كتاب الشهادات

- السيد محمد رضا الگلپايگاني المزيد...
461 /
405

و الدليل على عدم الحكم في هذه الصورة هو الأصل بعد انصراف أدلة القضاء عن مثلها، و قد روى جميل عن أحدهما (عليهما السلام)- في المرسل الذي هو كالصحيح كما في الجواهر سيما بعد اعتضاده بالشهرة. و في المسالك و صفة بالحسنة- قال:

«في الشهود إذا شهدوا على رجل ثم رجعوا عن شهادتهم و قد قضي على الرجل: ضمنوا ما شهدوا به و غرموه. و ان لم يكن قضي طرحت بشهادتهم و لم يغرم الشهود شيئا».

و أضاف في الجواهر انه لا ترجيح لتقديم قولهم الأول على الثاني.

و أما الخبران:

1- السكوني عن الصادق (عليه السلام) عن النبي (صلى اللّه عليه و آله و سلّم):

«ان شهد عندنا بشهادة ثم غيرها أخذنا بالأولى و أطرحنا الأخرى» (1).

2- هشام بن سالم عن الصادق (عليه السلام): «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يأخذ بأول الكلام دون آخره» (2).

فليسا ظاهرين في الرجوع، لا سيما الأول المشتمل على التغيير و هو غير الرجوع، و ان احتمل عمومه له، على أن اعراض الأصحاب عنهما موجب لوهنهما فلا يعارضان مرسل جميل الذي هو كالصحيح، و لو فرض التعارض و تساقط الطرفين كفى عدم الدليل على الحكم، لانصراف أدلة الشهادة و الحكم عن هذه الشهادة. و أما تنزيلهما على ما بعد الحكم و الاستيفاء فينافيه لفظ «أخذنا» و «يأخذ» فيهما الظاهر في الحكم.

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 239 الباب 11 شهادات.

(2) تهذيب الاحكام 6- 310 ط النجف الأشرف. صحيح. لكنه في وسائل الشيعة 18- 158: «لا يأخذ.» فهو يدل على خلاف المستدل به.

406

ثم ان اعترف الشهود بأنهم تعمدوا الكذب في الشهادة الأولى فهم فسقة و ان قالوا: غلطنا أو أخطأنا فلا فسق، و وجه القبول منهم حينئذ هو أن صاحب القول كصاحب اليد يسمع قوله.

و هل تقبل منهم تلك الشهادة لو أعادوها؟

نسب في الجواهر الى القواعد و المسالك: عدم القبول. قال: و لعله لحسن محمد بن قيس عن الباقر (عليه السلام): «في رجل شهد عليه رجلان أنه سرق فقطع يده، حتى إذا كان بعد ذلك جاء الشاهدان برجل آخر فقالا:

هذا السارق و ليس الذي قطعت يده، انما اشتبهنا ذلك بهذا، فقضى عليهما أن غرمهما نصف الدية و لم يجز شهادتهما على الأخر» (1).

الا انه مع ذلك الأقوى القبول إذا كانا معروفين بالعدالة و الضبط تبعا لكشف اللثام و الجواهر، للعمومات التي يقصر الخبر المزبور عن تخصيصها، و خلافا لصريح المسالك حيث قال: لكن لا تقبل تلك الشهادة لو أعادوها.

و أما نسبة الجواهر العدم الى القواعد ففيها أنا لم نجد ذلك في القواعد، فقد قال العلامة (رحمه اللّه) فيها: «الفصل السابع في الرجوع و مطالبه ثلاثة:

الأول في الرجوع في العقوبات: إذا رجع الشاهد في العقوبة قبل القضاء منع من القضاء (قال كاشف اللثام: اتفاقا للشبهة) و لو كانوا قد شهدوا بالزنا حدوا للقذف، و ان قالوا: غلطنا فالأقرب سقوط الحد. و لو لم يصرح بالرجوع بل قال للحاكم: توقف للحكم، ثم قال له: احكم، فالأقرب جواز الحكم ما لم يحصل للحاكم ريبة، و هل يجب الإعادة؟ اشكال» قال كاشف اللثام: من حصول الأداء الصحيح من أهله، و الأصل، و قد زال التوقف بعد طروه. و من ابطال التوقف له، لانه تشكيك في الشهادة و هو خيرة التحرير.

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 242 الباب 14 شهادات.

407

و هو ممنوع، فان صريح قوله انما هو التوقف في الحكم لا الشهادة، و بعد التسليم فقوله بعده أحكم بمنزلة الإعادة» قلت: و الانصاف ان ما ذكره مشكل.

و لو كان المشهود به الزنا أو نحوه و اعترفوا بالتعمد حدوا للقذف، و ان قالوا: غلطنا ففي القواعد: الأقرب سقوط الحد، و تبعه كاشف اللثام و صاحب الجواهر، و عن المبسوط و الجواهر يحدان أيضا، و في المسالك: وجهان أحدهما: المنع لان الغالط معذور، و أظهرهما الوجوب لما فيه من التعيير و كان من حقهم التثبت و الاحتياط، و على هذا ترد شهادتهم، و لو قلنا لأحد فلا رد» قال كاشف اللثام: و يؤيده مرسل ابن محبوب عن الصادق (عليه السلام) و هو خيرة التحرير.

و هذا نص المرسل: «في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا ثم رجع أحدهم بعد ما قتل الرجل. فقال: ان قال الراجع: أوهمت ضرب الحد و أغرم الدية. و ان قال: تعمدت قتل» (1).

و أجاب عنه في الجواهر بقوله: لكن فيه ان تكليف الغافل قبيح فلا ريب في المعذورية، كما لا ريب في سقوط الحد معها، ضرورة أولويتها من الشبهة التي يدرأ بها، و لذا اختار في كشف اللثام السقوط لها.

و أما قول المسالك: و على هذا ترد شهادتهم و لو قلنا لأحد فلا رد» فغير واضح كما في الجواهر أيضا، و لعله يريد التلازم بين الحد و الرد، و لكنه لا يناسب كلامه المتقدم عليه [1].

____________

[1] أقول: وجه الإشكال في هذه العبارة هو: انه (رحمه اللّه) قال في أصل الرجوع عن الشهادة بأنهم إن اعترفوا بتعمد الكذب فهم فسقة يستبرؤن، فان قالوا: غلطنا لم يفسقوا، لكن لا تقبل تلك الشهادة منهم لو أعادوها. فالقول

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 240 الباب 12 شهادات.

408

و أما الخبر فهو مرسل غير منجبر على أن معناه غير واضح كذلك، لأنه ان كان مخطئا أو شبه عامد فعليه الدية، و ان كان متعمدا فيقتل بالمقتول لان السبب أقوى، فلما ذا الحد؟ [1].

هذا كله في الصورة الأولى.

الصورة الثانية:

أن يرجعا بعد الحكم و الاستيفاء و تلف المحكوم به.

قال المحقق: و لو رجعا بعد الحكم و الاستيفاء و تلف المحكوم به لم

____________

بعدم قبول شهادتهم مع عدم الفسق لا يجتمع مع القول بالقبول مع عدم الرد في الشهادة بالزنا ان قالوا غلطنا.

و يمكن الجواب عن ذلك بأنه قال بعدم القبول مع عدم الفسق لو أعادوا نفس تلك الشهادة، و ذلك لان اختلاف شهادتهم فيها توجب الشك و لزوم الاحتياط، لا سيما مع النظر الى خبر ابن محبوب. أما في الفرع المتعلق بالشهادة بالزنا فمورد النظر هو الشهادة منهم في ما بعد، فهو يقول بأن أظهر الوجهين وجوب الحد. و من حد ترد شهادته فيما بعد. و على الوجه الأول- و هو عدم الحد- فلا ترد، إذ لا نص و لا موجب لعدم القبول، لعدم وقوع الاختلاف منهم في الشهادة الواحدة. و لعل ما ذكرناه هو الوجه في تأمل الجواهر.

[1] أقول: الحد حد القذف، و الدية دية المقتول. أما الدية فثابتة لئلا يطل دم امرئ مسلم، و أما الحد فالمفروض انه قال أوهمت فالمشهور عدم الحد، و عن المبسوط و بعض الأصحاب: يحدان أيضا، فمعنى الخبر واضح، و لذا ذكروه مؤيدا للقول المخالف للمشهور، فينحصر الجواب عنه بعدم تمامية سنده بالإرسال و اعراض المشهور عنه.

409

ينقض الحكم، و كان الضمان على الشهود).

أقول: أما عدم نقض الحكم فعليه الإجماع بقسميه كما في الجواهر.

و قد استدل له بأمور:

الأول: مرسلة جميل. فأما دلالتها فتامة، و أما سندها فمنجبر كما تقدم.

الثاني: الخبران- النبوي و العلوي- المتقدمان. لكن فيه أنهما ظاهران في صدور الحكم استنادا الى الكلام الأول، فلا علاقة لهما بهذه الصورة.

الثالث: استصحاب الصحة. لكن فيه: انه ان كان المراد صحة الحكم فإنه بعد الرجوع ينكشف عدم تمامية الحكم من أصله، و حينئذ فلا حالة سابقه بالصحة حتى تستصحب، فهو نظير ما إذا باع خلا فانكشف كونه خمرا حين العقد، فالعقد باطل من حينه، و ليس كالبيع الواقع صحيحا ثم إذا شك في انفساخه استصحب اللزوم. هذا إذا كان المستصحب صحة الحكم.

و ان كان المراد صحة الشهادة الأولى، بأن يقال: الشهادة السابقة وقعت صحيحة واقعا أو ظاهرا، فيستصحب تلك الصحة و يصح الحكم المستند إليها.

ففيه: أن أدلة «ضع فعل أخيك على أحسنه» لا تشمل الشهادة التي رجع عنها الشاهد نفسه، و الا كان دليل الحمل على الصحة مشرعا. و لو فرض تمامية أصالة الصحة في الشهادة الأولى فإنها جارية في الثانية كذلك، فيتعارضان.

الرابع: إطلاق ما دل على صحة ما لم يعلم فساده.

و فيه: ان هذا شامل للشهادة الثانية المكذبة للأولى أيضا.

الخامس: ان الرجوع لا يدل على فساد الشهادة الأولى، إذ يمكن كون الرجوع كذبا، بل هو كالإنكار بعد الإقرار.

و فيه: انما لا يسمع الإنكار بعد الإقرار، لأن الإقرار يكون دائما في ضرر المقر، فإذا أنكر بعده كان للخلاص من الضرر فلا يسمع فالقياس مع الفارق.

410

السادس: ان الحكم الصادر نافذ بالاجتهاد به فلا ينقض بالاحتمال.

و فيه: ان عدم نقضه بالاحتمال محتاج الى دليل، و لذا كان مانعا عن الحكم لو كان الرجوع قبله، فلو لا الدليل- و هو مرسلة جميل- لما تم الحكم بعدم النقض، فهذا الوجه ساقط.

السابع: ان الشهادة أثبتت الحق، فلا يزول بالطاري كالفسق و الموت.

و فيه: انه ان كان الرجوع من الطواري كالموت تمّ ما ذكره، لكنه ليس كذلك، بل الرجوع يوجب الشك في صحة الشهادة الأولى.

فتحصل عدم النقض في هذه الصورة للمرسلة المنجبرة.

و أما ثبوت الضمان مثلا أو قيمة أو قصاصا أو دية أو نحو ذلك على الشهود فلا كلام فيه كذلك، انما الكلام في أنه يثبت نتيجة الإتلاف من الشهود لكونه مستندا في الحقيقة إليهم من جهة أن السبب أقوى، أو جاء نتيجة الحكم غير المنقوض.

و ذلك لان ثبوت الغرم لا يلازم نفوذ الحكم بل و لا وجوده، فقد يتسبب الشخص في قتل أو تلف مال فيضمن من دون حكم. هذا من جهة. و من جهة أخرى فإن للحكم غير المنقوض آثارا اخرى تترتب تبعا للحد و ان رجع الشاهدان كعدم جواز امامة المشهود عليه، و عدم سماع شهادته فيما بعد، و عدم أهليته لمنصب القضاء و نحو ذلك.

