مصباح المنهاج - كتاب الطهاره - ج2

- السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم المزيد...
664 /
207

تفصل بينهما الناصية.

إلا أن يراد غسل ما سامتهما من الناصية، و هو معلوم البطلان، لخروجه عن الوجه قطعا.

كما أن دخول بعض الصدغين في الحد المشهور إنما يلزم لو كان المراد بهما ما بين لحظ العين إلى أصل الاذن‏كما في النهاية و الأساس‏أما بناء على أن المراد بهما الشعر المتدلي من الرأس إلى جهة الاذن‏كما في الصحاح و القاموس و مجمع البحرين أنه أحد معنييه، أو ما ينزل من الرأس على مركب اللحيين‏كما في لسان العرب‏و يناسبهما قولهم: «شاب صدغاه» قولهم: «صدغ معقرب» و قوله:

صدغ الحبيب و حالي‏ كلاهما كالليالي‏

فهما خارجان عن الحد. و لا بد من تنزيل الصحيح و كلمات الأصحاب على إرادة أحد الأخيرين، كما يناسبه ما عن بعضهم من أنه الشعر المحاذي للعذار فوقه.

و لا سيما مع ظهور الصحيح في عدم منافاة خروج الصدغ للتحديد المذكور، و إلا كان المناسب استثناءه منه قبل السؤال عنه.

و أما مواضع التحذيف و العذاران و العارضان فخروج ما خرج منها عن الحد المذكور و دخول ما دخل فيه ليس محذورا. و التزام بعضهم بدخول شي‏ء منها أو خروجه بالمقدار المنافي للتحديد المذكورلو تمَ‏لا مجال له.

ثمَّ إن البهائي (قدّس سرّه) بعد أن أورد بما سبق استظهر من الصحيح معنى خالف فيه تحديد الأصحاب، فذكر أن ما يجب غسله عبارة عن دائرة هندسية قطرها ما بين الإصبعين، المساوي لما بين القصاص و الذقن غالبا، و أن المراد من دوران الإصبعين في الحديث دورانهما في محيط الدائرة المذكورة، نظير دور الرحى، حيث يكون مركز الدائرة ما بينهما، و يكون دور أحدهما من القصاص للذقن ملازما لدور الآخر من الذقن للقصاص، و تتم الدائرة بذلك، فيخرج الصدغ و النزعتان و مواضع التحذيف و العذاران و بعض العارضين.

و تبعه في ذلك الكاشاني، و في الحدائق: «و هو بمحل من القبول و قد تلقاه بالتسليم جملة ممن تأخر عنه من الفحول».

208

لكنه يشكل. أولا: بأنه يبتني على دوران أحد الإصبعين من القصاص إلى الذقن، مع ظهور الحديث في دورانهما و جريهما معا.

مع أنه لا معنى لتحديد سعة الدائرة بقطرين، و هما ما بين الإصبعين، و ما بين القصاص و الذقن، و حمل أحدهما على الآخر لا مجال له بعد كثرة اختلافهما، لاختلاف الوجوه بالطول و القصر، و حمل ما بين القصاص و الذقن على مجرد بيان مبدأ الدوران و منتهاه لا مجال له، إذ لا خصوصية لمبدإ معين في تحقيق الدائرة، بل يمكن بدؤها من جميع نقاط محيطها.

و لذلك و نحوه كان هذا المعنى غامضا جدا لا يلتفت إليه عند النظر في الحديث. و كفى في وهنه عدم ظهوره لمن سبقه من الأصحاب على كثرتهم، خصوصا القدماء منهم الذين هم أعرف بالمراد من الأخبار، لقربهم من ظرف صدورها، فلا يمكن حمل الصحيح عليه بعد كون مضمونه موردا للابتلاء و العمل.

و كأن الذي أوقعه فيه ما ذكره من أن قوله (عليه السلام): «من قصاص.» إما أن يكون متعلقا بقوله: «دارت» أو صفة لمصدر محذوف مستفاد من الفعل، يعني: دورانا من القصاص.، أو حالا من الموصول الواقع خبرا، فهي لبيان مبدأ الدوران و منتهاه.

لكنه على الأخير لا دخل له بالدوران، بل يكون متمحضا في تحديد الموصول الذي هو كناية عن الوجه.

و من ثمَّ يتعين‏بناء على المشهور المنصورالحمل عليه، أو على كونه متمما للخبر، لأن الخبر هو تمام الحد المركب من بعدي الطول و العرض، نظير قولهم: العنب حلو حامض. و لعل الثاني أقرب.

و ثانيا: بأنه لا يصلح لما اهتم به من إخراج ما دخل بالحد المتقدم، فان النزعتين و الصدغ بمعنى الشعر أو موضعه تخرج بكلا الحدين، و الصدغ بمعنى ما بين لحظ العين و الاذن يدخل بعضه كذلك. كما يشترك الحدان في العذارين تقريبا.

و دخول بعض مواضع التحذيف و العذارين ليس محذورا، كما سبق.

بل يخرج بهذا الحد بعض الجبهة و الجبينين مما ينحرف عنه محيط الدائرة من جانبي الوجه، مع أنه لا إشكال ظاهرا في دخولها بتمامها في الوجه و وجوب‏

209

غسلها، بل دخول الجبينين صريح خبر إسماعيل بن مهران، بل صحيحه‏بناء على ما تقدم في استعمال الماء المضاف من وثاقة سهل بن زياد-: «كتبت إلى الرضا (عليه السلام) أسأله عن حد الوجه، فكتب: من أول الشعر إلى آخر الوجه، و كذلك الجبينين» (1).

هذا و في المدارك أن التحديد بما بين الإصبعين إنما يعتبر في وسط التدوير من الوجه خاصة، لا في أسفله، و إلا لوجب غسل ما ناله الإصبعان و إن تجاوز العارض، و هو باطل إجماعا.

فإن أراد بذلك فرض الدائرة التي ذكرها البهائي (قدّس سرّه) فقد عرفت ضعفه.

و إن أراد تخصيص الحد العرضي بنصف الوجه، فلا وجه له بعد ظهور الصحيح في عموم التحديد العرضي لتمام نقاط التحديد الطولي، بل لا إشكال في اعتبار الحد المذكور من أعلى الوجه، لا من خصوص وسطه.

و ما استشهد به لا يرجع إلى محصل، إذ لو أراد به تجاوز الإصبعين عن العارضين عرضا إلى أسفل الاذن أو تحتها مما يسامت الكفين، فهو فرض لا واقع له إلا مع شذوذ الإصبعين في الطول الذي لا عبرة به في التحديد. مع أن بعض العارضين واقع في وسط الوجه، فيرد فيه الاشكال.

و إن أراد تجاوزهما إلى ما تحت العارضين من الرقبة في سمت الذقن، لنزول الذقن عن أقصى اللحيين و انحداره مسامتا لبعض الرقبة في كثير من الناس، فمن المعلوم خروج ذلك عن الوجه و أن المراد من التحديد بالإصبعين في طرف الذقن ما يسامت اللحيين، اللذين هما أسفل الوجه. فلاحظ.

بقي شي‏ء، و هو أن مقتضى صحيح إسماعيل بن مهران المتقدم دخول الجبينين بتمامهما، و هما داخلان في الحد المشهور بناء على ما في مجمع البحرين من أنهما في جانبي الجبهة من طرف الحاجبين إلى قصاص الشعر، و جعله في القاموس أحد المعنيين.

____________

(1) الوسائل باب: 17 من أبواب الوضوء حديث: 2.

210

لكن، ذكر في القاموس معنى آخر، و هو أنهما من حروف الجبهة ما بين الصدغين متصلا بحذاء الناصية، و ظاهره إرادة ما بين شعر الصدغ و الناصية، و هو أوسع كثيرا، و قد لا تستوعبه الإصبعان. فلا بد إما من تنزيلهما في الصحيح على المعنى الأول، أو تنزيل الإصبعين في صحيح زرارة على الطويلين المحتويين له بتمامه، لتعارفهما.

و لعل الثاني أقرب. بل يشكل الأول بظهور الصحيح في كون الجبينين منتهى حد الوجه عرضا، مع أنهما بالمعنى الأول أقل مما بين الإصبعين كثيرا. و لا أقل من الاجمال، فيلزم مراعاة أكثر الحدين، إما لدخوله في الوجه عرفا، أو لكون الشك في المحصل الذي يجب معه الاحتياط.

و دعوى: و هن صحيح إسماعيل بإعراض الأصحاب عنه، لعدم إشارتهم لمضمونه، و اقتصارهم في مقام الفتوى على مضمون صحيح زرارة.

مدفوعة: بقرب كون منشأ عدم تعرضهم لمضمونه بناءهم على تطابق مضمون الصحيحين، لغلبة شمول الإصبعين لتمام الجبينين، و لا طريق لإحراز الاعراض الموهن. و لا سيما مع ظهور حال الكليني و الشيخ (قدّس سرّه) في الاعتماد على الصحيح، لذكرهما له في بيان حد الوجه، بل جعله الشيخ (قدّس سرّه) دليلا على التحديد المشهور.

هذا، و حيث ظهر الحد الذي ينبغي العمل عليه فالمناسب التعرض لما وقع منهم الكلام فيه من المواضع، و هي أمور.

الأول‏: مواضع التحذيف، فعن العلامة في المنتهى و التذكرة القطع بخروجها، و في الروضة و المسالك و المدارك و عن غيرها دخولها بل عن شرح المفاتيح، انه المعروف من الفقهاء و المخالف نادر. و عن الذكرى و المقاصد العلية أن غسلها أحوط. قال في الجواهر: «و ليس ذلك من جهة شمول الإصبعين و عدمه، بل لكونها منابت من القصاص أو لا. و لعل الأظهر دخولها، لأنها كما عرفت منابت الشعر الخفيف. و الظاهر عدم دخولها في مسمى شعر الرأس، كما يشعر به سبب تسميتها بذلك من كثرة حذف الشعر فيها من النساء و المترفين. مع تأيده‏

211

بالاحتياط».

و ما ذكره متين جدا، بل مما تقدم تعرف لزوم الاحتياط، و كونه دليلا لا مؤيدا فقط.

الثاني‏: الصدغ، و قد صرح غير واحد بخروجه، لكن عن الراوندي إدخاله في الوجه. و ربما يحمل على البعض الذي لا شعر فيه، بناء على عموم الصدغ لتمام ما بين لحظ العين و الاذن، فيطابق المعنى الاوسع للجبين الذي عرفت وجوب غسله. و إلا فما يكون منبتا للشعر هو المتيقن مما في صحيح زرارة من خروج الصدغ عن الوجه، كما تقدم.

الثالث‏: العذار، فعن المشهور خروجه. و في جامع المقاصد أن غسله أحوط، مع اعترافه بخروجه عن الحد المروي عنهم (عليهم السلام) بل ظاهر المرتضى وجوبه، و ظاهر الشرائع و صريح الروضة دخوله في الحد.

و الذي ينبغي أن يقال: إن كان المراد به الشعر النابت على العظم الذي على سمت الصماخ الواقع بين الصدغ و العارض،- كما لعله ظاهر المرتضى- فلا إشكال في خروجه عن الحد، و لا معنى معه للاحتياط بغسله، فضلا عن وجوبه.

و إن أريد به ما هو أوسع من ذلك مما يسامته عرضا إلى العين اتجه وجوب غسل ما دخل منه في الحد. و إلى هذا يرجع ما في المعتبر و عن غيره من أنه لا يجب غسل ما خرج عما دارت عليه الإصبعان من العذار.

الرابع‏: العارض، ففي الروضة و عن الذكرى القطع بدخوله، بل في المسالك نفي الخلاف فيه. و عن المنتهى القطع بخروجه.

لكن الظاهر دخول بعضه فيجب غسله، كما عن العلامة في النهاية، و في جامع المقاصد دخول الأسفل منه فيجب غسله.

و ما في المدارك من عدم صحة الاحتجاج لدخوله ببلوغ الإصبعين، لأن ذلك إنما يعتبر في وسط التدوير من الوجه خاصة. قد تقدم الاشكال فيه.

212

و الخارج عن ذلك ليس من الوجه (1)، (1) لا إشكال في خروج ذلك عما يجب غسله، و إنما الإشكال في خروجه عن الوجه شرعا أو عرفا، أو لا.

و توضيح ذلك: أن التحديد المذكور إما أن يكون واردا لبيان حدّ ما يجب غسله من دون نظر لمفهوم الوجه.

أو لبيان حد الوجه شرعا، بأن يكون للوجه حقيقة شرعية قد أريدت من إطلاق أحكامه، لاختصاص غرض الشارع بها دون المعنى العرفي.

أو لبيان الحدود الخارجية للوجه بما له من المفهوم العرفي، لأنه هو الموضوع للأحكام، و ان اشتبهت تلك الحدود على السائل لبعض الطوارئ، كخلاف العامة.

و قد يقرب الأول بالنظر إلى التعرض في السؤال و الجواب للذي يجب توضئته و غسله، مما يكشف عن كون المهم تحديد موضوعه لا تحديد مفهوم الوجه شرعا أو عرفا من حيث هو.

