مصباح المنهاج - كتاب الطهاره - ج2

- السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم المزيد...
664 /
107

(مسألة 7): يحرم الاستجمار بالأجسام المحترمة (1).

الاستعمال الخاص الذي أخذ العنوان شرطا فيه، حيث يتعارف الاعتماد على القرينة المذكورة في بيان المراد من البكارة، بل هي مانعة من الحمل على الإطلاق- لو أمكن. و لا سيما مع كون الاستنجاء هو الاستعمال المعهود في الحجر بعنوانه حسبما تعرضت له النصوص.

نعم، لا يبعد شموله للاستعمال في الاستنجاء بالوجه المستحب، كإكمال العدد بعد النقاء، بناء على عدم وجوبه، و كالوتر فيما زاد عليه. لقرب دخوله في الإطلاق.

كما لا ينبغي الإشكال في عدم الفرق فيه بين الاستعمال في نفس الاستنجاء الواحد و الاستعمال في استنجاء آخر، لنفس الشخص أو لشخص آخر، كما لا يفرق فيه بين غسل الحجر أو كسره و عدمهما، لأن الغسل انما يوجب الطهارة لا البكارة، و الكسر إنما يوجب اختلاف الحدود مع وحدة الذات المفروض عدم البكارة فيها.

(1) الظاهر أن المعيار في الاحترام كون الشي‏ء مما يحرم توهينه، لا بمعنى فعل ما يقصد به توهينه، بل فعل ما يكون موهنا له عرفا، و إن كان بداع آخر، كسهولة تحصيل الغرض و نحوها، لعدم أخذهم قصد التوهين في المقام. بل قد يكون قصد التوهين مساوقا للكفر أو موجبا له‏كما في الجواهرو هو خارج عن محل الكلام.

و منه يظهر الوجه في تحريم الاستنجاء، لوضوح أنه أشد أفراد التوهين بالوجه المذكور.

هذا، و الذي يظهر من الأصحاب أن الأمور المحترمة صنفان.

الأول‏: المطعوم، كما في الشرائع و القواعد، و نسب في كلام غير واحد إلى جماعة من أصحابنا، بل عن المنتهى نسبته إلى علمائنا، و في الغنية و عن ظاهر الروض دعوى الإجماع عليه.

108

و العمدة فيه ارتكازيات المتشرعة بلحاظ أن في الاستنجاء من التوهين ما لا يناسب وضع النعمة، بل هو بنظرهم‏بل نظر العرف‏كفر بها لا يناسب شكر المنعم بها.

و أما الاستدلال بفحوى ما ورد في العظم و الروث من التعليل بأنه طعام الجن.

فيشكل بعدم وضوح كون الملاك في ذلك الاحترام، بل لعله التخوف من ضررهم، بل في تلك الأدلة ما يظهر منه أن الملاك هو القيام بشرطهم على رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله).» و مثله الاستدلال عليه بما عن الدعائم: «نهوا (عليهم السلام) عن الاستنجاء بالعظام و البعر و كل طعام» (1)، لضعفه في نفسه، و قرب كونه رواية بالمعنى مستندة إلى اجتهاد الراوي، على أن عموم الطعام لكل مطعوم لا يخلو عن إشكال.

و أما الاستدلال بما تضمن الأمر باحترام الطعام و النهي عن توهينه، مثل ما تضمن الأمر بلطع القصعة (2)، و مص الأصابع‏ (3)، و أكل ما يسقط من الخوان‏ (4)، و أكل التمرة و الكسرة المطروحة بعد غسلها إن كانت قذرة (5)، و النهي عن أن يوضع الخبز تحت القصعة (6)، و أن ينتظر به غيره‏ (7)، و شمه‏ (8)، و التخوف من وطء المائدة (9).

فلا مجال له بعد ظهور كثير منها في الاستحباب و الكراهة، بل لا يبعد لزوم‏

____________

(1) مستدرك الوسائل باب: 26 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 67، 112 من أبواب آداب المائدة.

(3) راجع الوسائل باب: 67، 78، 112 من أبواب آداب المائدة.

(4) راجع الوسائل باب: 76 من أبواب آداب المائدة.

(5) راجع الوسائل باب: 77 من أبواب آداب المائدة.

(6) راجع الوسائل باب: 81 من أبواب آداب المائدة.

(7) راجع الوسائل باب: 83 من أبواب آداب المائدة.

(8) راجع الوسائل باب: 85 من أبواب آداب المائدة.

(9) راجع الوسائل باب: 79 من أبواب آداب المائدة.

109

حمل جميعها على ذلك، و لو لضعف سنده.

نعم، ورد في خصوص العجين ما ظاهره تحريم الاستنجاء به، و هي قصة أهل الثرثار الذين استنجوا به، التي وردت بطرق متعددة، و قد تضمن أكثرها أن فيها نزول قوله تعالى‏ قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ‏ (1).

لكن لا مجال للتعدي من العجين لكل مطعوم.

نعم، لا ريب في التعدي للخبز بالأولوية العرفية، بل لا ينبغي التأمل في التعدي منه للطحين، بل للحنطة و الشعير، بل لا يبعد التعدي للارز و نحوه.

بل قد يستدل في الحنطة و الشعير بصحيح هشام بن سالم: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن صاحب لنا يكون على سطحه الحنطة و الشعير، فيطؤونه يصلون عليه. قال: فغضب ثمَّ قال: لو لا أني أرى أنه من أصحابنا للعنته» (2)، و نحوه ما في خبر أبي عيينة (3)، فإن حرمة الوطء تقتضي حرمة الاستنجاء بالأولوية.

لكن لا يبعد حمله على الكراهة، لأن الوطء في مثل ذلك قد لا يعد توهينا عرفا. فتأمل.

و كيف كان، فنحن في غنى عن ذلك بعد عموم الارتكاز في حرمة الاستنجاء لجميع أنواع الطعام مما ينتفع به في الأكل و يعدّ له.

و إن استشكل في بعض ذلك في الجواهر. قال: «لا يبعد عدم ثبوت الاحترام بالنسبة إلى بعض المطعومات الغير المعتادة، كبعض البقول. بل الإنصاف أن بعضا من المعتاد كاللحم و نحوه ليس مبنيا على الاحترام».

لكنه مشكل.

ثمَّ إن المرتكزات تقضي بحرمة الاستنجاء في مثل الخبز و التمر و الحنطة

____________

(1) النحل: 112.

(2) الوسائل باب: 79 من أبواب آداب المائدة حديث: 3.

(3) الوسائل باب: 79 من أبواب آداب المائدة حديث: 4.

110

مطلقا و إن لم يصلح للأكل لتعفن و نحوه. أما في غيره فالمتيقن منها ما إذا كان صالحا للأكل فعلا، دون ما سقط عن ذلك بتعفن و نحوه، أو لم يصلح له رأسا، لعدم نضجه، كما لا يجزي ذلك في مطعوم الحيوانات.

هذا، و يناسب هنا الكلام فيما تعارف بين المتديّنين من الاهتمام بتنحية الخبز و ما يشبهه عن الطريق و نحوه مما يتعرض فيه للوطء و التقذر، فان عملهم ربما كان متفرعا على بنائهم على وجوبه، بل كان ظاهر سيدنا المصنف (قدّس سرّه) الفتوى به فيما إذا كان الخبز بمقدار معتد به بحيث يتحقق به التوهين.

لكن الدليل عليه غير ظاهر، فان المتيقن من المرتكزات في حرمة التوهين لمثل الخبز هو حرمة فعل ما يوجبه، كالاستنجاء به و وطئه، أما وجوب دفع تحققه من الغير بتنحية الخبز عن الطريق الذي يتعرض فيه لذلك فوضوحه من المرتكزات ممنوع، بل ليس المتيقن منها إلا حسن ذلك، لما فيه من تكريم النعمة و كونه من مظاهر شكرها، نظير أكل الخبز حينئذ.

بل حيث كان الابتلاء بذلك في جميع العصور كثيرا فعدم وقوع السؤال عنه في النصوص مع كثرة فروعه قد يوجب الوثوق بعدم وجوبه.

بل قد تضمن غير واحد من النصوص أن ما يسقط من الخوان و المائدة خارج المنزل لا يلقط، بل يترك، ففي صحيح معمر بن خلاد: «سمعت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) يقول: من أكل في منزله طعاما فسقط منه شي‏ء فليتناوله، و من أكل في الصحراء أو خارجا فليتركه للطير و السبع» (1) و نحوه غيره، و من أن ذلك معرض له لمثل الوطء، و هو لا يناسب وجوب دفع ذلك عنه بتنحيته عن الطريق.

نعم، قد يبلغ التوهين مرتبة يقطع معها بوجوب دفعه عنه، لكثرة الطعام و بشاعة ما يتعرض له من موجباته.

إلا أنه فرض لا ضابط له، و الرجوع مع الشك للبراءة متعين. فلاحظ و اللّه‏

____________

(1) الوسائل باب: 72 من أبواب آداب المائدة حديث: 1.

111

سبحانه و تعالى العالم.

الثاني‏: ما يكون من شعائر الدين، لانتسابه إليه تعالى أو إلى أوليائه، ككتابه المجيد و كتب الحديث و الأدعية و ما كتب عليه اسمه تعالى أو اسم أحد المعصومين (عليهم السلام) و التربة و السبحة الحسينيتين و نحوها، فقد نص في القواعد على التربة الحسينية، و عمم في كشف اللثام و محكي التذكرة و النهاية لتربة النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام)، و زاد في الأخيرين ما كتب عليه القرآن أو العلوم أو أسماء الأنبياء أو الأئمة (عليهم السلام)، و في المعتبر ذكر ورق المصحف و كتب الفقه و حديث النبي (صلى اللَّه عليه و آله)، و عن التحرير ذكر حجر زمزم، و في كشف اللثام: «و بالجملة: ما علم من الدين أو المذهب وجوب احترامه».

و العمدة فيه: أن توهينها بالاستنجاء توهين لمن تنسب إليه، و إليه يرجع ما في المعتبر من أن فيه هتكا للشرع.

و عليه لا بد في ذلك من نسبتها للجهة الشريفة عرفا، لوضعها على ذلك و تعنونها به في مقام تشريفها، لا محض انتسابها واقعا من دون تعنون، أو مع انسلاخ العنوان المذكور عرفا بعد تحققه، كما لا يبعد في مثل غلاف المصحف إذا فصل عنه و ذهبت معالمه و التربة الشريفة و حجر زمزم إذا لم تؤخذ بالعنوان الخاص المبني على التبرك.

هذا، و في جامع المقاصد: «يوجد في عبارة بعض الأصحاب ما كتب عليه القرآن. و فيه شي‏ء، فان هذا يقتضي كفر فاعله، و في التربة المقدسة إن دل استعمالها على الاستخفاف بالحسين (عليه السلام) كذلك».

لكن التفريق بين القرآن و التربة بالإطلاق في الأول و التقييد في الثانية غير ظاهر، و مثله ما يأتي عن شرح الألفية الظاهر في الإطلاق فيهما.

بل الظاهر عدم الكفر في الأمرين و لا في غيرهما مع عدم وقوع الاستنجاء لأجل الاستخفاف و التوهين، و إن استلزم التوهين خارجا، و مع ابتنائه على ذلك قد يلحق بالكفر في إسقاطه حرمة القائم به، لمنافاته عرفا للاعتراف بالدين و الإقرار به و بشعائره، نظير سب أحد المعصومين (عليهم السلام) فتأمل.

112

و كذا بالعظم و الروث (1)، على الأحوط وجوبا.

نعم، لا بد في ذلك من رجوع الاستخفاف إلى الاستخفاف بمن تنسب إليه هذه الأمور، إما الاستخفاف بنفس الأمر المنتسب، لتجاهل نسبته فهو لا يوجبه، و إن كان محرما بعد فرض حصول التوهين به، كمن يقصد توهين التربة الشريفة، لعدم قناعته بأن توهينها توهين لمن تنسب إليه.

إلا أن يكون تشريف الأمر المنتسب بالنسبة مقوما للدين أو من ضرورياته كتشريف الكتاب المجيد.

(1) باتفاق الأصحاب، كما في المعتبر، و بالإجماع، كما في الغنية و عن الروض و الدلائل و المفاتيح، و عن المنتهى نسبته إلى علمائنا.

و لم يعرف الخلاف فيه قبل الوسائل، حيث حكم بالكراهة، إلا من ظهور إطلاق ابن حمزة في الوسيلة جواز الاستجمار بما يزيل العين سوى ما يؤكل، و احتمال العلامة في محكي التذكرة الكراهة الذي قد لا يكون خلافا.

و أما سكوت المراسم عن التنبيه على ذلك فليس لخلافه فيه، بل لاعتباره فيما يمسح به أن يكون أصله من الأرض، كما سبق.

و كيف كان، فيدل على التحريم جملة من النصوص، ففي خبر ليث عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «سألته عن استنجاء الرجل بالعظم أو البعر أو العود. قال: أما العظم و الروث فطعام الجن، و ذلك مما اشترطوا على رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله)، فقال: لا يصلح بشي‏ء من ذلك» (1) و قال في الفقيه: «و لا يجوز الاستنجاء بالروث و العظم، لأن وفد الجان جاؤا إلى رسول اللّه صلى اللّه عليه و آله، فقالوا: يا رسول اللّه متعنا فأعطاهم الروث و العظم، فلذلك لا ينبغي أن يستنجى بهما» (2) و في حديث المناهي: «و نهى أن يستنجي‏

____________

(1) الوسائل باب: 35 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

(2) الفقيه طبع النجف الأشرف ج: 1 ص: 20 و ذكر الحديث في الوسائل باب: 35 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 4.

113

الرجل بالروث و الرمة» (1)، و في الخلاف: «و روى سلمان قال: أمرنا رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) أن نستنجي بثلاثة أحجار ليس فيها رجيع و لا عظم» (2) و رواية الدعائم المتقدمة في المطعوم، و غيرها.

