مصباح المنهاج - كتاب الطهاره - ج2

- السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم المزيد...
664 /
457

إرادة الوضوء للحاجة للجبيرة إن كان ملاك التكليف بالتام موجودا امتنع تشريع الناقص، لاستلزامه تفويت الملاك المذكور.

و إن لم يكن موجودا كان العمل الاضطراري في عرض الاختياري لا في طوله، و يكون دليله مخصصا لعموم دليله، لقصور ملاك كل منهما عن حال وجود ملاك الآخر، كالقصر و التمام، و لازم ذلك عدم مشروعية الواجب الاختياري في ظرف مشروعية الاضطراري، فلا يجزي لو أتى به جهلا بتحقق موضوع الاضطراري، و هو خلاف ما تقدم في المسألة الثالثة و الثلاثين من الفصل السابق عند الكلام في مخالفة التقية في موردها. بل هو خلاف ارتكاز نقص العمل الاضطراري.

و لذا قيل بعدم جواز إيقاع النفس في العذر، لاستلزامه تفويت الواجب التام. بل لعله لا إشكال في وجوب تحصيل الواجب الاختياري لو تمكن من رفع العذر في الوقت، مع استلزامه غالبا التأخير، فلو كان موضوع مشروعية الاضطراري المحقق لملاكه و الرافع لملاك الاختياري مجرد عدم تيسر الاختياري حين إرادة العمل لم يكن ذلك واجبا، كما لا يجب الرجوع للوطن في الوقت لتحصيل التمام.

قلت: ملاك التام موجود حين تشريع الناقص، لكن لا بنحو يقتضي فعلية التكليف به و يجب حفظه، بل بنحو يصلح لأن يمتثل و يحصل به تمام الغرض، و إن كان حدوث موضوع الناقص مانعا من وجوب حفظه، نظير وجود ملاك التكليف الأولي في مورد الحرج.

و مجرد عدم وجوب حفظ ملاك التام حين فعلية الناقص لا يستلزم كونه في عرضه، بل إن كان عدم فعلية أحد التكليفين حين حدوث الآخر لعدم تمامية ملاكه حينه كان في عرضه كالقصر مع التمام، و إن كان لوجود المانع الخارجي من الإلزام باستيفائه، كالتعذر أو التقية أو التسهيل و غيرها مما لا يخل بوجوده، كان في طوله، و أمكن استيفاؤه. و تعيين أحد القسمين تابع لنظر الفقيه في الجمع بين دليليهما.

458

و منه يظهر أنه لا مانع من إيقاع النفس في العذر الشرعي، كالحرج و نحوه في فرض عموم دليل معذريته لما يستند لاختيار المكلف.

نعم، لو اختصت معذريته بغيره امتنع الفرض المذكور، كما يمتنع في العذر العقلي‏و هو التعذر الحقيقي‏لذلك.

و أما وجوب تحصيل الواجب الاختياري لو تمكن من رفع العذر، فهولو تمَّ، فيجب التداوي مثلا لرفع إضرار الماءلا يستلزم كون الموضوع التعذر في تمام الوقت، بل قد يكون لاختصاص دليل، عذرية العذر و مشروعية الناقص معه بما إذا لم يتمكن المكلف من رفعه لتيسر مقدماته، فإذا خرج رفعه عن اختياره كان عذرا شرعا، و إن كان مرتفعا بنفسه في آخر الوقت.

و بعبارة أخرى: المتبع في موضوع التكليف الطولي الذي لا يجتمع مع التكليف الأولي في الامتثال سعة و ضيقا هو دليله، و هو.

تارة: يقتضي تشريعه في ظرف فعلية التكليف الأولي، لتمامية ملاكه بنحو يجب حفظه، كالتكليف بالمهم في ظرف فعلية التكليف بضده الأهم بنحو الترتب.

و اخرى‏: يقتضي تشريعه في ظرف سقوط التكليف الأولي عقلا للتعذر في تمام الوقت، فلا يجوز إيقاع النفس في العذر، و يجب رفعه مع القدرة عليه.

و ثالثة: يقتضي تشريعه مع سقوط التكليف و لو شرعا، لعذر شرعي من حرج و نحوه، و إن تمَّ ملاكه و أمكن استيفاؤه.

و المتعين في المقام الثالث، تبعا لظاهر الأدلة، الذي لا تنهض قرينة الاضطرار بالخروج عنه، بلحاظ بعض اللوازم المتقدمة. نعم، لا بد من الرجوع للأدلة في تحديد سعة العذر و ضيقه من حيثية إمكان الرفع و غيره.

هذا، و ربما بني النزاع في المقام على النزاع في كون الوضوء الجبيري رافعا للحدث، و كونه مبيحا. فعلى الأول يتجه عدم الاستئناف، لاستصحاب الطهارة، بل لعموم ما دل على عدم نقض الوضوء إلا بالأحداث المعهودة. و على الثاني يتعين الاستئناف، لخروج الصلاة التي يرتفع العذر في وقتها عما هو المتيقن من‏

459

الاستباحة بهذا الوضوء.

و يشكل بأن كون الوضوء المذكور رافعا للحدث لا ينفع مع فرض قصور دليل تشريعه عن صورة البرء في سعة الوقت، و قصور دليل إجزاء الصلاة به‏في فرض مشروعيته لوقوعه لصلاة سابقة استوعب العذر وقتهاعن صورة إمكان تحصيل الصلاة في الوقت بطهارة تامة، لأن رفعه للحدث إنما يتم و ينفع مع مشروعيته و عدم التكليف بالصلاة بطهارة تامة.

كما أنه لو فرض عموم مشروعيته و عدم التكليف بالصلاة التامة حينئذ أمكن الاستغناء به و إن كان مبيحا، لظهور دليل تشريعه في كونه فردا من الوضوء و الغسل الرافعين‏و لو ادعاءبلحاظ ترتب أحكامهما عليه، و منها قيديته في الغايات و عدم انتقاضه حكما إلا بالحدث.

و أما ما ذكره شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) من أن الحكم بعدم انتقاض الوضوء إلا بالحدث قرينة على اختصاص موضوع الحكم بالوضوء الرافع، لأنه القابل للبقاء.

فهو كما ترى! لأن اختصاصه بذلك لا ينافي إلحاق غيره به بمقتضى ظهور دليله في تنزيله منزلته و كونه فردا ادعائيا له، كما هو الحال في جميع الأفراد التنزيلية لموضوعات الأحكام.

و لذا كان الدليل المذكور صالحا لدفع الاحتمال انتقاضه بأمر لا ينقض الوضوء الرافع، كالرعاف، و لو لا ما ذكرنا من ظهور دليله في تنزيله منزلة الرافع لم يكن مبيحا للدخول في الغايات مع ظهور أدلتها في كون القيد فيها هو الطهارة.

و ما ذكره (قدّس سرّه) من أن المراد بالطهارة في تلك الأدلة مطلق رفع الحالة المانعة شأنا من الدخول في الصلاة، فيكون الوضوء المبيح فردا حقيقيا لها لا يبتني على التنزيل و الادعاء.

لا وجه له، لظهور الطهارة في الحقيقة، بل يمتنع إرادة المعنى الذي ذكره من دليل التقييد المذكور، لأن مانعية الشي‏ء منتزعة من التقييد و في رتبة متأخرة

460

إذا كانت موسعة، كالصلوات الآتية، اما لو برئ في السعة فالأحوط إن لم يكن أقوى الإعادة في جميع الصور المتقدمة (1).

عنه، فلا تؤخذ في موضوعه، و كذا الحال في عنوان المبيح، فليس المراد من دليل التقييد إلّا الطهارة بما لها من مفهوم، و التعدي للوضوء الجبيري‏بناء على عدم كونه منهابضميمة دليل التنزيل، الذي عرفت أن مقتضى إطلاقه عدم انتقاض الوضوء المذكور إلا بالحدث.

و مما ذكرنا ظهر أن التحقيق كون الوضوء و الغسل الجبيري رافعا لا مبيحا فقط، لظهور دليل تشريعه في كونه فردا حقيقيا للوضوء و الغسل المعهود الذي هو الرافع، و لا ملزم بالخروج عن ظاهر الدليل المذكور.

و غاية ما يدعى كونه رفعه ناقصا، لظهور دليله في كونه فردا اضطراريا شرع للتسهيل، على ما تقدم و يأتي في المسألة الثانية و الخمسين تمام الكلام في ذلك.

فلاحظ.

(1) يعني: و يعيد به الصلاة التي بقي وقتها.

و قد تقدم أن ظاهر الأصحاب المفروغية عن عدم وجوب إعادة الصلاة و صريح بعضهم دعوى الإجماع عليه. و إطلاق معقده يشمل الصلاة المذكورة بل هو صريح معقد إجماع المستند. و كالصريح من معقد إجماع شرح المفاتيح.

بل احتمل شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) عدم وجوب الإعادة لو تحقق البرء في أثناء الصلاة لدخوله فيها دخولا مشروعا، و إن قوى بعد ذلك وجوب الاستئناف، لعدم إحراز الطهارة لبقية الأجزاء.

إلا أنه تقدم أيضا الإشكال في حجية الإجماع المذكور، و أن العمدة في عدم وجوب الاستئناف في جميع الصور المتقدمة هو القاعدة. نعم، لو كان البرء في أثناء الوضوء أشكل عدم وجوب الاستئناف، لخروجه عن المتيقن من النصوص. فتأمل.

461

(مسألة 42): إذا كان في عضو واحد جبائر متعددة يجب الغسل أو المسح في فواصلها (1).

(مسألة 43): إذا كان بعض الأطراف الصحيح تحت الجبيرة، فإن كان بالمقدار المتعارف مسح عليها (2)، و إن كان أزيد من المقدار المتعارف فإن أمكن رفعها رفعها و غسل المقدار الصحيح (3) (1) بلا إشكال، و يقتضيه صحيح ابن الحجاج المتضمن غسل ما يصل إليه الغسل مما ظهر مما ليس عليه الجبائر (1)، و صحيحا الحلبي و ابن سنان المتضمنان غسل ما حول الجرح‏ (2).

بل هو مقتضى العمومات المتضمنة لاستيعاب الغسل و المسح التي كان مقتضى الجمع بينها و بين نصوص الجبائر بدليتها عما تحتها لا غير.

(2) كما صرح به في المنتهى و غيره، لأنه المتيقن من نصوص المقام، لوضوح أن الجبيرة و العصابة و نحوهما لا توضع على خصوص موضع الآفة، بل تتعدى عنه، خصوصا في الجبائر. قال في المنتهى: «الجبيرة إنما توضع على طرفي الصحيح ليرجع الكسر.» نعم، قد يدعى وجوب غسل ما تحت الجبيرة من الصحيح أو مسحه مع إمكانه برفع الجبيرة أو بدونه، لانصراف نصوص المقام بحكم كون البدلية اضطرارية عن هذه الصورة.

اللهم إلا أن يقال: ظاهر صحيح الحلبي جواز المسح على الخرقة مع إمكان إزالتها إذا أضر الماء بالقرحة، و هو مستلزم للعفو عن غسل ما يستر بها من الصحيح.

(3) لما أشرنا إليه هناك من قصور إطلاقات الجبائر بقرينة الاضطرار عن صورة إمكان غسل المقدار المستور.

____________

(1) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 1، 2.

(2) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 3.

462

ثمَّ وضعها و مسح عليها (1)، و إن لم يكن ذلك مسح عليها (2).

(مسألة 44): في الجرح المكشوف إذا أراد وضع طاهر عليه و مسحه (3) يجب أولا أن يغسل ما يمكن من أطرافه (4) ثمَّ وضعه.

و أما صحيح الحلبي فهو إنما اقتضى العفو في عصابة القرحة التي لها وجود متعارف، و لا تشمل ما خرج عنه.

هذا، و لو أمكن غسل الصحيح أو مسحه بالوجه المعتبر من دون رفع الجبيرة اجتزأ به.

(1) لا يبعد عدم وجوب ذلك و جريان حكم الجرح المكشوف، كما تقدم عند الكلام في وجوب المسح على البشرة مع التمكن و في حكم الجرح المكشوف.

نعم، لو غسل ما تحتها من الصحيح أو مسحه من دون رفعها وجب المسح عليها، كما تقدم.

(2) كما صرح به في المنتهى. و يقتضيه إطلاق نصوص الجبائر، لأن التعارف لا يصلح لتقييد الإطلاق، خصوصا في مثل المقام مما كان العموم فيه مناسبا للارتكاز، لارتكاز كون منشأ البدلية الاضطرار.

نعم، لا بد من كون ستر المقدار الزائد لأمر يعود للآفة من الكسر و الجرح، لا لأمر آخر، كما لو تعذرت الجبيرة الصغيرة، أو تعذر إزالة الزائد بعد شفاء ما تحته أو نحوهما، و إلا قصرت نصوص المقام عنه، و دخل فيما تقدم في المسألة السادسة و الثلاثين في حكم الحاجب اللاصق اتفاقا.

(3) لأجل الاحتياط المشار إليه في المسألة الخامسة و الثلاثين.

(4) عملا بصحيحي الحلبي و ابن سنان المتضمنين غسل ما حول الجرح‏ (1)، بناء على ما تقدم من عدم تقييدهما بوضع الحاجب و المسح عليه‏

____________

(1) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 2، 3.