ان أمكن إثبات الضمان على الشهود هنا بأدلة نفوذ الحكم- بضميمة الإجماع إذ لو لا الإجماع لأمكن الخدش في الاستدلال بدعوى انصراف تلك الأدلة عن الحكم المستند إلى الشهادة المرجوع عنها- فهو، و الا ففي كون السبب أقوى من المباشر لإثبات الغرم عليهم كفاية حتى لو فرض نقض الحكم. نعم مع نفوذ الحكم تترتب الآثار الأخرى فيحرم أخت الغلام الموطوء و أمه و بنته، و أكل البهيمة‌

411

الموطوءة المأكولة، و يجب بيع غيرها في بلد آخر. الى غير ذلك من الآثار و التوابع. و ستعرف ذلك.

هذا، و قد يستدل للضمان برواية جميل عن الصادق (عليه السلام): «في شاهد الزور. قال: ان كان الشي‌ء قائما بعينه رد على صاحبه و ان لم يكن قائما ضمن بقدر ما أتلف من مال الرجل» فإنه يدل على ضمان الشاهد. لكن صدره يدل على نقض الحكم بعد الاستيفاء مع قيام العين، لان الرد على صاحبه يكون بنقض الحكم و الا بقيت العين في يد المشهود له و ضمن الشهود، و هذا مخالف لما عليه المشهور، فإنهم يقولون بعدم النقض و الضمان حتى مع بقاء العين [1].

كما سيأتي في الصورة الرابعة، و هي الرجوع بعد الحكم و الاستيفاء و عدم تلف العين.

الصورة الثالثة:

أن يرجعا بعد الحكم و قبل الاستيفاء.

و هو تارة حد و اخرى حق، و الأول منه ما يكون للّه تعالى محضا و منه ما يكون للادمي محضا، و منه ما يكون مشتركا.

فان كان حدا فقد اختار المحقق قده نقض الحكم فيه مطلقا إذ قال:

فان كان حدا للّه تعالى نقض الحكم للشبهة الموجبة للسقوط و كذا لو كان للادمي كحد القذف أو مشتركا كحدّ السرقة.

قلت: لا ينبغي الكلام في سقوط حد اللّه المحض، و الدليل عليه ما أشار‌

____________

[1] أقول: ما المانع من تبعيض الخبر بأن نعمل بالذيل و نستدل به للمقام و نرفع اليد عن الصدر لمخالفة المشهور على المبنى؟ فالأولى هو الجواب عنه بما في الجواهر من أعمية الرجوع من شاهد الزور المعلوم كونه شاهد زور كما هو مفاد الخبر.

412

اليه المحقق من تحقق الشبهة الموجبة للسقوط برجوع الشهود، و قد قال رسول اللّه (صلى اللّه عليه و آله): «ادرأوا الحدود بالشبهات».

ثم عطف عليه المحقق حد الآدمي المحض و الحد المشترك بينه تعالى و بين الآدمي. و الدليل على ذلك عموم الحديث لهذين القسمين أيضا.

و لكن إذا كان المقصود من «الشبهة» هو الشبهة بالنسبة إلى واقع الأمر فإنها موجودة حتى مع عدم رجوع الشهود، لأن الشهادة قد تطابق الواقع و قد لا تطابقه، و لازمه عدم الحكم بشهادة من الشهادات إلا إذا كان الشاهد معصوما. و ان كان المقصود منها الشبهة في الحكم على أثر الرجوع مثلا، بمعنى الشك في وقوعه طبق الموازين الشرعية فإن إطلاقات أدلة نفوذ الحكم و القضاء ترفع هذه الشبهة، و تقتضي نفوذ الحكم. إلا إذا كان الحكم في حد لدليل ادرأوا الحدود بالشبهات. و هو يعم الأقسام الثلاثة.

و كيف كان ففي الجواهر انه لا أجد في شي‌ء من ذلك خلافا محققا.

قال: نعم في القواعد عبر بلفظ الأقرب مشعرا باحتمال العدم بل قال متصلا بذلك: و الاشكال في حدود الآدمي أقوى».

قلت: و في المسالك: «و ان كانت في حدّ اللّه تعالى قيل: لم يستوف لانه مبني على التخفيف، و يدرأ بالشبهة، و هي متحققة بالرجوع. و ان كان حق آدمي أو مشتركا فوجهان: من تغليب حق الآدمي. و وجود الشبهة الدارئة له في الجملة، و هذا أولى. و المصنف جزم بالحكم في القسمين استضعافا للفرق».

و يمكن الاستدلال لعدم السقوط بمرسلة جميل بناء على أن المراد من «قضى عليه» فيه هو الأعم من الاستيفاء و عدمه، فيشمل ما نحن فيه و هو الرجوع بعد الحكم و قبل اجراء الحد.

413

لكن دليل «تدرأ الحدود بالشبهات» متقدم بالحكومة على المرسلة و على أدلة نفوذ الحكم- لو لم نقل بانصرافها- في خصوص الحد كما ذكرنا- فالأقوى ما ذهب اليه المحقق.

و ان كان حقا.

فقد قال المحقق: و في نقض الحكم في ما عدا ذلك من الحقوق تردد.

أقول: يحتمل ان يكون مراده من «ما عدا ذلك من الحقوق» الآثار الشرعية التي تترتب تبعا للحكم بالحد، و يحتمل ان يكون مراده «الحق» في مقابل «الحد» و هذا هو الأظهر.

و منشأ تردد المحقق بناء على الاحتمال الثاني ما ذكره الشهيد الثاني حيث قال: «ان كانت الشهادة في مال استوفى، لان القضاء قد نفذ فيه و ليس هو مما يسقط بالشبهة حتى يتأثر بالرجوع. و فيه وجه آخر: انه لا يستوفى لأن الحكم لم يستقر بعد، و الظن قد اختل بالرجوع» و كذا في كشف اللثام لكن ظاهرهما ترجيح الوجه الأول و يدل عليه مرسلة جميل.

و منشأ تردده بناء على الاحتمال الأول دلالة المرسلة على عدم النقض من جهة، و من جهة أخرى: ان الرجوع يوجب الشك في وقوع الحكم طبق الموازين، فكما ينقض بالنسبة إلى الحد كذلك ينقض بالنسبة إلى الآثار. هذا أولا. و ثانيا: ان الحد و الآثار كليهما معلولان لعلة واحدة فكيف التفكيك بينهما؟

و الجواب: أما عن الأول فبأن الآثار الأخرى- عدا الحد- ليس مما يسقط بالشبهة، فإن الدليل خص ذلك بالحد فقط. و أما عن الثاني فبأنه لا تلازم بين الأمرين، بل الحد و الآثار التابعة حكمان شرعيان، فلا بد من امتثالهما لأدلة نفوذ حكم الحاكم، لكن الحكم قابل للتخصيص، و قد ورد المخصص في خصوص الحد دون الآثار، فالحكم بالنسبة إليها باق على حاله.

414

فالأقوى عدم نقض الحكم إلا في الحد.

ثم ان الآثار قد ذكرنا بعضها. و قد ذكر في القواعد و الجواهر منها: آثار الشهادة بالردة، فإن الحكم في المحكوم بردته إذا رجع الشهود قبل قتله يسقط للشبهة، لكن تبقى قسمة ماله و اعتداد زوجته- قال في القواعد و شرحه- عدة الوفاة ان كانت عن فطرة، أو عدة الطلاق لو كانت عن غير فطرة.

و منها: أثر الشهادة بالقتل و هو القصاص بناء على كونه من الحدود التي تدرأ بالشبهة، قال في القواعد و شرحها: «لو رجعا قبل استيفاء القصاص في النفس لم يستوف، احتياطا في الدماء، و هل ينتقل إلى الدية؟ إشكال، من الشهادة بحق الآدمي، و لما تعذر القصاص ثبت الدية لأنها بدله، و لئلا يطل دم امرئ مسلم. و من أصل البراءة، و أن الدية لا يثبت في العمد الا صلحا، و أن الرجوع عن الشهادة عليه أسقطه عن أصله و الا أوجب القصاص. فإن أوجبناها رجع بها عليهما أخذا بإقرارهما».

قلت: أولا ليس القصاص من الحدود حتى يعمه دليل الدرء. و ثانيا:

لو كان دليل الإلحاق هو الاحتياط في الدماء، فلما ذا لم تسقط آثار الحكم بالردة إلحاقا بسقوط القتل، مع أن المال و الفرج مما يحتاط فيه كالنفس؟

و ثالثا: لو سلم إلحاق القصاص بالحدود فالأقوى هو الوجه الثاني، و هو عدم الانتقال إلى الدية لما ذكره كاشف اللثام و اختاره صاحب الجواهر.

هذا و في المسالك: و ينبغي إلحاق العقوبات كالقتل و الجرح بالحدود و العقود و الإيقاعات بالمال، لسهولة خطرها و ترجيحا لحق الآدمي. و يحتمل إلحاق النكاح بالحدود، لعظم خطره و عدم استدراك فائت البضع.

فبالنسبة إلى «القتل و الجرح» مثلا قال: ينبغي الإلحاق. و بالنسبة إلى «النكاح» قال: يحتمل الإلحاق. لكن في الجواهر نسب اليه احتمال إلحاق‌

415

الثلاثة بالحدود.

و كيف كان فإنه يضعف بأن ما ذكره وجها للإلحاق لا يصلح معارضا للدليل لان دليل الدرء مخصوص بالحدود، و عظم خطر الأمور المذكورة- و ان كان صحيحا- لا يستوجب إلحاقها بالحدود الا مع القطع بالملاك.

الصورة الرابعة:

أن يرجعا بعد الحكم و تسليم المال الى المحكوم له لكن عينه قائمة.

و في هذه الصورة قولان.

قال المحقق: أما لو حكم و سلم، فرجعوا و العين قائمة، فالأصح انه لا ينقض و لا تستعاد العين. و في النهاية: ترد على صاحبها. و الأول أظهر.

أقول: ان الحكم بعدم نقض الحكم في صورة تسليم المحكوم به الى المحكوم له أولى من الحكم به في صورة عدم استيفائه له. و أما ضمان الشاهدين فلان الحكم المستند الى شهادتهما أوجب خروج المال عن ملك المحكوم عليه، فهو كالتلف نظير الإلقاء في البحر، و رجوع الشاهدين كالإقرار بالإتلاف، فهما ضامنان لهذا المال.

و هذا القول هو الأصح وفاقا للمحقق بل المشهور بل قيل: ان عليه عامة المتأخرين بل و القدماء كما في الجواهر.

و ذهب الشيخ في النهاية إلى نقض الحكم و رد العين على صاحبها حيث قال: و ان كان رجوعهما بعد حكم الحاكم غرما ما شهدا به، إذا لم يكن الشي‌ء قائما بعينه، فان كان الشي‌ء قائما بعينه رد على صاحبه، و لم يلزما شيئا» و قد تبعه عليه بعضهم.

قال في الجواهر: لا لما ذكروه لهم من الوجوه الواضحة الفساد [1]، بل‌

____________

[1] أقول: أما الوجوه فقد ذكرها صاحب المستند و أجاب عنها و هذا

416

لما عن جامع المقاصد من الرواية بذلك. بل قيل: يمكن أن تكون هي رواية جميل عن الصادق (عليه السلام): «في شاهد الزور قال: ان كان الشي‌ء قائما بعينه رد على صاحبه، و ان لم يكن قائما ضمن بقدر ما أتلف من مال الرجل» (1).

و ان كان فيه ما لا يخفى.

و فيه: ان النقض في مفروض السؤال في الخبر على القاعدة، لأن الحكم مستند إلى شهادة زور، فهو ساقط، و إذا سقط و العين تالفة ثبت الضمان، من جهة قوة السبب على المباشر، و لا يصلح هذا الخبر دليلا على النقض في محل الكلام و هو الرجوع عن الشهادة، فإنه لا يثبت من الرجوع كون الشهادة زورا بل يتردد الأمر بين صدق الشهادة الاولى و الشهادة الثانية.

____________

نص عبارته: و استدل لهم بأن الحق ثبت بشهادتهما، فإذا رجعا سقط كما لو كان قصاصا، و لان الحكم دوامه يكون بدوام شهادتهما كما أن حدوثه كان بحدوثها. (قال): و الأول عين النزاع، و القياس على القصاص مع الفارق، لأن الشبهة في القصاص مؤثرة. و الأخير يصح لو قلنا بأن العلة المبقية هي العلة الموجدة، و هو غير لازم.

