قدس سره): و تقبل شهادة المرأة الواحدة في ربع ميراث المستهل و في ربع الوصية،

أقول: سيأتي في الفرع التالي أن كل موضع يقبل فيه شهادة النساء منفردات‌

311

عن الرجال و اليمين يعتبر كونهن أربعا، فلو كن ثلاثة لم تؤثر شهادتهن، إلا في الوصية بالمال و ميراث المستهل، فان هذين الموردين مستثنيان بنص خاص دل على أنه يثبت جميع المشهود به بشهادة أربع، و ثلاثة أرباعه بشهادة ثلاث و نصفه بشهادة اثنتين، و ربعه بواحدة.

قال في الجواهر: بلا خلاف أجده فيه، بل عن الخلاف و السرائر الإجماع عليه.

و يدل على ثبوت الربع بالواحدة ما رواه عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «عن رجل مات و ترك امرأته و هي حامل، فوضعت بعد موته غلاما. ثم مات الغلام بعد ما وقع إلى الأرض، فشهدت المرأة التي قبلتها أنه استهل و صاح حين وقع إلى الأرض ثم مات. قال: على الامام أن يجيز شهادتها في ربع ميراث الغلام» (1).

و على ثبوت النصف بالاثنتين ما رواه عبد اللّه بن سنان قال: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: تجوز شهادة القابلة في المولود إذا استهل و صاح في الميراث. و يورّث الربع من الميراث بقدر شهادة امرأة واحدة. قلت:

فان كانت امرأتين؟ قال: تجوز شهادتهما في النصف من الميراث» (2).

و على ثبوت ثلاثة أرباع بالثلاث و الكل بالأربع ما رواه الصدوق قال:

«و في رواية اخرى: ان كانت امرأتين تجوز شهادتهما في نصف الميراث، و ان كن ثلاثة نسوة جازت شهادتهن في ثلاثة أرباع الميراث، و ان كان أربعا جازت شهادتهن في الميراث كله» (3).

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 259 الباب 24 من كتاب الشهادات. صحيح.

(2) وسائل الشيعة 18- 267 الباب 24 من كتاب الشهادات. صحيح.

(3) وسائل الشيعة 18- 268 الباب 24 من كتاب الشهادات. مرسل.

312

و هنا فروع:

أ- هل لوالدي الغلام المستهل ربع الميراث منه لو بقي و كبر و مات قبلهما كما يثبت له ربع الميراث من أبيه إذا استهل ثم مات؟ الظاهر- بعد حرمة القياس و الاستحسان و عدم إحاطة العقل بملاكات الاحكام- هو الوقوف على مورد النص.

ب- هل كما يثبت ربع الميراث يترتب الآثار الأخرى من النسب و المحرمية و نحوهما لو بقي و كبر؟ الظاهر العدم، و الوقوف على حد دلالة النص، و عدم ترتيب الآثار الأخرى و لو كان بينها و بين ثبوت الإرث ملازمة، فيكون المورد من قبيل الأصل في عدم حجية لوازمه، بل لو كان بين الإرث و النسب ملازمة لثبت تمام الإرث لأربعة. فالحكم تعبد محض.

ج- ان ما دلّ بظاهره على ثبوت جميع الميراث بشهادة الواحدة كقوله (عليه السلام) في صحيحة عبد اللّه بن سنان: «و تجوز شهادة القابلة وحدها في المنفوس» (1) محمول على القبول في الجملة و هو الربع بقرينة الأدلة الأخرى.

د- هل هذا الحكم مخصوص بالقابلة؟

الذي في أغلب نصوص المسألة هو «القابلة»، و لعله من هنا خصّ المحقق في النافع الحكم بها تبعا لبعض الأصحاب، لكن يدل على ما ذهب اليه هنا خبر سماعة قال: «قال: القابلة تجوز شهادتها في الولد على قدر شهادة امرأة واحدة» (2). و ما في صحيحة ابن سنان المتقدمة من قوله (عليه السلام): «و يورّث الربع من الميراث بقدر شهادة امرأة واحدة» [1].

____________

[1] أقول: من هذين الخبرين يستفاد أن تخصيص القابلة في غيرهما هو

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 160 الباب 24 شهادات. صحيح.

(2) وسائل الشيعة 18- 263 الباب 24. شهادات. موثق.

313

ح- هل يشترط قبول شهادة المرأة الواحدة بتعذر الرجال أولا؟

مقتضى إطلاق المحقق و الأكثر- كما قيل- هو الثاني، و عن النهاية و السرائر و القاضي و ابن حمزة الأول. قال في المستند: لأن الشائع الغالب المتبادر في المسألة يوجب انصراف أدلتها إلى صورة التعذر.

قلت: و فيه تأمل، و من هنا احتج في الرياض و الجواهر للثاني بإطلاق النص.

ط- هل يشترط في القبول اليمين؟ مقتضى إطلاق النصوص و الفتاوى عدم الاشتراط، و أما خبر تحف العقول: «فان كانت وحدها قبل قولها مع يمينها» فمرسل.

ى- لو انضم الى هذه المرأة رجل واحد ثبت الربع كذلك. و لو كان رجل و امرأتان أو رجلان، أو رجل و يمين ثبت الإرث كله.

هذا كله بالنسبة إلى ميراث المستهل.

قال المحقق: و في ربع الوصية.

أقول: و الوصية بالمال يثبت ربعها بواحدة و نصفها باثنتين، و هكذا، و هذا الحكم أيضا مجمع عليه كما عن السرائر و غيرها، و تدل على ذلك النصوص.

و هنا أيضا فروع:

أ- هل يتوقف قبول شهادتها هنا على اليمين؟ قال في الجواهر: «مقتضى‌

____________

لدفع توهم ثبوت جميع المشهود به بشهادتها، باعتبار كونها في حكم ذي اليد الذي يترتب الأمر كله على شهادته. فلا وجه لتأمل صاحب المستند في هذا الاستدلال.

314

إطلاق النص و الفتوى عدم توقف قبول شهادتهن على اليمين، خلافا للتذكرة فقال بتوقف شهادتهن على اليمين كما في الرجل الواحد. و فيه: انه لا دليل هنا على اعتبار اليمين بل ظاهر الأدلة خلافه، على أن اليمين مع شهادة الواحد توجب ثبوت الجميع، فلا يلزم مثله في البعض.».

ب- في ثبوت النصف بشهادة الرجل لقيامه مقام الاثنتين أو الربع لكونه المتيقن إذ لا يقصر الرجل عن امرأة أو لا يثبت بشهادته شي‌ء أصلا وقوفا فيما خالف الأصل على مورده وجوه. أما الأول ففي الجواهر انه لم نجد به قائلا و ان كان لا يخلو عن قوة كما اعترف به العلّامة الطباطبائي في مصابيحه. و أما الثاني فهو مختار العلّامة في القواعد و الشهيد الثاني في المسالك و السيد في الرياض. و أما الثالث فهو مختار الفخر في الإيضاح و تبعه صاحبا المستند و الجواهر. و هو المختار. للأصل بعد حرمة القياس، و دعوى الأولوية متوقفة على تنقيح المناط القطعي.

هل يجوز للمرأة تضعيف المشهود به؟

ج- هل يجوز للمرأة الواحدة مثلا تضعيف ما أوصى به في الشهادة حتى يثبت تمام الوصية، بأن تشهد فيما أوصى بمائة بأربعمائة أم لا يجوز؟ وجهان فقال صاحبا الجواهر و المستند بالعدم تبعا للمسالك. و قال كاشف اللثام بالجواز.

و استدل في المستند بكونه كذبا، و أنه لا دليل على تجويز الكذب هنا، قال في الجواهر: و ربما يؤيده أنه سئل الصادق في مرسل يونس «عن الرجل يكون له على الرجل حق فيجحد حقه و يحلف أنه ليس له عليه شي‌ء. و ليس لصاحب الحق على حقه بينة، يجوز له احياء حقه بشهادة الزور إذا خشي‌

315

ذهاب حقه؟ قال: لا يجوز ذلك لعلة التدليس» (1).

و استدل كاشف اللثام للجواز قائلا: «الأقوى الحل- و ان حرم التزوير لكونه إقرارا بالقبيح- و في مرسل عثمان بن عيسى قيل للصادق «يكون للرجل من إخواني عندي شهادة و ليس كلها يجيزها القضاء عندنا قال: إذا علمت أنها حق فصححها بكل وجه حتى يصح له حقه» (2) قال: و لعله إشارة الى ما ذكرنا من التورية.

و اعترضه في الجواهر بأن لا دلالة على ذلك، بل أقصاه أنه كخبر داود بن الحصين أنه سمعه يقول: «إذا أشهدت على شهادة فأردت أن تقيمها فغيرها كيف شئت، و رتبها و صححها بما استطعت، حتى يصح الشي‌ء لصاحب الحق، بعد أن لا تكون تشهد الا بحقه، و لا تزيد في نفس الحق ما ليس بحق، فإنما الشاهد يبطل الحق و يحق الحق، و بالشاهد يوجب الحق و بالشاهد يعطى، و أن للشاهد في إقامة الشهادة بتصحيحها بكل ما يجد اليه السبيل من زيادة الألفاظ و المعاني و التفسير في الشهادة ما به يثبت الحق و يصححه و لا يؤخذ به زيادة على الحق مثل أجر الصائم القائم المجاهد بسيفه في سبيل اللّه» (3).

و الحاصل ان هذه الاخبار تدل على جواز تصحيح الشهادة بكل وجه صحيح شرعي عند القاضي- لا سيما إذا كان من قضاة العامة- حتى يجيزها و يثبت الحق لصاحبه. و فيها دلالة على جواز إثبات الحق و لو بالكذب و التزوير. فالأقوى هو القول بعدم جواز تضعيف المرأة المشهود به، لانّه كذب و لا دليل على كون ما نحن فيه من الموارد المستثناة من حرمة الكذب.

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 247 الباب 18. شهادات. مرسل.

(2) وسائل الشيعة 18- 231 الباب 4 شهادات. مرسل.

(3) وسائل الشيعة 18- 230 الباب 4 شهادات.

