مصباح المنهاج - كتاب الطهاره - ج2

- السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم المزيد...
664 /
57

كما لو علم من حال الوقف أن تلك العادة لا تجري فيه لو لم يأذن المتولي. أو رجعت إلى ثبوت يد نوعية لهم عليه، بأن يتصرفوا في الوقف على أنهم أهله و مستحقوه المسيطرون عليه، نظير تصرف بعض القبائل في بعض الدور آخذين له يدا عن يد و إن لم يختص واحد منهم به بشخصه، لعدم الفرق في حجية اليد بين الشخصية و النوعية.

بل الثانية ترجع إلى الأولى، لوضوح رجوعها إلى بناء الأشخاص أصحاب اليد على استحقاق النوع لما تحت أيديهم، فإن صاحب اليد الشخصية يقبل قوله في تعيين المستحق، و لا يختص قبول قوله بما إذا ادعى اختصاصه بالاستحقاق.

و أما مجرد العادة التي يحتمل ابتناؤها على التسامح، لعدم المباشر لشؤون الوقف و حفظه، أو عجزه عن المنع فلا طريق لإثبات حجيتها.

و الحمل على الصحة لا يقتضي ذلك بنحو يثبت الاستحقاق. و قد صرح بذلك سيدنا المصنف (قدّس سرّه) في حاشيته على العروة الوثقى و شرحه لها، و غيره.

58

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

59

الفصل الثاني‏ يجب غسل موضع البول (1) (1) المراد بالوجوب في المقام إما التكليفي أو الوضعي، لبيان توقف طهارة المحل على الغسل.

أما الأول فلا يراد منه الوجوب النفسي، لعدم بنائهم ظاهرا عليه، بل ظاهر الجواهر المفروغية عن عدمه، بل الغيري مقدمة لما يعتبر فيه الطهارة، و منه الصلاة على ما يذكر في محله.

و في الخلاف و عن التذكرة و إحقاق الحق دعوى الإجماع على وجوب الاستنجاء، و في الجواهر: «إجماعا منقولا و محصلا، بل هو من ضروريات مذهبنا» خلافا لما عن أبي حنيفة من استحبابه.

قال في مفتاح الكرامة: «و من قال من أصحابنا بالعفو عما دون الدرهم من النجاسات لعله يستثني هذا لمكان الإجماع».

و يقتضيه‏مضافا إلى ذلك و إلى عموم مانعية النجاسة من الصلاة و نحوها- صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): «قال: لا صلاة إلا بطهور. و يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار، بذلك جرت السنة من رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله)، و أما البول فإنه لا بد من غسله» (1) و صحيح ابن أذينة: «ذكر أبو مريم الأنصاري أن الحكم بن عيينة بال يوما و لم يغسل ذكره متعمدا، فذكرت ذلك لأبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال:

____________

(1) الوسائل باب: 9 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

60

بئس ما صنع، عليه أن يغسل ذكره و يعيد صلاته، و لا يعيد وضوءه» (1) و نحوهما غيرهما.

نعم، النصوص في صحة الصلاة مع نسيان الاستنجاء مختلفة. و يأتي الكلام فيها إن شاء اللّه تعالى عند الكلام في الصلاة في النجس في المسألة الخامسة و الثلاثين من مبحث الطهارة من الخبث.

هذا، و المشهور عدم بطلان الوضوء بترك الاستنجاء، لغير واحد من النصوص، و منها ما تقدم، خلافا للصدوق في الفقيه و المقنع، و يشهد له موثق سماعة: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): إذا دخلت الغائط فقضيت الحاجة فلم ترق [تهرق. خ. ل‏] الماء و نسيت أن تستنجي فذكرت بعد صليت فعليك الإعادة، و إن كنت أهرقت الماء فنسيت أن تغسل ذكرك حتى صليت فعليك إعادة الوضوء و الصلاة و غسل ذكرك، لأن البول مثل البراز» (2) و قريب منه في ذلك صحيح سليمان بن خالد (3) و موثق أبي بصير (4).

لكن يتعين حملها على الاستحباب جمعا، بل احتمل في الوسائل حملها على التقية، و لعله الأنسب بإعراض الأصحاب.

و أما الثاني فهو المدعى عليه الإجماع في كتب كثيرة، كالانتصار و الخلاف و الغنية، و محكي التذكرة و النهاية و شرح الموجز و الروض و المجمع و الدلائل و الذخيرة و المفاتيح، و في المعتبر و عن المنتهى نسبته إلى علمائنا.

و كأنه لأجل هذا الإجماع خرج السيد المرتضى (قدّس سرّه) عما هو المعروف عنه من الاكتفاء في التطهير بكل ما يزيل عين النجاسة، على ما تقدم في الماء المضاف.

و يقتضيه‏مضافا إلى ذلك، و إلى ما تقدم في الماء المضاف و يأتي إن شاء اللّه تعالى في مبحث التطهير من النجاسات من عدم التطهير بإزالة عين النجاسة-

____________

(1) الوسائل باب: 18 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 4.

(2) الوسائل باب: 10 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 5.

(3) الوسائل باب: 18 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 9.

(4) الوسائل باب: 18 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 8.

61

جملة من النصوص المصرحة بتعين الغسل أو الماء أو الظاهرة في ذلك، كصحيح زرارة المتقدم، و قريب منه صحيح بريد (1)، و صحيح ابن أذينة المتقدم و صحيح يونس بن يعقوب: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الوضوء الذي افترضه اللّه على العباد لمن جاء من الغائط أو بال. قال: يغسل ذكره و يذهب الغائط، ثمَّ يتوضأ مرتين مرتين» (2). و مثلها ما هو صريح في عدم الاكتفاء فيه بالتمسح بالأحجار، كصحيح العيص بن القاسم: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل بال في موضع ليس فيه ماء، فمسح ذكره بحجر، و قد عرق ذكره و فخذاه. قال: يغسل ذكره و فخذيه» (3).

لكن في موثق سماعة: «قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام): إني أبول ثمَّ أتمسح بالأحجار، فيجي‏ء مني البلل ما يفسد سراويلي». قال: ليس به بأس» (4)، و في موثق حنان: «سمعت رجلا سأل أبا عبد اللّه (عليه السلام) فقال: إني ربما بلت فلا أقدر على الماء و يشتد ذلك علي. فقال: إذا بلت و تمسحت فامسح ذكرك بريقك، فان وجدت شيئا فقل. هذا من ذاك» (5) و في حديث ابن بكير: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام):

الرجل يبول و لا يكون عنده الماء فيمسح ذكره بالحائط. قال: كل شي‏ء يابس زكى» [ذكى يب‏] (6)، حيث قد يستدل بها على حصول الطهارة بالتمسح، كما في الغائط.

و فيه: أن الأخير ظاهر في أن المعيار في الطهارة الجفاف لا زوال عين النجاسة، فضلا عن التمسح بالأحجار، فلا بد من حمله على نحو من الكفاية لبيان عدم تنجيس الجاف للملاقي.

و الثاني: مع عدم التعرض فيه للمسح بالأحجارظاهر في نجاسة الموضع و تنجيسه للملاقي، و هو البلل الخارج بعد التمسح، الملزم بحمل جعل الريق‏

____________

(1) الوسائل باب: 9 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 6.

(2) الوسائل باب: 9 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 5.

(3) الوسائل باب: 31 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 2.

(4) الوسائل باب: 13 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 4.

(5) الوسائل باب: 13 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 7.

(6) الوسائل باب: 31 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 5.

62

على الذكر على جعله على غير موضع البول منه، لأجل إحداث الشبهة و إثارة احتمال كون ما يراه من الريق الطاهر لا البلل المتنجس بالملاقاة، إذ لو جعل على موضع النجاسة لم يصلح لإثارة الاحتمال، كما أنه لو طهر الموضع لم يحتج لاثارته.

فلم يبق إلا الأول، و هومع معارضته بصحيح العيص المتقدم، بل و موثق حنان، على ما ذكرناظاهر في مفروغية السائل عن نجاسة المحل، و تنجس البلل الخارج به، و تنجيس البلل للسراويل، و لا ظهور في للجواب في الردع عن خصوص الأول.

ثمَّ إن ظاهر التهذيب و محكي المقنعة وجوب مسح البول و إزالته عند تعذر الغسل بالماء، و هو صريح المعتبر و محكي التذكرة و المنتهى و نهاية الأحكام و الذكرى، بل في الجواهر عن بعضهم أنه مشهور.

و قد ينزل عليه تقييد وجوب الغسل بالماء بالقدرة في نهاية الشيخ و المراسم و الشرائع.

بل قد يستظهر منها حصول الطهارة عند عدم الماء بذلك، كما هو ظاهر الوسيلة في جميع النجاسات، لو لا ما في الجواهر من الإجماع على عدم الفرق بين القدرة و العجز في كيفية التطهير. و يقتضيه إطلاق بعض النصوص المتقدمة، بل هو المتيقن من صحيح العيص.

و كيف كان، فقد استدل على وجوب إزالة عين النجاسة عند تعذر غسلها.

تارة: بما في المعتبر من أن الواجب إزالة العين و الأثر، و تعذر الثاني لا يسقط الأول.

و اخرى‏: بقاعدة الميسور، كما في الجواهر.

و ثالثة: بما دل على وجوب تبديل خرقة المستحاضة.

و رابعة: بحديث محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): «سألته عن طهور المرأة في النفاس إذا طهرت و كانت لا تستطيع أن تستنجي بالماء، إنها إن استنجت اعتقرت، هل لها رخصة أن تتوضأ من خارج و تنشفه بقطن أو خرقة؟ قال: نعم،

63

مرتين (1) على الأحوط وجوبا، و لا يجزي غير الماء.

لتنقى من داخل بقطن أو خرقة» (1) و خبر ابن بكير المتقدم.

لكن الأول إنما يتم في التكليفين النفسيين، دون مثل المقام، حيث لم يثبت وجوب إزالة العين إلا مقدمة للتطهير، فان سقوط وجوب ذي المقدمة يستلزم سقوط وجوبها.

و به يظهر ضعف الثاني، إذ لا قائل بجريان قاعدة الميسور في الوجوب المقدمي، بل هي غير تامة في نفسها على التحقيق حتى في الوجوب الضمني.

و الثالث بظاهره قياس‏لو تمَّ وجوب التبديل‏و لا مجال لدعوى فهم عدم الخصوصية، و أن المانع حمل عين النجاسة في الصلاة مطلقا، لقرب خصوصية دم الاستحاضة في المقام، كخصوصيته في عدم العفو عن قليله، كيف و لا إشكال ظاهرا في جواز حمل ما لا تتم به الصلاة و إن كان ملوثا بالنجاسة.

و حديث ابن مسلم وارد لبيان الترخيص في ترك التطهير، لا لوجوب التنقية.

و حديث ابن بكير محمول‏كما تقدم‏على بيان عدم تنجيس الجاف لغيره، فلا يدل على وجوب التجفيف، فضلا عن إزالة العين.

نعم، لا ينبغي الإشكال في لزوم التجفيف لو كانت النجاسة تسري إلى الموضع الطاهر بدونه، لوجوب تقليل النجاسة.

بل قوّى في الجواهر وجوب التخفيف الحكمي بمثل الغسل مرة واحدة عند تعذر الغسل مرتين.

و إن كان لا يخلو عن إشكال، و تمام الكلام في مبحث مانعية النجاسة من الصلاة.

(1) كما في الفقيه و الهداية و عن الذكرى و الجعفرية و محتمل الدروس، و قواه في المسالك.

____________

(1) الوسائل باب: 29 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 3.

64

و كأن الوجه فيه إطلاق النصوص الدالة على وجوب المرتين في البول، كصحيح الحسين بن أبي العلاء: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن البول يصيب الجسد.

قال: صب عليه الماء مرتين» (1) و غيره.

و أما صحيح نشيط بن صالح عنه (عليه السلام): «سألته كم يجزي من الماء في الاستنجاء من البول، فقال: مثلا ما على الحشفة من البلل» (2).

فهو وارد لتحديد مقدار الماء، لا عدد الصب، غايته أن العمل به و بالمطلقات يقتضي الاكتفاء بالمقدار المذكور مع قسمته بصبتين، كما هو ظاهر من تقدم، قال في الفقيه: «و يصب على إحليله من الماء مثلي ما عليه من البول يصبه مرتين»، و نحوه في الهداية، و قريب منه كلام من اعتبر الفصل بين المثلين.

هذا، و صرّح جماعة بالاكتفاء بالمرة، بل هو ظاهر بعض من أطلق وجوب الغسل أو الاكتفاء بالمثلين من دون تقييد بالتعدد، و إن كان ظاهر بعضهم سوقه في قبال الاكتفاء في الغائط بالأحجار.

و يستدل له بقصور الإطلاقات المذكورة، لانصراف الإصابة عن محل الكلام مما كانت الملاقاة بسبب الخروج الطبيعي للبول.

فالمرجع إطلاقات النصوص الآمرة بالصب و الغسل، كصحيح زرارة المتقدم في أول الفصل و غيره.

و خصوصا صحيح يونس بن يعقوب المتقدم الوارد في بيان الوضوء المفترض، لقوله (عليه السلام): «يغسل ذكره و يذهب الغائط ثمَّ يتوضأ مرتين مرتين» (3)، فإن إطلاق غسل الذكر فيه في مقام بيان الفرض و تحديده موجب لقوة ظهوره في الاكتفاء بالمرة. و لا سيما مع التنصيص فيه على المرتين في الوضوء مع عدم وجوبهما.

و كذا صحيح ابن المغيرة عن أبي الحسن (عليه السلام): «قلت له: للاستنجاء حدّ؟

____________

(1) الوسائل باب: 26 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 26 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 5.

(3) الوسائل باب: 9 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 5.