463

(مسألة 45): إذا أضر الماء بأطراف الجرح (1) بمقدار المتعارف يكفي المسح على الجبيرة (2). و الأحوط وجوبا ضم التيمم إذا كان الضرر أزيد من المتعارف (3).

ليغتفر ستره للأطراف بالمقدار المتعارف.

نعم، ظاهر كل من أوجب وضع الحائل اغتفار ذلك، لاحتياج وضع الأطراف إلى عناية مغفول عنها، لتعارف وضع الحائل قبل الشروع في الوضوء و الغسل. لكن تقدم عدم بلوغ ذلك منهم حد الإجماع الحجة.

(1) المراد تضرر الجرح بوصول الماء للصحيح، لا تضرر الصحيح بوصول الماء إليه في مقابل تضرر الجرح، الذي يأتي الكلام فيه، كما يظهر بملاحظة المستمسك.

(2) يعني: مع وضعها، أما مع عدم وضعها فيكفي غسل ما حوله مما لا يضره الماء، عملا بإطلاق صحيحي الحلبي و ابن سنان‏ (1).

(3) لانصراف النصوص إلى ما إذا كان المضر بالجرح غسله، و المتيقن في التعدي لما جاوره ما إذا كان بالمقدار المتعارف، فيخرج المقام عن مفاد النصوص.

و اغتفار ترك ما حول مكان الآفة مع ستره بالجبيرة التي تقتضيها و إن خرج عن المتعارف‏كما تقدم‏لا يستلزم اغتفاره مع كشف الموضع أو عدم اقتضاء الآفة لستره. فالاكتفاء بالتيمم أقوى. و إن كان الاحتياط حسنا بلحاظ قاعدة الميسور، أو احتمال شمول الإطلاق، أو تحقق المناط.

و لو تضرر الصحيح بالماء في مقابل تضرر الجرح به لحقه ما تقدم في المسألة الأربعين، لأنه من صغرياتها. فراجع.

____________

(1) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 2، 3.

464

(مسألة 46): إذا كان الجرح أو نحوه في مكان آخر غير مواضع الوضوء لكن كان بحيث يضر استعمال الماء في مواضعه أيضا فالمتعين التيمم (1).

(مسألة 47): لا فرق في حكم الجبيرة بين أن يكون الجرح أو نحوه حدث باختياره على وجه العصيان (2) أم لا (3).

(مسألة 48): إذا كان ظاهر الجبيرة طاهرا لا يضره نجاسة باطنها (4).

(1) لاختصاص النصوص بما إذا كانت الآفة في مواضع الوضوء، للأمر فيها بالمسح على الحائل و غسل ما حول الجرح.

(2) بأن استلزم ضررا يحرم إيقاعه، و لو كان مراده بالعصيان العصيان في تفويت الواجب الاختياري لا في نفس إحداث الجرح فهو مبنى على تمامية ملاك الوضوء أو الغسل التام حتى في ظرف وجود الجبيرة بنحو يقتضي حفظه مع القدرة عليه و يمنع من تفويته. و قد تقدم في المسألة الواحدة و الأربعين المنع من ذلك.

(3) لعدم الاختيار أو معه لوجود المسوغ. و الوجه فيه إطلاق نصوص المقام.

(4) لإطلاق أدلتها، بل يغلب نجاسة الباطن في عصابة القرحة التي هي مورد صحيح الحلبي‏ (1)، لتعرضها للدم.

و الظاهر عدم الإشكال فيه، و إنما تعرض الأصحاب‏كالشيخ و الفاضلين و غيرهم‏لعدم قدح نجاسة ما تحتها في قبال قول بعض العامة بقدحه، و يعلم منه رأيهم في محل الكلام، لأنهما من باب واحد.

____________

(1) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 2.

465

(مسألة 49): محل الفصد داخل في الجروح (1)، فلو لم يمكن تطهيره، أو كان مضرا، يكفي المسح على الوصلة التي عليه (2) إن لم يكن أزيد من المتعارف، و إلا حلها و غسل المقدار الزائد (3) ثمَّ شدها.

(مسألة 50): إذا كان ما على الجرح من الجبيرة مغصوبا لا يجوز المسح عليه (4)، بل يجب رفعه (5) (1) كما في المستند و غيره. و هو ظاهر.

(2) هذا إنما يتم لو كان التطهير مضرا، و لو لاستلزامه حل الجرح، أما لو تعذر من غير جهة الضرر فهو لا يخلو عن إشكال، كما تقدم في أول الفصل.

(3) يظهر الكلام في ذلك مما تقدم في المسألة الخامسة و الأربعين، كما يظهر حكم ما لو تعذر الحل.

(4) لأنه تصرف فيه، فيحرم، و يكون من صغريات مسألة اجتماع الأمر و النهي، التي كان التحقيق فيها عدم الاجزاء في العبادات مع الالتفات، لامتناع التقرب معه، و مع عدمه يتعين الاجزاء فيها، كما يتعين في غيرها حتى مع الالتفات. و تمام الكلام في محله.

(5) لما كان رفعه تصرفا كان محرما في نفسه، فيكون المقام من تزاحم أفراد الحرام الذي يلزم فيه الترجيح بالأهمية، فلا يجب الرفع إلا إذا كان التصرف بالإبقاء أشد من التصرف بالرفع، فلو كان التصرف بالرفع أشد وجب الإبقاء، و لو كانا متساويين تخير، نظير ما يذكر في توسط الأرض المغصوبة.

و حينئذ فلو كان الرفع أشد، أو الإبقاء أشد و تعذر الرفع، فحيث كان المسح تصرفا زائدا على الإبقاء، كان التكليف بالطهارة الجبيرية مزاحما لحرمة التصرف في المغصوب و لا إشكال في أهمية الثاني، و لا أقل من كونه محتمل الأهمية، فيتعين في مقام الامتثال، فيجب التيمم لو لم تكن الجبيرة في أعضائه، و إلا كان من‏

466

و تبديله (1) و إن كان ظاهره مباحا و باطنه مغصوبا فان لم يعد مسح الظاهر تصرفا فيه فلا يضر، و إلا بطل (2).

(مسألة 51): لا يشترط في الجبيرة أن تكون مما تصح الصلاة فيه، فلو كانت حريرا أو ذهبا (3) أو جزء حيوان غير مأكول لم يضر بوضوئه (4). فالذي يضر هو نجاسة ظاهرها (5) أو غصبيته.

موارد فقد الطهورين. فتأمل.

و لا مجال للاكتفاء بغسل ما حوله بعد ظهور الأدلة في جزئية المسح على الجبيرة حين وجودها من الطهارة، و مقتضى الارتباطية تعذرها بتعذره.

نعم، لو فرض الاضطرار إلى التصرف بالمسح أو نحوه و لو مع عدم الوضوء أو الغسل كان المسح فيهما من أفراد التصرف المضطر إليه، فتسقط حرمته، و يتعين جوازهما، بل وجوبهما.

لكن لو كان الاضطرار بسوء الاختيار كان الفعل مبعدا و إن سقط النهي عنه، فيمتنع التقرب به و تتعذر العبادة الموقوفة عليه. إلا أن تسقط المبعدية المسببة عن سوء الاختيار بالتوبة، فيمكن التقرب حينئذ و يصح العمل و توضيح ذلك في مبحث اجتماع الأمر و النهي عند الكلام في توسط الأرض المغصوبة.

(1) الظاهر عدم وجوب التبديل بعد الرفع، لما تقدم في الجرح المكشوف من أن وجوب المسح على الجبيرة لا يقتضي وجوب وضعها في ظرف عدمها، بل يختص بما إذا كانت موجودة.

(2) على التفصيل المتقدم.

(3) يعني: للرجال.

(4) لإطلاق الأدلة، و حرمة اللبس في بعض ما تقدم لا تمنع من التقرب بالمسح، لتباينهما. و إليه يرجع ما في الجواهر من أن الحرمة خارجية.

(5) الظاهر عدم الاشكال فيه، لعين ما يذكر في وجه وجوب طهارة محال الطهارة. و قد تقدم بعض الكلام في ذلك في أواخر المسألة السابعة و الثلاثين.

467

(مسألة 52): ما دام خوف الضرر باقيا يجري حكم الجبيرة (1).

و إن احتمل البرء، و إذا ظن البرء و زال الخوف وجب رفعها.

(مسألة 53): إذا أمكن رفع الجبيرة و غسل المحل لكن كان موجبا لفوات الوقت الأظهر العدول إلى التيمم (2).

(مسألة 54): الدواء الموضوع على الجرح و نحوه إذا اختلط مع الدم و صار كالشي‏ء الواحد و لم يمكن رفعه بعد البرء بأن كان مستلزما لجرح المحل و خروج الدم، فإن كان مستحيلا (3) بحيث لا يصدق عليه الدم، بل صار كالجلد، فما دام كذلك يجري عليه حكم الجبيرة (4)، (1) إما لأن الخوف هو موضوع الاجزاء ثبوتا، أو لأنه طريق إلى الضرر الذي هو الموضوع. و يأتي الكلام في ذلك في المسألة التاسعة و الخمسين إن شاء اللّه تعالى.

(2) لاختصاص بعض نصوص الجبيرة و انصراف الباقي إلى كون المانع هو لزوم الضرر من نزع الجبيرة أو من إيصال الماء إلى ما تحتها، بل ظاهر صحيحي الحلبي و كليب‏ (1) الاختصاص بذلك، فيتعين الرجوع في الفرض لعموم ما دل على مشروعية التيمم بتعذر الوضوء، بناء على شموله للتعذر من جهة ضيق الوقت، و إن كان لا يخلو عن إشكال. و الكلام فيه موكول لمبحث التيمم.

(3) مقتضى صدر الكلام أن المراد استحالة الدواء، إلا أن مقتضى قوله:

«بحيث لا يصدق عليه الدم» كون المراد استحالة الدم.

و هو الذي يقتضيه الحكم، لوضوح أنه مع استحالة الدم يمكن تطهير الظاهر، أما استحالة الدواء فلا أثر لها مع بقاء الدم، لتعذر التطهير.

(4) يعني: بعد تطهيره بسبب اختلاطه بالدم قبل استحالته:

____________

(1) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 2، 8.

468

و إن لم يستحل كان كالجبيرة النجسة (1) يضع عليه خرقة و يمسح عليه. و لا يترك الاحتياط بضم التيمم في الصورتين (2).

(مسألة 55): إذا كان العضو صحيحا لكن كان نجسا و لم يمكن تطهيره لا يجري عليه حكم الجرح، بل يتعين التيمم (3).

هذا، و لو فرض استحالته بوجه يعد جزءا من البدن، لاكتسائه القشر الرقيق المتصل بالجلد جرى عليه حكم البشرة، لا حكم الجبيرة. و لعله المناسب لقوله:

«بل صار كالجلد»، و حينئذ لا يحتاج للتطهير.

إلا أن يقال: القشر المفروض لا يتكون رأسا، بل أصله سائل يفرزه البدن، و هو يتنجس بالدم المفروض، فيلزم تطهيره.

(1) لامتناع التطهير في فرض عدم استحالة الدم.

(2) أما في الصورة الثانية فظاهر، لما تقدم في حكم الجبيرة النجسة في المسألة السابعة و الثلاثين.

و أما في الصورة الأولى فقد يضعف الاحتياط المذكور بلحاظ إطلاق صحيحي الوشاء (1) المتضمنين جواز المسح على الدواء. إلا أن يدعى اختصاصهما بما هو دواء بالفعل، لكونه دخيلا في الشفاء، و لا يعمان ما وضع لأجل التداوي، ثمَّ خرج عن كونه دواء و صار من سنخ الوسخ الحاجب، بل هو كالحاجب اللاصق اتفاقا الذي تقدم في المسألة السادسة و الثلاثين أن الأحوط فيه ضم التيمم.

نعم، تقدم منه (قدّس سرّه) أن الاحتياط بضم التيمم فيه استحبابي، و هو لا يناسب ما قد يظهر منه في المقام.

هذا، و لو كان معدودا جزءا من البدن فقد عرفت جريان حكم البشرة عليه، فلا يحتاج فيه للتيمم، إلا إذا تعذر تطهيره، لما يأتي في المسألة اللاحقة.

(3) كما هو مقتضى عموم مشروعية التيمم بتعذر الطهارة المائية بعد

____________

(1) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 9، 10.

469

(مسألة 56): لا يلزم تخفيف ما على الجرح من الجبيرة (1) إن كانت على المتعارف (2). كما أنه لا يجوز وضع شي‏ء عليها مع عدم الحاجة (3)، إلا أن يحسب جزءا منها بعد الوضع (4).

(مسألة 57): الوضوء مع الجبيرة رافع للحدث (5) رفعا ناقصا (6)، لا مبيح فقط.

خروجه عن نصوص المقام، لاختصاصها بما إذا كان التعذر لأجل الآفة التي يضر معها استعمال الماء.

(1) كما في المستند و غيره، و يقتضيه إطلاق النصوص.

و عن نهاية الإحكام الإشكال في المسح على الظاهر من الجبائر لو تكثرت، و مال إليه في الرياض، لأنه الأقرب للحقيقة. لكنه لو تمَّ لا ينهض بالخروج عن الإطلاق.

و لعله لذا حكي عن نهاية الإحكام احتمال عدم وجوب التخفيف، لعدم الخروج به عن الحائل.

