مصباح المنهاج - كتاب الطهاره - ج2

- السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم المزيد...
664 /
157

ذكر النصوص الآتية من دون توجه لهذه الخصوصية، و عن بعضهم التعبير بالعفو، و نفي البأس عن إصابته للثوب أو البدن، و ليس ذلك نصا و لا ظاهرا في الطهارة، و لا سيما مع عدم ظهور أثر للفرق في كلمات القدماء، لقرب ذهابهم لعدم مطهريته.

و ما في المدارك من أن مرادهم بالعفو هنا عدم الطهورية. لا قرينة عليه، و لا سيما مع ما عن حاشيتي الشرائع و الإرشاد للكركي من أنه عند القائل بالعفو نجس معفو عنه.

و كيف كان فاللازم ذكر النصوص ثمَّ النظر في مفادها. ففي صحيح عبد الكريم بن عتبة الهاشمي: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يقع ثوبه على الماء الذي استنجى به، أ ينجس ذلك ثوبه؟ قال: لا» (1) و صحيح الأحول: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أخرج من الخلاء، فاستنجي بالماء، فيقع ثوبي في ذلك الماء الذي استنجيت به فقال: لا بأس به [ليس عليك شي‏ء. خ فقيه‏]» (2) و قريب منه موثقة (3). و في صحيح يونس عن رجل عن الغير أو عن الأحول [من أهل المشرق عن العنزا عن الأحول. علل‏] عنه (عليه السلام) انه قال له: «الرجل يستنجي، فيقع ثوبه في الماء الذي استنجى به. فقال: لا بأس. فسكت. فقال: أو تدري لم صار لا بأس به؟

قلت: لا و اللّه، فقال: إن الماء أكثر من القذر» (4).

و هذه النصوص‏كما ترى‏ليست مسوقة إلا لبيان عدم تنجس الثوب، كما هو صريح الأول و ظاهر ما بعده، لأن ظاهرها نفي البأس عن الثوب أو عن وقوعه في ماء الاستنجاء لبيان عدم تنجسه، لا عن نفس ماء الاستنجاء لتدل على طهارته.

نعم، التعليل في الأخير يناسب طهارة الماء. إلا أن يستشكل فيه بأن عدم إمكان التعدي عن مورده‏للبناء على نجاسة الغسالة، بل مطلق الماء القليل بملاقاة النجاسة، كما تقدم‏موجب لإجمال جهة التعليل فيه، فيكون تعبديا، لا ارتكازيا، و حينئذ فكما يمكن سوقه لبيان طهارة الثوب لأجل طهارة الماء يمكن‏

____________

(1) الوسائل باب: 13 من أبواب الماء المضاف و المستعمل حديث: 5.

(2) الوسائل باب: 13 من أبواب الماء المضاف و المستعمل حديث: 1.

(3) الوسائل باب: 13 من أبواب الماء المضاف و المستعمل حديث: 4.

(4) الوسائل باب: 13 من أبواب الماء المضاف و المستعمل حديث: 2.

158

سوقه لبيان طهارة الثوب رأسا من دون نظر للماء.

على أن سنده لا يخلو عن إشكال، لأن مراسيل يونس و إن كانت حجة بمقتضى ما تقدم في أوائل مسألة تحديد الكر، إلا أن ما في العلل من روايته عن رجل من أهل المشرق كالمشعر بعدم توثيق يونس له. فتأمل.

هذا، و قد ذكر غير واحد أن الحكم بطهارة الثوب ظاهر في طهارة الماء للملازمة العرفية بين طهارة الملاقي و طهارة الملاقي، كالملازمة بين نجاسة الملاقي و نجاسته. و من ثمَّ استفيدت طهارة كثير من الأمور و نجاستها من الحكم بطهارة ملاقيها و نجاسته.

لكنه لا يخلو عن إشكال، فإن ملازمة نجاسة الملاقي لنجاسة الملاقي التي هي من سنخ المقتضي لها ارتكازا تكاد تلحق بالملازمة العقلية، بخلاف ملازمة طهارة الملاقي لطهارة الملاقي، لوضوح امتناع تحقق المعلول بدون المقتضي، و إمكان عدم تأثير المقتضي في ظرف تحققه لمانع من تأثيره، و لو كان هو التسهيل و الامتنان‏كما يحتمل في المقام‏فليست الملازمة المدعاة إلا عرفية، بلحاظ شيوع سراية النجاسة للملاقي و ارتكازيتها، فيستفاد عرفا من دليل طهارة الملاقي طهارة الملاقي.

و لا سيما مع كون الأثر الظاهر لنجاسة الملاقي هو نجاسة ملاقية، حيث يوجب ذلك التلازم بينهما ذهنا، كما لعله مورد ما أشير إليه من استدلال الأصحاب بدليل طهارة الملاقي على طهارة الملاقي.

إلا أنه لا مجال للاعتماد عليها في المقام، لابتناء الحكم بطهارة الثوب على رفع اليد عنها في الجملة، إما التفكيك في الطهارة بين الثوب و ماء الاستنجاء، أو بين ماء الاستنجاء و الغائط.

بل يبعد جدا دعوى: أن المستفاد عرفا من الجواب بطهارة الثوب هو طهارة ماء الاستنجاء على حد سائر المياه الطاهرة، بحيث يرفع به الخبث و الحدث، مع أن رفعهما بالماء من أظهر لوازم طهارته عرفا.

بل لما كان من الواضح عند السائل نجاسة الغائط، مع ارتكاز سراية النجاسة

159

للملاقي، كان مقتضى الارتكاز الأولي في ذهنه هو نجاسة كل من ماء الاستنجاء و الثوب، بل أولوية ماء الاستنجاء بالنجاسة من الثوب، فمن القريب أن يكون إهماله السؤال عن الماء و سؤاله عن الثوب مبنيا على المفروغية عن نجاسة الماء بمقتضى الارتكاز المذكور. و إلا لكان هو الأولى بالسؤال بعد ما أشرنا إليه من عدم وفاء الجواب بطهارة الثوب بمعرفة حاله، لابتنائه على إهمال الملازمة المذكورة في الجملة. فتأمل.

و بالجملة: الاقتصار في السؤال و الجواب على الثوب و إهمال ماء الاستنجاء إن لم يكن ظاهرا في المفروغية عن نجاسته بمقتضى ارتكاز السراية من النجس، الذي هو أقوى من ارتكاز سرايتها من المتنجس، فلا أقل من عدم ظهوره في طهارته. بل المرجع فيه عموم الانفعال.

و دعوى: أن إعمال العموم المذكور في ماء الاستنجاء مستلزم لتخصيص عموم تنجيس المتنجس فيه، إذ مقتضى العموم المذكور بضميمة النصوص المتقدمة الدالة على عدم تنجيسه هو طهارته.

مدفوعة: بعدم حجية عموم تنجيس المتنجس في ماء الاستنجاء، لخروجه عنه تخصصا أو تخصيصا، و ليس العام حجة في نفي التخصيص و تعيين التخصص عند الدوران بينهما، و لا سيما في مثل المقام، حيث يستلزم إعمال العموم المذكور تخصيص عموم انفعال الماء بعين النجاسة، الذي هو أقوى دليلا و ارتكازا من عموم تنجيس النجس.

و أضعف منه ما ذكره الفقيه الهمداني (قدّس سرّه) الشريف من أن الالتزام بنجاسة الماء يستلزم التصرف في جميع الأدلة الدالة على عدم جواز استعمال الماء النجس في المأكول و المشروب و الوضوء و الصلاة و غيرها مما يشترط بالطهارة، لثبوت نفي البأس عن الكل و لو بالإجماع.

لاندفاعه. أولا: بأنه يعلم بسقوط العمومات المذكورة عن الحجية في الماء المذكور، لخروجه عنها تخصصا أو تخصيصا.

و ثانيا: بعدم الوجه في عدم البأس في الأمور المذكورة بالإضافة إلى الماء

160

و إن كان من البول (1)، المذكور، بناء على نجاسته، لعدم المخصص للعمومات المذكورة فيه من إجماع و غيره، بل لا ثمرة للنجاسة إلا عدم ترتب هذه الأمور عليه.

بل حتى بناء على طهارته، يقوى احتمال عدم مطهريته من الحدث، حيث ادعى الإجماع فيه.

و لو تمَّ لزم من القول بالطهارة تخصيص عموم مطهرية الماء الطاهر، الذي هو كتخصيص عموم عدم جواز شرب النجس.

نعم، لو كان عدم البأس في أخبار الأحول راجعا إلى الماء اتجه عمومه لجميع هذه الأمور، بل يتعين حينئذ البناء على الطهارة، لعدم الأثر للنجاسة حينئذ، الموجب للغويتها عرفا و ظهور نفي البأس في الطهارة.

إلا أن ملاحظة النصوص تشهد برجوعه إلى الثوب، فلا تدل إلا على طهارته و عدم منجسية الماء المذكور له. و التعدي لغير الثوب من سائر أفراد الملاقي إنما هو بفهم عدم الخصوصية. و إن كان المتيقن منه البدن، دون مثل الطشت و نحوه مما يتعارف تجنبه من دون أن يستلزم الحرج نوعا، فإن التعدي إليه لا يخلو عن إشكال، لو لا ظهور مفروغيتهم عن ذلك. فتأمل.

(1) كما في المعتبر و جامع المقاصد و المسالك و عن غيرها. و في المدارك و عن الذخيرة أنه مقتضى إطلاق النص و كلام الأصحاب.

و إليه يرجع ما في المعتبر من صدق الاستنجاء عليه. و قد تقدم الإشكال في ذلك عند الكلام في وجوب التعدد في البول. إلا أن يرجع إلى استفادته من إطلاق النص تبعا، لعدم انفكاك ماء الاستنجاء من الغائط عن ماء الاستنجاء من البول غالبا.

و لا سيما بملاحظة ما في صحيح الأحول من فرض الاستنجاء بعد الخروج من الخلاء، لاستبعاد الاستنجاء بعد الخروج منها من خصوص الغائط كاستبعاد تميز أحد المائين عن الآخر، فعدم التنبيه على التفصيل فيه ظاهر في العموم لما

161

فلا يجب الاجتناب عنه (1)، و لا عن ملاقيه (2)، إذا لم يتغير بالنجاسة (3)، إذا استنجى من البول مع الغائط، و يتعدى منه لما إذا استنجى من البول وحده، لعدم الفصل، بل لفهم عدم الخصوصية.

(1) أما في الشرب فلأصالة البراءة بعد عدم وضوح عموم يقتضي جواز شرب الماء الطاهر.

و أما في رفع الخبث فلعموم مطهرية الماء الطاهر الذي تقدم تنقيحه في أوائل أحكام المياه. و لم يظهر لي عاجلا من يمنع من رفع الخبث به على القول بطهارته، و إنما يأتي الكلام في رفع الحدث.

هذا، و أما بناء على نجاسة ماء الاستنجاء فالمنع في الكل ظاهر الوجه، كما أشرنا إليه آنفا.

(2) فان مقتضى الحكم بطهارته ترتب جميع أحكام الطاهر عليه.

(3) كما صرح به غير واحد، بل في مفتاح الكرامة أنه صرح به جميع الفقهاء إلا من شذ، و في كشف اللثام كأنه لا خلاف فيه، بل ظاهر شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) دعوى الإجماع عليه.

و العمدة فيه عموم نجاسة المتغير المستفاد من مجموع النصوص الواردة فيه، المقدم على عموم طهارة ماء الاستنجاء، و إن كان بينهما عموم من وجه، لأن التغير حيثية زائدة في ماء الاستنجاء، لصدق ماء الاستنجاء بمجرد غسل موضع النجو الملازم لملاقاة النجاسة، و التغير أمر زائد على ذلك، فحال العمومين حال عموم حكم العنوان الأولي مع عموم حكم العنوان الثانوي.

و يؤيده التعليل في مرسل الأحول الظاهر في اختصاص الحكم بالطهارة بصورة كون الماء أكثر من القذر، حيث يلزم حمله على إرادة غلبته له الملازمة لعدم التغيرو لو بقرينة نصوص التغير. و هو لا ينافي ما تقدم من إجمال التعليل، إذ المراد به إجمال جهة التعليل فيه بعد فرض اختصاصه بمورده، و هو لا ينافي‏

162

ظهوره في فرض كون الماء أكثر.

و منه يظهر ضعف ما عن الأردبيلي من أن هذا الشرط غير ظاهر.

و أما ما في الجواهر من أقوائية عموم التغير، لأن ماء الاستنجاء ليس أعظم من الكر و الجاري، بل ليس لنا ماء لا يفسد بالتغير.

فيشكل: بأن طهارة ماء الاستنجاء أو ملاقيه ليس لاعتصامه في نفسه، ليكون نظيرا للكر و الجاري، ليمكن نفي أقوائيته منهما، بل هي حكم تعبدي و لو من جهة الامتنان و التخفيف، فيمكن ثبوتها مع التغير.

و كما لم يثبت لنا ماء لا يفسد بالتغير لم يثبت لنا ماء استنجاء نجس هو و ملاقيه، و المستثنيات الأخرى المذكورة في كلماتهم خارجة عنه موضوعا.

و مثله ما ذكره بعض مشايخنا من أن عموم نصوص الاستنجاء بالإطلاق، و عموم نصوص التغير بالوضع المستفاد من صحيح حريز عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

«قال: كلما غلب الماء على ريح الجيفة فتوضأ من الماء و اشرب، فإذا تغير الماء و تغير الطعم فلا توضأ منه و لا تشرب» (1).