65

قال: لا، ينقي ما ثمة. قلت: ينقي ما ثمة و يبقي الريح قال: الريح لا ينظر إليها» (1).

بل صحيح نشيط ظاهر في المرة، لتوقف استيلاء الماء على النجاسة بنحو يتحقق الغسل على غلبته عليها و أكثريته منها، فلا يتحقق بالمثلين إلا غسلة واحدة.

و لذا فهم ذلك منه جماعة، كابن إدريس و التقي و العلامة و غيرهم، على ما حكي عنهم.

بل عن العلامة أن الاكتفاء في الغائط بزوال العين يقتضي الاكتفاء به في البول بالأولوية.

و من جميع ما تقدم يظهر لزوم رفع اليد عن إطلاقات التعدد لو فرض شمولها للمقام.

لكن انصراف الإطلاقات بدوي، و لا سيما بعد فهم عدم الخصوصية للإصابة عرفا، لظهوره في كون التعدد من شؤون نجاسة البول، و لذا لا إشكال في لزوم التعدد في تطهير المثانة التي يخلق فيها البول و ما يخرج معه من الحصى و نحوه مما لا ينجس إلا بعد خروجه عن الباطن مصاحبا للبول و غيره مما لا يصدق معه الإصابة.

بل لا يظن منهم التوقف في لزوم التعدد لو فرض عدم وجود الأدلة الخاصة بالاستنجاء.

و أما النصوص الآمرة بالغسل و الصب في الاستنجاء فهي بين ما لا إطلاق له، لوروده في مقام البيان من جهات اخرى‏كصحيح زرارة المتقدم و نحوه مما ورد لبيان انحصار المطهر من البول بالماء، و صحيح جميل الوارد لبيان وقت الاستنجاء، لقوله (عليه السلام) فيه: «إذا انقطعت درة البول فصب الماء» (2)- و ما هو مطلق صالح للتقييد بما دل على التعدد في البول.

فإنه و إن كان بين الدليلين عموم من وجه، إلا أن الظاهر تقديم دليل التعدد، لأن ظهوره في خصوصية البول أقوى من ظهور نصوص المقام في خصوصية

____________

(1) الوسائل باب: 13 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 31 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

66

الاستنجاء، بل هو كسائر خصوصيات الموارد التي ورد فيها إطلاق الغسل، كإطلاق الغسل في الفراش المتنجس بالبول، و الغسل من أبوال ما لا يؤكل لحمه و ثوب المربية و نحو ذلك مما يتعين تقديم إطلاق التعدد عليه.

و أما صحيح يونس فهو وارد في مقام تحديد المفروض من الوضوء لمن جاء من البول أو الغائط و هو وضوء الصلاة، لا لمن بال أو تغوط ليمكن شموله للاستنجاء، و إنما ذكر فيه الاستنجاء تبعا، و لعله لدفع توهم عدم شرطيته للصلاة، و لذا أهمل فيه تثليث الأحجار في الاستنجاء من الغائط، فليس هو إلا كسائر المطلقات التي يلزم رفع اليد عنها بدليل التعدد.

و أما صحيح ابن المغيرة فهو ظاهر في الاستنجاء من الغائط، بقرينة اشتماله على الإنقاء الظاهر في احتياج رفع القذر إلى عناية، و فرض بقاء الريح الذي هو من شئون الغائط، خصوصا مع الاستنجاء منه بالتمسح.

مع قرب اختصاص الاستنجاء في الأصل به، لأنه من النجوكما يظهر من الصحاح و النهاية و الأساس و ما حكاه في لسان العرب عن غير واحدو هو الغائط، كما في مجمع البحرين و عن غيره، أو ما يخرج من البطن، كما في الصحاح، أو ما يخرج منها من ريح أو غائط، كما في لسان العرب و القاموس.

نعم، احتمل كون أصله القطع، نظير استنجاء الغصن من الشجرة، أو من النجوة، و هي ما ارتفع من الأرض، كأن الإنسان يطلبها ليجلس تحتها، فيمكن شموله للبول، إلا أنهما نادران في كلماتهم و بعيدان.

على أنه يظهر من غير واحد من النصوص اختصاص الاستنجاء بإزالة الغائط، كصحيح زرارة و موثق سماعة المتقدمين في أول الفصل. و لأجل ذلك يتعين حمل النصوص المعممة على التغليب.

و أما صحيح نشيط فلا وجه لظهوره في المرة، فإن الظاهر حصول الغلبة بما يقارب القطرة، لأن ما على الحشفة إن كان قطرة كان مزيلا لها و موجبا لسقوطها عن الموضع، و إن كان بللا كان مستوليا عليه عرفا، على ما يأتي توضيحه إن شاء اللّه تعالى.

67

على أنه لو فرض عدم غلبته له مع المماثلة فليكن الصحيح دليلا على الاكتفاء بحصول الغلبة في مجموع المرتين و عدم اعتبار حصولها في كل منهما، فان ذلك أولى من جعله دليلا على كفاية المرة و الخروج به عن إطلاقات التعدد.

و أما الأولوية التي تقدمت عن العلامة (قدّس سرّه) فهي ممنوعة بعد وجود القول بكفاية المرة في أكثر النجاسات‏و منها الغائطمع وجوب التعدد في البول في غير المقام.

بل مقتضى الاكتفاء بغير الماء في الغائط دون البول أشدية نجاسته من نجاسة الغائط.

هذا، و المصرح به في كلام جمع تحديد الماء بمثلي ما على الحشفة، عملا بحديث نشيط بن صالح المتقدم.

و قد يستشكل فيه.

تارة: بضعف سنده، فقد وقع الكلام منهم في غير واحد من رجاله، بل لم أعثر على من وصفه بالصحة.

و اخرى‏: بعدم إمكان الالتزام بظاهره، إذ كثيرا ما يكون بلل الحشفة خفيفا، و مثلاه من الماء لا يبلغ ربع قطرة، فلا يصلح للصب مرة، فضلا عن مرتين، و لا يتحقق به الغسل الذي تضمنته النصوص.

و ثالثة: بمعارضته بحديثه الآخر عنه (عليه السلام): «يجزي من البول أن يغسله بمثله» (1) المعتضد بمرسل الكليني: «و روي أنه يجزي أن يغسله بمثله إذا كان على رأس الحشفة و غيره» (2).

و لعله لذا أهمل جماعة التحديد بذلك، بل أطلقوا اعتبار الغسل، كما في الوسيلة و اللمعتين و الانتصار و عن جمل السيد و الشيخ و الكافي و السرائر و الموجز و غيرها.

و إن لم يبعد كون مراد غير واحد بيان الفرق بين الغائط و البول بلزوم الماء

____________

(1) الوسائل باب: 26 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 7.

(2) الوسائل باب: 26 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 2.

68

في الثاني من دون نظر لمقداره، بل هو الظاهر من بعضهم.

نعم، ظاهر محكي الدروس الاعراض عن مفاد الحديث، لأنه عبر بالغسل بالماء المزيل للعين الوارد بعد الزوال من دون إشارة لمضمونه.

لكن يندفع الأول بأن الشيخ روى الحديث عن المفيد عن أحمد بن محمد عن أبيه عن سعد بن عبد اللّه عن الهيثم بن أبي مسروق عن مروك بن عبيد عن نشيط، و أحمد بن محمد مردد بين أحمد بن محمد بن يحيى العطار، و أحمد بن محمد بن الحسن بن الوليد.

و الأول تقدم منا تقريب وثاقته بقرائن كثيرة عند الكلام في منافاة ارتكاب الصغائر للعدالة.

و مثله الثاني‏الذي لا يبعد إرادته في المقام، كما صرح به بعضهم‏لأنه من مشايخ الإجازة، و أستاذ المفيد و جماعة من طبقته، و قد أكثر الشيخ (قدّس سرّه) في كتابيه من الرواية عنه بطريقهم، بل قيل: انه كثيرا ما يؤثر الطريق الذي هو فيه على غيره، و قرائن المقام تشهد بكونه كأبيه من علماء هذه الطائفة المتحملين لأحاديثها المشهورين عندها، فلو ظهر منه‏و العياذ باللّه‏ما ينافي الوثوق لما خفي على هؤلاء الأجلاء، و لو ظهر لهم لرفضه إذ لا تغتفر من مثله أدنى زلة.

و لذا يظهر من جماعة من المتأخرين المفروغية عن وثاقته فقد صحح العلامة جملة طرق هو فيها، و وثقه الشهيد الثاني و ولده و غيرهماعلى ما حكي عنهم. بل عن تلخيص المقال: «انه من المشايخ المعتبرين. و لم أر إلى الآن و لم أسمع من أحد يتأمل في توثيقه».

و لعل عدم تعرض النجاشي و الشيخ و من سبقهما لترجمته لكونه من المتأخرين غير المعاصرين للأئمة (عليهم السلام) و لا من أصحاب الكتب.

و أما أبوه فهو من الأعيان الأجلاء، سواء كان ابن يحيى أم ابن الحسن. و كذا سعد بن عبد اللّه.

كما أن الهيثم بن أبي مسروق قد أثنى عليه الأصحاب، فقال النجاشي:

«قريب الأمر» و روى الكشي عن حمدويه أنه قال: «لأبي مسروق ابن يقال له الهيثم‏

69

سمعت أصحابي يذكرونهما بخير، كلاهما فاضلان». و هو من رجال كامل الزيارة.

و أما عروك، فقد روى الكشي عن العياشي عن علي بن الحسن بن فضال أنه قال فيه: «ثقة شيخ صدوق» و كون علي بن الحسن فطحيا لا يمنع من الاعتماد على توثيقه بعد كونه بمرتبة عالية من الوثاقة عند الأصحاب، و يظهر من الكشي و العياشي الاعتماد عليه في التوثيق، لما قيل من إكثار الكشي نقل توثيقه للرجال عن العياشي.

و لا سيما مع تأيد توثيقه لمروك بقول النجاشي في حقه: «قال أصحابنا القميون نوادره أصل».

و أما نشيط فقد وثقه النجاشي صريحا، و روى الكشي أنه كان يخدم الكاظم (عليه السلام). و ليس في أحد هؤلاء طعن يعارض ما تقدم، فيتعين اعتبار السند المذكور. و من ثمَّ وصفناه بالصحة.

على أن الأصحاب قد اعتمدوا على الحديث و أفتوا بمضمونه معبرين بعبارته، و هو كاف في حجيته، كما ذكره غير واحد، و تكرر منا نظيره في نظائر المقام.

و أما الثاني فهو لا يناسب شيوع الفتوى بمضمون الحديث بين الأصحاب، حيث لا إشكال في قصدهم معنى قابلا للعمل و فهمهم ذلك من الحديث. و الذي ينسبق منهم إرادة ما يقارب القطرتين.

و كان منشأ فهمهم ذلك منه أن المماثلة فيه لم تفرض بين البول الذي على الحشفة و الماء، بل بين البلل و الماء، و لما كان البلل فاقدا للحجم عرفا في كثير من الموارد لقلته، بل هو من سنخ العرض، فلا يقدر إلا بالمساحة، و حيث كان ما على الحشفة منه غالبا مقاربا في المساحة للقطرة، كان مثلاه من الماء قطرتين.

و لا سيما مع وضوح لزوم استيعاب الاستنجاء لتمام موضع النجاسة، و لزوم كونه بالماء القابل للصب و الانفصال، لا بالبلل، فان ذلك قرينة قطعية محيطة بالكلام موجبة لانصرافه في النص و الفتاوى لما ذكرنا.

و أما النصوص المتضمنة للغسل فلا ريب في حملها على كونه لمجرد غلبة

70

الماء على البول الحاصل بالصب، إذ لا إشكال في كفاية الصب، و هو يتحقق بالقطرة، و لو لأجل هذا الحديث، لحكومته على نصوص الصب، لوروده في تحديد موضوعها، و هو الماء المصبوب.

و يندفع الثالث بأن الخبر الآخر لما كان ضعيفا بالإرسال، معرضا عنه عند الأصحاب لم ينهض بمعارضة الصحيح المذكور.

و مثله مرسل الكليني، بل لا يبعد اتحاده معه.

و احتمال اتحاد حديثي صالح الراجع إلى اضطرابه متنا و سندا. لا قرينة عليه، بل هو بعيد بلحاظ شدة اختلاف المتنين.

فلا يبعد الجمع بينهما بحمل المرسل على تحديد الماء الذي يتحقق به الغسل، لا الذي يتوقف عليه التطهير، فلا ينافي وجوب المثلين لتعدد الغسل المطهر، كما هو مقتضى الصحيح و نصوص التعدد. و هو أولى من غير واحد من وجوه الجمع المذكورة في كلماتهم. فراجع.

و بالجملة: لا مجال للاعراض عن الحديث المذكور بعد اعتبار سنده، و اعتماد الأصحاب عليه، و ظهور المراد منه و لو بضميمة فهمهم.

و الظاهر أن ما ذكر فيه من الحد هو أقل ما يمكن معه تحقق الصب مرتين.

و لو فرض إمكان تحققه بدونه لم يجز الاقتصار عليه، لقوة ظهوره في تحديد أقل ما يجزي من الماء. كما أنه لو فرض انصراف الصب في نصوصه إلى ما زاد على ذلك لزم رفع اليد عنه بالحديث المذكور، لحكومته عليه.

بقي في المقام أمور.

الأول‏: حيث كان دليل الاكتفاء بالمثلين هو صحيح نشيط المختص بما على الحشفة فقد يدعى لزوم الاقتصار على مورده و عدم التعدي منه إلى مثل استنجاء المرأة.

لكن الظاهر إلغاء الخصوصية المذكورة لو أمكن وصول المثل حين صبه إلى تمام السطح المتنجس حين المتبول، لعدم دخلها ارتكازا.