316

نعم لا بأس بدفع الباطل عنه بباطل آخر لخبر الحكم [أخي] أبي عقيلة قال: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): ان لي خصما يستكثر علي بشهود الزور، و قد كرهت مكافأته، مع اني لا ادري يصلح لي ذلك أم لا؟ فقال: أما بلغك عن أمير المؤمنين (عليه السلام) أنه كان يقول: لا تؤسروا أنفسكم و أموالكم بشهادات الزور. فما على امرئ من و كف في دينه و لا مأثم من ربه أن يدفع ذلك عنه، كما انه لو دفع بشهادته عن فرج حرام أو سفك دم حرام كان ذلك خيرا له» (1).

أقول: في الكافي و الوسائل و الوافي «لا تؤسروا» و في نسخة الجواهر:

«لا توروا» قال المجلسي في مرآة العقول: «يحتمل أن يكون مشتقا من اليسار.

أي لا تجعلوا أنفسكم موسرة. أو من الأسر على التهديد، أي لا تشهدوا بالزور فتحبس أنفسكم و أموالكم بسببها أو لا تجعلوا أنفسكم أسيرا للناس» فرجح (رحمه اللّه) الاحتمال الثاني لأنه أنسب بالتفريع عليه بقوله: «فما على امرئ.». و يحتمل أن يكون المراد: لا تجعلوا أنفسكم في أسر شهادة الزور التي يقيمونها، و لا تكونوا في ضيق من أجلها، بل عليكم الاقدام للدفاع عن أنفسكم و أموالكم [1].

و كيف كان فإنّه لا يجوز أخذ شي‌ء بشهادة الزور و الكذب و التزوير، و أما المدافعة عن الأموال و الأنفس و الحقوق فجائز بل واجب بكل طريق ممكن.

و محل الكلام من الأول دون الثاني و اللّه العالم.

____________

[1] أقول: ان نسخة الجواهر هي الأصح في النظر، و «لا توروا» بمعنى:

لا تشعلوا و لا تحرقوا، قال تعالى

«أَ فَرَأَيْتُمُ النّٰارَ الَّتِي تُورُونَ»

. فالمراد: لا تفنوا.

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 247 الباب 18. شهادات. و «الحكم» مجهول.

317

حكم شهادة الخنثى المشكل

قال في المسالك: «و الخنثى هنا كالمرأة». و في الجواهر: «لو شهدت الخنثى المشكل في الوصية و الاستهلال ثبت الربع بناء على ثبوته بالرجل، و الا لم يثبت بشهادتها شي‌ء».

أقول: اما وجه كلام المسالك فهو مختاره في أن الرجل الواحد يقوم مقام المرأة الواحدة في ثبوت الربع، و الخنثى لا تخلو عن أحد الجنسين. و أمّا بناء على مختار الجواهر من عدم ثبوت شي‌ء بشهادته فلا يثبت بشهادة الخنثى شي‌ء، لأن كونها امرأة غير معلوم، و من هنا قال في كشف اللثام: ثبت الربع و هكذا كالمرأة ان قلنا ان الرجل الواحد كالمرأة الواحدة، و الا لم يثبت شي‌ء إلا بأربع خناثي.

لو شهدت النساء في شي‌ء فيه حقان

و في كشف اللثام و الجواهر انه إذا اجتمع في الشي‌ء الذي شهدت النساء فيه حقان- أي حق اللّه الذي لا يثبت بشهادة النساء مطلقا و حق الآدمي، كان لكل حكمه، فلو شهد على السرقة مثلا رجل و امرأتان ثبت المال لكونه حقا لادمي يثبت بشهادتهن، دون القطع لكونه حقا للّه.

و في القواعد و كشف اللثام و الجواهر أنه لو علّق العتق بالنذر على الولادة، أي نذر ان ولدت أمته أعتقها أو أولدها أو غيرهما فشهد أربع نساء بالولادة ثبتت الولادة و لم يقع النذر.

و في التحرير: و لو شهد رجل و امرأتان بالنكاح، فان قبلنا فيه شهادة الواحد و المرأتين فلا بحث، و الا ثبت المهر دون النكاح. قال كاشف اللثام- و تبعه الجواهر-: و فيه بعد للتنافي.

318

كل موضع يقبل فيه شهادة النساء يعتبر كونهن أربعا

قال المحقق (قدس سره): و كل موضع يقبل فيه شهادة النساء لا يثبت بأقل من أربع.

أقول: قد نسب هذا الحكم في الرياض إلى الأشهر بل عامة من تأخر، بل في كشف اللثام و الجواهر نسبته الى المشهور. و استدل له بوجوه منها:

الأول- ما عهد من عادة الشرع في باب الشهادات- بل في الجواهر دعوى القطع به من الكتاب و السنة- من اعتبار المرأتين بالرجل، فيثبت ما لا يطلع عليه الرجال بما يساوي الرجلين.

الثاني- الأصل الدال على عدم جواز قبول شهادتهن مطلقا، خرج الأربع في محل البحث اتفاقا فتوى و نصا كما في الرياض، لان موردهما النساء بصيغة الجمع غير الصادق حقيقة الا على ما زاد على اثنين، و كلا من قال بلزومه عيّن الأربع.

الثالث- ما دل على قبول شهادة القابلة في الولد على قدر شهادة امرأة واحدة. فإنها تدل على ان الشهادة المعتبرة تامة هي شهادة الأربع نسوة.

و عن ابن الجنيد: كل أمر لا يحضره الرجال و لا يطلعون عليه فشهادة النساء فيه جائزة، كالعذرة و الاستهلال و الحيض. و لا يقضى به بالحق إلا بأربع منهن، فان شهد بعضهن فبحساب ذلك.

و عن المفيد: تقبل شهادة امرأتين مسلمتين مستورتين فيما لا يراه الرجال.

و إذا لم يوجد على ذلك إلا شهادة امرأة واحدة ما مؤنة قبلت شهادتها فيه.

و تبعه سلار في قبول المرأة الواحدة في الأمور الباطنة.

و عن متاجر التحرير: لو اشترى جارية على انها بكر فقال المشتري أنها‌

319

ثيّب. أمر النساء بالنظر إليها. و يقبل قول امرأة في ذلك».

قال العلّامة: احتج المفيد بما رواه عبد اللّه بن سنان في الصحيح عن الصادق «قال: تجوز شهادة القابلة وحدها في المنفوس»، و في الصحيح عن الحلبي:

«عن الصادق (عليه السلام) عن شهادة القابلة في الولادة. قال: تجوز شهادة الواحدة» و عن أبي بصير عن الباقر (عليه السلام): «تجوز شهادة امرأتين في الاستهلال».

قال: و الجواب القول بالموجب، فانا نقبل شهادة الواحدة في ذلك، لكن لا يثبت جميع الحق، بل الربع.

و أجاب في الرياض عن الاستدلال بالصحيحتين بأربعة وجوه.

و أما قول ابن الجنيد ففي الرياض و كذا في المستند ان مستنده غير واضح عدا القياس بالاستهلال و الوصية، و بطلانه واضح.

و في الجواهر عن السيد في الناصرية: يجيز أصحابنا أن تقبل في الرضاع شهادة المرأة الواحدة تنزيها للنكاح عن الشبهة و احتياطا فيه. قال: و احتج على ذلك بالإجماع و الحديث النبوي: «دعها كيف و قد شهدت بالرضاع».

أقول: ان هذا يتوقف على تنقيح المناط القطعي، بأن يستفاد حكم قبول شهادة الواحدة في الرضاع من أخبار قبول القابلة في الاستهلال، باعتبار ان ملاك قبول الثانية هو كونها ذات يد بالنسبة إلى المولود فكذا المرضعة بالنسبة إلى الرضيع، لكن في كلام السيد انه احتياط، و هو كذلك فإن أصالة الاحتياط محكمة في الفروج في الشبهة الحكمية و الموضوعية، لكن عمومات حلية النكاح الا من المحارم يقينا قاطع لهذا الأصل. فإن كان الرجوع إليها هنا من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، رجعنا الى استصحاب عدم تحقق الرضاع الموجب للحرمة.

320

و أما الإجماع الذي ادعاه فالظاهر ان معقده الاحتياط أو الأخذ بالملك المذكور، و الا فلا ريب في وجود الخلاف في المسألة.

و أما الحديث النبوي فغير معتبر سندا.

قال في الجواهر: و عن أبي الصلاح: و يحكم بشهادتهما منفردتين فيما لا يعاينه الرجال من أحوالهن.

قال: و يلزمه الحكم بهما في الرضاع أيضا لدخوله فيه. نعم ظاهره عدم الاكتفاء بالواحدة. و ربما يشهد له ظاهر قوله (عليه السلام): «لا تصدق ان لم يكن معها غيرها» في مرسل ابن بكير المتقدم. لكن قد عرفت قصور ذلك و نحوه عن مقاومة ما سمعته من الأدلة، فلا بد من تنزيل ذلك و نحوه عليها أو على ما لا ينافيها. و اللّه العالم.

321

مسائل ثلاث

«المسألة الاولى» (في أن الشهادة ليست شرطا في شي‌ء من العقود الا الطلاق)

قال المحقق (قدس سره): الشهادة ليست شرطا في شي‌ء من العقود الا الطلاق، و يستحب في النكاح و الرجعة، و كذا في البيع).

أقول: في المسألة فروع:

الأول: عدم اشتراط الشهادة في صحة شي‌ء من العقود و الإيقاعات

و هذا الحكم مجمع عليه كما في كشف اللثام و الجواهر حيث قالا: «عندنا» قال في المسالك: عملا بالأصل و ضعف الدليل الموجب. و في الجواهر:

للأصل المستفاد من إطلاق ما يقتضي الصحة من الكتاب و السنة.

و الثاني: كون الشهادة شرطا في الطلاق.

و يدل عليه النصوص المستفيضة (1)، و منها:

1- محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث: قال: «جاء رجل الى علي (عليه السلام) فقال: يا أمير المؤمنين إني طلقت امرأتي. قال (عليه السلام): أ لك بينة؟ قال: لا. قال: أغرب».

____________

(1) وسائل الشيعة 15- 281 الباب 10 من أبواب مقدمات الطلاق و شرائطه.