للإشكال فيه‏مضافا إلى أن الصحيح محمول على الماء الكثير، بقرينة تضمنه الطهارة مع عدم التغير، و وارد في الميتة، لأنها الظاهرة عرفا من الجيفة، فلا يعم ماء الاستنجاء، و إنما استفيد عموم الانفعال الشامل لماء الاستنجاء من النصوص الأخرى، و لو بضميمة فهم عدم الخصوصيةبأن العموم الوضعي الذي تضمنته الفقرة الأولى وارد في الطهارة مع عدم التغير، و أما النجاسة مع التغير فهي مستفادة من الفقرة الثانية بالإطلاق.

على أن سنده لا يخلو عن إشكال، لقوة احتمال الإرسال فيه، لروايته بطريق آخر صحيح عن رجل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و من البعيد تعدد الرواية، بل هو من تعارض الروايتين المسقط لهما عن الحجية. فلاحظ.

ثمَّ إن شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) استثنى من التغير التغير الذي يحصل لأول الماء

____________

(1) الوسائل باب: 3 من أبواب الماء المطلق حديث: 1.

163

و لم تتجاوز نجاسة الموضع عن المحل المعتاد (1)، و لم تصحبه أجزاء النجاسة متميزة (2)، عند الغسل تدريجا، لأن الاستنجاء لا ينفك غالبا عن هذا التغير.

و هو في محله. لكن استشكل (قدّس سرّه) في الطهارة مع انفصال انفصال الجزء المتغير بالنحو المذكور.

فإن أراد نجاسته مع تميزه عن غيره فهو في محله. و إن أراد نجاسته و تنجيسه لما يقع عليه و يختلط به من بقية ماء الاستنجاء فلا يخلو عن إشكال، بل منع، لصعوبة حمل النصوص على ذلك جدا.

هذا، و قد تقدم في المسألة الثالثة من مباحث المياه أن المعيار في التغير الصفات الثلاث اللون و الريح و الطعم.

فلا وجه لما عن الذكرى من ذكر زيادة الوزن في المقام، و ما عن العلامة في نهاية الأحكام من ذكره في مطلق الغسالة.

(1) كما في المسالك و المدارك و كشف اللثام و غيرها. و قد ذكروا أن المراد به التعدي الفاحش الذي لا يصدق معه الاستنجاء. و لعله خارج عن إطلاق عدم قادحية التعدي فيما عن الشهيد و الميسي و أبي العباس. و كيف كان فوجه اشتراط ذلك ظاهر.

نعم، اللازم فيه التفصيل بين ما يغسل به الموضع المعتاد و ما يغسل به موضع التعدي لو أمكن الفصل بينهما، كما ذكره في الجواهر، و تقدم نظيره في الاستجمار.

هذا، و المستفاد من صحيح الأحول بمقتضى فرض الخروج فيه عدم قدح التعدي الذي يحصل من الخروج بسبب تقارب الأليتين و حركتهما حينه.

(2) كما في جامع المقاصد و المسالك و كشف اللثام و عن الروض و الميسي و عن الأردبيلي انه غير ظاهر. و توقف فيه في المدارك، لإطلاق النص.

لكن إطلاق النص ناظر إلى طهارته بلحاظ غسل النجاسة به المستلزم‏

164

و لم تصبه نجاسة من الخارج (1) لملاقاته لها، فان ذلك هو المقوم لصدق ماء الاستنجاء، و لا نظر فيه إلى ملاقاته للنجاسة بعد ذلك، لبقائها فيه و عدم استهلاكها.

و من ثمَّ لا يعد إهمال بعض الأصحاب التنبيه على ذلك خلافا في المسألة.

اللهم إلا أن يريد استفادته من الإطلاق تبعا، لكثرة مصاحبة ماء الاستنجاء لذلك مع الغفلة عنه، فعدم التنبيه عليه ظاهر في عدم قدحه.

و ما ذكره بعض مشايخنا من غلبة قلة الغائط في المحل، فلا يتميز منه شي‏ء في ماء الاستنجاء.

غير ظاهر، إذ كثيرا ما يكون غسل النجاسة بقلعها، المستلزم لتميزها، لا بتذويبها بالماء المستلزم لاستهلاكها فيه. فالبناء على عدم قدح ذلك قريب جدا.

و أظهر من ذلك ما لو كان في الماء ما يخرج مع النجاسة و يتنجس بها مما لا يقبل الذوبان، كقشور بعض المطعومات التي لا تنهضم، كما نبه له السيد الطباطبائي في العروة الوثقى و تبعه جملة من شراحها و محشيها، و إن قرّب في الجواهر قادحيته أيضا، بل جزم بها شيخنا الأعظم (قدّس سرّه).

(1) كما صرح به جمع من الأصحاب، كالمحقق و العلامة، و عن الشيخ و غيرهم. بل في كشف اللثام كأنه لا خلاف فيه.

و يقتضيه ما تقدم من اختصاص النصوص بنفي النجاسة من حيثية الاستنجاء، و لا تنهض بنفي تنجسه بنجاسة خارجية. كما لا طريق لاستفادته تبعا، لعدم كثرة الابتلاء بذلك بنحو يغفل عنه.

لكن قد يدل على العفو تبعا موثق الأحول أو صحيحه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

«قلت له: استنجي ثمَّ يقع ثوبي فيه و أنا جنب. فقال: لا بأس به» (1). لقرب حمله على إرادة غسل المني مع الاستنجاء، بقرينة ذكر الجنابة لبعد احتمال دخل‏

____________

(1) الوسائل باب: 13 من أبواب المضاف و المستعمل حديث: 4.

165

أو من الداخل (1) حدثها في حكم ماء الاستنجاء، كي يحتاج لذكرها في السؤال.

إلا أن في بلوغ ذلك مرتبة الظهور الحجة إشكالا، فلا يخرج به عما عرفت.

ثمَّ إن ذلك كما يجري في غسل النجاسة الخارجية بالماء يجري في وقوعه على الموضع النجس و نجاسة اليد التي يستنجي بها من غير جهة الاستنجاء، و لو لوضعها على النجاسة لا بقصده، كما صرح به بعضهم.

نعم، لا تقدح نجاسة اليد بسبب الاستنجاء بهاكما صرح به غير واحد- لملازمة الاستنجاء لذلك. من دون فرق بين سبق اليد على الماء في ملاقاة النجاسة و غيره، كما في جامع المقاصد و غيره، لتعارف الوجهين في الجملة، بنحو يغفل عن التقييد بالصورة الثانية، الموجب لظهور الإطلاق في إفادته تبعا.

خلافا لما في كشف اللثام من عدّ الصورة الأولى من صور ملاقاة النجاسة الخارجية القادحة.

(1) كما في جامع المقاصد و المسالك و كشف اللثام و غيرها. لما تقدم في سابقة، لاختصاص الاستنجاء بغسل النجو، و هو الغائط، كما تقدم.

و دلالة الإطلاق على الطهارة مع الاختلاط تبعا غير ظاهر، لعدم وضوح غلبة ذلك بالنحو الذي يغفل عن استثنائه، لأنه على خلاف المتعارف في الأمزجة الصحيحة. فما في المدارك من التوقف في ذلك لإطلاق النص، في غير محله.

ثمَّ إنه قد عمم صاحب الجواهر و شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) ذلك للمتنجس الخارج مع الغائط أو بعده، كالحصى و الوذي، حيث يتنجس به الموضع أيضا، و ليس التطهير منه استنجاء.

لكنه في غاية الإشكال، لكثرة خروجه و غفلة العرف عنه، و لو لتفرع نجاسته على نجاسة الغائط المفروض عدم قدحها، فاستفادة عدم قدحه من الإطلاق تبعا قريبة جدا.

هذا، و عن المدارك و الذخيرة عدم الفرق بين ما يخرج من المخرج الطبيعي‏

166

فإذا اجتمعت هذه الشروط كان طاهرا، و لكن لا يجوز الوضوء به (1).

و غيره، و في جامع المقاصد و غيره و عن الدلائل اعتبار كون غير الطبيعي معتادا، و ظاهر سيدنا المصنف (قدّس سرّه) لزوم كون الموضع معدا لخروج النجاسة و لو مع عدم التكرار و الاعتياد.

و الكل يبتني على عدم اختصاص الاستنجاء بغسل المخرج الطبيعي، بل يعم غيره مطلقا أو بأحد الشرطين المذكورين.

و هو غير ظاهر، بل المتيقن منه غسل المخرج الطبيعي، فيرجع في غيره الى عموم حكم الماء الملاقي للنجاسة.

و منه يظهر عدم الاجتزاء بالاستجمار فيه، كما لا يجتزأ بها مع تنجس الموضع بنجاسة أخرى غير الغائط، كما تقدم ما يناسبه عند الكلام في اعتبار طهارة الأحجار. فراجع.

(1) كما هو ظاهر الذخيرة و قواه شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) و بعض من تأخر عنه.

لخبر عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: لا بأس بأن يتوضأ الرجل بالماء المستعمل. فقال: الماء الذي يغسل به الثوب أو يغتسل به الرجل من الجنابة لا يجوز أن يتوضأ منه و أشباهه.» (1) بناء على ما تقدم في الماء المستعمل من تقريب قوة سنده، و على التعدي عن مورده إلى مطلق ما يغسل به النجاسة و إن كان طاهرا.

و لما في المعتبر و المنتهى من دعوى الإجماع على عدم جواز رفع الحدث بما يزال به النجاسة. و في مفتاح الكرامة: «و قد اعترف بهذا الإجماع جماعة، كصاحب المدارك و المعالم و الذخيرة و غيرهم.» و قال سيدنا المصنف (قدّس سرّه):

«الإجماع الذي يحكيه الفاضلان و يتلقاه الأعاظم بعدهما بالقبول ليس من الإجماع المنقول».

____________

(1) الوسائل باب: 9 من أبواب الماء المضاف و المستعمل حديث: 13.

167

و فيه: أنه لا مجال للتعدي عن مورد الخبر إلى الغسالة الطاهرة بعد ارتكازية مانعية نجاسة الماء عن التطهير به.

و أما دعوى الإجماع فلا مجال للتعويل عليها بعد عدم ظهور التسالم على مضمونها، فان ما في مفتاح الكرامةمن اعتراف جماعة به‏لا يريد به إلا نقلهم لحكايته من الفاضلين، كما يظهر من كلام له آخر، و هو الموجود في المدارك و الذخيرة، بل في المدارك أن الأصح مطهريته من الحدث، و هو صريح كشف اللثام، و محكي مجمع البرهان، و عن الذكرى و المهذب البارع أن ثمرة الخلاف في ماء الاستنجاء تظهر في رفعه الحدث و الخبث. و في مفتاح الكرامة بعد نقل ذلك عنهما: «فيكون معقد الإجماع عندهما غير ماء الاستنجاء».

و لعل منشأه عدم صراحة كلام ناقلي الإجماع في العموم، ففي المعتبر في حكم الماء المستعمل: «و فيما يزال به الخبث و لم يتغير بالنجاسة قولان، أشبههما التنجيس، عدا ماء الاستنجاء. أما نجاسته مع التغير فبإجماع الناس. و أما إذا لم يتغير فقد اختلف قول الشيخ. أما رفع الحدث به أو بغيره مما يزال النجاسة فلا إجماعا، و لما رواه عبد اللّه ابن سنان. و أما طهارة ماء الاستنجاء فهو مذهب الشيخين.».

و في المنتهى بعد حكمه بنجاسة الغسلة المطهرة: «رفع الحدث بمثل هذا الماء أو بغيره مما يزيل النجاسة لا يجوز إجماعا، أما على قولنا فظاهر. و أما على قول الشيخ فلما رواه عبد اللّه بن سنان.».

و قد يشهد باختصاص معقد الإجماع في كلامهما عدم ظهور العمل منهما به في ماء الاستنجاء، حيث أطلق في الشرائع و النافع طهارته مع وضوح احتياج عدم رفع الحدث به مع طهارته للتنبيه، خصوصا مع التنبيه له فيما يرفع به الحدث الأكبر المذكور في سياقه، بل أطلق في القواعد مطهريته، و لم ينبه على استثناء الحدث في غير واحد من شروح الكتب المذكورة، كجامع المقاصد و المسالك و الرياض، حيث يظهر منهم البناء على عموم مطهريته، خصوصا الأول.

و لعله لذا قال في الجواهر: «سمعت الإجماع سابقا في ماء الغسالة من‏

168

المصنف و العلامة أنه لا يجوز رفع الحدث بما يزال به النجاسة. و يدخل فيه ذلك [يعني: ماء الاستنجاء] على اشكال».

على أن من القريب ابتناء مذهب بعض المانعين من رفع الخبث بما يزال به النجاسة على نجاسته، و بعضهم على دخوله في خبر عبد اللّه بن سنان، و لا يحرز خصوصيته في المانعية عندهم مع قطع النظر عن ذلك.

ثمَّ إن الأمر لا يختص بالوضوء، بل لو تمَّ المنع، فان كان دليله الإجماع تعين التعدي لكل ما يرفع الحدث من الوضوء و الغسل، و أشكل شموله لما لا يرفعه من الوضوءات و الأغسال المستحبة.

و إن كان دليله خبر ابن سنان كان الوجه في التعدي للغسل ارتكاز أولوية الطهارة الكبرى في ذلك من الطهارة الصغرى. كما يتعين التعميم لما لا يكون رافعا للحدث من الوضوء و الغسل المندوبين، عملا بإطلاق الوضوء في الخبر بعد فرض التعدي منه للغسل، كما تقدم نظيره في الماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر.

بقي في المقام فروع لا بأس بالتعرض لها.

الأول‏: لما كان منشأ القول بنجاسة ماء الاستنجاء هو عموم الانفعال بملاقاة النجاسة تعين قصوره عن الماء المعتصم، من دون فرق بين تمامية الشروط المتقدمة و عدمه، عدا التغير. و هو ظاهر.