و أما جامع المقاصد فليس فيه كتاب الشهادات، و لعل المراد هو كتاب الجامع للشرائع لابن سعيد الحلي. أنظر ص 546 منه.

و أما الاستدلال بخبر جميل فهو في الكفاية حيث استدل به لهذا القول معبرا عنه بالصحيحة ثم قال: و لا يبعد ترجيح هذا القول. قال في المستند:

و هو كما قاله بعض مشايخنا المعاصرين غفلة واضحة. فذكر ما قال صاحب الجواهر.

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 239 الباب 11 شهادات.

417

و بما ذكرنا يظهر ما في كلام كشف اللثام من اختياره لهذا القول معللا له بأن الرجوع كشف عن بطلان ما استند اليه الحكم من الشهادة، لظهور كذبهم في أحد القولين، و الأصل براءتهم من الغرامة.

لأن المفروض هو التردد بين صدق الاولى و الثانية، و أما مع العلم ببطلان الشهادة الاولى فلا كلام في النقض.

«المسألة الخامسة» (في ما لو رجع الشهود و كان المشهود به قتلا أو جرحا)

قال المحقق (قدس سره): المشهود به ان كان قتلا أو جرحا فاستوفي ثم رجعوا، فان قالوا: تعمدنا اقتص منهم، و ان قالوا: أخطأنا كان عليهم الدية و ان قال بعض تعمدنا، و بعض أخطأنا.).

أقول: المشهود به ان كان قتلا أو جرحا و كانت الشهادة جامعة للشرائط المعتبرة حكم الحاكم بالاستيفاء. ثم إذا رجع الشهود عن شهادتهم- التي استند إليها الحكم، و كانوا السبب الواقعي لقتل المشهود عليه أو جرحه- سئلوا عن شهادتهم الأولى:

فإن قالوا: تعمدنا الكذب، اقتص منهم [1]، و ذلك لما ذكرنا من قاعدة قوة‌

____________

[1] قال في الجواهر هنا «ان أمكن». و هو إشارة الى أن عبارة المحقق «اقتص» أعم من القتل و الجرح، و القصاص في الطرف- و هو الجرح- قد يمكن و قد لا يمكن، فإن أمكن اقتص و الا انتقل إلى الدية. و هذا معنى عبارة المسالك: فان قالوا تعمدنا فعليهم القصاص أو الدية في موضع لا يقتص فيه من المتعمد موزعة على ما هو مذكور في الجنايات. و كذا في المستند و غيره.

418

السبب على المباشرة، و في الكفاية انه المقطوع به في كلام الأصحاب.

و ان قالوا: أخطأنا. كان عليهم الدية. و ظاهر قول المحقق و غيره «عليهم» هو كونها في أموالهم، و به صرح في الجواهر.

أقول: أما الانتقال إلى الدية فلا كلام فيه، انما الكلام في أنه من الخطأ المحض أو أنه شبيه عمد؟

قال في المسالك: «فان قالوا أخطأنا فعليهم الدية على ما يفصل في قتل الخطأ» و ظاهره أنه من الخطأ المحض، و تبعه بعضهم كصاحب كشف اللثام حيث قال: «فعليهم الدية في أموالهم، لأنه ثبت بإقرارهم، الا أن تصدقهم العاقلة».

و قال صاحب الجواهر: لانه شبيه عمد.

أقول: «الخطأ» هو وقوع «القتل» مثلا بلا قصد منه اليه، كما لو رمى حيوانا فأصاب إنسانا و قتله.

و «شبه العمد» هو أن يكون قاصدا للقتل لكن يشتبه في تطبيق من يقصد قتله فيقتل غيره، كمن حفر بئرا على طريق زيد قاصدا وقوعه فيها لانه مهدور الدم فوقع فيها فمات، ثم ظهر كون المهدور دمه غير زيد.

و «العمد» هو القيام بهذه المقدمات، مع عدم الاشتباه في التطبيق و العلم بكونه معصوم الدم.

ففي «العمد» القصاص.

و في «شبه العمد» الدية في ماله.

و في «الخطأ» الدية على العاقلة.

فصاحب الجواهر يقول بثبوت الدية في مال الشهود، لانه شبيه عمد، و صاحب كشف اللثام يقول: بثبوتها في أموالهم، لأن الخطأ قد ثبت بإقرارهم‌

419

- لا بالبينة- و الإقرار انما يقبل إذا كان من المقر على نفسه، فلا يفيد لثبوتها على العاقلة إلا إذا صدقوهم.

فالكل متفقون على ثبوت الدية في أموالهم، الا ان كاشف اللثام يقول بثبوتها في أموال العاقلة إن صدقتهم، و تحقيق المطلب في محله ان شاء اللّه تعالى.

قال في الجواهر: و كأن الوجه في التمسك بقولهم: «عمدنا» و «أخطأنا» أنه غالبا لا يعرف ذلك الا من قبلهم».

قلت: كأنه جواب سؤال مقدر هو: انه كيف يقبل منهم قولهم: «تعمدنا» أو «أخطأنا» و يرتب الأثر عليه، مع أن من الممكن أن يكون متعمدا في الواقع ثم يدعي الخطأ؟

فالجواب: ان القصد و عدم القصد أمران قلبيان، لا يمكن إقامة البينة أو البرهان عليهما، فهما- كبعض الأحكام المتعلقة بالنساء- لا يعرفان الا من قبل القاتل نفسه.

ثم ذكر (رحمه اللّه) فرعا و هو: ما إذا رجعوا عن الشهادة و منع مانع من قول «تعمدنا» أو قول «أخطأنا» فلم يعرف الأمر من قبلهم، و لا طريق آخر لمعرفة ما إذا كانوا متعمدين فالقصاص، أو مخطئين فالدية، فهل يلزم بالدية لأنه لا يبطل دم امرئ مسلم، أو يوقف الحكم حتى يعلم الحال- و لو بأن ينتقل القصاص على فرضه إلى الدية بموت و نحوه؟ وجهان.

قال في الجواهر: لا يخلو أولهما من قوة.

لو قال بعض تعمدنا و بعض أخطأنا

قال المحقق: و ان قال بعض: تعمدنا. و بعض: أخطأنا، فعلى المقر بالعمد

420

القصاص و على المقر بالخطإ نصيبه من الدية، و لولي الدم قتل المقرين بالعمد أجمع، و ردّ الفاضل عن دية صاحبه، و له قتل البعض و يردّ الباقون قدر جنايتهم).

أقول: قال في الجواهر: كل ذلك لا خلاف فيه، بل لعل الإجماع بقسميه عليه. و استدل له بأمور:

الأول: قاعدة قوة السبب على المباشرة.

و هذه قاعدة مسلمة (1) عند العرف، فإنهم يرون الشاهد هو السبب في إحقاق الحق أو إضاعته، و الحاكم و المباشر للأمر على أثر حكمه معذوران عندهم.

و تؤيد هذه القاعدة النصوص الواردة في موارد مختلفة.

الثاني: عمومات القصاص. كقوله تعالى «وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنٰا لِوَلِيِّهِ سُلْطٰاناً فَلٰا يُسْرِفْ فِي الْقَتْلِ» بناء على أن يكون له إطلاق.

الثالث: ما ورد في كتاب القصاص من حكم المشتركين في القتل عمدا و خطأ.

الرابع: نصوص المقام، و منها:

1- ابن محبوب: «عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في أربعة شهدوا على رجل محصن بالزنا، ثم رجع أحدهم بعد ما قتل الرجل. قال: ان قال الراجع- الرابع- أو همت ضرب الحد و أغرم الدية. و ان قال: تعمدت قتل» (2).

و قد اشتمل هذا الخبر على وجوب الحد و الدية في حال الخطأ، و كأن الحد للقذف، و الدية للقتل عن خطأ، و هذا مما لم يفت به. أما في حال‌

____________

(1) هذا إشارة إلى جواب مناقشة جامع المدارك في كبرى هذه القاعدة 6- 159.

(2) وسائل الشيعة 18- 240 الباب 12 شهادات. مرسل.

421

العمد فقد حكم فيه بالقتل من دون تعرض للحد.

و اشتمال الخبر على ما ذكرنا يوجب سقوط تلك الفقرة منه، ان لم يوجب سقوطه كله.

2- محمد بن قيس: «عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) في رجل شهد عليه رجلان بأنه سرق، فقطع يده، حتى إذا كان بعد ذلك جاء الشاهدان برجل آخر فقالا: هذا السارق و ليس الذي قطعت يده انما شبهنا ذلك بهذا. فقضى عليهما أن غرمهما نصف الدية، و لم يجز شهادتهما على الأخر» (1).

و معنى «غرمهما نصف الدية» أنه غرم كل واحد منهما نصف دية الأصابع التي قطعها بشهادتهما.

3- السكوني «عن جعفر عن أبيه عن علي (عليهم السلام) في رجلين شهدا على رجل أنه سرق، فقطعت يده، ثم رجع أحدهما فقال: شبه علينا، غرما دية اليد من أموالهما خاصة.

و قال في أربعة شهدوا على رجل أنهم رأوه مع امرأة يجامعها و هم ينظرون فرجم، ثم رجع واحد منهم. قال يغرم ربع الدية إذا قال: شبه عليّ. و إذا رجع اثنان و قالا: شبه علينا غرما نصف الدية، و ان رجعوا كلهم و قالوا: شبه علينا غرموا الدية. فإن قالوا: شهدنا بالزور قتلوا جميعا» (2).

4- إبراهيم بن نعيم: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن أربعة شهدوا على رجل بالزنا، فلما قتل رجع أحدهم عن شهادته. قال: فقال: يقتل الرابع‌

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 242 الباب 14 شهادات. معتبر.

(2) وسائل الشيعة 18- 243 الباب 14 شهادات.

422

- الراجع- و يؤدي الثلاثة إلى أهله ثلاثة أرباع الدية» (1).

دل على أن من أقر بالعمد يقتل، و يبقى البحث في دلالته على وجوب ديته على الثلاثة الباقين، لا على ولي المقتول، و قد قال المجلسي (رحمه اللّه):

ظاهر الأصحاب و الاخبار أن المؤدى للدية هو ولي الدم. و سيأتي تمام الكلام على هذا الخبر حيث يتعرض المحقق لفتوى الشيخ في النهاية.

هذا و في المسالك هنا ما نصه: «و كذا لو شهدوا بالردة فقتل، أو على المحصن فرجم، أو على غير المحصن فجلد و مات منه، لكنه هنا يلزمهم الدية، لأنه عمد شبيه الخطأ، لقصدهم الى الفعل المؤدي إلى القتل».

و توضيحه: أن الشهود إذا شهدوا على غير المحصن فجلد و مات من الجلد، فإنّهم قد شهدوا بما يوجب الضرب، و الضرب لا يؤدي الى الموت غالبا، فيكون حالهم حال المباشر الذي باشر الضرب بما لا ينتهي إلى الموت غالبا، فاتفق موت المضروب. فالحكم هو الدية، لأنه قد صدر الفعل عن عمد و لم يقصد القتل، فهو شبيه عمد.

لو قال احد شهود الزنا بعد الرجم تعمدت

قال المحقق: و لو قال أحد شهود الزنا بعد رجم المشهود عليه: تعمدت.

فان صدقه الباقون كان لأولياء الدم قتل الجميع. أما لو لم يصدقه الباقون لم يمض إقراره الا على نفسه فحسب. و قال في النهاية: يقتل و يرد عليه الباقون ثلاثة أرباع الدية. و لا وجه له).

أقول: ذكر المحقق (رحمه اللّه) لهذا الفرع صورتين فالأولى:

أن يصدق باقي الشهود قول القائل منهم: «تعمدت» أي أن يقولوا أيضا:

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 240 الباب 12 شهادات. معتبر.

423

تعمدنا. هذا معنى عبارة المحقق و ان كانت غير واضحة فيه، و كذا لو ادعى تعمّد الباقين مثله فصدقوه. و لو كان المراد تصديقهم إياه في قوله «تعمدت» بمعنى علمهم الان بكذبه في تلك الشهادة، و أنّهم لو علموا بذلك في ذاك الحين لما شهدوا. كان عليهم الدية و لا يقتلون.

و الحكم في هذه الصورة هو أن لأولياء الدم قتل جميع الشهود، و يردون ما فضل عن دية المرجوم، أي يؤدون لورثة كل واحد منهم ثلاثة أرباع الدية.