(2) بل و إن خرجت عنه، لأن التعارف لا ينهض بتقييد الإطلاق.

نعم، لو خرج الزائد عن كونه جبيرة، بل عدّ حائلا عليها تعين نزعه، لظهور الأدلة في وجوب المسح على الجبيرة.

(3) كما أطلق ذلك في المستند.

(4) فيدخل في إطلاق نصوص المسح على الجبائر، المقتضي للاجزاء.

(5) كما هو ظاهر تطبيق الوضوء عليه، على ما تقدم في أواخر المسألة الواحدة و الأربعين.

(6) كأنه لقرينة الاضطرار الموجبة لكونه ارتكازا دون الواجب الاختياري.

أو لمناسبة الرفع و الطهارة ارتكازا للمسح على البشرة دون المسح على الحائل.

و يشكل الأول: بإمكان كون الاضطرار موضوعا للرفع و الطهارة التأمين،

470

(مسألة 58): يجوز لصاحب الجبيرة الصلاة في أول الوقت (1) برجاء استمرار العذر (2)، و لا سيما مع ما تقدم من عدم انتقاض الطهارة الجبيرية بارتفاع العذر.

و الثاني: بأنه مختص بالطهارة الخارجية الحقيقية دون الشرعية الاعتبارية، بل هي أمر تعبدي تابع لتمامية موضوعه، و لا سيما مع ما في صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): «قال: إنما الوضوء حدّ من حدود اللّه ليعلم اللّه من يطيعه و من يعصيه، و إن المؤمن لا ينجسه شي‏ء، إنما يكفيه مثل الدهن» (1).

و الأمر سهل لعدم الأثر لذلك، و إنما المهم مشروعيته مع المندوحة و عدمها، و قد تقدم الكلام في ذلك في المسألة الواحدة و الأربعين، و يأتي في المسألة الآتية.

(1) لإطلاق نصوص المقام، فإنها و إن وردت لبيان بدلية مسح الجبيرة عن غسل البشرة، إلا أن مقتضى إطلاق البدلية عدم قادحية التعجيل، فالبدل مشروع في كل مورد يكون المبدل منه مشروعا. بل ينبغي عدم الإشكال في ذلك في الجملة، إذ لو كان التعجيل قادحا لاحتاج للتنبيه، للغفلة عنه بدونه.

(2) و لا يعتبر اليأس، لمنافاته للإطلاق المتقدم.

نعم، بناء على لزوم استيعاب الوقت بالعذر و عدم مشروعية الطهارة الجبيرية مع البرء في أثنائه يكون التعجيل بها برجاء استمرار العذر مستلزما لفقدها، للجزم بالنية، فتبتني صحتها حينئذ على ما تقدم الكلام فيه في المسألة الثالثة من مباحث التقليد.

و دعوى: أن مقتضى استصحاب العذر في تمام الوقت مشروعية الطهارة الجبيرية، فيتيسر الجزم بالنية.

مدفوعة: بأن موضوع الأثربناء على ذلك‏ليس هو استمرار العذر، بل‏

____________

(1) الوسائل باب: 52 من أبواب الوضوء حديث: 1.

471

فإذا انكشف ارتفاعه في الوقت أعاد الوضوء و الصلاة (1).

تعذر الصلاة بالطهارة التامة، و هو غير محرز من أول الأمر ليستصحب بنفسه، و استمرار العذر ملازم له، فاستصحاب العذر في تمام الوقت مثبت. فالعمدة ما تقدم هناك من عدم اعتبار الجزم بالنية.

(1) كما تقدم منه (قدّس سرّه) في المسألة الواحدة و الأربعين.

و قد تقدم أنه مبني على أن موضوع مشروعية الطهارة الجبيرية هو تعذر الإتيان بالطهارة التامة في تمام الوقت، فمع البرء في أثنائه ينكشف عدم مشروعية الطهارة الجبيرية حين وقوعها، فلا تجزي. و عليه يلزم الإعادة حتى مع اليأس حين العمل من البرء في الوقت و القطع خطأ باستمرار العذر.

لكن تقدم المنع من ذلك و أن الظاهر كون الموضوع هو وجود العذر حين العمل، فيتعين الاجزاء مع رجاء استمرار العذر، فضلا عن صورة القطع به حين العمل.

و مما ذكرنا يظهر الاشكال فيما عن شرح المفاتيح من أن الأحوط، بل الأقرب عدم جواز الطهارة الجبيرية مع رجاء زوال العذر إلا إذا تضيق الوقت بنظر المكلف، فالحكم بعدم الإعادة مختص بصورة الاعتقاد ببقاء العذر أو بتضيق الوقت.

وجه الاشكال: أن موضوع الطهارة الجبيرية إن كان هو العذر المستوعب للوقت وجبت الإعادة مطلقا، و إن كان هو وجوده حين العمل لم تجب مطلقا، كما ذكرنا، بل مقتضاه الاجزاء حتى مع القطع أو الوثوق بزوال العذر في الوقت.

إلا أن يدعى انصراف الإطلاقات عن ذلك، لأن ارتكاز كون العمل اضطراريا مانع من إقدام المكلف عليه مع العلم بالتمكن من العمل التام في الوقت، فينصرف السؤال عنه. فتأمل.

472

(مسألة 59): إذا اعتقد الضرر في غسل البشرة فعمل بالجبيرة ثمَّ تبين عدم الضرر في الواقع لم يصح الوضوء و لا الغسل (1). و إذا اعتقد عدم الضرر فغسل ثمَّ تبين أنه كان مضرا و كان وظيفته الجبيرة صح وضوؤه و غسله (2).

(1) بناء على أن موضوع الطهارة الجبيرية ثبوتا هو الضرر الواقعي، كما هو مقتضى صحيح الحلبي‏ (1)، لا خوف الضرر، و أن ما تضمن أخذ الخوف‏كصحيح كليب‏ (2)- محمول على كونه طريقا لما هو الموضوع يجوز العمل عليه ظاهرا مع الجهل بالحال، فلا يجزي مع انكشاف عدم الضرر، بناء على ما هو التحقيق من عدم إجزاء الأمر الظاهري مع ظهور الخطأ.

لكن تقدم في المسألة الثالثة و الثلاثين من الفصل السابق الإشكال في ذلك، و أن الأظهر حمل ما تضمن الخوف على كونه كافيا في الاجزاء، و إن لم يكن العمل مشروعا في ظرف عدم الضرر، لاختصاص مشروعيته بصورة وجود الضرر.

نعم، لو كان عدم الضرر لعدم الكسر أو الجرح أو نحوهما فالظاهر عدم الاجزاء، لقصور جميع أدلة المقام عنه، كما تقدم نظيره في باب التقية. فراجع.

(2) إما لأن موضوع الطهارة الجبيرية الخوف المفروض عدمه في المقام، أو لأن موضوعها الضرر الواقعي، لكن لا بنحو يرتفع به ملاك الطهارة الاختيارية، فيتعين الاجزاء بموافقته. كذا ذكر سيدنا المصنف (قدّس سرّه).

لكن لازم الأول عدم إجزاء الطهارة الجبيرية مع الضرر الواقعي بدون خوف لو فرض الإتيان بها لمحض الاحتمال غير البالغ مرتبة الخوف، أو للغفلة عن إزالة الجبيرة، و لا يظن التزام أحد بذلك. فالمتعين الثاني المستلزم لعدم مشروعية الطهارة الجبيرية مع الخوف من دون ضرر، و إن كانت مجزية لما سبق.

____________

(1) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 2.

(2) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 8.

473

و كذلك يصحان لو اعتقد الضرر و لكن ترك الجبيرة و توضأ و اغتسل ثمَّ تبين عدم الضرر (1) و أن وظيفته غسل البشرة، و لكن الصحة في هذه الصورة تتوقف على إمكان قصد القربة (2).

(مسألة 60): في كل مورد يشك في أن وظيفته الوضوء الجبيري أو التيمم الأحوط وجوبا الجمع بينهما (3).

(1) الوجه فيه ظاهر بناء على ما تقدم من أن موضوع مشروعية الطهارة الجبيرية الرافع للتكليف بالطهارة الاختيارية هو الضرر الواقعي، فمع فرض عدمه يكون الواجب هو الطهارة الاختيارية و يتعين إجزاؤها.

بل يتجه حتى بناء على أن موضوعها هو الخوف الحاصل في المقام بناء على ما أشرنا إليه هنا و تقدم توضيحه في المسألة الثالثة و الثلاثين من الفصل السابق من أن تشريع الابدال الاضطرارية لا يستلزم ارتفاع ملاك التكاليف الأولية، بل يبقى ملاكها فتجزي موافقته.

و منه يظهر إجزاء الطهارة الاختيارية في فرض اعتقاد الضرر حتى مع وجوده واقعا، لو فرض حصول قصد القربة.

(2) بأن غفل المكلف حين العمل فأوصل الماء للبشرة، أو لم يكن الضرر بمرتبة يحرم إيقاع النفس فيه.

(3) ظاهره التوقف عن الفتوى بذلك، و لا موجب له بعد كون ذلك مقتضى الوظيفة العقلية في مورد العلم الإجمالي، من دون فرق بين الشبهة المفهومية أو الحكمية قبل الفحص و الشبهة الموضوعية.

نعم، لا يبعد الرجوع في الأخيرة للاستصحاب لو كانت هناك حالة سابقة، كما لو تعذرت إزالة العصابة التي وضعت على محل صحيح سابقا يحتمل تقرحه لاحقا، فان استصحاب عدم كون المكلف ذا جبيرة قاض بوجوب التيمم و عدم مشروعية الطهارة الجبيرية.

474

و ما ذكره سيدنا المصنف (قدّس سرّه) من كون الاستصحاب تعليقيا، بناء على أن الطهارة هي الأثر الحاصل من الوضوء و نحوه، إنما يتجه لو أريد التمسك بالاستصحاب الحكمي، كاستصحاب ترتب الطهارة بالتيمم، أما مع الرجوع للاستصحاب الموضوعي‏كما ذكرنافهو تنجيزي مغن عن الاستصحاب التعليقي.

هذا، و أما الشبهة الحكمية بعد الفحص فلا مجال لفرضها في المقام، لعدم كونها موردا لعمل العامي، بل تختص بالمجتهد، و لا بد من رجوعه لما يؤدي إليه نظره من الأصل أو الدليل العام أو الخاص، و لا يتسنى ضرب القاعدة في مثل ذلك. و اللّه سبحانه و تعالى ولي العصمة و السداد، و له الحمد وحده، و الصلاة و السلام على من لا نبي بعده محمد و آله الطاهرين.

انتهى الكلام في أحكام الجبائر ليلة الاثنين 14 ذي الحجة سنة 1396 للهجرة. و انتهى تبييضه ضحى اليوم المذكور بقلم مؤلفه، عفى عنه.

475

الفصل الثالث في شرائط الوضوء

منها: طهارة الماء (1) (1) لا ينبغي الريب فيه بعد النظر في كلام الأصحاب و النصوص، لظهورها في المفروغية عنه، كما يشهد به استفادتهم انفعال الماء من الحكم بعدم جواز استعماله في الوضوء، بل هو المدعى عليه صريحا الإجماع في كلام غير واحد.

و يستفاد من النصوص الواردة في الماء المتغير و القليل و الإنائين المشتبهين و ماء البئر و غيرها مما يوجب وضوح الحكم، بل عدّه في الضروريات.

هذا، و قد صرح غير واحد بعدم جواز الوضوء بالماء النجس، و قد وقع الكلام بينهم في أن المراد به الحرمة الوضعيةكما عن نهاية الإحكام‏أو التكليفية المستتبعة للإثم‏كما في جامع المقاصد و استظهره في مفتاح الكرامةوجهان ردد بينهما في الروض و المدارك، قد يشهد بالأول اقتصارهم على ذلك و عدم تنبيههم.

على الحرمة الوضعية مع أهميتها، و بالثاني عطفهم شرب الماء النجس على الوضوء به.

و كيف كان، فإن أريد بالحرمة التكليفية الحقيقية بلحاظ التشريع، أو العرضية بلحاظ أن الاعتداد بالوضوء بالماء النجس مستلزم للوقوع في الحرام كترك الصلاة المطلوبة. فهو في محله، بل هو لازم للحرمة الوضعية.

و إن أريد بها الحقيقية الذاتية، بحيث يكون الوضوء به لاعتقاد طهارته‏

476

و إطلاقه (1) و إباحته (2) محرما في الواقع، بل موجبا للعقاب مع التقصير في البناء على الطهارة لكون الشبهة حكمية قبل الفحص، كما يعاقب على شربه حينئذ.

فلا دليل عليها، لانصراف الأدلة الناهية عن الوضوء بالماء النجس إلى الإرشاد للجهة الوضعية، كما في سائر موارد بيان الماهيات ذات الأجزاء و الشرائط. بل لا ينبغي الريب فيه بعد ظهور استدلالهم بها على ذلك مع وضوح عدم استلزام الحرمة الفساد إذا تحقق قصد القربة للجهل بالحال.

بل لما لم يصح الوضوء بالماء النجس قطعا لزم التصرف في دليل النهي المذكور، لامتناع إيقاع الوضوء بالماء النجس كي يحرم، فلا بد إما من حمل النهي على الإرشاد، أو حمل الوضوء المنهي عنه على قصده، و ليس الثاني بأولى من الأول.