كما أن منشأ امتناع رفع الحدث به على تقدير طهارته إن كان هو الإجماع فمن المعلوم قصوره عن ذلك أيضا. و إن كان هو خبر ابن سنان تعين الخروج عنه بما دل على جواز الغسل بالماء الكثير الذي يغتسل به الجنب و يستنجى به‏ (1)، على ما تقدم في الماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر. بل المقام أظهر منه.

نعم، قد يستدل على كراهة استعمال الماء الكثير الذي يستنجى به بصحيح ابن بزيع: «كتبت إلى من يسأله عن الغدير يجتمع فيه ماء السماء و يستقى فيه من بئر، فيستنجي فيه الإنسان من بول أو يغتسل فيه الجنب، ما حده الذي لا يجوز؟

____________

(1) الوسائل باب: 9 من أبواب الماء المطلق.

169

فكتب: لا توضأ من مثل هذا إلا من ضرورة إليه» (1).

لكنه ظاهر في الماء المعرض لكل طارئ، كما تقدم هناك أيضا.

الثاني‏: إذا تردد الماء بين كونه غسالة نجاسة و ماء استنجاء لم يبعد البناء على نجاسته و منجسيته، لاستصحاب عدم كونه ماء استنجاء، بناء على ما هو الظاهر من أن إحراز عدم الخاص في موارد كاف في إحراز ثبوت حكم العام له، و هو في المقام عموم انفعال الماء القليل.

الثالث‏: إذا شك في تحقق الشروط المتقدمة لثبوت حكم ماء الاستنجاء لم يقدح ذلك في إجراء حكمه، لصدق الاستنجاء في جميع ذلك المقتضي لترتب حكمه، و إنما يحتمل وجوب الاجتناب عنه أو عن ملاقيه لاحتمال أمر خارج عنه من تغير أو ملاقاة نجاسة غير ما يستنجى منه، فاستصحاب عدم ذلك يقتضي عدم وجوب الاجتناب.

____________

(1) الوسائل باب: 9 من أبواب الماء المطلق حديث: 15.

170

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

171

الفصل الرابع كيفية الاستبراء من البول (1) (1) تقدم في مستحبات التخلي أن ظاهر بعض النصوص استحباب الاستبراء في نفسه. كما يأتي أن فائدته طهارة البلل المشتبه.

فان فرض عدم الاجمال فيه‏و لو للجمع بين النصوص‏فهو، و إلا كان مقتضى قاعدة التسامح استحباب جميع الكيفيات التي تضمنتها النصوص بنحو تعدد المطلوب.

و أما بالإضافة إلى الفائدة المذكورة فمقتضى القاعدة في مورد الشك و الاجمال البناء على الطهارة الحديثة و الخبيثة، لاستصحابهما بعد فرض إجمال المخرج عنهما، و هو نصوص الاستبراء.

لكن احتمل في الجواهر، بل جزم شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) بأن اللازم البناء على النجاسة و الحدث، للزوم الاقتصار على المتيقن في الخروج عن إطلاق ما تضمن وجوب الوضوء و الاستنجاء بخروج البلل بعد البول، كصحيح محمد بن مسلم:

«قال أبو جعفر (عليه السلام): من اغتسل و هو جنب قبل أن يبول ثمَّ يجد بللا فقد انتقض غسله، و إن كان بال ثمَّ وجد بللا فليس ينقض غسله، و لكن عليه الوضوء، لأن البول لم يدع شيئا» (1) و موثق سماعة: «سألته عن الرجل يجنب ثمَّ يغتسل قبل أن يبول، فيجد بللا بعد ما يغتسل. قال: يعيد الغسل، فان كان بال قبل‏

____________

(1) الوسائل باب: 13 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 5.

172

أن يمسح من المقعدة إلى أصل القضيب ثلاثا، ثمَّ منه إلى رأس الحشفة ثلاثا، ثمَّ ينترها ثلاثا (1).

أن يغتسل فلا يعيد غسله، و لكن يتوضأ و يستنجي» (1) و غيرهما.

و فيه: أن الإطلاق المذكور معارض بإطلاق ما تضمن طهارة البلل الخارج بعد البول و عدم ناقضيته ففي صحيح ابن أبي يعفور: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل بال ثمَّ توضأ، ثمَّ قام إلى الصلاة، ثمَّ وجد بللا قال: [لا شي‏ء عليه و. فقيه‏] لا يتوضأ [إنما ذلك في الحبائل. كافي‏]» (2). و نصوص الاستبراء تصلح لأن تكون شاهد جمع بين الإطلاقين، ففي مورد إجمالها كما تسقط عن الحجية يسقط الإطلاقان بالمعارضة، و يكون المرجع استصحاب الطهارة الحديثة و الخبثية، كما ذكرنا.

و أما ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) من أن صحيح ابن أبي يعفور لما كان مطابقا لعموم الاستصحاب كان ملحقا به، و لم يصلح لمعارضة الإطلاقات الأول المقدمة في نفسها على عموم الاستصحاب.

ففيه. أولا: أن تقدم الإطلاقات الأول على عموم الاستصحاب لما كان الوجه فيه أنها أخص منه أو حاكمة عليه فلا مجال لتقديمها على إطلاق صحيح ابن أبي يعفور الذي هو مباين لها، بل يتعين استحكام التعارض بينه و بينها، بل قد يترجح بموافقته لعموم الاستصحاب.

و ثانيا: أن ظاهر الصحيح المذكور كون البناء على الطهارة لأجل أن البلل من الحبائل، لا للاستصحاب، فمضمونه حاكم على مفاد عموم الاستصحاب، و ليس مسانخا له، كي يدعى إلحاقه به.

(1) كما في الشرائع و القواعد و عن المنتهى و التحرير و التذكرة. و عن البيان‏

____________

(1) الوسائل باب: 36 من أبواب الجنابة حديث: 8.

(2) الوسائل باب: 13 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 1.

173

و الدروس إبدال نتر الحشفة بعصرها، و وافقهما في الروضة و زاد إبدال مسح القضيب بنتره.

هذا مع محافظة الجميع على التسع، و نسبها في المدارك إلى المبسوط، و في الجواهر إلى صريح الصدوق. بل عن الذكرى: «و ليكن بالتسع المشهورة»، و وصفها بالشهرة أيضا في المدارك و محكي الذخيرة.

و قد استدل عليها غير واحد بأنها مقتضى الجمع بين النصوص بعد تقييد بعضها ببعض و توضيح ذلك: أن التسع بتمامها لم يتضمنها نص خاص، و إنما تضمن كل نص قسما منها. ففي صحيح محمد بن مسلم: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام):

رجل بال و لم يكن معه ماء. قال: يعصر أصل ذكره إلى طرفه [رأس ذكره. خ يب‏] ثلاث عصرات، و ينتر طرفه، فإن خرج بعد ذلك شي‏ء فليس من البول و لكنه من الحبائل» (1) و صحيح حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في الرجل يبول.

قال: ينتره ثلاثا، ثمَّ إن سال حتى يبلغ السوق فلا يبالي» (2) و خبر عبد الملك‏الذي لا يبعد حسنه‏عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في الرجل يبول ثمَّ يستنجي ثمَّ يجد بعد ذلك بللا. قال: إذا بال فخرط ما بين المقعدة و الأنثيين ثلاث مرات و غمز ما بينهما، ثمَّ استنجى، فان سال حتى يبلغ السوق فلا يبالي» (3) و تقدم في مسألة استحباب الاستبراء ما في بعض النصوص من سلّ الإصبع من أصل العجان ثلاثا، و في آخر من نتر الذكر ثلاثا.

إلا أن ضعف سندها مانع من الاستدلال بها، بل لا تصلح إلا للتأييد، و العمدة ما ذكرناه هنا.

و قد يدعى أن إطلاق كل منها و إن كان يقتضي الاكتفاء بما تضمنه من الكيفية في طهارة البلل المشتبه، إلا أن الجمع بينها يقتضي تقييد كل منها بالآخر، فيعتبر جميع ما تضمنته من خرط ما بين المقعدة و الأنثيين ثلاثا الذي تضمنه خبر

____________

(1) الوسائل باب: 11 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 2.

(2) الوسائل باب: 13 من أبواب نواقص الوضوء حديث: 3.

(3) الوسائل باب: 13 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 2.

174

عبد الملك‏و عليه ينزل السل في خبر الجعفريات المتقدم في استحباب الاستبراء- و عصر الذكر ثلاثا الذي تضمنه صحيح محمد بن مسلم‏و الذي قد ينزل عليه النتر في صحيح حفص و غيره مما تقدم في استحباب الاستبراءو نتر الحشفة الذي تضمنه صحيح محمد بن مسلم.

فلم يبق إلا الترتيب بين العصرات، الذي قد يتعين الحمل عليه بمناسبة كون الغرض التنقية.

و يشكل. أولا: بأن صحيح محمد بن مسلم لم يتضمن التثليث في نتر الحشفة، بل تركه فيه مع التعرض له في عصر الذكر قد يوجب قوة ظهوره في عدم لزومه. و أما دعوى حذفه اعتمادا على ذكره سابقا فهي خالية عن الشاهد.

و ثانيا: بأن خبر عبد الملك قد تضمن الغمز الظاهر في غمز ما بين المقعدة و الأنثيين، الذي لم يعتبره أحد زائدا على الخرط، كما في الجواهر.

و حمله على غمز ما بين الأنثيين لأنهما الأقرب‏كما في الجواهرمخالف للظاهر، لأنهما مذكوران ضمنا في تحديد الخرط، فيبعد إرادتهما من الضمير. على أنه لم يقل به أحد أيضا، لأن أكثر ما ذكروه هو التسع.

و أضعف منه ما أشار إليه في الرياض و استظهره الفقيه الهمداني، من حمله على غمز الذكر، لأنه واقع بين الأنثيين، و عدم التصريح به لاستهجانه.

للإشكال فيه‏مضافا إلى ما سبق‏بأن الذكر فوق الأنثيين، لا بينهما، و لو أريد لكان التصريح به أخصر و أفيد، و ليس البناء في النصوص على ملاحظة الاستهجان بمثل ذلك.

فالإنصاف: أن توجيه الغمز المذكور على مبنى المشهور مشكل.

اللهم إلا أن يقال: عدم ذكره لا يختص بالقائلين بالخرطات التسع، فلا يكون موهنا للقول المذكور، بل إعراضهم عنه إما أن يوجب سقوط ما تضمنه عن الحجية، أو يكشف عن كون عطفه على الخرطات للتأكيد و التوضيح، لا لكونه أمرا آخر في قبالها.

و ثالثا: بأن ظهور كل منها في جواز البناء على الطهارة مع فعل الكيفية

175

المذكورة فيها أقوى من ظهوره في عدم جواز البناء عليها مع تركها، فالمقام نظير ما إذا تعدد الشرط و اتحد الجزاء، الذي كان المعروف فيه البناء على الاكتفاء بأحد الشروط في ترتب الجزاء و عدم لزوم اجتماعها، تقديما لظهور المنطوق على ظهور المفهوم، بل المقام أولى بذلك، لأن دلالة الصحيحين على عدم جواز البناء على الطهارة مع عدم الاستبراء بالكيفيتين فيهما ليس لاشتمالهما على أداة الشرط الظاهرة في الإناطة المقتضية للمفهوم، بل لظهور الأمر في كل منهما بالكيفية المذكورة فيه في التعيين، المستلزم لعدم ترتب الأثر بدونه، و هو أضعف من ظهور الشرط في المفهوم.

و منه يظهر أن قول المشهور ليس مبنيا على تحكيم المنطوق على المفهوم، كما في الجواهر، بل على العكس الذي هو خلاف الظاهر.

و دعوى: أن مناسبة كون الغرض الإنقاء تعيّنه و إن كان في نفسه خلاف الظاهر.

مدفوعة بأن المناسبة المذكورة ليست من القرائن المحيطة بالكلام الصارفة عن الظهور المذكور.

و مما ذكرنا يظهر حال ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) من أن التردد في المقام بين الجمع بتقييد كل منطوق منها بمفهوم الآخر و الجمع بتقييد مفهوم كل منها بمنطوق الآخر موجب لإجمال الاستبراء، الملزم بالاقتصار على المتيقن منه‏و هو التسع‏و الرجوع في غيره لعموم نجاسة البلل الخارج بعد البول و ناقضيته، على ما تقدم منه في تقريب مقتضى الأصل في فرض الاجمال.

لاندفاعه بما ذكرنا من أن تقييد المفهوم بالمنطوق هو الأظهر، و بما تقدم من أن المرجع في فرض الاجمال هو استصحاب الطهارة، لا العموم المذكور.

و رابعا: بأن التقييد بالوجه المذكور و التنقية لا يقتضيان الترتيب بالوجه المذكور، فإن التنقية و ان توقفت على تقديم عصر ما بين المقعدة و الأنثيين على عصر الذكر، و تقديم عصر الذكر على عصر الحشفة، إلا أنها لا تقتضي تقديم تمام عصرات كل موضع على تمام عصرات ما بعده، بل يكفي عصر ما بين المقعدة

176

و الأنثيين ثمَّ الذكر، مع تكرار ذلك ثلاثا.

بل لو أمكن استيعاب ما بين المقعدة و طرف الذكر بعصرة واحدة كفت ثلاث عصرات مستوعبة. إلا أن الظاهر تعذر ذلك، لأن عصر ما بين المقعدة و الأنثيين بضغط الإصبع على الموضع، و عصر الذكر بضغطه بين الإصبعين، بنحو يحتاج للفصل الموجب للتعدد.

كما أنه لا بد من نتر الحشفة زائدا على ذلك، بناء على الجمع بين مفاد النصوص، لظهور صحيح محمد بن مسلم في ذلك.