لكنه يشكل: بظهور السؤال و الجواب في تحديد الوجه الذي يوضأ، لا تحديد ما يوضأ من الوجه، فقوله في السؤال: «الذي ينبغي أن يوضأ» و في الجواب:

«الذي قال اللّه و أمر.» وصف موضح لا قيد، لما هو المعلوم من عدم سوقه لتقييد الوجه المسؤول عنه بما يجب غسله في مقابل الوجه الذي لا يجب غسله، بل لأجل أن الوجه المسؤول عنه قد وجب غسله، و ظاهر التوصيف المفروغية عن وجوب غسل تمام الوجه‏و إن اشتبهت حدوده‏و عدم وجوب غسل غيره معه.

و أما احتمال كون المصحح للتوصيف وجوب غسل الوجه في الجملةو لو ببعضه أو مع غيره‏و أن التحديد منصرف إلى خصوص موضوع الوصف‏و هو الذي يجب غسله‏دون الوجه.

فهو بعيد جدا، مخالف للظاهر.

هذا، مضافا إلى قوله (عليه السلام): «و ما جرت عليه الإصبعان مستديرا فهو من‏

213

الوجه، و ما سوى ذلك فليس من الوجه. فقال له: الصدغ من الوجه؟ فقال: لا» فإنه ظاهر في التصدي لتحديد الوجه، لا لما يجب غسله و إن لم يطابقه.

و هو مقتضى صحيح إسماعيل بن مهران أيضا. بل لا أقل من كونه مقتضى الجمع بين صحيح زرارة المذكور و صحيحة الآخر الوارد في تفسير الآية، لقوله (عليه السلام): «لأن اللّه عز و جل قال‏ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ‏ فعرفنا أن الوجه كله ينبغي أن يغسل» (1) و مثله صحيح زرارة و بكير، و فيه: «ثمَّ قال: إن اللّه تعالى يقول:

يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ‏ فليس له أن يدع شيئا من وجهه إلا غسله» (2). و كذا الإطلاقات و غيرها مما يستفاد منه وجوب غسل الوجه كله، و هو كثير جدا.

و بالجملة: لا ينبغي التأمل في ظهور الحديث بنفسه و بضميمة القرائن الخارجية في تحديد نفس الوجه، لا تحديد ما يجب غسله و إن لم يطابقه.

و من هنا فقد يقرب الثاني بأن المنصرف من التحديد الواقع في لسان الشارع هو التحديد الشرعي، لا بيان الحدود العرفية، لأنه خارج عن وظيفته.

لكنه يندفع: بأن بيان الحدود الخارجية للمعنى العرفي الذي يكون موضوعا للأحكام الشرعية ليس خارجا عن وظيفة الشارع، لرجوعه إلى تحديد موضوع حكمه الذي هو من شؤون بيان الحكم.

بل لما كان مقتضى الإطلاق المقامي للأوامر الكثيرة الواردة في الكتاب و السنة المتواترة بغسل الوجه إرادة الوجه بما له من المعنى العرفي من دون تنبيه على خروج الشارع الأقدس عنه، أوجب ذلك وضوح إرادته بنحو يقتضي صرف السؤال و الجواب في نصوص التحديد إليه، لاشتباه حدوده بسبب خلاف العامة، كما يشهد به موثق زرارة: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) قلت: إن أناسا يقولون: إن بطن الأذنين من الوجه و ظهرهما من الرأس. فقال: ليس عليهما غسل و لا مسح» (3)،

____________

(1) الوسائل باب: 23 من أبواب الوضوء حديث: 2.

(2) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 3.

(3) الوسائل باب: 17 من أبواب الوضوء حديث: 2.

214

و إن وجب إدخال شي‏ء من الأطراف إذا لم يحصل الواجب إلا بذلك (1).

و صحيح ابن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «الأذنان ليسا من الوجه و لا من الرأس» (1).

و إلا فالسؤال عن حدود المفهوم الشرعي فرع فرض خروج الشارع عن المفهوم العرفي، و هو أولى بالسؤال، لابتنائه على مزيد عناية. فلاحظ.

(1) مقتضى الجمود على لفظ العبارة فرض توقف حصول الواجب ثبوتا على غسل الخارج، فيكون الوجوب مقدميا.

لكنه فرض بعيد التحقق في نفسه، بل منعه (قدّس سرّه) في مستمسكه.

فالظاهر أن مراده ما تعرض له غير واحد من فرض توقف العلم بحصول الواجب على غسل الخارج، لعدم تيسر ضبط الحد دقة، فيكون الواجب المذكور طريقيا، لوجوب العلم بالفراغ عقلا.

و دعوى: أن مرجعه إلى إجمال الحد المستلزم للشك في التكليف بغسل المشكوك، و المرجع فيه البراءة.

مدفوعة: بأنه لا إجمال في الحد، بل في حصوله لعدم تيسر ضبطه، فيرجع إلى الشك في الامتثال.

مع أن المرجع عند الشك في التكليف بغسل شي‏ء في المقام هو الاحتياط، للشك في المحصل، بعد كون المستفاد من الآية و النصوص هو وجوب الطهارة المسببة عن الغسل، لا نفس الغسل.

نعم، قد ينافي ذلك ما في صحيح زرارة: «ثمَّ غرف ملأها ماء فوضعها على جبهته ثمَّ قال: بسم اللّه و سدله على أطراف لحيته، ثمَّ أمر يده على وجهه و ظاهر جبهته مرة واحدة (2)»، فإن العلم باستيعاب الحد عرضا موقوف على إمرار اليد من‏

____________

(1) الوسائل باب: 18 من أبواب الوضوء حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 2.

215

و يجب الابتداء بأعلى الوجه (1) جانبي الوجه كما تضمنه غير واحد من النصوص، و لا يحصل بالإمرار مرة واحدة.

فتأمل جيدا.

(1) قال في المبسوط: «و ينبغي أن يبتدئ بغسل الوجه من قصاص شعر الرأس إلى المحادر، فان خالف و غسل منكوسا خالف السنة.

و الظاهر أنه لا يجزيه، لأنه خالف المأمور به. و في أصحابنا من قال: يجزيه، لأنه يكون غاسلا»، و جعل وجوب البدء بالأعلى هو الأشبه في المعتبر، و الأصح في جامع المقاصد، و جزم به في الوسيلة و الشرائع و القواعد، و هو المحكي عن الصدوقين و الشهيدين و غيرهم.

و في المدارك و عن شرح المفاتيح و غيرهما أنه المشهور بين الأصحاب، و عن التذكرة و شرح الاثنى عشرية و كشف الرموز نسبته للأكثر، بل عن محكي التبيان و بعض حواشي الألفية دعوى الإجماع عليه.

لكن الموجود في التبيان ما قد يظهر منه الإجماع على ذلك في غسل اليدين، من دون إشارة للشرط المذكور في غسل الوجه.

كما لا يبعد أن يكون منشأ نسبة ذلك لبعضهم تعبيرهم بوجوب غسل الوجه من القصاص إلى الذقن، مع أن مرادهم قد يكون محض تحديد الوجه، لا بيان مبدأ للغسل.

هذا، و عن المرتضى و ابني إدريس و سعيد جواز النكس، و في المدارك و عن المنتهى و الذخيرة الميل إليه، و نسبه في الحدائق إلى جمع من المتأخرين و متأخريهم. و قد يستفاد ممن أطلق وجوب غسل الوجه.

كما أنه قد يستظهر ممن نبه منهم على عدم جواز النكس في غسل اليدين من دون تنبيه عليه في غسل الوجه، كما في الفقيه و المقنعة و النهاية و الخلاف و التبيان و إشارة السبق و الغنية و المراسم و المختصر النافع و اللمعة.

و دعوى: عدم الفصل بين اليدين و الوجه في ذلك غير ظاهرة مع ذلك.

216

و قد ظهر بذلك أنه لا مجال لما يظهر من بعض مشايخنا من الاستدلال على عدم جواز النكس بتسالم الفقهاء ممن عدا المرتضى على ذلك، و سيرة الشيعة على الالتزام به على نحو الوجوب و أخذهم له خلفا عن سلف من غير نكير، مع أن مثل ذلك مما يكثر الابتلاء به لا يخفى عادة.

لاندفاعه: بظهور عدم التسالم من الفقهاء بعد ما تقدم، و عدم وضوح التزام الشيعة به من الصدر الأول بانين على وجوبه، بل غاية الأمر التزامهم به في الجملة للوجوب أو للاحتياط أو الاستحباب. فلا بد من النظر في بقية أدلة المسألة.

و قد يستدل على وجوب البدء بالأعلى.

تارة: بالنصوص الكثيرة الحاكية لوضوء النبي (صلى اللَّه عليه و آله) الظاهرة في غسل الوجه من أعلاه، ففي صحيح زرارة: «ثمَّ غرف ملأها ماء فوضعها على جبهته» (1) و في صحيحه الآخر: «فأخذ كفا من ماء فأسدلها على وجهه من أعلى الوجه، ثمَّ مسح بيده الجانبين جميعا» (2)، و في الثالث: «فأخذ كفا من ماء فأسدله على وجهه [من أعلى الوجه‏] ثمَّ مسح وجهه من الجانبين جميعا» (3)، و في صحيح محمد بن مسلم: «فأخذ كفا من ماء فصبه على وجهه ثمَّ مسح جانبيه حتى مسحه كله» (4).

و في مرسل العياشي عن زرارة و بكير: «فغمس كفه اليمنى فغرف بها غرفة فصبها على جبهته فغسل وجهه بها» (5).

و اخرى‏: بما في الفقيه قال: «و توضأ النبي (صلى اللَّه عليه و آله) مرة مرة، فقال: هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلا به» (6)، و نحوه في الناصريات، و نسبه في الانتصار و الغنية إلى رواية العامة، و في المعتبر و المنتهى و عن الذكرى أنه (صلى اللَّه عليه و آله) قال ذلك بعد ما أكمل وضوءه، و في الخلاف أنه قاله بعد ما علّم الأعرابي الوضوء. فإنه بضميمة عدم‏

____________

(1) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 2.

(2) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 10.

(3) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 6.

(4) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 7.

(5) تفسير العياشي حديث: 51 من تفسير سورة المائدة ج: 1 ص: 298. مستدرك الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 3. لكن رواه في الكافي و التهذيب هكذا: «فصبها على وجهه» الوسائل باب:

15 من أبواب حديث: 3. فلا تصلح شاهدا.

(6) الوسائل باب: 31 من أبواب الوضوء حديث: 11.

217

النكس منه (صلى اللَّه عليه و آله)‏كما في المعتبر، و تقتضيه النصوص البيانيةيكون ظاهرا في مبطلية النكس.

و ثالثة: بخبر أبي جرير الرقاشي [1] المروي في قرب الاسناد: «قلت لأبي الحسن موسى (عليه السلام): كيف أتوضأ للصلاة؟ فقال: لا تعمق في الوضوء و لا تلطم وجهك بالماء لطما، و لكن اغسله من أعلى وجهك إلى أسفله بالماء مسحا، و كذلك فامسح الماء على ذراعيك و رأسك و قدميك» (2).

و يشكل‏ الأول‏: بأن حكايات الامام (عليه السلام) قد اشتمل كل منها على خصوصيات كثيرة يعلم بعدم سوقها لبيان جميع خصوصيات وضوء النبي (صلى اللَّه عليه و آله) التي كان يحافظ عليها، لاختلافها في بعض الخصوصيات، لأن من القريب وضوءه (صلى اللَّه عليه و آله) مرتين‏ (3)، و لم يشر في هذه النصوص لذلك، و قد غسل يديه و تمضمض و استنشق. مع أنه لم يتعرض إلا لغسل اليدين في بعض هذه النصوص، و أنه كان يتوضأ بمد. و هو لا يناسب الغرفات الثلاث. إلى غير ذلك مما يعلم معه بعدم سوق هذه النصوص إلا لبيان وضوء النبي (صلى اللَّه عليه و آله) المشروع في الجملة و لو لم يكن ملتزما به، لدفع توهم وجوب ما زاد عليه أو خالفه في الكيفية، كما يناسبه تعقيب حكاية الوضوء في الصحيح الأول بقوله (عليه السلام): «إن اللّه وتر يجب الوتر فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات» و التمهيد لها في صحيح ابن مسلم بقوله (عليه السلام):

«يأخذ أحدكم الراحة من الدهن فيملأ بها جسده، و الماء أوسع، ألا أحكي.» فلا يكشف عدم النكس منه (عليه السلام) عن التزام النبي (صلى اللَّه عليه و آله) بعدمه.

على أنه لو سلم التزامه (صلى اللَّه عليه و آله) بذلك فقد استشكل في المدارك باحتمال كون البدء بالأعلى لأنه أحد أفراد الواجب، لا لوجوبه بخصوصه.

و أجاب عن ذلك في الجواهر بظهور حكاية الإمام (عليه السلام) له في وجوبه،

____________

[1] هكذا في قرب الاسناد مع كون الراوي عنه ابن محبوب و الموجود في التهذيب رواية ابن محبوب عن أبي جرير الرواسي عن أبي الحسن في موضع و عن أبي الحسن موسى في آخر. فراجع.