(1) كما تقدم الوجه فيه في المسألة الحادية و العشرين من مبحث المياه.

و لا بد من بقائه على الإطلاق إلى أن يتحقق مسمى الغسل أو المسح المعتبر.

(2) بمعنى عدم كونه محقوقا للغير حقا مانعا من التصرف، بأن كان مملوكا للغير أو مرهونا عنده أو نحوهما، لأن مقتضى سلطنته على حقه حرمة التصرف في موضوعه بغير إذنه في الوضوء و غيره، فيتعذر معه قصد التقرب المعتبر في صحة الوضوء. و منه الوقف و نحوه مما كان مقتضى نفوذه عدم جواز التصرف المنافي له.

نعم، هو موقوف على الالتفات، كما يأتي في المسألة الرابعة و الستين.

هذا، و عن الدلائل أنه بعد نسبة الحكم للأصحاب نقل عن الكليني (رضوان اللّه عليه) الفرق بين ما ينهى عنه لخصوص العبادة و ما ينهى عنه لنفسه من المكان و اللباس، ثمَّ قال: «و على قوله يصح الوضوء بالمغصوب، لأنه منهي عنه لنفسه.

477

و عدم استعماله في التطهير من الخبث (1)، بل و لا في رفع الحدث الأكبر، على الأحوط استحبابا، على ما تقدم (2).

و منها: طهارة أعضاء الوضوء (3).

و هو قوي» و ضعفه يظهر مما تقدم. إلا أن يريد الصحة في الجملة و لو مع الغفلة، في قبال النواهي الراجعة لخصوص العبادة مما يرد للإرشاد للمانعية، لظهور دليله في كونه من الموانع الواقعية الذي يبطل العمل معه و لو كان عن غفلة. و كيف كان فلا ينبغي الإشكال في البطلان، و قد ادعى غير واحد الإجماع عليه.

(1) أما بناء على نجاسة ماء الغسالة فواضح.

و أما بناء على طهارته فلما تقدم في آخر الكلام في حكم ماء الغسالة.

نعم، تقدم في المسألة العاشرة، من مبحث أحكام الخلوة الإشكال في عدم جواز رفع الحدث بماء الاستنجاء بناء على طهارته.

(2) في الفصل الثالث من مبحث المياه. و تقدم منا أن الأقوى مانعيته.

(3) و في الحدائق أنه المشهور.

و كأن منشأ النسبة ما ذكروه في غسل الجنابة. قال سيدنا المصنف (قدّس سرّه): «لم أجد فيما يحضرني تحريرا له في المقام، و إنما حرر في غسل الجنابة».

و لذا أحال في الحدائق الكلام فيه في المقام على ما ذكره هناك. لكن المحكي عنه نسبته هناك للمشهور بين المتأخرين، و في جامع المقاصد أنه الشائع على ألسنة الفقهاء. و هو المصرح به في المنتهى و القواعد و جامع المقاصد و محكي الذكرى و البيان و الدروس و الجعفرية و شرحها.

بل قد يستظهر من كل من ذكر في بيان كيفية الغسل إزالة النجاسة عن البدن قبله، كما في المقنع و الهداية و النهاية و الوسيلة و المراسم، بل قد يظهر من الأمالي أنه من دين الإمامية، و من الغنية دعوى الإجماع عليه. فتأمل.

و كيف كان، فلا ينبغي التوقف في اعتبار طهارتها لو استلزمت نجاستها

478

انفعال الماء، كما لو كان قليلا بناء على ما تقدم من انفعال ماء الغسالة بالملاقاة قبل الانفصال.

و احتمال عدم قدح الانفعال الناشئ من الاستعمال فيه، لأن مورد النصوص ما كان نجسا قبله. في غير محله، لإلغاء خصوصية مواردها عرفا.

و لا مجال لقياسه على التطهير من الخبث. للفرق بين المقامين باختلاف القذر الذي يطرأ على الماء عن القذر الذي يزال به سنخا في المقام، بخلاف التطهير من الخبث، و حيث كان التطهير من الخبث بغسله ارتكازا لزم العفو عن انفعال الماء به حينه، فما هو النظير للتطهير من الخبث مانعية استعمال الماء في رفع الحدث الأكبر من رفع الحدث به، حيث إنه إنما يمنع من استعمال آخر، لا من الاستعمال الواحد عرفا.

لكن في المبسوط: «و إن كان على بدنه نجاسة أزالها ثمَّ اغتسل، فان خالف و اغتسل أولا فقد ارتفع حدث الجنابة. و عليه أن يزيل النجاسة إن كانت لم تزل بالغسل، و إن زالت بالاغتسال فقد أجزأه عن غسلها».

و مقتضى إطلاقه من عدم مانعية النجاسة الطارئة من التطهير. و تنزيله على خصوص الكثير و نحوه مما لا ينفعل لأجل ما هو المعلوم مانعية نجاسة الماء بعيد، لأنه حمل على غير الفرد المشهور مما يغفل عنه من دون تنبيه. إلا أن يرجع كلامه إلى عدم انفعال ماء الغسالة. فتأمل.

و الأمر سهل، إذ لا غرض في تحقيق مراده (قدّس سرّه) بعد ما عرفت من البناء على مانعية النجاسة في الفرض.

و أما لو لم تستلزم نجاستها نجاسة الماءلاعتصام الماء، أو للبناء على طهارة الغسالة مطلقا أو قبل الانفصال‏فقد يستدل على وجوب طهارة الأعضاء و عدم الاجتزاء بغسل واحد للحدث و الخبث بوجوه.

الأول‏: أن الأصل عدم التداخل.

و فيه: أن التداخل هو مقتضى الإطلاق، و إنما خرجنا عنه فيما لو تعددت‏

479

الأسباب، و كان المسبب هو التكليف بماهية واحدة، لأجل ظهور دليل كل سبب في كونه سببا مستقلا لحدوث التكليف المستقل، المستلزم لتعدد التكاليف بتعدد الأسباب المستتبع لتعدد متعلقها، و أنه ليس محض الماهية الحاصلة بصرف الوجود، لامتناع تعدد التكليف مع وحدة المكلف به.

أما في المقام فحيث كان التعدد في المسبب، و هو إزالة الحدث و الخبث و الطهارة من كل منهما، و لم يمتنع صدور المسببين عن سبب واحد، و هو الغسل في المقام، فلا موجب للخروج عن مقتضى الإطلاق في السبب، و هو الغسل، بل يتعين الاكتفاء بغسل واحد، كما يكتفى به في التطهير من النجاسات المتعددة، كالدم و البول. و تمام الكلام في ذلك في الأصول في ذيل مبحث مفهوم الشرط.

فراجع.

هذا، و قد أشار في الجواهر إلى الإشكال في الاستدلال بأصالة عدم التداخل بأن مقتضاها عدم الاكتفاء بغسل واحد للحدث و الخبث، لا شرطية رفع الخبث في صحة الغسل لرفع الحدث.

و يندفع: بأنه بعد العلم بارتفاع الخبث بالغسل الأول يكون احتياج رفع الخبث لغسل آخر مقتضى أصالة عدم التداخل، المفروض الرجوع إليها.

و لا ضير في لزوم تقييد إطلاق أدلة بيان الغسل، لابتناء أصالة عدم التداخل على تقييد الإطلاق.

و أما ما ذكره سيدنا المصنف (قدّس سرّه) من أن الموجب لعدم التداخل ظهور تعدد الشرط في تعدد الجزاء، فإذا بني على رفع اليد عن هذا الظهور بالنسبة إلى الخبث، و أنه يتحقق و لو بالغسل لرفع الحدث فلا مانع من الأخذ بإطلاق الإجزاء بالنسبة إلى الحدث، فيكتفى في رفعه بمجرد الغسل و إن ترتب عليه رفع الخبث.

فيندفع: بأن مقتضى الجمع بين أصالة عدم التداخل و فرض ارتفاع الخبث بالغسل الأول هو عدم صلوح الغسل المذكور لرفع الحدث، فلا تشرع نيته به، كي يكون ارتفاع الخبث به منافيا لأصالة عدم التداخل. فلاحظ.

480

الثاني‏: ما في جامع المقاصد من أنه لو أجزأ الغسل مع نجاسة المحل لأجزأ مع بقاء عين النجاسة.

و هو كما ترى لا يرجع إلى محصل ظاهر، فان عين النجاسة إن كانت مانعة من استيلاء الماء على البشرة بالنحو المعتبر في رفع الحدث خرج عن المقام، و إلا فلا بأس بالتزام الإجزاء معها، و كانت من محل الكلام.

الثالث‏: النصوص المتضمنة للأمر بغسل النجاسة من البدن قبل الشروع في الغسل في مقام تعليمه، مثل ما تضمن غسل الفرج‏بناء على حمله على فرض نجاسته، لا على الاستحباب، كغسل اليدين‏و صحيح حكم بن حكيم: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن غسل الجنابة. فقال: أفض على كفك اليمنى من الماء فاغسلها، ثمَّ اغسل ما أصاب جسدك من أذى، ثمَّ اغسل فرجك، و أفض على رأسك و جسدك فاغتسل» (1). و صحيح البزنطي: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن غسل الجنابة.

فقال: تغسل يدك اليمنى من المرفقين [المرفق. خ ل‏] إلى أصابعك، و تبول إن قدرت على البول، ثمَّ تدخل يدك في الإناء، ثمَّ اغسل ما أصابك منه، ثمَّ أفض على رأسك و جسدك» (2) و غيرها.

فإن ظاهر الأمر فيها اللزوم، و مقتضى وروده لبيان الماهية كونه للإرشاد إلى توقفها على ذلك، لا للوجوب التعبدي، كما قد يظهر مما تقدم من المبسوط.

و فيه: أن السؤال في هذه النصوص لما كان عن نفس الغسل فبيان المقدمات المذكورة خارج عن مقتضى السؤال لمحض التفضل، و هو كما يكون بالإرشاد إلى توقف الغسل على ذلك يكون بالإرشاد إلى تجنب النجاسة، لما يستلزمه اختلاط ماء غسالة الغسل بغسالة الخبث من محذور ينبغي التوقي منه، و لا قرينة على إرادة خصوص الأول.

و لا سيما مع ما في موثق سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: إذا أصاب‏

____________

(1) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 7.

(2) الوسائل باب: 34 من أبواب غسل الجنابة حديث: 3.

481

الرجل جنابة فأراد الغسل فليفرغ على كفيه و ليغسلهما دون المرفق، ثمَّ يدخل يده في إنائه، ثمَّ يغسل فرجه، ثمَّ ليصب على رأسه ثلاث مرات مل‏ء كفيه، ثمَّ يضرب بكف من ماء على صدره و كف بين كتفيه، ثمَّ يفيض الماء على جسده كله، فما انتضح من مائه في إنائه بعد ما صنع ما وصفت فلا بأس» (1) لظهوره في اهتمامه (عليه السلام) بتجنب انفعال غسالة الغسل.

و دعوى: أن الحمل على ذلك لا يناسب ما في ذيل صحيح حكم: «فان كنت في مكان نظيف فلا يضرك أن لا تغسل رجليك، و إن كنت في مكان ليس بنظيف فاغسل رجليك.» (2)، إذ لا غرض في تجنب انفعال غسالة غسل الرجلين في المكان القذر، إذ لا بد من تجنب ما ينتضح منها على المكان، و هي لا تنتضح على البدن لأنهما في أسفله.

مدفوعة: بقرب عدم كون المراد من غسل الرجلين غسلهما مقدمة للغسل، ليكون شاهدا لما نحن فيه، بل غسلهما بعد إكمال الغسل، لبيان عدم تنجسهما بماء غسل الجنابة مع مراعاة الكيفية المذكورة إلا إذا كان المكان قذرا، فيكون مساوقا للموثق.

على أن ظاهر النصوص المذكورة بيان كيفية الاغتسال بالماء القليل، و لا إشكال في توقف الغسل به على التطهير من الخبيث، إما لاعتباره في نفسه، أو للفرار به من محذور انفعال الماء المانع من الاغتسال به‏كما تقدم‏و لا قرينة في النصوص على إرادة الأول.

و من هنا يشكل البناء على وجوب التطهير قبل الغسل مع عدم انفعال الماء.

بل قوى في كشف اللثام العدم، و هو المحكي عن المختلف و نهاية الأحكام و شرح الدروس و الحدائق.

____________

(1) الوسائل باب: 26 من أبواب غسل الجنابة حديث: 8.

(2) الوسائل باب: 27 من أبواب غسل الجنابة حديث: 1.

482

و منها: إباحة الفضاء الذي يقع فيه الغسل‏ بقي في المقام أمور.

الأول‏: أشرنا إلى أنه لو قيل بعدم انفعال ماء الغسالة قبل انفصاله يتجه التوقف في مانعية نجاسة الأعضاء من رفع الحدث بغسلها.

و ربما يتوهم منافاته لما تقدم من عدم جواز الوضوء بالماء القليل المستعمل في رفع الخبث و إن قلنا بطهارته.

لكنه يندفع: بأنه لا يصدق على الماء أنه مستعمل في رفع الخبث بمجرد ملاقاته، بل لا بد من جريانه على المحل، بحيث يصدق عليه الغسالة، فيتحقق الوضوء به قبل صدق العنوان المذكور عليه. فتأمل.