و لا مجال للإشكال فيها بضعف السند بعد انجبارها بعمل الأصحاب بالوجه المذكور، خصوصا رواية ليث التي وقع في سندها غير واحد من الأجلاء و يظهر من الأصحاب الاستدلال بها، حتى ذكر في المعتبر أنه رواها الأصحاب عن ليث.

و أما ما ذكره سيدنا المصنف (قدّس سرّه) من عدم ظهور روايتي ليث و الفقيه في الحرمة، بل التعليل في الأولى صارف لبقية النصوص إلى الكراهة.

فهو كما ترى! بل التعليل فيهما ظاهر في الحرمة جدا، لوضوح وجوب القيام بشرط النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و بمقتضى عطيته على أمته، بترك الاستنجاء الذي يظهر من الروايتين منافاته لهما، و ذلك قرينة على حمل: «لا يصلح» و «لا ينبغي» فيهما على الحرمة.

ثمَّ إن المعتمد هو إطلاق العظم في رواية ليث و نحوها، و لا مجال للتخصيص بالرمةالتي هي العظم البالي‏لحديث المناهي بعد إعراض الأصحاب عنه و اعتمادهم على غيره في إطلاق المنع.

كما أن الإطلاق المذكور شامل لعظم ما لا يؤكل لحمه.

و تقييده بما يؤكل، لدعوى: اتفاقهم مع الإنس في الحكم. كما ترى! و كذا الحال في الروث الذي تضمنته رواية ليث و غيرها، فإنه ظاهر في رجيع ذات الحافر من الخيل و الحمير و نحوها، دون ذات الظلف، و قد يشعر به العدول في الجواب عن البعر إلى الروث في رواية ليث، كما في الجواهر.

و لا مجال للاستدلال على العموم بإطلاق الرجيع في رواية الخلاف و ذكر البعر في رواية الدعائم، بعد ضعف سندهما و عدم انجبارهما، بل ظهور

____________

(1) الوسائل باب: 35 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 5.

(2) الخلاف طبع إيران الحجري ص: 8.

114

بل الأحوط وجوبا عدم الاجتزاء بالاستجمار في الجميع (1).

إعراض الأصحاب عنهما. و لا سيما مع ما في القاموس من تفسير الرجيع بالروث.

هذا، و أما ما نقله في مفتاح الكرامة عن النهاية و المبسوط من الاقتصار على العظم فلا وجه له بعد اشتراك الروث معه في الدليل. على أن المطبوع من النهاية قد اشتمل على ذكر الروث، و في المبسوط مثّل لما لا يزيل عين النجاسة بالعظم من دون ظهور في الحصر [1].

بقي شي‏ء، و هو أنه لا بد من الاقتصار على مورد النصوص المتقدمة، و هو الاستنجاء بالعظم و الروث، و لا مجال للتعدي عنه لتنجيسهما بالغائط بغير الاستنجاء، فضلا عن مطلق التنجيس. بدعوى: أنه مقتضى التعليل بكونهما طعام الجن.

و ذلك لأن ترتب حرمة الاستنجاء على كونهما طعاما للجن ليس عرفيا، ليمكن التعدي منه لكل ما يشاركه في الجهة المقتضية له، بل هو تعبدي مستفاد من النصوص المختصة بالاستنجاء، فالمرجع في غيره الأصل.

بل لا ينبغي احتمال الحرمة فيه بعد ملاحظة مرتكزات المتشرعة و سيرتهم القطعية على إهمال العظم و الروث و عدم التحفظ من تنجسهما.

(1) كما هو صريح المبسوط و المعتبر و الشرائع و ظاهر النهاية و الغنية و النافع، و حكي عن السرائر، بل ظاهر الغنية دعوى الإجماع عليه، و عن الذخيرة دعوى الشهرة عليه.

و صرح بالاجزاء في القواعد و جامع المقاصد و المسالك و المدارك، و حكي عن الشهيد و الصيمري و الجامع و الدلال و غيرها، بل عن المفاتيح دعوى الشهرة عليه.

____________

[1] قال: «و لا يجوز الاستجمار الا بما يزيل العين، مثل الحجر و المدر و الخرق غيرها، فاما ما يزيل عين النجاسة مثل الحديد الصيقل و الزجاج و العظم فلا يستنجى به».

115

و هو الأوفق بالأدلة، بناء على ما تقدم من عموم الاجتزاء بكل قالع، عملا بإطلاق صحيح يونس المتضمن للاجتزاء بإذهاب الغائط، و الوجوه المتقدمة للمنع إنما تقتضي النهي التكليفي، الذي لا يقتضي الفساد في المقام و نحوه مما لا يكون عبادة، كما ذكره غير واحد.

لكن ادعى بعض مشايخنا أن نصوص الاستنجاء بالعظم و الروث ظاهرة في الإرشاد إلى البطلان، كما هو الحال في سائر موارد النهي في المعاملة بالمعنى الأعم، و هي ما يقصد أثره.

و لعله لذا احتمل في كشف اللثام التفصيل بين ما ورد النهي عنه، كالعظم و الروث، لخروجه عن مورد الرخصة صريحا، بخلاف غيره، و جزم بذلك في الجواهر.

و يندفع: بأن التعليل في بعضها بشرط النبي (صلى اللَّه عليه و آله) للجن و عطيته لهم ظاهر في صلوحها للاستنجاء ذاتا، و أن منشأ المنع منافاة الاستنجاء لحق الجن، الذي هو كمنافاته لحق الإنس في المغصوب لا يقتضي إلا النهي التكليفي.

نعم، عن الدارقطني: «أن النبي (صلى اللَّه عليه و آله) نهى أن يستنجى بروث أو عظم، و قال:

أنهما لا يطهران» (1). و نحوه المرسل في المعتبر، لكن ضعفهما مانع من التعويل عليهما.

و مثله ما ذكره من أن دليل المنع في العظم و الروث إن كان هو الإجماع لا النصوص كان مقتضى العلم الإجمالي الاحتياط بترتيب أثر الحرمة الوضعية و التكليفية معا، و لا مجال للرجوع للإطلاق، لظهوره في نفي كلتا الحرمتين، فيعلم إجمالا تقييده في إحداهما بالإضافة إلى الأمرين المذكورين، فيسقط فيهما معا.

لاندفاعه. أولا: بانحلال العلم الإجمالي بظهور كلماتهم في الحرمة التكليفية، بقرينة استدلالهم بالنصوص المتقدمة الظاهرة فيها، و إنما الكلام عندهم في الجهة الوضعية معها. فتأمل.

____________

(1) عن المنتقى لابن تيمية على هامش نيل الأوطار للشوكاني مجلد: 1 ص: 84.

116

(مسألة 8): يجب في الغسل بالماء إزالة العين و الأثر (1)، و ثانيا: بأن الإطلاق ظاهر في الجهة الوضعية، لوروده في مقام بيان الاستنجاء المطهر، فهو يقتضي مطهرية الأمرين المذكورين، فيكون حجة على الحرمة التكليفية بعد فرض العلم الإجمالي المذكور.

نعم، لو قيل بعدم نهوض الإطلاقات بإثبات التعدي عن الأحجار لكل قالع، و أن مستنده الإجماع فالمتيقن منه غير ما يحرم الاستنجاء به، كما صرح به غير واحد.

هذا، و أما ما عن شرح الألفية من أن أوراق المصحف و تربة الحسين (عليه السلام) لا تطهر، بل يكفر مستعملها مع علمه، فلا يتصور الطهارة، بخلاف الجاهل.

فهومع عدم تماميته في نفسه، لما تقدم من أنه لا كفر بالاستنجاء لا بداعي الاستخفاف و التوهين‏راجع إلى مطهريتها ذاتا، و النجاسة لأمر خارج، و هو الكفر.

(1) كما في المبسوط و الوسيلة و الشرائع و القواعد، و عن المقنعة و السرائر و غيرها.

و الظاهر أن المراد بالأثربقرينة مقابلتهم الماء بالأحجارما لا يزول بالمسح عادة من الأجزاء الدقيقة العالقة بالمحل غير المحسوسة بالمس إلا مع الرطوبة الموجبة لانحلالها و لزوجة المحل بسببها، لا اللون أو الرائحةلما يأتي، و لا الرطوبة المتخلفة، لأنها من العين‏كما في جامع المقاصد و عن الدلائل‏و لأن بقاءها مع الماء غير ممكن. و لا النجاسة الحكمية، ليكون إشارة إلى تعدد الغسل، لأنه‏مع بعده عن ظاهر كلامهم‏لا دليل على وجوبه، بل إطلاق النقاء ينفيه.

هذا، و ربما استشكل في وجوب إزالة الأثر بمنافاته لإطلاق النقاء و إذهاب الغائط في صحيحي ابن المغيرة و يونس، الظاهرين في زوال العين، و لا سيما مع شموله للاستجمار، الذي لا يزول به الأثر عادة.

و ربما يستفاد ذلك من كل من عبّر بالنقاء، كالخلاف و النهاية و المعتبر

117

و لا يجب إزالة اللون (1) و غيرها. قال في المدارك: «المستفاد من الأخبار المعتبرة أن الواجب في الاستنجاء من الغائط هو الإنقاء خاصة، و هو الذي عبر به المصنف (رحمه اللّه) في النافع و المعتبر.

و أما ما ذكره المصنف (قدّس سرّه) هنا و جمع من الأصحاب من وجوب إزالة الأثر مع العين، فلم نقف فيه على أثر».

و يندفع: بأن ورود الغسل مورد التنظيف الرافع للاستقذار قرينة عرفية على لزوم إزالة الأثر بالمعنى المذكور. فراجع ما تقدم في حكم التثليث عند الكلام في صحيح ابن المغيرة.

و بذلك يتجه تنزيل إطلاق النقاء في كلام غير واحد عليه، و لا سيما مع تصريح المعتبر في توجيه الاكتفاء بالنقاء في الماء و عدم اعتبار العدد بأن الغرض منه إزالة النجاسة عينا و أثرا. و أضعف من ذلك الاستدلال لعدم وجوب إزالته بما ورد في بقاء أثر دم الحيض‏ (1). لأن المراد من الأثر فيه اللون، بقرينة الأمر بصبغه بمشق حتى يختلط، لا المعنى المراد هنا. فتأمل. مع أنه مختص بمورده.

و عن المراسم اعتبار أن يصرّ الموضع، فإن أراد وجوب ذلك زائدا على رفع الأثر و النقاء فلا دليل عليه، بل إطلاق الأدلة ينفيه.

و إن أراد توقف ارتفاع الأثر عليه أو توقف العلم به عليه، فهو ممنوع، إذ قد يكون في الموضع دسومة لا يصرّ معها الموضع، و يتحقق النقاء.

(1) كما صرح به غير واحد، خلافا لما عن التنقيح من تفسير الأثر به، لأنه عرض لا يقوم به بنفسه، و لا ينتقل عن محله، فوجوده دليل على وجود العين، فيجب إزالته.

و يشكل. أولا: بعدم وضوح توقف انتقال العرض على انتقال المحل القائم به، بل قد يكون بتفاعل الجسمين، و لذا قد يحدث لون آخر مباين للون الجسمين،

____________

(1) الوسائل باب: 35 من أبواب النجاسات.

118

و الرائحة (1)، و يجزي في المسح إزالة العين (2)، كالخضاب بعد بلوغه. و إن لم يكن لنا اطلاع على حقيقة ذلك.

و ثانيا: بأن الأجزاء الدقيقة التي يتوقف عليها انتقال اللون لا تعد من العين غرفا، و لا تنافي الغسل و الإنقاء و الإذهاب التي تضمنتها الأدلة، و لذا صرحوا في مباحث التطهير بعدم وجوب إزالة اللون، تبعا للنصوص الواردة في دم الحيض‏ (1).

و أما ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) من أن ذلك إنما يتم في مثل الثوب مما له مسام دقيقة، دون مثل الجسد مما لا مسام فيه مع مثل العذرة مما لا ثبات في لونه، فحمله للونها لا يكون إلا لبقاء عينها عرفا.

فهو دعوى تحتاج إلى إثبات، و خارجة عن محل الكلام، إذ الكلام في صورة زوال العين عرفا.

(1) كما صرح به في الشرائع و القواعد و غيرهما، بل في المدارك: «هذا مذهب للأصحاب لا أعلم فيه مخالفا» و في كشف اللثام: «حكي عليه الإجماع».

و يقتضيه‏مضافا إلى إطلاق إذهاب الغائط في صحيح يونس المتقدم، و إطلاق الغسل المنصرف في المقام و غيره من موارد التطهير للإنقاء غير المتوقف على زوال الرائحةصحيح ابن المغيرة المصرح بعدم الاعتداد بالرائحة.

و أما ما عن الأردبيلي من تنزيل الأثر في كلامهم على الرائحة و حمله على للندب.

فهو لا يناسب ظهور كلامهم في وجوب إزالة الأثر، و لا تعرضهم للرائحة في مقابله.

(2) كما هو مقتضى الأمر بالإنقاء و إذهاب الغائط في صحيحي عبد اللّه بن المغيرة و يونس المتقدمين، بل هو المنصرف من إطلاقات المسح في نصوص المقام، لارتكاز أن الغرض منه ذلك.

____________

(1) راجع الوسائل باب: 25 من أبواب النجاسات.

119

و لا تجب إزالة الأثر (1) الذي لا يزول بالمسح بالأحجار عادة (2).

(1) كما في المبسوط و ظاهر السرائر، بل هو ظاهر كل من اقتصر في المسح على زوال العين، و لا سيما بعد مقابلته بزوال الأثر معها في الماء، بل في المعتبر دعوى الإجماع على العفو عن أثر النجاسة بعد زوال العين، و إنما الكلام في طهر المحل و عدمه معها.

و العمدة فيه: أن التمسح بنفسه لا يوجب زوال الأثر غالبا أو دائما، فتشريعه ظاهر في عدم وجوب إزالته، و به يخرج عن القرينة المتقدمة. و بذلك يتعيّن حمل كلام من اقتصر على ذكر النقاءكالنهاية و غيرهاعليه.