و لا سيما بعد عموم السؤال، فكأن ذكر الحشفة لأن الذي يستلزمه البول‏

71

من بللها أقل من بلل غيرها، و المقصود في الجواب بيان أقل ما يجزي من الماء.

بل قد يقال بتعميم الحكم لمطلق التطهير من البول بالاكتفاء بمثلي ما على الموضع النجس، لا لإلغاء خصوصية الاستنجاء في الصحيح، لإمكان اختصاصه بنحو من التخفيف، لكثرة الابتلاء به، بل لصدق الصب بذلك، فيدخل في الإطلاقات المتقدمة، و يؤيد بإطلاق المرسلة الاولى، و التعميم في الثانية لغير ما على الحشفة.

لكنه لا يخلو عن إشكال، لقرب انصراف الصب في الإطلاقات إلى ما يزيد على ذلك و له نحو غلبة على النجاسة، و ضعف المرسلتين.

و منه يظهر الإشكال في الاكتفاء بذلك في تطهير مخرج البول غير الطبيعي، لتصور الصحيح عنه، لعدم وضوح صدق الاستنجاء عليه، خصوصا بناء على ما تقدم من قرب كون إطلاق الاستنجاء على التطهير من البول للتغليب، لأن الظاهر اختصاص التغليب بالمخرج الطبيعي.

و مثله في ذلك ما إذا تعدى عن المخرج الطبيعي، نظير ما يأتي في الغائط.

الثاني‏: أن ظاهر أدلة اعتبار التعدد هو التعدد الحقيقي الموقوف على الفصل، لا ما يعم التقديري الحاصل باستمرار الصب، بل يبعد الحمل عليه بلحاظ غلبة استمرار الصب في المرة الواحدة و ندرة الاقتصار على ما يحقق المسمى المستلزم لغلبة الاكتفاء بالصبة الواحدة، و هو مما تأباه النصوص جدا.

و لو فرض الاكتفاء به اتجه الاكتفاء به في المقام حتى في صب المثلين لو فرض تحقق الاستمرار في صبهما بنحو لا يعد صبهما دفعيا عرفا.

و لعل ما عن الذكرى من اعتباره الفصل بين المثلين في المقام مع اكتفائه بالتعدد التقديري مبني على ما هو الغالب من كون صبهما دفعيا لا استمرار له عرفا، نظير إلقاء القطرة الكبيرة.

و كأنه إلى ذلك نظر في جامع المقاصد، حيث قال: «و ما اعتبره في الذكرى‏

72

من اشتراط تخلل الفصل بين المثلين ليتحقق تعدد الغسل حق، لا لأن التعدد لا يتحقق إلا بذلك، بل لأن التعدد المطلوب بالمثلين لا يوجد بدون ذلك، لأن ورود المثلين دفعة واحدة غسلة واحدة. و لو غسل بأكثر من المثلين بحيث تتراخى أجزاء الغسل بعضها عن بعض في الزمان لم يشترط الفصل قطعا».

الثالث‏: حيث كان التعدد مستفادا من الإطلاقات لزم الاكتفاء بالمرة في الرضيع الذي لم يتغذ بالطعام، بناء على تقييد الإطلاقات المذكورة فيه على ما يأتي الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى. و الظاهر لزوم المثلين فيها، عملا بإطلاق صحيح نشيط.

و دعوى: الاكتفاء بالمثل لأنه إذا كان مقتضى الجمع بينه و بين الإطلاقات لزوم كون كل غسل بمثل، فمع فرض الاكتفاء فيه بالغسلة الواحدة يتعين الاكتفاء فيها بالمثل.

مدفوعة: بأن تقسيم المثلين و الاكتفاء في كل غسلة بمثل إنما استفيد بضميمة دليل التعدد، فمع فرض عدم وجوب التعدد و سقوط دليله في مورد لا طريق لاستفادة الاكتفاء بالغسلة الواحدة بالمثل الواحد، بل يلزم العمل بإطلاق الصحيح الملزم بالمثلين.

نعم، لو كان الاكتفاء بالمثل في المرة مقتضى المرسلتين أو إطلاق دليل الصب لدعوى صدقه به، لم يبعد عرفا حمل الصحيح على خصوص صورة وجوب التعدد و الرجوع في غيرها إلى إطلاق الدليل المذكور.

لكن المرسلتين غير حجة، و الإطلاق قد عرفت الاشكال فيه.

الرابع‏: الظاهر أن الأغلف يكتفي بغسل الظاهر، و لا يجب عليه كشف الحشفة و إن أمكنه ذلك‏كما هو المحكي عن العلامة و الشهيدين‏لأنها من الباطن، و مجرد إمكان كشفها لا يجعلها من الظاهر، كإخراج اللسان من الفم، خلافا ما في المعتبر و عن الدلائل و مجمع الفوائد. بل لازمهم البناء على وجوب غسل باطن الغلفة.

نعم، لو لم تكن الغلفة مرتتقة، بل متفرجة تظهر الحشفة بنفسها من تحتها

73

و أما موضع الغائط (1) فإن تعدى المخرج تعين غسله بالماء (2)، كانت من الظاهر و وجب إيصال الماء إليها.

الخامس‏: صرح بعضهم باستحباب تثليث الغسل في الاستنجاء من البول.

لصحيح زرارة: «كان يستنجي من البول ثلاث مرات و من الغائط بالمدر و الخرق» (1) فان ظهوره في الاستمرار دليل على الاستحباب، من دون فرق بين كون الحاكي هو زرارة و الضمير راجع إلى أبي جعفر (عليه السلام)، و كونه هو الامام (عليه السلام) و الضمير راجع إلى النبي (صلى اللَّه عليه و آله). فلاحظ.

(1) الكلام في وجوب الاستنجاء من الغائط مقدمة للصلاة أو الوضوء كالكلام المتقدم في الاستنجاء من البول، لاشتراكهما في الأدلة و الأقوال إلا أن الصدوق في الفقيه لم يتعرض لذلك هنا، و انما صرح بخلاف المشهور في المقنع فقط. و تقدم بعض النصوص الشاملة له. فراجع.

هذا و لا ينبغي الإشكال في اختصاص وجوب الاستنجاء منه الوضعي و التكليفي بما إذا تنجس به الظاهر، لملاقاته له برطوبة.

لقصور الأدلة عن غيره. و لا سيما بملاحظة ما في صحيح زرارة المتقدم في أول الفصل من تفريعه على قوله (عليه السلام): «لا صلاة إلا بطهور»، و ما تقدم قريبا في صحيح ابن المغيرة من أن حده الإنقاء.

و احتمال وجوبه تعبدا، و لو مع عدم التنجس، أو حصول التنجس بخروجه و لو مع عدم الملاقاة برطوبة، بعيد مخالف للأدلة و الأصول.

(2) و هو مذهب أهل العلم، كما في المعتبر، و بالإجماع، كما في الغنية و كشف اللثام و عن التذكرة و الذكرى و الروض و المفاتيح، و في الانتصار أنه لا خلاف فيه.

و ظاهره كالمعتبر عدم الخلاف فيه بين المسلمين.

____________

(1) الوسائل باب: 26 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 6.

74

و يقتضيه‏مضافا إلى ذلك‏ما أرسله في المعتبر عن أمير المؤمنين (عليه السلام):

«يكفي أحدكم ثلاثة أحجار إذا لم يتجاوز محل العادة» (1) و نحوه ما عن عوالي اللئالي عن فخر المحققين عن أبي جعفر (عليه السلام)(2).

لكن ضعف السند مانع من الاستدلال بهما.

و انجبارهما بالعمل غير ظاهر، بعد عدم ذكرها في الكتب المشهورة في الفقه و الحديث، و قرب اعتمادهم على ما يأتي من خروجه عن إطلاقات الاستنجاء.

و مثلهما ما في المعتبر من رواية الجمهور عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «كنتم تبعرون بعرا و أنتم اليوم تثلطون ثلطا فاتبعوا الماء الأحجار» (3) و أرسله أيضا في محكي عوالي اللئالي عن فخر المحققين عنه (عليه السلام)(4). مع أن ظاهره كون المنشأ لين البطن و رطوبة الغائط لا تعدّيه، فيحمل على الاستحباب.

و لا سيما بعد تضمنه اتباع الأحجار بالماء، لا تعين الماء، فهو مساوق لما ورد في قصة تشريع استحباب الاستنجاء من الغائط بالماء (5) من أن رجلا فعله، فبعث إليه رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) فسأله، فقال: «ما حملني على الاستنجاء بالماء إلا أني أكلت طعاما فلان بطني فلم تغن عني الحجارة شيئا فاستنجيت بالماء.» فبشره (صلى اللَّه عليه و آله) بنزول قوله تعالى‏ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ‏ (6).

و كذا الاستدلال بصحيح مسعدة بن زياد عن الصادق عن آبائه (عليهم السلام) عنه (صلى اللَّه عليه و آله) أنه قال لبعض نسائه: «مري نساء المؤمنين أن يستنجين بالماء و يبالغن، فإنه مطهرة للحواشي و مذهبة للبواسير» (7).

____________

(1) المعتبر، ص: 33.

(2) مستدرك الوسائل باب: 25 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 7.

(3) المعتبر، ص: 33.

(4) مستدرك الوسائل باب: 25 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 7.

(5) الوسائل باب: 34 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 5.

(6) البقرة: 222.

(7) الوسائل باب: 9 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 3.

75

فإنه ظاهر في الاستحباب، بقرينة الأمر بالمبالغة و التعليل بذهاب البواسير، و لا سيما مع اختصاصه بالمرأة التي هي أحرى بالتنظيف‏لأنها ريحانة الرجل و لعبته‏و عدم التقييد فيه بصورة التعدي.

و مجرد التعليل فيه بأنه مطهرة للحواشي لا يكون قرينة على التقييد المذكور، إذ لا يجب الماء بمجرد إصابة الحواشي، بل بالتعدي عنها مطلقا أو بالخروج عن المعتاد، على ما يأتي. فلاحظ.

هذا، و قد عبر في الغنية و المراسم و الشرائع و المعتبر بتعدي الغائط عن المخرج، و في مفتاح الكرامة أنه قد صرح به الجم الغفير، بل هو معقد إجماع المعتبر و محكي التذكرة و الذكرى، الذي نفى عنه الخلاف في الاستبصار.

و في المدارك: «ينبغي أن يراد بالتعدي وصول النجاسة إلى محل لا يعتاد وصولها إليه، و لا يصدق على إزالتها اسم الاستنجاء» و نحوه عن الدلائل.

و عن مجمع البرهان: أنه يمكن القول باعتبار التعدي عن الموضع المعتاد لو لا دعوى الإجماع من التذكرة على أن المتعدي هو ما يتعدى عن المخرج في الجملة و لو لم يصل إلى الحد المذكور.

لكن ادعى في الجواهر أن مراد الجميع عدم التعدي عن الموضع المعتاد، و أقام على ذلك جملة قرائن، كعدم تحديد رؤساء الأصحاب للتعدي الملزم بحمله على ذلك، و ذكرهم له في قبال ما نقلوه عن الشافعي من الاجتزاء بالأحجار إذا وصل الى باطن الأليتين، و استدلال المحقق في المعتبر بالحديث المتقدم المتضمن لاشتراط عدم تجاور محل العادة، و استدلال العلامة في المنتهى على تعين الماء مع التعدي بأنه إنما شرع الاستجمار لأجل المشقة الحاصلة من تكرر الغسل مع تكرر النجاسة، أما ما لا يتكثر فيه حصول النجاسةكالساق و الفخذفلا يجزى فيه إلا الغسل.

قال في الجواهر: «بل كيف يسوغ لأحد أن يحمل كلامهم على ارادة مطلق التعدي مع أنه لازم لخروج الغائط في الغالب، مع أن الاستجمار بالأحجار كان هو المتعارف في ذلك الزمان، بل يظهر من الروايات أنه لم يعرف غيره حتى نزل قوله‏

76

تعالى‏ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ‏ في الرجل الذي أكل طعاما فلان بطنه، فاستنجى بالماء».

و ما ذكره (قدّس سرّه) متين جدا و لا سيما مع تعبير بعضهم بانتشار الغائط عن المخرج الظاهر في كثرته، و تعبير آخرين بالتعدي عن حواشي المخرج أو الدبر، كما في المسالك و الروضة و كشف اللثام و عن الروض، مع ما تقدم من الأخيرين من دعوى الإجماع على الحكم، إذ لا يبعد اختصاص المعتاد بذلك، لأنه هو الذي يستلزمه التخلي في حال لين البطن مع الجلوس له بالوضع المتعارف.

نعم، ظاهر بعض كلماتهم خلاف ذلك، كقوله في الانتصار في الفرق بين البول و الغائط: «الغائط قد لا يتعدى المخرج إذا كان يابسا، و يتعداه إذا كان بخلاف هذه الصفة، و لا خلاف في أن الغائط متى تعدى المخرج فلا بد من غسله بالماء، و البول‏لأنه مائع جارلا بد من تعديه المخرج».

و ما عن التذكرة: «و يشترط في الاستنجاء بالأحجار أمور. منها: عدم التعدي، فلو تعدى المخرج وجب الماء، و هو أحد قولي الشافعي. و في الآخر: لا يشترط، لأن الخروج لا ينفك منه غالبا، و اشترط عدم الزيادة عن القدر المعتاد، و هو أن يتلوث المخرج و ما حواليه. و إن زاد عليه و لم يتجاوز الغائط صفحتي الأليتين فقولان».

لكن الإنصاف أن ذلك لا ينهض بالخروج عن مقتضى القرائن المتقدمة.

و لا سيما مع ظهور ما في الانتصار في تعين الماء بمجرد تعدي الغائط اللازم من عدم يبوسته، و اضطراب ما في التذكرة في نقل قول الشافعي، لمخالفته لما نقله في موضع آخر منها و في غيرها.