322

2- بكير بن أعين و غيره عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال: «ان طلقها للعدة أكثر من واحدة فليس الفضل على الواحدة بطلاق، و ان طلقها للعدة بغير شاهدي عدل فليس طلاقه بطلاق».

3- زرارة و جماعة عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليهما السلام) في حديث:

«و ان طلقها في استقبال عدتها طاهرا من غير جماع و لم يشهد على ذلك رجلين عدلين فليس طلاقه إياها بطلاق».

4- أبو الصباح الكناني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من طلق بغير شهود فليس شي‌ء».

5- محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انه قال لرجل في حديث: «أشهدت رجلين ذوي عدل كما أمرك اللّه؟

فقال: لا. فقال: اذهب فإن طلاقك ليس بشي‌ء».

6- الطبرسي في قوله تعالى «وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ»: «معناه:

و اشهدوا على الطلاق صيانة لدينكم. و هو المروي عن أئمتنا».

و استدل له بالآية الكريمة من الكتاب «يٰا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذٰا طَلَّقْتُمُ النِّسٰاءَ. وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ.» فإنه و ان احتمل كون مورد الشهادة هو الرجعة لكونها أقرب، لكن في النصوص المذكورة ما يدل على ان المراد هو الاشهاد على الطلاق، و من هنا قال في المسالك: «أجمع الأصحاب على أن الإشهاد شرط في صحة الطلاق، و يدل عليه وراء الإجماع قوله تعالى بعد ذكر الطلاق وَ أَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ. و الآية و ان كانت محتملة للإشهاد على الرجعة لقربها، الا أن الاخبار خصصته به».

و أضاف في الجواهر: [الظهار] و هو كذلك، للنصوص الدالة عليه (1) و منها:

____________

(1) وسائل الشيعة 15- 509 الباب 2 من أبواب الظهار.

323

1- حمران في حديث قال: «قال أبو جعفر (عليه السلام): لا يكون ظهار إلا في طهر من غير جماع بشهادة شاهدين مسلمين» [1].

2- ابن فضال عمن أخبره عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «لا يكون الظهار الا على مثل موضع الطلاق».

و الثالث: استحباب الاشهاد في أمور

و هي: النكاح و الرجعة و البيع.

أما [النكاح] فقد دل على عدم وجوب الاشهاد فيه، و على استحبابه عدة نصوص (1)، و منها:

1- هشام بن سالم: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): انما جعلت البينات للنسب و المواريث».

2- زرارة: «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يتزوج المرأة بغير شهود. فقال: لا بأس بتزويج البتة فيما بينة و بين اللّه، انما جعل الشهود في تزويج البتة من أجل الولد، لو لا ذلك لم يكن به بأس».

3- حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «عن الرجل يتزوج بغير بينة. قال: لا بأس».

____________

[1] أقول: هذا صحيح سندا. و فيه «شهادة شاهدين مسلمين» و هو ظاهر في كفاية شهادة غير الإمامي الاثني عشري، و اليه ذهب جماعة من الأصحاب و لهم أن يجيبوا عن الخبر الثاني الدال على أنه يعتبر في الظهار ما يعتبر في الطلاق- و منه العدالة- بعد الغض عن الإرسال في سنده، بأنه لا يصلح للتقييد لوجود النص الدال على قبول شهادة الناصبيين في الطلاق.

____________

(1) عقد لها في الوسائل بابا، و هو الباب 43 من أبواب مقدمات النكاح 14- 67 و فيها ما هو صحيح سندا.

324

4- محمد بن الفضيل: «قال أبو الحسن (عليه السلام) لأبي يوسف القاضي ان اللّه أمر في كتابه بالطلاق و أكد فيه بشاهدين و لم يرض بهما الا عدلين، و أمر في كتابه بالتزويج فأهمله بلا شهود، فأثبتم شاهدين فيما أهمل و أبطلتم الشاهدين فيما أكد».

و عن ابن أبي عقيل القول بالوجوب لما رواه المهلب الدلال «أنه كتب الى أبي الحسن (عليه السلام): ان امرأة كانت معي في الدار، ثم إنها زوجتني نفسها و أشهدت اللّه و ملائكته على ذلك، ثم إن أباها زوجها من رجل آخر فما تقول؟

فكتب (عليه السلام): التزويج الدائم لا يكون إلا بولي و شاهدين، و لا يكون تزويج متعة ببكر، أستر على نفسك و اكتم رحمك اللّه» فإنه ظاهر في الوجوب.

لكن هذا الخبر لا يقاوم النصوص الدالة على العدم و الاستحباب، فيحمل على الاستحباب [1].

و أما [الرجعة] فيدل عليه:

1- زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث: «و إذا أراد أن يراجعها أشهد على المراجعة» (1).

____________

[1] هذا مع عدم تماميته سندا، فإن رواية «المهلب الدلال» لا توثيق له في كتب الرجال، و في الوسائل بعد نقله: «حمله الشيخ على التقية» أنظر:

14- 459. قال في الجواهر: و من هنا كان المعروف بين الأصحاب خلافه، بل هو من الأقوال الشاذة في هذا الزمان، بل هو كذلك في السابق أيضا، بقرينة ما حكي من الإجماع في الانتصار و الناصريات و الخلاف و الغنية و السرائر و التذكرة على عدم الوجوب و هو الحجة بعد الأصل و الاخبار الكثيرة.

____________

(1) وسائل الشيعة 15- 346 الباب 1 من أبواب أقسام الطلاق. و فيه «سهل ابن زياد».

325

2- محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث: «و إن أراد أن يراجعها أشهد على رجعتها» (1).

و أما [البيع] فقال كاشف اللثام: للاعتبار، و قوله تعالى «وَ أَشْهِدُوا إِذٰا تَبٰايَعْتُمْ» و أوجبها فيه أهل الظاهر لظاهر الأمر.

و أضاف في الجواهر: [الدين]. و يدل عليه قوله تعالى «يٰا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذٰا تَدٰايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلىٰ أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ. وَ اسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجٰالِكُمْ».

الا انه يرفع اليد عن ظاهر هذه الآية و سابقتها في الوجوب، بالعمومات و الإطلاقات، فيحكم بالاستحباب.

«المسألة الثانية» (في أن حكم الحاكم نافذ ظاهرا لا باطنا)

قال المحقق (قدس سره): حكم الحاكم تبع للشهادة، فإن كانت محقة نفذ الحكم ظاهرا و باطنا، و الا نفذ ظاهرا. و بالجملة: الحكم ينفذ عندنا ظاهرا لا باطنا، و لا يستبيح المشهود له ما حكم له الا مع العلم بصحة الشهادة أو الجهل بحالها).

أقول: ان حكم الحاكم تبع للشهادة من حيث النفوذ مطلقا أو في الظاهر فقط، بمعنى أن المدعي المالك للشي‌ء إذا أقام شهادة محقة و حكم الحاكم له يترتب الأثر على الملكية فيطالب بالشي‌ء، و على المحكوم عليه تسليمه اليه، فالحكم يؤثر من جهة ترتيب الأثر على الملكية، لا انها متوقفة على الحكم.

و بالجملة ان كان المدعي محقا و حكم الحاكم بالشهادة القائمة على دعواه‌

____________

(1) وسائل الشيعة 15- 344 الباب 1 من أبواب أقسام الطلاق. صحيح.

326

كان له ترتيب الأثر على الحكم ظاهرا و باطنا، و كذا على المدعى عليه، و ان لم يكن محقا كان له و على المدعى عليه ترتيب الأثر عليه في الظاهر، فيكون الحكم حكما واقعيا يتقدم على أدلة السلطنة بالتخصيص، فلو لم يرتب المحكوم عليه الأثر عليه بالتسليم فهو عاص، و ان كان عالما بكون الشي‌ء ملكا له و ان الحكم صدر اعتمادا على شهادة زور.

فالعمل بالحكم واجب شرعي على المحكوم عليه، و لا يجوز نقضه حتى مع العلم بمخالفته للواقع، اللهم إلا إذا خالف بحيث لم يصدق النقض، و أما المحكوم له فيمكنه الأخذ بالحكم و المطالبة استنادا اليه لكنه غير جائز له شرعا مع العلم بمخالفته للواقع. و هذا معنى النفوذ ظاهرا.

و يدل على حرمة نقض الحكم فيما إذا كانت الشهادة محقة كل ما يدل على أن حكم الحاكم فاصل للخصومة و قاطع للنزاع. كما ذكرنا في كتاب القضاء بالتفصيل، و أما إذا لم تكن محقة فقد استدل للنفوذ ظاهرا لا واقعا بوجوه:

الأول: الإجماع. ذكره جماعة منهم المحقق في المتن بقوله «عندنا».

و الثاني: الأصل. قال في المسالك: «أطبق علماؤنا و أكثر الجمهور على أن الحكم لا ينفذ الا ظاهرا، و أما باطنا فيتبع الحق، فلا يستبيح المحكوم له أخذ المحكوم به مع علمه بعدم الاستحقاق، لأصالة بقاء الحق على أصله و الحل و الحرمة كذلك».

أقول: التمسك بالأصل يتوقف على تحقق موضوعه و هو الشك، كأن يحتمل صحة فتوى أبي حنيفة القائل بأن الحكم لا يتبع الحق في الباطن، بل انه يغيره، و للمحكوم له ترتيب الأثر عليه و ان علم بطلانه من غير فرق بين المال و البضع، و مع هذا الاحتمال و الشك في بقاء الحكم الشرعي- و هو حرمة هذا المال أو البضع عليه قبل الحكم- يستصحب بقاؤه.

327

الا انه يمكن أن يقال بعدم الحاجة الى الاستدلال لبقاء الأحكام الواقعية على حالها بالأصل، لعدم الشك في كونها باقية، و أما أدلة الحكم و نفوذه فهي مجعولة لفصل الخصومة، فإن طابق الواقع كان أثره ترتيب الأثر على الأحكام الواقعية، و ان خالفه كان حكما ثانويا في الظاهر، و أثره فصل الخصومة و حل النزاع، و لا علاقة له بالأحكام الواقعية فإنها على حالها.