الثاني‏: المحكي عن نهاية الإحكام عدم قدح النجاسة إذا كانت في آخر العضو في الوضوء بالماء القليل. و لا يتضح خصوصية آخر العضو في ذلك، فان المحذور ليس هو تنجس ما يجري عليه الماء، كي لا يبقى له موضوع في الفرض المذكور، بل انفعال نفس الماء بملاقاة الموضع النجس، و هو حاصل في الفرض، فلا بد فيه من استمرار إجراء الماء بعد طهارة المحل، كما في سائر المواضع.

الثالث‏: مقتضى ما سبق عدم الفرق بين النجاسة التي تزول بالمرة و التي لا تزول بها، فكما يكون الغسل الواحد مع عدم انفعال الماء بملاقاة العضو في الأولى مطهرا من الحدث و الخبث، يكون في الثانية مطهرا من الحدث و مجزيا عن مرة مما يعتبر في رفع الخبث. و ربما يحمل على ذلك ما تقدم من المبسوط.

و قد أشار في الجواهر إلى القول في المقام باعتبار عدم بقاء المحل نجسا بعد الغسل، و لم يشر إلى القائل به و لا إلى دليله، و إنما قال: «ليس له وجه ظاهر سالم عن التأمل و النظر».

(1) كما لم يستبعده في الجواهر.

و الوجه فيه: أن حركات المكلف حين إيقاع الأفعال الوضوئية تصرف في الفضاء المذكور، و كذا إجراء الماء من مثل الإبريق على أعضاء الوضوء و لو مع‏

483

سكون المكلف حينه، لأن حركة الماء في الفضاء تصرف فيه، فيحرم.

و دعوى: انصراف إطلاق حرمة التصرف في مال الغير عن الفضاء.

مردودة على مدعيها، لأن الفضاء مال مهم، و التعدي بالتصرف فيه لا يقصر عن التعدي بالتصرف في الأعيان الخارجية.

كيف، و لازم ذلك عدم جواز طرد المتصرف فيه و منعه من الاستمرار فيه، لعدم التعدي منه المسقط لحرمته و المسوغ للتعدي عليه بالطرد و نحوه. و لا يظن التزام أحد به.

و مثلها دعوى: انصراف الإطلاق المذكور عن التصرف اللازم من الوضوء. إذ لا يظهر وجه خصوصيته عن سائر التصرفات.

و أما منع انطباق التصرف على الوضوء، لأنه عبارة عن وصول الماء إلى المحل، و إمرار الغاسل أو الماسح مقدمة له.

ففيه‏مع أن الوضوء ليس عبارة عن وصول الماء إلى المحل، بل إيصاله إليه، كما يشهد به تفسيره بالغسل و المسح في الكتاب و السنة، و هما من أفعال المكلف، و وصول الماء نتيجة لهماأن التقرب المعتبر في الوضوء إنما يكون بالحركات المذكورة، لأنها هي فعل المكلف بالمباشرة، فمع حرمتها يمتنع التقرب، فيبطل.

و كأن توقف سيدنا المصنف (قدّس سرّه) في الحكم لبعض هذه الوجوه، أو جميعها، لأنه تعرض لها في مقام الاستدلال عليه، و إن سبقه إلى بعضها في الجواهر.

فراجع.

هذا، و أما إباحة الأرض و الفراش و نحوهما مما يعتمد عليه المتوضي، فلا دليل على اعتبارها، لعدم دخلها بحركات الوضوء و أفعاله. و مجرد مقارنة الأفعال للتصرف فيها بالاشغال و الاعتماد لا يوجب حرمتها، و لا يمنع من التقرب بها بعد أن لم يكن جزءا منها.

و ما عن غير واحد من صدق التصرف في المكان المغصوب على نفس الوضوء، غير ظاهر.

484

على الأحوط وجوبا. و الأظهر عدم اعتبار إباحة الإناء الذي يتوضأ منه مع الانحصار به (1)، فالمتعين البناء على عدم البطلان، كما في المعتبر و المنتهى و المدارك و عن الحبل المتين. خلافا لما في الروض و عن محكي نهاية الإحكام، و الذكرى و الدروس و الموجز الحاوي و كشف الالتباس و المقاصد العلية و مجمع البرهان.

حيث حكموا بالبطلان مع عدم اباحة المكان، بل ذكر سيدنا المصنف (قدّس سرّه) أنه ظاهر المنسوب للمشهور.

اللهم إلا أن يكون محل كلامهم صورة غصبية الفضاء مع الأرض، لأنه الفرد الشائع، فيتجه البطلان، لما تقدم.

(1) حيث قد يدعى حينئذ عدم مشروعية الوضوء، لمزاحمته بحرمة الغصب، المقتضي لسقوط الأمر به، لأن مقتضى الجمع بين دليله و دليل التيمم، أخذ الوجدان في موضوعه، فمع توقفه على التصرف بالمغصوب يكون مقتضى إطلاق حرمة الغصب عدم الوجدان و ارتفاع موضوع الوضوء. و منه يظهر أنه لا مجال لإعمال قواعد التزاحم بين التكليفين من ترجيح الأهم و التخيير مع عدمه.

إذ لا تزاحم بين التكليفين مع ورود أحدهما على الآخر و رفعه لموضوعه، بل يختص بما إذا كانا في عرض واحد.

لكنه يندفع بأن سقوط الأمر بالوضوء لأجل عدم الوجدان لا ينافي بقاء ملاكه المستفاد من إطلاق دليله، فان مثل عدم الوجدان من الروافع الاضطرارية لا يوجب خروج مورده عن موضوع المشروعية عرفا تخصيصا لعموم دليله، بنحو يكون فاقدا لملاكه، بل يكون مسقطا للإلزام لا غير مع بقاء الملاك، فموضوع الحكم الاضطراري من سنخ المانع عن تأثير الملاك للأمر و الإلزام، و لا يمنع من رجحان الفعل بنحو يشرع الإتيان به و يصح التقرب به بلحاظ ملاكه.

و لذا يحسن تحمل الزحمة في رفع موضوع البدل الاضطراري، و يجب‏

485

فضلا عن عدمه (1)، فلو توضأ بماء مباح من إناء مغصوب أثم (2) و صح وضوؤه، من دون فرق بين الاغتراف منه (3) قضاء ما فات حال الاضطرار بالوجه الاختياري مع التمكن و نحو ذلك مما يكشف عن بقاء ملاك التكليف الأولي بنحو يكون الفعل مشروعا في نفسه صالحا للتقرب.

و هو لا ينافي ما تقدم من عدم صلوح التكليف بالوضوء لمزاحمة التكليف بترك الغصب، لوروده عليه و رفعه لموضوعه. فان رفعه لموضوع الأمر و الإلزام لا يستلزم رفعه للمشروعية و الملاك. و الملاك بنفسه و إن كان مهما لا يصلح لمزاحمة الملاك الفعلي إذا لم يكن التكليف على طبقه فعليا.

(1) إذ لا مجال معه لجريان الشبهة المتقدمة، بل لا إشكال في وجوب الوضوء، للقدرة عليه من الماء الآخر الذي ليس في الإناء المغصوب.

(2) يعني: في التصرف بالإناء، لا في الوضوء المترتب عليه، على ما يأتي توضيحه.

(3) لا يبعد صدق التصرف على الاغتراف من الإناء فيما إذا أوجب تموج الماء و تحركه على سطحه، إما لصغر الإناء، أو العنف في الاغتراف، فيحرم.

و أما إذا لم يوجب ذلك، لكبر الإناء و الاغتراف منه برفق، أو لشدة تموج الماء في الإناء قبل الاغتراف منه بنحو يتلاشى التموج الحاصل بسببه فيه، فلا يصدق التصرف عليه عرفا، فلا يكون محرما.

و كيف كان، فلو كان الاغتراف محرما فحيث لم يكن متحدا مع أفعال الوضوء، بل هو مقدمة إعدادية لها، و كان ترتبها عليها باختيار مستقل عنه، و ليست من سنخ المسببات التوليدية عنه، لم تكن حرمته مانعة من التقرب بها، ليبطل الوضوء.

و ما عن بعضهم من أن الوضوء من الإناء المغصوب استعمال له عرفا، فيحرم و يبطل. ممنوع جدا.

486

دفعة (1) أو تدريجا (2)، غاية ما قد يدعى صدق الاستعمال على أخذ الماء من الإناء للوضوء، و هو غير ضائر، على أنه لا أهمية لصدق الاستعمال عليه، بل لا بد من صدق التصرف، لأنه الذي تضمنه التوقيع الشريف‏ (1)، و هو المنصرف من موثق سماعة و غيره مما تضمن عدم حل مال المسلم إلا بطيبة نفسه‏ (2)، لمنافاته لحرمة المال ارتكازا، و هو غير منطبق على الوضوء قطعا.

(1) يعني: بمقدار يكفي لتمام الوضوء. لكنه لما كان موجبا للقدرة على الوضوء التام، لما تقدم من عدم صدق التصرف عليه فلا ينبغي الإشكال في وجوب الوضوء معه من دون فرق بين صورتي الانحصار و عدمه، و إنما يظهر الفرق المتقدم بينهما قبل حصوله، كما يظهر في الاغتراف التدريجي.

(2) فإنه بعد ما تقدم من عدم انطباق التصرف في الإناء على الوضوء لا يمتنع التقرب به، فيصح و إن لم يكن مأمورا به مع الانحصار، لإمكان التقرب بالملاك.

إلا أن يستشكل في حصول قصد القربة حين الشروع في الوضوء، لابتنائه على قصد المعصية بالاغتراف لبقية الأجزاء، لعدم مشروعية كل جزء منه إلا في ظرف الإتيان بالباقي بمقتضى الارتباطية، فلا بد من قصد كل جزء في ضمن قصد الكل، و حيث كان قصد الكل مبنيا على قصد الإتيان به من الطريق المحرم كان الشروع مبنيا على التجرؤ بقصد المعصية بحيث يكون داعيا إليها، و هو مناف للتقرب به ارتكازا.

و هذا بخلاف ما لو كان الاغتراف دفعيا، فان الوضوء بعده لا يبتني على قصد المعصية و إن كان مسبوقا بها، أو كان الوضوء على الفراش المغصوب، فإنه‏

____________

(1) الوسائل باب: 3 من أبواب الأنفال من كتاب الخمس حديث: 6.

(2) الوسائل باب: 3 من أبواب مكان المصلي حديث: 1. و باب: 1 من أبواب القصاص حديث: 3.

487

و الصب منه (1).

و إن كان مقارنا لقصد المعصية إلا أنه لا يبتني عليه و لا يرتبط به.

و لو تمَّ ذلك لم يفرق فيه بين صورتي الانحصار و عدمه، إذا كان المقصود إكمال الوضوء من الإناء المغصوب.

نعم، لا مانع من التقرب بالجزء لو فرض عدم القصد إلى الإكمال من المغصوب، إما لتخيل القدرة على ماء آخر، أو لعدم قصد المجموع، بل اتي بالجزء احتياطا برجاء الإكمال من ماء آخر.

و كذا لو فرض القصد إلى المعصية على كل حال لا من أجل الوضوء، بحيث لا يكون الوضوء داعيا إليها و إن قصد ترتبه عليها. على اشكال في الأخير.

و ما ذكرناه يجري في كل مقدمة محرمة يبتني الشروع في العمل على قصد إكماله من طريقها، بحيث يكون العمل داعيا إليها و يكون قصدها متفرعا على قصده فلاحظ.

(1) أما الصب منه في الكف ثمَّ الغسل به فيلحقه حكم الاغتراف المتقدم.

و أما الصب منه على العضو لغسله رأسا فقد يشكل، لأن قصد التقرب إنما يكون بالصب، لأنه فعل المكلف بالمباشرة و الغسل مسبب توليدي له ليس موضوعا لاختيار مستقل عنه، فإذا كان الصب محرما امتنع التقرب به، فيبطل الوضوء.

نعم، لو اجري الماء من المغصوب باستمرار بثقب و نحوه لا لأجل الوضوء فوضع المكلف العضو تحته لغسله به، نظير الاسالة المعروفة في زماننا لم يبعد تأتي قصد القربة، لأن التقرب إنما يكون بوضع العضو تحت الماء، و هو مباين للفعل المحرم الذي سبب الجريان فلا تمنع حرمته من التقرب به.

هذا كله إذا لم يجب التفريغ، و أما إذا وجب شرعا أو عقلا بنحو لا يكون مبعدا، كما لو اضطر إليه لا بسوء الاختيار، للفرار به من زيادة التصرف في‏

488

نعم، يشكل الوضوء إذا كان بنحو الارتماس فيه (1)، إلا أن يصدق التصرف فيه عرفا على الوضوء فيه (2). كما أن الأحوط وجوبا إباحة المصب إذا كان وضع الماء على العضو مقدمة للوصول إليه (3).

المغصوب، فلا إشكال في جواز نية الوضوء حينئذ بالاغتراف أو الصب.

أما لو كان الاضطرار بسوء الاختيار فلا ينافي مبعديته، و يمتنع التقرب به، كما تقدم نظيره في المسألة الخمسين في حكم الجبيرة المغصوبة.