هذا، و ظاهر الأصحاب الطهارة مع بقاء الأثر، لا مجرد العفو عنه، بل هو المصرح به في المعتبر و جامع المقاصد، و عن النزهة و المنتهى و التذكرة و الذكرى و غيرها، و ظاهر المعتبر و محكي المنتهى عدم الخلاف فيه من أصحابنا، لأنهما حكيا الخلاف عن الشافعي و أبي حنيفة.

و يكفي فيه تفريع الأحجار في صحيح زرارة المتقدم في أول الفصل على قوله (عليه السلام): «لا صلاة إلا بطهور».

(2) لأن ذلك هو المناسب للوجه المتقدم للعفو عنه.

و لعله عليه يحمل ما في المبسوط و الشرائع و غيرهما من عدم جواز المسح بصيقل لا يزيل النجاسة، و ما في القواعد و عن غيرها من عدم جوازه بما يزلق عنها.

لوضوح أن الصيقل قد يزيل النجاسة بالمسح، إلا أنه يبقى معه مرتبة من الأثر أكثر من مرتبة ما يبقى منه مع التمسح بالأحجار و نحوها، لا يشملهما إطلاق التمسح عرفا، لانصرافه‏بقرينة ارتكاز نجاسة الغائط بتمام أجزائه و كون الغرض التطهير منه‏إلى زواله ما يمكن زواله من أجزاء العين مع المسح المتعارف، و حيث كان ذلك خارجا عنه، فلا طريق لإثبات العفو عما يبقى معه.

هذا، و أما الاجتزاء بالماسح المذكور بعد حصول النقاء لا كمال العددكما

120

(مسألة 9): إذا خرج مع الغائط أو قبله أو بعده نجاسة أخرى- مثل الدم‏و لاقت المحل لا يجزي في التطهير إلا الماء (1).

استوضحه في الجواهرفهو لا يخلو عن إشكال، لأن نصوص التثليث مختصة بالأحجار، و المتيقن في التعدي عنها غير ذلك.

و لا مجال للرجوع لإطلاق إذهاب الغائط و النقادو لو فرض صدقهما في المقام‏لأن نصوص التثليث أخص. نعم، قد يتجه الاجتزاء به لتحقيق الوتر المستحب بعد النقاء، لعدم منافاته للإطلاق المذكور. إلا أن يدعى انصرافه إلى ما هو نظير المسح الذي يحصل به النقاء. فلاحظ.

(1) ففي مفتاح الكرامة: «و نص الشهيد و المحقق الثاني و أبو العباس و الصيمري على عدم إجزاء الأحجار مع خروج الغائط ممتزجا بغيره من النجاسات. و هو ظاهر الأكثر».

و العمدة فيه: خروج ذلك عن الاستنجاء الذي هو موضوع مطهرية الأحجار، نظير ما تقدم فيما لو مسح بالحجر النجس.

و منه يظهر امتناع الاستجمار أيضا بالحجر المرطوب رطوبة مسرية، لانفعاله بالنجاسة و انفعال الموضع به.

و لو شك في طروء النجاسة الخارجية أجزأت الأحجار، للعلم بارتفاع نجاسة الغائط بها و استصحاب عدم غيرها.

و لا مجال للرجوع لاستصحاب النجاسة، لأنه من القسم الثالث من استصحاب الكلي، بناء على تعدد النجاستين، بحيث يمكن زوال أحدهما دون الأخرى، أما بناء على اتحادهما و لحوق حكم الأشد لهما، فيكون من القسم الثاني.

121

الفصل الثالث‏ يستحب للمتخلي‏على ما ذكره العلماء رحمهم اللّه‏أن يكون بحيث لا يراه الناظر (1)، (1) لما في خبر حماد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: قال لقمان لابنه:. و إذا أردت قضاء حاجتك فابعد الذهب في الأرض» (1)، و في مرسل الطبرسي عنه (عليه السلام) في وصف لقمان: «و لم يره أحد من الناس على بول قط و لا اغتسال، لشدة تستره و تحفظه في أمره. فبذلك أوتي الحكمة و منح القضية» (2) و مرسل الشهيد في النفلية عن النبي (صلى اللَّه عليه و آله): «أنه لم ير على بول أو غائط» (3) و مرسله الآخر: «و قال (عليه السلام):

من أتى الغائط فليستتر» (4)، و في مرسل الاحتجاج في جواب الكاظم (عليه السلام) لأبي حنيفة: «يتوارى خلف الجدار.» (5) و غيرها.

و ظاهر هذه النصوص إرادة الاستتار عن الناظر سواء كان بالبعد في مثل الصحاري من الأمكنة المنكشفة، أم بالجلوس خلف حاجب من بناء أو ربوة، بل و الاستتار بمثل الستر المضروب، و ما في الجواهر من عدم كفاية الاستتار بعباءة و نحوها لم يتضح وجهه.

إلا أن يريد به مثل لبس العبادة الساترة للبدن، لصدق النظر للشخص معها عرفا.

____________

(1) الوسائل باب: 4 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 4 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 2.

(3) الوسائل باب: 4 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 3.

(4) الوسائل باب: 4 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1، 2، 3، 4.

(5) الوسائل باب: 15 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 7.

122

نعم، يظهر من بعض النصوص استحباب بناء الكنيف في أستر موضع من الدار، فعن الدعائم: «و روينا عن بعضهم (عليهم السلام) أنه أمر بابتناء مخرج في الدار، فأشاروا إلى موضع غير مستتر من الدار، فقال (عليه السلام): يا هؤلاء ان اللّه عز و جل لما خلق الإنسان خلق مخرجه في أستر موضع منه، و كذلك ينبغي أن يكون المخرج في أستر موضع في الدار» (1) و عن توحيد المفضل: «أ ليس من حسن التقدير في بناء الدار أن يكون الخلاء في أستر موضع فيها، فهكذا جعل اللّه سبحانه المنفذ المهيأ للخلاء من الإنسان في أستر موضع منه» (2).

لكن هذالو تمَ‏مستحب آخر زائد على استحباب التستر حين قضاء الحاجة.

ثمَّ إنه عبر في الشرائع و القواعد باستحباب ستر البدن، و ظاهره‏و لا سيما مع إلحاقه في الأول بوجوب ستر العورةإرادة ستر البدن بثوب و نحوه، و لا مجال لحمل النصوص المتقدمة عليه، و لا دليل عليه من غيرها، كما ذكره شيخنا الأعظم (قدّس سرّه).

و لعله لذا حمله في المدارك و غيرها على ما في المتن من تستر المتخلي نفسه بالبعد أو الجلوس من خلف حائل.

نعم، لا يبعد كراهة التعري تحت السماء و لو في غير حال التخلي، لما تضمن النهي عن الغسل تحت السماء بغير مئزر (3).

و أما دعوى: كراهة التعري مطلقا لخبر أبي بصير الذي لا يخلو عن اعتبار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن أبيه عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «قال: إذا تعرى أحدكم نظر إليه الشيطان فطمع فيه فاستتروا» (4) و لنصوص المئزر، الشاملة لصورة عدم وجود الناظر.

فهي لا تخلو عن إشكال، لظهور الخبر في الأمر بالاستتار لا باستعمال‏

____________

(1) مستدرك الوسائل باب: 4 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 5.

(2) مستدرك الوسائل باب: 4 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 6.

(3) الوسائل باب: 10 من أبواب آداب الحمام حديث: 2، 3، 4.

(4) الوسائل باب: 9 من أبواب آداب الحمام حديث: 2.

123

و لو بالابتعاد عنه (1)، كما يستحب له تغطية الرأس (2)، الساتر، فيلزم حمل التعري المنهي عنه فيه على التعري مع عدم الاستتار.

و نصوص المئزر حيث كانت ظاهرة في الحرمة و خصصت بوجود الناظر فلا مجال لاستفادة الكراهة منها مع عدمه.

ثمَّ إنه لا وجه لتخصيص ذلك بالغائط بعد ورود بعض النصوص المتقدمة في البول و قرب فهم عدم الخصوصية للغائط من غيرها.

(1) كما هو المتيقن من بعض النصوص المتقدمة و غيرها.

(2) كما صرح به غير واحد. بل في المعتبر و عن الذكرى و المفاتيح أن عليه اتفاق الأصحاب.

و يقتضيه ما عن المقنعة: «ان تغطية الرأس إن كان مكشوفا سنة من سنن النبي (صلى اللَّه عليه و آله)(1) و ما عن الجعفريات بسنده عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «أن رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله). كان إذا أراد الكنيف غطى رأسه» (2).

و علله في الفقيه بالإقرار بأنه غير مبرئ نفسه من العيوب، و في محكي المقنعة بأنه يأمن بذلك من عبث الشيطان، و من وصول الرائحة الخبيثة إلى دماغه، و بأن فيه إظهار الحياء من اللّه تعالى لكثرة نعمه على العبد و قلة الشكر منه.

و هذه التعليلات كما ترى، إذ لم نعثر على ما تضمنها من النصوص، لتكون شرعية تعبدية. كما أنها ليست عرفية، كيف و لا إشكال في عدم كون تغطية الرأس بمثل العمامة و القلنسوة من مظاهر الحياء أو الإقرار بالعيب.

كما أن طريق وصول الرائحة الأنف لا الرأس. إلا أن يريدوا بالرأس ما يقابل الجسد، لا ما يقابل الوجه الذي يحده قصاص الشعر، حيث قد يتجه فيه بعض هذه التعاليل. إلا أنه يتوقف على قصد ذلك منه.

مع أن المعنى المذكور لا يناسب مرسل المقنعة، لأن الرأس بالمعنى‏

____________

(1) الوسائل باب: 3 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

(2) مستدرك الوسائل باب: 3 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 2.

124

و التقنع (1)، و هو يجزي عنها (2)، المذكور منكشف غالبا بسبب كشف الوجه، فلا وجه للتقييد بكونه مكشوفا، بل لا مجال للبناء على استحباب ستر جميعه، لعدم الإشكال في سيرتهم (عليهم السلام) على كشف بعض الوجه. إلا أن يريدوا بستره ما يساوق التقنع الذي يأتي الكلام فيه، كما قد يناسبه عدم ذكر كثير منهم للتقنع مع ورود غير واحد من النصوص به.

(1) ففي المرسل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «أنه [كان يعمله‏] إذا دخل الكنيف يقنع رأسه، و يقول سرا في نفسه: بسم اللّه و باللّه.» (1).

و في وصية النبي (صلى اللَّه عليه و آله) لأبي ذر: «يا أبا ذر استحي من اللّه، فإني و الذي نفسي بيده لا ظل حين أذهب إلى الغائط متقنعا بثوبي استحياء من الملكين اللذين معي» (2)، و عن الدعائم عنهم (عليهم السلام): «ان رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) كان إذا دخل الخلاء تقنع و غطى رأسه و لم يره أحد» (3).

(2) لأنه أخص منها، لتحقق التغطية بمثل العمامة و القلنسوة مما لا يصدق معه التقنع. فيلزم لأجل ذلك حمل الجمع بينهما في خبر الدعائم المتقدم على التفسير الراجع إلى عدم استحباب التقنع إلا لأجل التغطية، أو التأكيد بلحاظ استلزام التقنع للتغطية.

و الأول هو الظاهر من الحديث، و الثاني هو المناسب لظاهر بقية النصوص.

هذا كله بناء على أن المراد بالرأس الذي يستحب ستره هو المقابل للوجه، الذي يحده قصاص الشعر، أما بناء على أن المراد به ما يقابل الجسد فالنسبة بينه و بين التقنع لا تخلو عن إشكال، لما أشرنا إليه آنفا من عدم إمكان البناء على استحباب ستر جميعه، و أنه لا بد من كشف بعض الوجه.

كما أنه لم يتسير لنا تحديد التقنع بعد الرجوع لما تيسر الاطلاع عليه من‏

____________

(1) الوسائل باب: 3 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 2.

(2) الوسائل باب: 3 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 3.

(3) مستدرك الوسائل باب: 3 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

125

و التسمية عن التكشف (1).

كلمات اللغويين و غيرها.

فمقتضى إطلاق التقنع على لبس بيضة الحرب كونه ستر الرأس، كما أن قناع المرأة عرفا ما يستر رأسها و رقبتها عدا قرص الوجه.

و لعله المناسب لما أرسله في مكارم الأخلاق عن عبد اللّه بن وضاح: «رأيت أبا الحسن موسى بن جعفر (عليه السلام) و هو جالس في مؤخر الكعبة و تقنع و أخرج أذنيه من قناعه»، و في جمهرة ابن دريد: «و كل مغط رأسه فهو مقنع، و من ذلك قولهم:

تقنع القوم في الحديد إذا تكفروا و لبسوا المغافر و البيض». و ربما يستفاد ذلك من غيره من اللغويين، لاضافتهم القناع للرأس.

ثمَّ إن المحكي عن الشيخين و المفاتيح استحباب التقنع فوق العمامة. فإن أرادوا به استحباب التقنع في فرض وجود العمامة، فهو في محله، إلا أنه لا يتعين كونه فوقها. و إن أرادوا به استحباب الجمع بين الأمرين، فلا دليل عليه.

(1) ففي صحيح محمد بن الحسين عن العسكري (عليه السلام) عن أبيه عن آبائه عن جعفر (عليه السلام): «قال: قال النبي (صلى اللَّه عليه و آله) إذا انكشف أحدكم لبول أو غير ذلك فليقل:

بسم اللّه، فان الشيطان يغض بصره» (1) و نحوه موثق السكوني‏ (2).

هذا و قد أطلق غير واحد من الأصحاب التسمية في مستحبات الخلوة، و ظاهره استحبابها عند دخول الخلاء، بل هو المصرح به في المعتبر، المدعى عليه فيه اتفاق الأصحاب.