و لا أقل من اضطراب كلماتهم و عدم تحصيل تسالم منهم صالح للاستدلال في المقام، فيلزم النظر في أدلة المسألة.

و قد عرفت ضعف الاستدلال بالنصوص المتقدمة. مع أن عمدتها الأول الظاهر في لزوم التجاوز عن المحل المعتاد.

فلم يبق إلا إطلاقات الاستنجاء بالأحجار التي يصعب تنزيلها على صورة

77

عدم التعدي أصلا، مع غلبة تحقيقه، خصوصا ما ورد منها عن الأئمة (عليهم السلام) الذين شهدوا عصر الرخاء و لين المأكل، المستلزم للين البطن.

فاللازم الاقتصار في تعيين الماء على صورة خروج التلوث عما يقتضيه عادة بنحو لا يصدق معه الاستنجاء بالإضافة إلى الزائد، فتقصر عنه الإطلاقات، كما تقدم في كلام من عرفت. و هذا هو عمدة الدليل في المسألة.

و أما ما يظهر من الجواهر من أن الخروج عن المحل المعتاد لا ينافي صدق الاستنجاء، و لذا احتاج إلى الاستدلال بانصراف الإطلاقات و إن كانت شاملة لفظا، و بالإجماع المنقول على وجوب الغسل بالماء حينئذ.

فهو غير ظاهر، لأن المتيقن من الاستنجاء هو إزالة الغائط الذي يستلزمه التخلي عادة، لا ما يتعدى الموضع لطارئ خارج.

نعم، لا يبعد ظهور بعض كلماتهم التي أشار إليها (قدّس سرّه) في صدق الاستنجاء في بعض موارد التعدي التي يجب فيها الماء عندهم.

لكن من القريب ابتناؤه على صدق الاستنجاء بالإضافة إلى خصوص ما يكون على الموضع العادي مع الغفلة عن عدم صدقه بالإضافة إلى الزائد إلا تغليبا.

و أما الانصراف على تقدير صدق الاستنجاء فغير ظاهر الوجه بعد ما تكرر من أن الانصراف للغالب بدوي.

كما أن المتيقن من الإجماع صورة عدم صدقه.

ثمَّ إن التعدي عن الموضع المعتاد.

تارة: يكون مع انفصال المتعدي على المخرج.

و اخرى‏: يكون مع اتصاله به.

أما في الأول فلا إشكال في الاجتزاء بالأحجار في تطهير المخرج، لظهور صدق الاستنجاء عليه.

و كذا في الثاني، كما استقربه في الجواهر، لأن عدم صدق الاستنجاء بالإضافة إلى المتعدي لا ينافي صدقه بالإضافة إلى غيره. و يظهر الأثر في لزوم‏

78

كغيره من المتنجسات. و إذا لم يتعد المخرج تخير بين غسله بالماء (1) حتى ينقى (2) التمسح بالأحجار عند تعذر الماء، تقليلا للنجاسة. لكن في الجواهر أن ظاهر عباراتهم تعين الماء في الكل. و كأنه لإطلاقهم عدم الاجتزاء بالأحجار مع التعدي.

و إن لم يبعد كون منشئه الغفلة عن فرض التفكيك في العمل كي ينظر في حكمه.

ثمَّ إنه كما يتعين الماء مع التعدي عن المخرج يتعين مع مصاحبة الغائط لنجاسة خارجية من دم أو قيح أو نحوهما، و كذا مع اصابة الموضع بنجاسة من الخارج، لخروجهما عن الاستنجاء، كما يأتي نظيره في ماء الاستنجاء. و لعل إهمالهم له لوضوحه. و يأتي منهم ما يناسبه عند الكلام في اعتبار طهارة الأحجار.

(1) حيث لا إشكال في إجزائه، بل لم ينقل في المعتبر الخلاف فيه إلا عن سعد بن أبي وقاص و ابن الزبير. و النصوص به متظافرة، مثل ما دل على استحبابه‏ (1)، و على كفاية غسل ظاهر المقعدة (2)، و على الاكتفاء بغسل المخرج الذي يخرج منه الحدث دون الآخر (3)، و غير ذلك مما هو كثير.

بل هو مقتضى عموم مطهرية الماء الذي يأتي في مبحث المطهرات.

و إطلاق صحيح يونس بن يعقوب الآتي، من دون أن يكون هناك ما يوهم عدم إجزائه، لظهور أدلة التمسح في إجزائه لا تعينه. و لو فرض لها ظهور بدوي في تعينه لزم رفع اليد عنه بما ذكرنا.

(2) من دون تقيد بعدد.

و يقتضيه‏بعد عموم الاكتفاء بذلك في التطهير، على ما يأتي الكلام فيه في‏

____________

(1) راجع الوسائل باب: 34 من أبواب أحكام الخلوة.

(2) راجع الوسائل باب: 29، 37 من أبواب أحكام الخلوة.

(3) راجع الوسائل باب: 28 من أبواب أحكام الخلوة.

79

و مسحه (1) مبحث المطهرات‏صحيح عبد اللّه بن المغيرة عن أبي الحسن (عليه السلام): «قلت له:

للاستنجاء حد؟ قال: لا، ينقي ما ثمة.» (1) و إطلاق صحيح يونس بن يعقوب:

«قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الوضوء الذي افترضه اللّه على العباد لمن جاء من الغائط أو بال. قال: يغسل ذكره و يذهب الغائط.» (2). و يأتي في المسألة الثامنة إن شاء اللّه تعالى الكلام في حد النقاء.

(1) فإنه يجزي و لا يجب الماء بلا إشكال ظاهر، بل هو المنقول عليه الإجماع في الخلاف و الغنية و المعتبر و المدارك و ظاهر الانتصار و عن غيرها، و عن المنتهى نسبته إلى أهل العلم إلا من شذ كعطاء. و في الجواهر: «إجماعا محصلا و منقولا مستفيضا، بل كاد يكون متواترا، و سنة كذلك».

و يقتضيه‏مضافا إلى صحيح يونس المتقدم، فان العدول فيه عن الغسل إلى إذهاب الغائط كالصريح في عدم وجوب الغسل‏كثير من النصوص، كصحيح زرارة المتقدم، في أول الفصل و صحيح بريد عن أبي جعفر (عليه السلام): «أنه قال: يجزي من الغائط المسح بالأحجار، و لا يجزي من البول إلا الماء» (3). و ما يأتي في عدد الأحجار و في جواز التمسح بغير الحجر، بل يظهر مما ورد فيما يحرم الاستنجاء به‏ (4) المفروغية عنه.

نعم، في موثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في الرجل ينسى أن يغسل دبره بالماء حتى صلى، إلا أنه قد تمسح بثلاثة أحجار. قال: إن كان في وقت تلك الصلاة فليعد الصلاة و ليعد الوضوء، و إن كان قد مضى وقت تلك الصلاة التي صلى فقد جازت صلاته، و ليتوضأ لما يستقبل من الصلاة» (5). و قد ذكر مضمونه في المقنع.

____________

(1) الوسائل باب: 13 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 9 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 5.

(3) الوسائل باب: 9 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 6.

(4) راجع الوسائل باب: 35 من أبواب أحكام الخلوة.

(5) الوسائل باب: 10 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

80

بالأحجار (1) أو الخرق أو نحوهما من الأجسام القالعة للنجاسة (2).

لكن لا مجال للخروج به عما تقدم.

و دعوى: حمله على صورة التمكن من الماء و حمل ما تقدم على صورة تعذره جمعا بينهما بقرينة النبوي: «إذا استنجى أحدكم فليوتر بها وترا إذا لم يكن الماء» (1).

مدفوعة: بتعذر حمل ما تقدم على صورة تعذر الماء بعد كثرة تلك النصوص و قلة الابتلاء بتعذره.

و لا سيما مع المقابلة في بعضها بين الغائط و البول و الإلزام بالماء في البول، و تضمن بعضها سيرة بعض المعصومين (عليهم السلام)(2) حيث يبعد ابتلاؤهم بتعذر الماء، فضلا عن شيوعه في حقهم.

و النبوي‏مع ضعف سنده‏ظاهر في أن المعلق على عدم الماء هو الأمر بالوتر، لا استعمال الحجر، فكأن المراد به أن الأمر بالوتر يختص بالأحجار.

فالمتعين طرح الموثق، لهجره عند الأصحاب، أو حمله على الاستحباب- كما في التهذيب‏و هو الأنسب بذكر مضمونه في المقنع، و إن كان بعيدا في نفسه، لظهور الموثق في أهمية الحكم بالنحو الذي يستوجب إعادة الصلاة، و هو لا يناسب نصوص التمسح، و لا سيما ما تضمن منها سيرة بعض المعصومين (عليهم السلام) عليه. و ليس مفاد الموثق مجرد الأمر باستعمال الماء، كي لا ينافي ذلك. فلاحظ.

(1) و هو المتيقن من التمسح نصا و فتوى، لتظافر النصوص به و تطابقهم عليه.

(2) كما صرح به جماعة، و عن غير واحد دعوى الشهرة عليه، و عن‏

____________

(1) الوسائل باب: 9 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 4.

(2) الوسائل باب: 3 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1. و باب: 35 منها حديث: 2، 3.

81

المنتهى انه قول أكثر أهل العلم، و في مفتاح الكرامة: «صرح بذلك جمهور الأصحاب».

بل في الخلاف و الغنية دعوى الإجماع عليه. و لعل اقتصار بعضهم على ذكر الأحجار لأنها أظهر أفراد الماسح لا للمنع عن غيرها.

بل هو المتعين من مثل المحقق في الشرائع، حيث منع من استعمال العظم و الروث و نحوهما مع عدم دخولها في الأحجار، فإن ذلك منه كاشف عن مفروغيته عن العموم، بل دعواهم الإجماع على المنع عن ذلك ظاهر في مفروغيته الأصحاب عن العموم المذكور.

و قد استدل عليه في المستند و الجواهر بإطلاق صحيحي ابن المغيرة و يونس المتقدمين.

لكن لا يبعد ورود إطلاق صحيح ابن المغيرة لبيان عدم الحد في نفس الاستنجاء بما هو معنى مصدري و فعل للمكلف، فيكفي منه ما أوجب النقاء دون ما زاد على ذلك من العدد و نحوه، لا بالإضافة إلى آلة الاستنجاء أو زمانه أو مكانه مما هو خارج عن فعل المكلف، و إن كان متعلقا له، كما يناسبه السؤال عن وجوب إزالة الريح. و لذا لم نستدل به على كفاية التمسح.

نعم، الظاهر تمامية إطلاق صحيح يونس المعتضد بصحيح زرارة: «قال: كان يستنجي من البول ثلاث مرات، و من الغائط بالمدر و الخرق» (1) و صحيحه الآخر:

«سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: كان الحسين (عليه السلام) يتمسح من الغائط بالكرسف و لا يغتسل» (2) لظهور عدم الفصل عندهم بين الكرسف و غيره كالخشب و الجلد و غيرهما مما يزيل النجاسة و ليس بحجر.

بل في خبر ليث‏المنجبر بعمل الأصحاب‏عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «سألته عن استنجاء الرجل بالعظم أو البعر أو العود. قال: أما العظم و الروث فطعام الجن، و ذلك مما اشترطوا على رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله)، فقال: لا يصلح بشي‏ء من ذلك» (3).

____________

(1) الوسائل باب: 35 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 2.

(2) الوسائل باب: 35 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 3.

(3) الوسائل باب: 35 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

82

فان ظاهره المفروغية عن صلوح الأمور المذكورة للاستنجاء في نفسها لو لا اشتراط الجن في العظم و الروث المقتضي للحرمة التكليفية فيهما لا غير، و من الظاهر فهم عدم الخصوصية للأمور المذكورة عرفا، و أن المعيار على كل ما يذهب الغائط.

و من ذلك يظهر ضعف ما في المراسم من أنه لا يجزي إلا ما كان أصله الأرض، سواء أريد به ما كان منها ثمَّ تغير بالحرق و نحوه كالخزف، أم يعم ما كان نابتا فيها، كما فسره به الشهيد في محكي البيان و النفلية.

و مثله ما عن الإسكافي، حيث قال: «فإن لم يحضر الأحجار تمسح بالكرسف أو ما قام مقامه، و لا أختار الاستطابة بالآجر أو الخزف إلا إذا ألبسا طينا أو ترابا يابسا» و عن صاحب المعالم في اثني عشريته موافقته، بناء على إرادتهما المفهوم من الشرطية، فإن ذلك مخالف للإطلاقات المتقدمة الشاملة للخرق و الكرسف من الصوف، و لصورة تيسر الأحجار بلا إشكال.

ثمَّ إنه صرح في العروة الوثقى بالاكتفاء بكل قالع حتى أصابع المتخلي نفسه، و في الجواهر أنه مقتضى الأخذ بظاهر عباراتهم. و إن تنظّر فيه هو و غير واحد ممن تأخر عنه، منهم سيدنا المصنف (قدّس سرّه).

لكن لا ينبغي الإشكال في انصراف كلماتهم عنه و إن كان مقتضى إطلاقها.

كما أنه لا مجال للتعدي إليه بعدم الفصل أو بفهم عدم الخصوصية من النصوص المتقدمة في الكرسف و نحوه.

نعم، هو مقتضى إطلاق صحيح يونس. و ما ذكره بعض مشايخنا من أنه بصدد بيان ما يعتبر في الوضوء و مقدماته، و طهارة الأصابع أولى بالاشتراط، فكيف يراد به ما يعم الاستنجاء بالأصابع و لا ينبه فيه إلى تطهيرها.