____________

(2) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 22.

(3) راجع الوسائل باب: 31 من أبواب الوضوء.

218

و ظهور تنبيه الراوي عليه بالخصوص‏كما في الصحيح الثاني و الثالث على نسخةفي أنه فهمه منه. بل ظاهر اهتمام الامام (عليه السلام) بحكاية وضوء رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) التعريض بالعامة في وضوئهم منكوسا، كما قد يرشد إلى ذلك خبر علي بن يقطين المشهور (1) للتنبيه فيه على عدم النكس حين أمره بالوضوء المشروع بعد ذهاب الخوف عنه.

لكن فيه: أنه يكفي في غرض الامام (عليه السلام) من الحكاية التنبيه على تخفيف الوضوء بالاكتفاء بالمرة و الغرفة الواحدة و مسح الرجلين، و الاقتصار على الأعضاء الخمسة، و هي الأمور التي يظهر من هذه النصوص على كثرتها الاهتمام بها. و لا ينحصر غرضه بالتعريض بالعامة في خصوص النكس، بل لا معنى له بناء على ما حكي عنهم من استحباب البدء بالأعلى في الوجه.

و تنبيه الراوي على ذلك لا يشهد بفهمه الوجوب، بل قد يكون لفهمه الاستحباب، أو لبيان الاكتفاء بغسل مقدم الوجه بإسدال الماء و كفاية استيعاب الماء له به من دون حاجة إلى مسح آخر.

و خبر علي بن يقطين لا يدل على أن الغرض من النصوص البيانية التعريض بالعامة في النكس، و إنما يدل على اختلافنا معهم فيه.

بل حيث كان مختصا بالنكس في اليدين فقد يظهر منه عدم المنع من النكس في الوجه‏كما تقدم منا نظيره في كلمات بعض الأصحاب‏أو اتفاقنا معهم فيه و لو لذهابهم إلى استحباب البدإ بالأعلى، كما تقدمت حكايته عنهم.

و يشكل‏ الثاني‏:- بعد تسليم التزامه (صلى اللَّه عليه و آله) بعدم النكس‏بأنه لا مجال لحمل الكلام المذكور على لزوم المحافظة على جميع الخصوصيات التي اشتمل عليها وضوؤه (صلى اللَّه عليه و آله) للعلم بعدم وجوب أكثرها، و ليس هو من سنخ العام المخصص، و إلا لزم تخصيص الأكثر المستهجن، فلا بد أن يكون المراد به الحكاية عن أركان الوضوء، أو عن الاكتفاء بالمرة، كما يناسبه صدره على رواية الفقيه أو غير ذلك مما

____________

(1) الوسائل باب: 32 من أبواب الوضوء حديث: 3.

219

يمنع من الاستدلال به في المقام.

مضافا إلى ضعف سند الخبر بالإرسال و عدم وضوح انجباره بعمل الأصحاب بعد خفاء دلالته و ابتنائها على المقدمة المذكورة التي لم يشر إليها أحد قبل المحقق (قدّس سرّه) و إنما ذكره من قبله عاضدا للاكتفاء بالمرة أو في قبال العامة.

و إما الثالث فيشكل.

أولا: بضعف سند الخبر، لإهمال أبي جرير في كتب الرجال.

و دعوى: أن كتاب قرب الاسناد من الكتب المعتمدة.

غير ظاهرة المأخذ إن أريد بها الاستغناء عن النظر في سند أحاديثه، إذ لم أعثر في كلمات مشايخ الأصحاب على أكثر من توثيق عبد اللّه بن جعفر الحميري و تبجيله و نسبة الكتاب له.

و مثلها دعوى: انجبار الخبر بعمل الأصحاب.

لاندفاعها: بعدم وضوح اعتماد قدماء الأصحاب على الخبر المذكور بعد عدم إيراد المشايخ الثلاثة له، كيف و لم يذكره حتى المحقق في المعتبر و العلامة في المنتهى مع استدلالهما بما تقدم مما لا يبعد كونه أضعف منه.

و مجرد موافقة فتوى بعض الأصحاب له لا تكفي في انجباره، كاستدلال بعض متأخري المتأخرين به.

و ثانيا: بضعف دلالته، لأن تقديم النهي عن التعميق و اللطم المعلوم عدم إرادة الإلزام منه يوجب ظهور الجواب في بيان الكيفية المستحبة، و صرف السؤال إليها لا إلى الكيفية الواجبة، فيمنع من ظهور الأمر بالغسل في الوجوب، و لا سيما مع تقييده بالمسح الذي لا إشكال في استحبابه.

بل لما كان التعميق و اللطم من أفراد الغسل لزم حمل الأمر بالغسل بعد النهي عنهما على الغسل المباين لهما، و هو الغسل بالمسح المسترسل الذي أوضحه (عليه السلام) بقوله: «مسحا»، و لا إشكال في ان الأمر به للاستحباب، أو لبيان إجزائه و عدم الحاجة للتعميق، و لا طريق مع ذلك لإحراز وجوب قيده، و هو كونه من أعلى الوجه إلى أسفله.

220

و منه يظهر ضعف دعوى: أن استحباب المسح في الغسل لا يلزم بحمل التقييد بكونه من الأعلى على الاستحباب، لإمكان التفكيك بين القيود في ذلك.

لاندفاعها: بأن المسح ليس قيدا زائدا على الغسل، بل موضح للمراد منه، و لا بد من كون الأمر بالغسل المذكور للاستحباب، و معه لا مجال لاستفادة وجوب قيده المذكور.

و أما ما ذكره الفقيه الهمداني (قدّس سرّه) من أنه لا ملزم بحمل النهي عن اللطم على الكراهة، بل يبقى على ظاهره في التحريم، بحمله على اللطم الذي لا يحصل به غسل مجموع الوجه، لأن قوله (عليه السلام): «لطما» ظاهر في إرادة لطم ما، و هو اللطم بالنحو المذكور.

ففيه: أن ظاهر المفعول المطلق في مثل المقام التأكيد لبيان النهي عن الفرد الشديد من اللطم، كما هو الظاهر منه أيضا في موثق السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام):

«قال: قال رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله): لا تضربوا وجوهكم بالماء ضربا إذا توضأتم، و لكن شنوا الماء شنا» (1)، و لا أقل من كونه مقتضى الأمر بالصفق في بعض النصوص‏ (2)، و لا ظهور للمصدر في الفرد الذي ذكره.

مع أن الأمر لا يختص بالنهي عن اللطم، بل يأتي في النهي عن التعميق.

و توهم حمله على الإلزام دفعا للوسواس. تحكم، لعدم الملازمة بينهما، غاية الأمر حمله على الإرشاد أو الاستحباب لذلك، أو على دفع توهم وجوبه، و بيان كفاية الغسل بنحو المسح. و لا سيما مع تعقيبه بقوله (عليه السلام): «و كذلك فامسح على ذراعيك و رأسك و قدميك»، لوضوح عدم اعتبار البدء بالأعلى في مسح الرأس و الرجلين، بل ليس المقصود إلا بيان عدم وجوب التعميق أو كراهته، و الاكتفاء بالمسح الخفيف المسترسل أو استحبابه.

و بالجملة: ليس للحديث ظهور معتد به في وجوب الابتداء بالأعلى.

و من هنا فقد يقوى القول بجواز النكس، عملا بالإطلاقات المؤيدة بما في‏

____________

(1) الكافي 3: 28 باب: حد الوجه الذي يغسل، حديث: 3.

(2) الوسائل باب: 30 من أبواب الوضوء حديث: 1.

221

حديث ابن يقطين‏ (1)، من الأمر بالبدء من المرفقين في غسل اليدين مع إطلاق غسل الوجه الظاهر في اتفاقنا معهم فيه، كما سبق. و كذا تنبيه الراوي في غير واحد من النصوص البيانية عليه في اليدين دون الوجه.

و بها يخرج عن مقتضى أصالة الاشتغال التي أشرنا إلى جريانها في أمثال المقام مما كان الشك فيه في المحصل.

و لا مجال للإشكال في الاستدلال بالإطلاقات.

تارة: بما عن شيخنا البهائي (قدّس سرّه) من انصرافها إلى البدء بالأعلى، لأنه المتعارف من الغسل.

و اخرى‏: بما ذكره شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) من ورودها في مقام التشريع و بيان أصل وجوب العبادة لا كيفيتها.

لاندفاع الأول: بأن الانصراف للمتعارف بدوي لا يرفع به اليد عن الإطلاق.

و منع تعارف البدء من الأعلى في الغسل، بل هو محتاج لعناية، و إنما تعارف عند المتشرعة لشبهة الوجوب.

و اندفاع الثاني: بأن ورود الإطلاق لبيان وجوب الشي‏ء من دون تعرض لكيفيته ظاهر في عدم اعتبار كيفية خاصة فيه.

بل كيف يمكن إنكار إطلاق الآية الكريمة من هذه الجهة مع ورودها في مقام بيان الواجب و خصوصياته، و مثلها ما ورد في بيان حد الوضوء و تعليمه، كصحيح ابن فرقد: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: إن أبي كان يقول: ان للوضوء حدا من تعداه لم يؤجر، و كان أبي يقول: إنما يتلدد (2). فقال له رجل: و ما حده؟

قال: تغسل وجهك و يديك و تمسح رأسك و رجليك» (3) و نحوه غيره.

نعم، يتجه ذلك في بعض النصوص، مثل ما تضمن تعليل تخصيص الأعضاء الستة بالوضوء و بيان ثواب غسلها فيه و نحوها مما ظاهره المفروغية عن‏

____________

(1) الوسائل باب: 32 من أبواب الوضوء حديث: 3.

(2) يتلفت و يتحير.

(3) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 1.

222

إلى الأسفل فالأسفل عرفا (1)، وجوب غسلها، لا بيان وجوبه.

(1) اعلم أن بعض الأصحاب‏كابن حمزةصرح بعدم جواز استقبال الشعر الذي هو عبارة عن النكس، و من الظاهر أنه لا يستلزم البدء بالأعلى الذي هو مقتضى الأدلة المتقدمةلو تمت‏و إن كان لا يبعد حمل عليه بقرينتها.

و كيف كان فالمحتمل بعد البناء على وجوب الابتداء بالأعلى وجوه.

الأول‏: الاكتفاء بمسمى الابتداء بالأعلى و إن لم يحصل الترتيب فيما تحته.

الثاني‏: وجوب غسل الأعلى فالأعلى في جميع النقاط العرضية، فلا يجوز غسل شي‏ء من الأسفل قبل ما فوقه و إن لم يكن في سمته.

الثالث‏: وجوب غسل الأعلى فالأعلى بحسب الخطوط الطولية لا غير.

الرابع‏: أن يكون اتجاه المسح من الأعلى للأسفل و إن كان منحرفا عن سمت خط الطول، كما لو مسح من الجبين الأيمن إلى اللحى الأيسر.

أما الأول ففي الجواهر أنه مقتضى كلام كثير من المتأخرين، و نسبه في مفتاح الكرامة إلى إطلاقات الأصحاب، و ظاهره الميل إليه بالنحو الذي لا يستلزم النكس.

و يدفعه ظهور أدلة البدء بالأعلى في وجوب الترتيب في تمام الوجه، لوضح أن غسل مقدم الوجه بإسدال الماء على الجبهةالذي تضمنته بعض النصوص البيانيةإنما يكون بنحو الترتيب، تبعا لنزول الماء من الأعلى إلى الأسفل، بل هو صريح خبر أبي جرير المتقدم.

و أما الثاني فقد نسبه في المدارك إلى بعض القاصرين، و ذكر أنه من الخرافات الباردة و الأوهام الفاسدة.

لكن اختاره في الحدائق و نسبه إلى الشهيد الثاني في شرح الرسالة و ظاهر العلامة، و إن لم تخل النسبة عن إشكال، لتصريح الشهيد فيما نقله عنه بأن في الاكتفاء بالثالث وجها وجيها، و قرّب حمل كلام العلامة عليه.

223

و قد اختار الوجه الثاني أيضا شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) بعد حمله على الترتيب العرفي بتكرار المسح، لا الدقي.

و قد استدل عليه في الحدائق ببعض النصوص البيانية، ففي صحيح زرارة:

«ثمَّ غرف ملأها ماء فوضعها على جبهته، ثمَّ قال: بسم اللّه، و سدله على أطراف لحيته، ثمَّ أمر يده على وجهه و ظاهر جبهته مرة واحدة» (1).

و استدل عليه شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) بظاهر رواية أبي جرير المتقدمة.

لكن الصحيح قد تضمن إمرار اليد مرة واحدة، و هو لا يستوعب جانبي الوجه إلا بمد الإصبعين الموجب لعدم استيلائهما على جانبي الأنف في مقدم الوجه لانخفاضهما، فلا بد أن يكون انغسالهما قبل ذلك بإسدال الماء الراجع إلى غسل مقدم الوجه قبل جانبيه.