و يقتضيه غير واحد من النصوص، كالمرسل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) المتقدم في التقنع، و نحوه مرسل الصدوق عنه (عليه السلام)(3) و صحيح معاوية بن عمار: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: إذا دخلت المخرج فقل: بسم اللّه، اللهم إني أعوذ بك من الخبيث المخبث الرجس النجس الشيطان الرجيم. فإذا خرجت فقل: بسم اللّه‏

____________

(1) الوسائل باب: 5 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 4.

(2) الوسائل باب: 5 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 9.

(3) الوسائل باب: 5 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 7.

126

و الدعاء بالمأثور (1)، و تقديم الرجل اليسرى عند الدخول و اليمنى عند الخروج (2)، الحمد للّه الذي عافاني من الخبيث المخبث و أماط عني الأذى» (1) و مرفوع سعد بن عبد اللّه عن الصادق (عليه السلام): «انه قال: من كثر عليه السهو في الصلاة فليقل إذا دخل الخلاء: بسم اللّه و باللّه أعوذ باللّه من الرجس النجس الخبيث المخبث الشيطان الرجيم» (2).

و لو أريد من التسمية مطلق ذكر اللّه تعالى‏و لو بمثل الدعاءففيه نصوص أخرى يأتي بعضها.

(1) عند الدخول و الخروج بمثل ما تقدم في صحيح معاوية بن عمار و مرفوع سعد بن عبد اللّه و غيره مما تضمنه غير واحد من النصوص.

و ظاهر بعضها استحباب الدعاء عند الفراغ من التخلي، ففي خبر أبي بصير عن أحدهما (عليهم السلام) بعد ذكر الاستعاذة بالوجه المتقدم في مرفوع سعد: «و إذا فرغت فقل: الحمد للّه الذي عافاني من البلاء و أماط عني الأذى» (3) و في خبر أبي أسامة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في بيان السنة في دخول الخلاء: «قال: تذكر اللّه و تتعوذ باللّه من الشيطان الرجيم، فإذا فرغت قلت: الحمد للّه على ما أخرج مني من الأذى في يسر و عافية» (4).

و هناك أدعية أخرى في هذه الحالات و غيرها يضيق المقام عن استقصائها.

كما أن المنساق من الأدلة عدم خصوصية المكان المعد للخلاء في الأدعية المذكورة، بل تشرع عند التهيؤ للتخلي في مكانه و بعد مفارقة مكانه و إن لم يكن معدا لذلك.

(2) كما هو صرح به غير واحد، بل في المدارك أنه مشهور بين الأصحاب،

____________

(1) الوسائل باب: 5 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 10.

(2) الوسائل باب: 5 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 8.

(3) الوسائل باب: 5 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 2.

(4) الوسائل باب: 5 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

127

و الاستبراء (1)، و في الغنية الإجماع عليه.

و عللوه بالفرق بينه و بين السجدة الذي يستحب فيه العكس، و استحسنه في المعتبر مع اعترافه بعدم الحجة عليه.

و قال في الحدائق: «لكن الصدوق ذكره في الفقيه. و الظاهر أن مثله من أرباب النصوص لا يذكر ذلك إلا عن نص بلغه فيه».

و فيه: أنه لا مجال لاستظهار ذلك منه بعد تعليله له بما تقدم. ثمَّ إنه لو تمَّ ذلك فهل يختص بالبنيان مما يصدق فيه الدخول و الخروج أو يجري في غيره بالإضافة إلى موضع الجلوس؟ وجهان.

(1) كما صرح به غير واحد، و نسب إلى المشهور في المدارك و كشف اللثام و عن غيرهما.

و عقد في الاستبصار بابا في وجوبه، و به صرح في الغنية و الوسيلة، بل في الغنية دعوى الإجماع عليه.

و قد ذكر في الاستبصار في الباب المذكور صحيح محمد بن مسلم: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): رجل بال و لم يكن معه ماء قال: يعصر أصل ذكره إلى طرفه [رأس ذكره. نسخة من التهذيب‏] ثلاث عصرات، و ينتر طرفه، فان خرج بعد ذلك شي‏ء فليس من البول، و لكنه من الحبائل» (1) و صحيح حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في الرجل يبول. قال: ينتره ثلاثا، ثمَّ إن سال حتى يبلغ السوق فلا يبالي» (2).

لكن تفريع فائدة الاستبراء بعد ذكره في الصحيحين موجب لظهورهما في الإرشاد.

على أنه قد يستفاد عدم الوجوب من صحيح جميل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

____________

(1) الوسائل باب: 13 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 3.

(2) الوسائل باب: 31 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

128

«قال: إذا انقطعت درة البول فصب الماء» (1) و خبر روح بن عبد الرحيم قال:

«بال أبو عبد اللّه (عليه السلام) و أنا قائم على رأسه و معي أداوة، أو قال: كوز، فلما انقطع شخب البول قال بيده هكذا إلي، فناولته الماء، فتوضأ مكانه» (2).

بل من القريب حمل كلام من عرفت على الإرشاد، لبيان توقف جواز البناء على طهارة البلل المشتبه على الاستبراء، لا وجوبه تعبدا نفسيا، إذ هو لا يلائم ما تقدم من عدم وجوب أصل الاستنجاء، و لا مقدميا بلحاظ توقف صحة الاستنجاء و ترتب أثره عليه، لبعده جدا، بل بعض نصوص الاستبراء ظاهر في عدم الحكم بنجاسة المحل مع عدم الاستبراء إلا بخروج البلل المشتبه.

و كيف كان فالصحيحان المذكوران لا ينهضان بإثبات الاستحباب فضلا عن الوجوب، كما صرح به غير واحد.

نعم، عن الجعفريات بإسناده عن علي (عليه السلام): «قال: قال لنا رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله):

من بال فليضع إصبعه الوسطى في أصل العجان، ثمَّ يسلها ثلاثا» (3)، و نحوه عن نوادر الراوندي‏ (4)، و عن عوالي اللئالي عن داود: «إن رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) قال: إذا بال أحدكم فلينتر ذكره» (5).

هذا، و ظاهر الأصحاب تبعا للنصوص اختصاص استحباب الاستبراء بالرجل.

لكن قال سيدنا المصنف (قدّس سرّه): «و ما في المنتهى من أن الرجل و المرأة سواء، و البكر و الثيب سواء، غير ظاهر المراد و لا ظاهر المستند».

و يأتي في آخر الكلام في كيفية الاستبراء التعرض لاستبراء المرأة.

____________

(1) الوسائل باب: 31 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 31 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 4.

(3) مستدرك الوسائل باب: 10 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 2.

(4) مستدرك الوسائل باب: 10 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 3.

(5) مستدرك الوسائل باب: 10 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 5.

129

و أن يتكئ حال الجلوس على رجله اليسرى و يفرج اليمنى (1).

و يكره الجلوس في الشوارع (2)، (1) قال في الحدائق: «و منها الاعتماد على اليسرى ذكره جملة من الأصحاب (رضوان اللّه عليهم). و لم أقف فيه على نص، و أسنده في الذكرى إلى رواية عن النبي (صلى اللَّه عليه و آله). و قال العلامة في النهاية: لأنه (عليه السلام) علم أصحابه الاتكاء على اليسار. و هما أعلم بما قالا.» و عن مجمع الزوائد على الطبراني الكبير عن رجل من بنى مدلج عن أبيه قال: «جاء سراقة بن مالك بن جشعم من عند النبي (صلى اللَّه عليه و آله)، فقال: علمنا رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) كذا و كذا، فقال رجل كالمستهزئ: أما علمكم كيف تخرؤون. فقال:

بلى و الذي بعثه بالحق، لقد أمرنا أن نتوكأ على اليسرى، و أن ننصب اليمنى» (1).

(2) جمع شارع، و هو الطريق الأعظم، كما في الصحاح و لسان العرب و مجمع البحرين.

لكن في كشف اللثام: أنه الطريق النافذ. و يناسبه ما في الصحاح: «و شرع المنزل إذا كان بابه على طريق نافذ»، و في لسان العرب: «و شرع المنزل إذا كان على طريق نافذ،. يقال: شرعت الباب إلى الطريق أنفذته إليه» و في نهاية ابن الأثير:

«كانت الأبواب شارعة إلى المسجد، أي: مفتوحة إليه. يقال: شرعت الباب إلى الطريق أي: أنفذته إليه» و نحوه في القاموس.

بل يتعين الحمل على ذلك بلحاظ النصوص، ففي صحيح عاصم بن عبد الحميد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: قال رجل لعلي بن الحسين (عليه السلام): أين يتوضأ الغرباء؟ قال: تتقي شطوط الأنهار و الطرق النافذة، و تحت الأشجار المثمرة

____________

(1) هامش الحدائق 2: 68 عن مجمع الزوائد للهيثمي 1: 206.

130

و مواضع اللعن. فقيل له: و أين مواضع اللعن؟ قال: أبواب الدور» (1)، و في حديث المناهي: «نهى رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) أن يبول أحد تحت شجرة مثمرة أو على قارعة الطريق» (2)، و في حديث الأربعمائة عن أمير المؤمنين (عليه السلام): «قال: لا تبل على المحجة، و لا تتغوط عليها» (3)، و المحجة جادة الطريق، كما في الصحاح و مجمع البحرين، و في لسان العرب «المحجة الطريق، و قيل: جادة الطريق. و قيل: محجة الطريق سننه» و الجادة معظم الطريق، كما في الصحاح، أو مسلكه و ما وضح منه، كما في لسان العرب.

فان المتحصل بعد النظر في النصوص و كلمات اللغويين أن موضوع الحكم هو مطلق الطريق النافذ.

ثمَّ إنه صرح بالكراهة جمع من الأصحاب، بل هو المشهورة شهرة عظيمة كادت تكون إجماعا، بل هي كذلك، كما في الجواهر، و في الغنية دعوى الإجماع عليه.

و لم يعرف الخلاف فيه إلا ما في المقنعة و الهداية، قال في الهداية: «و لا يجوز التغوط على شطوط الأنهار و الطرق النافذة و أبواب الدور و في‏ء النزال و تحت الأشجار المثمرة. و لا يجوز البول في حجور الهوام و لا في الماء الراكد. و لا يجوز أن يطمح الرجل ببوله في الهواء.» و قال في المقنعة: «و لا يجوز التغوط على شطوط الأنهار، لأنها موارد الناس للشرب و الطهارة، و لا يجوز أن يفعل فيها ما يتأذون به. و لا يجوز التغوط على جواد الطرق، و لا في أفنية الدور، لا يجوز تحت الأشجار المثمرة و لا في المواضع التي ينزلها المسافرون و لا في أفنية البيوت، و لا يجوز في مجاري المياه و لا في الماء الراكد».

لكن سياق كلامهما يأبى الحمل على الحرمة، لبعد ذهابهما إلى حرمة جميع الأمور المذكورة في كلامهما.

و كيف كان فلا مجال له بعد الشهرة المذكورة على الكراهة، و قيام السيرة

____________

(1) الوسائل باب: 15 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 15 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 10.

(3) الوسائل باب: 15 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 12.

131

و المشارع (1)، عليه، إذ لا يحتمل اختفاء مثل ذلك على الأصحاب بعد كثرة الابتلاء به، خصوصا في العصور السابقة.

نعم، لو كان مانعا للناس من المرور لم يبعد حرمته، لما فيه من الإضرار بالمسلمين، و قرب حمل الكلام الأصحاب و المتيقن من السيرة على غيره. و عن ابن أبي عميرفي الصحيح‏و غيره عن إبراهيم بن أبي زياد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

«قال: قال رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله): ثلاث من فعلهن ملعون: المتغوط في ظل النزال و المانع الماء المنتاب و ساد الطريق المسلوك» (1) و في مرسل الصدوق: «من سد طريقا بتر اللّه عمره» (2). فلاحظ.

كما أنه لو كان الطريق غير نافذ، بل كان خاصا، فبناء على كونه ملكا لأربابه لا يجوز التخلي فيه بغير إذنهم، كما صرح به بعضهم. و إن كان قد تنافيه السيرة.

فتأمل.

(1) جمع مشرعة، و هي مورد الشاربة، كما في القاموس، أو طريق الماء للواردة، كما في مجمع البحرين. و هي كالشوارع في الأقوال المتقدمة.

نعم، المذكور في النصوص شطوط الأنهار، كما في صحيح عاصم المتقدم و غيره من النصوص الكثيرة. و بها عبر في الهداية و المقنعة فيما تقدم. و شفير نهر أو شفير بئر أو بئر يستعذب ماؤها، كما في موثق السكوني عن الصادق (عليه السلام) عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام): «قال: نهى رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) أن يتغوط على شفير بئر ماء يستعذب منها، أو نهر يستعذب أو تحت شجرة فيها ثمرتها» (3) و نحوه خبر الحصين بن مخارق‏ (4).

و مقتضى إطلاقها عموم الكراهة لغير المشرعة إلا أن يقيد بها بمناسبة ظهور كون الحكم للإرفاق بالناس الواردين من الماء. لكنه لا يناسب ما عن كتاب‏

____________

(1) الوسائل باب: 15 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 4.

(2) الوسائل باب: 15 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 5.

(3) الوسائل باب: 15 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 3.

(4) الوسائل باب: 15 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 6.

132

و مساقط الثمار (1) العلل لمحمد بن علي القمي: «و العلة في ذلك أن في الأنهار سكانا من الملائكة» (1).

هذا، و لو فرض منع الناس من الورود، لضيق الطريق أو نحوه، لم يبعد الحرمة، كما تقدم في الشوارع. فتأمل.

(1) كما في مرسلتي علي بن إبراهيم و الاحتجاج في جواب الكاظم (عليه السلام) لأبي حنيفة (2). و نحوها مرسلة المسعودي. (3) و في الشرائع ذكر التخلي تحت الأشجار المثمرة، و به عبر أكثر الأصحاب، كما في الجواهر. و يقتضيه النصوص الكثيرة، منها ما تقدم من صحيح عاصم و موثق السكوني و حديث المناهي و خبر الحصين.