مندفع: بأن اشتراط طهارة أعضاء الوضوء لا ينافي جواز الاستنجاء بها ثمَّ تطهيرها، كما لو تنجست بسبب الاستنجاء بالخرق و نحوها.

و عدم التنبيه على تطهيرها حينئذ لعله لوضوح وجوبه أو لعدم فرض الاستنجاء بها الموجب لتنجسها و إن كان جائزا بمقتضى الإطلاق، بخلاف أصل‏

83

و الماء أفضل (1)، و الجمع أكمل (2).

تطهير موضع الغائط و البول، فان المفروض نجاستهما، و ربما توهم عدم وجوبه و صحة الصلاة بدونه، كما ينسب لبعض العامة.

فالظاهر تمامية إطلاق الصحيح المذكور. و إن كان في العمل به في ذلك، بل في مطلق جسد الإنسان‏و إن كان غير المتخلي‏إشكال.

(1) إجماعا، كما في الغنية و كشف اللثام. و عن المنتهى نسبته إلى أهل العلم.

و تقتضيه النصوص الكثيرة منها صحيح مسعدة بن زياد المتقدم في وجوب الاستنجاء بالماء مع التعدي. و صحيح جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في قول اللّه عز و جل‏ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ‏ قال: كان الناس يستنجون بالكرسف و الأحجار، ثمَّ أحدث الوضوء، و هو خلق كريم، فأمر به رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) و صنعه، فأنزل اللّه في كتابه‏ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ‏» (1).

و مثله كثير مما ورد في بيان نزول الآية و غيره.

و لا ينافي ذلك ما تضمن سيرة بعض المعصومين (عليهم السلام) على الاستنجاء بالأحجار، فإنه لا يدل على التزامهم (عليهم السلام) بترك الماء، بل تكرر الاكتفاء منهم بالتمسح، و هو لا ينافي استحباب الماء، إذ لا مانع من تكرر تركهم لبعض المستحبات، و لو لعدم سهولتها.

نعم، مداومتهم على ترك المستحب مع تيسره بعيد عن شأنهم (عليهم السلام).

(2) كما في الشرائع. و لعله إليه يرجع ما في كلام غير واحد من أن الجمع أفضل. بل ادعي عليه الإجماع في الغنية و ظاهر الخلاف و المعتبر، و عن المنتهى نسبته إلى أكثر أهل العلم.

____________

(1) الوسائل باب: 24 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 4.

84

و يقتضيه مرفوع أحمد بن محمد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «جرت السنة في الاستنجاء بثلاثة أحجار أبكار، و يتبع بالماء» (1). و المرسل عن أمير المؤمنين (عليه السلام) المتقدم في المتعدي عن الموضع المعتاد.

مضافا إلى ما قيل من الاستظهار باستعمال المطهرين. و حفظ اليد عن الاستقذار و بقاء الرائحة.

لكنه‏كما ترى‏لا يصلح للتأييد، فضلا عن الاستدلال.

و أما المرسل فهو لا يقتضي إلا استحباب إتباع الماء في ظرف استعمال الأحجار، و هو لا يقتضي استحباب الأحجار التي يتوقف عليها الاتباع‏الراجع إلى الجمع‏لأن المشروط لا يقتضي حفظ شرطه، فهو لا يدل إلا على عدم سقوط استحباب الماء باستعمال الأحجار، نظير عدم سقوط استحباب الجماعة بالانفراد.

فالعمدة المرفوع الذي يظهر من غير واحد الاستدلال به، و منه يظهر أن المستحب هو تقديم التمسح، كما نبه له غير واحد، و لعله منصرف إطلاق الآخرين، بقرينة أكثر استدلالاتهم.

كما ظهر لزوم كون التمسح بالنحو الذي يترتب عليه التطهير شرعا، لأنه المنصرف من إطلاق الأحجار في المرفوع و كلماتهم.

و ما في الروضة من الاكتفاء بالحجر الذي يزيل العين لتحقق الغرض، موقوف على كون منشأ استحباب الجمع حفظ اليد عن الاستقذار و بقاء الرائحة.

و قد عرفت ضعفه.

ثمَّ إنه قال في الوسيلة في تعداد المستحبات: «و الجمع بين الحجارة و الماء في الاستنجاء، و تقديم الحجر على الماء، أو الاقتصار على الماء».

و قد يظهر منه عدم أفضلية الجمع من الاقتصار على الماء، نظير ما تقدم في مفاد المرسل.

و هو خلاف ظاهر المرفوع. إلا أن يحمل على كون صدره لبيان السنة في‏

____________

(1) الوسائل باب: 30 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 4.

85

(مسألة 5): الأحوط وجوبا اعتبار المسح بثلاثة أحجار (1) أو نحوها إذا حصل النقاء بالأقل.

الاستنجاء بالأحجار و كون إتباع الماء الذي تضمنه الذيل أمرا مستقلا خارجا عن السنة التي تضمنها الصدر، فيجري فيه ما تقدم في المرسل.

لكنه لا يخلو عن إشكال، و لعل الأظهر كون الذيل تتمة لبيان السنة، كما فهمه الأصحاب. فلاحظ.

هذا، و قد اقتصر في القواعد على ذكر الجمع في المتعدي عن المخرج.

و عممه إليه في الروضة، و نسبه في المدارك و الجواهر إلى المعتبر، و إن لم أعثر فيه على ذلك إلا في غير المتعدي.

و كيف كان، فقد يستدل عليه بالمرسل، الشامل أو المختص بالتعدي.

و بإطلاق المرفوع. و حفظ اليد عن الاستقذار و بقاء الرائحة.

لكن تقدم الإشكال في ظهور المرسل في استحباب الجمع.

و إطلاق المرفوع موقوف على شمول الاستنجاء للمتعدي، و قد تقدم المنع عنه.

كما تقدم عدم نهوض الوجه الأخير بالاستدلال.

نعم، لو أريد استحباب الجمع بالإضافة إلى خصوص الموضع المعتاد اتجه دخوله في إطلاق المرفوع، لصدق الاستنجاء بالإضافة إليه، كما تقدم.

(1) كما في الشرائع و النافع و المعتبر، و القواعد و جامع المقاصد، و ظاهر المراسم و إشارة السبق و اللمعتين. و عن المنتهى و التحرير و الإرشاد و الذكرى و الدروس و البيان و الموجز و الاثني عشرية و شرحيهما و الدلائل و غيرها و ظاهر المقنعة و الكافي.

و في المدارك و عن الذخيرة و الكفاية و غيرها أنه المشهور.

بل قد يستظهر من المعتبر الإجماع عليه، حيث لم ينقل الخلاف إلا عن مالك و داود.

86

هذا، و قد عبر غير واحد من القدماء عن التثليث بالسنة أو المسنون، كالشيخ في النهاية و الخلاف و ابني حمزة و زهرة في الوسيلة و الغنية، و عن السيد و الشيخ في جميلهما و ابني البراج و إدريس في المهذب و السرائر، بل في الغنية دعوى الإجماع على ذلك. و في محكي المبسوط: انه إن نقي بدون الثلاثة استعمل الثلاثة عبادة.

لكن صرح في محكي السرائر بوجوب إكمال الثلاثة لو نقي المحل بدونه، و هو ظاهر الخلاف، لاستدلاله عليه بالأمر به في بعض النصوص، ثمَّ قال: «و ظاهره الوجوب، إلا أن يقوم دليل».

إلا أن يحمل الوجوب في كلامه على ما يعم الاستحباب‏في قبال احتمال كون الأمر بالثلاثة لغلبة حصول النقاء بهاكما يناسبه ما ذكره في صدر كلامه من أن حد الاستنجاء النقاء، سواء كان بالأحجار أم بالماء، فان الوجوب تعبدا لا من جهة الاستنجاء بعيد جدا.

كما أنه لا إشكال في ظهور كلام غيره ممن تقدم في الاستحباب، بل هو كالصريح من الوسيلة، حيث قال: «فان زالت النجاسة بواحد استعمل تمام الثلاثة سنة، و إن لم تزل بثلاثة استعمل حتى تزول فرضا». و إلى ذلك ذهب في المدارك، و قال في مفتاح الكرامة: «و قد حكم بعدم لزوم الإكمال أيضا في الاقتصار، و نقل ذلك عن الجامع و مصباح الشيخ و. نسبه في السرائر إلى المفيد، و كذا في المفاتيح نسبه إلى الشيخين، و لم أجد له في المقنعة نصا، و لعله ذكره في غيرها.

و مال إليه في. المجمع و الكفاية و المفاتيح، و ربما لاح من التذكرة الميل إليه».

و نسبه في الجواهر إلى محكي المختلف.

و قد يستفاد من إطلاق الصدوق في الفقيه إجزاء الاستنجاء بالحجارة و نحوها من دون تنصيص على العدد، و نحوه عن النزهة.

هذا كله في أقوال الأصحاب في المقام.

و أما مقتضى الأدلة فتوضيحه: أن مقتضى الاستصحاب هو لزوم التثليث، بناء على ما هو الظاهر من جريان استصحاب النجاسة في الشبهات الحكمية، كما

87

أشرنا إليه غير مرة، و أطلنا الكلام فيه في مبحث تتميم الماء المتنجس كرا.

و عليه يقع الكلام.

أولا: في وجود إطلاق صالح للخروج عن الأصل المذكور يقتضي الاكتفاء بزوال العين.

و ثانيا: في وجود مقيد للإطلاق المذكورلو فرض تماميته‏ملزم بالتثليث.

أما الأول فقد استدل عليه ببعض النصوص.

الأول‏: صحيح عبد اللّه بن المغيرة (1) المتقدم في الاستنجاء بالماء، المتضمن أنه لأحد للاستنجاء الا النقاء، لظهور عموم الاستنجاء للاستجمار.

لكن استظهر شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) اختصاصه بالاستنجاء بالماء، و ما يتحصل منه في وجه ذلك: أن المراد بالنقاء إن كان هو زوال العين اختص بالاستنجاء بالأحجار، و إن كان هو زوالها مع الأثر اختص بالاستنجاء بالماء، و حيث لا جامع بينهما فالحديث إما مجمل، أو محمول على الثاني، لأنه مقتضى إطلاق النقاء، لأن الأثر من أجزاء الغائط حقيقة.

و لأن إرادة الاستنجاء بالماء من الحديث متفق عليه. بل إرادة خصوص الاستجمار من لفظ الاستنجاء في غاية الندرة، و لا سيما مع غلبة وجود الماء، بل استعماله بعد زمن التابعين.

و لأن بقاء الريح بعد الاستجمار لا يعلم الا من جهة العلم ببقاء الأثر، و هو أولى بالسؤال من الريح، فتخصيص السؤال بالريح ظاهر في إرادة الاستنجاء بالماء الذي يمكن معه استكشاف بقاء الريح بشم اليد الملاقية لموضع الغائط ببلتها الناقلة له، بخلاف الاستجمار.

و يندفع: بأنه لا مانع من إرادة الجامع بين الأمرين، لعدم التفات العرف إلا إلى العين التي يجب إزالتها في الموردين. و ليس الأثرفي فرض الالتفات إليه‏إلا كاللون من سنخ العرض المتخلف عنها عرفا، و إن كان جزءا منها دقة حقيقة.

____________

(1) الوسائل باب: 3 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

88

و وجوب إزالته في الماء، لأجل الإطلاقات المقامية بقرينة ورود الغسل ارتكازا مورد التنظيف الرافع للاستقذار المتوقف على ارتفاع الأثر، الذي لا إشكال في عدم ارادته مع التمسح.

و لا سيما مع كون وصول الماء إليه موجبا لظهوره باللمس‏لذوبانه و سعة حجمه‏و شدة استقذاره.

و بالجملة: وجوب إزالته مع أحد المطهرين دون الآخر إنما هو لخصوصية في كل منهما من دون أن يقتضي اختلاف مفهوم الإنقاء فيهما، ليتعذر الإطلاق.

نعم، لو أضيف النقاء إلى نفس محل القذر كالثوب و البدن، كان ظاهرا في زوال الأثر، لأن المنصرف منه النظافة الرافعة للاستقذار التي أشرنا إلى توقفها على زواله.

لكن لا مجال للحمل على ذلك في المقام، لظهور الموصول في إرادة ما على المحل من النجاسة الملزم بحمل الإنقاء على إزالته، كما قد يناسبه مقابلة النقاء ببقاء الريح، و قد عرفت أن المنصرف من الإزالة إزالة العين.

على أنه لو فرض ظهور الإنقاء في إزالة الأثر تعين رفع اليد عنه بقرينة إطلاق الاستنجاء في السؤال، و لا مجال لرفع اليد به عن الإطلاق المذكور، لإمكان اعتماد المجيب على القرينة التي يتضمنها السؤال، و تعذر اعتماد السائل على القرينة التي يتضمنها الجواب.

غاية الأمر أن يعتمد على قرينة أخرى تناسب الجواب. لكن الأصل عدمها.

نعم، لو كان ظهور الجواب مستحكما بنحو لا يقبل التنزيل على ظهور السؤال كشف عن احتفاف السؤال بالقرينة المذكورة، أو عدم مطابقة الجواب له، و لا مجال لدعوى ذلك في المقام، فان تنزيل الإنقاء على ازالة العين قريب في نفسه.

و بما ذكرنا يظهر سقوط كثير من الوجوه التي ذكرها لترجيح الحمل على خصوص الاستنجاء بالماء، لأنها مبنية على فرض تعذر الإطلاق، و لا تصلح لرفع اليد عنه لو فرض تماميته، لما أشير إليه غير مرة من عدم تقييد الإطلاق بالغلبة.

89

على أن غلبة استعمال الماء بعد زمن التابعين غير ظاهرة.