و منه يظهر أن الاستدلال برواية أبي جرير يتوقف على حملها على مسح الوجه بكلتا اليدين أو على تقطع المسح باليد الواحدة بالمسح في سمت الطول قليلا قليلا مستوعبا للعرض ثمَّ التدرج للأسفل بنحو يصدق عرفا مسح تمام الوجه عرضا من أعلاه إلى أسفله، فلو استمرت المسحة الواحدة باليد الواحدة من الأعلى للأسفل كان استمرارها لاغيا و لم يكن مسحا وضوئيا.

و هذا و إن كان مقتضى الجمود على اسناد الغسل للوجه الظاهر في إرادة غسل تمامه، إلا أن خروجه عن المتعارف و احتياجه للعناية مانع من ظهورها فيه، بل ليس المنصرف منها إلا إرادة كون اتجاه المسح من الأعلى للأسفل و إن لم يستوعب الوجه عرضا.

هذا، مضافا إلى ظهور غير واحد من النصوص البيانية المتقدمة في عدم وجوب الاستيعاب العرضي بالوجه المذكور، لما تضمنته من مسح جانبي الوجه بعد إسدال الماء على أعلى الوجه.

و أما ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) من حملها على مسح الجانبين بمسحة

____________

(1) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 2.

224

واحدة مستوعبة لهما.

فهومع عدم مناسبته لإضافة المسحة للجانبين، لا للوجه‏يجري فيه ما تقدم في الصحيح الذي استدل به في الحدائق. فلاحظ.

فالوجه المذكور في غاية الضعف. بل لو أريد منه الترتيب الدقي كان متعذرا، إلا أن يكون غسل الوجه بكلتا اليدين أو بالارتماس، و لا ريب في عدم وجوبهما.

ثمَّ ان مقتضى رواية أبي جرير بعد حملها على عدم استيعاب الخط العرضي الاكتفاء بالابتداء بنقطة من الأعلى إلى نقطة من الأسفل الذي هو مفاد الوجه الرابع، إلا أن تحمل على الثالث، لدعوى كونه هو المتعارف من الترتيب المنصرف إليه الخطاب بالغسل من الأعلى إلى الأسفل، و إن لم يكن متعارفا في أصل الغسل. أو لبعض النصوص البيانية المتقدمة بناء على تمامية دلالتها على الوجوب، لظهورها في غسل تمام مقدم الوجه بإسدال الماء قبل غسل جانبيه بالمسح عليهما، فتكون أخص من رواية أبي جرير.

لكنه لو تمَّ يتعين الاكتفاء فيه بالوجه العرفي، و لا يعتبر التدقيق، لابتنائه على عناية يبعد إرادتها من مجرد العمل. و لا سيما مع ظهور النصوص البيانية في قلة إمرار اليد في غسل الوجه، حيث يظهر منها الاهتمام باستيعاب الوجه بالغسل، و يغفل معه عن مثل هذه التدقيقات.

بقي أمران.

الأول‏: أن النصوص البيانية و إن تضمنت إسدال الماء على الجبهة أو أعلى الوجه، إلا أن ذلك لا يقتضي انغسال الجزء الأول من الوجه دقة قبل غيره، لوضوح أن الكف من الماء له مساحة معتد بها تباشر مقدارها من الوجه فتغسله دفعة.

و تحقيق الابتداء بالأعلى دقة يتوقف حينئذ إما على صب الماء على الرأس فوق الوجه، كي ينزل إلى أعلى الوجه منه تدريجا، أو على كون انغسال ما يقارن الأعلى بصب الأعلى لغوا، و لا يتحقق الغسل الوضوئي إلا بإمرار اليد من الأعلى إلى الأسفل بعد صب الماء، و كلاهما مما تأباه النصوص البيانية و سيرة المتشرعة في تحقيق الغسل من الأعلى، الملزم بالاكتفاء بذلك و حمل إطلاق خبر أبي جرير عليه. فلاحظ.

225

و لا يجوز النكس (1).

نعم، لو ردّ الماء منكوسا و نوى الوضوء بإرجاعه إلى الأسفل صح وضوؤه (2).

الثاني‏: ورد في بعض النصوص‏ (1) أن من بقي في وجهه موضع لم يصبه الماء يجزيه أن يبله من بعض جسده. و هو بظاهر مناف للترتيب، لبعد حمله على خصوص ما إذا كان الموضع آخر الوجه.

كما قد ينافيه أيضا ما في صحيح ابن جعفر (2) من الاجتزاء بإصابة المطر حتى تبتل جميع أعضاء الوضوء، لبعد حمله على الترتيب بالوجه المذكور، غايته أن يحمل على عدم النكس.

لكنهما كما ينافيان الترتيب في نفس العضو ينافيان الترتيب بين الأعضاء، بل الثاني لا يناسب عدم الاجتزاء في الرأس و الرجلين بالغسل. فلا بد من توجيههما أو تخصيصهما بموردهما أو طرحهما، على ما قد يتضح عند الكلام في المسألة الثامنة عشرة في الوضوء بماء المطر، و في مبحث اعتبار الترتيب، و اللّه سبحانه و تعالى المعين الموفق.

(1) مما تقدم يظهر أن ذلك أعم من وجوب الغسل من الأعلى للأسفل.

و من هنا كان متيقنا بالإضافة إليه بالنظر للأدلة المتقدمة و كلام الأصحاب و السيرة.

(2) لعدم الدليل على قادحية النكس مقدمة للوضوء.

و دعوى: منافاته للوضوءات البيانية المحكية بالنصوص المتقدمة.

مدفوعة: بأن مفاد النصوص المذكورة كون المقصود بالوضوءات البيانية حكاية وضوء النبي (صلى اللَّه عليه و آله) بنفسه لا بمقدماته، فما اشتملت عليه من المقدمات غير

____________

(1) راجع الوسائل باب: 43 من أبواب الوضوء.

(2) الوسائل باب: 36 من أبواب الوضوء حديث: 1.

226

وارد للحكاية كي يتوهم وجوبه.

إلا أن المعروف المشهور بينهم المصرح به في كلام جماعة كثيرةكما في الناصريات و الاستبصار و القواعد و المنتهى و اللمعة و محكي المبسوط و غيرها من كتب القدماء و المتأخرين‏أنه لا بد من جريان الماء، بل عن الشهيد الثاني في بعض تحقيقاته أنه المعروف بين الفقهاءو لا سيما المتأخرين‏و المصرح به في عباراتهم، و عن محكي حاشية التهذيب للمجلسي أن ظاهر الأصحاب الاتفاق عليه.

و الظاهر أن مرادهم به انتقال الماء من بعض أجزاء البدن لغيره و لو بإعانة اليد و نحوها، كما يناسبه الوضوءات البيانية و سيرة المتشرعة، و ما ذكره غير واحد من الاجتزاء بمثل الدهن‏كما في الاستبصار و القواعد و غيرهمابل هو المصرح به في جامع المقاصد و كشف اللثام و عن التذكرة و غيرها. بل في الروض: «و أقله أن يجري جزء من الماء على جزئين من البشرة و لو بمعاون» و نحوه في المسالك و عن غيرها.

و كأن ذلك من الأصحاب لبنائهم على تقوم الغسل بالجريان، كما يناسبه الجمع بينه و بين مفروغيتهم عن وجوب الغسل، بل هو المصرح به في الاستبصار و المنتهى و جامع المقاصد و الروض و المسالك و عن غيرها، بل في مبحث الغسل من المدارك: أنه الذي قطع به الأصحاب، و في كشف اللثام: أنه الذي يشهد به العرف و اللغة، و في الروض و عن الأنوار أن الغسل في اللغة إمرار الماء على الشي‏ء على وجه التنظيف و التحسين و إزالة الوسخ و نحوها، و في مجمع البحرين: «غسل الشي‏ء إزالة الوسخ و نحوه عنه بإجراء الماء عليه» و في مفردات الراغب: «غسلت الشي‏ء غسلا: أسلت عليه الماء فأزلت درنه».

لكن صاحب المدارك و إن استحسن في مبحث الغسل ما نسبه للأصحاب من اعتبار الجريان و لو بمعاون، إلا أنه تنظّر في مبحث الوضوء في صدقه عرفا بما تقدم من الروض و المسالك من أن أقله أن يجري جزء من الماء على جزئين من البشرة.

227

و ظاهره اعتبار ما زاد على ذلك. و هو في محله، فأن مرجعه إلى تحقق الغسل بمسح العضو المبتل على العضو الجاف إذا صارت مساحة المبتل من الممسوح ضعف المبتل من الماسح، و العرف يأبى ذلك جدا.

و ما تقدم من المجمع و مفردات الراغب لا يشمل مثل هذا قطعا، بل المنصرف منه أن يكون للماء وجود استقلالي حين الجريان.

بل الظاهر عدم صدق الجريان و الاسالة بدون ذلك، بل يشكل صدقهما مع كون انتقال الماء بمعونة اليد و إن فرض استيلاء الماء بذلك و تحقق الغسل، و ليست الاستعانة في انتقال الماء باليد هي المصححة لنسبة الاجراء و الاسالة للفاعل، بل المصحح لها صبه للماء بقدر معتد به يقتضي جريانه بنفسه.

و من ثمَّ لا يبعد عدم تقوم الغسل بأصل الجريان و السيلان، كما يناسبه ما حكاه في الحدائق عن الشهيد الثاني في بعض تحقيقاته من أن ذلك غير مفهوم من كلام أهل اللغة. قال: «لعدم تصريحهم باشتراط جريان الماء في تحققه و أن العرف دال على ما هو أعم منه».

بل ما ذكره من كون الغسل أعم من الجريان غير ظاهر، بل الظاهر تباينهما مفهوما، و إن كان بينهما عموم من وجه موردا، فيتوقف صدق الغسل على كثرة الماء و استيلائه بالنحو الذي من شأنه أن يزيل الوسخ و القذر بذلك، و عصر و نحوهما، و بنحو يكون له غسالة، كما يناسبه ما في غير واحد من النصوص من الأمر بصب الماء على الجسد و غسل الثوب عند إصابة البول، و لا سيما مع تعليل الاكتفاء بالصب في بعضها بأنه ماء (1)، و مثلها في ذلك صحيح الحلبي: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن بول الصبي. قال: تصب عليه الماء، فان كان قد أكل فاغسله بالماء غسلا» (2)، و خبر علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام): «سألته عن الفراش يكون كثير الصوف فيصيبه البول كيف يغسل؟ قال: يغسل الظاهر ثمَّ يصب عليه الماء في‏

____________

(1) راجع الوسائل باب: 1 من أبواب النجاسات.

(2) الوسائل باب: 2 من أبواب النجاسات حديث: 2.

228

المكان الذي أصابه البول حتى يخرج من جانب الفراش الآخر» (1) و ما في موثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «و قال في قدح أو إناء يشرب فيه الخمر. قال: تغسله ثلاث مرات. و سئل: أ يجزيه أن يصب فيه الماء؟ قال: لا يجزيه حتى يدلكه بيده و يغسله ثلاث مرات» (2). لظهورها في عدم تحقق الغسل بمجرد الصب المستلزم لانتقال أجزاء الماء من بعض أجزاء الجسم لبعض.

و لعله لذا كان ظاهر المدارك و عن خاله صاحب المعالم و تلميذه الشيخ نجيب الدين الإرجاع في صدق الغسل إلى العرف من غير تحديد بشي‏ء مما تقدم، كما هو ظاهر جماعة من اللغويين، لعدم تعرضهم لشرحه.

و كأن من اعتبر في الغسل الجريان نظر إلى النصوص الآتية المتضمنة له، و من اكتفى بالجريان بإعانة اليد و لو بالوجه المتقدم عن الروض نظر إلى نصوص الوضوءات البيانية و نصوص المسح و الدهن التي سيأتي الكلام فيها أيضا، كما قد يشهد به تعبير جماعة بما تضمنته النصوص المذكورة من الاجتزاء بالدهن مع اعتبارهم صدق الغسل، كما في الاستبصار و الشرائع و المعتبر و المنتهى و القواعد و غيرها.

لكن النصوص المذكورة لو تمَّ الاستدلال بها في الأمرين المذكورين لا تستلزم كون مضمونها مطابقا لمفهوم الغسل عرفا، بحيث تكون واردة لبيان تحققه بالوجه الذي تضمنته. بل قد يكون مرجع بعضها إلى تقييد أدلة الغسل بحال الاختيار.

بل لا يبعد كون المراد بها بأجمعها بيان عدم وجوب الغسل بخصوصيته، بل لأجل إيصال الماء المتحقق بما تضمنته، فان الجمع بينها و بين أدلة وجوب الغسل بذلك أقرب من تنزيلها على بيان أدنى ما يحقق الغسل عرفا بعد ما ذكرنا من مفهوم الغسل.

بل من البعيد جدا خفاء الغسل بالنحو المحتاج للشرح، و لذا لم يشر فيها

____________

(1) الوسائل باب: 5 من أبواب النجاسات حديث: 3.

(2) الوسائل باب: 51 من أبواب النجاسات حديث: 1.

229

إلى مفهوم الغسل و تنقيح مصداقه، و إنما اقتصر فيها على بيان الأجزاء و التأكيد عليه.