(1) سواء نوى الغسل الوضوئي بنفس الارتماس أم بالإخراج، لأن كلّا منهما موجب لتموج الماء على السطح الداخلي للإناء، و هو نحو من التصرف فيه عرفا، فيحرم، و يمتنع التقرب به.

نعم، لو فرض معذورية المكلف بالارتماس كان مضطرا للإخراج، من دون أن يحرم أو يكون مبعدا، بل يمكن التقرب بنية الوضوء به.

ثمَّ إن الأمر لا يختص بالإناء، بل يجري في كل محل للماء، كالحوض و البئر و نحوهما. فالمعيار في الحرمة فيه تحقق التصرف بتموج الماء فيه و عدمه، بل هو المعيار لو كان المغصوب طرفا منه، فمثل قعر الحوض لا يضر غصبيته غالبا، لعدم التموج فيه و عدم صدق التصرف.

و أما ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) من التحريم فيما لو كان المغصوب مقوما لحوضية الحوض، بحيث لولاه لم يبق الماء فيه، لأن التصرف في كل شي‏ء بحسبه، و كما يكون الوضوء من الحوض تصرفا فيه يكون تصرفا في أجزائه.

فهو في غير محله، لابتنائه على الخلط بين الانتفاع و التصرف. و يأتي في مسألة الوضوء تحت الخيمة المغصوبة في ذيل الكلام في اعتبار الإباحة ما له نفع في المقام.

(2) لسعة الإناء و حصول الارتماس برفق، أو لشدة تموج الماء في الإناء قبل الارتماس، نظير ما تقدم في الاغتراف.

(3) يعني: بنحو يكون الوصول مسببا توليديا عن وضع الماء على العضو

489

(مسألة 61): يكفي طهارة كل عضو قبل غسله (1)، و لا يلزم أن تكون جميع الأعضاء قبل الشروع طاهرة، فلو كانت نجسة و غسل كل عضو بعد تطهيره كفى (2).

لا يحتاج لاختيار مستقل، فيكون الوضع مبعدا بنفسه، و يمتنع التقرب به.

و أما لو كان فعلا مستقلا تابعا لاختيار مستقل فلا مجال للبطلان معه. كما أن البطلان في الصورة الأولى مختص بما إذا نوى الغسل بوضع الماء، و أما لو نواه بإمرار اليد على العضو بعد وضعه عليه من دون أن يستلزم الجريان حينئذ لحقه ما تقدم في الاغتراف التدريجي.

(1) يعني: بناء على اعتبار طهارة الأعضاء قبل الغسل، و قد تقدم الكلام في ذلك.

(2) لإطلاق أدلة الوضوء.

نعم، قد يستفاد اعتبار ذلك من النصوص المتقدمة عند الكلام في اعتبار طهارة الأعضاء الواردة في تعليم الغسل، المتضمنة ذكر إزالة النجاسة قبل الشروع فيه.

و بمضمونها عبر غير واحد ممن تقدم التعرض له، بل تقدم ما قد يظهر منه دعوى الإجماع على المضمون المذكور.

و من هنا فقد ذكر في محكي شرح المفاتيح أن اعتبار إزالة النجاسة قبل الشروع في الغسل هو الظاهر من فتاوى الأصحاب.

لكن في جامع المقاصد بعد التعرض لإيهام عبارة القواعد ذلك: «و ليس كذلك قطعا»، و في كشف اللثام: «و تقديم غسل الفرج من باب الأولى قطعا»، و عن السرائر نفي الخلاف في كون ذلك من السنن و الآداب.

و قد تقدم الإشكال في دلالة النصوص المذكورة على اعتبار طهارة العضو قبل الشروع فيه، فضلا عن اعتبارها قبل الشروع في الغسل.

490

و لا يضر تنجس عضو بعد غسله و إن لم يتم الوضوء (1).

(مسألة 62): إذا توضأ من إناء الذهب أو الفضة بالاغتراف منه دفعة أو تدريجا، أو بالصب منه، فصحة الوضوء لا تخلو من وجه (2)، مضافا إلى ما تقدم في ذيل صحيح حكم من فرض الغسل في المكان القذر، و في موثق سماعة من أن فائدة التطهير عدم الانفعال بانتضاح ماء الغسل في الإناء، المشعر أو الظاهر في المفروغية عن إمكان الاغتسال بنحو يوجب الانفعال، لتنجس البدن.

(1) للإطلاق.

(2) أما بناء على اختصاص الحرمة بالأكل و الشرب من إناء الذهب و الفضة دون بقية الاستعمالات، فظاهر.

و أما بناء على عمومها لمطلق الانتفاع‏كما قد يدعى‏أو لمطلق الاستعمال- كما هو معقد الإجماع المدعى في كلام غير واحدأو للاستعمال المناسب للإناء المقصود نوعا منه بما هو إناءكما لعله المتيقن من الإجماع المذكور، و تقتضيه النصوص المتضمنة لكراهة آنية الذهب و الفضة، و أنها متاع الذين لا يوقنون‏ (1)، فإنه بعد تعذر حمل الطائفة الأولى على كراهة نفس الإناء لامتناع تعلق الحكم التكليفي بالأعيان، فالأقرب حملها على كراهة الاستعمال المناسب للإناء، دون خصوص الأكل و الشرب، منه أو وجوده، كما أن ذلك هو المتيقن أو المنصرف من الطائفة الثانية. و تمام الكلام في محله من خاتمة كتاب الطهارة، فلأن الانتفاع و الاستعمال إنما يكونان باغتراف الماء من الآنية و الصب منها، لا بما يترتب عليهما من غسل الأعضاء، فلا موجب لحرمة الغسل، كي يمتنع التقرب به و يبطل.

نعم، يجري في الاغتراف التدريجي و الصب ما تقدم في الوضوء من الإناء المغصوب.

____________

(1) الوسائل باب: 65 من أبواب النجاسات و الأواني و الجلود.

491

من دون فرق بين صورة الانحصار و عدمه (1). و لو توضأ بالارتماس فيه فالصحة مشكلة (2).

(1) لما تقدم في الوضوء من الإناء المغصوب. و سيأتي تمام الكلام في ذلك.

(2) لقرب صدق الاستعمال على نفس الارتماس، فيحرم و يمتنع التقرب به.

ثمَّ إنه لو فرض انحصار الماء بالماء الموجود في إناء الذهب و الفضة فقد يقال بوجوب تفريغه في إناء آخر مع التمكن، جمعا بين حرمة استعمال الإناء و وجوب الوضوء، و مع التعذر يسقط الوضوء، لتوقفه على الاستعمال المحرم الموجب لصدق عدم الوجدان.

و قد يستشكل في الأول بأن إفراغ الماء من الإناء لإناء آخر محرم أيضا، لأنه نحو من الاستعمال له، نظير تفريغه حين الغسل به.

و يندفع بأن التفريغ المذكور و إن كان استعمالا للإناء، إلا أنه ليس استعمالا مقصودا منه بما هو إناء، و ليس هو كالتفريغ حين الغسل به عرفا، بل هو خروج عن مقتضى إنائيته.

نعم، قد يكون من شأن الإناء استعماله لنقل الماء من محل لآخر، لكنه خارج عن محل الكلام مما كان المقصود محض التفريغ للتخلص من الاستعمال.

و أما الثاني، فقد يشكل بقرب انصراف النصوص المستفاد منها حرمة استعمال الإناء عن الاستعمال الذي ينحصر به استعمال ما فيه من طعام و شراب و نحوهما، لسوقها في مساق ترجيح نحو من الاستعمال له على نحو آخر، بمناسبة ارتكاز كون مبنى النهي المذكور على تجنب نحو من الترف و البطر، و الاستعمال الذي للإناء ينحصر به استعمال ما فيه، أجنبي عن ذلك.

و لذا يصعب جدا البناء على وجوب ترك الطعام و الشراب الموجود في آنية

492

و منها: عدم المانع من استعمال الماء (1)، لمرض أو عطش يخاف منه على نفسه أو على نفس محترمة.

نعم، في فرض العطش لو أراق الماء على أعلى جبهته، و نوى الوضوء بعد ذلك بتحريك الماء من أعلى الوجه إلى أسفله، كان للصحة وجه (2).

الذهب و الفضة إذا تعذر إفراغه منهما في غيرهما، كما يصعب البناء على سقوط الوضوء في المقام، و إن كان أدنى تكليف صالحا لإسقاط الوضوء عند مزاحمته به، كما سبق.

و منه يظهر الجواز و إن لم ينحصر الأمر بالماء الموجود في الإناء المذكور إذا انحصر الانتفاع بذلك الماء باستعماله فيه، فلاحظ.

(1) المراد المانع الشرعي، الذي يحرم معه صرف الماء في الوضوء، حيث يكون الوضوء به مبعدا، فيبطل.

لا المانع الخارجي، لعدم مناسبته للمقام، و لا مطلق ما يشرع معه التيمم، لما هو الظاهر من أن مشروعية التيمم لا تمنع من صحة الوضوء على ما يأتي في مبحث التيمم إن شاء اللّه تعالى.

و منه يظهر أنه لا بد من فرض كون المرض و العطش بنحو يجب التوقي منه.

كما أنه يلحق بالمرض سائر موارد الضرر الذي يجب دفعه شرعا، و بخوف العطش سائر الموارد التي يجب حفظ الماء فيها و عدم صرفه في الوضوء، كما لو وجب تطهير المسجد أو البدن به مقدمة للصلاة، لامتناع التقرب بغسل الأعضاء بالماء حينئذ، فلا يقع الوضوء به، إلا فيما يأتي استثناؤه.

(2) لتحقق العصيان بصب الماء، لأنه الموجب لتعذر صرفه في ما يجب صرفه فيه، أما تحريكه على الوجه بعد ذلك فلا موجب لحرمته ليمتنع التقرب به، فيجري فيه ما تقدم في الاغتراف التدريجي.

493

(مسألة 63): إذا توضأ في حال ضيق الوقت عن الوضوء، فان قصد أمر الصلاة الأدائي بطل (1)، و إن قصد أمر غاية أخرى، و لو الكون على الطهارة، صح (2).

(مسألة 64): لا فرق في عدم صحة الوضوء بالماء المضاف أو النجس أو مع الحائل (3) نعم، لو تعذر أداء الواجب ببقية الماء لحقه حكم الاغتراف الدفعي.

و نظير ذلك يجري في الضرر لو فرض حصوله حصوله بصب الماء على الأعضاء، دون إمراره بعد ذلك عليها باليد.

(1) لعدم تحقق الامتثال بعد فرض عدم الأمر الممتثل.

نعم، لو قصد امتثال الأمر الفعلي بالصلاة و إن كان قضائيا، صح الوضوء.

و دعوى: أن الأمر القضائي ليس فعليا حين الوضوء، لفرض عدم خروج الوقت، و إنما يكون فعليا بعد ذلك فلا يمكن قصده حين الوضوء.

مدفوعة: بأن مقتضى الجمع بين دليلي الأداء و القضاء أخذ خصوصية الوقت بنحو تعدد المطلوب، مع كون أصل المطلوب في الوقت و خارجه بأمر واحد، فيمكن قصد امتثال الأمر المذكور بالوضوء.

نعم، في فرض إمكان الأداء بالتيمم فبناء على مشروعيته يكون واجبا، فتمتنع معه فعلية الأمر المذكور و يتعين التقرب بالملاك. و يأتي في المسألة الواحدة و السبعين تقريب صحة الوضوء مطلقا، كما يأتي نظير هذه المسألة في المسألة التاسعة عشرة من مباحث غسل الجنابة، مع التعرض لما ينفع في المقام.

(2) بناء على وجوب التيمم للصلاة التي ضاق وقتها يكون الوضوء للغايات المذكورة مزاحما للواجب المذكور، فيسقط الأمر به، و يتعين حينئذ قصد ملاك الأمر بالغايات المذكورة، لا قصد الأمر الفعلي بها.

(3) حيث تقدم اشتراط عدم الحائل عند التعرض لأفعال الوضوء.

494

بين صورة العلم و العمد و الجهل و النسيان (1).

و أما في الغصب، فالبطلان مختص بصورة العمد (2)، سواء أ كان المغصوب الماء أو المكان أو المصب، فمع الجهل بكونها مغصوبة أو النسيان لا بطلان.

(1) لإطلاق أدلة الشروط المذكورة، و عدم الدليل على إجزاء الفاقد لها في الأخيرين و إن لم يكن مأمورا به.

(2) لأن المانع من الصحة ليس إلا مبعدية الفعل بسبب النهي، فيمتنع التقرب به، فمع فرض عدم الالتفات إليه يرتفع المانع، فيصح الفعل بعد واجديته لملاك الأمر، بل دخوله فعلا في الماهية المأمور بها، على ما حرر في محله من مبحث اجتماع الأمر و النهي.

و منه يظهر الحال في سائر الموارد التي يكون المانع فيها من الوضوء استلزامه مخالفة تكليف تقتضي البعد بالعمل و تمنع من التقرب به، فالأمر فيها كالغصبية.

كما يظهر أنه لا يكفي عدم التكليف واقعا لو فرض منجزية احتماله في مقام العمل، لقيام الحجة عليه أو لزوم الاحتياط فيه عقلاكما في أطراف العلم الإجمالي‏أو شرعاكما في مورد عدم الفحص عن الحكم الكلي‏لامتناع التقرب أيضا، لمبعدية الإقدام حينئذ، لأنه نحو من التجري.