و ان شاء أولياء الدم قتلوا واحدا من الشهود مع رضا الباقين، و حينئذ يرد الباقون تكملة دية المرجوم إلى ولي الدم بالحصص، بعد وضع نصيب المقتول.

و ان شاؤا قتلوا أكثر من واحد من الشهود، و على الأولياء رد ما فضل عن دية المرجوم الى وراث المقتولين، و أكمل الباقون من الشهود ما يعوز بعد وضع نصيب المقتولين. فلو قتلوا اثنين منهم ردّوا على وراثهم ثلاثة أرباع الدية عن كل واحد، و على كل من الاثنين الباقيين ربع الدية، يؤدى الى وراث المقتولين.

هذا هو الحكم. و في الجواهر: لا إشكال في شي‌ء من ذلك و لا خلاف. و في المسالك: الضابط ان الشّهادة متى أوجبت القتل سواء كان بسبب الزنا أو بسبب القصاص أو الردة فالحكم ما ذكر من جواز قتل المتعمد، و أخذ الدية من الخاطي، و حكم الرد مع زيادة المقتول على ما يفصّل في بابه.

و الصورة الثانية في هذا الفرع: أن لا يصدّق الباقون قول القائل من الشهود «تعمدت»، و فيها خلاف، فالمحقق (رحمه اللّه) قال: «لم يمض إقراره الا على نفسه فحسب» قال في المسالك: لاختصاص حكم الإقرار بالمقر، فان اختار الولي قتله ردّ عليه ثلاثة أرباع ديته، و ان اختار أخذ الدية كان عليه‌

424

الربع خاصة، لأنه إنما أقر بالشركة في القتل. و كذا لو قال: أخطأت.

و في المسالك عن الشيخ في النهاية: ان قال تعمدت قتل، و أدى الثلاثة إليه ثلاثة أرباع الدية، و ان رجع اثنان و قالا: أو همنا ألزما نصف الدية، و ان قالا: تعمدنا، كان للولي قتلهما و يؤدي الى ورثتهما دية كاملة بالسوية، و يؤدى الشاهدان الآخران الى ورثتهما نصف الدية. و ان اختار الولي قتل واحد قتله، و أدى الأخر مع الباقين من الشهود على ورثة المقتول الثاني ثلاثة أرباع الدية.

قال في المسالك: و وافقه ابن الجنيد.

قلت: عبارة الشيخ مطلقة، فليس فيها قول الباقين «تعمدنا» أو «أخطأنا» أو ذكر لبقائهم على الشهادة، فهي بإطلاقها مخالفة لفتوى المشهور.

و مستند ما ذهب اليه- كما في المسالك و الجواهر- حسنة إبراهيم بن نعيم المتقدمة، الصريحة في أنه «يؤدي الثلاثة إلى أهله ثلاثة أرباع الدية»، و هو مطلق، أي سواء أقروا بالخطإ أو ثبتوا على شهادتهم، و أما لو أقروا بالتعمد جاز قتلهم كذلك.

فالخبر يدل على قول الشيخ، لكن من الممكن حمله على الإقرار بالخطإ، أو على صورة شبه العمد، لأنهم لو كانوا يعلمون بكذب الرابع لما شهدوا، و حيث رجع انكشف لهم، فهو شبيه عمد، و عليهم الدية.

فإن تم هذا الحمل فهو، و الا فالخبر معرض عنه و ان كان معتبرا سندا، لمخالفته للأصل، فان أحدا لا يلزم بإقرار غيره.

و من هنا قال العلّامة بعد قول الشيخ: «ليس بجيد» و قال المحقق: «لا وجه له».

و أما الإشكال في الخبر بأن الرجوع عن الشهادة لا يلازم كون الشهادة بالزور (1) ففيه: ان جواب الامام (عليه السلام) يكشف عن كون تلك الشهادة زورا.

____________

(1) جامع المدارك 6- 160.

425

فان قيل: لمّا كان القاضي من قضاة الجور فان الشهود كلّهم ضامنون، فيقتلون.

فإنه يجاب بأن جواب الامام (عليه السلام) منزل على حكم الحاكم الذي يجوز الترافع اليه، مع أنه قد يتوقف إحقاق الحق على الرجوع الى قاضي الجور، و مع التنزل عن ذلك فإنه لم يكن للشيعة مناص من إنفاذ حكم قضاة العامة، فإن كانوا كاذبين في شهادتهم ضمنوا، و الا فقد شهدوا عند هذا القاضي لأجل إحقاق الحق، فلا ضمان، بل الضامن في الواقع هو القاضي، أما الذي رجع عن شهادته فالقصاص جزاؤه.

و الحاصل أنه ان لم يرجع الباقون فلا شي‌ء عليهم، و ان رجعوا و قتل ولي الدم أكثر من واحد منهم كان عليه فاضل الدية من ماله الخاص.

و لو قال: تعمدت الكذب و ما ظننت قبول شهادتي في ذلك ففي القواعد و الجواهر: في القصاص إشكال. أي: من أنه كان يظن أن هذه الشهادة لا تقبل فلا يقتل المشهود عليه بها، فهو غير قاصد لقتله، فلا عمد فلا قصاص، و من أنه قد قتل المشهود عليه بشهادته، فهو السبب فيه القصاص.

و اختار في القواعد و كاشف اللثام- كما عن المبسوط- العدم، قال العلّامة: لكنه شبيه عمد، لانه قصد الفعل و لم يقصد القتل، فلا تجب إلا الدية مغلظة. و خالف في التحرير فاختار القصاص، لاعترافه بتعمّد ما يقتل غالبا قلت: و هو مشكل. و التفصيل في محله.

قال في القواعد: و كذا لو ضرب المريض لتوهمه انه صحيح ما يتحمله الصحيح دون المريض فمات على اشكال.

و وجه الاشكال ما ذكرنا.

قال كاشف اللثام: و في التحرير و الإرشاد القصاص فيه، مع ان العلّامة‌

426

في الإرشاد استقرب في الفرع الأول الدية كما هنا. و كأن الفرق بالمباشرة و التسبيب.

قال: و حاصل المسألتين أنه إذا باشر أو سبب عمدا ما يقتل غالبا بظن أنه لا يقتل فقتل، فهل هو عمد أو شبيه عمد؟

قلت: و ظاهر عباراتهم أن الضمان على الشهود لكن مقتضى القاعدة ضمان المباشر، لان الشهود انما شهدوا بالزنا، و الحاكم حكم بالحد، الا ان المباشر ضربه و هو يراه مريضا، فهو الضامن.

و في القواعد: و لو صدقه الباقون في كذبه في الشهادة- أي انه لم يشهد زناه- لا في كذب الشهادة- أي ان المشهود به واقع- اختص القتل به، و لا يؤخذ منهم شي‌ء.

قال كاشف اللثام: و ان اعترفوا بأنه لم يكن شهود الزنا بالحق متكاملة، بل على الولي رد فاضل الدية.

و اعترضه في الجواهر بقوله: لا يخلو من نظر مع علمهم بالحال من أول الأمر.

قلت: و هو في محله، إلا إذا كانوا غافلين عن عدم حضور الرابع.

حكم ما لو شهدا بالعتق فحكم ثم رجعا

قال المحقق: و لو شهدا بالعتق فحكم ثم رجعا ضمنا القيمة تعمدا أو خطأ لأنهما أتلفاه بشهادتهما.

أقول: إنما يضمنان قيمة العبد، لان العتق بمنزلة الإتلاف، و قد كانا السبب في ذلك.

و إذا رجعا لم يرجع رقا، و أما القيمة فهي قيمة العبد في وقت الحكم، لانه وقت الإتلاف.

427

و ظاهر كلماتهم عدم الخلاف في عدم رجوعه رقا بالرجوع بيننا، قال في كشف اللثام و الجواهر: خلافا لبعض العامة، فرده في الرق. قال الثاني: و لا وجه له، لأصالة صحة الحكم.

قلت: و الاولى الاستدلال بأدلة نفوذ الحكم.

ثم انه لا يفرق في الإتلاف بين العامد و الخاطى، لأنهما أتلفا المال على المالك على كل حال بشهادتهما، و المال يضمن بالتفويت.

قال في المسالك و الجواهر: و لا فرق بين أن يكون المشهود بعتقه قنا أو مدبرا أو مكاتبا أو أم ولد أو معلّق (1) العتق بصفة، خلافا لبعض العامة في أم الولد حيث قال: لا غرم، قلت: و لا وجه لقوله، لان شهادته قد تسبب عتقها في حال موت ولدها في حياتها.

و لو كانت الشهادة على تدبير عبد ثم رجعا بعد الحكم، لم يغرم الشاهدان في الحال، لان الملك لم يزل ما دام المولى حيا، فإذا مات و لم يرجع عن تدبيره فوجهان. من جواز الرجوع له متى شاء- الا أن يشهدا بالتدبير منذورا بأن يكون قد قال مثلا: للّه علي ان بري‌ء ولدي من مرضه أن يكون عبدي فلان حرا بعد وفاتي. فإن النذر هكذا يمنعه من الرجوع- و من أنهما السبب في العتق، و أنه لا يجب على المولى الرجوع و ان جاز له.

اختار الشهيد الثاني الغرامة، و كاشف اللثام العدم. قال في الجواهر:

و لعله الأقوى. قلت: و الوجه في ذلك هو: ان التدبير يقتضي الحرية بعد الموت و المانع هو رجوع المولى، فإذا لم يرجع أثر المقتضي أثره، و نسب الإتلاف عرفا الى المولى لا الشاهدين، نظير ما لو أبلغ الرجل سارقا الى دار للسرقة،

____________

(1) في المسالك: أو يتعلق العتق بنصفه.

428

فدخلها السارق و مكنّه صاحب الدار من السرقة مع إمكان دفعه له، فإنه هو المقصر عند العرف لا الرجل المزبور.

و لو مات المولى و لم يرجع، و قد رجع الشاهدان عن شهادتهما بعد موته ففي المسالك و الجواهر: أغرما للورثة.

قلت: فان قيل: ان هذا المال يخرج عن ملك المولى بمجرد موته، لان المفروض هو التدبير و عدم الرجوع منه، و إذ ليس من ملكه فلا تشمله ضابطة كل ما ترك الميت من مال أو حق فهو لورثته، فهو ليس للورثة حتى يغرما لهم.

قلت: ان ثبوت الغرم هو من جهة أنه لو كان هذا المال باقيا في ملك المولى لانتقل الى ورثته بموته، لكن السبب في تلفه هو الشاهدان، فهما المتلفان لما كان ينتقل إليهم، فعليهما الغرم لهم.

هذا فيما لو شهدا على التدبير و رجعا. و أما لو شهدا بكتابة عبده (و في الكتابة يخرج العبد عن سلطنة المولى، و ليس للمولى الرجوع عن الكتابة بخلاف التدبير، و ليس الكتابة بيعا بأن يبيع المولى العبد من نفسه، إذ لا عرفية لذلك، بل هي معاملة مستقلة) ثم رجعا، فان عجز و ردّ في الرق فلا شي‌ء عليهما، لأنهما لم يفوتا شيئا كما في القواعد و كشف اللثام و الجواهر.

و هل مجرد العجز موجب للرق أو هو و رجوع المولى؟ وجهان و الأظهر الأول.

قال في الجواهر: نعم في التحرير: يحتمل أن يقال: عليهما ضمان أجرة مدة الحيلولة إن ثبتت، و جزم به في المسالك.

قلت: اي لا يضمنان غيرها شيئا، و شهادتهما و ان أوجبت عيبا في الملك و نقصت من قيمته، و كان عليهما بذل تفاوت القيمة أيضا، لكن رجوعه إلى الرقية‌

429

بالعجز رافع للعيب، و ذلك مسقط للضمان، فليس عليهما الا بدل الحيلولة.

هذا كلامهم و فيه اشكال، و لا سيما و انه ينافي ما سيذكر عنهم من الفتوى بعدم استعادة الغرامة في الفرع الاتي.

هذا ان عجز.

و ان أدى و عتق ضمن الشاهدان جميع قيمة العبد وفاقا للقواعد و المسالك و الجواهر لأنهما فوتاه على المولى بشهادتهما. و ما قبضه السيد من كسب عبده لا يحسب عليه لانه ماله.