و لعل هذا مراد الشيخ في الخلاف حيث قال: إذا ادعي على رجل عند الحاكم حقا فأقام المدعي شاهدين بما يدعيه، فحكم الحاكم له بشهادتهما كان حكمه تبعا لشهادتهما، فان كانا صادقين كان حكمه صحيحا في الظاهر و الباطن، و ان كانا كاذبين كان حكمه صحيحا في الظاهر باطلا في الباطن، سواء كان في عقد أو رفع عقد أو فسخ عقد أو كان مالا.

و به قال شريح و مالك و أبو يوسف و محمد و الشافعي.

و قال أبو حنيفة: ان حكم بعقد أو رفعه أو فسخه وقع حكمه صحيحا في الظاهر و الباطن معا. فمن ذلك: إذا ادعى ان هذه زوجتي فأنكرت فأقام شاهدين شهدا عنده بذلك، حكم بها له و حلت له في الباطن، فان كان لها زوج بانت منه بذلك و حرمت عليه و حلت للمحكوم له بها. و أما رفع العقد فالطلاق إذا ادعت أن زوجها طلقها ثلاثا و أقامت به شاهدين فحكم له بانت منه ظاهرا و باطنا، و حلت لكل أحد، و حل لكل واحد من الشاهدين أن يتزوج بها، و ان كان يعلمان انهما شهدا بالزور.

دليلنا- قوله تعالى «حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهٰاتُكُمْ.» إلى قوله «وَ الْمُحْصَنٰاتُ مِنَ النِّسٰاءِ إِلّٰا مٰا مَلَكَتْ أَيْمٰانُكُمْ» و أراد بالمحصنات زوجات الغير، فحرمهن علينا الا بملك اليمين سبيا أو استرقاقا. و أبو حنيفة أباحهن لنا بحكم باطل.

الثالث: ما روي بأسانيد عديدة عن المعصوم عن النبي (صلى اللّه عليه و آله)

328

و سلم أنه قال: «إنما أنا بشر، و انكم تختصمون الي، و لعل بعضكم ألحن بحجته من بعض، و انما أقضي على نحو ما أسمع منه، فمن قضيت له من حق أخيه بشي‌ء فلا يأخذ به، فإنما أقطع له قطعة من النار» (1).

هذا كله مع العلم بصحة الشهادة أو العلم بعدم صحتها.

و أما مع الجهل بحالها- كما لو شهد له شاهدان عدلان بحق لا يعلم به- فإنه يستبيح ما حكم له، لأن شهادة العدلين طريق شرعي ما لم يعلم بالفساد.

نعم لو شهد له به شاهدان لكن توقف ثبوت الحق بشهادتهما على يمينه، كما إذا كان المشهود عليه بدين ميتا- لم يجز له الحلف اعتمادا على شهادتهما بناء على اعتبار العلم في اليمين عن حس، و عدم كفاية الحجة الشرعية- كالبينة- فيها.

«المسألة الثالثة» (إذا دعي من له أهلية التحمل فهل يجب عليه؟)

قال المحقق (قدس سره): إذا دعي من له أهلية التحمل وجب عليه.

و قيل: لا يجب، و الأول مروي.

أقول: القول بالوجوب هو المشهور شهرة عظيمة كما في الجواهر، و القول بالعدم هو لابن إدريس، و في الجواهر عن الرياض: انه له خاصة.

استدل للوجوب بوجوه:

الأول: ان تحمل الشهادة من الأمور الضرورية التي لا ينفك الإنسان عنها‌

____________

(1) انظر وسائل الشيعة 18- 169 الباب 2 من أبواب كيفية الحكم.

329

لوقوع الحاجة الى المعاملات و المناكحات، فوجب في الحكمة إيجاب ذلك لتحسم مادة النزاع المترتب على تركه غالبا، بل انه محتاج إليه في العمل ببعض الأحكام الشرعية كالطلاق، إذ لو لم يجب التحمل للزم غالبا تعطيل هذا الحكم أو وقوعه على خلاف ما أوجبه الشارع.

و الثاني: ظاهر قوله تعالى «وَ لٰا يَأْبَ الشُّهَدٰاءُ إِذٰا مٰا دُعُوا» فإنه مختص بحالة التحمل لبعض النصوص المفسرة كما سيأتي، و قد سماهم «شهداء» لما يؤولون اليه من الشهادة.

و الثالث: انه من الأمر بالمعروف الواجب و النهي عن المنكر فيجب.

أما الأولى: فلاشتمال الشهادة على منع غير المستحق من التجري على ما لا يستحق، و فيها إيصال الحق إلى مستحقه.

أقول: و في هذا الاستدلال خفاء.

و الرابع: النصوص. فإنه يدل على هذا الحكم عدة نصوص (1) بعضها صحيح، و من ذلك:

1- صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

2- صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام).

دليل القول بعدم الوجوب

و قال ابن إدريس: لا دليل على وجوب التحمل، و استدل بالآية المذكورة «و لا يأب.» على وجوب الأداء، لظهور المشتق «الشهداء» في الأداء،

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 225 الباب 1 باب: وجوب الإجابة عند الدعاء الى تحمل الشهادة.

330

إذ لا يسمى الشاهد شاهدا الا بعد تحمل الشهادة، و أجاب عما ذكره القائلون بالوجوب بأنه مجاز لا يصار اليه بعد كون الاخبار آحادا. و هذا نص كلامه:

«لا يجوز ان يمتنع الإنسان من الشهادة إذا دعي إليها ليشهد إذا كان من أهلها، الا ان يكون حضوره مضرا بشي‌ء من أمر الدين أو بأحد من المسلمين، و اما الأداء فإنه في الجملة أيضا من الفرائض لقوله تعالى وَ لٰا تَكْتُمُوا الشَّهٰادَةَ وَ مَنْ يَكْتُمْهٰا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ. و قال: و لا يأب الشهداء إذا ما دعوا. و قد يستشهد بعض أصحابنا بهذه الآية الأخيرة على وجوب التحمل و على وجوب الأداء.

و الذي يقوى في نفسي انه لا يجب التحمل، و للإنسان أن يمتنع من الشهادة إذا دعي إليها ليتحملها، إذ لا دليل على وجوب ذلك عليه. و ما ورد في ذلك فهو اخبار آحاد، فأما الاستشهاد بالآية و الاستدلال بها على وجوب التحمل فهو ضعيف جدا، لانه تعالى سماهم شهداء و نهاهم عن الإباء إذا دعوا إليها، و انما يسمى شاهدا بعد تحملها، فالاية بالأداء أشبه. و الى هذا القول يذهب شيخنا أبو جعفر الطوسي في مبسوطة.

فإن قيل: سماهم شهداء لما يؤولون اليه من الشهادة كما يقولون لمن يريد الحج الحاجي و ان لم يحج. و كما قال تعالى إِنَّكَ مَيِّتٌ، اي انك ستموت.

قلنا: هذا مجاز و الكلام في الحقيقة غير الكلام في المجاز، فلا يجوز العدول عن الحقيقة إلى المجاز من غير ضرورة و لا دليل.»‌

و أجاب في الجواهر بقوله: كأنه اجتهاد في مقابلة النص [1]، و ان كان ربما‌

____________

[1] أقول: حاصل كلام ابن إدريس عدم تمامية الاستدلال بالاية للقول المشهور إلّا بمعونة الأخبار، فتكون هي العمدة في المقام، لكن الاستدلال بها مبني على القول بحجية خبر الواحد، فعلى القول بالعدم كما هو مذهبه

331

يشهد له ما عن تفسير العسكري (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) في قول اللّه عز و جل وَ لٰا يَأْبَ إلى آخرها: من كان في عنقه شهادة فلا يأب إذا دعي لإقامتها، و ليقمها و لينصح فيها، و لا تأخذه فيها لومة لائم، و ليأمر بالمعروف و ينه عن المنكر.

لكن قال فيه أيضا: و في خبر آخر: انها نزلت فيما إذا دعي لسماع الشهادة و أبى، و أنزلت فيمن امتنع عن أداء الشهادة إذا كانت عنده: و لا تكتموا الشهادة و من يكتمها. الى آخرها.

أقول: و كيف كان فإن الأقوى هو القول المشهور، و المعتمد في الاستدلال هو النصوص.

القول بالكراهة

و قال صاحب الجواهر بعدم خلو القول بعدم وجوب التحمل و انه مستحب بل تركه مكروه من قوة، و ذكر لذلك وجوها:

الأول قوله: ان الآية على طولها مشتملة على الآداب، بل ملاحظة ما قبلها‌

____________

و المفروض كون اخبار المقام آحادا- لا يبقى دليل على وجوب التحمل فيجري الأصل.

فالصحيح في الجواب عمّا ذكره إنكار كون أخبار المقام آحادا، و من هنا قال في الرياض: و الطعن فيه بكونه من الآحاد غير جيد حتى على أصله.

و قد أشار بذلك الى ما ذكره العلامة في المختلف بقوله: «و نسبة ذلك الى أنه من أخبار الآحاد مع دلالة القرآن عليه و استفاضة الاخبار به و فتوى متقدمي علمائنا به جهل منه و قلة تأمل» فإن تم ذلك فهو و الا كان البحث مع ابن إدريس على المبنى. فلاحظ.

332

و ما بعدها و انها على مساق واحد خصوصا ما كان منها مثل اللفظ المذكور نحو قوله تعالى وَ لٰا يَأْبَ كٰاتِبٌ. فضلا عن قوله تعالى وَ لٰا تَسْئَمُوا. الى آخرها.

يورث الظن القوي بكون ذلك منها أيضا.

قلت: مرجع هذا الوجه الى وحدة السياق، و هي و ان كانت تورث الظن القوي في بعض الموارد، و لكنها ليست كذلك مطلقا، ففي مثل «اغتسل للجمعة و الجنابة» لا يمكن القول بوحدة حكم الموضوعين اعتمادا على وحدة السياق.

و الثاني: قوله: مؤيدا بإشعار لفظ «لا ينبغي» و نحوه [1] في النصوص المزبورة، بل اتفاق معظمها على هذا اللفظ و نحوه ظاهر في ذلك أيضا.

قلت: أما أولا فإن لفظ ينبغي قد ورد في الاخبار بمعنى الوجوب و الحرمة كما في طائفة من أخبار الخلل و الشكوك.