و لعله لذا قال في النافع: «يعصر ذكره من المقعدة إلى طرفه ثلاثا، و ينتره ثلاثا» إذ لا يبعد أن يكون مراده من نتره ما يساوق نتر الحشفة، كما هو الظاهر من جملة ممن ذكره في ضمن التسع كالشرائع و القواعد و غيرهما، و إلا فحمله على نتر تمام الذكر موجب لتكرر عصره بلا وجه. و ما في الرياض من حمل «طرفه» على الأنثيين غريب. فتأمل.

بقي في المقام أقوال أخرى.

الأول‏: ما في الغنية، حيث قال: «أما البول فيجب الاستبراء منه أولا بنتر القضيب و المسح من مخرج النجو إلى رأسه ثلاث مرات».

و ظاهره الاكتفاء بالمسح المستوعب للمجرى ثلاث مرات، كما تقدم من النافع، مع إسقاط نتر الحشفة.

و فيه: أنه إن بني على التخيير بين الكيفيات المذكورة في النصوص فلا مجال للإلزام بالاستيعاب المذكور، و إن بني على الجمع بينها لزم ذكر نتر الحشفة، كما تقدم.

نعم، المستفاد من كلام غير واحد توجيه دلالة النصوص بمجموعها على ذلك، بحمل أصل الذكر في صحيح محمد بن مسلم على أصله المخفي في العجان الذي يبدأ من المقعدة، و حمل نتر طرفه فيه على تأكيد استيعاب الذكر بالعصر، لدفع توهم الاكتفاء بعصر ما عد الحشفة، لا لبيان أمر آخر زائد على ذلك، و حمل الغمز في خبر عبد الملك على غمز الذكر، و حمل النتر في صحيح حفص‏

177

على نتر البول الذي يكون في المجرى المدلول عليه بقوله: «يبول» و إخراجه بعصر تمام المجرى.

و يشكل بأن ظاهر أصل الذكر في صحيح ابن مسلم مبدؤه المقابل لطرفه، لا ما يخرج عنه عرفا، و لا سيما مع التصريح بتثليث العصرات، لما ذكرناه آنفا من تعذر عصر ما بين المقعدة و طرف الذكر بعصرة واحدة.

و حمل نتر طرفه على تأكيد استيعابه بالعصر مخالف للظاهر جدا، و لا سيما مع العدول عن التعبير بالعصر إلى التعبير بالنتر.

و مثله حمل الغمز في خبر عبد الملك على غمز الذكر، كما تقدم في الوجه الثاني للإشكال في الاستدلال على التسع المشهورة.

كما أنه لا مجال لحمل النتر في صحيح حفص على إخراج البول بعصر مجراه، لأن النتر جذب الشي‏ء بشدة، و منه نتر الحبل، و إخراج البول مما بين المقعدة و الاثنين لا يكون بالوجه المذكور، بل بالسل و الخرط.

على أن البول المستفاد من قوله: «يبول» هو الخارج الذي لا يكون موردا للنتر، و المتبقي في المجرى غير مفروض في السؤال، كي يحمل عليه الجواب.

مع أنه لا معنى لتثليث النتر بالإضافة إلى البول، بل لامتناع تعدد خروجه، و إنما يتوجه في مثل نتر الذكر المستلزم لخروج البول تدريجا.

و من ثمَّ كان هو الظاهر، و لا سيما بعد كونه المناسب المعهود للنتر، و ورد في غير واحد من النصوص المتقدم بعضها في استحباب الاستبراء، و إن كانت ضعيفة السند.

الثاني‏: ما في الفقيه و النهاية و المراسم و الوسيلة و عن السرائر من أنه عبارة عن مسح ما بين المقعدة و الأنثيين ثلاثا و نتر الذكر ثلاثا، و لعله ظاهر المبسط، حيث قال في محكيه: «مسح من عند المقعدة إلى تحت الأنثيين ثلاثا، و مسح القضيب و نتره ثلاثا».

و يأتي فيه ما تقدم في سابقة من أنه لا وجه لإسقاط نتر الحشفة بعد ذكره في صحيح محمد بن مسلم.

178

مع ما تقدم من أنه لا ملزم بالترتيب بين تمام المسحات و تمام النترات الذي هو صريح الفقيه و النهاية و المنصرف من غيرهما.

على أن الإلزام بالنتر لا وجه له بعد ظهور صحيح محمد بن مسلم في الاكتفاء بالعصر.

الثالث‏: ما عن المقنعة، حيث قال: «مسح بإصبعه الوسطى تحت أنثييه إلى أصل القضيب مرتين أو ثلاثا، ثمَّ يضع مسبحته تحت القضيب و إبهامه فوقه و يمرها عليه باعتماد قوي من أصله إلى رأس الحشفة [مرة أو] مرتين أو ثلاثا».

و يشكل‏مضافا إلى ما تقدم في سابقةبأنه لا وجه للتسامح في التثليث بعد تصريح جميع النصوص به، و لا للإلزام بعصر الذكر بعد ظهور صحيح حفص في كفاية النتر. فلاحظ.

الرابع‏: ما عن والد الصدوق من الاقتصار على مسح ما بين المقعدة و الأنثيين ثلاثا.

الخامس‏: ما عن المرتضى و ابن الجنيد من الاقتصار على نتر الذكر من أصله ثلاثا.

السادس‏: ما عن المهذب من الاقتصار على عصر الذكر مرتين أو ثلاثا مع عصر الحشفة.

و هذه الثلاثة مبنية على العمل ببعض النصوص و إهمال بعضها. و يزيد الأخير بالتسامح في التثليث، و إبدال نتر الحشفة بعصرها.

و الذي يتحصل بعد النظر فيما تقدم: أن مقتضى الجمع بين النصوص الاكتفاء بإحدى الكيفيات الثلاث المذكورة في النصوص المتقدمة، و هي مسح ما بين المقعدة و الأنثيين ثلاثا، و نتر الذكر ثلاثا، و عصره من أصله ثلاثا مع نتر الحشفة.

و مقتضى ملاحظة التنقية و الاحتياط بالجمع بين مفاد النصوص هو مسح تمام ما بين المقعدة و رأس الذكر ثلاثا ثمَّ نتر الحشفة.

ثمَّ إنه لو بني على الجمع بين مفاد النصوص فالظاهر أن اختلاف صحيحي محمد بن مسلم و حفص في الذكر، حيث تضمن الأول عصره، و الثاني نتره‏

179

و فائدته طهارة البلل الخارج بعده إذا احتمل أنه بول، و لا يجب الوضوء منه (1).

محمول على التخيير، أو الاختلاف في الفضل، لأن العصر آكد من النتر في التنقية.

و ربما حمل النتر على العصر، بأن يحمل على جذب الذكر من أصله إلى طرفه بنحو الخرط، الذي هو المراد بالعصر، كما قد يظهر من بعضهم.

كما أن تعبير سيدنا المصنف (قدّس سرّه) و غيره بالمسح فيه و في الخرطات الاولى لا بد أن يحمل على المسح بشدة المساوق للخرط، بقرينة نصوص المقام و مناسبة التنقية. و أما إبدال نتر الحشفة بعصرهاكما تقدم من الشهيدين‏فهو خروج عن النص بلا وجه، إلا أن يكون لمجرد الاستظهار، لا للوجوب.

بقي شي‏ء، و هو أن بعضهم قد تعرض لبعض الكيفيات الخاصة للخرطات، مثل ما تقدم عن المقنعة من المسح بالإصبع الوسطى و وضع الإبهام و المسبحة.

و لا ملزم به بعد إطلاق الأدلة. نعم، قد تضمن خبر الجعفريات‏المتقدم في استحباب الاستبراءسل الإصبع الوسطى من أصل العجان. و لا بأس بالعمل به برجاء المطلوبية، و إن كان من القريب إلغاء خصوصيته. فلاحظ. و اللّه سبحانه و تعالى العالم العاصم.

(1) كما صرح به جمع، بل عن السرائر نفي الخلاف فيه، و في كشف اللثام دعوى الاتفاق عليه، و في الحدائق عن غير واحد من المتأخرين التصريح بعدم معرفة الخلاف فيه، و هو مقتضى صحيحي محمد بن مسلم و حفص، و خبر عبد الملك، المتقدمة في كيفية الاستبراء، التي تقدم في أول الفصل أنها شاهد جمع بين إطلاق ما دل على طهارة البلل، و ما دل على نجاسته و ناقضيته. فراجع.

و أما ما عن محمد بن عيسى: «كتب إليه رجل: هل يجب الوضوء مما خرج من الذكر بعد الاستبراء؟ فكتب: نعم» (1).

____________

(1) الوسائل باب: 13 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 9.

180

و لو خرج البلل المشتبه بالبول قبل الاستبراء بنى على كونه بولا (1)، فلا مجال للتعويل عليه بعد ما عرفت.

و قد ذكر الشيخ (قدّس سرّه) في الاستبصار أن الوجه حمله على الندب أو التقية، لموافقته لمذهب أكثر العامة، لما حكي عنهم من ناقضية كل ما يخرج من السبيلين، و ليس فائدة الاستبراء إلا تنقية المجرى. و لا سيما مع عدم ظهوره في فرض اشتباه البلل، بل يعم ما إذا علم بعدم كونه بولا.

(1) كما صرح به جمع، و عن السرائر نفي الخلاف فيه، و في الحدائق عن غير واحد من المتأخرين التصريح بنفي معرفة الخلاف فيه.

و استدل عليه في كلام غير واحد بمفهوم النصوص المذكورة.

و يشكل بعدم كون المفهوم في الصحيحين مفهوم الشرط، بل مفهوم اللقب الذي ليس بحجة.

مع أن صحيح محمد بن مسلم مسوق لبيان ملازمة الاستبراء لعدم كون الخارج بولا، بحيث يكون سببا للحكم ظاهرا بعدم بوليته، فلا يقتضي إلا عدم الامارة على ذلك مع عدم الاستبراء، لا الحكم ببوليته، لترتب أحكامه، و ليس واردا لبيان إناطة عدم البولية واقعا بالاستبراء، للقطع بعدم ذلك، و إمكان نقاء المحل بدونه.

و أما خبر عبد الملك فالشرطية فيه مسوقة لتحقيق الموضوع، لأن الشرط فيها هو البول، لا الاستبراء، و تنزيلها على كون البول موضوع الشرطية لا نفس الشرط، لا قرينة عليه.

و دعوى: أنه لو كان المرجع بدون الاستبراء هو الأصل المقتضي للطهارة كان ذكر الاستبراء في النصوص لغوا، لعدم الأثر له.

مدفوعة: بأنه يكفي في الأثر له عدم حسن الاحتياط أو ضعفه معه، لأنه أمارة قطعية أو شرعية على عدم كون الخارج بولا.

فالعمدة في المقام هو إطلاقات النصوص المتضمنة لوجوب الوضوء

181

فيجب التطهير منه (1) و الاستنجاء من البلل الخارج بعد البول المتقدمة في أول الفصل، بعد تقييدها بنصوص الاستبراء المتقدمة، حيث تقدم أنها تكون شاهد جمع بينها و بين إطلاق طهارة البلل. فلاحظ.

(1) كما استظهر في الحدائق عدم الخلاف فيه. و إن استشكل فيه بأنه لا يناسب ما ذكروه في ملاقي بعض أطراف الشبهة المحصورة من عدم الحكم بنجاسته، لاشتراك طرف الشبهة مع البلل المشتبه في أن كلّا منهما قد اعطي بعض أحكام النجاسة، فإذا لم يكن وجوب الاجتناب عن طرف الشبهة مستلزما لتنجس ملاقيه، لم تكن ناقضية البلل المشتبه مستلزمة لنجاسته.

لكنه يندفع بالفرق بين المقامين بأن الحكم بوجوب الاجتناب عن طرف الشبهة عقلي بملاك لزوم إحراز الفراغ عن التكليف المعلوم بالإجمال من دون أن يتضمن الحكم بنجاسته، ليتفرع عليه تنجس ملاقيه.

أما الحكم بناقضية البلل المشتبه‏لو تمَ‏فهو شرعي متفرع على كونه بولا، للمفروغية عن عدم ناقضية غير البول مما يخرج من مخرجه، فيلزم نجاسته.

اللهم إلا أن يقال: الحكم بناقضيته إنما يستلزم بوليته و نجاسته إذا كان حكما واقعيا، أما إذا كان ظاهرياكما هو الحال في المقام‏فلا ينهض بإثبات لازمه، إذ لا مانع من التفكيك في مقام الظاهر بين التلازمات. على أن نصوص المقام لم تتضمن الحكم بناقضية البلل المشتبه، بل الأمر بالوضوء منه، و هو أعم من ناقضيته، لإمكان كونه أمرا احتياطيا، لاحتمال الناقضية.

و الذي ينبغي أن يقال: انّه إن كان الإشكال في وجوب الاستنجاء من البلل المشتبه، لإنكار الملازمة بينه و بين وجوب الوضوء منه. فيدفعه عدم الحاجة للملازمة المذكورة بعد ما تقدم في موثق سماعة من الأمر بالاستنجاء منه.

و إن كان الإشكال في ترتب سائر آثار البول عليه. فهو لا يخلو عن وجه، لأن الأمر ظاهرا بالوضوء و الاستنجاء منه لا يستلزم الحكم ظاهرا ببوليته، ليترتب عليه‏

182

سائر آثارها، لإمكان ابتنائه على الاحتياط في الأمرين المذكورين، الملزم بالاقتصار عليهما و عدم التعدي لسائر الآثار، فان الاحتياط الشرعي كالعقلي لا يبتني على التعبد بمنشإ الاحتمال الملزم به و إحرازه، لتترتب آثاره.

و دعوى: أن المستفاد من نصوص المقام كون الأمر بالوضوء و الاستنجاء من باب تقديم الظاهر على الأصل‏كما ذكره شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) و غيره‏فهو راجع إلى كون عدم الاستبراء أمارة على كون الخارج بولا، لظهور الحال في بقاء شي‏ء من البول في المجرى.