و هو أعم، لشموله لما إذا كانت ثمرة الشجرة مما يقطف و لا يسقط تحتها، و هو المناسب للتعليل في خبر حبيب السجستاني عن أبي جعفر (عليه السلام): «قال: إنما نهى رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) أن يضرب أحد من المسلمين خلا [خلاه. خ. ل‏] تحت شجرة أو نخلة قد أثمرت لمكان الملائكة الموكلين بها. قال: و لذلك يكون الشجر و النخل آنسا إذا كان فيه حمله، لأن الملائكة تحضره» (4).

ثمَّ إن هذه النصوص ظاهرة في اعتبار فعلية الأثمار، و به أفتى جماعة من المتأخرين، كما في الجواهر.

لكن في جامع المقاصد: «و الظاهر أنه لا يراد بها ذات الثمرة بالفعل، بل ما من شأنها ذلك، كما في شاة لبون، على ما صرحوا به و لأن المشتق لا يشترط في صدقه بقاء أصله و لأن ذلك موجب لبقاء النفرة في ثمرتها».

____________

(1) مستدرك الوسائل باب: 12 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 4.

(2) الوسائل باب: 15 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 2، 7.

(3) مستدرك الوسائل باب: 12 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 6.

(4) الوسائل باب: 15 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 8.

133

و الكل كما ترى! فان اللبون صفة مشبهة دالة على الثبوت يراد بها تعيين الصنف، فلا وجه للقياس عليها، و المشتق ليس حقيقة إلا في المتلبس بالمبدإ على التحقيق، بل غاية ما قيل انه يعم ما انقضى عنه المبدأ لا مطلق ما من شأنه الاتصاف به.

على أنه قد تضمن موثق السكوني المتقدم و غيره التقييد بأن فيها ثمرتها، و في بعض النصوص: «تحت شجرة أو نخلة قد أثمرت» (1) و في آخر: «تحت شجرة مثمرة قد أينعت أو نخلة قد أينعت، يعني: أثمرت» (2)، و هي كالصريحة في اعتبار فعلية الأثمار، و هو المناسب للتعليل المتقدم في خبر السجستاني.

و بقاء النفرةلو تمَ‏استحسان لا ينهض بإثبات الحكم الشرعي.

نعم قد يستدل على العموم بما ورد في جواب الكاظم (عليه السلام) لأبي حنيفة، إذ لا يراد بمساقط الثمار إلا محل سقوطها، الذي لا يراد به فعلية السقوط، بل شأنيته، فيشمل ما إذا لم تكن الثمرة موجودة بالفعل.

اللهم إلا أن يحمل على صورة وجودها بقرينة النصوص الأخرى، لأن ظهور تلك النصوص الكثيرة في الاختصاص‏و إن كان بمفهوم الوصف‏أقوى من ظهوره في الإطلاق بالنحو المذكور. فلاحظ.

ثمَّ إن ما تقدم في الشوارع من نسبة القول بالحرمة للهداية و المقنعة جار هنا.

و قد عبر بعدم الجواز هنا في الفقيه أيضا و ظهر حاله مما تقدم فان تسالم الأصحاب على الكراهة في مثل ذلك مع كونه موردا للابتلاء مما يمنع من البناء على الحرمة، بل قد يلزم بحمل كلامهم على الكراهة كما هو المناسب لقرينة السياق في كلامي الهداية و المقنعة.

كما أنه لو فرض كون الشجرة مملوكة و كان التخلي تحتها مزاحما لمالكها فقد يتجه البناء على الحرمة مع عدم رضاه. بل لا ينبغي الإشكال فيه لو كان مالكا للأرض، كما صرح به في جامع المقاصد.

____________

(1) الوسائل باب: 15 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 9.

(2) الوسائل باب: 15 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 11.

134

و مواضع اللعن (1)، كأبواب الدور و نحوها من المواضع التي يكون المتخلي فيها عرضة للعن الناس (2)، و المواضع المعدة لنزول القوافل (3).

(1) كما في المقنع و النهاية و اشارة السبق و الوسيلة و الشرائع و القواعد، و في الجواهر أنه المشهور. و يقتضيه صحيح عاصم المتقدم في الشوارع.

(2) كما هو مقتضى إطلاق مواضع اللعن في مثل النهاية و اشارة السبق و الوسيلة و الشرائع و القواعد. لكن فسرها في المقنع بأبواب الدور، كما هو الحال في صحيح عاصم الذي هو الدليل في المقام.

و لعله لذا اقتصر فيما تقدم من الهداية على ذكر أبواب الدور، و في المقنعة على ذكر أفنيتها، من دون ذكر لمواضع اللعن.

و احتمل في الجواهر حمل الصحيح على التمثيل، و لا يناسبه التركيب، إلا أن يستفاد من ذكر اللعن، لإشعاره بأن منشأ الكراهة تجنب اللعن المقتضي لعدم خصوصية أبواب الدور، و إلا كان الأنسب ذكرها رأسا.

و أما ما في جامع المقاصد من قوله بعد تعرضه لمفاد الصحيح: «و قيل:

مجمع المنادي لتعرضه للعنهم».

فهو خروج عن الإطلاق أيضا. إلا أن يراد به التمثيل.

و كيف كان، فظاهر الأصحاب التسالم على الكراهة، كما يشهد به عدم تعرض بعضهم لذلك أصلا.

و ما تقدم في الشوارع من الهداية و المقنعة قد عرفت استبعاد حمله على الحرمة. بل لعل الصحيح مشعر بعدم الحرمة، لإشعاره بأن منشأ الترك تجنب اللعن و إن لم يكن بحق، لا منافاة حق صاحب الدار.

نعم، لا يبعد اختصاصه بما إذا لم يكن مزاحما لصاحب الدار بنحو يمنعه من الخروج أو يحصل له الأذى بسببه. فلاحظ.

(3) كما تقدم من المقنعة، و ذكره في الشرائع.

135

و يدل عليه مرسلتا علي بن إبراهيم و المسعودي الواردتان في جواب الكاظم (عليه السلام) لأبي حنيفة المتقدم إليهما الإشارة في مساقط الثمار.

و عبر جماعة كثيرة بفي‏ء النزال، كما في الهداية و النهاية و إشارة السبق و المراسم و الوسيلة و القواعد. و يدل عليه خبر الكرخي المتقدم في الشوارع، و ما في علل القمي‏ (1).

و عبر بعدم الجواز في الفقيه و فيما تقدم من الهداية و المقنعة.

و يقرب حمل ما في الأخيرين على الكراهة، لنظير ما تقدم في الشوارع، بل هي المتعينة بلحاظ تسالم الأصحاب، كما تقدم نظيره.

هذا و قد ذكرت في النصوص و كلماتهم مواضع اخرى يكره التخلي فيها.

الأول‏: مواضع التأذي، كما في النهاية و الغنية و الوسيلة و القواعد، و عن غيرها.

و لم أعثر على نص به. إلا أن يستفاد من كثير من المكروهات المذكورة في النصوص، كمنازل النزال و شطوط الأنهار و جواد الطرق و غيرها. بدعوى: فهم عدم الخصوصية لها. و لعله لذا جعله في الغنية موضوع الكراهة، و جعل الأمور المذكورة أمثلة له.

و لا بأس به بلحاظ قاعدة التسامح، و إلا فهو خلاف ظاهر ما ورد في جواب الكاظم (عليه السلام) لأبي حنيفة، للتصريح فيه بعد بيان المواضع الخاصة بأن له أن يضع حيث شاء، بل هو خلاف ظاهر مثل صحيح عاصم، لظهوره في التحديد بقرينة السؤال.

الثاني و الثالث‏: قبلة المساجد و أفنيتها، و لم أعثر على من ذكرهما، و إنما هما مذكوران في مرسل المسعودي المتضمن لجواب الكاظم (عليه السلام) لأبي حنيفة المتقدمة إليه الإشارة في مساقط الثمار.

كما ذكر الثالث في مرسل علي بن إبراهيم‏ (2) المتضمن لذلك، و فيما عن‏

____________

(1) مستدرك الوسائل باب: 12 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 4.

(2) الوسائل باب: 15 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 2.

136

و استقبال قرص (1) الشمس أو القمر (2) كتاب العلل للقمي مع تحديد الفناء فيه بأربعين ذراعا في أربعين‏ (1).

الرابع‏: أفنية الدور، المذكورة في كلام المقنعة المتقدم، و في النهاية و الغنية و الوسيلة.

و لم أعثر على نص به، و إنما جعله في الغنية من أمثلة مواضع التأذي، فيبتني على ما تقدم فيها. إلا أن يستفاد مما ورد في أبواب الدور.

لكنه لا يخلو عن إشكال: لأنه أوسع ظاهرا، لأن الفناء ما اتسع أمام الدار.

و منه يظهر الحال في فناء البيوت الذي تقدم من المقنعة أيضا.

الخامس‏: الأفنية من غير تقييد، و هو مذكور في القواعد. و يشمل فناء السوق و غيره.

و لا دليل عليه، إلا أن يدخل في مواضع التأذي فيبتني على ما تقدم فيها.

السادس‏: الحمّام. فعن جامع الأخبار عن النبي (صلى اللَّه عليه و آله) عدّه مما يورث الفقر (2).

السابع‏: التخلي على القبر، أو بين القبور. ففي صحيح محمد بن مسلم الآتي في البول قائما أن الأول معرض لاصابة الشيطان، و في خبري إبراهيم و محمد أن الثاني يتخوف منه الجنون‏ (3). و إطلاقها يشمل قبر غير المؤمن، فلا وجه لما في العروة الوثقى من التخصيص بالمؤمن.

نعم، لو كان منشأ الحكم احترام صاحب القبر فقد يتجه استحباب تركه. كما قد يتجه ما ذكره فيها من التحريم لو استوجب هتكه.

(1) كما هو صريح الروضة و المدارك و ظاهر اللمعة و عن المقنعة و الذكرى و الروض و غيرها. لأنه الظاهر من عنوان الشمس و القمر.

____________

(1) مستدرك الوسائل باب: 12 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 4.

(2) مستدرك الوسائل باب: 29 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 7.

(3) الوسائل باب: 16 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 2.

137

و لا مجال للتعدي للجهة، لأنه إن رجع إلى دعوى أنها هي المراد منهما فلا قرينة عليه بعد مخالفته الظاهر.

و إن رجع إلى دعوى سعة مفهوم الاستقبال، فهي ممنوعة، و تمام الكلام في مبحث القبلة من الصلاة.

كما لا مجال للحمل على الشعاع، لعدم الريب في مجازيته و مخالفته للظاهر، بل هو مما يقطع بعدم كراهته، لغلبة الابتلاء به.

(2) كما صرح به غير واحد، بل في الجواهر: «هو المشهور بين الأصحاب، بل لا أعلم فيه خلافا بين المتأخرين».

و كأنه يشير إلى ما في الهداية و عن المقنعة من التعبير بعدم الجواز الذي لا يبعد حمله على الكراهة، لعين ما تقدم في التخلي في الشوارع. و كيف كان فيدل على الكراهة النصوص الكثيرة، ففي موثق السكوني عن جعفر عن أبيه عن آبائه (عليهم السلام): «قال: نهى رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) أن يستقبل الرجل الشمس و القمر بفرجه و هو يبول» (1)، و في حديث المناهي: «و نهى أن يبول الرجل و فرجه باد للشمس و القمر» (2)، و في صحيح الكاهلي: «لا يبولن أحدكم و فرجه باد للقمر يستقبل به» (3) و نحوه ما عن الجعفريات‏ (4)، و في مرسل الكليني: «لا تستقبل الشمس و لا القمر» (5)، و في مرسل الصدوق: «لا تستقبل الهلال و لا تستدبره. يعني: في التخلي» (6)، و غيرها.

و ظاهر إطلاق غير واحد عموم الكراهة للبول و الغائط معا. بل هو صريح الوسيلة و محكي المقنعة و المبسوط و الدروس.

____________

(1) الوسائل باب: 25 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 25 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 4.

(3) الوسائل باب: 25 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 2.

(4) مستدرك الوسائل باب: 20 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

(5) الوسائل باب: 25 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 5.

(6) الوسائل باب: 25 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 3.

138

و عن الاقتصاد و الجمل و المصباح و مختصره التخصيص بالبول. و هو مقتضى الجمود على صحيح الكاهلي، و موثق السكوني، و حديث المناهي، و خبر الجعفريات، و حيث كان باقي النصوص ضعيف السند كان التعميم للغائط مبنيا على قاعدة التسامح.

كما أنه اقتصر في الهداية على ذكر الهلال، دون الشمس [1] و القمر. و كأنه اقتصار منه على المرسل المتقدم. و لا وجه له.

هذا، و قد صرح فيها بإلحاق الاستدبار بالاستقبال. و لعله ظاهر الفقيه لذكره المرسل المتقدم الذي هو العمدة فيه، و عن الذكرى و الروض احتماله، للمساواة في الاحترام.

لكنه‏كما ترى‏غير ظاهر لا من حيث الصغرى و لا الكبرى. فالعمدة المرسل. و قد يستفاد مما عن علل القمي [2]، حيث يستفاد منه النهي عن الاستقبال بالدبر.

و كأن ندرة المرسل مع ظهور سكوت النصوص الأخرى الكثيرة عنه في عدم كراهته هو الذي أوجب إعراض الأصحاب عن مضمونه، مع ما عرف منهم من التسامح في أدلة السنن.

بل صرّح في المدارك و كشف اللثام و محكي نهاية الأحكام و الذخيرة بعدم كراهته، بل عن الفخر في شرح الإرشاد الإجماع على ذلك. و إلا فمن البعيد عدم اطلاعهم على المرسل، و إن كان قد يناسبه التعليل في المدارك بعدم المقتضي.

و أما ما في كشف اللثام من احتمال حمله كعبارة الهداية على الاستقبال حين البول و الاستدبار حين الغائط.