و احتمل جماعة أن لا يضمنا الا ما زاد من قيمته على النجوم ان زادت، بناء على أنّ المكاتبة بيع للمملوك من نفسه بالنجوم. لكن قد أشرنا إلى ضعف هذا المبنى.

و لو أراد تغريمهما قبل انكشاف الحال- أى حال العجز أو القدرة على أداء النجوم- غرما ما بين قيمته سليما أو مكاتبا- من جهة ان المكاتبة تحدث فيه عيبا- و لا يستعاد من المولى- ما أخذه منهما- لو استرق، لزوال العيب بالرجوع، و هو فعل المولى لا فعلهما.

و الحاصل ان العيب مستند الى شهادتهما فيغرمان، و رفعه غير مستند إليهما حتى تستعاد الغرامة، فلا تستعاد وفاقا للقواعد و الجواهر.

هذا لو كانت الكتابة مشروطة، بمعنى عدم تحرر شي‌ء منه حتى يدفع القيمة كلها فيتحرر كله، في مقابل الكتابة المطلقة، بمعنى انعتاقه بإزاء ما يؤديه من النجوم.

فلو شهدا بالكتابة المطلقة جاء فيها ما ذكر في الشهادة بالمشروطة من الضمان لما ينعتق منه بإزاء ما يؤديه من النجوم، و من احتمال ضمان ما زاد من قيمة الشقص على ما يؤديه منها- و قد عرفت ضعف مبناه- و من احتمال‌

430

التحرير لضمان أجرة الحيلولة ان كانت. و من أن للمولى تغريم الشاهدين قبل انكشاف الحال ما بين قيمته سليما و مكاتبا.

و لو شهدا أنه أعتقه على مال هو دون القيمة، فحكم الحاكم، أعتق العبد و ملك المولى المال لانه يؤدي من كسبه، و ضمن الشاهدان القيمة.

و لو شهدا أنه وقفه على مسجد أو جهة عامة فكالعتق، و لا يرد الوقف بالرجوع.

و الأمة ان استولدت لاتباع الا أن يموت ولدها فلو شهدا باستيلاد أمته ثم رجعا في حياة المولى، غرما ما نقصته الشهادة من قيمتها، و لا تستعاد الغرامة من المولى ان مات الولد، لانه ارتفاع عيب بفعله تعالى.

أما لو قتلا ولدها فهل لهما الرجوع في الغرامة؟ في كشف اللثام و الجواهر احتمال. أي: لارتفاع العيب بفعلهما حينئذ. و لكنه مشكل. و اللّه العالم.

«المسألة السادسة» (في بعض أحكام شهادة الزور)

قال المحقق: إذا ثبت أنهم شهدوا بالزور نقض الحكم و استعيد المال فان تعذّر غرم الشهود، و لو كان قتلا ثبت عليهم القصاص و كان حكمهم حكم الشهود إذا أقروا بالعمد. و لو باشر الولي القصاص و اعترف بالتزوير لم يضمن الشهود، و كان القصاص على الولي.

أقول: إذا ثبت عند الحاكم أن الشهود الذين حكم بشهادتهم قد شهدوا بالزور نقض الحكم لانكشاف اختلال ميزان الحكم، بل هو أولى بالنقض من تبيّن فسق الشهود.

و حينئذ فإن كان مورد الحكم مالا استعيد الى المشهود عليه، فان تعذر‌

431

اعادته اليه غرّم الشهود، لأنهم هم السبب في تلفه على مالكه [1] و يدل عليه مع ذلك نصوص (1) منها:

1- جميل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في شاهد الزور قال: ان كان الشي‌ء قائما بعينه رد على صاحبه، و ان لم يكن قائما ضمن بقدر ما أتلف من مال الرجل».

2- محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في شاهد الزور ما توبته؟ قال: يؤدي من المال الذي شهد عليه بقدر ما ذهب من ماله.»‌

و ان كان مورد الحكم قتلا، فقتل المشهود عليه، ثبت القصاص على الشهود- ان كان المباشر لا يعلم بكونها شهادة زور. و ذلك لان حكم الشهود في هذه الحال حكمهم إذا رجعوا و أقروا بالعمد، الذي قد عرفت ثبوت القصاص عليهم فيه دون المباشر.

و أما لو باشر الولي القصاص ثم اعترف بكون الشهادة التي أقامها شهادة زور لم يضمن الشهود، و كان القصاص على الولي خاصة، لكونه هو السبب في القتل، و من هنا أيضا يكون عليه الدية لو باشر القصاص و اعترف بالخطإ.

و لو رجع مع الشهود فهل عليه القصاص فقط كذلك أو يكون معهم كالشريك فيقتص منهم جميعا؟ وجهان.

من أنه المباشر و هم معه كالممسك مع القاتل، و من انهم متعاونون معه على القتل و ليسوا كالممسك مع القاتل، فإنهم قد صوروه بصورة المحقين،

____________

[1] أقول: لكن هذا لا ينفي ضمان المحكوم له العالم بالحال، فهو ضامن أيضا كالشهود، و للمشهود عليه الرجوع الى أي الطرفين شاء.

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 238 الباب 11 شهادات.

432

فعليهم جميعا القصاص أو الدية منصفة بالحساب.

و الأجود هو الأول تبعا للمسالك و الجواهر.

«المسألة السابعة» (حكم ما لو شهدا بالطلاق ثم رجعا)

قال المحقق (قدس سره): إذا شهدا بالطلاق ثم رجعا، فان كان بعد الدخول لم يضمنا، و ان كان قبل الدخول ضمنا له نصف المهر المسمى، لأنهما لا يضمنان الا ما دفعه المشهود عليه بسبب الشهادة

أقول: في الشهادة بالطلاق ثم الرجوع عنها ذكر المحقق (رحمه اللّه) صورتين، إحداهما: أن تكون الشهادة بعد الدخول، و الثانية أن تكون قبله.

و المقصود بالبحث في هذه المسألة هو الضمان، و أما حكم الحاكم فلا ينتقض برجوع الشاهدين، لان قولهما في الرجوع محتمل فلا يرد القضاء المبرم بقول محتمل.

و ثبوت الضمان و عدمه في هذه المسألة مبني على أن البضع هل يضمن بالتفويت كما لو فوّت الشخص منافع أجير لغيره بحبس و نحوه، أم لا يضمن، كما لو فوّت منافع الحر بحبسه، فإنه لا يضمن له شيئا؟

قال المشهور بالثاني، و على هذا فلو قتلها الزوج أو قتلت هي نفسها لم يضمن بضعها، و كذا لو غصب أمة و ماتت في يد الغاصب يضمن بذلك قيمة الأمة و قيمة منافعها- و ان لم يستوفها- دون بعضها مع عدم استيفائه.

و قيل: بالأول، لأن البضع متقوم بالمال، و من ثم لو استوفاه مستوف ضمن بقيمته، و هي مهر المثل.

433

فعلى المشهور يأتي التفصيل الذي ذكره المحقق (قدس سره)، لأنه ان كانت الشهادة بعد الدخول من الزوج لم يضمن الشاهدان شيئا، لاستقرار المهر بالدخول، قال في الجواهر: خصوصا إذا كان الطلاق رجعيا و قد ترك الرجوع باختياره، للأصل، و لأنهما لم يفوتا عليه الا منفعة البضع، و هي لا تضمن بالتفويت.

و ان كانت قبل الدخول ضمنا للزوج نصف المهر المسمى لها، و علله في المسالك بقوله: «لأنهما ألزماه به و قد كان بمعرض السقوط بالردة و الفسخ من قبلها» و لكنه تعليل غير واضح، لان كونه في معرض السقوط لا يوجب عدم الضمان، و الا فإن كل مال يتلفه الإنسان من غيره هو في معرض السقوط عن المالية و الخروج عن الملكية، فيلزم أن لا يثبت ضمان مطلقا.

و كيف كان ففي الجواهر: لا خلاف أجده في شي‌ء من ذلك الا ما يحكى عن الشيخ في النهاية، قال: «ان شهد رجلان على رجل بطلاق امرأته فاعتدت و تزوجت و دخل بها ثم رجعا، وجب عليها الحد، و ضمان المهر للزوج الثاني، و ترجع المرأة إلى الأول بعد الاستبراء بعدة من الثاني».

قال في المسالك: و استند الشيخ في ذلك الى موثقة إبراهيم بن عبد الحميد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في شاهدين شهدا على امرأة بأن زوجها طلقها، فتزوجت ثم جاء زوجها فأنكر الطلاق. قال: يضربان الحد و يضمنان الصداق للزوج، ثم تعتد، ثم ترجع الى زوجها الأول» (1).

و احتمل في الجواهر استناده الى خبر محمد بن مسلم عن الباقر (عليه السلام): «في رجلين شهدا على زوج غائب عن امرأته أنه طلقها، فاعتدت المرأة و تزوجت، ثم ان الزوج الغائب قدم فزعم أنه لم يطلقها، و أكذب‌

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 241 الباب 13 شهادات.

434

نفسه أحد الشاهدين. فقال: لا سبيل للأخير عليها، و يؤخذ الصداق من الذي شهد و رجع، فيرد على الأخير، و يفرّق بينهما، و تعتد من الأخير، و ما يقربها الأول حتى تنقضي عدتها» (1).

و قد أجاب في الجواهر عن موثق إبراهيم بن عبد الحميد بوجهين:

أحدهما: انه خال عن رجوع الشاهدين أو أحدهما، و حينئذ يشكل ضربهما الحد. و الثاني: انه يشكل نقض الحكم بمجرد إنكار الزوج.

ثم قال: فهو حينئذ شاذ غير موافق لما سمعته من الشيخ (رحمه اللّه) و لا من غيره.

قلت: الظاهر ان السؤال عن قضية شخصية لا عن حكم كلي، و ليس في الخبر ذكر من سؤال الإمام (عليه السلام) عن الرجوع، و هل كانا متعمدين في شهادتهما أو عن خطأ؟ لكن حكمه (عليه السلام) بالحد- و القضية شخصية- دليل المفروغية بينه (عليه السلام) و بين الراوي عن كونهما متعمدين، و الا لما حكم بضربهما الحدّ، و لعله حدّ القيادة، أو ان المراد هو التعزير. و حينئذ لا مانع من نقض الحكم، لتبين اختلال ميزان الحكم، فلا وجه لطرح الخبر بما ذكره صاحب الجواهر [1].

____________

[1] و لعله لذا لم يشكل صاحب المسالك في الخبر بذلك، بل اكتفى بالجواب عنه بقوله: «و الرواية ضعيفة بإبراهيم، فإنه واقفي و ان كان ثقة» لكن هذا انما يتم على مسلكه الذي لم يوافق عليه الا القليل، كما فصّل في محله، ثم انه (رحمه اللّه) ذكر حمل الرواية على ما لو تزوجت بمجرد الشهادة من غير حكم الحاكم، و قد ذكر هذا الحمل جماعة منهم المحقق نفسه في النافع.

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 242 الباب 13 شهادات. صحيح.

435

ثم انه (رحمه اللّه) حمل الخبر على تزويجها بالشهادة من غير حكم، قال:

و حمله على ما ذكره الشيخ ليس بأولى من حمله على تزويجها بشهادتهما من دون حكم حاكم، ثم لما جاء الزوج رجعا عن الشهادة، و اعترفا بأنهما شهدا زورا، فلا يكون به دلالة حينئذ على ما ذكره».

و هذا الحمل صحيح، لعدم التعرض في الخبر للحكم، و أما الحدّ فوجهه ما احتملناه.

و عبارة الشيخ أيضا خالية عن الحكم، و لذا جعل العلّامة في المختلف ما ذكر بالنسبة الى الخبر محملا لقول الشيخ أيضا لكن في الجواهر: «فيه ما فيه» و كأنه إشارة إلى قول الشهيد الثاني: و ليس بجيد، فان الشيخ استند إلى الرواية و عمل بظاهرها، فلا تأويل لكلامه.

هذا كله بالنسبة إلى موثقة إبراهيم بن عبد الحميد.

و أما الجواب عن صحيحة محمد بن مسلم فهو أنها قضية في واقعة كذلك و لم يرد فيها الحكم بالحدّ، و هذا كاشف عن علمه (عليه السلام) بخطإ الشاهدين في الشهادة. فهي محمولة على هذا المحمل.