و أما ثانيا لو سلمنا ظهور ينبغي في الاستحباب فان من أهم النصوص في المسألة صحيحة هشام بن سالم و ليس فيها اللفظ المزبور فيكون الدليل، بل يكون حينئذ قرينة على عدم ارادة الاستحباب من النصوص الأخرى المشتملة على لفظ ينبغي.

و الثالث: ما ذكره بقوله: بلا شدة التوعد على كتمانها و زيادة المبالغة فيه تركه على التحمل فيه اشعار آخر أيضا.

قلت: أي إشعار في ذلك، غاية ما في الباب أن يكون ترك الأداء من الكبائر و لا يكون ترك التحمل منها.

و الرابع: قوله: بل قد يظهر من الصدوق المفروغية من عدم الوجوب،

____________

[1] لعل مراده من «نحوه» لفظ «لم يسع لك» في خبر محمد بن الفضيل في نسخته هو كما في الجواهر 41- 180 لكنه في الوسائل «لم ينبغ لك».

333

حيث انه بعد أن روى في المحكي من فقيهه: «قيل للصادق (عليه السلام) ان شريكا يرد شهادتنا. فقال: لا تذلوا أنفسكم» قال: ليس يريد بذلك النهي عن إقامتها، لأن إقامة الشهادة واجبة، إنما يعني بها تحملها، يقول:

لا تتحملوا الشهادة فتذلوا أنفسكم بإقامتها عند من يردها» بل هو فتوى المصنف في النافع قال: و يكره أن يشهد لمخالف إذا خشي انه لو استدعاه الى الحاكم ترد شهادته».

قلت: أما أولا فإن الخبر المزبور قاصر السند بل ضعيف كما في الرياض (1).

و أما ثانيا: فإنه ظاهر في الأداء، و قد حمله الصدوق و الحلي على التحمل دون الأداء. قال في الرياض: و ظاهرهما عدم الاستشكال في جواز ترك التحمل و هو مشكل جدا.

و أما ثالثا: يحتمل ان يريد الصدوق و الحلي من ترك التحمل إخفاء نفسه عن المخالف لئلا يشهده، لا تركه عند الاشهاد. قاله في الرياض.

و أما رابعا: لعل كلام الامام (عليه السلام) و نهيه عن الشهادة هذه هو من جهة عدم أهلية شريك للقضاء، فكأنه قال: انه حيث يكون الجالس للقضاء غير صالح له فلا يجب التحمل لأجل الشهادة عنده، ففي ذلك مذلة للشيعة.

و أما خامسا: سلمنا لكن عدم وجوب التحمل مخصوص بهذه الحالة، بأن يكون هذا الخبر- بعد غض النظر عما في سنده- مخصصا لما دل على وجوبه مطلقا.

و مما ذكرنا في الوجوه التي ذكرها صاحب الجواهر لعدم الوجوب يظهر ما في قوله: «فالإنصاف عدم خلو القول بعدم وجوبه و انه مستحب بل تركه مكروه من قوة.».

____________

(1) الخبر في الوسائل 18- 304 الباب 53 شهادات. و هو مرسل.

334

ثم قال (رحمه اللّه): نعم قد يحتمل ان يراد في الآية- بناء على ارادة من تلبس بالشهادة منها- الإشارة إلى مضمون النصوص المستفيضة، و هو أن من دعي إلى تحمل الشهادة فتحملها وجب عليه إقامتها، و من تحملها بلا استدعاء لم يجب عليه إقامتها إلا في صورة خاصة، و هي إذا علم الظلم، و حينئذ فيكون المعنى و لا يأب الشهداء عن أداء الشهادة إذا دعوا الى تحملها و الا فلا يجب، فيتوافق حينئذ مضمون النصوص المزبورة مع الآية.

قال: الا انه خلاف ما تقدم في النصوص الواردة في تفسيرها.

هل وجوب التحمل كفائي أو عيني؟

قال المحقق (قدس سره) (و الوجوب على الكفاية، فلا يتعين الا مع عدم غيره ممن يقوم بالتحمل).

أقول: قد اختلف القائلون بوجوب التحمل على قولين، فالشيخ في المبسوط و النهاية و الإسكافي و المحقق و العلامة و الشهيدان و غيرهم على الكفائية و المفيد و الحلبي و القاضي و الديلمي و ابن زهرة و غيرهم على العينية، و قد نسب صاحبا الرياض و الجواهر القول الأول إلى كافة المتأخرين.

و قد استدل للأول في الجواهر بالأصل، و بأولوية التحمل بالكفائية من الأداء الذي ستعرف استفاضة الإجماع على كفائيته.

لكن ظاهر الآية الكريمة و الاخبار هو الثاني كما اعترف به صاحب الرياض- الذي رجح الأول لإطباق المتأخرين عليه- و بهذه الأدلة ينقطع الأصل.

على أن الأصل في الأوامر الشرعية هو الاشتغال، إذ الأصل في الواجبات هو النفسية و العينية و التعيينية، اللهم الا ان يكون العمل مما لا يقبل التكرار كدفن الميت.

335

و أما الأولوية ففيها أن الغرض من الأداء يحصل بشهادة اثنين، و أما التحمل فقد لا يحصل الغرض منه بذلك، لاحتمال النسيان و الموت و الغيبة و غير ذلك و لذا وجب على كل من يدعى الى الشهادة.

و استبعاد التزام الوجوب بدعوى المائة و المائتين إلى التحمل عليهم أجمع لا يقتضي القول بالكفائية. لان المفروض وجوبه على كل من دعي، و من الواضح ان الإنسان يدعوا أربعة أشخاص أو ستة مثلا حتى إذا مات بعضهم أو نسي أو غاب أمكن إقامة الشهادة باثنين منهم، و لا داعي إلى دعوة المأة و المأتين حتى يستبعد ذلك.

و اما التزام الندبية فرارا من الاستبعاد المزبور، كما في الجواهر، ففيه ان الاستبعاد لا ينتفي بناء على الندبية، مع ما عرفت من عدم الوجه لهذا القول.

و أما تأييد القول بالاستحباب بأنه على القول بالوجوب يتجه التزامه على كل من دعي اليه و ان لم يكن له أهلية التحمل لفسق مثلا، لإطلاق الأدلة، و لاحتمال الفائدة بتحصيل الشياع و تجدد العدالة له و غير ذلك.

فإنه يتم فيما إذا تم الإطلاق، بأن لم يكن المراد من «الشهداء» في الآية خصوص الشهداء الذين عناهم اللّه سبحانه في المواضع الأخرى و هم العدول. و لعله من هنا قال المحقق و غيره: إذا دعي من له أهلية التحمل. لان من ليس أهلا له لا يدعى. هذا كله في التحمل.

في وجوب الأداء و كونه على الكفاية أو العينية

قال المحقق (قدس سره):

«اما الأداء فلا خلاف في وجوبه على الكفائية».

أقول: في الفرع بحثان: الأول: في وجوب الأداء. و الثاني: في أن‌

336

وجوبه على الكفائية.

أما الأول: فقد ادعي عليه الإجماع في كلمات جماعة، فهذا أحد الأدلة.

و الدليل الثاني: قوله تعالى «وَ لٰا تَكْتُمُوا الشَّهٰادَةَ وَ مَنْ يَكْتُمْهٰا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ» فان ظاهر الوعيد على الترك هو الوجوب، و المراد من هذه الشهادة كما دلت عليه صحيحة هشام الاتية أداؤها.

و الدليل الثالث: الاخبار (1)، و منها:

1- هشام بن سالم: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): في قول اللّه عز و جل وَ مَنْ يَكْتُمْهٰا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ: قال بعد الشهادة».

2- جابر: «عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) من كتم شهادة أو شهد بها ليهدر بها دم امرئ مسلم أو ليزوي بها مال امرئ مسلم أتي يوم القيامة و لوجهه ظلمة مد البصر و في وجهه كدوح تعرفه الخلائق باسمه و نسبه، و من شهد شهادة حق ليحيى بها حق امرئ مسلم أتي يوم القيامة و لوجهه نور مد البصر تعرفه الخلائق باسمه و نسبه. ثم قال أبو جعفر (عليه السلام): الا ترى ان اللّه عز و جل يقول وَ أَقِيمُوا الشَّهٰادَةَ لِلّٰهِ».

3- الحسين بن زيد: «عن الصادق عن آبائه عن النبي (صلى اللّه عليه و آله) في حديث المناهي: انه نهى عن كتمان الشهادة و قال: من كتمها أطعمه اللّه على رؤوس الخلائق، و هو قول اللّه عز و جل وَ لٰا تَكْتُمُوا الشَّهٰادَةَ وَ مَنْ يَكْتُمْهٰا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ».

4- عيون الاخبار عن أبي الحسن الكاظم (عليه السلام) في حديث النص على الرضا (عليه السلام) انه قال: «و ان سئلت عن الشهادة فأدها، فإن اللّه يقول:

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 227 الباب 2 من أبواب الشهادات.

337

إِنَّ اللّٰهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمٰانٰاتِ إِلىٰ أَهْلِهٰا. و قال: وَ مَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهٰادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللّٰهِ».

5- عقاب الاعمال عن رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله) قال في حديث:

«و من رجع عن شهادته أو كتمها أطعمه اللّه لحمه على رءوس الخلائق و يدخل النار و هو يلوك لسانه».

6- تفسير الحسن العسكري (عليه السلام) عن أمير المؤمنين (عليه السلام) بتفسير الآية: «من كان في عنقه شهادة فلا يأب إذا دعي لإقامتها و ليقمها و لينصح فيها و لا تأخذه فيها لومة لائم و ليأمر بالمعروف و لينه عن المنكر».

و أما الثاني: ففي عبارة المحقق (قدس سره) و غيره عدم الخلاف في كفائيته قال:

(فان قام غيره سقط عنه و ان امتنعوا لحقهم الذم و العقاب، و لو عدم الشهود الا اثنان تعين عليهما)،

بل في الجواهر: استفاض في عباراتهم نقل الإجماع على ذلك.

أقول: تارة يكون التكليف قابلا للتكرار و أخرى غير قابل كدفن الميت.