فلا يناسب لسان المرسل جدا، كما لا يناسب عبارة الهداية، حيث قال:

____________

[1] هذا هو الموجود في المطبوعتين من الهداية. و حكى عنه في مفتاح الكرامة ذكر الشمس على اضطراب في نقله.

[2] قال: «و لا يستقبل الشمس و القمر، لأنهما آيتان من آيات اللّه. و علة اخرى: ان فيها نورا مركبا فلا يجوز ان يستقبل بقبل و لا دبر.» مستدرك الوسائل باب: 20 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 3.

139

بفرجه (1)، «و لا يجوز أن يجلس للبول و الغائط مستقبل القبلة و لا مستدبرها، و لا مستقبل الهلال و لا مستدبره».

و كيف كان فلا بأس بالعمل بالمرسل، لقاعدة التسامح. و سكوت النصوص عن مضمونه قد يكون لخفة الكراهة.

نعم، هو مختص بالهلال و التعدي للشمس و القمر إما أن يكون لاحتمال الإلحاق، أو لاستفادته مما تقدم عن علل القمي.

ثمَّ إن مورد النصوص الاستقبال حال التغوط و التبول. و هو ظاهر الأصحاب، و ربما ينزل عليه ما تقدم من الهداية من إطلاق النهي حال الجلوس لهما، و إن كان شاملا لفظا لحال التهيؤ لهما.

إلا أن يستفاد العموم من التعليل بما يناسب التكريم فيما تقدم عن علل القمي. و لعله منصرف بقية النصوص.

(1) كما في الشرائع و القواعد و الروضة و جملة من كتب العلامة.

و يقتضيه التنصيص عليه في أكثر نصوص المقام، و منها الصحيح و الموثق اللذان هما عمدتها، و به يخرج عن إطلاق الاستقبال في مرسلي الكليني و الصدوق، الظاهر في الاستقبال بمقاديم البدن، كما تقدم في استقبال القبلة.

و أما ما في مرسل عوالي اللئالي عن فخر المحققين: «لا تستقبلوا الشمس و القمر ببول أو غائط» (1)، فيتعين تنزيله على الاستقبال حالهمانظير ما تقدم في استقبال القبلةأو على الاستقبال بالفرج لملازمته لذلك في الجملة.

و ربما يحمل على ما ذكرنا إطلاق الاستقبال في كلام جماعة، كالنهاية و الغنية و عن السرائر، و إن كان لا يناسبه ذكره في سياق استقبال القبلة. كما قد يحمل ما في كلام بعضهم‏كابن حمزةمن إطلاق الاستقبال بالبول و الغائط على‏

____________

(1) مستدرك الوسائل باب: 20 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 2.

140

و استقبال الريح بالبول (1)، ما تقدم في مرسل العوالي.

ثمَّ إن ظاهر الاستقبال بالفرج في النصوص و كلمات الأصحاب الاختصاص بالقبل، لانصراف الفرج إليه و لإمكان الاستقبال به في الجلوس المتعارف، دون الدبر.

و حمله على الفرجين معا بتنزيل الاستقبال بالدبر على الوضع غير المتعارف، أو على الاستقبال بالدبر في الوضع المتعارف بعيد.

نعم، عبر بالفرجين في محكي التذكرة. و قد يناسبه ما تقدم عن علل القمي.

و ربما يحمل الاستقبال بالدبر فيهما على ما يلازم الجلوس مستقبلا. فلاحظ.

ثمَّ إنه صرح في المسالك و كشف اللثام و المدارك و محكي المنتهى و نهاية الأحكام و غيرها بارتفاع الكراهة بوجود الحائل من بناء أو غيم أو كف أو غيرها.

و عن العلامة تعليله: بأنه لو استتر عن القبلة بالانحراف جاز فهنا أولى.

و هو كما ترى! و عمدة الوجه فيه: اختصاص غير واحد من النصوص المتقدمة بالنهي عن بدو الفرج للشمس و القمر، الظاهر في عدم الحائل. و حمله على الكناية عن أصل الاستقبال خلاف ظاهره. كما أن ذلك هو المتيقن من الاستقبال في بقية النصوص إن لم يكن هو الظاهر منه.

و حمله في القبلة على التوجه إلى سمت الكعبة الشريفة و لو مع الحائل إنما هو لتعذر الحمل على خصوص صورة عدم الحائل، لندرة الابتلاء بها، فلا بد أن يراد منه ما أريد من الاستقبال في الصلاة، بخلاف المقام.

نعم، يحسن تجنب ذلك احتياطا لاحتمال العموم.

(1) كما مر في المقنعة و النهاية و الوسيلة و المراسم و الشرائع و القواعد و عن غيرها، بل في الغنية دعوى الإجماع على استحباب توقي ذلك.

و يقتضيه ما عن الخصال في حديث الأربعمائة الذي لا يخلو سنده عن اعتبار: «لا يبولن أحدكم في سطح في الهواء، و لا يبولن في ماء جار، فان فعل ذلك‏

141

فأصابه شي‏ء فلا يلومن إلا نفسه، و إذا بال أحدكم فلا يطمحن ببوله، و لا يستقبل ببوله الريح» (1) و في مرفوع محمد بن يحيى: «سئل أبو الحسن (عليه السلام) ما حد الغائط؟

قال: لا تستقبل القبلة و لا تستدبرها و لا تستقبل الريح و لا تستدبرها» (2) و نحوه مرفوع عبد الحميد بن أبي العلاء و غيره‏ (3).

و مقتضى الأخيرين عموم الحكم لحال التغوط، إما لاختصاصهما به، أو لأن المراد السؤال عن الخلوة الشامل للأمرين.

و هو ظاهر اللمعة و محكي الدروس و الذكرى و البيان.

و نزله في مفتاح الكرامة على إرادة الاستقبال حال البتول و الاستدبار حال التغوط، و هو غير ظاهر. بل ظاهر اللمعة استقبال المتخلي في الحالين.

كما أن مقتضى المرفوعين إلحاق الاستدبار بالاستقبال في كلا الحدثين، كما ذكره في المدارك. و من ثمَّ صرح بعموم الكراهة في الروضة، و هو ظاهر محكي الذخيرة، بل هو ظاهر الكافي و المقنع و الفقيه و المعتبر، لذكر مرفوع محمد بن يحيى فيها في بيان الآداب، بل قد يستظهر لأجل ذلك من التهذيب، حيث ذكر مرفوع عبد الحميد، و إن كان في مقام الاستدلال على كراهة الاستقبال بالبول.

و منه يظهر أنه لا مجال لما في الجواهر من استظهار إعراض الأصحاب عن المرفوعين.

و لعل ترك غير من ذكرنا لمضمونهما لعدم كونهم في مقام استيفاء المكروهات، و لو لبنائهم على خفة الكراهة فيه، أو لدعوى لزوم رفع اليد عنهما، لاختصاص علة الحكم المذكورة في كلام بعضهم كالمفيد في المقنعة.

و في بعض النصوص بالاستقبال بالبول، فعن علل القمي: «و لا يستقبل الريح لعلتين أحدهما: أن الريح ترد البول، فيصيب الثوب و ربما لم يعلم ذلك أو لم‏

____________

(1) الوسائل باب: 33 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 6.

(2) الوسائل باب: 2 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 2.

(3) الوسائل باب: 2 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 6.

142

يجد ما يغسله. و العلة الثانية: أن مع الريح ملكا فلا يستقبل بالعورة» (1)، حيث اقتصروا على العلة الاولى و أغفلوا العلة الثانية المناسبة للتعميم، لعدم الفرق بين الحدثين في تحقق استقبال الملك بالقبل عند الاستقبال و بالدبر عند الاستدبار، كما لا يخفى.

و بالجملة: ينبغي متابعة المرفوعين في التعميم، بضميمة قاعدة التسامح، لضعفهما.

هذا، و قد نسب في مفتاح الكرامة للهداية التعميم مع الظهور في التحريم، و لم أعثر على ما يقتضي ذلك. و إنما تعرض لعدم جواز التطميح بالبول، الذي حكم غير واحد بكراهة، و هو عبارة عن البول من مرتفع و إن لم يكن مستقبلا لمهب الهواء أو مستدبرا له، لأن التطميح بالشي‏ء رميه و رفعه في الهواء. و قد تضمنه أيضا غير واحد من النصوص، كرواية الخصال المتقدمة كصحيح مسمع عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): قال رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله): يكره للرجل، أو ينهى الرجل أن يطمح ببوله من السطح في الهواء» (2) و موثق السكوني عنه (عليه السلام): «نهى النبي (صلى اللَّه عليه و آله) أن يطمح الرجل ببوله من السطح و من الشي‏ء المرتفع» (3).

و يلزم حملها على الكراهة لنظير ما تقدم في كراهة البول في الشوارع.

نعم، لا يبعد اختصاصه بالمكان المنكشف، دون مثل البول في بالوعة الكنيف، و إن تحقق فيه ارتفاع محل البول عن محل سقوطه، لانصراف النصوص عنه، بل لا يبعد عدم صدق التطميح معه، كما قد يناسبه تعريفه بأنه رمي الشي‏ء في الهواء.

ثمَّ إنه قد تضمنت رواية الخصال بصدرها النهي عن البول في السطح في‏

____________

(1) البحار مجلد: 18 ص: 46 أبواب آداب الخلاء طبعة كمپاني.

(2) الوسائل باب: 33 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 8.

(3) الوسائل باب: 33 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

143

و البول في الأرض الصلبة (1)، الهواء، و هو غير التطميح، لظهوره في كون السطح مبالا حين هبوب الهواء. و كأنه مبني على رجحان الاحتياط و الحذر من إصابة البول للجسد أو غيره، الذي يتسبب عن وجود الهواء.

و لعل ذكر السطح فيه بلحاظ كونه معرضا له، لا لخصوصية فيه، فيكون مساوقا لما تضمن رجحان الحذر من البول باختيار المكان المرتفع أو الرخو الذي يغوص فيه البول، كما يأتي إن شاء اللّه تعالى.

(1) كما في النهاية و المراسم و إشارة السبق و الغنية و الوسيلة و الشرائع و القواعد و غيرها.

و يقتضيه صحيح ابن مسكان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: كان رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) أشد الناس توقيا للبول كان إذا أراد البول يعمد إلى مكان من الأمكنة يكون فيه التراب الكثير كراهية أن ينضح عليه البول» (1) و مرسل سليمان الجعفري: «بت مع الرضا (عليه السلام) في سفح جبل فلما كان آخر الليل قام فتنحى و صار على موضع مرتفع فبال و توضأ. و قال: «من فقه الرجل أن يرتاد لموضع بوله.» و بسط سراويله و قام و صلى صلاة الليل» (2). و المستفاد منهما مرجوحية التعرض لاصابة البول و رجحان الحذر من ذلك من دون خصوصية للأرض الصلبة.

هذا، و قد عبر من عرفت بالكراهة أو النهي، و لعله إليه يرجع ما في موثق السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: قال رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله): من فقه الرجل أن يرتاد موضعا لبوله» (3).

و ما عن بعضهم من استحباب ارتياد موضع للبول، و إلا فظاهر الصحيح كراهة التعرض للبول.

____________

(1) الوسائل باب: 22 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 2.

(2) الوسائل باب: 23 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 3.

(3) الوسائل باب: 22 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

144

و في ثقوب الحيوان (1)، و في الماء (2)، نعم، مقتضى ارتكاز كون منشأ الحذر من البول الابتلاء بالأمور المذكورة- كما في الحائض‏أو للعلم بتحقق التطهير قبلها.

(1) كما في النهاية و الغنية و المراسم و إشارة السبق و الوسيلة و الشرائع و القواعد و غيرها، بل في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه، إلا ما ينقل عن ظاهر الهداية، لقوله: لا يجوز. مع احتماله ما عرفته غير مرة».

و كأنه لمرسل الديلمي: «قال الباقر لبعض أصحابه و قد أراد سفرا فقال له:

أوصني، فقال له: لا تسيرن سيرا و أنت حاف، و لا تنزلن عن دابتك ليلا الا و رجلاك في خف، و لا تبولن في نفق.» (1) و ما رواه العامة من نهي النبي (صلى اللَّه عليه و آله) عن البول في الجحر (2).

(2) كما في النهاية و الغنية و المراسم و الوسيلة و الشرائع و القواعد و غيرها، بل في كشف اللثام و عن الذخيرة أنه الأشهر.

و يقتضيه النصوص الكثيرة على اختلاف ألسنتها.

فبعضها تضمن إطلاق الكراهة في الماء، كمرسل حكم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قلت له: أ يبول الرجل في الماء؟ قال: نعم، و لكن يتخوف عليه الشيطان» (3) و عن جامع البزنطي عن الباقر (عليه السلام): «لا تبل في الماء» (4).

و بعضها مختص ببعض أقسامه، ففي مرسل مسمع عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

«قال: قال أمير المؤمنين (عليه السلام): أنه نهي أن يبول الرجل في الماء الجاري إلا من ضرورة. و قال: إن للماء أهلا» (5) و قريب منه ما في حديث الأربعمائة المتقدم في‏

____________

(1) مستدرك الوسائل باب: 29 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 10.

(2) عن سنن البيهقي 1: 99 و كنز العمال 5: 87.

(3) الوسائل باب: 24 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 2.

(4) مستدرك الوسائل باب: 19 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 7.

(5) الوسائل باب: 24 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 3.

145

استقبال الريح بالبول. و في صحيح الحلبي عنه (عليه السلام): «قال: لا تشرب و أنت قائم، و لا تطف بقبر، و لا تبل في ماء نقيع، فإنه من فعل ذلك فأصابه شي‏ء فلا يلومن إلا نفسه. و من فعل شيئا من ذلك لم يكد يفارقه إلا ما شاء اللّه» (1) و نحوه غيره و في حديث المناهي: «و نهى أن يبول أحد في الماء الراكد، فإنه يكون منه ذهاب العقل» (2)، و نحوه غيره.