مدفوعة: بأن الاستبراء و إن كان أمارة على عدم كون البلل بولا، إلا أن عدمه ليس أمارة على بولية البلل، لإمكان نقاء المحل بدونه، كما تقدم.

فالحكم ببوليته‏لو تمَ‏لا يستند إلى الظاهر، بل هو تعبد شرعي بمجرد الاحتمال، و لا يصلح الأمر بالوضوء و الاستنجاء للدلالة عليه، كما تقدم.

نعم، لو تمَّ المفهوم في صحيح محمد بن مسلم كان مقتضاه التعبد ببولية البلل، لأن تعليق عدم البولية على الاستبراء مستلزم للبولية بدونه، إلا أنه تقدم عدم تماميته.

لكن الإنصاف أن إطلاق الاستنجاء ظاهر في المفروغية عن تحقق موضوعه، و هو البول، لأن الغسل بدون البول ليس استنجاء. و محض الاحتياط بالغسل لاحتمال كونه استنجاء، لا يصح إطلاق الاستنجاء حقيقة، فظاهر الأمر بالاستنجاء هو التعبد يكون البلل بولا.

مع أنه بعد كون وجوب الوضوء و الاستنجاء متيقنا من الأدلة فلا أثر للتعبد بالبولية إلا وجوب غسل الملاقي في غير مورد الاستنجاء و وجوب غسل ملاقي الملاقي مهما تسلسل.

و يكفي في ذلك صعوبة التفكيك عرفا بينهما و بين الاستنجاء، فالمفهوم من الأمر بالاستنجاء وجوب ترتيب آثار الانفعال بالبلل و إن لم يحكم عليه بالبولية.

فلاحظ.

183

و الوضوء (1)، و إن كان ترك الاستبراء لعدم التمكن منه (2)، (1) لا إشكال فيه بعد كثرة نصوصه من المطلقات المشار إليها (1).

(2) لإطلاق الأدلة المتقدمة.

و دعوى: أن مقتضى حديث الرفع‏ (2) المتضمن رفع الاضطرار و ما لا يطيقون رفع أثر عدم الاستبراء، و هو وجوب البناء على البولية.

مدفوعة: بما ذكرناه في الأصول عند الكلام في مفاد الحديث من أن مصحح اسناد الرفع للأمور المذكورة فيه رفع تبعة الفعل أو التكليف و ما يكون من شؤون المسؤولية المترتبة عليهما، فيختص بالآثار الثابتة بعناية كونها تبعة و جزاء على الفعل، كالمؤاخذة في الأحكام التكليفية، و كوجوب الكفارة و الحد، و نفوذ العقد و اليمين و الإقرار، دون بقية الآثار التابعة لأسبابها الشرعية و إن كانت موجبة للضيق، كالنجاسة بالملاقاة، و تحريم الحيوان مع الخطأ في التذكية، و منها ما نحن فيه، فان وجوب البناء على البولية ليس من سنخ التبعة و الجزاء لترك الاستبراء، بل هو من أحكامه الشرعية بلا ملاحظة ذلك.

نعم، لو كان مفاد الحديث تنزيل الأمور المذكورة فيه منزلة العدم شرعا فقد يتجه شموله لما نحن فيه و غيره.

لكنه خلاف ظاهره.

و ذكر بعض مشايخنا في وجه عدم شمول الحديث لما نحن فيه أمرين.

الأول‏: أنه مختص بالتكاليف الإلزامية المتوجهة إلى المكلف بسبب الفعل الاختياري كالإفطار في نهار شهر رمضان الذي هو موضوع لمثل الحرمة و الكفارة، دون ما يتوجه على المكلف بسبب أمر لم يؤخذ فيه الاختيار، كالنجاسة و الغسل المترتبين على إصابة النجس و لو بلا اختيار، و منه ما نحن فيه، فان وجوب البناء

____________

(1) راجع الوسائل باب: 36 من أبواب الجنابة.

(2) راجع الوسائل باب: 20 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة، و باب: 56 من أبواب جهاد النفس، و باب: 16 من كتاب الإيمان.

184

أو كان المشتبه مرددا بين البول و المني (1).

على البول من آثار خروج البلل مع عدم الاستبراء و إن لم يكن باختيار المكلف.

الثاني‏: أن مقتضى الحديث رفع حكم المضطر إليه لا ترتيب آثار نقيضه عليه. فمن وجب عليه البيع لو اضطر إلى تركه لم يحرم عليه الترك، لكن لا يترتب عليه آثار البيع من الملكية و نحوها.

و يندفع الأول: بأن أخذ الاختيار في موضوع التكليف الإلزامي إن كان لاختصاص دليله به، لفرض عدم الإطلاق له بنحو يشمل الفعل غير الاختياري، لم يحتج لحديث الرفع، بل لا موضوع له حينئذ، فلا بد أن يفرض شمول إطلاق الدليل للفعل غير الاختياري كي يكون الحديث حاكما عليه و مخصصا للحكم بحال العمد و الاختيار.

كما يندفع الثاني: بأن رفع حكم عدم الاستبراء في المقام كاف في البناء على الطهارة، لاستصحابها، بلا حاجة إلى إثبات حكم الاستبراء، و هو الأمارية على عدم البولية.

هذا، و لو كان الاضطرار بترك بعض المسحات لعدم الموضوع لها لقطع الحشفة أو تمام الذكر فالظاهر ترتب الفائدة المذكورة، لأن المستفاد من نصوص الاستبراء ان الغرض منه تنقية المجرى لرفع احتمال تخلف البول فيه و نزوله بعد ذلك منه، فمع القطع بعدم التخلف فيه تترتب الفائدة بالأولوية العرفية. بل بناء على ما تقدم من أن مقتضى الجمع العرفي الاكتفاء بإحدى الكيفيات المذكورة في النصوص يكون ذلك مقتضى النصوص، و به يخرج عن الإطلاق المتقدم. و لا مجال لما ذكره شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) من عدم ترتب الفائدة حينئذ.

(1) كما صرح به في العروة الوثقى و تبعه جماعة من محشيها.

و قد استشكل فيه سيدنا المصنف (قدّس سرّه).

تارة بقصور نصوص الاستبراء عن شمول الفرض، لظهورها في أن ما يحكم عليه بأنه بول لو لا الاستبراء محكوم عليه بأنه من الحبائل بعده.

185

و اخرى‏ بأن لازمه الحكم عليه بأنه مني بعد الاستبراء، لأن نصوص الاستبراء كما يظهر منها الحكم ببولية الخارج قبل الاستبراء يظهر منها الحكم بعدم بوليته بعده، فيلزمه كونه منيا.

و لعله لذا استشكل السيد الأصفهاني (قدّس سرّه) في حاشيته على العروة الوثقى في الاجتزاء بالوضوء في ذلك، بل قوّى في محكي وسيلته وجوب الجمع بينه و بين الغسل.

و يندفع بما ذكرناه آنفا من أن دليل البناء على البولية مع عدم الاستبراء ليس هو مفهوم نصوصه، ليقدح قصورها عن محل الكلام، بل إطلاق ما دل على وجوب الوضوء و الاستنجاء و عدم وجوب الغسل بخروج البلل بعد غسل الجنابة مع البول قبله، و من الظاهر شمول الإطلاق المذكور لمحل الكلام، إن لم يكن من أظهر أفراده.

بل يكفي في ذلك ما تضمن عدم وجوب الغسل و لم يتضمن وجوب الوضوء، كصحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «سئل عن الرجل يغتسل، ثمَّ يجد بعد ذلك بللا و قد كان بال قبل أن يغتسل. قال: ان كان بال قبل أن يغتسل فلا يعيد الغسل» (1) لأن الترخيص الظاهري في بعض أطراف العلم الإجمالي إنما لا يجوز و لا يصلح لحله إذا كان بلسان الأصل، دون ما إذا كان بمفاد الامارة، كما في المقام، لأن المستفاد من مجموع النصوص أن عدم وجوب الغسل مع البول إنما هو لأمارية البول على عدم كون البلل منيا، فإنه مستلزم لبوليته في محل الكلام، فيرتفع به الاجمال تعبدا. فتأمل.

على أنه لو فرض نهوض نصوص الاستبراء بإثبات بولية البلل مع عدمه، فهي و إن اختصت بصورة احتمال كون البلل من الحبائل، لتضمنها الحكم به مع الاستبراءكما ذكره (قدّس سرّه)إلا أن الظاهر إلغاء الخصوصية المذكورة عرفا، لأن عدم الاستبراء إذا كان موجبا للتعبد ببولية البلل و إلغاء احتمال كونه من الحبائل مع عدم الامارة على نفي الحبائل، فهو يقتضي التعبد ببولية البلل و إلغاء احتمال كونه منيا

____________

(1) الوسائل باب: 6 من أبواب الجنابة حديث: 5.

186

مع كون البول أمارة على عدم المني بالأولوية العرفية التي لها الدخل في فهم الأدلة.

و أما ما ذكره أخيرا من أن لازم ذلك الحكم على البلل مع الاستبراء بأنه مني. فهو كما ذكره لو لا ما دل على أمارية البول على كونه غير مني، الموجب لتعارض الأمارتين فيسقطان عن الحجية، و يلزم مراعاة العلم الإجمالي بخروج أحد الأمرين، كما صرح به جمع، منهم سيدنا المصنف (قدّس سرّه) نفسه، بل جرى (قدّس سرّه) في مبحث غسل الجنابة على ما ذكرناه و أغفل ما تقدم منه مما ذكره في مبحث الاستبراء من قصور نصوص الاستبراء عن الفرض المذكور.

مع أنه بناء على قصورها عنه يشكل ذلك بما نبه له شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) من أن اللازم في فرض الاستبراء أيضا الرجوع إلى إطلاق ما تضمن عدم وجوب الغسل و وجوب الوضوء و الاستنجاء بخروج البلل بعد غسل الجنابة مع البول قبله، لشموله لحال الاستبراء بالخرطات، فينحل به العلم الإجمالي المذكور.

و لا يندفع ذلك إلا بدعوى إلغاء خصوصية مورد نصوص الاستبراء، لفهم عدم دخل احتمال كون البلل من الحبائل في أمارية الاستبراء على عدم البولية، لأن منشأها ارتكازا نقاء المجرى من البول الذي لا يفرق فيه بين صورة احتمال كون البلل من الحبائل‏التي هي مورد النصوص‏و صورة عدمه و التردد بين البول و المني، و الحكم في النصوص بطهارة البلل إنما هو لندرة الصورة الثانية، لا لاختصاص الأمارية بالأولى.

و عليه يتعين تعارض الأمارتين في الصورة الثانيةالتي هي محل الكلام- و مراعاة العلم الإجمالي.

نعم، نبه شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) إلى أن المستفاد من نصوص الاستبراء من الجنابة بالبول و من البول بالخرطات اختصاص أمارية الأمرين المذكورين بنفي بقاء المني و البول في المجرى، لوضوح أن البول و الخرطات إنما ينقيان المجرى، كما يناسبه التعليل في صحيح محمد بن مسلم المتقدم في أول الفصل بأن البول لم يدع شيئا، و لا دافع لاحتمال خروجهما من الداخل بسبب جديد إلا الأصل.

187

و على هذا يختلف الحال في محل الكلام، فان لتردد البلل بين البول و المني صورا أربعا.

الأولى‏: أن يعلم بخروج أحدهما من المجرى.

و يجري فيها ما تقدم من البناء على بوليته مع عدم الاستبراء، و على مقتضى العلم الإجمالي معه.

و يلحق بها ما إذا احتمل خروج أحدهما من المجرى و إن لم يعلم به، إذ مع الاستبراء تتعارض الأمارتان بالإضافة إلى الخروج من المجرى، و أصالة عدم كل من الأمرين بالإضافة إلى الخروج من الداخل. و مع عدمه فالمرجع عموم البناء على بولية البلل الخارج بعد البول، إذ يكفي فيه احتمال الخروج من المجرى لا القطع به، فينحل به العلم الإجمالي.

الثانية: أن يعلم بخروج أحدهما من الداخل. و لا فرق فيها بين الاستبراء و عدمه في لزوم البناء على مقتضى العلم الإجمالي.

الثالثة: أن يعلم بخروج البول من المجرى أو المني من الداخل. فمع الاستبراء قد يتجه البناء على المني، لأن الاستبراء لما كان أمارة على عدم خروج البول من المجرى فهو أمارة على كون الخارج منيا، فيكون حاكما على استصحاب عدم خروج المني، و ينحل به العلم الإجمالي.

اللهم إلا أن يقال: حجية الاستبراء في نفي البول لا تستلزم حجيته في إثبات خروج المني من الداخل، و إن كان لازما اتفاقيا لذلك. و لا أصل لما اشتهر من حجية الإمارة في لازم مؤداها، بل هو مختص ببعض الأمارات، كالبينة و نحوها مما ثبت ببناء العقلاء حجيته في اللازم، دون مثل الاستبراء، فان المتيقن حجيته في مؤداة، فيعارض بأصالة عدم خروج المني، و بعد تساقطهما يتعين البناء على مقتضى العلم الإجمالي.

و أما مع عدم الاستبراء فمقتضى إطلاق الأدلة المتقدمة لزوم البناء على بولية الخارج، فينحل العلم الإجمالي بذلك، و يبنى على أصالة عدم خروج المني.

و دعوى: أن ظاهر النصوص المتقدمة التعبد ببولية البلل في مقابل خروج‏

188

المني من المجرى، لا مطلقا و لو في مقابل خروج المني من الداخل.