أما الثاني فلا احتمال فيه للوجوب العيني، و أما الأول ففيه وجهان، العينية من جهة ظهور الأمر فيها كما أشرنا سابقا، و الكفائية من جهة ظهور كون الحكمة في وجوب الأداء و حرمة الكتمان ضياع الحق، و هذا الغرض يتحقق بشهادة البعض و لا يتوقف على شهادة الجميع، فلا ثمرة لتكليف الجميع بها.

و من هنا أمكن القول بأن النزاع لفظي، لأن ذاك يقول بالعينية حيث تترتب ثمرة على القول بها، و هذا يقول بالكفائية حيث لا ثمرة لتوجيه الخطاب الى الكل.

و قد ذكر صاحب الجواهر ان القائل بالعينية يقول: بأنه يجب الأداء على كل فرد فرد و لا يسقط عنه الوجوب الا مع التيقن بحصول الغرض بشهادة غيره‌

338

من الشهود، و القائل بالكفائية يقول: لا يجب الأداء إلا مع العلم بضياع الحق، فالنزاع معنوي.

قلت: ان كان ما ذكره مستفادا من الاخبار فهو، إذ يكون حينئذ حكما تعبديا، و الا فإن العقل لا يفرق في لزوم الاحتياط لغرض حفظ الحق عن الضياع بين العينية و الكفائية الى ان يحصل اليقين بحصول الغرض، فلننظر في الاخبار في هذا المقام، فنقول:

ان مقتضى إطلاق الآية الكريمة و الاخبار وجوب الأداء على كل من شهد سواء أشهد أو لا، لكن مقتضى بعض الاخبار (1) هو عدم الوجوب ان لم يشهد:

1- محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): «إذا سمع الرجل الشهادة و لم يشهد عليها فهو بالخيار ان شاء شهد و ان شاء سكت».

2- هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «إذا سمع الرجل الشهادة و لم يشهد عليها فهو بالخيار ان شاء شهد و ان شاء سكت. و قال إذا أشهد لم يكن له الا أن يشهد».

فقوله «إذا أشهد.» تصريح بمفهوم صدر الخبر.

3- محمد بن مسلم: «سألت أبا جعفر عن الرجل يحضر حساب الرجلين فيطلبان منه الشهادة على ما سمع منهما. قال: ذلك اليه ان شاء شهد و ان شاء لم يشهد، و ان شهد شهد بحق قد سمعه، و ان لم يشهد فلا شي‌ء لأنهما لم يشهداه».

4- محمد بن مسلم عن أبي جعفر مثله.

مقتضى هذه النصوص عدم الوجوب إذا لم يشهد، فلا يحرم الكتمان حينئذ، فهي مقيدة لما تقدمت الإشارة إليه.

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 231 الباب 5 من أبواب كتاب الشهادات.

339

لكنها مطلقة من حيث العلم بضياع الحق و عدمه. و في بعض ما يقيدها بما إذا لم يؤد عدم شهادته الى ضياع الحق و الا يجب حتى مع عدم الاستشهاد:

1- محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): «إذا سمع الرجل الشهادة و لم يشهد عليها فهو بالخيار ان شاء شهد و ان شاء سكت، إلا إذا علم من الظالم فيشهد و لا يحل له الا ان يشهد».

2- يونس فيما رواه مرسلا عن الصادق: «إذا سمع الرجل. إلا إذا علم من الظالم فيشهد و لا يحل له أن لا يشهد».

3- مرسلة الصدوق: «قال الصادق: العلم شهادة إذا كان صاحبه مظلوما».

فتلخص: ان الشهادة واجبة فيما إذا دعي بالوجوب العيني، فان لم يدع فهو بالخيار، فلا وجوب لا عينا، و لا كفاية إلا إذا علم من الظالم، بمعنى توقف شهادته على علمه بالظالم منها لو لا الشهادة. خلافا لصاحب الجواهر القائل بالكفائية في صورة الاستدعاء للتحمل و عدم الوجوب أصلا في صورة عدم الاستدعاء إلا إذا علم الظالم، و كأن معتمدة هو الإجماعات التي لم يعلم كاشفيتها عن رأي المعصوم، بل من المحتمل كونها مبنية على كون الحكمة في وجوب الأداء و حرمة الكتمان ضياع الحق و هي متحققة بشهادة الاثنين.

ثم قال (رحمه اللّه): يمكن ان يكون محل كلامهم في المقام خصوص الشهادة في صورة المخاصمة التي تقام عند الحاكم. و أما الشهادات في غيرها كالشهادة بالاجتهاد و العدالة و نحوها مما لا ترجع إلى مخاصمة عند الحاكم و لا يراد إثباتها عنده فلا يبعد القول بوجوبها عينا على كل من كانت عنده، و لا مدخلية لكيفية التحمل فيها، لظهور الأدلة السالمة عن المعارض بالنسبة الى ذلك، بعد تنزيل الإجماعات المزبورة على غير هذه الصورة التي لا غرض بمقدار مخصوص منها، بل ربما كان الغرض تعدد الشهادة فيها لكونه أتم للمقصود‌

340

فتأمل جيدا.

قلت: القول بالوجوب عينا في كل شي‌ء- و ان لم تكن مخاصمة- لا يمكن المساعدة عليه، فان كثيرا من الأمور يعلمها الإنسان و لا دليل على وجوب أداء الشهادة و إظهار العلم فيها. بل قد لا يجب عليه الأداء حتى مع الاستدعاء، و الحاصل انه لا ضابط لهذه الأمور. نعم لا ريب في الوجوب في الأمور المهمة التي يعلم بعدم رضا اللّه عز و جل بكتمان الشهادة فيها. و لعل هذا الذي ذكرناه هو وجه التأمل الذي أمر به.

و حيث يتعين عليه وجوب الأداء فإن عليه المبادرة اليه و ان كان واحدا، حتى يتحقق الحق بشهادته مع يمين المدعي ان كان مما يثبت بذلك، بل يجب عليه و ان لم يكن مما يثبت بشاهد و يمين ان كان لشهادته أثر، و في الجواهر الوجوب و ان لم يعلم بترتب اثر عليها بل احتمل، كما إذا احتمل حصول العلم للحاكم بشهادته، أو احتمل تذكر المدعى عليه بشهادته للحق و الواقع. و لو نسي المدعي الاستشهاد منه، فان كان الأداء واجبا عليه عينا وجب عليه ان يذكر المشهود له فيستدعي منه الأداء- لئلا تكون شهادته تبرعية- فإن علم بضياع الحق لو لم يشهد وجب عليه و ان لم يدع للإقامة، و ان كان وجوبه كفائيا و قد تعين فكذلك و الا فلا.

و في الرياض: و لو لم يكن الشهود عدولا فإن أمكن ثبوت الحق بشهادتهم و لو عند حاكم الجور وجب الاعلام أيضا للعموم، و الا فوجهان أجودهما الوجوب لذلك مع إمكان حصول العدالة بالتوبة.

قال في الجواهر: كأن الأجود أيضا وجوب الشهادة عليهم إذا دعوا إليها و لو عند حاكم العدل.

341

جواز التخلف لو كانت الشهادة مضرة

قال المحقق: (و لا يجوز لهما التخلف الا ان تكون الشهادة مضرة بهما ضررا غير مستحق).

أقول: ان وجوب الشهادة كسائر الواجبات التي ترتفع بترتب الضرر عليها. و يشترط في الضرر الموجب لسقوط وجوب الشهادة أمران:

أحدهما: ان يكون الضرر ضررا معتدا به، و لا فرق بين توجهه على الشاهد نفسه، أو على المشهود عليه، أو على المشهود له، أو على غيرهم.

و الثاني: أن يكون الضرر غير مستحق، كما لو كان للمشهود عليه حق على الشاهد يطالبه عليه على تقدير الشهادة و يمهله به أو يسامحه بدونها، فلا يعد ذلك عذرا، لانه مستحق عليه مع فرض قدرته على الوفاء به.

و الدليل على سقوط الوجوب فيما إذا كانت الشهادة مضرة هو قاعدة لا ضرر الحاكمة على الأدلة الأولية [1] و هذا الحكم لا خلاف فيه كما في الجواهر.

و قد استدل له في الجواهر بخبرين:

1- علي بن سويد السائي عن أبي الحسن (عليه السلام) في حديث: «كتب الي أبي في رسالته الي: و سألت عن الشهادات لهم. فأقم الشهادة للّه و لو على نفسك أو الوالدين و الأقربين فيما بينك و بينهم. فان خفت على أخيك ضيما فلا» (1).

2- محمد بن القاسم بن الفضيل عن أبي الحسن (عليه السلام): «سألته‌

____________

[1] فيه إشارة الى ما جاء في جامع المدارك من أن المقام من التزاحم فيلاحظ الأهم.

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 229 الباب 3 شهادات.

342

قلت له: رجل من مواليك عليه دين لرجل مخالف يريد أن يعسره و يحبسه و قد علم اللّه أنه ليس عنده و لا يقدر عليه و ليس لغريمه بينة، هل يجوز له أن يحلف له ليدفعه عن نفسه حتى ييسر اللّه له؟ و ان كان عليه الشهود من مواليك قد عرفوه أنه لا يقدر، هل يجوز أن يشهدوا عليه؟ قال: لا يجوز أن يشهدوا عليه و لا ينوي ظلمه» (1).

هذا و في المسالك: و اعلم ان إطلاق الأصحاب و الاخبار يقتضي عدم الفرق في التحمل و الأداء بين كونه في بلد الشاهد و غيره مما يحتاج إلى مشقة. و لا بين السفر الطويل و القصير مع الإمكان. هذا من حيث السعي. أما المئونة المحتاج إليها في السفر من الركوب و غيره فلا يجب على الشاهد تحملها، بل ان قام بها المشهود له و الا سقط الوجوب، فان الوجوب في الأمرين مشروط بعدم توجه ضرر على الشاهد غير متحقق، و الا سقط الوجوب.

قال في الجواهر: قلت: قد يقال ان السفر الطويل و نحوه من المشقة و العسر أيضا. فتأمل جيدا.