و أما عدم السؤال عن الأثر فلعل الوجه فيه ما أشرنا إليه من الغفلة عنه في قبال العين بخلاف الريح. بل من القريب جدا وضوح حكمه مع كلا المطهرين، فان تعذر إزالته بالتمسح المتعارف، و ارتكاز توقف تنظيف الماء على ازالته مستلزم لوضوح وجوب إزالته في الثاني دون الأول، فيستغنى معه عن السؤال عنه.

كما أنه لا تتوقف صحة السؤال عن الريح على فرض العلم ببقائه ليشكل فرضه في الاستجمار، بل يكفي الشك فيه، لوجوب الاستظهار منه لو فرض وجوب إزالته و لو لاستصحاب النجاسة.

و بالجملة: ما ذكره (قدّس سرّه) لا يرجع إلى محصل ظاهر يمكن الخروج به عن ظهور الحديث في الإطلاق. بل لعل السؤال عن الريح موجب لقوة ظهوره في العموم للاستنجاء بالأحجار، لأن الغالب استناد بقاء الريح إلى بقاء الأثر اللازم معها، و إلا فبقاؤها مع الغسل الرافع له إنما يكون مع شدة نفوذها، و هو نادر، كما أشار إليه في الجواهر.

الثاني‏: صحيح يونس بن يعقوب: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الوضوء الذي افترضه اللّه على العباد لمن جاء من الغائط أو بال. قال: يغسل ذكره، و يذهب الغائط، ثمَّ يتوضأ مرتين مرتين» (1).

لكن استظهر شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) اختصاصه بالاستنجاء بالماء أيضا.

بدعوى: ظهور الوضوء المسؤول عنه في الغسل بالماءكما أشار إليه في الجواهر أيضانظير ما في صحيح جميل المتقدم في وجه أفضليته من الاستجمار.

و العدول عن التعبير بغسل الدبر إلى التعبير بإذهاب الغائط إما للتوسع في العبارة، أو لاستهجان ذكر الدبر، أو للتنبيه على عدم الاكتفاء بمسمى الغسل الذي يبقى معه الأثر، بل لا بد من إزالته عملا بإطلاق الإذهاب.

و يندفع بأن ظاهر الوضوء في السؤال هو الوضوء الرافع للحدث، لأنه‏

____________

(1) الوسائل باب: 9 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 5.

90

المنصرف منه، و هو المفترض بعد المجي‏ء من الغائط، كما أشارت إليه آية التيمم، و الذي أجيب عنه بقوله: «ثمَّ يتوضأ مرتين مرتين». و إلا فالاستنجاء واجب بخروجهما لا بالمجي‏ء منهما.

و لعل التفضل منه (عليه السلام) بذكر الاستنجاء للتنبيه على كونه من مقدمات الصلاة التي افترض لأجلها الوضوء، ردعا عما عليه بعض العامة.

أو لكونه من المقدمات العادية التي يسأل عنها معه أو تذكر تبعا له، كما في بعض النصوص مثل خبر الهاشمي الوارد في وضوء أمير المؤمنين (عليه السلام)(1) و صحيح الحذاء الوارد في توضئته للباقر (عليه السلام)(2) و غيرهما مما أشار إليه سيدنا المصنف (قدّس سرّه).

كما أنه لا مجال لما ذكره في توجيه العدول عن التعبير بالغسل إلى التعبير بالاذهاب.

إذ لا نكتة في التوسع في العبارة مع كون العطف أفيد و أخصر.

و ليس الدبر أشد استهجانا من الذكر. مع أماكن الفرار عنه بالكناية، أو بإضافة الغسل للغائط، و ليس المبنى في النصوص على الاهتمام بهذه الجهة.

كما أن التعبير بالغسل أظهر في لزوم إزالة الأثر من التعبير بالاذهاب، لما تقدم في الصحيح السابق.

نعم، استشكل (قدّس سرّه) في حمل السؤال و الجواب على ما ذكرنا.

تارة: بأنه لا يناسب الجواب بالمرتين، للإجماع على عدم وجوبهما، و إنما الخلاف في جوازهما.

و اخرى‏: بأن ذكر الاستنجاء مع عدم السؤال عنه تفضلا موجب لسقوط الإطلاق عن الاستدلال، لعدم سوق الكلام لبيان تفاصيله، بل للإشارة إليه إجمالا، نظير قولنا: إذا فرغت من الاستنجاء فافعل كذا.

و لعل ما في الرياض من إجمال الحديث بلحاظ بعض ما تقدم.

____________

(1) الوسائل باب 16 من أبواب الوضوء، حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 8.

91

لكن يندفع الأول: بأن الظاهر أن ذكر المرتين ليس للأمر بهما، بل لبيان الحد الأعلى الوضوء المفروض، في قبال ما عليه العامة من التثليث، لكون ذلك هو المسؤول عنه، دون وجوب الوضوء، أو كيفيته، لفرض الأول في السؤال و إهمال الثاني في الجواب.

و يندفع الثاني: بأن التفضل إنما يمنع من الظهور في الإطلاق لو أشير فيه لماهية الفعل و عنوانه من دون شرح لحاله، كما في المثال الذي ذكره، حيث أطلق فيه عنوان الاستنجاء، دون مثل الصحيح المتضمن لذكر ما يتحقق به الاستنجاء من غسل الذكر و إذهاب الغائط، خصوصا مع التفرق بينهما في التعبير الظاهر في التصدي لشرح الماهية.

و مثله ما ذكره سيدنا المصنف (قدّس سرّه) من انصراف إطلاق إذهاب الغائط بقرينة الارتكاز العرفي في التطهير إلى نقاء العين و الأثر، فالاكتفاء بزوال العين في الاستجمار يتوقف على الاعتماد على أخباره و النظر فيها.

لاندفاعه: بأنه لا مجال للخروج عن الإطلاق بالقرينة المذكورة بعد فرض العموم للاستجمار الذي لا يزول معه الأثر غالبا أو دائما، و لذا لا يتوهم لزوم ذلك في الثلاثة باختيار الأحجار الكبيرة التي يكون استيعابها بالمسح مستلزما لذلك في الجملة.

الثالث‏: صحيح بريد عن أبي جعفر (عليه السلام): أنه قال: «يجزي من الغائط المسح بالأحجار، و لا يجزي من البول إلا الماء» (1).

بدعوى: ظهوره في الجنس بعد تعذر الاستغراق و عدم القرينة على العهد، فيجزي ما يمسح الغائط و يزيله و إن كان حجرا واحدا.

و دعوى: ظهوره في جنس الجمع لا جنس المفرد.

مدفوعة: بأن ذلك يتم في المنكر لا في المعرّف، و إلا فهو ظاهر في مطلق الجنس، سواء كان باللام أم بالإضافة، كما في قوله تعالى:

____________

(1) الوسائل باب: 9 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 6.

92

وَ إِذا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آياتِنا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ‏ (1) و قوله تعالى‏ وَ إِذا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُوا الْقُرْبى‏ وَ الْيَتامى‏ وَ الْمَساكِينُ‏. (2) و قوله تعالى‏ فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ* (3) إلى غير ذلك.

فالعمدة في خدش الاستدلال به أنه وارد لبيان مشروعية الأحجار في الجملة كما يناسبه ما في ذيله من مقابلته بالبول الذي لا يجزي فيه إلا الماء.

اللهم إلا أن يقال: ظاهر المسح فيه هو مسح الغائط المزيل له، لا مسح موضعه، فيكون ظاهرا في الاكتفاء بالنقاء، و وجوب ما زاد عليه ليس تقييدا، كي يدعى عدم الإطلاق الدافع له، بل هو راجع إلى عدم إجزائه، كما لو وجب أمر آخر غير المسح، و هو خلاف ظاهره. فتأمل جيدا.

الرابع‏: صحيح زرارة: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: كان الحسين بن علي (عليه السلام) يتمسح من الغائط بالكرسف و لا يغتسل». (4) لكن عدم تقييد الكرسف لا يوجب الإطلاق بعد وروده في نقل قضية خارجية لعلها كانت مبنية على التعدد، كما هو المصرح به في موثقة الآخر عنه (عليه السلام): «سألته عن التمسح بالأحجار فقال: كان الحسين بن علي (عليه السلام) يمسح بثلاثة أحجار» (5)، فهو لا يدل الا على مشروعية التمسح و الاجتزاء به عن الغسل، و هو مقتضى التنبيه في ذيله على عدم الغسل.

و مثله في ذلك صحيحة الآخر: «كان يستنجي من البول ثلاث مرات، و من الغائط بالمدر و الخرق» (6).

و ما يظهر من سيدنا المصنف (قدّس سرّه) من التفريق بينهما بعدم ظهور الثاني في‏

____________

(1) الأنعام: 68.

(2) النساء: 8.

(3) النحل: 43، الأنبياء: 7.

(4) الوسائل باب: 35 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 3.

(5) الوسائل باب: 3 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

(6) الوسائل باب: 35 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 2.

93

كون الحاكي هو الامام (عليه السلام) فلا يكون إطلاقه حجة، بخلاف الأول.

غير ظاهر، فإن حكاية الإمام (عليه السلام) لا توجب الإطلاق في القضية الخارجية.

نعم، قد يستفاد الإطلاق من عدم التنبيه على القيد لخصوصية في المورد، كما لو ورد جوابا عن سؤال مطلق، مثلا لو سئل الإمام (عليه السلام) عن الصلاة في الصوف، فأجاب بأن النبي (صلى اللَّه عليه و آله) كان يصلي في الصوف، اتجه التمسك بالإطلاق، لظهوره حينئذ في صلوح الجواب لبيان الحكم في مورد السؤال بنحو يترتب عليه العمل فيه على إطلاقه المستلزم لعدم أخذ القيود فيه، بخلاف المقام مما لم يعلم فيه وجه ورود النقل، إذ لعله لبيان أصل مشروعية التمسح، أو لمحض نقل القضية الخارجية.

الخامس‏: إطلاق الاستنجاء في كثير من النصوص، حيث استدل بذلك في الجواهر بتقريب أن الاستنجاء لغة هو غسل محل النجو أو مسحه.

لكن لم أعثر في النصوص على ما تضمن الإطلاق المذكور، فان النصوص المتضمنة لعنوان الاستنجاء قد وردت لبيان أحكامه بنحو يظهر منها المفروغية عما هو المشروع منه، مثل ما ورد في نسيان الاستنجاء (1)، و استحباب الوتر فيه‏ (2)، و كراهته باليمين‏ (3)، و باليد التي فيها خاتم فيه اسم اللّه تعالى‏ (4)، و كيفية الجلوس له‏ (5)، و ليست واردة لبيان وجوب الاستنجاء، ليتجه التمسك بإطلاقها. فالعمدة في إثبات الإطلاق المذكور هو الصحيحان الأولان.

نعم، لا يبعد التمسك بالإطلاقات المقامية للنصوص المتضمنة لمشروعية الاستجمار، فإنه حيث كان الاستجمار شائعا عند الناس، و لا يدركون من فائدته إلا إزالة العين، فظاهر حال الشارع في إقراره و ترتيب الآثار عليه إرادة ما عليه الناس،

____________

(1) راجع الوسائل باب: 9، 10 من أبواب أحكام الخلوة.

(2) الوسائل باب: 9 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 4.

(3) راجع الوسائل باب: 12 من أبواب أحكام الخلوة.

(4) راجع الوسائل باب: 17 من أبواب أحكام الخلوة.

(5) راجع الوسائل باب: 37 من أبواب أحكام الخلوة.

94

و اعتبار ما زاد على ذلك محتاج إلى دليل خاص، من دون فرق بين التثليث و غيره.

و المتحصل: أنه لا ينبغي التأمل بعد ملاحظة ما تقدم في أنه لا مسرح للاستصحاب في المقام، و أنه لو فرض قصور ما استدل به على التثليث كان المتعين الاكتفاء بالبقاء، عملا بالإطلاقات اللفظية و المقامية المذكورة.

و لذا لا ريب عندهم في الاكتفاء بزوال العين لو لم يحصل النقاء بالثلاثة، مع وضوح قصور نصوص التثليث عن الفرض المذكور، و ليست هي شاملة له بنحو تقيد فيه بالزيادة، ليدعى أن اللازم الاقتصار على المتيقن في تقييده، و هو ما أوجب النقاء، لأن مدعى المستدل بها ظهورها في التحديد غير القابل للتقييد، أو بيان أقل المجزي، من دون تحديد للأكثر.

كما أن احتمال اعتمادهم فيه على إجماع تعبدي بعيد جدا، لظهور مفروغيتهم عنه بسلائقهم، المناسب لارتكاز إطلاق الاجتزاء بالنقاء عندهم بنحو يرجع إليه عند قصور نصوص التثليث.

بل يكاد يقطع الناظر في كلماتهم و فيما تقدم بأنه لو لا النصوص الآتية لما توقفوا في الاكتفاء بالنقاء، و لم يتجشموا إقامة الدليل الخاص عليه الذي يخرج به عن مقتضى الاستصحاب. هذا كله في الأمر الأول، و هو تنقيح الإطلاق المقتضي للاجتزاء بالنقاء.

و أما الثاني‏- و هو تقييد الإطلاق المذكور بالتثليث‏فقد استدل عليه في كلامهم بالنصوص الكثيرة.

منها: صحيح بريد المتقدم، بدعوى: أن أقل الجمع ثلاثة.

و منها: موثق زرارة المتقدم، لأن نقل الامام (عليه السلام) لسيرة الحسين (عليه السلام) على التثليث في مقام الجواب عن التمسح ظاهر في التحديد به و وجوبه.

و يؤيده ما في صحيح أبي خديجة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «كان الناس يستنجون بثلاثة أحجار. فأكل رجل من الأنصار الدبا فلان بطنه، فاستنجى‏

95

بالماء.» (1).