هذا و الغائب يحكم عليه، و لكن الغائب على حجته، و معنى ذلك ان حكم الحاكم محدود، و ينتهي أمده بحضور الغائب و إقامته الحجة.

هذا و الذي يسهل الخطب ندرة العامل بالخبرين، و اعراض المشهور عنهما، و قد تقرر عندنا ان اعراض المشهور موهن، و لا سيما و أن الشيخ نفسه لم يفت بهما في المبسوط، حيث قال ما نصه: «و اما ان شهدا بالطلاق ثم رجعا لم يخل من أحد أمرين، اما أن يكون قبل الدخول أو بعده، فان كان بعد الدخول فعليهما مهر مثلها عند قوم، و قال آخرون: لا ضمان عليهما و هو الأقوى، لبراءة ذمتهما. و إذا شهدا بالطلاق قبل الدخول ثم رجعا، فان الحكم لم ينقض،

436

و عليهما الضمان عند قوم. و كم يضمنان؟ قال قوم: كمال مهر المثل، و قال آخرون نصف المهر و هو الأقوى، و من قال بهذا منهم من قال مهر المثل، و منهم من قال نصف المسمى، و هو الأقوى عندنا. و منهم من قال: ان كان المهر مقبوضا لزمهما كمال المهر، و ان لم يكن مقبوضا لزمهما نصف المهر، و الفصل بينهما إذا كان مقبوضا غرمه كله لا يسترد منه شيئا، لأنه معترف لها ببقاء الزوجية بينهما، فلما حيل بينهما رجع بكله عليهما، و ليس كذلك إذا كان قبل القبض، لانه لا يلزمه إلا اقباض نصفه، فلهذا رجع عليهما بالنصف.

و هو قوى» [1].

____________

[1] و قال في الخلاف: «إذا شهد على طلاق امرأة بعد الدخول بها، و حكم الحاكم بذلك، ثم رجعا عن الشهادة، لم يلزمهما مهر مثلها و لا شي‌ء منه دليلنا: أن الأصل براءة الذمة، فمن أوجب عليهما شيئا فعليه الدلالة. و أيضا:

ليس خروج البضع عن ملك الزوج له قيمة، بدلالة أنه لو طلّق زوجته في مرضه لم يلزم مهر مثلها من الثلث، كما لو أعتق عبده أو وهبه، فلما بطل ذلك ثبت أنه لا قيمة له، و كان يجب أيضا لو كان عليه دين يحيط بالتركة فطلّق زوجته في مرضه، أن لا ينفذ الطلاق كما لا ينفذ العتق و العطاء، فلما نفذ طلاقه ثبت أنه لا قيمة له، لخروجه عن ملكه، فإذا ثبت أنه لا دية له لم يلزمه ضمان كما لو أتلفا عليه ما لا قيمة له.

المسألة 78: إذا شهدا عليه بالطلاق قبل الدخول بها ففرق الحاكم بينهما ثم رجعا، غرما نصف المهر، و به قال أبو حنيفة، و للشافعي فيه قولان. دليلنا:

انه إذا حيل بينهما قبل الدخول لزمه نصف المهر، فوجب أن لا يرجع عليهما الا بقدر ما غرم. و أيضا: الأصل براءة الذمة، و ما ألزمناهما مجمع عليه، و ما زاد

437

و الحاصل أن الخبرين امّا مطرّحان و امّا مؤلان، و أن الحكم لا ينقض، و أنه لا ضمان على الشاهدين مع دخول الزوج، و أمّا ضمانهما نصف المهر ان كان شهادتهما قبل الدخول فهو صريح المحقق و العلّامة في القواعد و غيرهما و لم يذكر أحد منهم دليلا تطمئن إليه النفس لضمان الشاهدين نصف المهر حينئذ [1].

____________

عليه ليس عليه دليل. و أيضا: فإنه إذا طلقها قبل الدخول بها عاد اليه نصف الصداق، فلو قلنا يرجع عليهما بكل المهر حصل له مهر و نصف، و ذلك باطل.

[1] أقول توضيحا للمسألة و تحريرا لمواضع الخلاف فيها:

أولا: انه قد اختلفت عبارات الأصحاب في عنوان هذه المسألة، فالمحقق في المتن يقول: إذا شهدا بالطلاق ثم رجعا، فان كان بعد الدخول لم يضمنا، و ان كان قبل الدخول ضمنا له نصف المهر المسمى، لأنهما لا يضمنان الّا ما دفعه المشهود عليه بسبب الشهادة» هذه عبارته و لا تعرّض فيها لحكم الحاكم و لا لخلاف للشيخ، مع أن من عادته التعرض لأقوال الشيخ كما هو معلوم.

و في النافع يقول: لو شهدا بطلاق امرأة فتزوجت ثم رجعا، ضمنا المهر و ردّت إلى الأول بعد الاعتداد من الثاني. و تحمل هذه الرواية على أنها نكحت بسماع الشهادة لا مع حكم الحاكم، و لو حكم لم يقبل الرجوع» فتراه يورد أولا مضمون صحيحة محمد بن مسلم فيحملها على المحمل المذكور، ثم ينص على أنه لو حكم الحاكم لم يقبل الرجوع، و لا تعرّض في كلامه لحكم الضمان.

و العلّامة في التحرير يقول: لو شهدا بطلاق امرأة ثم رجعا أو رجع أحدهما قبل الحكم بطلت شهادتهما و بقيت على الزوجية، و ان رجعا بعد الحكم، فان كان ذلك قبل الدخول.» فتراه يفصّل في العنوان بين الرجوع

438

____________

قبل الحكم و الرجوع بعده، و يجعل التفصيل بين ما إذا كان بعد الدخول أو قبله متفرعا على الصورة الثانية، و من هنا أضاف في المسالك و الجواهر قيد «و حكم به الحاكم» إلى عبارة الشرائع. فيكون عنوان هؤلاء للمسألة هو:

رجوع الشاهدين بعد الحكم بشهادتهما بثبوت الطلاق عن الشهادة.

أما الشيخ فقد أوردنا عباراته في النهاية و الخلاف و المبسوط، و كذلك أوردها العلّامة في المختلف، و الملاحظ أن عنوانه للمسألة في الخلاف و المبسوط يختلف عما هو في النهاية. أما في الكتابين فقد تعرّض ل‍ «حكم الحاكم» و أما في النهاية فجاءت عبارته مطابقة للنص- كما هو حال هذا الكتاب غالبا- و النص أما صحيحة محمد بن مسلم و اما موثقة إبراهيم بن عبد الحميد، و كلاهما خال عن «الحكم». بل المراد تزوج المرأة بشهادتهما ثم رجوعهما عن الشهادة و قد تزوجت بزوج آخر، و الخبران ظاهران في هذا، و قد أفتى المحقق في النافع بهما كما علمت.

فظهر أن الشيخ غير مخالف في النهاية في مفروض القوم، و ما في الجواهر من قوله: «بلا خلاف أجده في شي‌ء من ذلك الّا ما يحكى عن الشيخ في النهاية.» في غير محله. بل تلك مسألة أخرى. كما ظهر أن عبارة النهاية و الخبرين ظاهرة في تلك المسألة، و لا حاجة الى حملها عليها.

ثم انه قد نسب إلى الكليني و الصدوق و القاضي و الحلبي موافقة الشيخ فيما عنونه و ذهب إليه في النهاية، فالخبران معمول بهما عند قدماء الأصحاب لا معرض عنهما. و قد عرفت عبارة المحقق في النافع.

ثم اني بعد أن كتبت هذا راجعت مباني تكملة المنهاج فوجدته دام ظله قد عنون في متنه المسألة بقوله: «إذا أنكر الزوج طلاق زوجته و هي مدعية

439

____________

له، و شهد شاهدان بطلاقها، فحكم الحاكم به ثم رجعا و أظهرا خطأهما فان كان بعد الدخول.» ثم عنون مسألة النهاية بقوله: «إذا شهد شاهدان بطلاق امرأة زورا، فاعتدت المرأة و تزوجت زوجا آخر مستندة الى شهادتهما، فجاء الزوج و أنكر الطلاق.» و استدل على الحكم فيها بموثقة إبراهيم بن عبد الحميد واصفا إياها بالصحيحة على مبناه.

و ثانيا: ان الحكم بعدم انتقاض الحكم برجوع الشاهدين بعده غير صاف عن الإشكال، ففي الكفاية: و ان رجعا بعد حكم الحاكم بالمفارقة فالمقطوع به في كلامهم أنه لا ينتقض الحكم بل يثبت الطلاق، لانه ثبت بالبينة المقبولة و حكم به الحاكم بالقضاء المبرم، فلا يبطل بمجرد رجوع الشهود المحتمل للصحة و الفساد، فان الثابت بدليل شرعي لا ينتقض الا بدليل شرعي. قال: و في التعليل تأمل.

بل قال في المستند- بناء على ظهور الخبرين في انتقاض الحكم كما ذكر القوم، و لذا قالوا بأنهما مخالفان للقواعد المحكمة- «أي دليل شرعي أقوى من الصحيح و الموثق، الموافقين لفتوى جمع من أساطين القدماء، و غير المخالفين لفتوى جمع من المتأخرين، حيث ترددوا في المسألة مع نقل أقوال أخبر فيها أيضا عن جماعة؟ و هل يطلق على مثل ذلك الحديث الشاذ النادر؟ و هل ذلك الدليل أضعف من حديث درء الحدود بالشبهات الذي نقضوا به الحكم المبرم في الحدود كما مر؟ مع أنه يمكن الكلام في تعيين الشبهة و صدقها في المورد.

و لعله من هنا قال في جامع المدارك: ان ما في المتن من أنه إذا كان ما ذكر بعد الحكم لم يقبل الرجوع مشكل جدا، حيث ان النكاح ليس من قبيل الأموال،

440

____________

فإن المحكوم عليه فيها مع قطعه بأن الحكم على خلاف الواقع لا بد له من التسليم في الظاهر، و المرأة كيف يجوز لها أن تمكّن نفسها للأجنبي، بل يشكل تسليم من حكم عليه بالقتل نفسه للقتل مع رجوع من شهد، بل مع عدم الرجوع و كون المحكوم عليه غير مستوجب للقتل.

و ثالثا: ما ذهب اليه المحقق في المتن من وجوب نصف المهر على الشاهدين ان كانت شهادتهما قبل دخول الزوج منسوب إلى الأكثر في المستند و الى المشهور في مباني التكملة، لكنه غير خال عن الإشكال، فالعلامة في التحرير- و ان وافق عليه بالتالي الا أنه- أشكل عليه بقوله: عندي في هذه المسألة إشكال، ينشأ من كون الرجوع انما يثبت على الشاهد فيما يتلفه بشهادته، و وجوب نصف المهر قبل الدخول أو المهر بعده لم يتلف من الزوج شيئا، لأنه واجب عليه، سواء طلق أو لم يطلّق.

و صاحب الجواهر ظاهره التردد فيه. قال في المستند: و هو في موقعه جدا، للزوم النصف بمجرد العقد و تلفه به، سواء كانت باقية على التزويج أو حصل موت أو طلاق، فلم تتضمن الشهادة إتلافا. و توجيه الإتلاف بأنه كان في معرض السقوط بالردة أو الفسخ من قبلها فكأنه لم يكن لازما و لزم بإقرارهما. نادر جدا. لان مجرد ذلك الاحتمال العقلي الذي لا يلتفت اليه عقل سليم لا يصدق الإتلاف الموجب للضمان عرفا، بل غايته احتمال إتلاف ضعيف غايته، و هل يترك أصل البراءة التي هي القاعدة المجمع عليها المدلول عليها كتابا و سنة بمثل ذلك الاحتمال؟

فان قلت: إلزام ما هو محتمل السقوط و لو بالاحتمال الضعيف أيضا ضرر عليه.

441

و من هنا قال في الجواهر: ان المتجه عدم ضمان شي‌ء ان لم يكن إجماعا بناء على أن الطلاق لم يسبب استحقاق شي‌ء، بل هو على فرض حصوله من الفواسخ، و كان المهر كله واجبا بالعقد، و ليس هو معاوضة حقيقة، و لذا يجب جميعه على الأصح في صورة الموت، و لكن للدليل في الطلاق سقط نصفه و بقي النصف الأخر مستحقا بالعقد، و حينئذ فلم يغرماه بشهادتهما شيئا.