قلت: الظاهر أنه حيث يجب عليه أداء الشهادة يجب عليه تحمل كل ما يمكن تحمله من مشقة السفر و مئونته المحتاج إليها، ان كانت بالقدر المتعارف، إذ المفروض وجوب الشهادة عليه فيجب عليه تحمل كل ما يتوقف عليه القيام بهذا الواجب مع الإمكان. و اللّه العالم.

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 249 الباب 19 شهادات.

343

(4) الشهادة على الشهادة

344

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

345

لا كلام و لا خلاف في قبول الشهادة على الشهادة في الجملة، بل الإجماع عليه في جملة من الكتب، بل في الجواهر: لعل المحكي منه على ذلك متواتر، بل في المستند دعوى الضرورة.

و يدل على القبول عدة من النصوص التي ينجبر بما ذكر ما فيها من ضعف (1) و منها:

1- محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): «في الشهادة على شهادة الرجل و هو بالحضرة في البلد. قال: نعم و لو كان خلف سارية يجوز ذلك، إذا كان لا يمكنه ان يقيمها هو لعلة تمنعه عن ان يحضره و يقيمها، فلا بأس بإقامة الشهادة على شهادته».

2- طلحة بن زيد عن الصادق عن أبيه عن علي (عليهم السلام): «انه كان لا يجيز شهادة رجل على رجل إلا شهادة رجلين على رجل».

3- غياث بن إبراهيم عن الصادق عن أبيه (عليهم السلام): «ان عليا كان لا يجيز شهادة رجل على شهادة رجل الا رجلين على شهادة رجل».

و يدل على قبول هذه الشهادة عمومات قبول الشهادة كتابا و سنة لأنها شهادة لغة و عرفا [1].

____________

[1] و أما إشكال المستند في العمومات بقوله: «و أما الاستدلال بعمومات

____________

(1) أنظر وسائل الشيعة 18- 297 الباب 44 شهادات.

346

و كيف كان، فإن أصل الحكم مفروغ عنه، و انما الكلام و البحث في جهات:

1- في محل قبول الشهادة على الشهادة

قال المحقق: (و هي مقبولة في حقوق الناس، عقوبة كانت كالقصاص أو غير عقوبة كالطلاق و النسب و العتق، أو ما لا كالقراض و القرض و عقود المعاوضات، أو ما لا يطلع عليه الرجال غالبا كعيوب النساء و الولادة و الاستهلال).

أقول: الدليل على القبول في كل ما ذكر هو: الإجماع و إطلاق النصوص و الاعتبار. و أما قوله في «حق الناس» فسيأتي الكلام عليه قريبا.

قال: (و لا تقبل في الحدود، سواء كانت للّه محضة كحد الزنا و اللواط و السحق، أو مشتركة كحد السرقة و القذف على خلاف فيهما).

أقول: أما عدم القبول في الحدود فللخبرين:- 1- طلحة بن زيد عن أبي عبد اللّه عن أبيه عن علي (عليهم السلام): «انه كان لا يجيز شهادة على شهادة في حد».

2- غياث بن إبراهيم عن الصادق عن أبيه قال قال: «لا تجوز شهادة على شهادة في حد».

و هل المستثنى خصوص الحدود التي هي للّه محضة كحد الزنا أو الأعم منها‌

____________

قبول الشهادة كما وقع عن جمع من المتأخرين فغير جيد، لأنه إنما يفيد لو كان المراد إثبات نفس ما شهد به الأصل. و أما إثبات ما شهد هو به فلا، إذ لا ملازمة بين ثبوت شهادة الأصل و ثبوت ما شهد به، كما في صورة إمكان الأصل، و في الحدود، و في الفرعية الثالثة».

ففيه: ان تلك الأدلة لا تشمل شهادة الفرع بعنوان انه فرع، لكنها شاملة لها بما هي شهادة أصل بالنسبة إلى الشهادة لا المشهود به.

347

و من المشتركة بينه و بين الآدمي كحد السرقة؟ قولان.

المشهور كما في الجواهر و غيره هو الثاني، لعموم الخبرين المذكورين، و عليه المحقق و تبعه صاحب الجواهر.

و الشيخ في المبسوط و جماعة على الأول تغليبا لحق الناس، و اختاره الشهيد الثاني في المسالك، و قال: «لعدم دليل صالح للتخصيص بعد ضعف الخبرين المزبورين».

قلت: ما الدليل على تخصيص قبول الشهادة على الشهادة ب‍ «حق الناس» كما في عبارة المحقق، حتى «يكون حق الناس» مرجحا للقول بالقبول في الحدود المشتركة؟

ان الأدلة العامة تدل على القبول مطلقا، و النصوص الخاصة- بعد الجمع بين المطلق و المقيد منها- تدل على القبول كذلك إلا في «الحدود» و ليس في شي‌ء منها عنوان «حق الناس» و نحوه، و حينئذ لا مرجح لهذه الجهة في هذا القسم من الحدود، بل الملاك صدق عنوان «الحد»، و هو إذ يصدق على المشترك يكون المشترك كالمحض من المستثنى، فلا تقبل الشهادة فيه.

و أما ما في المسالك من عدم صلاحية الخبرين لتخصيص النصوص الدالة على القبول مطلقا. فالجواب عنه ما ذكر في الجواهر من انجبار الضعف بعمل المشهور.

و مما ذكرنا من ان الملاك للاستثناء هو صدق عنوان «الحد» و انه لا أثر لعنوان «حق الناس» في أخبار المسألة يظهر أن الأقرب قبول الشهادة على الشهادة فيما كان حقا للّه غير الحد، كالزكاة و الهلال و نحوهما، و لا مجال حينئذ للرجوع الى الأصل.

و أما كلمات الأصحاب في هذه المسألة فمختلفة جدا، ففي الوقت الذي يدعي كاشف اللثام قطع الأصحاب في عدم الجريان في حقوق اللّه مطلقا، و عن‌

348

العلّامة في التذكرة: لا يثبت الهلال بالشهادة على الشهادة عند علمائنا. يقول السبزواري في الكفاية: محل الشهادة على الشهادة ما عدا الحدود. و لا اعلم خلافا في ذلك، و لا فرق بين الأموال و الأنكحة و العقود و الإيقاعات و الفسوخ و غيرها. و لا فرق أيضا بين أن يكون حق الآدميين أم حق اللّه تعالى كالزكاة و أوقاف المساجد و الجهات العامة و الأهلة و غيرها.» و في الروضة بشرح قول الشهيد: «محلها حقوق الناس كافة» قال: «بل ضابطه كل ما لم يكن عقوبة للّه تعالى مختصة به إجماعا أو مشتركة على الخلاف».

قال في المسالك: «و اعلم ان إطلاق المصنف كون محلها حقوق الآدميين قد يوهم خروج ما كان حقا للّه تعالى و ليس حقا للادمي و ان لم يكن حدا، و هذا ليس بمراد، بل الضابط ما ذكرناه من أن محلها ما عدا الحدود أو ما عدا حدود اللّه تعالى كما تقتضيه الأدلة و الفتاوى».

و على الجملة فإن الشهادة على الشهادة لا تقبل في الحدود المحضة و المشتركة للخبرين، و كذا في التعزيرات، لاحتمال شمول «الحد» في الخبرين للتعزير، فإنه كاف لعدم ثبوت التعزير فيما يوجبه، لاشتراكه مع الحد في البناء على التخفيف، فان كان لموضوع الحد المشهود به بهذه الشهادة أحكام شرعية كنشر الحرمة بأم المفعول و أخته و بنته، و حرمة بنت العمة و الخالة بالزنا بهما، و كثبوت المهر للمزني بها المكرهة ترتب الحكم كما هو صريح جماعة، إذ لا منافاة بين انتفاء الحد بالمانع الشرعي فيبقى غير الحد من الاحكام على مقتضى عموم الأدلة، و كون الجميع معلول علة واحدة لا يقتضي انتفاء الاحكام كذلك، إذ يجوز انفكاك المعلولات للعلل الشرعية، و لذا يثبت بها في السرقة دون الحد.

349

2- في انه لا تقبل الشهادة على الشهادة على الشهادة فصاعدا

قال في الجواهر: بلا خلاف أجده، بل حكى عن غير واحد الإجماع عليه صريحا. قال في الجواهر: و هو الحجة مضافا الى الأصل بعد اختصاص ما دل على قبول الشهادة على الشهادة بالثانية دون ما زاد، و خصوص الخبر المنجبر.

أقول: أما الإجماعات فهي منقولة و محتملة المدرك، فان كان الدليل عمومات الشهادة فإنها تعم الثالثة أيضا، و ان كان الاخبار الخاصة كخبر محمد ابن مسلم فلا تصريح فيها بكونها شهادة على شهادة، و الامام (عليه السلام) أجاب بقوله: «نعم» من غير استفصال.

فالعمدة في الاستدلال هو خبر عمرو بن جميع، فإنه يخصص العمومات و يقيد المطلقات- و معه لا يستدل بالأصل- و ضعفه منجبر بالإجماع و هذا نصه:

«عن أبي عبد اللّه عن أبيه (عليهما السلام) قال: اشهد على شهادتك من ينصحك.

قالوا: كيف، يزيد و ينقص!! قال: لا و لكن من يحفظها عليك، و لا تجوز شهادة على شهادة على شهادة».

و أما دعوى ظهور أخبار المسألة في الشهادة على الشهادة فهي كما ترى، كدعوى انصراف العمومات عن الثالثة.

3- في العدد المعتبر في الشهادة على الشهادة

قال المحقق (قدس سره): (و لا بد ان يشهد اثنان، لان المراد إثبات شهادة الأصل، و هو لا يتحقق بشهادة الواحد، و لو شهد على كل واحد اثنان صح، و كذا لو شهد اثنان على شهادة كل واحد من شاهدي الأصل).

350

أقول: الحاصل ان المعتبر ان تثبت شهادة كل واحد من شاهدي الأصل بشهادة اثنين، سواء كان الشاهدان على شهادة زيد منهما نفس الشاهدين على شهادة عمر منهما أو كانا غيرهما، و سواء كان كلاهما شاهدي فرع أو كان أحدهما شاهد فرع و الأخر شاهد أصل، إذ كونه شاهد أصل لا ينافي كونه مع ذلك شاهد فرع.

و الدليل على ذلك كله عموم الأدلة.