و منها: صحيح زرارة المتقدم في أول الفصل المتضمن لقول الباقر (عليه السلام): «لا صلاة إلا بطهور. و يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار، بذلك جرت السنة من رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله)» (2) و صحيحة الآخر عنه (عليه السلام): «جرت السنة في أثر الغائط بثلاثة أحجار أن يمسح العجان و لا يغسله.» (3) و مرفوع أحمد بن محمد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «جرت السنة في الاستنجاء بثلاثة أحجار أبكار و يتبع بالماء» (4).

و منها: النبوي: «و ليستنج بثلاثة أحجار أبكار» (5) و نحوه نبويات أخرى، و في بعضها أنه (صلى اللَّه عليه و آله) نهى أن يستنجى بدون الثلاثة.

لكن الجميع لا يخلو عن إشكال لما تقدم من ظهور صحيح بريد في الجنس. و دلالة الموثق موقوفة عن كون السؤال فيه عن شروط التمسح، و لا قرينة عليه، لاحتمال كون المراد به السؤال عن أصل مشروعيته، فيكون الجواب مسوقا لبيان ذلك.

بل لعله الأنسب بالاستشهار بسيرة الحسين (عليه السلام)، لوضوح أن الاستشهاد على التثليث بسنة النبي (صلى اللَّه عليه و آله) أولى، بخلاف أصل المشروعية، فان الاستشهاد عليه بسيرة الحسين (عليه السلام) أولى من الاستشهاد بسنة النبي (صلى اللَّه عليه و آله)، لعدم دفع سنته (صلى اللَّه عليه و آله) لاحتمال النسخ الذي يقرب كونه منشأ السؤال. لأن المشروعية في صدر التشريع يبعد اختفاؤها و احتياجها للسؤال.

كما أن بيان أصل المشروعية هو الظاهر من صحيح أبي خديجة بقرينة ذيله.

و أما ما تضمنه الموثق و الصحيح من سيرة الحسين (عليه السلام) و الناس فهو لا يدل على الوجوب.

____________

(1) الوسائل باب: 34 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 5.

(2) الوسائل باب: 9 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

(3) الوسائل باب: 30 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 3.

(4) الوسائل باب: 30 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 4.

(5) مستدرك الوسائل باب: 22 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 4.

96

و أما صحيح زرارة الأول فدلالته موقوفة على مفهوم العدد، و هو غير ظاهر.

و دعوى لغويته في المقام لو لم يكن له مفهوم.

ممنوعة، لإمكان كون الغرض منه التنبيه على الفضل. و لا سيما بعد تعقيبه بيان السنة التي يحتمل أن يكون المراد بها الاستحباب، لا ما شرعه النبي (صلى اللَّه عليه و آله) على نحو الإلزام.

بل لا إشكال في عدم وجوب خصوصية الحجر، لما تقدم من الاجتزاء بكل قالع. و التفكيك بين العدد و المعدود خلاف الظاهر.

و منه يظهر حال صحيحة الآخر، و المرفوع.

و النبويات ضعيفة السند، و لا يتضح انجبارها بعمل الأصحاب بعد عدم روايتهم لها في كتب الحديث المشهورة، و المظنون أخذها من العامة.

فالخروج بذلك عن الإطلاق المتقدم في غاية الاشكال، و أشكل منه ما في المستند من التفصيل بين الحجر و غيره، فيختص التثليث بالحجر، لاختصاص أدلته به.

لاندفاعه: بأن الأدلة لو تمت تقتضي الاقتصار على الأحجار الثلاثة، و عدم الاجتزاء بما دونها و لا بغير الحجر. و إلغاء خصوصية الحجر للأدلة المتقدمة لا يقتضي إلغاء التثليث في غيره. و ليس مفادها اشتراط اعتبار التثليث باستعمال الأحجار، ليرجع في غيرها للإطلاق. و اللّه سبحانه و تعالى العالم بالحال، و منه نستمد العصمة و التوفيق.

بقي في المقام فروع تبتني على القول بالتثليث.

الأول‏: صرح في المعتبر و الشرائع و الروضة و المدارك و كشف اللثام و غيرها بعدم إجزاء المسحات الثلاث بالحجر الواحد ذي الشعب، و هو المحكي عن جمل السيد و ظاهر المقنعة و المصباح و غيرها، بل هو ظاهر كل من عبّر بثلاثة أحجار، كالخلاف و المراسم و إشارة السبق و اللمعة و محكي السرائر و الكافي و غيرها. و عن شرح المفاتيح أنه المشهور. و عن المبسوط: «و الحجر إذا كان له ثلاثة قرون فإنه يجزي عن ثلاثة أحجار عند بعض أصحابنا. و الأحوط اعتبار العدد

97

لظاهر الأخبار». و ما ذكره من ظهور الأخبار قد تبعه على الاستدلال به غير واحد، بل هو عمدة الدليل في المقام.

و أما الأصل فهو موقوف على عدم تمامية إطلاق يقتضي الاكتفاء بالنقاء، كما تقدم.

هذا، و قد صرح في القواعد بالاجتزاء بالمسحات الثلاث بالحجر الواحد، و وافقه في جامع المقاصد، و هو المحكي عن المقنعة و ابن البراج و جملة من كتب العلامة و الشهيد و المحقق الثاني و غيرهم، بل عن الروض و شرح الألفية دعوى الشهرة عليه.

و قد استدل عليه.

تارة: بأن المراد بثلاثة أحجار في النصوص ثلاث مسحات، نظير قولنا:

ضربته عشرة أسواط كما عن المختلف.

و اخرى‏: بالنبوي: «و ليستنج بثلاث مسحات» (1).

و ثالثة: بحصول المقصود و هو إزالة النجاسة و بأنه يجزي المسح بالحجر الواحد بعد تكسيره و انفصال أجزائه، فكذا مع اتصالها، للقطع بعدم الفرق.

قال في محكي المختلف: «و أي عاقل يفرق بين الحجر متصلا بغيره و منفصلا».

كما أنه يجزي استنجاء ثلاثة بالحجر الواحد كل بجهة منه، فيجزي للواحد.

و لأنه إذا غسل الحجر أجزأ و إن استنجى بالجهة التي مسح بها أولا، فكذا بالجهتين الطاهرتين قبل الغسل.

و يندفع الأول: بأنه خلاف الظاهر، و التنظير في غير محله، إذ مع عدم الباء ينصب العدد على أنه مفعول مطلق لبيان عدد المصدر، و قد أقيمت الآلة مقامه و أعطيت ما له من إعراب و إفراد أو تثنية أو جمع، و التقدير ضربته عشر ضربات سوط، كما نص عليه الرضي في شرح الكافية و غيره من النحويين، أما مع الباء فيكون المعدود بنفسه آلة للفعل، فلا بد من تعدد الآلة.

____________

(1) مستدرك الوسائل باب: 22 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 9.

98

و الثاني بعدم حجية النبوي، لعدم إسناده من طرقنا. و لا مجال لدعوى انجباره بعمل الأصحاب بعد عدم روايتهم له في كتب الحديث المشهورة و عدم وضوح اعتمادهم عليه، و لعله راجع إلى ما حكي عن بعضه العامة من روايتهم عنه (صلى اللَّه عليه و آله): «إذا تغوط أحدكم فليمسح ثلاث مرات» (1).

على أنه أعم من نصوص تثليث الأحجار، فيخصص بها، كما ذكره في الحدائق و المستند.

اللهم إلا أن يكون حملها عليه بجعله قرينة على كون تعدد الأحجار فيها لأجل تعدد المسح أقرب عرفا من حمله عليها بتخصيصه بها، و لو لخصوصية المورد لبعد خصوصية تعدد الحجر. و لا أقل من تساوي الوجهين الملزم بالرجوع لإطلاقات النقاء المقتضية لعدم وجوب تعدد الحجر. فتأمل جيدا.

و أما الثالث فما اشتمل عليه من التنظيرات لا يخلو بعضها عن إشكال، لاحتمال منافاة الثاني لما عن بعضهم من اعتبار البكارة، بل الثالث مناف له قطعا، بل هو لا يتم بناء على اعتبار تثليث الأحجار، و إنما يمكن تسليم الخصم به في استنجاء آخر.

على أنه يشبه القياس و الاستحسان الذي لا مجال للاعتماد عليه إلا أن يوجب القطع، الذي تختص حجيته بمن حصل له، و لا يصلح للاحتجاج عند الخصام.

و لا طريق لتحصيله مع كون أصل التثليث تعبديا محضا يخفى وجهه على العرف، إذ ليس هو بأولى من دعوى القطع بعدم خصوصية تعدد المسح و أن الغرض كميته، فيكفي المسح الواحد بالحجر الكبير إذا كان بقدر ثلاث مسحات بالأحجار المتعارفة.

هذا، و قد ذكر في الجواهر أن المستفاد من نصوص تثليث الأحجار اعتبار تعدد المسح، و تعدد الممسوح به‏بمعنى تعدد السطح الذي يقع به المسح-

____________

(1) حكي عن مجمع الزوائد للهيثمي ج: 1 ص: 211 و كنز العمال ج: 5 ص: 85.

99

و كون الماسح حجرا، و انفصال بعضه عن بعض. و انجبارها في الأولين بالشهرة لا ينافي الخروج عنها في الثالث بالإجماع المتقدم، و في الرابع بالشهرة المتقدم دعواها عن الروض، و بغيرها مما يظن معه ببقائه تحت الإطلاق المتقدم.

و يشكل:- مع عدم وضوح الشهرة على الثاني، بل الظاهر ابتناؤه عندهم على الرابع‏بأن العامل بنصوص تثليث الأحجار لا يحتاج لدعوى انجبارها، لقوة أسانيدها، و عدم صلوح الشهرة لجبر الدلالة، فلا بد من فرض تمامية دلالتها.

و حينئذ فرفع اليد عن خصوصية الحجر للإجماع أو النصوص المتقدمة لا يقتضي رفع اليد عن خصوصية التعدد في الممسوح به الذي هو بمعنى تعدد الجسم الذي يكون به المسح، لا تعدد السطح الماسح، لعدم الدليل عليه.

و مجرد دعوى الشهرة على إلغاء الخصوصية المذكورةمع معارضتها بدعوى الشهرة على الخلاف‏لا تنهض بالخروج عن ظهور النصوص المذكورة.

و الظن ببقائه على الإطلاق لا ينفع بعد فرض وجود المخصص التام الدلالة و السند.

نعم، لو فرض فهم عدم الخصوصية عرفا لتعدد الجسم الماسح و أن المفهوم من الكلام إرادة تعدد المسح بحيث يكون هو ظاهر الخطاب و إن لم يكن هو المعنى الحقيقي‏كما قد يظهر من الجواهر الجزم به‏كفى في التعدي و إن لم يقطع بعدم الفرق و لم يقم عليه دليل خاص.

و ذلك و إن كان قريبا في الجملة، لقرب غفلة العرف عن دخل الخصوصية المذكورة، إلا أنه لا مجال للجزم به في مثل التثليث من الأمور التعبدية التي يخفى وجهها.

فالخروج عن مفاد الأدلة لا يخلو عن إشكال.

بل لا ينبغي الريب في عدم الإجزاء بناء على اعتبار البكارة، على ما سيتضح عند الكلام في ذلك إن شاء اللّه تعالى.

هذا، و في المدارك: «فالمتجه تفريعا على المشهور من وجوب الإكمال مع النقاء بالأقل عدم الاجزاء، و مع ذلك فينبغي القطع بإجزاء الخرقة الطويلة إذا

100

استعملت من جهاتها الثلاث، تمسكا بالعموم». بل قد يظهر من محكي المنتهى عدم النزاع في الأجزاء في مثل الثوب و الحائط.

لكن ظهور دليل التثليث في لزوم تعدد الماسح ملزم بالخروج عن العموم في غير الأحجار بعد رفع اليد عن خصوصيتها بدليل التعميم لكل قالع، لما أشرنا إليه من عدم التلازم بين الأمرين، و لا ظهور لأدلة التثليث في كون وجوبه مشروطا باستعمال الأحجار، و إلا لزم الاكتفاء بالنقاء في غيرها، كما تقدم من المستند و تقدم الاشكال فيه.

و لعله لذا ذكر في المعتبر لزوم قطعها.

و أما ما ذكره الفقيه الهمداني (قدّس سرّه) و يظهر من الجواهر من الاكتفاء بالخرقة الطويلة و الصخرة العظيمة التي يعد أطرافها عرفا بمنزلة الأشياء المستقلة.

فهو مبني على الاكتفاء بالتعدد التسامحي، المحتاج إلى الإثبات.

و ما في الجواهر من نسبة عدم الاجتزاء بذلك إلى الجمود، لا يجدي بعد عدم رجوعه للقطع و لا الظهور.

نعم، لا يبعد الاكتفاء بالمسح بالأحجار المتعددة المثبتة في الحائط الواحد، لأن وصل الجص و نحوه بينها لا يوجب وحدتها عرفا، ليقصر عنها إطلاق أدلة التثليث.

و لا أقل من الشك في قصوره الراجع إلى إجماله الذي يلزم معه الرجوع لإطلاق النقاء.

ثمَّ إنه قد يظهر من المعتبر الاجتزاء باستعمال الموضع الطاهر من الحجر المستعمل بعد كسره و فصله عنه، بل هو كالصريح منه في الثوب.

و يشكل: بأن التعدد فيه بلحاظ الحدود لا بلحاظ الذات، الذي هو المنساق من الأدلة.

و أشكل منه ما قد يظهر منه من الاجتزاء باستعمال الحجر المستعمل بعد غسله، لعدم الإشكال في عدم التعدد معه، فلا يناسب مذهبه من لزوم تثليث نفس الأحجار.

101

بل قوى في الجواهر عدم الاجتزاء به حتى بناء على جواز الاكتفاء بالمسح بشعب الحجر الواحد.