و من ثمَّ لم يتعرضوا للاجتزاء بذلك في الغسل من النجاسة، مع أنه لو كان من أفراد الغسل العرفية أو الشرعية لكان الاجتزاء به متعينا.

و مما ذكرنا يظهر الإشكال فيما في المعتبر في مبحث التيمم، حيث قال: «ظن قوم منا أن دهن الأعضاء في الطهارة يقصر عن الغسل و منعوا الاجتزاء به إلا في حال الضرورة، و هو خطأ، فإنه لو لم يسمّ غسلا لما جاز الاجتزاء به، لأنه لا يكون متمثلا.

و إن كان غسلا لم يشترط فيه الضرورة. و يدل على أنه مجز روايات.» ثمَّ ذكر رواية زرارة و محمد بن مسلم الآتية.

لاندفاعه: بإمكان خروجه عن الغسل و إجزائه في حال الضرورة. بل مطلقا، لكونه محققا لغرض الشارع من الغسل في المقام، كما ذكرنا.

و دعوى: منافاته للكتاب و السنة المتواترة، بل الضرورة على وجوب الغسل و تتوقف الطهارة عليه.

مدفوعة: بأن المتيقن إنما هو وجوب الغسل في الجملة و لو حال الاختيار، أو لأجل تحقيق إيصال الماء بالوجه المذكور في هذه النصوص، و أما توقف الطهارة عليه بعنوانه و خصوصيته مطلقا فليس هو إلا ظاهر الأوامر المذكورة، الذي يمكن رفع اليد عنه بتنزيلها على ما ذكرنا جمعا.

نعم، لا ريب في مباينة الغسل للمسح، فلا بد من المحافظة على ذلك في مقام العمل بهذه النصوص على ما يتضح إن شاء اللّه تعالى.

إذا عرفت هذا، فلا ريب في عدم اعتبار الغسل بالمعنى المتقدم في الوضوء و الغسل و كفاية الجريان و الصب، كما يشهد به نصوص الوضوءات البيانية المتضمنة لغسل مقدم الوجه و ظاهر الذراع بصب الماء و إسداله‏ (1)، و ما تضمن الاجتزاء بإصابة المطر للأعضاء (2). و ما تضمن تحقق الغسل بإفاضة الماء و صبه‏

____________

(1) راجع الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء.

(2) راجع الوسائل باب: 36 من أبواب الوضوء حديث: 1. و باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 10، 11، 14.

230

على الجسد في غسل الجنابة (1) و غير ذلك، بل في كثير منها التعبير عنه بالغسل الكاشف عن إلغاء الخصوصية المذكورة في المقام، بلحاظ تحقق الغرض من الغسل به‏و لو لتحقق الطهارة به‏بنحو يصحح إطلاقه عليه.

كما لا ينبغي الإشكال في عدم لزوم أن يستقل الماء بالجريان، بل يكفي أن يكون بمعونة اليد و نحوها و إن لم يتحقق به الغسل العرفي، لخفة المسح، لوفاء النصوص البيانية و نصوص تعليم غسل الجنابة (2) و غيرها به.

و إنما الإشكال في أمرين.

الأول‏: في لزوم الجريان و لو بالنحو المذكور مع غض النظر عما تقدم منهم من أخذه في مفهوم الغسل.

فقد استدل عليه بغير واحد من النصوص الواردة في الوضوء و الغسل، ففي صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): «كل ما أحاط به الشعر فليس للعباد أن يطلبوه و لا يبحثوا عنه، و لكن يجري عليه الماء» (3) و في صحيحه الآخر عنه (عليه السلام): «قال:

الجنب ما جرى عليه الماء من جسده قليله و كثيره فقد أجزأه» (4) و في صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام): «ثمَّ تصب على سائر جسدك مرتين، فما جرى عليه الماء فقد طهر» (5).

و يندفع بعدم ظهور هذه النصوص في لزوم الجريان، بل هي واردة لبيان الاكتفاء بالماء القليل و عدم وجوب الإكثار منه، و لا وجوب التعميق و غسل ما تحت الشعر.

بل قد يستفاد عدم وجوب الجريان من صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في‏

____________

(1) راجع الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة.

(2) راجع الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة.

(3) الوسائل باب: 46 من أبواب الوضوء حديث: 3.

(4) الوسائل باب: 31 من أبواب الجنابة حديث: 3.

(5) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 1.

231

الوضوء: «قال: إذا مس جلدك الماء فحسبك» (1)، و صحيحة الآخر في الغسل عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «ثمَّ تغسل جسدك من لدن قرنك إلى قدميك. و كل شي‏ء أمسسته الماء فقد أنقيته. و لو أن رجلا ارتمس في الماء ارتماسة واحدة أجزأه ذلك و إن لم يدلك جسده» (2).

لوضوح أن الإمساس لا يتوقف على الجريان بالمعنى المذكور.

نعم، بناء على وجوب الترتيب في الوضوء في نفس الأعضاء يتجه عدم الاكتفاء فيه بمجرد الإمساس، بل لا بد من نقل الماء بإجراء أو مسح أو نحوهما، كما تضمنه غير واحد من نصوص الوضوءات البيانية و غيرها.

و أما الغسل فيشكل الأمر فيه جدا بعد الصحيح المتقدم.

و دعوى: أن ما تضمنه صدره من الغسل الذي لا يتحقق بمجرد الإمساس ملزم بتقييد الإمساس بذلك.

مدفوعة: بظهور ذكر الإمساس بعد الغسل في التنبيه على أن المعيار عليه، لدفع توهم وجوب ما زاد عليه مما قد يوهمه ذكر الغسل، و أن ذكر الغسل لأنه يحققه، لا لوجوب المحافظة على خصوصية، و إلا لم يكن لذكره بعد ذكر الغسل من القرن إلى القدم فائدة. و يقرب ذلك التنبيه على عدم وجوب الدلك مع الارتماس الذي هو من لوازم الغسل. فلاحظ.

و قد يؤيد أو يعتضد بصحيح هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قلت له:

أغتسل من الجنابة و غير ذلك في الكنيف الذي يبال فيه و علي نعل سندية، فاغتسل و علي النعل كما هي. فقال: إن كان الماء الذي يسيل من جسدك يصيب أسفل قدميك فلا تغسلهما» (3) لوضوح أن وصول الماء إلى أسفل القدم مع لبس النعل لا يستلزم جريانه في تمام القدم، بل قد يكون بتفشى الماء في النعل بسبب حركة القدم. و مثله ما تضمن الاكتفاء بوصول الماء إلى بشرة الرأس بشرب الشعر

____________

(1) الوسائل باب: 52 من أبواب الوضوء حديث: 3.

(2) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 5.

(3) الوسائل باب: 27 من أبواب الجنابة حديث: 2.

232

له، مع عدم استلزامه جريانه على البشرة ففي صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): «قال: الحائض ما بلغ بلل الماء من شعرها أجزأها» (1) و في صحيح الكاهلي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في غسل الجنابة للمرأة من دون أن تنقض شعرها:

«مرها أن تروي رأسها من الماء و تعصره حتى يروى، فإذا روي فلا بأس عليها» (2).

بل قد يؤيد باغفال نصوص المئزر حله أو تحريكه عند الغسل‏ (3)، مع قرب الغفلة عن ذلك و الاكتفاء بوصول الماء للبشرة بتخلله للمئزر من دون أن يستلزم مسح البدن بالماء.

و لا سيما مع مطابقة ذلك للارتكازات العرفية في التطهير بالماء، إذ المهم بحسبها هو وصول الماء للبشرة و استيلاؤه عليها، و لذا يكتفى بذلك في التطهير من الخبث، فيما يكتفى فيه بالصب و نحوه، و لا خصوصية للإجراء ارتكازا، و إنما تعارف لتسهيل تبليغ الجسد أو للاقتصاد في الماء.

نعم، قد ينافي ما ذكرنا خبر بكر بن كرب: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يغتسل من الجنابة، أ يغسل رجليه بعد الغسل؟ فقال: إن كان يغتسل في مكان يسيل الماء على رجليه فلا عليه أن لا يغسلهما، و إن كان يغتسل في مكان يستنقع رجلاه في الماء فليغسلهما» (4).

إلا أن من القريب حمله على لزوم سيلان الماء على ظاهر القدم، و إلا فباطن القدم المماس للأرض لا يسيل عليه الماء إلا برفع القدم، و لا يراد بغسله إلا رفعه و إسالة الماء عليه، فعدم إيجاب غسله ظاهر في عدم وجوب رفعه و الاكتفاء بإصابة الماء له بسبب مماسته للأرض التي يسيل عليها الماء، نظير ما تقدم في صحيح هشام. فلا بد أن يكون اعتبار سيلان الماء على ظاهر القدم في مقابل انغماره، إما بالماء الموجود قبل الغسل الذي لم ينو بالدخول فيه الغسل، أو

____________

(1) الوسائل باب: 31 من أبواب الجنابة حديث: 4.

(2) الوسائل باب: 38 من أبواب الجنابة حديث: 5.

(3) راجع الوسائل باب: 9، 10، 11 من أبواب آداب الحمام.

(4) الوسائل باب: 27 من أبواب الجنابة حديث: 3.

233

بغسالة الجنابة التي لا يصح الاغتسال بها إما لعدم رفع الماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر للحدث، أو لعدم نية الغسل بتجمع الماء بالوجه المذكور، و إنما ينوي بصبه أو لنحو ذلك.

هذا، و لو فرض قصور جميع ما ذكرنا عن إفادة المطلوب لزم المحافظة على الاجراء بالوجه المذكور، لأنه المتيقن من نصوص تعليم غسل الجنابة و سيرة المتشرعة و مطابقته لقاعدة الاشتغال المحكمة في المقام و نحوه من موارد الشك في المحصل. فتأمل جيدا.

الثاني‏: في مقدار الماء الذي يكتفى بإجرائه و لو بواسطة اليد.

و لا إشكال عندهم في الاكتفاء بما تضمنته نصوص الوضوءات البيانية و غيرها (1) من الاكتفاء بغرفة لكل عضو، و ما تضمنته نصوص تعليم غسل الجنابة من الاكتفاء بالكف و الكفين و غيرهما في الأعضاء، بل ظاهرهم المفروغية عن صدق الغسل به، و إن كان لا يخلو عن نظر، كما يظهر مما تقدم.

و إنما الإشكال عندهم فيما هو الأقل من ذلك الذي هو ظاهر بعض النصوص. ففي صحيح زرارة و محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): «قال: إنما الوضوء حد من حدود اللّه، ليعلم اللّه من يعطيه و من يعصيه، و إن المؤمن لا ينجسه شي‏ء، إنما يكفيه مثل الدهن» (2) و صحيح محمد بن مسلم عنه (عليه السلام): «يأخذ أحدكم الراحة من الدهن فيملأ بها جسده، و الماء أوسع من ذلك، إلا أحكي لكم وضوء رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله)(3). و موثق إسحاق بن عمار عن جعفر عن أبيه: «ان عليا (عليه السلام) كان يقول: الغسل من الجنابة و الوضوء يجزي منه ما أجرى من الدهن الذي يبل الجسد» (4) و موثق زرارة: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن غسل الجنابة، قال:

أفض على رأسك ثلاث أكف و عن يمينك و عن يسارك إنما يكفيك مثل‏

____________

(1) راجع الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء.

(2) الوسائل باب: 52 من أبواب الوضوء حديث: 1.

(3) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 7.

(4) الوسائل باب: 52 من أبواب الوضوء حديث: 5.

234

الدهن» (1). و صحيح هارون عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: يجزيك من الغسل و الاستنجاء ما بلت [ملأت خ ل‏] يمينك» (2).

هذا، و حيث كان المعيار في الغسل عند المشهور حصول مسمى الجريان، فالأصحاب بين من حملها على ذلك و أوجب الغسل و إن كان بمثل الدهن، كما تقدم، و من حملها على المجاز و المبالغة في تقليل الماء، كما في الروض و المسالك و غيرهما، و من قرّب حملها على الحقيقة و إن لم يحصل الغسل، كما يظهر من المدارك، و من حملها على الضرورة، كما تقدم من المعتبر نسبته إلى قوم من أصحابنا، و مال إليه في الحدائق و نسبه لبعض مشايخه المحققين من متأخري المتأخرين، بل ربما ينسب للشيخين، لاكتفائهما في النهاية و المقنعة لمن كان في أرض ثلج و لا ماء عنده و لا تراب بوضع يديه باعتماد على الثلج حتى تندى ثمَّ يمسح بها أعضاء الوضوء أو سائر البدن في الغسل.

لكن عرفت الإشكال في الأول، و أن ذلك لا يحقق الغسل العرفي.

كما أن الثاني مخالف لظاهر هذه النصوص جدا. و لا سيما بعد التنبيه في الصحيح الأول إلى عدم النجاسة التي هي المنشأ ارتكازا لاعتبار الإكثار من الماء الذي يتوقف عليه الغسل العرفي، و ما في الثاني من تحديد الدهن بالراحة، و ما في الموثق الأول من جعل المعيار بلّ الجسد.