الا انه كان له حبس المهر على التمكن من البضع، و قد فات بالشهادة المزبورة، و هو أمر غير متقوم، مع أنه لا يتم في ما إذا كانت شهادتهما بعد دفعه المهر لها، و إسقاط حقه من الحبس المزبور.

و هذا وجه اشكال الفاضل في التحرير، الا انه لم أجده قولا لأحد من أصحابنا، نعم قد تشعر عبارة المبسوط السابقة بوجود قائل بعدم الضمان أصلا.

و لعل الاتفاق المزبور كاف في الفتوى بضمان النصف الذي هو مستحق عليه باعترافه بالزوجية المقتضية وجوب النصفين عليه.

____________

قلنا: لو سلم ذلك فاللازم ضمان ما يصلح أن يكون بإزاء ذلك الضرر عرفا و قيمة له، لا نصف الصداق، مع أنها قد تكون قد أبرأته عن النصف، أو تصالحه بشي‌ء قليل بعد الصداق، فالقول بضمان نصف الصداق مشكل.

و توهم الإجماع المركب فيه بعد وجود أقوال شتى في المسألة و لو كان بعضها ضعيف المأخذ فاسد، و الأصل يحتاج رفعه الى دليل ثابت، و الا فهو أقوى دليل.

و في مباني تكملة المنهاج: الأظهر عدم الضمان خلافا للمشهور، ثم استدل بما ذكره النراقي.

أما السيد الأستاذ دام ظله فقد استشكل فيما ذكر وجها للمشهور بل أعلّه، لكنه- كالجواهر- يأبى عن مخالفة المشهور.

442

نعم لو قلنا بأن الطلاق سبب في غرامة مقدار نصف المهر اتجه حينئذ تغريمهما ذلك، لفرض بقاء المهر في ذمته مستحقا عليه باعترافه، و هذا غرامة حدثت بسبب شهادة الطلاق».

و بناء على انتقاض الحكم برجوع الشاهدين، و رجوع المرأة إلى الزوج الأول، فإن المتضرر بالشهادة هو الزوج الثاني، فإن كانت شهادتهما قبل دخوله فالضمان عليهما بالنصف، و ان كانت بعده فلا ضمان.

هذا ان كان للزوجة مهر مسمّى.

قال في الجواهر: و لو لم يكن لها مسمّى وجب نصف المتعة بناء على وجوبها.

قلت: لم يتضح لنا معنى هذه العبارة، فإن المتعة ليس لها قدر معين.

هذا كله لو شهدا بطلاق امرأة.

حكم ما لو شهدا بنكاح امرأة و رجعا

قال في القواعد و التحرير: و لو شهدا بنكاح امرأة فحكم به الحاكم ثم رجعا، فان طلقها قبل الدخول لم يغرما شيئا، لأنهما لم يفوّتا عليها شيئا، و ان دخل بها و كان المسمى بقدر مهر المثل أو أكثر منه و وصل إليها فلا شي‌ء عليهما، لأنها أخذت عوض ما فوتاه عليها. و ان كان دونه فعليهما ما بينهما، و ان لم يصل إليها فعليهما ضمان مهر مثلها، لانه عوض ما فوتاه عليها.

و قد تنظر في الجواهر في قوله: و لم يصل إليها فعليهما ضمان مهر مثلها.

قلت: في هذه الجملة ثلاثة أمور فالأول: ان قوله: «و ان لم يصل إليها» مطلق، أي سواء تعذر وصوله من الزوج أو لا. و في حاشية القواعد هنا: هذا ان تعذر من الزوج. و الثاني: قوله: «فعليهما» أي لا ضمان على الزوج.

443

و الثالث: قوله: «مهر مثلها» أي: لا المسمّى.

فكون الضمان على الشاهدين لا الزوج فيه نظر، من أن المفروض استيفاء الزوج البضع، فهو أولى بالضمان منهما، و من هنا قالوا بقرار الضمان على المتلف في صورة توارد الأيدي. و من أنه لو لا شهادة الشاهدين و حكم الحاكم استنادا الى شهادتهما كما تمكن الزوج من استيفاء البضع، فالتفويت مستند إليهما و هما السبب، فعليهما الضمان، ثم ان كان الزوج جاهلا بوقوع العقد- كما لو و كل شخصا في إجراء الصيغة فشهدا عنده بوقوعه قبل أن يخبره الوكيل، فدخل بها ثم رجع الشاهدان- لم يكن لهما الرجوع على الزوج فيما غرماه للمرأة، لأنهما اللذان غراه، بل قد يقال بعدم ضمان الزوج لهما واقعا.

و كون المضمون لها مهر المثل لا مهر المسمّى فيه نظر، من أن المفروض اقامة الزوج الشهادة على النكاح و هو المدعي له، فإنه بذلك تملك الزوجة مهر المسمى، و هو التالف، فهو المضمون. و من أن الشاهدين الراجعين لا يقران بمهر المسمى، بل يقران بكذبهما في الشهادة التي ترتب عليها فوت البضع فالمستقر على الضامن هو مهر المثل لا أكثر. نعم لو كان الزوج عالما بالواقع و مقرا بالنكاح أخذ بإقراره.

هذا كله إذا كان المدعي للنكاح هو الرجل.

و لو كان المدعي هو المرأة قال في القواعد: فان طلق الزوج قبل الدخول بأن قال: ان كانت زوجتي فهي طالق، ضمنا للزوج نصف المسمى، و ان كان الطلاق بعد الدخول، فان كان المسمى الذي شهدا به أزيد من مهر المثل ضمنا الزيادة للزوج، و لا ضمان ان ساواه أو نقص.

قال في الجواهر: و لا يشكل ذلك بعدم جواز الدخول له لإنكاره الزوجية‌

444

لأنه يمكن فرض دعوى الامرأة ذلك، مع عدم علمه بالحال، فإنه يجوز له الدخول حينئذ بحكم الحاكم، فإذا فرض رجوع الشاهدين عما شهدا به من النكاح بمهر معلوم ضمنا له التفاوت بينه و بين المسمى على الوجه الذي عرفت.

قال في القواعد: و لو شهدا بعتق الزوجة فحكم الحاكم ففسخت النكاح ثم رجعا غرما القيمة للمولى، و مهر المثل للزوج ان جعلنا البضع مضمونا و الا فلا.

قال: و لو شهدا برضاع محرم بعد النكاح ففرق الحاكم بينهما، ثم رجعا ضمنا مهر المثل على القول بضمان البضع، و الا فلا.

قال كاشف اللثام و الجواهر: و لا فرق في هذه الضمانات بين تعمد الشاهدين و خطأهما.

445

فروع

(الأول- في ضمان الشاهدين إذا رجعا)

قال المحقق (قدس سره): إذا رجعا معا ضمنا بالسوية، فإن رجع أحدهما ضمن النصف. و لو ثبت بشاهد و امرأتين فرجعوا ضمن الرجل النصف و ضمنت كل واحدة الربع. و لو كان عشر نسوة مع شاهد فرجع الرجل ضمن السدس و فيه تردد.

أقول: لقد دلت صحيحة محمد بن مسلم على أنه إذا رجع الشاهدان عن شهادتهما بعد الحكم بشهادتهما و استيفاء المشهود له المال ضمنا ما أتلفاه بشهادتهما على المشهود عليه بالسوية، فنصف على هذا و نصف على ذاك، لتساويهما في السبب المقتضي لذلك. فان رجع أحدهما دون الأخر ضمن الراجع النصف.

و لو ثبت المشهود به بشاهد و امرأتين فرجعوا جميعا، ضمن الرجل النصف و المرأتان النصف الأخر، فعلى كل واحدة الربع، لأنهما بمنزلة رجل، كما هو مقتضى النصوص و الفتاوى في المواضع المختلفة، بل هو صريح ما عن التفسير المنسوب الى الامام العسكري (عليه السلام) عن أمير المؤمنين عليه‌

446

السلام أنه قال: «عند اللّه تعالى شهادة امرأتين شهادة رجل».

قال في القواعد: و لو كان بشاهد و يمين ضمن الشاهد النصف، قال في كشف اللثام: بناء على ثبوت الحق بهما معا. لكن ظاهر الجواهر موافقة العلّامة لقوله: لان الظاهر ثبوت الحق بهما معا، و كذا في المستند.

و فيه وجهان آخران أحدهما: ان يكون الضمان على الحالف لو رجع دون الشاهد سواء رجع أو لا. لان المشهود به يثبت باليمين فحسب. و الثاني: أن يكون الضمان على الشاهد لو رجع دون الحالف، لان المثبت هو الشاهد و اليمين شرط قبول الشهادة.

لكن يمكن ان يقال بالتنصيف مطلقا، لان حكم الحاكم مستند الى كليهما فكل منهما جزء للسبب، و السبب أقوى من المباشرة.

و لو أكذب الحالف نفسه اختص بالضمان، سواء رجع الشاهد أو لا، و كذا كل مقام يرجع فيه المدعى يختص بضمان ما استوفاه، و لا غرم على الشاهد.

قال المحقق: «و لو كان عشر نسوة مع شاهد، فرجع الرجل ضمن السدس و فيه تردد».

أقول: وجه تردد المحقق هنا حيث يشهد الرجل الواحد مع عشر نسوة في حق لا يثبت بالنساء منفردات هو: أن عدد النسوة أكثر من القدر اللازم شرعا، فان كان الحكم ثابتا بالجميع فان كل امرأتين تعادلان رجلا، و يكون الاقساط ستة أسداس، فإذا رجع الرجل كان عليه السدس، و ان كان الرجل نصف البينة، لأن المفروض توقف ثبوت الحق على شهادته معهن، كان عليه نصف الضمان و عليهن النصف الأخر. فهذا الفرض من صغريات هذا الفرع، من جهة كون الرجل فيه أحد طرفي البينة كما في الرجلين و الرجل و الامرأتين، فهل يكون الضمان بالسوية كذلك أو لا؟

447

و يمكن أن يكون من صغريات الفرع الاتى المبحوث فيه عن ضمان العدد الزائد لو رجع عن الشهادة و عدم ضمانه.

لكن مقتضى ما سنذكره في الفرع الاتي هو ثبوت الحكم بالجميع فأما أصل الضمان بالرجوع فثابت، و أما مقداره فكل بقسطه، و عليه فإذا رجع الرجل ضمن السدس لا النصف، و كان على كل واحدة من النسوة إذا رجعت نصف السدس لا نصف العشر.

و ربما يحتمل- بناء على ما هو الصحيح من ثبوت الحق بالجميع كما ستعرف- أن يكون كل فرد سببا مستقلا للثبوت، فيكون على الرجل إذا رجع الواحد من الأحد عشر قسطا. و لكن هذا الاحتمال لم يذكره أحد، و تظهر ثمرته فيما لو اشترك رجل و امرأتان في قتل فهل على كل منهما ثلث الدية أو على الرجل النصف و على كل واحدة الربع؟ و كذا فيما لو اشترك رجلان في قتل فضرب أحدهما ضربتين و الأخر ضربة واحدة، فهل تقسم الدية أثلاثا أو نصفين.

«الفرع الثاني» (في حكم الضمان لو كانوا ثلاثة)

قال المحقق (قدس سره): لو كان الشهود ثلاثة ضمن كل واحد منهم الثلث و لو رجع منفردا. و ربما خطر انه لا يضمن، لأن في الباقي ثبوت الحق و لا يضمن الشاهد ما يحكم به بشهادة غيره للمشهود له، و الأول اختيار الشيخ.

و كذا لو شهد رجل و عشر نسوة، فرجع ثمان منهن قيل: كان على كل واحدة نصف السدس، لاشتراكهم في نقل المال، و الاشكال فيه كما في الأول.