نعم، لو فرض عدم المعذورية عن التكليف واقعا و استحقاق العقاب عليه للتقصير، إلا أنه كان مغفولا عنه غير منجز في مقام العمل، لم تبعد الصحة، لإمكان قصد التقرب.

و دعوى: أنه غير صالح للمقربية مع فرض استحقاق العقاب عليه، فلا ينفع قصد التقرب.

مدفوعة: بأنه صالح للمقربية من حيثية الامتثال، و إن كان مبعدا من حيثية

495

(مسألة 65): إذا التفت إلى الغصبية في أثناء الوضوء صح ما مضى من أجزائه (1)، و يجب تحصيل المباح للباقي. و لكن إذا كان المغصوب الماء و التفت إلى الغصبية بعد الغسلات و قبل المسح فجواز المسح بما بقي من الرطوبة لا يخلو من قوة (2)، و إن كان الأحوط استحبابا إعادة الوضوء.

المعصية الواقعية.

و التنافي في العمل الواحد بين المقربية و المبعدية إنما هو بمعنى امتناع قصد التقرب بما يعلم بمبعديته و يكون العبد فيه متجرئا على المولى، لا بمعنى امتناع تحقق المقربية الواقعية فيما يكون مبعدا واقعا مع تعدد الجهة.

على أنه لا دليل على اعتبار المقربية الواقعية في العبادة، بل هي كأصل العبادية مخالفة للإطلاق و الأصل على التحقيق، و المتيقن في الخروج عنهما اعتبار قصد التقرب الذي هو مقوم للعبادية المفروض حصوله في المقام. فلاحظ.

(1) لما تقدم في المسألة السابقة.

(2) إما لأن الرطوبة من سنخ العرض، و ليست ماء عرفا كي تكون ملكا لمالكه.

أو لأنهاو إن كانت ملكا له‏خارجة عن المالية، و دليل حرمة التصرف- كالتوقيع و غيره‏مختص بالمال.

أو لأن مبنى الضمان مع بقاء العين للحيلولة أو للسقوط عن المالية ارتكازا ليس على مجرد الغرامة مع بقاء المضمون على ملك مالكه، بل على المعاوضة المقتضية لانتقال المضمون إلى ملك الضامن، فتكون الرطوبة في الفرض ملكا للمتوضئ، فيجوز له المسح بها.

لكن يندفع الأول بأن الرطوبة التي يجوز المسح بها ليست من سنخ العرض، بل هي ماء عرفا قابل لأن يملك.

و الثاني بأن الظاهر أن المراد بالمال في أدلة الاحترام ما يعم الملك، و لذا لا

496

(مسألة 66): مع الشك في رضا المالك لا يجوز التصرف (1)، إشكال ظاهرا في عدم جواز مزاحمة المالك فيما يملكه و إن خرج عن المالية.

و أما الثالث الذي يظهر من سيدنا المصنف (قدّس سرّه) الاعتماد عليه في المقام، فهو إنما يتم مع دفع العوض و قبول المالك به، و أما قبله فالظاهر بقاء المال على ملك مالكه.

و مجرد كونه مضمونا لا يقتضي المعاوضة فيه و تملك الضامن له. و لذا يمكن تعدد الضامنين للمال الواحدكما في مورد تعاقب الأيدي‏مع وضوح عدم تعدد المعاوضات في حق كل منهم بالإضافة إلى المال الواحد.

بل لازم ذلك جواز الغسل الوضوئي بالماء المغصوب، لسقوطه عن المالية بمجرد صبه على العضو.

بل يلزم جواز أكل المغصوب و شربه بمجرد مضغه و صيرورته في فضاء الفم قبل ابتلاعه، لخروجه بذلك عن المالية، و لا يظن التزام أحد بذلك و نحوه.

فالبناء على عدم جواز المسح في غير مورد دفع البدل هو الأظهر.

نعم، لو فرض عدم تقصير المتوضي، فحيث كان بعد الالتفات مضطرا للتصرف في الرطوبة المذكورة، بالمسح أو التنشيف أو نحوهما، فلو فرض عدم الفرق بين المسح و غيره من أنحاء التصرفات بنظر المالك، لم يكن المسح مبعدا بسبب الاضطرار المذكور، و أمكن التقرب به، فيصح الوضوء.

بل قد يجري ذلك في الغسل أيضا لو التفت المتوضي للغصبية بعد إراقة الماء على العضو.

بل قد يتجه ذلك لو فرض تقصير المكلف، إلا أنه تاب عند الالتفات، لقرب ارتفاع المبعدية حينئذ عند الالتفات، نظير ما تقدم في المسألة الخمسين في الجبيرة المغصوبة.

(1) لاستصحاب عدم طيب نفس المالك، الذي هو موضوع جواز التصرف‏

497

و يجري عليه حكم الغصب، فلا بد من العلم بإذن المالك، و لو بالفحوى أو شاهد الحال (1).

(مسألة 67): يجوز الوضوء و الشرب من الأنهار الكبار (2)، في ملك الغير بمقتضى موثق سماعة و نحوه‏ (1) مما تقدمت إليه الإشارة عند الكلام في اعتبار إباحة الإناء الذي يتوضأ منه.

بل ذكرنا في الأصول في مسألة انقلاب الأصل في الدماء و الفروج و الأموال أنه مع عدم إحراز إذن المالك يتعين الاحتياط بترك التصرف مع قطع النظر عن الاستصحاب المذكور.

نعم، لو سبق من المالك طيب النفس كان مقتضى استصحابه جواز التصرف.

لكن لا بد من سبق طيب النفس بخصوص التصرف الذي هو محل الابتلاء أو ما يعمه، و لا يكفي طيب النفس بخصوص التصرف السابق، كما هو ظاهر.

(1) تقدم في المسألة الثالثة من فصل أحكام الخلوة الكلام فيهما مفهوما و حكما، و ذكرنا أن المراد بالفحوى الرضا التقديري، الذي هو عبارة عن كون المالك بحيث لو التفت لرضي، و إن كان غافلا حين التصرف.

و بشاهد الحال الفعل الصادر من المالك و نحوه الدال عرفا على الرضا.

(2) كما صرح به غير واحد و حكي عن آخرين. بل يظهر من بعضهم في نظائر المقام الاتفاق على ذلك في الجملة، و إن اختلفوا في دليله و مقدار عمومه.

و كيف كان، فقد يستدل عليه بما تضمن اشتراك المسلمين في الماء، كصحيح محمد بن سنان عن أبي الحسن (عليه السلام): «سألته عن ماء الوادي. فقال: إن المسلمين شركاء في الماء و النار و الكلاء» (2)، و قيام الضرورة على انتفاء الاشتراك‏

____________

(1) الوسائل باب: 3 من أبواب مكان المصلي حديث: 1. و باب: 1 من أبواب القصاص حديث: 3.

(2) الوسائل باب: 5 من أبواب إحياء الموات حديث: 1.

498

في كثير من الموارد لا يمنع من الرجوع للعموم المذكور، للزوم الاقتصار في تخصيصه على المتيقن، و ليس منه المقام.

و فيه: أن كثرة موارد التخصيص و وضوحها تمنع من البناء على العموم المذكور، و تكشف عن احتفافه بما يصلح لصرفه عن ظاهره بنحو لا ينهض بالاستدلال في المقام.

و لعل الأقرب حمله على عدم جواز منع هذه الأمور مع بقائها على الإباحة الأصلية و عدم تملكها ببعض الأسباب، تعريضا بما يزاوله بعض الظلمة من حمي الحمى و منع الرعية من هذه الأمور مع إباحتها الأصلية، أو يصطلح عليه في بعض الأعراف من ثبوت حق السبق فيها من دون حيازة مملكة.

و لا بد أن يراد بالنار حينئذ مادتها و هي الحطب، و إلا فالنار غالبا مملوكة لموقدها، فله المنع منها بالضرورة.

هذا، مضافا إلى غير واحد من النصوص الظاهرة في كون الماء و الكلأ كسائر الأمور قابلين للتملك بالأسباب المتعارفة، كصحيح سعيد الأعرج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «سألته عن الرجل يكون له الشرب مع قوم في قناة فيها شركاء، فيستغني بعضهم عن شربه، أ يبيع شربه؟ قال: نعم، إن شاء باعه بورق و إن شاء باعه بكيل حنطة» (1).

و موثق إسماعيل بن المفضل أو صحيحه: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن بيع الكلاء إذا كان سيحا، فيعمد الرجل إلى مائه، فيسوقه إلى الأرض فيسقيه الحشيش و هو الذي حفر النهر، و له الماء يزرع به ما شاء. فقال: إذا كان الماء له فليرزع به ما شاء و ليبعه بما أحب» (2).

و نحوهما غيرهما (3)، حيث يلزم لأجلها حمل الصحيح المذكور و نحوه‏

____________

(1) الوسائل باب: 6 من أبواب إحياء الموات حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 9 من أبواب إحياء الموات حديث: 2.

(3) راجع الوسائل باب: 22 من أبواب عقد البيع و شروطه. و باب: 6، 9 من أبواب إحياء الموات.

499

على غير المملوك.

و ربما يحمل على الاستحباب لأجلها، و الأول أقرب.

و ربما يجعل جواز التصرف في المقام و نظائره من صغريات قيام شاهد الحال على رضا المالك، لقيام العادة على عدم المنع في مثله.

و قد أطال غير واحد في تقريب ذلك.

و يشكل:- مضافا إلى عدم اطراد حصول العلم بعدم المنع، و الظن لا يكفي إلا مع استناده لظهور فعل من المالك، الذي تقدم أنه المراد بشاهد الحال‏بأن المعتبر ليس هو عدم المنع من التصرف، بل الإذن فيه أو الرضا به و لو شأنا، بحيث لو التفت المالك لرضي به، و هو غير مطرد، لإمكان عدم رضا المالك لو التفت، لا لاهتمامه بالمال، بل لبغضه للمتصرف، لكونه عدوا في الدين أو الدنيا.

بل قد لا يعتد برضا المالك للتحجير عليه، و قد لا يكون لوليه حق الإذن في التصرف، لعدم كونه صالحا له، بل قد يكون عدمه أصلح له و إن لم يكن هو مضرا به عرفا، فلاحظ.

هذا و عن كاشف الغطاء (قدّس سرّه) الاستدلال على الجواز باستلزام المنع للحرج العام، فيسري إلى الخصوص.

فإن أراد الاستدلال بقاعدة نفي الحرج، فهي‏مع كون موضوعها الحرج الشخصي لا النوعي، و هو غير مطردلا تقتضي جواز الوضوء في ملك الغير، لمنافاته للامتنان، بل تقتضي سقوط الوضوء.

و إن أراد أن لزوم الحرج العام من المنع كاشف عن عدمه، لابتناء الشريعة على السهولة و عدم الحرج النوعي في أحكامها. فهو لا يخلو عن وجه، إلا أن في بلوغه حد الاستدلال إشكالا.

و العمدة في المقام سيرة المتشرعة من غير نكير على استعمال المياه المذكورة، فلو كان ذلك محرما لظهر و لم يخف عليهم بسبب كثرة الابتلاء به، و لو ظهر لم تقم السيرة على ذلك أو اختصت بغير المتدينين مع الاستنكار من‏

500

سواء أ كانت قنوات (1) أو منشقة من شط و إن لم يعلم رضا المالكين، و إن كان فيهم الصغار و المجانين (2).

المتدينين، كما هو الحال في سائر المحرمات الشائعة.

و عليه، يجب الاقتصار في الحكم على المتيقن من السيرة المذكورة، لمخالفتها لقاعدة احترام مال المسلم.

بقي شي‏ء، و هو أن الأنهر قد تشق في الأرض للاستقاء منها من دون أن يقصد حيازة مائها، كما هو الحال في الأنهر التي تعبر على أراضي متعاقبة لملاك متعددين، فإن كلا منهم لا يستولي على مائها بعد فرض جريانه لأرض غيره، و لا يملك إلا ما يستقي به من الماء، و بقية ماء النهر على الإباحة الأصلية، فلا مورد للإشكال فيه.

نعم، يتجه الإشكال في الدخول للأرض المملوكة في طريق النهر، فلا بد فيه من التشبث بما يأتي في الأراضي الواسعة.

(1) قال في مجمع البحرين: «و هي الآبار التي تحفر في الأرض متتابعة ليستخرج ماؤها».

(2) كما صرح به غير واحد في الأراضي الواسعة المتحدة الحكم مع المياه المذكورة ظاهرا، لاشتراكها في أكثر الأدلة المتقدمة، و عن الذكرى: أنه مقتضى إطلاق الأصحاب، و عن حاشية المدارك: أنه الذي أفتى به الفقهاء.

قال في الروض: «و لا يقدح في الجواز كون الصحراء للمولّى عليه على الظاهر، لشهادة الحال و لو من الولي، إذ لا بد من وجود وليّ، و لو أنه الإمام (عليه السلام)»، و قريب منه كلام غيره.

و قد تقدم الإشكال في جعل المقام من صغريات الرجوع لشاهد الحال.