و بالجملة: ظهور النصوص في التحديد العملي ببيان أقل المجزي مما لا مجال لرفع اليد عنه بالحمل على المجاز و المبالغة.

و من ثمَّ كان الظاهر هو الثالث، و مجرد عدم حصول الغسل به ليس محذورا، كما تقدم.

نعم، استشكل فيه غير واحد بأنه لا يناسب المقابلة بين المسح و الغسل في أعضاء الوضوء، إذ مع عدم تحقق الغسل لا يتحقق الا المسح، و الاكتفاء به في جميع الأعضاء المغسولة مخالف للكتاب و السنة و الإجماع، بل الضرورة.

____________

(1) الوسائل باب: 31 من أبواب الجنابة حديث: 6.

(2) الوسائل باب: 31 من أبواب الجنابة حديث: 5.

235

و الذي ينبغي أن يقال: قوام المسح نقل البلة من أحد الجسمين للآخر بامراره عليه، و إن لم يصدق الماء على ما ينتقل إليه و يحمله منه، و إن لم تصدق الرطوبة المعتد بها، و غاية ما يدعى في المقام هو لزوم التأثير في الممسوح بوجه ما.

و على هذا فإنما يلزم الاشكال المذكور لو كان ظاهر النصوص المذكورة هو الاكتفاء بهذا المقدار بدلا عن الغسل.

لكنه ليس كذلك، بل هي ظاهرة في لزوم صدق الماء و البلل على ما ينتقل إلى الأعضاء، كما ينتقل الدهن بالتمسح، بل هو كالصريح من موثق إسحاق بن عمار. و لا أقل من كونه مقتضى الجمع بين هذه النصوص و صحيحي زرارة المتقدمين الظاهرين في لزوم مس الماء للجسد، و من الظاهر أن ذلك أمر زائد على المسح، فيمكن حمل الغسل عليه.

نعم، ما في إحدى نسختي صحيح هارون من قوله: «ما بلت يمينك» لا يناسب ذلك.

لكنه‏مع عدم ثبوت النسخة في نفسهالا مجال للبناء على ظاهرها، لعدم الريب في عدم كفاية ذلك في الاستنجاء، فلا بد من حملها على ضرب من المجاز و المبالغة، أو طرحها.

و أما الرابع‏و هو التخصيص بحال الضرورةفهو مما تأباه هذه النصوص جدا.

و أما ما في الحدائق حاكيا له عن شيخه المذكور من لزوم حملها على الضرورة بقرينة بعض النصوص المختصة بها، لدعوى كونها شاهد جمع بين هذه النصوص و أدلة الغسل‏بعد فرض استحكام التعارض بينها.

فيندفع: بأن اختصاص بعض النصوص ببعض الأفراد إنما يكون شاهد جمع بين المتعارضين إذا أمكن عرفا تنزيلهما معا عليها، لا في مثل المقام.

مضافا إلى ما تقدم من عدم استحكام التعارض بين نصوص المقام و أدلة الغسل، بل تنزل أدلة الغسل على نصوص المقام.

236

ثمَّ إن النصوص المختصة بحال الضرورة المدعى دلالتها على الاكتفاء بما لا يحقق أدنى الواجب حال الاختيار هي صحيح علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام):

«سألته عن الرجل الجنب أو على غير وضوء لا يكون معه ماء و هو يصيب ثلجا أو صعيدا أيهما أفضل أ يتيمم أم يمسح بالثلج وجهه؟ قال: الثلج إذا بلّ رأسه و جسده أفضل، فان لم يقدر على أن يغتسل به فليتيمم» (1) و قريب منه خبره عنه (عليه السلام)(2) و صحيحه الآخر عنه (عليه السلام): «سألته عن الرجل يصيب الماء في ساقية أو مستنقع، أ يغتسل منه للجنابة أو يتوضأ منه للصلاة إذا كان لا يجد غيره، و الماء لا يبلغ صاعا للجنابة و لا مدا للوضوء. فقال: إن كانت يده نظيفة. فإن خشي أن لا يكفيه غسل رأسه ثلاث مرات، ثمَّ مسح جلده بيده، فان ذلك يجزيه، و إن كان الوضوء غسل وجهه و مسح يده على ذراعيه و رأسه و رجليه.» (3) و خبر معاوية بن شريح أو حسنه: «سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) و أنا عنده، فقال: يصيبنا الدمق‏ (4) و الثلج و نريد أن نتوضأ و لا نجد إلا ماء جامدا، فكيف أتوضأ، أدلك به جلدي؟ قال: نعم» (5) و مرسل الكليني: «و روي في رجل كان معه من الماء مقدار كف و حضرت الصلاة قال: فقال: يقسمه أثلاثا: ثلث للوجه، و ثلث لليد اليمنى، و ثلث لليسرى، و يمسح بالبلة رأسه و رجليه» (6).

مضافا إلى قاعدة الميسور، لأن المسح بالوجه المذكور ميسور بالإضافة إلى الغسل.

و من ثمَّ حكي القول بالاكتفاء بالمسح بنداوة الثلج‏و إن لم يحقق أدنى الواجب في حال الاختيارعن جماعة، بل قد يحمل عليه ما تقدم من المقنعة و النهاية و الوسيلة.

____________

(1) الوسائل باب: 10 من أبواب التيمم حديث: 3.

(2) الوسائل باب: 10 من أبواب التيمم حديث: 5.

(3) الوسائل باب: 10 من أبواب الماء المضاف و المستعمل حديث: 1.

(4) الدمق محركة ريح و ثلج معربة دمه قاموس.

(5) الوسائل باب: 10 من أبواب التيمم حديث: 2.

(6) الوسائل باب: 31 من أبواب الوضوء حديث: 9.

237

لكن صحيح ابن جعفر و خبره ظاهران فيما يتحقق به الواجب الاختياري، و هو بلّ الجسد، و لا بد من حمل الأفضلية فيهما على الإلزام أو الترخيص من جهة الحرج، بناء على أنه لا يرفع مشروعية الوضوء.

و خبر معاوية ظاهر في الاكتفاء بذلك الجلد بالثلج في مقابل لزوم إجراء الماء المذاب، و لا إطلاق له من جهة مقدار البلل الحاصل من الدلك، و لا سيما مع غلبة حصول مقدار الواجب‏و هو حمل البلل الذي يصدق عليه الماءبه.

كما أن ما تضمنه مرسل الكليني محقق للواجب الاختياري بالتجربة.

و صحيح علي بن جعفر الآخر لا يخلو عن اضطراب في نفسه مانع من الاستدلال به، و قد فصلنا الكلام فيه في مبحث الماء المستعمل في رفع الحدث الأكبر.

و قاعدة الميسور غير ثابتة في نفسها. مع قصورها عن مثل المقام من موارد التبعيض في سبب الواجب البسيط، لما أشرنا إليه من أن الواجب ليس هو الوضوء و الغسل، بل الطهارة المسببة عنهما.

هذا كله مضافا إلى ما تضمنه غير واحد من الصحاح و غيرها من وجوب التيمم لمن أجنب و معه من الماء ما يكفيه للوضوء (1)، مع وضوح كفاية المقدار المذكور من الماء في تحقيق الغسل الاضطراري بالوجه المذكور.

ثمَّ إنه ربما يدعى وجوب الوضوء أو الغسل الاضطراريين بالوجه المذكور بعد تعذر التيمم، كما هو ظاهر ما تقدم من المقنعة و النهاية و الوسيلة، بل هو صريح المحكي عن العلامة (قدّس سرّه) في النهاية.

و لا يظهر وجهه، و تمام الكلام في ذلك في مبحث التيمم. فلاحظ. و اللّه سبحانه و تعالى العالم العاصم.

____________

(1) راجع الوسائل باب: 24 من أبواب التيمم.

238

(مسألة 1): غير مستوي الخلقةلكبر الوجه أو لصغره، أو لطول الأصابع أو لقصرهايرجع إلى متناسب الخلقة المتعارف (1).

(1) كما صرح به في الشرائع و القواعد و غيرهما.

و الظاهر أن مراد الكل هو وجوب غسل تمام ما يغسله متناسب الخلقة من أعضاء الوجه، فلا ينقص منها كبير الوجه أو قصير الإصبعين، و لا يزيد عليها صغير الوجه أو طويل الإصبعين.

و إليه يرجع ما عن بعضهم من أن العبرة بمستوي الخلقة في الحد دون المحدود، و إن كانت بعض عباراتهم توهم رجوعه لهما معا، فمن خرج وجهه عن المتعارف يغسل بقدر ما يغسله متعارف الوجه من المساحة، كما أن من خرجت اصبعاه عن المتعارف يرجع في التحديد إلى الإصبعين المتعارفتين. لكن من البعيد إرادتهم له، لو لم يقطع بعدمها.

و كيف كان فالحكم المذكور مبني على ما تقدم من أن التحديد بالإصبعين في الصحيح لبيان الحدود الخارجية للوجه العرفي، الذي هو موضوع الحكم و يجب غسل تمامه، و من الظاهر أن الخروج عن المتعارف في الوجه و الإصبعين لا يوجب تبدلا في حدّ الوجه المذكور، فيجب الرجوع معه إلى ما يطابق الحدود المذكورة مع التعارف.

و ما تكرر مناتبعا لمشايخنامن عدم صلوح التعارف لتقييد الإطلاق، إنما يتجه مع احتمال إرادة الإطلاق، لا في مثل المقام مما يعلم بعدم إرادته، لاستحالة تحديد الوجه العرفي مع اختلاف مساحته باختلاف الأشخاص بمثل هذا الحد على الإطلاق، فلا بد من الرجوع للتعارف بالوجه المذكور، لتعينه عرفا بعد تعذر الإطلاق.

نعم، بناء على أن التحديد وارد لبيان ما يجب غسله و إن لم يطابق الوجه، أو لبيان الوجه الشرعي، لا العرفي، يتجه البناء على عموم التحديد بما بين الإصبعين بعد ظهوره في أن المدار لكل شخص على أصابعه، و لا ملزم بالحمل على‏

239

و كذا لو كان أغم قد نبت الشعر على جبهته أو كان أصلع قد انحسر الشعر عن مقدم رأسه، فإنه يرجع إلى المتعارف (1).

المتعارف، لعدم صلوح التعارف لتقييد الإطلاق بعد إمكان إرادته.

اللهم إلا أن يحمل عليه في خصوص المقام، بقرينة ما تضمنه الصحيح من عدم كون الصدغ من الوجه، الكاشف عن المفروغية عن عدم تجاوز الإصبعين للصدغين، و لا يتم إلا بملاحظة المتعارف. و كذا ما تضمنه صحيح إسماعيل بن مهران‏ (1) من دخول الجبينين في الوجه و انهما منتهى حد عرضه، و ما في بعض النصوص‏ (2) من خروج الأذنين عن الوجه، لأن الجمع بذلك بينها و بين التحديد بما بين الإصبعين أولى عرفا من الجمع بتخصيص مضمون هذه النصوص بما إذا لم ينطبق عليه التحديد بالإصبعين و لو للخروج عن المتعارف.

و لو فرض عدم المرجح لأحد الوجهين كان المرجع في مورد عدم التطابق عموم وجوب غسل الوجه الظاهر في وجوب غسل تمام الوجه بما له من المعنى العرفي.

ثمَّ إنه حيث كان المتعارف مختلفا أيضا فلا بد من كون المعيار هو الأقل، و يكون الإطلاق لاشتمال الأكثر عليه، كما تقدم نظيره في اختلاف الشبر المتعارف المعتبر في تحديد الكر.

نعم، سبق أنه يلزم الاحتياط بجعل الحد أكثر الأمرين مما بين الإصبعين و ما بين الجبينين، فلا مجال للاكتفاء بالمتعارف الذي لا يصل إلى الجبينين.

(1) أما في الأنزع فلنظير ما سبق، لعدم الإشكال في بقاء موضع الانحسار في الرأس و عدم دخوله في الوجه عرفا.

بل لا يبعد عدم صدق القصاص على منتهى انحسار الشعر من الرأس في‏

____________

(1) الوسائل باب: 17 من أبواب الوضوء حديث: 2 قد تقدم عند الكلام في حد الوجه ص: 150.

(2) راجع الوسائل باب: 18 من أبواب الوضوء. و قد تقدمت هذه النصوص في شرح قول الماتن (قدّس سرّه):

«و الخارج عن ذلك ليس من الوجه» فراجع ص 212.

240

(مسألة 2): الشعر النابت فيما دخل في حد الوجه يجب غسل ظاهره (1)، الأصلع، فيخرج عن موضوع التحديد بالقصاص‏لو غض النظر عن حمله على المتعارف‏و يتعين الرجوع لما دل على الاقتصار على غسل الوجه، المحمول بمقتضى الإطلاق المقامي على غسل الوجه العرفي.

و أما في الأغم فقد استشكل في الجواهر في صدق الوجه على موضع الشعر، و من ثمَّ تمسك بانصراف التحديد المتعارف.