نعم، في صحيح الفضيل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «لا بأس أن يبول الرجل في الماء الجاري، و كره أن يبول في الماء الراكد» (3) و في موثق ابن بكير عنه (عليه السلام) قال:

«لا بأس بالبول في الماء الجاري» (4) و نحوه غيره. و لعله لذا اقتصر على ذكر الراكد في الهداية و غيرها، بل يظهر مما تقدم أنه قول معروف للأصحاب.

لكن يتعين عرفا الجمع بين هذه النصوص و النصوص الواردة في الجاري بخفة الكراهة.

و ما في الجواهر من عدم الشاهد على ذلك و لا ينتقل إليه من اللفظ. غير ظاهر، لكونه نحوا من الجمع العرفي.

هذا، و في الجواهر: «ان ظواهر الأخبار اختصاص الحكم بالبول. و عن الأكثر إلحاق الغائط. و لعله للتعليل قيل: و لأنه أولى».

لكن التعليل تعبدي، فلا مجال لاستفادة مساواة الغائط للبول، فضلا عن أولويته منه.

و في جامع المقاصد: «و لا يبعد أن يقال: إن الماء المعد في بيوت الخلاء لأخذ النجاسة و اكتنافهاكما يوجد في الشام و ما جرى مجراها من البلاد الكثيرة الماءلا يكره قضاء الحاجة فيه.» و استشكله غير واحد بإطلاق النهي. و مجرد اعداد الناس أمرهم على ما هو المكروه لا يرفع كراهته.

____________

(1) الوسائل باب: 24 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 6.

(2) الوسائل باب: 24 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 5.

(3) الوسائل باب: 5 من أبواب الماء المطلق حديث: 1.

(4) الوسائل باب: 5 من أبواب الماء المطلق حديث: 3.

146

خصوصا الراكد (1)، و الأكل و الشرب حال الجلوس للتخلي (2)، (1) لما تقدم، و ما في الهداية من التعبير بعدم الجواز يظهر حاله مما تقدم في نظيره، خصوصا بعد كون النصوص الناهية بين ما هو ضعيف السند، و ظاهر في الكراهة، بقرينة التعليل أو السياق. فلاحظ.

(2) كما في إشارة السبق و الوسيلة و الشرائع و المعتبر و القواعد. قال في المعتبر: «لما يتضمن من الاستقذار الدال على مهانة النفس».

و هو كما ترى لا يطرد في تمام أفراد الأكل و الشرب. على أن في بلوغ ذلك حدا يوجب الكراهة الشرعية للأكل و الشرب بخصوصيتهما إشكالا أو منعا.

و قد استدل عليه أيضا بمرسل الصدوق: «دخل أبو جعفر الباقر (عليه السلام): الخلاء فوجد لقمة خبز في القذر، فأخذها و غسلها و دفعها إلى مملوك معه، فقال: تكون معك لآكلها إذا خرجت، فلما خرج (عليه السلام) قال للملوك: أين اللقمة؟ فقال: أكلتها يا بن رسول اللّه، فقال (عليه السلام): أنها ما استقرت في جوف أحد إلا وجبت له الجنة، فاذهب فأنت حر، فإني أكره أن استخدم رجلا من أهل الجنة» (1)، و قريب منه ما عن عيون الأخبار، و صحيفة الرضا (عليه السلام) بأسانيدهما عن الحسين (عليه السلام)(2).

بتقريب: أن تركهما (عليهما السلام) للمبادرة بأكل اللقمة في الخلإ مع اهتمامهما باستحبابه لا يكون إلا لكراهة الأكل فيه. و من ثمَّ قد يتجه الاستدلال بالفحوى كما في الجواهر، لأن الكراهة مع وجود جهة تقتضي الاستحباب تقتضي الكراهة بدونها بالأولوية.

و فيه‏مع اختصاصهما بالأكل‏أن مضمونهما قضية خارجية لا تصلح للاستدلال، لإمكان أن يكون تجنبهما لذلك لأجل أن نفسهما تعاف الأكل، أو لاعجال قضاء الحاجة لهما عنه، أو لطفا بالمملوك ليتوفق للثواب. و إلا فظاهر الخبرين أن وجدانهما (عليهما السلام) للقمة بمجرد دخولهما قبل الاشتغال بقضاء الحاجة،

____________

(1) الوسائل باب: 39 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 39 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 2.

147

و الكلام (1) بغير ذكر اللّه (2)، فلو كان الاستحباب مقتضيا لهذا النحو من التعجيل لكان المناسب المبادرة له خارج الخلاء قبل قضاء الحاجة.

ثمَّ إن المحكي عن المصباح و مختصره و المهذب و نهاية الأحكام و المنتهى تخصيص الكراهة بحال التخلي.

و وجهه غير ظاهر، فان الوجهين المتقدمين مناسبان للتعميم، كما هو ظاهر إطلاق من تقدم، بل قد يناسبان التعميم لحال الكون في الخلإ و إن لم يجلس.

فلاحظ.

(1) كما صرح به جماعة و حكي عن آخرين، بل في الجواهر: «لعله لا خلاف في الحكم بين الأصحاب، لتصريح كثير من القدماء و المتأخرين به سوى ما يظهر من الفقيه، حيث قال: لا يجوز. و لعل مراده الكراهة.» و يقتضيه صحيح صفوان عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام): «أنه قال: نهى رسول اللّه أن يجيب الرجل آخر و هو على الغائط أو يكلمه حتى يفرغ» (1) و خبر أبي بصير:

«قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): لا تتكلم على الخلاء، فان من تكلم على الخلاء لم تقض له حاجة» (2) و ما عن المحاسن و جامع الأخبار من قولهم (عليهم السلام): «ترك الكلام في الخلاء يزيد في الرزق» (3). و ظاهرهاخصوصا الأخيرين‏أن موضوع الكراهة هو الخلاء، لا خصوص حال خروج البول و الغائط.

(2) كما ذكره غير واحد. بل ظاهر غير واحد استحبابه. للنصوص الكثيرة المتضمنة حسن الذكر على كل حال، و منها صحيح محمد بن مسلم الآتي في حكاية الأذان، و معتبرة الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «لا بأس بذكر اللّه و أنت تبول، فان ذكر اللّه حسن على كل حال، فلا تسأم من ذكر اللّه» (4).

و أما ما في صحيح عمر بن يزيد: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن التسبيح في‏

____________

(1) الوسائل باب: 6 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 6 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 2.

(3) مستدرك الوسائل باب: 6 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 3.

(4) الوسائل باب: 7 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 2.

148

المخرج و قراءة القرآن. قال: لم يرخص في الكنيف في أكثر من آية الكرسي و يحمد اللّه و آية الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ‏». (1) و رواه الشيخ بطريق آخر هكذا: «و يحمد اللّه و آية».

فلا بد من حمل التحديد فيه على التحديد بالإضافة إلى القرآن، لا بالإضافة إلى الذكر، و إن وقع في السؤال أيضا، فعدم التعرض له لعدم الحد له، لا لعدم الترخيص فيه.

هذا و في النهاية و الوسيلة و عن المبسوط و غيره أنه يذكر اللّه فيما بينه و بين نفسه، و في إشارة السبق الذكر سرا. و كأنه لموثق سعدة بن صدقة عن الصادق (عليه السلام):

«قال: كان أبي يقول: إذا عطس أحدكم و هو على خلاء فليحمد اللّه في نفسه» (2).

و المرسل عنه (عليه السلام): «انه [كان يعمله‏] إذا دخل الكنيف يقنع رأسه و يقول سرا في نفسه: بسم اللّه و باللّه.» (3) بعد إلغاء خصوصية موردهما. بل ثبوت ذلك في مطلق الذكر الذي لا خصوصية له مقتضى الأولوية العرفية.

و الذي ينبغي أن يقال: إن أريد بذلك الكلام النفسي من دون نطق الذي لا يصدق عليه القول إلا مجازا فهو و إن كان محتملا من الخبرين بدوا، إلا أنه لا مجال له بلحاظ النصوص الكثيرة الواردة في الأدعية و الأذكار الخاصة بالخلاء (4) التي تقدم التعرض لبعضها و النصوص الآتية في حكاية الأذان، لأن حملها على المجاز مع خلوهاعلى كثرتهاعن القرينة عليه بعيد جدا. بل يتعين حمل الخبرين على الاسرار المقابل للاجهار، كما لعله ظاهر إشارة السبق.

نعم، لا ظهور للخبرين في كراهة الجهر، كما لا مجال للجمع بينهما و بين إطلاق أدلة استحباب الذكر بالتقييد، بل يتعين حملها على استحباب الإخفات بنحو تعدد المطلوب، على ما هو المتبع في الجمع بين المطلق و المقيد في الأحكام غير الإلزامية.

____________

(1) الوسائل باب: 7 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 7.

(2) الوسائل باب: 7 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 9.

(3) الوسائل باب: 3 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 2.

(4) راجع الوسائل باب: 7 من أبواب أحكام الخلوة.

149

ثمَّ إنه قد استثني من الكلام أيضا أمور.

الأول‏: قراءة آية الكرسي. فقد استثناها من عموم كراهة الكلام في الشرائع و القواعد، و في الجواهر: «صرح به كثير من المتأخرين». و استدل عليه فيها و غيرها بصحيح عمر بن يزيد المتقدم. لكنه إنما يقتضي استثناءه من كراهة قراءة القرآن التي هي مقتضى الجمع بين الصحيح المذكور و صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «سألته أ تقرأ النفساء و الحائض و الجنب و الرجل يتغوط القرآن؟ قال:

يقرؤون ما شاءوا» (1) كما جرى عليه في النهاية و الوسيلة. و لا ينافي كراهة من حيثية كونه كلاما.

اللهم إلا أن يقال: صحيح صفوان مختص بالكلام مع الغير، و لا يشمل القرآن، و إطلاق الكلام في غيره منصرف عنه. فتأمل.

هذا، و في الوسيلة استثنى قراءة آية الكرسي فيما بينه و بين نفسه، و قال:

«لئلا يفوته شرف فضلها». و لا وجه له إلا دعوى استفادته من موثق مسعدة و المرسل المتقدم بالإلحاق أو إلغاء الخصوصية، و كلاهما غير ظاهر.

الثاني‏: حكاية الأذان، كما صرح به غير واحد، و في الجواهر أنه المشهور، بل في النهاية أنه مستحب. لصحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام):

«يا محمد بن مسلم لا تدعن ذكر اللّه على كل حال، و لو سمعت المنادي ينادي بالأذان و أنت على الخلاء فاذكر اللّه عز و جل و قل كما يقول المؤذن» (2)، و نحوه خبر أبى بصير (3)، و في خبر سليمان بن مقبل: «قلت لأبي الحسن موسى بن جعفر (عليهم السلام): لأي علة يستحب للإنسان إذا سمع الأذان أن يقول كما يقول المؤذن و إن كان على البول و الغائط؟ فقال: لأن ذلك يزيد في الرزق» (4). و قريب منه غيره. و في النهاية و الوسيلة و عن المهذب أنه يحكيه في نفسه.

و الكلام فيه كما في سابقة.

هذا، و عن الروض تخصيصه بالفصول المتضمنة للذكر، دون الحيعلات، إلا أن تبدل بالحولقة، و كأن وجهه ظهور نصوص حكاية الأذان في المقام و غيره بأنه‏

____________

(1) الوسائل باب: 7 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 8.

(2) الوسائل باب: 8 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

(3) الوسائل باب: 8 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 2.

(4) الوسائل باب: 8 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 3.

150

من صغريات حسن الذكر على كل حال.

و يشكل‏مع قرب حمل ذلك على الحكمة، لعدم التنبيه في نصوص الحكاية على الاختصاص‏بأن بعض النصوص خال عن ذلك ظاهر في الإطلاق، كخبر سليمان المتقدم، و صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام):

«قال: كان رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) إذا سمع المؤذن يؤذن قال مثل ما يقول في كل شي‏ء» (1).

نعم، وردت في كتبنا (2) و كتب العامة (3) بعض الأخبار الضعيفة المشتملة على ابدال الحيعلات بالحولقة، كما وردت نصوص أخرى في متابعة المؤذن بوجه آخر، فلا بأس بالعمل بأي منها، و إن كانت حكاية الحيعلات أولى من إبدالها بالحولقة، لأقوائية نصوصها.

الثالث‏: أن تدعوه إلى الكلام الضرورة، كما في النهاية و الوسيلة. و استدل عليه في الجواهر برفع الحرج.

و هو كما ترى. إذ لو كان المراد بالضرورة العرفية المساوقة للحرج فعموم رفع الحرج لا ينهض برفع الأحكام غير الإلزامية، لعدم لزوم الحرج منها.

و إن أريد بها الضرورة العقلية كان الاولى الاستدلال باستحالة طلب ما لا يطاق.

و أما ما في القواعد من الاكتفاء بالحاجة المضر فوتها فهو إنما يتم لو أريد منه الضرر الذي يحرم الوقوع فيه أو يكره كراهة مساوية لكراهة الكلام أو أهم منها.

و أشكل من ذلك ما في المراسم من إطلاق استثناء الحاجة، بل قد تأباه نصوص كراهة الكلام.

الرابع‏: التحميد بعد العطاس، كما في الجواهر، بل هو مستحب، لموثق مسعدة المتقدم، و إطلاقات الذكر المتقدمة الكاشفة عن عدم كراهته من جهة الكلام، فلا مانع من الرجوع إلى إطلاقات استحبابه.

____________

(1) الوسائل باب: 45 من أبواب الأذان و الإقامة حديث: 1.

(2) راجع مستدرك الوسائل باب: 34 من أبواب الأذان و الإقامة.

(3) حكي عن صحيح مسلم 4: 85، و سنن النسائي 2: 25.

151

إلى غير ذلك مما ذكره العلماء (رضوان اللّه عليهم) (1).