مدفوعة: بأن التقييد المذكور لا يناسب إهمال النصوص لاحتمال كون البلل من الحبائل، لوضوح أن الحبائل ليست مما يبقى في المجرى، بل يحتمل نزولها من الداخل، فالتعبد بالبولية مع ذلك ظاهر في الإطلاق، و إهمال احتمال خروج ما عدا البول من الداخل أو المجرى مع عدم الاستبراء بالخرطات.

فلاحظ.

الرابعة: أن يعلم بخروج المني من المجرى أو البول من الداخل. و الظاهر فيها لزوم مراعاة العلم الإجمالي.

و دعوى: أن مقتضى أمارية البول على عدم خروج المني هو خروج البول حتى مع الاستبراء، لأن الاستبراء لا يدفع احتمال خروجه من الداخل.

مدفوعة: بما ذكرناه في الصورة السابقة من عدم حجية مثل هذه الامارة على مثل هذا اللازم، بل تقتصر حجيتها على مؤداها، فتعارضها أصالة عدم خروج البول، و بعد سقوطهما يتعين مراعاة العلم الإجمالي.

و قد تحصل من جميع ذلك: أنه يجب مراعاة العلم الإجمالي إلا مع عدم الاستبراء و احتمال خروج البول من المجرى، حيث تقتضي الإطلاقات المتقدمة البناء على بولية الخارج، فينحل العلم الإجمالي بذلك. فلاحظ.

بقي الكلام في مقتضى العلم الإجمالي بخروج أحد الأمرين من البول و المني.

و من الظاهر عدم الأثر له مع سبق الجنابة، للعلم بوجوب غسلها، دون الوضوء، على كل حال.

كما لا ينبغي الإشكال في لزوم الجمع بين الوضوء و الغسل مع سبق الطهارة من الحدث الأكبر و الأصغر، للعلم الإجمالي بوجوب أحدهما تبعا لذلك.

و كذا مع سبق الحدث الأكبر غير الجنابة، بناء على عدم إجزاء ما عدا غسل الجنابة من الأغسال عن الوضوء، لأصالة عدم خروج المني و عدم حدوث الجنابة، غير المعارضة بأصالة عدم خروج البول، لعدم الأثر للبول بعد العلم بسبق وجوب الوضوء. و إنما الإشكال فيما لو سبق الحدث الأصغر، فقد صرح جماعة

189

بالاكتفاء بالوضوء.

و ربما يستشكل في ذلك باستصحاب كلي الحدث المعلوم وجوده بعد البلل و قبل الوضوء، لاحتمال عدم ارتفاعه بالوضوء، فيجب الغسل عقلا لإحراز ارتفاعه، لا شرعا، لعدم كونه من أحكام كلي الحدث، بل من أحكام خصوص الحدث الأكبر الذي مقتضى الأصل عدمه.

و أما ما ذكره سيدنا المصنف (قدّس سرّه) من معارضة استصحاب عدم الحدث الأكبر المقتضي لعدم وجوب الغسل لاستصحاب الكلي في المقام.

ففيه: أن إحراز عدم وجوب الغسل شرعا لاستصحاب عدم الحدث الأكبر، المقتضي لعدم ترتيب جميع الآثار المختصة به لا ينافي وجوبه عقلا، لإحراز ارتفاع كلي الحدث و ارتفاع آثاره تبعا له. نظير من اغتسل بمائع مردد بين البول و الماء، فان مقتضى استصحاب طهارة بدنه و إن كان هو عدم وجوب غسله و تطهيره، إلا أنه يجب غسله عقلا، لإحراز صحة الغسل بعد فرض استصحاب الحدث، للقطع بعدم مشروعية الغسل بدونه، إما لصحة الغسل الأول، أو لنجاسة البدن. فلاحظ.

نعم، يشكل التمسك باستصحاب كلي الحدث في المقام لوجوه.

الأول‏: أنه لا مجال له مع الاستصحاب الجاري في فرديه.

و توضيح ذلك: أن الحدث الأكبر إما أن يكون مانعا من الحدث الأصغر إن سبقه و رافعا له إن لحقه، فليس الغسل رافعا إلا للأكبر. أو لا، بل يجتمعان معا مع تبيانهما سنخا أو تأكد أحدهما بالآخر، و يكون الغسل رافعا لهما معا.

أما على الأول فاستصحاب كلي الحدث و إن كان بدوا من القسم الثاني لاستصحاب الكلي، لتردد الحدث الواحد المعلوم الحصول قبل الوضوء بين الأكبر المقطوع البقاء مع الوضوء و الأصغر المقطوع الارتفاع به، إلا أن مقتضى استصحاب الأصغر و عدم الأكبر بعد خروج البلل هو ارتفاع الأصغر و الكلي تبعا له بالوضوء و عدم الاحتياج في رفع الكلي للغسل.

و دعوى: أن الاستصحاب المذكور إنما يحرز عدم الأكبر و عدم ترتب آثاره‏

190

الخاصة به، كحرمة قراءة العزائم و المكث في المساجد، لا ارتفاع كلي الحدث المستتبع لارتفاع آثاره، كعدم جواز الدخول في الصلاة، إلا بناء على الأصل المثبت، بل مقتضى الاستصحاب بقاء الكلي.

مدفوعة: بأن استصحاب بقاء الأصغر يحرز رافعية الوضوء له و للكلي الموجود في ضمنه لأن ذلك هو المستفاد من دليل رافعية الوضوء للحدث الأصغر ثبوتا. و لذا لا إشكال في جريان استصحاب طهارة الماء لإحراز صحة الوضوء به، لترتيب آثار ارتفاع كلي الحدث، مع وضوح أن الوضوء سبب لارتفاع خصوص الأصغر منه.

و حينئذ يرجع احتمال بقاء كلي الحدث إلى احتمال وجوده في ضمن الأكبر المشكوك الحدوث، فيكون استصحابه من القسم الثالث لاستصحاب الكلي، الذي لا يجري، خصوصا في مثل المقام مما احتمل فيه تعاقب الفردين، لا اجتماعهما في الوجود.

و أما على الثاني فربما يدعى أن الأصغر الموجود مع الأكبر كما يرتفع بالغسل يرتفع بالوضوء، فليس الشك إلا في حدوث الأكبر، و الأصل عدمه، و يكون استصحاب كلي الحدث معه من القسم الثالث الذي لا يجري حتى في مثل المقام مما احتمل فيه اجتماع الفردين في الوجود لا تعاقبهما.

و قد يستدل عليه بإطلاق ما دل على سببية أسباب الحدث الأصغر للوضوء و رافعيته له، لشمولها لحال وجود الحدث الأكبر. بل ذكر سيدنا المصنف (قدّس سرّه) أنه لا يبعد استفادة ذلك من أدلة مشروعية الوضوء لنوم الجنب‏ (1).

لكن الظاهر عدم ارتفاعه بالوضوء، و الا لزم وجوب الجمع بين الوضوء و التيمم مع تعذر الغسل، تحصيلا للطهارة الاختيارية من الحدث الأصغر، و مشروعية الوضوء قبل غسل الجنابة و إن لم يكن واجبا، مع عدم الاشكال ظاهرا في بطلان الأمرين، بل هو صريح النصوص في الأول‏ (2)، و الذي قد يظهر منها (3).

____________

(1) راجع الوسائل باب: 25 من أبواب الجنابة.

(2) راجع الوسائل باب: 24 من أبواب التيمم.

(3) راجع الوسائل باب: 34، 35 من أبواب الجنابة.

191

في الثاني.

بل الظاهر أن مشروعية الوضوء مع غير غسل الجنابة من الأغسال ليس لرفع الحدث الأصغر الموجود معه، بل لتتميم أثر الغسل، و لذا لا يتوقف على تحقق سبب الحدث الأصغر من البول و نحوه.

كما أن مشروعية الوضوء لنوم الجنب ليست لرفعه الحدث الأصغر، بل هي من أحكام الجنب و لو مع عدم سبب الحدث الأصغر، كاستحباب الوضوء و المضمضة و غسل الوجه و اليدين للأكل و الشرب التي دلت عليها النصوص أيضا (1).

فالعمدة في المقام: أن رافعية الوضوء للحدث الأصغر تكون‏بناء على ذلك‏مشروطة بعدم الحدث الأكبر، و حيث كان الحدث الأصغر محرزا بالوجدان، فبضميمة استصحاب عدم الحدث الأكبر يحرز ارتفاع الأصغر بالوضوء، و كذا ارتفاع الكلي الموجود في ضمنه، كما تقدم.

فإن أريد باستصحاب كلي الحدث استصحابه بلحاظ احتمال بقائه في ضمن الأصغر المتيقن الحدوث‏ليكون من القسم الأول من استصحاب الكلي- فهو محكوم لاستصحاب عدم الحدث الأكبر المحرز لرافعية الوضوء للحدث الوضوء.

و إن أريد استصحابه بلحاظ احتمال بقائه في ضمن الأكبر المحتمل الحدوث فهو من القسم الثالث من استصحاب الكلي، الذي عرفت عدم جريانه.

الثاني‏: أن الظاهر كون الأثر مترتبا على فردي الحدث بخصوصيتيهما و عنوانيهما، لعدم أخذ كلي الحدث بعنوانه موضوعا للمانعية، بل أخذت الطهارة موضوعا للشرطية، و من الظاهر أن الطهارة أمر إضافي يختلف بالإضافة إلى كل حدث بنفسه، فيكون كل حدث بنفسه موضوعا للمانعية. و هو الظاهر من مثل قوله‏

____________

(1) راجع الوسائل باب: 20 من أبواب الجنابة.

192

تعالى‏ إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ‏. وَ إِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا (1) بناء على أن المراد القيام من النوم، كما في موثق بن بكير (2)، و ظاهر نصوص الأحداث، مثل قوله (عليه السلام) في صحيح يونس في بيان الوضوء المفترض لمن جاء من الغائط أو بال: «يغسل ذكره و يذهب الغائط و يتوضأ مرتين» (3) و غيره.

فإن المستفاد من ذلك كون كل منهما بنفسه موضوعا للمانعية، و اتفاق الافراد في المانعية لا يستلزم كون المانع شرعا هو الجامع بما هو أمر بسيط قد ألغيت فيه الخصوصيات، بل يكون موضوع المانعية مركبا من العناوين المتعددة الخاصة، فإذا أحرز عدم بعضها بالوجدان و عدم الآخر بالأصل أحرز فقد المانع و حصول الشرط، و إن لم يحرز عدم الكلي بما هو أمر بسيط، لا بالأصل و لا بالوجدان. فتأمل جيدا.

الثالث‏: أن ذلك لو تمَّ لزم البناء على الاحتياط بالغسل في كل مورد يكون المكلف محدثا بالأصغر إذا احتمل طروء الحدث الأكبر، سواء طرأ الحدث الأصغر قبل الاحتمال أم بعده، و من الظاهر عدم إمكان الالتزام بذلك بعد ملاحظة سيرة المتشرعة.

بل قد يشهد به بعض النصوص، كالنصوص المتضمنة لعدم وجوب الغسل بخروج البلل بعد الغسل إذا كان قد بال‏ (4)، لوضوح أن البول إنما يكون أمارة على نقاء المجرى و عدم خروج المني منه، و لا يدفع احتمال نزوله من الداخل، و ما عن مستطرفات السرائر عن محمد بن مسلم: «سألته عن رجل لم ير في منامه شيئا، فاستيقظ فإذا هو بلل. قال: ليس عليه غسل» (5) و خبر أبي بصير: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يصيب بثوبه منيا و لم يعلم أنه احتلم. قال: ليغسل ما وجد

____________

(1) سورة المائدة: 6.

(2) الوسائل باب: 3 من أبواب نواقض الوضوء حديث: 7.

(3) الوسائل باب: 9 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 5.

(4) راجع الوسائل باب: 36 من أبواب الجنابة و قد تقدم بعض هذه النصوص في أول هذا الفصل.

(5) الوسائل باب: 1 من أبواب الجنابة حديث: 4.

193

بثوبه و ليتوضأ» (1) بناء على حمله على الثوب المشترك‏كما ذكره الشيخ (قدّس سرّه)أو على احتمال كونه من جنابة سابقةكما احتمله في الوسائل‏فلاحظ.

هذا كله بالإضافة إلى الحدث، و أما بالإضافة إلى الخبث فلا أثر للعلم الإجمالي مع عدم تنجس البدن بالبلل، لخروجه في مثل الكر، و لا مع سبق النجاسة بالبول، لوجوب الغسلتين على كل حال.

و أما مع سبق الطهارة أو النجاسة بغير البول مما يكتفى فيه بالمرة فقد يدعى أن مقتضى استصحاب النجاسة وجوب الغسل مرتين.

لكن الظاهر أنه محكوم لاستصحاب عدم ملاقاة البول للبدن المقتضي لعدم وجوب التعدد بمقتضى عموم الاكتفاء بالمرة في تطهير المتنجس، بناء على ما أشرنا إليه في أول فروع ماء الاستنجاء من أن إحراز عدم عنوان الخاص بالأصل كاف في جريان حكم العام.

و لا يعارض باستصحاب عدم ملاقاة البدن للمني، لعدم كون الاكتفاء بالمرة من أحكام التنجس بالمني، بل من أحكام مطلق التنجس المعلوم في المقام.

اللهم إلا أن يقال: الاكتفاء بالمرة ليس من أحكام مطلق التنجس و قد استثنى منه التنجس بالبول، بل من أحكام التنجس بكل نجاسة غير البول، على نحو يكون من أحكام أفراد ملاقاة النجاسات المختلفة غير البول، لتشابه تلك النجاسات في الحكم المذكور، فلا ينفع في الاكتفاء بالمرة إحراز التنجس بالوجدان و نفي التنجس بالبول بالأصل، بل لا بد من إحراز التنجس بغير البول من النجاسات، و لا أصل يحرز ذلك، بل يتعين الرجوع لاستصحاب النجاسة، لكنه مشكل جدا.