لكن الانصراف للمتعارف بدوي لا يعتد به، و إنما كان هو المعيار فيما سبق بقرينة ظهور التحديد في كونه لبيان الوجه العرفي الذي لا يختلف باختلاف الحد، كما سبق، فإذا فرض اختلافه في المقام تبعا لاختلاف الحد تعين العمل بإطلاق الحد، كيف و لا إشكال في عدم وجوب غسل أمر زائد على الوجه.

فالعمدة في المقام: أن الظاهر صدق الوجه على موضع الشعر النازل، لعدم الإشكال في عدم صدق الرأس عليه، و لا واسطة بينهما. و لا أقل من الشك الموجب للاحتياط، لما سبق من أن الشك في المحصل.

(1) كما صرح به غير واحد، بل استظهر في الجواهر أن يكون وجوب غسل ما دخل في الحد من اللحية إجماعيا، و نسبه للدروس، و هو ظاهر الناصريات و الخلاف. و يقتضيه ما في صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) بعد تحديد الوجه بما تقدم: «قلت له: أرأيت ما أحاط به الشعر؟ فقال: كل ما أحاط به الشعر فليس للعباد [على العباد. الفقيه‏] أن يطلبوه و لا يبحثوا عنه، و لكن يجري عليه الماء» (1)، إذ بعد التصريح فيه بعدم وجوب غسل ما يستره الشعر لا بد من إرجاع الضمير في قوله (عليه السلام): «يجري عليه» إلى الشعر، أو إلى المستور به بإرادة إجراء الماء عليه من وراء الشعر.

____________

(1) الوسائل باب: 46 من أبواب الوضوء حديث: 3.

241

و لا يجب البحث عن الشعر المستور، فضلا عن البشرة المستورة (1).

و قد يستدل عليه أيضا بالوضوءات البيانية. و لا يخلو عن إشكال، لإمكان كون غسله تبعيا لا لوجوبه.

كما قد يستدل عليه بدخوله في الوجه عرفا و لو تبعا. و هو قد يتم في مثل شعر الحاجبين، أما اللحية فدخولها عرفا لا يخلو عن إشكال، لأنها طارئة، و من شأنها الاسترسال و الخروج عن حد الوجه، حيث يصعب الجزم ببناء العرف على التفكيك في صدق الوجه عليهما بين ما حاذى الذقن و ما نزل عنه، مع عدم الإشكال في خروج المسترسل، النازل عن الذقن منها.

(1) كما هو المصرح به في كلامهم، بل في الناصريات و الخلاف دعوى الإجماع عليه. و يستفاد مما ذكروه من عدم وجوب تخليل اللحية، الذي صرح في جامع المقاصد و عن غيره بعدم الخلاف فيه، و عن التذكرة أنه مذهب علمائنا.

و يقتضيه صحيح زرارة المتقدم، و صحيح محمد بن مسلم عن أحدهما (عليهما السلام): «سألته عن الرجل يتوضأ أ يبطن لحيته؟ قال: لا» (1).

مضافا إلى بعض نصوص الوضوءات البيانية (2) المشتملة على مسح الوجه حين غسله من دون تكرار المستلزم لعدم غسل ما تحت الشعر، و إن كان الماء قد يصل إلى بعضه. و ما في قصة علي بن يقطين‏ (3)، حيث أمره الإمام (عليه السلام) أولا بتخليل اللحية تقية، و أهمله بعد ارتفاع الخوف عنه.

و أما ما في المنتهى من الاستدلال بخبر زرارة أو حسنه عن أبي جعفر (عليه السلام):

«قال: ليس المضمضة و الاستنشاق فريضة و لا سنة، إنما عليك أن تغسل ما ظهر» (4).

____________

(1) الوسائل باب: 46 من أبواب الوضوء حديث: 1.

(2) راجع الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء.

(3) الوسائل باب: 32 من أبواب الوضوء حديث: 3.

(4) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 6.

242

فلا يخلو عن إشكال، لقرب كون المراد بما ظهر البشرة الظاهرة و إن كانت مستورة بالشعر في مقابل باطن الجسد، كباطن الأنف و الفم و الإحليل، و لذا يجب غسل المستور بالشعر في الغسل و التطهير من النجاسة، و لا يجري حكم الباطن عليه في ذلك.

هذا، و مقتضى إطلاق جماعة كثيرة و تصريح آخرين‏كالفاضلين في المعتبر و المنتهى و الكركي و عن الشهيد في الذكرى‏عدم الفرق بين الخفيف و الكثيف، و هو المنسوب للمشهور في كلام جماعة، بل مقتضى إطلاق معقد إجماع الخلاف.

و صرح غير واحد بوجوب تخليل الخفيف و غسل ما تحته كالعلامة في القواعد و التذكرة و الشهيد في اللمعة، و هو المحكي عن ابني أبي عقيل و الجنيد و المقداد و غيرهم، و يقتضيه ما في الناصريات من التقييد بالكثيف.

و قد وقع الكلام تبعا لذلك في تحديد الخفيف و الكثيف. لكن حيث لم يكن في الأدلة أثر للعنوانين المذكورين فلا وجه لاطالة الكلام فيهما، بل ليس المناط إلا ما تضمنته الأدلة من إحاطة الشعر و تخليل اللحية، و يستكشف المعيار العملي لذلك من الوضوءات البيانية التي تضمنتها النصوص، فان المستفاد منها الاكتفاء بمسح اليد على تمام الوجه من دون تكرار بعد إسدال الماء عليه من دون تعميق و تخليل، فان كان يستلزم غسل الشعر و ما تحته فهو، و إلا فلا يجب ما زاد عليه مما يستلزم ذلك.

نعم، لو كان وضع الشعر بنحو غير متعارف، كما لو طال الشارب في جانبي الوجه و فتل حتى ستر قسما من الخد أشكل سقوط غسل البشرة المستورة، لخروجه عن المتيقن من جميع الأدلة المتقدمة.

و كذا لو كان عدم وصول الماء بالمسح مع خفة الشعر لقلة الماء، إما لعدم الصب و الاكتفاء بالمسح باليد الحاملة للماء، أو لقلة المصبوب جدا.

كما لا إشكال في وجوب غسل البشرة الظاهرة التي لا ينبت عليها الشعر كاللمعة، و إن كان المسح المسترسل لا يكفي في وصول الماء إليها، لكثافة الشعر

243

نعم، ما لا يحتاج غسله إلى بحث و طلب (1) يجب غسله (2).

النابت حولها و إن لم يسترها، عملا بعموم دليل وجوب غسل الوجه بعد قصور الأدلة المتقدمة عنه.

(1) تقدم أن المعيار العملي في ذلك على ما يستفاد من الوضوءات البيانية.

(2) أما وجوب غسل البشرة فلعموم وجوب غسل الوجه.

و دعوى: عدم صدق الوجه على المستور بالشعر، لأن الوجه مأخوذ من المواجهة.

مدفوعة: بأن أخذ الوجه من المواجهة إنما هو بمعنى كونها منشأ للتسمية، من دون أن يدور الاسم مدار فعليتها، فإنه جامد لا مشتق.

و أما الشعر فوجوب غسله يبتني على دخوله في الوجه حقيقة، أو تبعا، أو على الإجماع المدعى في جامع المقاصد في الفرع السابع من فروع مبحث الغسل، و لا أقل من قاعدة الاشتغال التي عرفت جريانها في أمثال المقام، و التي يكفي فيها الشك.

لكن الظاهر خروجه عن حقيقة الوجه، بل هو من سنخ النابت فيه، و لا يراد بالوجه عرفا إلا البشرة، كما يناسبه السؤال في الصحيح عما أحاط به الشعر من دون سؤال عن نفس الشعر.

و أما الدخول في الوجه تبعا فهو غير ظاهر أيضا. و مجرد التبعية خارجا لا يكفي في التبعية حكما.

و أما الإجماع فهو غير ثابت بنحو معتد به.

و قاعدة الاشتغال مورودة للإطلاقات الحاكمة بكفاية غسل الأعضاء التي عرفت خروج الشعر عن حقيقتها.

ثمَّ إنه لو تمَّ شي‏ء مما تقدم فغاية ما يلزم مسح الشعر تبعا للوجه، و إلا فالوضوءات البيانية تقتضي عدم وجوب تخليله بنحو يحصل العلم باستيعاب الماء له. فتأمل.

244

و كذا الشعر الرقيق النابت في البشرة يغسل مع البشرة (1). و مثله الشعرات الغليظة التي لا تستر البشرة (2) على الأحوط وجوبا.

(مسألة 3): لا يجب غسل باطن العين. (3) (1) الكلام فيه كما في سابقة.

و إلحاقه بالوجه عرفا غير ظاهر إلا بمعنى غفلتهم عن وجوده، لعدم تميزه و استقلاله بالوجود، لا بمعنى حكمهم بجزئيته بنحو لا يتحقق غسل تمام الوجه إلا بغسلة.

(2) يجري فيها الكلام السابق أيضا.

(3) العمدة فيه صدق غسل الوجه بدونه، فيكون مقتضى الإطلاق عدم الحاجة له، و لا سيما مع تعارف تغميض العين عند الغسل، بنحو يحتاج إرادة غسله إلى تنبيه و عناية، و لو نبّه عليه لم يخف، لعموم الابتلاء، بل لا ينبغي التأمل فيه بعد النظر في الوضوءات البيانية المتضمنة لغسل مقدم الوجه بإسدال الماء و إمرار اليد من دون تعميق و عناية.

و أما الاستدلال عليه بما تضمن عدم غسل الجوف و ما ليس بظاهر فلا يخلو عن إشكال، لعدم وضوح خروجه عن الظاهر بعد تعارف ظهوره بسبب تعارف فتح العين، كما أن الظاهر عدم صدق الجوف عليه.

نعم، في النبوي: «افتحوا عيونكم عند الوضوء لعلها لا ترى نار جهنم» (1).

لكنه‏مع ضعف سنده‏ظاهر في الاستحباب.

على أنه صرح في الخلاف بعدم الاستحباب محتجا بعدم الدليل و بإجماع الفرقة، خلافا لما عن ابن عمر و أصحاب الشافعي، و من هنا يمكن الاستدلال عليه بسيرة المتشرعة، لما هو المعلوم من حالهم من عدم بنائهم على العناية المذكورة.

____________

(1) الوسائل باب: 53 من أبواب الوضوء حديث: 1.

245

و الفم و الأنف (1) (1) بل كل باطن لا يحسب من البشرة الظاهرة.

و الظاهر الاتفاق عليه و إن لم يصرحوا به على الوجه المذكور، كما يظهر مما ذكره في استحباب المضمضة و الاستنشاق.

و يقتضيه خبر زرارة المتقدم، و صحيح أبي بكر الحضرمي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: ليس عليك مضمضة و استنشاق، لأنهما من الجوف» (1) و نحوه المرسل عن أبي بصير (2)، و في خبره: «ليس هما من الوضوء، هما من الجوف» (3).

مضافا إلى ما يظهر من بعض نصوص الوضوءات البيانية من الاكتفاء بإمرار اليد من دون تعميق يقتضي مسح هذه البواطن، لاحتياجه إلى عناية تستلزم التنبيه.

نعم، أخبار الوضوءات البيانية لا تنهض بإثبات عدم وجوب غسل البواطن الحادثة بجرح و نحوه، لعدم تعارفها. و كذا روايات الحضرمي و أبي بصير، لعدم صدق الجوف عليها.

فالعمدة في إطلاق عدم وجوب غسل الباطن بالمعنى المقابل للظاهر من هذه النصوص خبر زرارة، الذي لا يخلو سنده عن اعتبار، إذ ليس فيه إلا القاسم بن عروة، حيث لم ينص أحد على توثيقه، إلا أن رواية غير واحد من الأجلاء عنه- كابن أبي عمير، و الحسين بن سعيد و العباس بن معروف و ابن فضال و البزنطي و حماد و ابن شاذان‏مع كثرة رواياته و اشتهارها موجب للوثوق به. و من ثمَّ حكي عن العلامة و البهائي تصحيح بعض الروايات التي هو في طريقها.

على أنه يكفي في الإطلاقات المذكور صدق غسل الأعضاء التي يجب غسلهاكالوجه في المقام‏بغسل الظاهر وحده، حيث يكون مقتضى إطلاق دليل شرح الطهارة عدم وجوب غسله، و به يخرج عن قاعدة الاشتغال.

____________

(1) الوسائل باب: 29 من أبواب الوضوء حديث: 10.

(2) الوسائل باب: 29 من أبواب الوضوء حديث: 12.

(3) الوسائل باب: 29 من أبواب الوضوء حديث: 9.

246

و مطبق الشفتين و العينين (1).

(مسألة 4): الشعر النابت في الخارج عن الحد إذا تدلى على ما دخل في الحد لا يجب غسله (2)، و كذا المقدار الخارج عن الحد، و إن كان نابتا في داخل الحد، كمسترسل اللحية (3).

(1) لأن غسلهما محتاج إلى عناية لا يناسبها ما في غير واحد من نصوص الوضوءات البيانية من غسل مقدم الوجه بإسدال الماء على الجبهة، كما لا يناسبها النظر في حال السيرة.