و مثله في ذلك تسميت العاطس. إلا أن يستشكل في عموم الذكر لمثل الدعاء. المخاطب به الغير، مثل قول: يرحمك اللّه، بل مطلق الدعاء غير المخاطب به اللّه تعالى، مثل: رحم اللّه زيدا. فتأمل.

الخامس‏: الصلاة على النبي (صلى اللَّه عليه و آله) عند سماع ذكره، كما في المقنعة. و العمدة فيه دخولها في الذكر، فيجري فيها ما تقدم في سابقها.

(1) و هي أمور لا بأس بالإشارة إليها و إلى دليلها باختصار.

الأول‏: البول قائما، كما ذكره غير واحد، ففي صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): «قال: من تخلى على قبر أو بال قائما، أو بال في ماء قائما أو مشى في حذاء واحد، أو شرب قائما، أو خلا في بيت وحده، أو بات على غمر، فأصابه شي‏ء من الشيطان لم يدعه إلا أن يشاء اللّه، و أسرع ما يكون الشيطان إلى الإنسان، و هو على بعض هذه الحالات» (1).

و مما تقدم من كراهة البول في الماء يظهر تأكد الكراهة في البول قائما في الماء، الذي ذكر في الصحيح أيضا.

و ما في الهداية من عدم جواز البول قائما من غير علة محمول على الكراهة، لما سبق في نظائره، و لا سيما مع تعليله فيها بأنه من الجفاء.

و عن نهاية الأحكام زوال الكراهة في الحمام. و كأنه يريد حال الاطلاء الذي حكاه في مفتاح الكرامة عن بعض الناس. لصحيح ابن أبي عمير عن رجل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «سألته عن الرجل يطلي فيبول و هو قائم قال: لا بأس به» (2).

بل ظاهر الوسائل كراهة الجلوس حينه، لما عن الصدوق: «روي أن من جلس و هو متنور خيف عليه الفتق» (3).

بل قد يستفاد من موثق السكوني الآتي ارتفاع الكراهة بمطلق العلة. فتأمل.

____________

(1) الوسائل باب: 16 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 37 من أبواب آداب الحمام حديث: 1.

(3) الوسائل باب: 37 من أبواب آداب الحمام حديث: 2.

152

الثاني‏: السواك، كما ذكره غير واحد. لما في مرسل الصدوق عن الكاظم (عليه السلام): «أكل الأشنان يذيب البدن، و التدلك بالخزف يبلي الجسد، و السواك في الخلإ يورث البخر» (1).

الثالث‏: الاستنجاء باليمين‏كما ذكره غير واحد، و في الجواهر: «بلا خلاف أجده فيه سوى ما في المقنعة و المهذب و عن النهاية من أنه لا يجوز»- ففي موثق السكوني عن جعفر بن محمد عن آبائه عن علي (عليهم السلام) عن النبي (صلى اللَّه عليه و آله): «قال: البول قائما من غير علة من الجفاء، و الاستنجاء باليمين من الجفاء» (2)، و في مرسل يونس عنه (عليه السلام): «قال: نهى رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) أن يستنجي الرجل بيمينه» (3).

و يلزم حمله على الكراهة، لا لضعف سنده، لما تقدم في تحديد الكر من حجية مراسيل يونس، بل لظهور مفروغية الأصحاب عن الجواز، بنحو لا يبعد لأجله حمل عدم الجواز في الهداية و النهاية و عن المقنعة و عن المهذب على الكراهة. مضافا إلى ما تقدم في نظائره.

و في مرسلتي الكليني و الصدوق‏ (4) ارتفاع الكراهة إذا كانت باليسار علة.

و ينبغي أن يلحق بالاستنجاء الاستبراء، لما يأتي من كراهة مس الذكر باليمين. و لما ورد في روايات العامة عن النبي (صلى اللَّه عليه و آله) من أن يده اليمنى كانت لطعامه و طهوره و يده اليسرى للاستنجاء.

الرابع‏: أن يمس ذكره بيمينه. لمرسل الصدوق: «قال أبو جعفر (عليه السلام): إذا بال الرجل فلا يمس ذكره بيمينه» (5).

و لا يبعد إلغاء خصوصية البول، و أن ذكره لأنه مظنة المس، فيكره المس و لو في غير حال الخلوة.

الخامس‏: أن يكون في يده التي يستنجي بها خاتم عليه اسم اللّه تعالى، كما صرح به جماعة كثيرة. لجملة من النصوص، كخبر الحسين عن أبي الحسين الثاني (عليه السلام): «قلت له: إنا روينا في الحديث أن رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) كان يستنجي و خاتمة

____________

(1) الوسائل باب: 21 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 12 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 7.

(3) الوسائل باب: 12 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

(4) الوسائل باب: 12 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 2.

(5) الوسائل باب: 12 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 5، 6.

153

في إصبعه، و كذلك كان يفعل أمير المؤمنين (عليه السلام) و كان نقش خاتم رسول اللّه «محمد رسول اللّه». قال: صدقوا. قلت: فينبغي لنا أن نفعل؟ قال: إن أولئك كانوا يتختمون في اليد اليمنى، و إنكم أنتم تتختمون في اليسرى» (1) و غيره مما هو كثير، بل لا يبعد استفاضتها بنحو يجبر ضعفها لو تمَّ في الكل.

نعم، لا ينبغي الإشكال في حملها على الكراهة بعد ظهور التسالم الأصحاب عليه.

و أما ما في خبر أبي البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: كان نقش خاتم أبي: «العزة للّه جميعا»، و كان في يساره يستنجي بها، و كان نقش خاتم أمير المؤمنين (عليه السلام): «الملك للّه»، و كان في يده اليسرى يستنجي بها» (2).

فلا مجال للتعويل عليه بعد ضعف أبي البختري جدا، و معارضة الخبر للنصوص المتقدمة و نصوص استحباب التختم باليمين. و لعل الأقرب حمله على التقية لو فرض صدقه، لأن أبا البختري عامي.

بقي في المقام أمور.

أولها: ألحق في المقنعة باسم اللّه تعالى خاص أسماء الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام) معللا بتعظيمهم (عليهم السلام).

و حمله الشيخ على الاسم المقصود به النبي و الامام، في مقابل المشترك الذي يقصد به غيرهما. و هو ظاهر إطلاق جمع إلحاق أسماء الأنبياء و الأئمة (عليهم السلام).

و زاد في جامع المقاصد اسم فاطمة (عليها السلام)، و هو ظاهر ما في الوسيلة من إطلاق الاسم المعظم. و لا وجه له الا التعظيم، الذي هو مستحب لا مكروه الترك.

نعم، لو بلغ مرتبة الهتك حرم. و لا مجال لدعواه في المقام. و لعله لذا فرق في المقنع بين ما كان عليه اسم اللّه تعالى و ما كان عليه اسم محمد (صلى اللَّه عليه و آله)، و حكم بعدم البأس بعدم تحويل الثاني. و ربما يكون مستنده في ذلك معتبر معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قلت له: الرجل يريد الخلاء و عليه خاتم فيه اسم اللّه‏

____________

(1) الوسائل باب: 17 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 3.

(2) الوسائل باب: 17 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 8.

154

تعالى. فقال: ما أحب ذلك. قال: فيكون اسم محمد (صلى اللَّه عليه و آله) قال: لا بأس» (1). و حمله على ما إذا قصد به شخص آخر مخالف للظاهر جدا.

نعم، هو ظاهر في الفرق بينهما في كراهة اللبس حين الدخول للخلاء، لا حين الاستنجاء الذي هو محل الكلام. إلا أن يحمل عليه، على ما يأتي الكلام فيه.

ثانيها: قال في الجواهر: «صرح جمع من الأصحاب بتقييد الكراهة بما إذا لم يستلزم تلويثا في النجاسة، و إلا فيحرم‏بل قد يصل إلى حد الكفر مع قصد الإهانة و الاستحقارو إن تأمل في الحرمة بعض المتأخرين. لكنه في غير محله بالنسبة إلى لفظ الجلالة».

و العمدة فيه المرتكزات المتشرعية في لزوم تجنيبه الهتك الحاصل من التنجيس في مثل المقام. بل لا يبعد العموم لأسماء المعصومين إذا كتبت و حملت للتبرك.

و أما مطلق التنجيس فالأمر فيه لا يخلو عن إشكال.

ثالثها: ألحق في الفقيه و النهاية بالخاتم الذي كتب عليه اسم اللّه الخاتم الذي فصه من حجر زمزم، و عن الدلائل انه المشهور. و عمم في الوسيلة لكل حجر له حرمة.

و كأن الوجه فيه مضمر علي بن الحسين بن عبد ربه: «قلت له: ما تقول في الفص يتخذ من أحجار [حجارة. خ ل‏] زمزم؟ قال: لا بأس به، و لكن إذا أراد الاستنجاء نزعه» (2). لكن روي في بعض نسخ الكافي و التهذيب بإبدال زمزم بزمرد. إلا أن ترجح الاولى بمناسبة الحكم للموضوع ارتكازا، و بفتوى الصدوق- الذي هو من أركان الحديث‏و الشيخ‏الذي روى المضمرة نفسهاعلى طبقها.

رابعها: المحكي عن بعضهم كراهة استصحاب الخاتم الذي عليه اسم اللّه تعالى في الخلاء مطلقا و لو في اليد التي لا يستنجى بها، و هو ظاهر الهداية معبرا بعدم الجواز.

____________

(1) الوسائل باب: 17 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 6.

(2) الوسائل باب: 36 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

155

و يقتضيه خبر معاوية المتقدم، و موثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: لا يمس الجنب درهما و لا دينارا عليه اسم اللّه تعالى، و لا يستنجي و عليه خاتم فيه اسم اللّه، و لا يجامع و هو عليه، و لا يدخل المخرج و هو عليه» (1) المتمم بعدم القول بالفصل بين الجنب و غيره. و خبر علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام): «سألته عن الرجل يجامع و يدخل الكنيف و عليه الخاتم فيه ذكر اللّه، أو الشي‏ء من القرآن، أ يصلح ذلك؟ قال: لا» (2) و غيرها.

لكن ذكر غير واحد لزوم حملها على ما إذا استنجى باليد التي فيها الخاتم، ليناسب ما في خبر الحسين المتقدم و غيره من سيرة النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و الأئمة (عليهم السلام) على الدخول للمخرج مع كون الخاتم في اليمين. إلا أن الحمل المذكور بعيد جدا، خصوصا في موثق عمار المتضمن للأمرين.

فلعل الأولى الحمل على خفة الكراهة التي لا تنافي صدور ذلك منهم كثيرا لبعض الطوارئ الثانوية، التي قد يكثر الابتلاء بها. و يناسبه ما يأتي في الدراهم الأبيض. بناء على أن منشأ الكراهة كتابة الاسم الشريف عليه. و من هنا يتجه الفرق بين اسم اللّه تعالى و اسم غيره و إن كان معصوما، لحديث معاوية المتقدم.

نعم، يتجه التعميم لما كتب عليه القرآن الشريف لخبر علي بن جعفر بضميمة قاعدة التسامح في السنن.

السادس‏: استصحاب الدرهم الأبيض، كما في الجواهر و عن غيرها.

و يقتضيه موثق غياث أو صحيحة عن جعفر عن أبيه (عليه السلام): «أنه كره أن يدخل الخلاء و معه درهم أبيض، إلا أن يكون مصرورا» (3).

و عن بعضهم تخصيصه بما يكون عليه اسم اللّه تعالى. و كأنه لأن عدم مناسبة البياض للكراهة ارتكازا تكشف عن كون ذكره عرضا بلحاظ كتابة الاسم الشريف عليه، بناء على معروفية اختصاصه بذلك في عصر الصدور. و هو و إن كان‏

____________

(1) الوسائل باب: 17 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 5.

(2) الوسائل باب: 17 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 10.

(3) الوسائل باب: 7 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 17.

156

(مسألة 10): ماء الاستنجاء طاهر على الأقوى (1) قريبا، إلا أنه لا طريق لنا فعلا لإثباته.

و لو تمَّ اتجه التعدي لكل ما يكتب عليه اسم اللّه تعالى. بل قد يتجه التعدي لمثل كتابة القرآن المجيد، حيث لا يبعد كونه هو المنشأ في الكراهة، لتعارف كتابته سابقا على الدراهم و الدنانير. فتأمل.

هذا، و قد اكتفى في العروة الوثقى في ارتفاع الكراهة بكونه مستورا. و هو مخالف لظاهر الموثق، لأن الضر أخص من الستر، بل يبعد حمل الخبر على خصوص صورة ظهوره مع غلبة ستره و لو بقبض اليد عليه.

السابع‏: طول المكث في بيت الخلاء، لغير واحد من النصوص المتضمنة أنه يورث الباسور، منها موثق محمد بن مسلم: «سمعت أبا جعفر (عليه السلام) يقول: قال لقمان لابنه: طول الجلوس على الخلاء يورث الباسور. قال: فكتب هذا على باب الحش» (1).

و ربما بقيت بعض المندوبات و المكروهات تظهر بتصفح كتب الأخبار.

(1) الظاهر عدم الخلاف بينهم في عدم تنجيس ماء الاستنجاء لما يصيبه من الثوب و غيره، بل في الجواهر: «لا ينجس ما يلاقيه إجماعا، تحصيلا و منقولا، نصا و ظاهرا على لسان جملة من علمائنا» و إنما الكلام في أن ذلك لطهارته، أو هو عفو خاص مع نجاسته.

و قد صرح بالأول في الشرائع و القواعد و جامع المقاصد و المسالك و المدارك، و هو ظاهر المعتبر، و قد نسبه للشيخين، و حكاه في مفتاح الكرامة عن موضعين من الخلاف و جملة من المتأخرين. بل في جامع المقاصد و عن كشف الالتباس دعوى اتفاق الأصحاب عليه.

لكنه لا يخلو عن إشكال، لاقتصار قدماء الأصحاب من أهل الحديث على‏

____________

(1) الوسائل باب: 20 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.