و مثله ما عن مجمع البرهان من أن الإذن في أمثال ذلك حاصل، لحصول النفع بدون الضرر، فلا يحتاج إلى إذن المالك و نحوه، لابتناء الحكم على التوسعة، لظهور ضعف التعليل المذكور، لأن حصول النفع الأخروي للمالك من دون ضرر

501

و كذا الأراضي الوسيعة جدا (1)، أو غير المحجبة (2)، ليس معيارا للإذن في التصرف منه و لا من الشارع، و حصول النفع الدنيوي من غير ضرر و إن كان مستلزما للإذن منه غالبا، بل قد يستحب التصرف شرعا حينئذ حسبة، إلا أنه غير حاصل في المقام قطعا.

فالعمدة في الجواز جريان السيرة فيه، التي عرفت أنها العمدة في المقام، و لذا لم يكن بناء المتشرعة على الفحص عن حال المالك.

(1) كلام أكثر الأصحاب وارد في الأراضي الواسعة، كالصحاري، و قل من تعرض للماء، و إنما استفيد حكمهم فيه تبعا، كما أشرنا إليه.

و أكثر ما تقدم من وجوه الاستدلال وارد فيها، و منها السيرة التي عرفت أنها العمدة في المقام.

هذا، و المتيقن منها الأراضي المنكشفة، و هي المنساقة من كلام الأصحاب، لتمثيلهم بالصحاري، و كأنه لابتناء التحجيب عرفا على صيانة الأرض و احترامها.

فيشكل ما قد يظهر من سيدنا المصنف (قدّس سرّه) و السيد الطباطبائي في العروة الوثقى من التعميم للمحجبة إذا كانت وسيعة جدا.

نعم، لو تعارف العبور فيها أو التصرف مع تحجيبها مع جريان العادة باطلاع المالك على ذلك، لم يبعد عن مقتضى السيرة كونها كغير المحجبة، فلاحظ.

(2) و إن لم تكن وسيعة، لقيام السيرة على العبور في الخرائب و اتخاذها طرقا، بل الجلوس فيها و عدم التحرز من ذلك.

نعم، المتيقن من ذلك ما إذا استند عدم التحجيب للمالك و لو من جهة إهماله، أما إذا استند لغيره من ظالم أو نحوه أشكل قيام السيرة من المتدينين.

و من هنا يشكل التصرف بالعبور و نحوه في الأراضي التي تستملكها الحكومة و تجعلها طرقا أو ساحات أو حدائق عامة أو نحوها، كما تعارف في عصورنا كثيرا، لعدم اختيار المالك في كشفها و رفع الحاجب عنها.

502

فيجوز الوضوء و الجلوس و النوم و نحوها (1) فيها، لكن الإنصاف أن الجهات الارتكازية و السيرة الفعلية تناسب التعميم، و لا تساعد على الفرق، بل من القريب جدا ثبوت السيرة على ذلك من الصدر الأول، لكثرة الابتلاء به بسبب ما كان يقترفه ولاة الجور من هدم دور المؤمنين و اصطفاء ضياعهم، و التحرز عن العبور فيها لو قاربت الطريق و نحوه محتاج إلى عناية يبعد جدا من حال المؤمنين الالتزام بها.

على أنه لو كان البناء على التوقف في ذلك لزم التوقف مع الجهل بالحال، ما لم يحرزه استناد كشف الأرض للمالك بوجدان أو أصل، و هو لا يناسب السيرة جدا.

بل يبعد عن المرتكزات الفرق بين كون عدم التحجيب لعجز المالك أو جهله و كونه لمنع الظالم و اغتصابه، و حيث كان المنع في كلتا الصورتين و تخصيص الجواز بصورة إهمال المالك بعيدا عن السيرة جدا كان الجواز في الكل قريبا جدا.

نعم، لو كان العبور ترويجا للظلم و إمضاء له، بحيث يكون للتوقف دخل في إنكار المنكر و إيقاف الظالم عند حده فلا ينبغي الإشكال في حرمة العبور بمقتضى العمومات و ارتكاز المتشرعة، و هو خارج عن محل الكلام و الابتلاء غالبا.

(1) يعني: من التصرفات العابرة غير المبنية على الاستحكام و الثبات، و التي لا تزاحم المالك و لا توجب الإضرار بالأرض عرفا، و إلا خرجت عن المتيقن من سيرة المتشرعة.

بل الظاهر كونها اعتداء بمقتضى ارتكازهم.

نعم، ربما يكون ترك الناس التصرفات المذكورة أنفع للمالك، لاستلزام تحققها من المجموع لنحو من الضرر التدريجي، و إن لم يترتب ضرر معتد به عرفا على تصرف كل شخص وحده، و الظاهر اغتفار ذلك و عدم منعه من التصرف، لابتناء السيرة على التسامح فيه.

503

ما لم ينه المالك (1).

(1) للشك في ثبوت السيرة حينئذ، فالمرجع عموم حرمة التصرف مع عدم طيب النفس.

اللهم إلا أن يقال: مقتضى العموم اعتبار طيب نفس المالك أو إذنه، فحيث علم بعدم اعتبار أحدهما في المقام فقد علم بتخصيص العموم فيه و سقوطه عن الحجية، و هو لا ينهض بإثبات مانعية النهي عن التصرف، لخروجه عن مفاده، و هذا بخلاف بقية موارد قصور السيرة كالأرض الواسعة المحجبة، إذ حيث يحتمل فيها اعتبار طيب النفس لم يعلم بتخصيص العموم فيها، فيكون حجة.

و دعوى: أن توقف جواز التصرف على الإذن مستلزم لعدم جوازه مع المنع بالأولوية، فسقوط العام في الأول لا ينافي حجيته في الثاني.

مدفوعة بعدم وضوح الأولوية المذكورة، لأن مقتضى العموم المذكور استناد حرمة التصرف في مورد النهي لعدم طيب النفس الملازم له، لا للنهي نفسه، كي يمكن دعوى بقاء تأثيره في الفرض.

على أن ذلك مبني على أن سقوط الدليل في المدلول المطابقي لا يسقطه عن الحجية في المدلول الالتزامي، و هو خلاف التحقيق.

فالبناء على عدم ترتب الأثر على نهي المالك و جواز التصرف معه لا يخلو عن وجه.

و إن كان في النفس منه شي‏ء، فلا يترك الاحتياط بالاجتناب.

بل ينبغي تركه مع ظهور كراهة المالك بأمارة عرفية، و إن لم يصرح بالنهي و لم يعلم بالكراهة لخروجه عن المتيقن من السيرة.

بقي شي‏ء، و هو أنه لو غصب الماء أو الأراضي المذكورة غاصب، فالظاهر بقاء جواز التصرف في حق غيره مع عدم نهي المالك، كما كان قبل الغصب، لعموم السيرة المشار إليها، و لذا لا يبتني تصرفهم على إحراز عدم الغصب‏

504

(مسألة 68): الحياض الواقعة في المساجد و المدارس إذا لم يعلم كيفية وقفها من اختصاصها بمن يصلي فيها أو الطلاب الساكنين فيها أو عدم اختصاصها، لا يجوز لغيرهم الوضوء منها (1)، إلا مع جريان العادة بوضوء كل من يريد مع عدم منع أحد، فإنه يجوز الوضوء لغيرهم منها إذا كشفت العادة عن عموم الإذن (2).

(مسألة 69): إذا علم أن حوض المسجد وقف على المصلين فيه لا يجوز الوضوء منه بقصد الصلاة في مكان آخر (3)، وجدانا أو تعبدا.

نعم، لا يجوز التصرف للغاصب نفسه، لخروجه عن المتيقن من سيرة المتشرعة بما هم متشرعة.

و تصرف الغاصب نفسه لا يكشف عن عموم الجواز له، لعدم إحراز دخوله في سيرتهم بعد كونه عاصيا بالغصب، فالرجوع لعموم المنع فيه متعين.

بل و كذا في أتباعه ممن يتصرف بتسليطه و تمكينه مبنيا على احترامه و الاهتمام بيده.

أما من يسترضيه في التصرف خوفا منه مع كون مبنى تصرفه على الجواز له شرعا و لو بدونه، فلا يبعد الجواز له و إن لم يحرز فيه السيرة بالخصوص، لعدم شيوع الابتلاء به، لعدم الفرق بينه و بين مورد السيرة ارتكازا.

و أما تعميم ذلك للغاصب و أتباعه، فلا يخلو عن إشكال.

(1) تقدم الكلام في ذلك في المسألة الرابعة في فصل أحكام التخلي.

(2) أو كشفت عن حجة على الجواز، أو رجعت إلى يد نوعية على الوقف، على ما تقدم التعرض له في المسألة المذكورة، كما تقدم هناك الكلام في حجية خبر متولي الوقف و بعض الموقوف عليهم. فراجع.

(3) لخروجه حينئذ عن شرط الواقف فيحرم كالوضوء من المغصوب.

505

و لو توضأ بقصد الصلاة فيه، ثمَّ بدا له أن يصلي في مكان آخر أو لم يتمكن من ذلك فالظاهر عدم بطلان وضوئه (1)، و كذلك يصح لو توضأ غفلة، أو باعتقاد عدم الاشتراط (2). و لا يجب عليه أن يصلي فيه (3)، و إن كان أحوط.

و منه يظهر عدم صحته بالعدول عن القصد المذكور و الصلاة في المسجد، لأن الوضوء يبطل بمجرد التجري حينه.

كما ظهر امتناع الوضوء مع التردد في إيقاع الصلاة في المسجد، لاستصحاب عدمها، بناء على ما هو الظاهر من جريان الاستصحاب في الأمر المستقبل.

(1) أما إذا كان الشرط هو قصد الصلاة في المكان الخاص حين الوضوء، فلتحقق شرط الواقف.

و أما إذا كان الشرط هو نفس الصلاةكما هو مقتضى الجمود على ظاهر التعبيرفلأن ترك الصلاة يكشف عن خروج الوضوء عن شرط الواقف، فيكون نظير الوضوء بالماء المغصوب جهلا بغصبيته، الذي تقدم عدم بطلانه.

ثمَّ إن محل الكلام ترك الصلاة مطلقا فيها، لا ترك خصوص الصلاة التي توضأ لأجلها، مع الإتيان بغيرها فيه، لتحقق شرط الواقف.

إلا أن يفرض اشتراطه خصوص الصلاة التي توضأ لأجلها، فلا بد في الحكم ببطلان الوضوءلو قيل به مع تخلف شرط الواقف‏من تعذر الإتيان بالصلاة المذكورة فيه، و لا يكفي فيه مجرد الإتيان بها في غيره، للحكم ببطلانها، إذ يلزم من الحكم بصحتها عدمها.

أما الحكم ببطلانها مع صحة الصلاة بعدها في المسجد، فلا يلزم منه إلا تقييد الإطلاق المقتضي لإجزاء الصلاة مع الطهارة، و لا محذور فيه.

(2) لعدم تنجز الحرمة حينئذ، فلا يمتنع التقرب.

(3) لأن مفاد شرط الواقف ليس إلا تقييد الموقوف عليهم بالشرط، فنفوذه‏

506

لا يقتضي إلا حرمة تصرف فاقد الشرط، و المفروض معذوريته حين التصرف، لقصده تحقيق الشرط أو لجهله بأخذه، و لا دليل على وجوب إدخال المتصرف نفسه في الموقوف عليهم بعد التصرف.

نعم، لو كان مرجع شرطه إلى إلزام آخر في قبال الوقف، من دون أن يقتضي تقييده‏نظير التزام المتبايعين بالشرط في ضمن البيع‏كان مقتضى نفوده لزوم القيام به من المتصرف.

و كذا لو كان مرجعه إلى أمر الولي بإيقاع عقد مع المتصرف يقتضي استحقاق المتصرف للتصرف في مقابل تحقيقه للشرط، و التفت المكلف لذلك قبل التصرف، فأقدم على التصرف بداعي إيقاع العقد المذكور و قبوله الفعلي بالتصرف، إذ مقتضى وجوب الوفاء بالعقد المذكور تحقيق الشرط.

لكن الأول‏مع بعده في نفسه‏لا دليل على نفوذه، لظهور عموم نفوذ الشرط في لزوم قيام الإنسان بما يشترطه على نفسه، لا لزوم قيامه بما يشترط عليه غيره أو استحقاقه لما يشترطه لنفسه، و لذا كان قاصرا عن إثبات نفوذ الشرط في الإيقاع.

و الثاني مبني على عناية خارجة عن محل الكلام.

و منه يظهر ضعف الاحتياط في المقام.

نعم، لو كان التصرف لغير الموقوف عليهم مضمونا على التصرف لابتناء الوقف على ملكية الموقوف عليهم للمنفعة، توقفت البراءة من الضمان على تحقيق شرط الواقف، سواء وقع التصرف منه بقصد إيقاع الشرط، أم للغفلة عنه، أم لاعتقاد عدمه، أم اضطرارا، أم إكراها، أم بقصد عدم إيقاع الشرط مخالفة للواقف، لعدم الفرق بين الجميع في ذلك.

بل قد يدعى وجوب إيقاع شرط الواقف في الصورة الأخيرة عقلا، تجنبا عن كون التصرف السابق مخالفة للوقف و معصية للشارع، لفرض كونه مسؤولا به حين وقوعه، لقصده المخالفة به، فيكون متجرئا مستحقا للعقاب، و المتيقن من مسقطية التوبة غير صورة إمكان الفرار عن المعصية.

فراجع ما تقدم فيما يجب على المغتاب للفرار عن العقاب و تأمل.