ثمَّ إنه لو بني على الاكتفاء بالمرة لأصالة عدم ملاقاة البول فإنما يتجه العمل به في المقام مع لزومه الغسل إما لسبق الحدث الأكبر، أو للعلم الإجمالي في فرض سبق الطهارة من الحدثين.

أما مع سبق الحدث الأصغر الذي تقدم أن مقتضى الاستصحاب الاكتفاء

____________

(1) الوسائل باب: 10 من أبواب الجنابة حديث: 3.

194

و يلحق بالاستبراء في الفائدة المذكورة طول المدة على وجه يقطع بعدم بقاء شي‏ء في المجرى (1). و لا استبراء للنساء (2)، معه بالوضوء، فمع الغسل مرة واحدة يعلم إجمالا بالنجاسة الخبثية أو الحدث الأكبر، فيجب الاحتياط بالجمع بين غسلة اخرى و الغسل. إلا أن يتجنب حدوث العلم الإجمالي المذكور بالغسل بالكر الذي لا يحتاج للتعدد فيه حتى في البول، لعدم فعلية الأثر للعلم الإجمالي المذكور قبل الغسل، لعدم الفرق بين النجاستين في الآثار، و إنما يكره أثره فعليا بعد الغسل مرة بالقليل، فمع تجنب ذلك بالغسل بالكثير لا مانع من العمل بالأصل في نفي الغسل. فلاحظ.

(1) قال في الجواهر: «و ربما ألحق بعض مشايخنا بالاستبراء طول المدة و كثرة الحركة، بحيث لا يخاف بقاء شي‏ء في المجرى. و هو لا يخلو من وجه بعد حصول القطع بذلك. و إلا فإطلاق الأدلة ينافيه. بل يمكن المناقشة حتى في صورة القطع، لاحتمال مدخلية الكيفية الخاصة في قطع دريرة البول. لكنها ضعيفة».

لكن تقدم أن فائدة الاستبراء البناء على عدم خروج البول من المجرى، و لا نظر في أدلته لاحتمال نزوله من الداخل بدفع جديد.

و عليه لا موضوع للفائدة المذكورة، في فرض القطع بنقاء المجرى، إذ احتمال بولية البلل إن كان مع احتمال خروجه من المجرى كان منافيا للقطع المذكور، و مستلزما لتبدله بالشك، و إن كان مع احتمال نزوله من الداخل لم يصلح القطع المذكور لدفعه، كما لا يدفعه الاستبراء، بل ليس الدافع له إلا الأصل، كما تقدم.

(2) كما هو ظاهر تقييد استحباب الاستبراء بالرجل و ظاهر بيان كيفيته في كلام جماعة.

و عن المنتهى و محكي النهاية التعميم لها، بل عن الروض و الذخيرة أنه أثبته جماعة للأنثى، فتستبرئ عرضا.

و هو غير ظاهر المستند بعد اختصاص نصوص الاستبراء و كيفيته بالرجل.

195

و البلل المشتبه الخارج منهن طاهر لا يجب له الوضوء (1).

نعم، الاولى أن تصبر قليلا (2) و تتنحنح (3) و تعصر فرجها عرضا (4).

(1) كما صرح به غير واحد، و في الجواهر: أنه ينبغي القطع به و إن قيل باستحباب الاستبراء لها. و يقتضيه الأصل.

لكن ذكر شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) أن اللازم البناء على البولية، لإطلاق النصوص المتضمنة لذلك في البلل الخارج بعد البول، حيث يجب الاقتصار في الخروج عنه على الرجل المستبرئ، و تعذر الاستبراء منها لا يوجب خروجها عن الإطلاق المذكور. و ورود الإطلاق المذكور في الرجل لا ينافي شموله لها، كما هو شأن أكثر الأحكام التي تضمنتها الأخبار.

و لازمه البناء على البولية و لو مع الاستبراء بالكيفية الآتية، لخروجها عن الكيفية المذكورة في النصوص.

و يشكل ما ذكره: بأنه بعد فرض اختصاص الإطلاق في النصوص بالرجل لا مجال للتعدي للمرأة لا في هذا الحكم و لا في غيره، إلا بقرينة خارجية من إجماع و نحوه أو بفهم عدم الخصوصية، و لا مجال لهما في المقام بعد اقتصارهم على الرجل، و كون المفهوم من النصوص تقديم احتمال بقاء شي‏ء في المجرى، الذي يحتمل خصوصية المجرى الذي للرجل فيه، لكثرة تخلف البول فيه، فلا مخرج في المرأة عن مقتضى الأصل.

بل لا ينبغي الإشكال في قصور الإطلاق لو احتمل خروج البلل من مجرى الحيض، لا مجرى البول.

(2) كما عن نجاة العباد، و لعله للاستظهار بخروج تمام البول.

(3) كما عن ابن الجنيد، و لعله لما تقدم أيضا.

(4) تقدم عن الروض و الذخيرة نسبته إلى جماعة، و لعله لما تقدم أيضا.

لكن يكفي فيه عصر مخرج البول لا تمام الفرج، و لعل مرادهم ذلك.

196

(مسألة 11): فائدة الاستبراء تترتب عليه و لو كان بفعل غيره (1).

(مسألة 12): إذا شك في الاستبراء أو الاستنجاء بنى على عدمه (2)، و إن كان من عادته فعله (3).

(1) و ان كان متبرعا غير مأمور، كما استظهره في الجواهر. لأن الجمود على لسان النصوص و إن كان يقتضي اعتبار المباشرة، إلا أن الظاهر إلغاء خصوصيتها عرفا، بقرينة كون المقصود التنقية الحاصلة بفعل الغير و إن كان متبرعا.

(2) للأصل.

(3) لعدم حجية العادة، و عدم الاعتبار بالمحل العادي في صدق التجاوز المعتبر في قاعدة التجاوز، لانصراف نصوصه إلى المحل الشرعي لا غير على ما يذكر في محله.

و منه يظهر عدم صدق التجاوز عن الاستبراء بالاستنجاء، و لا عن الاستنجاء بالقيام عن محل قضاء الحاجة، لأن تقديم الاستبراء على الاستنجاء و الاستنجاء على القيام عن محل قضاء الحاجة إنما هو لمحض التعارف و العادة، لا للترتيب الشرعي.

فما في العروة الوثقى من أنه لا يبعد جريان قاعدة التجاوز عن الاستنجاء في صورة الاعتياد.

ضعيف، بل هو لا يناسب جزمه بعدم التعويل على العادة في الاستبراء.

نعم، لو فرغ من الصلاة و شك في الاستنجاء قبلها بنى على صحتها، لقاعدة التجاوز أو الفراغ بالإضافة إليها، لا إلى الاستنجاء نفسه، لعدم الترتيب بينه و بينها إلا باعتبار شرطية الطهارة فيها الملزم بتقديم الاستنجاء عليها عادة و عقلا.

و من هنا لا بد من الإتيان به للصلوات الآتية، لأصالة عدمه. كما أنه لو التفت في أثناء الصلاة لم ينفع التجاوز إلا بالإضافة إلى ما وقع من الأجزاء، و لا مجال لإحرازه بنحو يصحح المضي فيها.

197

و إذا شك من لم يستبرئ في خروج رطوبة بنى على عدمها (1) و إن كان ظانا بالخروج (2).

نعم، لو أمكن التطهير بمجرد الالتفات من دون فعل المنافي كان له المضي في صلاته بعده، بناء على عدم قادحية النجاسة في حال عدم الانشغال بأجزاء الصلاة. بل لا إشكال لو فرض حصول التطهير له قبل الالتفات، لصحة الأجزاء السابقة ظاهرا بقاعدة الفراغ أو التجاوز و اللاحقة بمقتضى فرض التطهير.

و أما دعوى: أن مفاد القاعدة تحقق المشكوك الذي مضى محله، و الاستنجاء قد مضى محله بالإضافة إلى ما وقع من أجزاء الصلاة، لأنه شرط فيها، و مضي الشرط بمضي المشروط، و بعد فرض التعبد بتحققه يتعين جواز الدخول في صلاة أخرى، فضلا عن إكمال الصلاة التي بيده.

فهي مدفوعة: بأنه لو سلم صدق المضي بالإضافة إلى الشرط تبعالمضي المشروطلا بالإضافة إلى المشروط وحده بنحو يقتضي صحته لا غيرو سلم كون مفاد القاعدة وجود المشكوك الذي مضى محله‏لا محض إهمال الشك‏إلا أن المتيقن منه هو التعبد بوجوده من حيثية كونه قد مضى محله، فلا تترتب إلا الآثار الخاصة به من حيثية ارتباطه بالمحل الخاص، و هو في المقام صحة ما مضى من الصلاة و تماميتها لا غير، و لا إطلاق للتعبد بوجوده بحيث يقتضي التعبد حتى بآثار مطلق وجوده، ليتجه الاستمرار في الصلاة التي شك في أثنائها و الدخول في غيرها. و تمام الكلام في ذلك في محله.

(1) للأصل بعد اختصاص أدلة البناء على الحدث و النجاسة مع عدم الاستبراء بصورة الشك في حال البلل الخارج، و لا تعم الشك في أصل الخروج، فإنه و إن أطلق في بعضها وجدان البلل الشامل لصورة الشك في خروجه، إلا أن المنصرف منها الكناية عن خروجه، و لذا لا إشكال في شمولها لما إذا علم بخروج البلل و لم يوجد لسقوطه في مثل الكنيف. فلاحظ.

(2) لعدم الدليل على حجية الظن المذكور.

198

(مسألة 13): إذا علم أنه استبرأ أو استنجى و شك في كونه على الوجه الصحيح بنى على الصحة (1).

(مسألة 14): لو علم بخروج المذي و لم يعلم استصحابه لجزء من البول بنى على طهارته و إن كان لم يستبرئ (2).

(1) لقاعدة الصحة المعول عليها عند العقلاء في جميع أمورهم، بل لا يبعد كون قاعدة الفراغ و التجاوز من صغرياتها.

و قد يقتضيه موثق محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): «قال: كلما شككت فيه مما قد مضى فامضه كما هو» (1) بناء على حمل الشك في الشي‏ء على الشك في صحته بعد الفراغ عن وجوده.

بل لو كان المراد به الشك في أصل الوجود كان دالا على حكم الشك في الصحة مع إحراز أصل الوجود بالأولوية العرفية. فتأمل.

بل لا يبعد دخول الشك في الاستنجاء في إطلاق موثقة الآخر: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: كلما مضى من صلاتك و طهورك فذكرته تذكرا فامضه كما هو و لا إعادة عليك فيه» (2) لصدق الطهور على الاستنجاء، و لا سيما بملاحظة ما في الصحيح: «قال: لا صلاة إلا بطهور، و يجزيك من الاستنجاء ثلاثة أحجار.» (3).

(2) كأنه لاختصاص النصوص بالبلل المشتبه المردد بين البول و غيره، فلا يشمل الفرض مما علم فيه بكون الخارج مذيا، و احتمال استصحابه لشي‏ء من أجزاء البول لا ينافي صدق الذي عليه، لقلته.

نعم، لو كان البول المحتمل اختلاطه به من الكثرة بحيث يمنع من صدق‏

____________

(1) الوسائل باب: 23 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة حديث: 3.

(2) الوسائل باب: 42 من أبواب الوضوء حديث: 6.

(3) الوسائل باب: 9 من أبواب أحكام الخلوة حديث: 1.

199

المذي عليه، بل يكون بولا و مذيا اتجه البناء على النجاسة و الناقضية، لصدق البلل المشتبه عليه حينئذ، كما صرح به في العروة الوثقى.

لكن من الظاهر أن النصوص لم تتضمن أخذ الاشتباه قيدا في البلل، بل أطلق فيها البلل. غايته أن فرض طهارة ما عدا البول و عدم ناقضيته ملزم بحمل الحكم فيها على كونه ظاهريا مختصا بحال احتمال الانتقاض بخروج البلل و لو لاحتمال استصحابه لشي‏ء من البول، و لا يخرج من إطلاقها إلا ما يعلم معه بالطهارة و عدم الناقضية واقعا، كالمذي الخالص.

و منه يظهر أن اللازم البناء على الانتقاض و النجاسة حتى مع العلم باستهلاك البول في المذي لقلته، لدخوله في إطلاق نصوص المقام.

اللهم إلا أن يقال: الظاهر ورود نصوص المقام لبيان الحكم الظاهري في الشبهة الموضوعية بعد الفراغ عن الحكم الكلي الكبروي، و الشك في المقام في ناقضية البول المستهلك و نجاسته كبرويا، فلا تنهض ببيانهما، بل يلزم البناء على عدمهما لأصالة الطهارة من الخبث في الخارج و استصحاب الطهارة من الحدث، بل لنصوص حصر النواقض، لظهورها في أن الناقض هو ما يصدق عليه البول عرفا، دون المستهلك منه.

كما قد يمنع ذلك من شمول النصوص للمذي المحتمل استصحابه للبول.

لأن ورودها لبيان الحكم الظاهري من سنخ القرائن المتصلة المانعة من انعقاد إطلاق عنوان البلل و الشي‏ء، بنحو يشمل البول الخالص و المستصحب لشي‏ء من المذي يقينا أو احتمالا و المذي الخالص و المستصحب لشي‏ء من البول يقينا، لعدم الشك معها، بل ينصرف إلى ما لا يعلم عنوانه الخاص و يتردد بينهما، بحيث لا يعلم إلا بأنه شي‏ء أو بلل، و حينئذ لا يشمل المذي المحتمل اختلاطه بالبول، كما لم يشمل البول الذي يحتمل اختلاطه بالمذي، و لا أقل من كونه خلاف المتيقن من الإطلاق. و إنما يتجه البناء على العموم له لو كان خروج بعض الأفراد القليلة لقرينة منفصلة غير مانعة من انعقاد الإطلاق.