448

أقول: قد أشرنا الى أن الصحيح اشتراك جميع الشهود- حتى الزائد منهم- في الحكم و ثبوت الحق، لاشتراك كل واحد منهم في السببية له، و السبب أقوى من المباشر، و هذا هو مفاد صحيحة محمد بن مسلم، الذي جاء فيه «يؤدي من المال الذي شهد عليه بقدر ما ذهب من ماله، ان كان النصف أو الثلث، ان كان شهد هذا و آخر معه»- و عليه فلو كان الشهود ثلاثة في المال مثلا، ضمن كل واحد منهم الثلث، و لو رجع الثالث الزائد منفردا، وفاقا للشيخ و ابن سعيد و الجواهر، بل فيه:

لم نعرف قائل منا بما خطر في بال المصنف، كما انا لم نعرف له وجها الا ما ذكره. و فيه: ما عرفت من صدق الثبوت بالجميع، و الصحيح السابق.

و هذا هو الوجه في القول بضمان كل واحدة من الثمان نسوة الراجعات لنصف السدس. و أنه لا وجه للإشكال فيه.

«الفرع الثالث» (لو قامت بينة بجرح الشهود و نقض الحكم فمن الضامن؟)

قال المحقق (قدس سره): لو حكم فقامت بينة بالجرح مطلقا لم ينقض الحكم، لاحتمال التجدد بعد الحكم. و لو تعيّن الوقت و هو متقدم على الشهادة نقض، و لو كان بعد الشهادة و قبل الحكم لم ينقض.

أقول: هذا الفرع يشتمل على مطالب.

فالمطلب الأول يتعلق بالنقض و عدمه

و ذلك لانه لو حكم الحاكم ببينة، فقامت بينة بجرح تلك البينة، فالبينة‌

449

الجارحة اما هي مطلقة غير معينة للجرح بوقت، و اما هي معينة له، و على الثاني فإما يكون وقت الجرح متقدما على الشهادة، و اما يكون وقته بعد الشهادة و قبل الحكم، فهذه ثلاث صور.

أما في الصورة الأولى حيث الجرح غير معين الوقت فالحكم عدم نقض الحكم، قال المحقق: لاحتمال تجدد الفسق بعد الحكم. و قد استدل له في الجواهر بموافقة الحكم لأصل الصحة و استصحابها، لكن في هذا الاستدلال نظر ذكرناه سابقا، نعم لا مانع من استصحاب عدالة الشاهد المتيقنة سابقا حتى حال الحكم، و قد ذكرنا أن ظاهر آية النبإ وجوب التبّين من نبأ الفاسق في حين المجي‌ء بالنبأ، أو يجري أصالة الصحة في يقين الحاكم في حين الحكم.

لكن الاولى مع ذلك هو الاستدلال لعدم النقض بأدلة نفوذ حكم الحاكم، فإنها تقتضي حرمة النقض حتى يحصل العلم بمخالفة الحكم للموازين، و المفروض عدم العلم هنا بكون الشاهد فاسقا حين الحكم.

و أما في الصورة الثانية حيث وقت الفسق متقدم على الشهادة، فالحكم نقض الحكم بذلك، لتبيّن اختلال موازينه.

و أما في الصورة الثالثة حيث وقت الفسق متأخر عن الشهادة فالحكم عدم نقض الحكم، لان اللازم هو العدالة حين أداء الشهادة. و الفسق بعده غير مضر بالحكم و ان كان قبله. و إذ لم يمنع الحكم في هذه الحال فلا يوجب انتقاضه ان كان بعده بالأولوية. خلافا لجماعة قالوا باشتراط بقائه على العدالة حتى حين الحكم و بعده. و قد تقدم الكلام على ذلك في محله.

و المطلب الثاني يتعلق بالضمان حيث ينقض بالحكم

قال المحقق:

و إذا نقض الحكم، فان كان قتلا أو جرحا فلا قود، و الدية في بيت المال، و لو كان المباشر للقصاص هو الولي ففي ضمانه تردد، و الأشبه انه لا يضمن مع

450

حكم الحاكم و اذنه. و لو قتل بعد الحكم و قبل الاذن ضمن الدية.

أقول: إذا نقض الحكم فتارة يكون المحكوم به حدا أو قصاصا و أخرى يكون مالا.

فان كان حدا من قتل أو جرح و باشره الحاكم أو من أمره بها فلا قود، بل يثبت للمحدود الدية، لأنه حينئذ قد قتل بلا مجوّز فلا يبطل دمه، لكنها ليست على الحاكم أو من أمره، بل في بيت مال المسلمين للنص المروي عندنا، قال أمير المؤمنين (عليه السلام) في خبر الأصبغ: «ان ما أخطأت القضاة من دم أو قطع فهو على بيت مال المسلمين» (1) و المراد من «القضاة» فيه هو «القضاة العدول». فإنه إذا قضى القاضي العدل حسب الموازين ثم ظهر الخطأ في حكمه، كان خطوة في الحكم في بيت مال المسلمين، المعد للمصالح التي لا ريب في أن ذلك منها، و الا لأدى إلى ترك الحكم بالشهادة تحرزا عن ضرر الدرك.

و ان كان قصاصا و باشره ولي الدم فقد تردد المحقق (رحمه اللّه) في ضمانه، ثم رجح التفصيل بين ما إذا كانت مباشرته مع حكم الحاكم و اذنه فلا ضمان، و بين ما إذا كان مع الحكم و قبل الاذن ضمن الدية. و حاصله عدم القود كذلك، لانه قتل خطأ.

و وجه تردد المحقق هو كون الولي هو المباشر من جهة، و كون السبب في قتله هو حكم الحاكم، و أقوى من المباشرة.

و في المسالك: «لو باشر القتل بعد الحكم و قبل اذن الحاكم له في الاستيفاء تعلق به الضمان، لتوقف جواز استيفائه على اذن الحاكم و ان كان أصل الحق‌

____________

(1) وسائل الشيعة 18- 165 الباب 10 من أبواب آداب القاضي، رواه الصدوق و الشيخ بإسنادهما الى الأصبغ. و ليلاحظ إسنادهما إليه.

451

في ذلك له. و يحتمل عدم الضمان هنا أيضا و ان أثم، لان حكم الحاكم بثبوت الحق اقتضى كونه المستحق، و ان أثم بالمبادرة بدون اذن الحاكم».

أقول: هنا بحثان، فالأول: هل يعتبر اذن الحاكم في الاستيفاء أو لا يعتبر؟

لقد قال المحقق في كتاب القصاص: «إذا كان الولي واحدا جاز له المبادرة قبل اذن الحاكم. و الاولى توقفه على اذن الامام». و هذا- و ان كان لا يخلو من تشويش، لأن «الاولى» لا يجتمع مع «توقفه على الاذن، و لعله من هنا أضاف في الجواهر الأحوط» إلى «الأولى»- ينافي ما ذكره هنا، لأنه إذا كانت المباشرة جائزة بلا اذن فلا وجه للضمان، و الا فالضمان، فبين الكلامين تهافت.

اللهم الا ان يكون القول بعدم جواز القصاص بلا اذن من جهة كون القصاص من الحدود، و هي لا تقام الا بيد الحاكم أو باذنه. و لكن إذا كان كذلك فلم يقال بجواز المبادرة بلا اذن؟

و هنا أشكل الجواهر بعدم ما يدل على اعتبار الاذن في الاستيفاء بعد الحكم.

قال: بل لعل ظاهر الأدلة كتابا- أي: «قوله تعالى «وَ مَنْ قُتِلَ مَظْلُوماً فَقَدْ جَعَلْنٰا لِوَلِيِّهِ سُلْطٰاناً» و نحوه- و سنة- و هي الأخبار الواردة في الباب 19 من أبواب القصاص- عدمه. و قياس القصاص على الحد أو دعوى أنه منه كما ترى.

و البحث الثاني: انه قد تقرر كون الضمان على السبب لكونه أقوى من المباشر، فمن السبب في هذه المسألة؟

قد أشكل الجواهر على المحقق بأن اعتبار الاذن و عدم اعتباره لا مدخلية له في أقوائية المباشرة على التسبيب بل لو سلم تساويهما كان الضمان على المباشر، لانه هو القاتل حقيقة، و لعله لذا يحكى عن قول العامة بأن على الولي الدية و ان كان مأذونا، بل هو ظاهر إطلاق تردد المصنف أيضا، و ان اختار‌

452

التفصيل بعده. قال: و هو لا يخلو عن قوة ان لم يكن إجماعا.

قلت: لكن يرد على الجواهر أنه قال بضمان الشهود إذا رجعوا، لكونهم السبب، و هو أقوى من المباشر، فلما ذا لم يقل هنا بضمان الحاكم بناء على ذلك؟

و الشيخ (رحمه اللّه) ذكر التفصيل كالمحقق، لان القصاص- كالحد- يجب إجراؤه بيد الحاكم، و ان كان من حقوق الناس، دفعا للهرج و المرج و اختلال النظام، فلو أراد الولي المباشرة توقف على اذن الحاكم، و لو كان بدونه كان ضامنا.

فتحصل ان التفصيل يتوقف على وجود الدليل على اعتبار الاذن، و كون المباشرة أقوى من التسبيب.

هذا كله ان كان المحكوم به حدا أو قصاصا.

قال المحقق:

و أما لو كان مالا فإنه يستعاد ان كانت العين باقية، و ان كانت تالفة فعلى المشهود له، لانه ضمن بالقبض، بخلاف القصاص. و لو كان معسرا قال الشيخ ضمن الامام، و يرجع به على المحكوم له إذا أيسر. و فيه اشكال من حيث استقرار الضمان على المحكوم له بتلف المال في يده، فلا وجه لضمان الحاكم.

أقول: هذا هو المطلب الثالث، فإنه لو كان المحكوم به مالا- بأن قامت بينة على كون المال الذي بيد زيد هو لعمرو فحكم الحاكم، ثم قامت بينة أخرى على جرح الاولى- نقض الحكم. فان كانت عين المال باقية استردت و ان كانت تالفة ضمن المشهود له. قال المحقق: «لانه ضمن بالقبض» أي:

انه ضمان يد، و على اليد ما أخذت حتى تؤدى، و أما بالنسبة إلى النفس فهو ضمان الإتلاف.

قال في الجواهر: ان قوله: ضمن بالقبض إشارة الى ما يحكى عن الشيخ‌

453

من الفرق بينه و بين الدية، بأن الحكم ان كان بالمال حصل في يد المشهود له ما يضمن باليد، و ضمان الإتلاف ليس بضمان اليد، فلهذا كان الضمان على الامام- لكنه كما ترى- إذا الإتلاف و ان لم يكن ضمان يد لكنه ضمان لمباشرة الإتلاف المندرج في قاعدة من أتلف، و من قتل مؤمنا خطأ، و غير ذلك.

قلت: هكذا قالوا لكن يمكن التفريق بين التغرير و عدمه، فإنه حيث يكون التغرير يرجع المغرور على من غره، و ان كان الشي‌ء تالفا بيده.

فان كان المحكوم عليه بالضمان معسرا قال الشيخ: ضمن الامام، و يرجع به على المحكوم له إذا أيسر، لأن الحاكم قد تسبب الى إتلاف المال.

و فيه: انه لا وجه لضمان الحاكم، بل المتجه انظار الضامن، لعموم قوله تعالى «فَنَظِرَةٌ إِلىٰ مَيْسَرَةٍ» للمقام.

454

[مسائل]

مسائل

«المسألة الاولى» (في تخالف البينتين على من أعتق)

قال المحقق (قدس سره): إذا شهد اثنان أن الميت أعتق أحد مماليكه و قيمته الثلث. و شهد آخران أو الورثة أن العتق لغيره و قيمته الثلث.

أقول: إذا شهد اثنان ان الميت أعتق غانما و قيمته تساوي ثلث ماله.

و شهد اثنان آخران- أو ورثة الميت جميعهم- بأنه أعتق سالما و قيمته تساوي ثلث ماله كذلك، فعلى القول بأن المنجزات من الأصل عتق العبدان كلاهما، لقيام البينة الكاملة على عتق كل واحد منهما بلا خلاف و لا اشكال. و على القول بأن المنجزات تخرج من الثلث، فالمعتق أحد العبدين دون الأخر إلا إذا أذن الورثة.

و حينئذ فإن عرف السابق منهما كان هو المعتق، و ان جهل تاريخهما أو علم تاريخ أحدهما و جهل الأخر و لم نرجع الى الاستصحاب لإثبات تأخر مجهول التاريخ عن معلومه لكونه أصلا مثبتا، كان المرجع هو القرعة و ان احتمل التقارن بين العتقين، و ذلك لانه لو اتفق عتقهما في حالة واحدة قال الشيخ يقرع‌