(و كذا لو شهد اثنان على جماعة كفى شهادة الاثنين على كل واحد منهم.

و كذا لو كان شهود الأصل شاهدا و امرأتين فشهد على شهادتهم اثنان.

أو كان الأصل نساء فيما تقبل فيه شهادتهن منفردات كفى شهادة اثنين عليهن).

و كل ذلك لعموم الأدلة المقتضية لقبول شهادة العدلين اتحد المشهود به أو تعدد، و كذا المشهود عليه.

و قد تعرض في الجواهر لخلاف الشافعي في هذه المسألة في أحد قوليه و هو كما في الخلاف: «انه لا يثبت حتى يشهد آخران على شهادة الأخر، و هو اختيار المزني» و حينئذ يعتبر شهود أربعة على الشاهدين، و على الرجل و المرأتين ستة، و على الأربع نساء ثمانية و هكذا.

قال في الجواهر: و ضعفه واضح حتى على ما قيل من أن مبنى الخلاف في جواز كون الأصل فرعا و عدمه، على ان الإشهاد على الشهادة هل هو لإثبات الشهادة أو لحكم النيابة عنها؟

أقول: قد عنون الشيخ في الخلاف هذا الخلاف بقوله: «تثبت بالشهادة على الشهادة شهادة الأصل، و لا يقومون مقام الأصل في إثبات الحق. و للشافعي فيه قولان أحدهما مثل ما قلناه، و الأخر انهم يقومون مقام الأصل في إثبات الحقوق.

دليلنا: ان شاهد الفرع لو كان يقوم مقام الأصل في إثبات الحق لما جازت‌

351

الشهادة على الشهادة، لأنه ان كان الحق إثبات فعل كالقتل و الإتلاف لم يثبت بشهادة الفرع، لانه يحتاج الى مشاهدة و الفرع ما شاهد الفعل، و ان كان الحق عقدا افتقر الى سماع و مشاهدة و الفرع ما سمع و ما شاهد، فلما أجمعنا على جواز الكل ثبت ان الفرع يثبت بشهادة الأصل بلا شبهة».

قال في الجواهر: فعلى الأول الذي هو مذهب الأصحاب يجوز ان يكون الأصل فرعا، لا على الثاني الذي احتمله في الدروس (أي بقوله: و لو قلنا يقومون مقام الأصل في إثبات الحق اشترط مغايرة الشهود. و هذا ضعفه الشيخ) لانه لا يصح ان يكون نائبا عن نفسه و غيره، لان قيامه يستدعي استغناءه عن الغير و نيابته تقتضي افتقاره فلا يجتمعان.

فأجاب (رحمه اللّه) عن قول الشافعي الذي احتمله في الدروس حتى على القول الثاني في مبنى الخلاف، بقوله: «إذ قد يقال بكفاية التغاير الاعتباري عليه، نحو ما سمعته في اتحاد الموجب و القابل، و الأمر سهل بعد وضوح الحال عندنا».

أقول: قد يقال: بأن حكم الحاكم بالقتل حيث يشهد شاهد أصل مع آخر على شهادة أصل آخر ان كان بشهادة الفرع، فالمفروض ان الشهادة هنا حاصلة من شاهد فرع واحد مع أحد الأصلين لا من شاهدي فرع، و ان كان بشهادة الأصل و شهادة الفرع مثبتة لها فالمفروض أن أحد الأصلين قد ثبت شهادته بفرع واحد، و قد تقدم اعتبار شاهدين اثنين.

ثم قال في الجواهر: لكن في الرياض بعد أن ذكر الإطلاق دليلا للأصحاب حاكيا له عن جمع قال: «و في التمسك به لو لا الإجماع نظر» فاعترضه بقوله «و لا اعرف وجه النظر الذي أضمره في نفسه، كما انى لم أعرف أحدا سبقه الى ذلك». قلت: لا وجه له، اللهم الا دعوى الانصراف و لا وجه لها.

352

قال: نعم في القواعد الإشكال في الاجتزاء باثنين في شهود الزنا بالنسبة إلى ترتب نشر الحرمة و المهر لا الحد:

من أن المقصود حق الآدمي من المهر و غيره.

و من أنه تابع للزنا و نحوه، فلا يثبت الا بثبوته و لا يثبت إلا بأربعة، و انه لا بد في الأصل من أربعة، و هو لا يكون أسوء حالا من الفرع.

أو من أن الفرع نائب عن الأصل فيشترط الأربعة. أو: لا يثبت به الا شهادة الأصل فيكفي الاثنان.

و اعترضه بقوله: و فيه ما لا يخفى بعد الإحاطة بما ذكرنا، على أن الذي سمعته من العامة هو أحد قولي الشافعي، و الا فالذي يظهر من خبري البزنطي و ابن هلال عن الرضا (عليه السلام) اكتفاؤهم بالواحد على شهادة المائة.

قال في الأول: «سمعت الرضا (عليه السلام) يقول: قال أبو حنيفة لأبي عبد اللّه: تجيزون شهادة واحد و يمين؟ قال: نعم قضى به رسول اللّه و قضى علي بين أظهركم بشاهد و يمين. فتعجب أبو حنيفة. فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام):

أتعجب من هذا انكم تقضون بشاهد واحد في مائة شاهد: فقال له: لا نفعل.

فقال: بلى تبعثون رجلا واحدا يسأل عن مائة شاهد فتجيزون شهادتهم بقوله، و انما هو رجل واحد».

و قال في الثاني: «ان جعفر بن محمد قال له أبو حنيفة: كيف تقضون باليمين مع الشاهد الواحد؟ فقال جعفر: قضى به رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله و سلّم) و قضى به علي عندكم. فضحك أبو حنيفة. فقال له جعفر: أنتم تقضون بشهادة واحد شهادة مائة. فقال: ما نفعل. فقال: بلى يشهد مائة فترسلون واحدا يسأل عنهم ثم تجيزون شهادتهم بقوله».

قال: و منه يعلم ما في حمل الخبر الأول على التقية.

353

قلت: يعني خبر غياث بن إبراهيم عن الصادق عن أبيه (عليهما السلام):

«ان عليا قال: لا تقبل شهادة رجل على رجل حي و ان كان باليمن» قال في الوسائل: «حمله الشيخ على التقية. و جوز حمله على عدم قبول شهادة رجل واحد على شاهد الأصل، بل لا بد من شاهدين».

و الوجه هو الحمل الثاني، لأن التقية ان كانت من علي (عليه السلام) فهو لم يكن في تقية، و ان كانت من الصادق أو غيره من الأئمة (عليهم السلام) فإسناد المطلب الى علي (عليه السلام) كذب و العياذ باللّه، و هذا وجه اشكال الحمل على التقية لا ما ذكره صاحب الجواهر.

4- في مراتب التحمل

قال المحقق (قدس سره) (و للتحمل مراتب، أتمها أن يقول شاهد الأصل:

اشهد على شهادتي أني أشهد على فلان بن فلان لفلان بن فلان بكذا. و هو الاسترعاء).

أقول: ان الأصل في ذكر هذه المراتب هو الشيخ في المبسوط فإنه (رحمه اللّه) قال: «أما التحمل و هو أن يصير شاهد الفرع متحملا لشهادة شاهد الأصل فإنه يصح بأحد أسباب ثلاثة:

أحدها: الاسترعاء، و هو أن يقول شاهد الأصل لشاهد الفرع اشهد ان لفلان بن فلان على فلان بن فلان ألف درهم فاشهد على شهادتي، فهذا هو الاسترعاء.

الثاني: أن يسمع شاهد الفرع شاهد الأصل يشهد بالحق عند الحاكم فإذا سمعه يشهد به عند الحاكم صار متحملا لشهادته.

الثالث: أن يشهد الأصل بالحق و يعزيه الى سبب وجوبه فيقول: أشهد أن لفلان بن فلان على فلان بن فلان ألف درهم من ثمن ثوب أو عبد أو دار‌

354

أو ضمان أو دين أو إتلاف و نحو هذا، فإذا عزاه الى سبب وجوبه صار متحملا للشهادة، فاما ان لم يكن هناك استرعاء و لا سمعة يشهد به عند الحاكم و لا عزاه الى سبب وجوبه مثل أن يسمعه يقول أشهد أن لفلان بن فلان على فلان بن فلان ألف درهم فإنه لا يصير بهذا متحملا للشهادة على شهادته، لان قوله أشهد بذلك ينقسم إلى الشهادة بالحق، و يحتمل العلم به على وجه لا يشهد به، و هو أن يسمع الناس يقولون لفلان على فلان كذا و كذا وقف التحمل بهذا الاحتمال فإذا استرعاه أو شهد به عند الحاكم أو عزاه الى سبب وجوبه زال الإشكال.

أقول: قال في الرياض انه لا يجوز للفرع التحمل إلا إذا عرف أن عند الأصل شهادة جازمة بحق ثابت، بلا خلاف، لانه المتبادر و المعنى الحقيقي للشهادة على الشهادة. و الظاهر أن ما ذكره الشيخ بيان لمصاديق لذلك، و الا فقد نص جماعة على أنه ليس للمراتب المذكورة في النصوص أثر، نعم جاءت المرتبة الاولى في خبر عمرو بن جميع عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) حيث قال له: «اشهد على شهادتك من ينصحك. قال: أصلحك اللّه كيف، يزيد و ينقص قال: لا و لكن يحفظها عليك.».

و من هنا فقد وقع الخلاف بينهم في قبول التحمل فيما عدا المرتبة الاولى و أعرض جماعة عن ذكر المراتب، و جعلوا المدار على علم الفرع بالشهادة الجازمة للأصل. كما سيأتي.

و كيف كان فإن المرتبة الأولى التي هي أتم المراتب هي الاسترعاء، أي:

التماس شاهد الأصل رعاية شهادته و الشهادة بها، قال في الكفاية: و لا أعرف خلافا في جواز الشهادة معه، بل في المسالك و عن غيرها الإجماع عليه.

و مثل ما ذكره المحقق من اللفظ أن يقول:

«أشهدك على شهادتي.

أو:

إذا استشهدت على شهادتي فقد أذنت لك في أن تشهد» و نحو ذلك. هذا ما نسب إلى الأكثر.