و أظهر من ذلك ما لو علم بكون الخارج مذيا خالصا مثلا، و احتمل خروج‏

200

بعض الأجزاء البولية قبله أو بعده بحيث لا يتصل به، حيث لا أثر للاحتمال المذكور، لخروجه عن النصوص بل يدخل فيما تقدم في آخر المسألة الثانية عشرة. فلاحظ.

و اللّه سبحانه و تعالى العالم العاصم، و له الحمد وحده، و الصلاة و السلام على من لا نبي بعده سيدنا محمد و آله الطيبين الطاهرين.

انتهى الكلام في مبحث أحكام الخلوة عصر الثلاثاء الثاني و العشرين من شهر ربيع الأول سنة ألف و ثلاثمائة و ستّ و تسعين للهجرة.

و انتهى تبييضه ضحى الخميس الرابع و العشرين من الشهر المذكور.

201

المبحث الثالث في الوضوء و فيه فصول:

الفصل الأول في أجزائه‏ و هي غسل الوجه و اليدين (1) و مسح الرأس و الرجلين (2).

فهنا أمور.

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏

الحمد للّه ربّ العالمين. و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و آله الطاهرين.

و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين.

(1) اعلم أن الكتاب المجيد و السنة المتواترة و عبارات الفقهاء و إن اشتملت على عنوان الغسل بالإضافة إلى الوجه و اليدين.

(2) الظاهر أن عدم وجوب ما زاد على ذلك من ضروريات المذهب الحق. و يكفي فيه شرح الوضوء المستفاد من قوله تعالى‏ إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ‏ (1)، و النصوص الكثيرة المتضمنة لحده و كيفية التي لا يبعد تواترها

____________

(1) سورة المائدة: 6.

202

الأول‏ يجب غسل الوجه (1) ما بين قصاص الشعر إلى طرف الذقن طولا، و ما اشتملت عليه الإصبع الوسطى و الإبهام عرضا (2).

معنى‏ (1)، و غيرهما مما ورد في بيان عدم وجوب ما زاد على ذلك، كغسل الأذنين‏ (2) و المضمضة و الاستنشاق‏ (3)، و به ترفع اليد عما يظهر في خلاف ذلك، حيث لا بد من حمله على الاستحباب أو التقية أو غيرهما.

و لعله يأتي التعرض لبعض ذلك في مطاوي ما يأتي.

(1) بإجماع علماء الإسلام كافة، كما عن المنتهى و التذكرة و نهاية الأحكام و الذكرى، و به نطق الكتاب العزيز و السنة المتواترة.

(2) و هو مذهب أهل البيت (عليهم السلام) كما في المعتبر و عن المنتهى، و ادعي الإجماع عليه في الناصريات و الخلاف و الغنية و المدارك.

نعم، ذكر في الناصريات و النهاية و الخلاف و الغنية و المراسم و الوسيلة و القواعد و محكي المقنعة في بيان الحد الأسفل: «محادر شعر الذقن»، بل نسبه في الجواهر إلى الأصحاب.

و ذكر في الناصريات و محكي المبسوط في بيان الحد العرضي: «ما دارت السبابة و الإبهام و الوسطى».

لكن لم يجعل أحد ذلك خلافا في المقام. و كأنه لأن محادر شعر الذقن هي أطرافه حيث ينحدر عنها الشعر نازلا، بنحو لا يسامت شيئا من الذقن، لا مبدأ انحدار الشعر الذي هو منابته، و إلا كان الأولى التعبير بها، لأنها أصرح و أنسب بالمقابلة لقصاص الشعر في الحد الأعلى. هذا بناء على ما عن الجوهري من أن الذقن من الإنسان مجتمع لحييه، و أما بناء على ما عن ابن سيدة من أنه مجتمع اللحيين من أسفلهما فالأمر أظهر.

____________

(1) راجع الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء و غيرها.

(2) راجع الوسائل باب: 18 من أبواب الوضوء.

(3) راجع الوسائل باب: 29 من أبواب الوضوء.

203

كما أن الوسطى لما كانت أطول من السبابة لم يوجب ذكر السبابة معها اختلافا في التحديد. و كأن ذكرها لمحض متابعة بعض طرق رواية الصحيح الآتي.

و كيف كان، فالعمدة فيه صحيح زرارة المروي في الكافي و التهذيب مضمرا، و في الفقيه عن الباقر (عليه السلام): أنه قال له: «أخبرني عن حد الوجه الذي ينبغي أن يتوضأ الذي قال اللّه عز و جل. فقال: الوجه الذي قال اللّه و أمر اللّه عز و جل الذي لا ينبغي لأحد أن يزيد عليه و لا ينقض منه، إن زاد عليه لم يؤجر، و إن نقص منه أثم، ما دارت عليه الوسطى و الإبهام من قصاص شعر الرأس إلى الذقن و ما جرت [حوت. خ. تهذيب‏] عليه الإصبعان من الوجه مستديرا فهو من الوجه، و ما سوى ذلك فليس من الوجه. قلت: الصدغ من الوجه؟ فقال: لا» (1).

لكن في الكافي و التهذيب روايته هكذا: «و ما دارت عليه السبابة و الوسطى و الإبهام».

و ينافيه قوله (عليه السلام): «و ما جرت عليه الإصبعان» مع أنه لا أثر له في التحديد، كما تقدم إلا أن تحمل الواو على معنى: «أو»، و هو خلاف الظاهر جدا، بل ممتنع، لتنافي التحديدين، كما ذكره سيدنا المصنف (قدّس سرّه) الشريف.

و تقريب دلالة الصحيح على ما عليه الأصحاب‏كما يستفاد مما عن بعضهم‏أن قوله (عليه السلام): «ما دارت عليه الوسطى و الإبهام» لبيان الحد العرضي للوجه، و قوله (عليه السلام): «من قصاص شعر الرأس إلى الذقن» لبيان الحد الطولي له، بدخول الغاية في المحدودو لو بضميمة القطع بكون الذقن من الوجه‏بل بناء على ما تقدم عن ابن سيدة من كون الذقن أسفل مجمع اللحيين لا ينبغي الإشكال في ذلك، لأن الغاية إذا كانت طرفا لا امتداد له يتعين دخولها في المحدود. و يكون قوله (عليه السلام): «و ما جرت عليه الإصبعان مستديرا فهو من الوجه» تأكيدا لما تقدم مشيرا لكلا الحدين.

و ما يظهر من الجواهر من احتمال بعضهم كونه بيانا للحد العرضي، و أن ما

____________

(1) الوسائل باب: 17 من أبواب الوضوء حديث: 1.

204

قبله مختص بالحد الطولي.

مخالف للظاهر جدا، بل لا معنى لتحديد الطول بما بين الإصبعين، و بما بين القصاص و الذقن، إلا أن يكون أحدهما تأكيدا للآخر، و لا مجال له بعد اختلافهما في المقدار دائما أو كثيرا. بل الظاهر ما ذكرنا. و ما في الحدائق من ظهور التكلف فيه و عدم الارتباط مردود عليه.

و كأن وجه التعبير بالدوران في الفقرتين هو تقوس الوجه عرضا تبعا لتدوير الرأس من الامام إلى الخلف، الموجب لاستدارة الإصبعين حين وضعهما عليه و استدارة القوس، لبيان أن ما يجب غسله من الوجه هو ما يطابق ما بين الإصبعين حال دورانهما، لا ما يساوي ما بينهما حين فتحهما الذي هو أكثر.

و أما ما ذكره سيدنا المصنف (قدّس سرّه) من التفكيك بين الفقرتين، بجعل ذلك وجها لفرض الدوران في الفقرة الأولى، و جعل وجه فرضه في الثانية هو استدارة الوجه عرفا باستدارة قصاص الشعر من الناصية منحرفا إلى مواضع التحذيف إلى منابت الشعر حول العذار إلى أقصى اللحيين إلى الذقن، فهو كالدائرة المواجهة.

فهومع عدم مناسبته لما ذكره و تقدم من سوق الفقرة الثانية لتأكيد ما قبلهابعيد جدا، لأن اختلاف الفقرتين في المراد من التدوير محتاج إلى عناية، فتبعد إرادته بلا قرينة.

و مجرد نسبة الدوران للإصبعين في الفقرة الأولى، دون الثانية، و إلا لقال:

«مستديرين» فيلزم حمله على استدارة نفس الوجه.

لا يصلح قرينة على الفرق، لأن دوران الإصبعين مستلزم لاستدارة ما يجريان عليه من دون حاجة إلى فرض استدارة أخرى. و لا سيما مع عدم تدوير الوجه عرفا، بل تقويسه من الأعلى بانفراج أكثر من الدائرة و من تقويسه الأسفل حاد يقرب من الزاوية، فهو أقرب إلى نصف الشكل البيضوي، ففرض الاستدارة فيه محتاج إلى عناية يصعب الحمل عليها بلا قرينة، و لا سيما مع فرض الاستدارة في الفقرة الأولى بوجه آخر. فلاحظ.

و أشكل من ذلك ما ذكره الفقيه الهمداني (قدّس سرّه) حيث قال: «فيكون المقصود

205

من دوران الإصبعين من قصاص الشعر إلى الذقن و ضعهما على القصاص و فتحهما بحيث يمتلئ الفرجة بينهما، ثمَّ إدارتها بحيث تنتهي الدورة إلى الذقن، فيحدث من ذلك شكل يشبه الوجه حقيقة و الدائرة عرفا».

فإن أراد حصول الاستدارة بمرور الإصبعين باتجاههما في صفحتي الوجه فيمران باتجاه الإبهام في أحد الجانبين، ثمَّ باتجاه الوسطى في الجانب الآخر، فيدوران على محيط الدائرة، كدوران القوس عليها ذاهبا و راجعا.

فهو بعيد جدا، أولا: لتوقفه على تعدد حركتهما، حيث ينزلان باتجاه أحدهما للذقن، ثمَّ يرجعان للقصاص و ينزلان باتجاه الآخر له.

و ثانيا: لأن المناسب أن يقول حينئذ: «و ما جرت حوله الإصبعان مستديرا».

و ثالثا: لأنه لا يصل للتحديد، لأن سعة الدائرة و ضيقها حينئذ لا يتبعان مقدار الإصبعين، بل كيفية حركتهما و اتجاهها انبساطا تارة و انقباضا اخرى، بل يمكن تحقق الدائرة بإصبع واحدة.

و إن أراد حصول الاستدارة بمرور الإصبعين نازلتين على تمام الوجه من القصاص إلى الذقن لتحدب الوجه و بروز طرف الأنف منه، الموجب لتقوسه طولا كتقوسه عرضا.

ففيه: أن التحدب المذكور ليس له من الوضوح ما يحسن التعبير عنه بالتدوير.

مضافا إلى ما يرد على الوجهين من أنه لا ظهور للكلام في كون التحديد من القصاص إلى الذقن لبيان مبدأ لدوران و منتهاه، بل هو ظاهر في محض بيان الحد الطولي للوجه مع حصول التدوير بمجرد وضع الإصبعين، كما ذكرنا. و يأتي إن شاء اللّه مزيد توضيح لذلك.

و إن أراد ما احتمله في الجواهر من كون إطلاق التدوير على جري الإصبعين من القصاص إلى الذقن بلحاظ حصول شبه الدائرة منه و إن لم يكن جريهما دائريا.

فهو تكلف مخالف للظاهر، مضافا إلى ما عرفت من عدم تدوير الوجه عرفا،

206

بل هو أشبه بنصف الشكل البيضوي.

على أنه لو سلم تدويره فهو خلقي لا دخل لجري الإصبعين به، و ما يتبع جريهما هو تدوير نفس الجري و المسح الحاصل به، و ليس الحديث بصدد تحديده، بل تحديد نفس الوجه.

و بالجملة: ما ذكره (قدّس سرّه) لا يرجع إلى محصل ظاهر، و الأظهر في وجه فرض الاستدارة ما ذكرنا. فلاحظ.

هذا، و قد استشكل شيخنا البهائي (قدّس سرّه) في استفادة التحديد المذكور من الصحيح بأن لازمه دخول النزعتين‏بالفتح‏و هما البياضان المكتنفان للناصية- اللذين ينحسر عنهما شعر الرأس من جانبيه، لأنهما تحت الشعر النابت من جانبهما، مع خروجهما إجماعا. و كذا الصدغان، لدخولهما فيما حوته الإبهام و الوسطى عرضا، مع خروجهما بنص الحديث. و خروج مواضع التحذيف‏و هي ما بين النزعتين و الصدغين مما ينبت عليه الشعر الخفيف الذي قد تزيله النساء و بعض المترفين‏و العارضين‏و هما الشعر المنحط عن الاذن من مبدإ صفحتي اللحيةو العذارين‏و هما بين العارض و الصدغ‏مع قطع بعضهم بدخولها.

و يندفع: بأن انحسار الشعر عن النزعتين طارئ، و المعيار في التحديد بقصاص الشعر على الشعر الطبيعي، و لذا لا يجب غسل الناصية لو انحسر الشعر عنها.

هذا، بناء على أن المراد بقصاص الشعر أطرافه في تمام دور الرأس، فيشمل في المقام جانب النزعتين.

و أما بناء على أنه لا يشمل أطرافه من الجانبين‏كما قد يظهر مما صرح به بعض اللغويين من أن قصاص الشعر حيث ينتهي نبته من مقدمه و مؤخره‏فخروج النزعتين ظاهر.

بل يكفي في خروجهمابعد وضوح كونهما من الرأس‏ظهور كون المراد بما دار عليه الإصبعان القوس المتصل بعضه ببعض، لا المنفصل بالشعر، و هو يبدأ من قصاص الناصية، و أما النزعتان فهما لا يشكلان قوسا، لعدم اتصالهما، بل‏