و كأن وجهه ما سبق منه من فرض الشهرة على ذلك بنحو يجبره للنصوص فيه، و سبق الاشكال فيه.

هذا، و ربما يكون مراد المعتبر استعمال المستعمل بعد كسره أو غسله في استنجاء آخر و لو لنفس الشخص المستنجي به أولا، فيرجع إلى عدم اعتبار البكارة، الذي لو تمَّ لم يحتج استعمال الوجه الطاهر إلى الكسر.

الثاني‏: صرح في الشرائع بوجوب إمرار كل حجر على موضع النجاسة، و كأنه يريد استيعاب كل حجر للموضع، كما يظهر من شراح كلامه، و عن شرح الألفية أنه الأصلح مع نسبته للشهيد في جميع كتبه، بل عن محكي المفاتيح و شرحها نسبته إلى الشهرة.

لكن في الجواهر أنه لم يعثر على موافق صريح للشرائع، سوى بعض متأخري المتأخرين، و أن المشهور هو الاجتزاء بالتوزيع.

و قد صرح بإجزائه في المعتبر و القواعد و المدارك، و هو المحكي عن المبسوط و المنتهى و التحرير و التذكرة و محكي الجامع و نهاية الأحكام و الذكرى و الدروس و البيان، و غيرها. بل في مفتاح الكرامة أنه قد نص عليه أجلاء الأصحاب.

و العمدة في وجه الاجزاء دعوى صدق المسح بثلاثة أحجار معه. و لو فرض الشك في ذلك الراجع إلى إجمال دليل التثليث كان المرجع إطلاقات النقاء، حيث يقتصر في تقييدها على المتيقن، و هو لزوم التثليث في الجملة و لو بالنحو المذكور.

لكن الانصاف ظهور أدلة التثليث في استيعاب كل حجر لتمام الموضع، بمقتضى ظهور كون كل منها جزءا من المطهر الذي يلزم استيعابه لتمام موضع النجاسة، لا أن المطهر للمجموع مجموعها و لو بنحو التوزيع، نظير ما ورد من صب الماء مرتين على البول الذي يصيب الجسد.

102

و أما الاستدلال على وجوب الاستيعاب بصحيح زرارة المتقدم: «جرت السنة في أثر الغائط بثلاثة أحجار أن يمسح العجان و لا يغسله» (1) بدعوى: ظهوره في مسح تمام الأثر و العجان الذي يراد به الدبر.

فهو لا ينفع إلا بالقرينة التي ذكرناها، و التي تجري في غيره من النصوص، لصدق مسح العجان بالثلاثة مع التوزيع، نظير إنارة الدار بعشرة مصابيح.

ثمَّ إنه على القول باجزاء التوزيع يتعين الاكتفاء بالمسح بثلاثة أحجار دفعة واحدة بجمعها و إمرارها على الموضع معترضة، و إن كان بعيدا عن مساق كلامهم، لعدم الدليل على وجوب الترتيب في المسح بين الأحجار. أما على المختار فهو متعذر.

هذا، و قد تعرضوا لكيفية الاستجمار بالثلاثة و كيفية التوزيع بما لا مجال لإثبات وجوبه بعد سكوت النصوص عنه، فيلزم البناء على الاكتفاء بأي وجه يتحقق به استيعاب مسح تمام المحل بكل حجر أو بمجموع الأحجار عملا بالإطلاقات اللفظية أو المقامية.

نعم، لا بد من عدم تلويث بعض المواضع الطاهرة بالوجه غير المتعارف، لعدم الدليل على كفاية الأحجار حينئذ، كما لا يخفى.

الثالث‏: لو لم ينق الموضع بالثلاث وجب الإنقاء بلا إشكال، بل بالإجماع المنقول و المحصل، كما في الجواهر، و قد ادعي عليه الإجماع في المعتبر و كشف اللثام و المدارك، و عن غيرها.

و يقتضيه إطلاقات الإنقاء المتقدمة، كما أشرنا إليه آنفا.

و يلزم لأجلها رفع اليد عن نصوص التثليث، و حملها على الغالب‏كما قيل‏بل هي منصرفة عن صورة عدم الإنقاء، بسبب وضوح عدم ارتفاع نجاسة الغائط و وجوب التطهير منه.

بل لا يبعد كون مقتضى الجمع بين الطائفتين تقييد إحداهما بالأخرى،

____________

(1) الوسائل باب: 3 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 3.

103

(مسألة 6): يجب أن تكون الأحجار أو نحوها طاهرة (1).

بحمل الثلاث التي جرت بها السنة على الثلاث المنقية، فالثلاث غير المنقية كما لا تكون مطهرة لا تؤدى بها السنة، بل تؤدى بما يتحقق به النقاء بعد ذلك.

لوضوح أن السنة للتطهير من الغائط لا في استعمال الأحجار تعبدا. و عليه يعتبر فيما يتحقق به النقاء ما يعتبر في الثلاث، كالبكارةلو قيل باعتبارها فيهاأما على الوجهين الأولين فلا يعتبر فيه شي‏ء، عملا بالإطلاق. فتأمل جيدا.

ثمَّ إنه صرح في المعتبر و القواعد و المدارك و عن جمع غيرهم باستحباب الوتر مع الزيادة على الثلاث.

و يقتضيه خبر الهاشمي عن أبيه عن جده عن علي (عليه السلام): «قال: قال رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله): إذا استنجى أحدكم فليوتر بها وترا إذا لم يكن الماء» (1).

(1) كما صرح به غير واحد، بل في الغنية و عن المنتهى و التحرير الإجماع عليه، و ظاهر غير واحد المفروغية عنه، لعدم تعرضهم لدليله.

و لا ينبغي الإشكال فيه مع مماسته للموضع برطوبة مسرية، لأنه ينجسه.

بل لا بد حينئذ من تطهيره بالماء و عدم إجزاء الأحجار. كما في القواعد و جامع المقاصد و عن المنتهى و التحرير و الذكرى. لاختصاص نصوص الأحجار بالتطهير من الغائط الخارج حين التخلي، لأنه هو الاستنجاء و لا إطلاق لها يشمل النجاسة العرضية.

و دعوى: أن المتنجس لا يتنجس ثانيا.

غير ظاهرة، بل لا مانع من ترتب أثره الملاقاة الطارئة و تأكد النجاسة بها. من دون فرق في ذلك بين تنجسه بغائط و غيره، كما في جامع المقاصد و كشف اللثام و محكي التحرير و الذكرى.

خلافا لظاهر القواعد فاكتفى بالأحجار في المتنجس بالغائط، و تردد فيه في‏

____________

(1) الوسائل باب: 9 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 4.

104

محكي المنتهى. و علله في جامع المقاصد و كشف اللثام بامتناع اجتماع المثلين.

و فيه: أنه لا مانع من التأكد، فيترتب أثر الطارئ.

و أما مع عدم مماسة الحجر المتنجس للموضع برطوبة مسرية فالعمدة فيه- بعد إطلاق معاقد الإجماع‏قاعدة أن فاقد الشي‏ء لا يعطيه التي هي في المقام ارتكازية و إن لم تكن عقلية، و التي لا يبعد كونها في المقام و نظائره إجماعية. قال الفقيه الهمداني (قدّس سرّه): «إجماعا منقولا مستفيضا بل متواترا، كما لا يخفى على من تتبع كلماتهم في المقام و نظائره، فإنه لا يكاد يرتاب في أن من القواعد المسلمة عندهم التي صرحوا بالإجماع عليها في كل مقام هي أن النجس لا يكون مطهرا».

و يشهد بذلك تسالمهم على اعتبار الطهارة في الأرض المطهرة لباطن القدم، و التراب الذي يعفر به الإناء في الولوغ، بل طهارة تراب التيمم و ماء الوضوء و الغسل و أعضائهما، و إن أمكن الاستدلال لبعض ذلك بالخصوص بوجوه أخرى فتأمل.

و دعوى: أن الماسح في المقام ليس مطهرا، بل المطهر زوال عين النجاسة المسبب عن المسح، كما قد يستفاد من إطلاق إذهاب الغائط في صحيح يونس بن يعقوب المتقدم.

مدفوعة: بأن مقتضى تفريع الأحجار في صحيح زرارة المتقدم على قوله (عليه السلام): «لا صلاة إلا بطهور» أنها طهور تستند طهارة الموضع إليه لا إلى زوال العين.

و أما ما ذكره بعض مشايخنا من الاستدلال بالصحيح المذكور على اعتبار طهارة الماسح، لأن الطهور هو الطاهر في نفسه المطهر لغيره.

فيدفعه ما صرح به في مبحث مطهرية الماء و وافقناه فيه من أن الطهور لغة هو المطهر، و اعتبار طهارته إنما هو بضميمة ملازمة المطهرية للطهارة الراجعة إلى الإجماع أو القاعدة الارتكازية التي أشرنا إليها، فلا وجه للاستدلال بذلك في مقابلهما. فلاحظ.

هذا، و قد صرح في المقنعة و النهاية و الوسيلة و القواعد و النافع و الشرائع‏

105

بعدم استعمال الحجر المستعمل، و هو المحكي عن السرائر و المهذب و الجامع و الإصباح و غيرها.

و يقتضيه مرفوع أحمد بن محمد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: جرت السنة في الاستنجاء بثلاثة أحجار أبكار، و يتبع بالماء» (1).

لكنه‏مع ضعفه‏محتمل للاستحباب، لأن السنة تعمه. بل ذكر غير واحد أن اشتماله على الاتباع ملزم بحمله عليه. إلا أنه يندفع باحتماله الاستئناف و عدم بيان السنة، فلا ينافي إرادة الوجوب منها.

نعم، يتعين كونه لبيان السنة على تقدير عدم الواو، كما رواه سيدنا المصنف (قدّس سرّه).

لكنها مثبتة في التهذيب و الوسائل المطبوعين حديثا، و أصر عليها شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه).

فالعمدة ما ذكرنا. و لعله لذا صرح بعدم اعتبار البكارة في المبسوط و جامع المقاصد و الروضة و المدارك، و هو المحكي عن التذكرة و الموجز و الروض، و هو ظاهر اللمعة و محكي الدلائل، بل الغنية، حيث صرح فيها باجزاء الطاهر.

بل قد يستظهر أيضا ممن اقتصر على ذكر الأحجار، لأن البكارة ليست كالطهارة من الشروط الارتكازية التي قد تستغني عن التنصيص عليها.

بل لا يبعد كون مراد بعض من صرح باعتبار عدم الاستعمال الكناية عن اعتبار الطهارة، كما قد يناسبه الاقتصار عليه، و عدم ذكر الطهارة في النهاية و النافع، و عطف نجس العين عليه في الشرائع، و لا سيما مع ما في المعتبر، حيث صرح باشتراط عدم الاستعمال، ثمَّ قال: «و أما الحجر المستعمل فمرادنا بالمنع الاستنجاء بموضع النجاسة منه». و قال في المقنعة: «استبرأ بثلاثة أحجار طاهرة لم تستعمل في إزالة النجاسة قبل ذلك»، لقرب إرادته تأكيد اعتبار الطهارة، كما يناسبه تعميمه لمطلق النجاسة، لا لخصوص الاستنجاء. و قريب منه ما في محكي‏

____________

(1) الوسائل باب: 30 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 4.

106

السرائر، حيث قال: «و تكون الأحجار أبكارا غير مستعملة في إزالة النجاسة».

بل في الجواهر: «صرح جملة من الأصحاب بجواز الاستنجاء بالمتنجس بالاستنجاء بعد غسله و تطهيره، بل في المصابيح: و لو طهر المتنجس بالاستنجاء أو غيره جاز استعماله إجماعا».

فنسبة عدم اعتبار البكارة إلى المعظم قريبة جدا. فلا مجال لدعوى انجبار المرفوع بالعمل. بل قد يظهر من بعضهم حمل كلام جميع من ذكره على الكناية عن اعتبار الطهارة، حتى مثل العلامة في القواعد الذي عطف عليه النجس، بحمل النجس على نجس العين فقط.

لكن الإنصاف أنه مخالف للظاهر.

و مثله ما يظهر من المدارك من حمل المرفوع على ذلك، حيث استدل به عليه. فإنه و إن كان قريبا في نفسه، إلا أنه مخالف لأصالة الحقيقة بلا قرينة.

و أشكل منه ما ذكره الفقيه الهمداني (قدّس سرّه) من انصراف الحديث إلى ما عليه أثر الاستعمال بالفعل، بدعوى: أنه لا يظن بأهل العرف أن يفهموا من هذا الرواية عدم جواز استعمال الحجر المستعمل في الأزمنة السابقة بعد كسر موضع انفعاله أو غسله.

فان ما ذكره (قدّس سرّه) إنما يفهم في بعض الموارد بالقرينة، حيث قد يستفاد منها كون مانعية الاستعمال من جهة الاستقذار الخارجي، و لا مجال له بدونها.

بقي في المقام شي‏ء، و هو أن المراد بالاستعمال في المقام هو الاستعمال في الاستنجاء لا في مطلق التطهير بنحو يشمل استعمال الأرض لتطهير باطن القدم‏كما استظهره في الجواهرفضلا عن غيره، و لا خصوص الاستعمال في الاستنجاء بالنحو الذي يتنجس به الحجر، كما قد يظهر من الفقيه الهمداني.

لانحصار الدليل في المقام بالمرفوع المتضمن لعنوان البكارة التي لا يراد منها إلا عدم استعمال الحجر، كما يناسبه تفسير البكر بالعذراء لغة و عرفا، و حيث لا يراد منه مطلق الاستعمال، لعدم مانعية مثل الضرب بالحجر و التيمم به، و غير ذلك مما لا يتعلق بالتطهير من الخبث، فالأقرب حمله على الاستنجاء، لأنه‏