مضافا إلى صدق غسل الوجه عرفا بدون غسلهما. بل لا يبعد وفاء خبر زرارة بمطبق الشفتين، لعدم كونه من الظاهر.

هذا، و قد حكم في العروة الوثقى بوجوب غسل شي‏ء من الباطن من باب المقدمة.

و الظاهر أنه يكفي المسح بالنحو المتعارف المستفاد من نصوص الوضوءات البيانية.

(2) لأن تدليه لا يوجب دخوله في الوجه عرفا، و لا يوجب صدق كون ما تحته مما أحاط به الشعر حتى يجب إجراء الماء عليه بدلا عنه.

(3) و هو ما خرج عن محاذاة الذقن منها، حيث صرحوا بعدم وجوب غسله، بل ظاهر جامع المقاصد و صريح كشف اللثام و المدارك الإجماع عليه منا.

بل في الخلاف أن عدم وجوب الغسل إجماعي من المسلمين، و أن الخلاف إنما هو في إفاضة الماء عليها، مع الإجماع منا على عدم وجوبه أيضا.

و يقتضيه‏مضافا إلى خروجه عن الوجه عرفاالتنصيص في صحيح زرارة على أن حد الوجه من الأسفل الذقن.

نعم، في صحيح زرارة الحاكي لوضوء النبي (صلى اللَّه عليه و آله): «و سدله على أطراف لحيته». (1).

____________

(1) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 2.

247

(مسألة 5): إذا بقي مما في الحد شي‏ء لم يغسل و لو بمقدار رأس إبرة لا يصح الوضوء (1)، فيجب أن يلاحظ آماق (2) و أطراف عينيه لا يكون عليها شي‏ء من القيح أو الكحل المانع (3).

لكنه قد يكون ناشئا عن طبع الماء، لا لوجوبه، بل و لا استحبابه. و منه يظهر الاشكال فيما عن الذكرى و الدروس من الاستدلال به على الاستحباب، بعد حكايته عن ابن الجنيد.

(1) سواء كان عن عمد أم سهو، كما هو مقتضى القاعدة في المركبات الارتباطية. و يشهد به في خصوص المقام ما في صحيح زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) الوارد في الشك في الوضوء بعد الفراغ: «و إن تيقنت أنك لم تتم وضوءك فأعد على ما تركت يقينا حتى تأتي على الوضوء» (1) و صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: ان ذكرت و أنت في صلاتك أنك قد تركت شيئا من وضوئك المفروض عليك فأتم الذي نسيته من ضوئك و أعد صلاتك.» (2) و خبر سهل: «سألت الرضا (عليه السلام) عن الرجل يبقى من وجهه موضع لم يصبه الماء، فقال:

يجزيه أن يبله من بعض جسده» (3).

(2) جمع: مأق، و هو طرف العين من جانب الأنف، الذي هو مجرى الدمع منها، أو مقدمها أو مؤخرها. كذا في القاموس. و ذكر أن مفرده يأتي بصيغ كثيرة لا يهم ذكرها.

(3) أما مجرد الكحل الموجب للّون فلا يمنع من استيلاء الماء، و إن أمكنت إزالته بمسح و نحوه. كما قد يشهد به ما دل على جواز إبقاء أثر الطيب و نحوه في البدن بعد الغسل‏ (4).

____________

(1) الوسائل باب: 42 من أبواب الوضوء حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 42 من أبواب الوضوء حديث: 3.

(3) الوسائل باب: 43 من أبواب الوضوء حديث: 1.

(4) راجع الوسائل باب: 30 من أبواب الجنابة.

248

و كذا يلاحظ حاجبه (1) لا يكون عليه شي‏ء من الوسخ، و أن لا يكون على حاجب المرأة وسمة أو خطاط له جرم مانع.

(مسألة 6): إذا تيقن وجود ما يشك في مانعيته يجب تحصيل اليقين بزواله أو وصول (2) الماء إلى البشرة (3).

(1) سواء كان على البشرة أم على الشعر، بناء على وجوب غسل الشعر مطلقا أو خصوص شعر الحاجب.

نعم، لو كان الشعر محيطا بالبشرة، بحيث لا يصل الماء إليها بإجرائه لم يضر وجود الحاجب عليها، بل لا بد من وصول الماء للشعر لا غير.

(2) كذا عبر في العروة الوثقى أيضا. إلا أن من الظاهر أن المهم هو اليقين بوصول الماء إلى البشرة، و لا أهمية لليقين بزوال مشكوك الحاجبية إلا لملازمته له، فهو في طوله، لا في عرضه بنحو يكونان طرفي التخيير.

(3) كما هو مقتضى ما عن الذكرى من وجوب تحريك الخاتم و السوار و الدملج أو نزعها إذا لم يعلم جري الماء تحتها. لقاعدة الاشتغال الجارية في موارد الشك في الامتثال.

و أصالة عدم مانعية الشي‏ء، أو عدم وجود المانع لا تنفع إلا بناء على الأصل المثبت، لأن الأثر ليس إلا لوصول الماء للبشرة اللازم للعدمين المذكورين.

و أما ما ذكره شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) من أن استصحاب عدم مانعية الموجود مبني على جريان الاستصحاب في الاعدام الأزلية، و لو جرى لم يبعد الاجتزاء به و خروجه عن الأصل المثبت، إذ لا يبعد أن يكون عدم مانعيته عين وصول الماء إلى البشرة، لا أمرا آخر ملازما له.

فهو كما ترى! إذ مانعية الشي‏ء من وصول الماء ليست من لوازم وجوده، بل من الطوارئ اللاحقة له بعد إصابته للبشرة، فلا يبتني استصحابها على استصحاب العدم الأزلي كما أن التباين بين عدم المانعية و وصول الماء للبشرة أظهر من أن يخفى على مثله (قدّس سرّه).

249

بل كيف يجتمع ما ذكره مع ما هو المعلوم من عدم ابتناء استصحاب عدم وصول الماء إلى البشرة على استصحاب العدم الأزلي.

و مثله في الاشكال تفريقه بين الأصل المذكور و أصالة عدم وجود المانع بعدم حجية الثاني أولا: لأنه لا يحرز وصول الماء للبشرة إلا بالملازمة، و ثانيا: لأنه لا يحرز عدم مانعية الموجود إلا كذلك.

إذ لا وجه للجمع بين الوجهين بعد فرض اتحاد الملزومين.

مع الإشكال في الأول بعدم وضوح الفرق فيه بين الأصلين، و في الثاني بعدم كون موضوع الأثر حاجبية الموجود حتى يهم عدم إحرازه.

و قد يستدل على ما ذكرنا بصحيح الحسين بن أبي العلاء: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الخاتم إذا اغتسلت، قال: حوله عن مكانه، و قال في الوضوء: تدره، فان نسيت حتى تقوم في الصلاة فلا آمرك أن تعيد الصلاة» (1)، فإن من القريب كون الأمر بالتحويل و الإدارة طريقي لإحراز وصول الماء، لا مقدمي لفرض توقف وصول الماء عليه، فانّ فرض العلم بعدم وصول الماء معه بعيد في نفسه، فإرادته محتاجة إلى عناية، فيبعد حمل الكلام عليها، و الغالب هو حصول الاحتمال.

و أبعد منه احتمال كون ذلك شرطا في الوضوء زائدا على وصول الماء، أو مطلوبا نفسيا حينه، كما يناسبه استدلال بعضهم بالصحيح على استحباب تحريك الخاتم مع سعته.

هذا، و في صحيح علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام): «سألته عن المرأة عليها السوار و الدملج في بعض ذراعها لا تدري يجري الماء تحته أم لا، كيف تصنع؟

قال: تحركه حتى يدخل الماء تحته أو تنزعه. و عن الخاتم الضيق لا يدري هل يجري الماء تحته إذا توضأ أم لا كيف تصنع؟ قال: إن علم أن الماء لا يدخله فليخرجه إذا توضأ» (2). و ظاهر ذيله عدم وجوب الاحتياط، على خلاف ما في المصدر المطابق لما عرفت من القاعدة.

____________

(1) الوسائل باب: 41 من أبواب الوضوء حديث: 2.

(2) الوسائل باب: 41 من أبواب الوضوء حديث: 1.

250

و قد ذكر في الجواهر أن الصدر مقدم على الذيل، لأن دلالته بالمنطوق، و لأنه أخص، لاختصاصه بصورة الشك، و شمول المفهوم في الذيل له و لصورة العلم بعدم المانعية من جريان الماء.

و فيه: أن اختصاص السؤال في الذيل بالشك موجب لقوة ظهوره في المفهوم و صعوبة تقييده بصورة العلم بعدم المانعية، لاستلزامه لغوية التقييد بالشرط، و إخراج المورد، فلا يكون الجمع المذكور عرفيا.

و مثله ما ذكره شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) من الجمع بينهما بحمل الذيل على إرادة العلم بعدم كون الخاتم بحيث يدخل الماء تحته دائما، فالنفي و إن سلط لفظا على الدخول، إلا أنه راجع إلى استمرار الدخول المستفاد من الكلام.

و كأنه أراد بدخوله دائما سهولة دخوله و اطراده، فالعلم بعدمه لا ينافي احتمال الدخول الذي هو مورد السؤال و محل الكلام.

بل قرّب (قدّس سرّه) ظهور الكلام في ذلك بنفسه مع قطع النظر عن مقام الجمع، لئلا يلزم إيكال بيان حكم مورد السؤال إلى المفهوم المفاد تبعا و عدم التصدي لبيانه في المنطوق، الذي هو خلاف الظاهر.

و بالجملة: المعنى المذكور هو الظاهر في نفسه من الكلام، فيغني عن الجمع بحمل الصدر على الاستحباب.

وجه الاشكال فيه: أن ارادة الشك الذي هو مورد السؤال بمثل هذه العبارة بعيد جدا، بل مستهجن لا ينبغي حمل كلام الامام (عليه السلام) عليه. مع أن مقتضاه عدم وجوب الاحتياط لو شك في حال الخاتم، و أنه مما يدخل الماء تحته دائما أو لا، و هو لا يناسب الصدر أيضا.

و التصدي لبيان حكم مورد السؤال بالمفهوم دون المنطوق و إن لم يخل عن شي‏ء، إلا أنه أهون بكثير من الحمل المذكور.

نعم، الجمع بحمل الصدر على الاستحباب بعيد أيضا، لصعوبة التفكيك في الكلام الواحد بحمل بعضه على الوجوب و بعضه على الاستحباب مع وحدة السياق.

251

و لعله لذا ذكر سيدنا المصنف (قدّس سرّه) أن الجمع العرفي بينهما بعيد، فيلحقه حكم المجمل، و يرجع إلى القاعدة المتقدمة.

لكنه مبني على أن يكون المجموع كلاما واحدا، حيث يكون تنافي مضامينه موجبا لإجماله.

و هو غير ظاهر، لما أشرنا إليه في بعض المواضع المتقدمة من أن الفصل بين الكلامين بمثل: «و عن» ظاهر في تعدد السؤال و الكلام، كما قد يؤيده رواية الشيخ (قدّس سرّه) للذيل وحده بطريق مستقل، و روايته في قرب الاسناد بتقديم الذيل على الصدر مع الفصل بينهما بقوله: «و سألته» مضافا إلى بعد اختصاص الخاتم باحتمال يقتضي تخصيصه بالسؤال بعد السؤال عن السوار و الدملج.

و عليه يلحقه حكم الروايتين المتعارضتين، حيث قد يتجه الجمع بينهما بحمل الصدر على الاستحباب.

و ربما يبتني عليه ما في المعتبر و القواعد و المنتهى و المدارك و محكي المبسوط و غيرها من وجوب التحريك و النزع مع المنع من وصول الماء و الاستحباب بدونه، مع تعليل الاستحباب في غير واحد منها بالاستظهار، فان الاستظهار فرع الاحتمال، فيحمل حكمهم بالوجوب مع المنع على العلم بالمنع، بل في الشرائع: «و من كان في يده خاتم أو سير فعليه إيصال الماء إلى ما تحته، و إن كان واسعا استحب له تحريكه»، مع وضوح أن سعته لا تستلزم العلم باستيلاء الماء على تمام ما تحته من دون تحريك، فما ذكروه لا يلائم القاعدة المتقدمة. قال الوحيد في حاشية المدارك: «إن لم يحصل العلم بالوصول فلا بد من التحريك أو النزع، تحصيلا للعلم بالامتثال و البراءة اليقينية. و إن حصل العلم فكيف يتأتى الاستظهار.».

لكن الإنصاف أن احتمال تعدد الكلام و إن كان قريبا، إلا أن في بلوغه حد الحجية بنحو يرفع الاجمال إشكالا. كالإشكال في كون الجمع المذكور عرفيا، لأن سبب التنافي بينهما صعوبة التفكيك عرفا بين موضوعي الحكمين، لا تنافي الحكمين نفسهما، مع وحدة موضوعهما كي يتجه الجمع المذكور.

252

و أطراف عينيه لا يكون عليها شي‏ء من القيح أو الكحل المانع (1).

و كذا الإشكال في استفادة ذلك من الأصحاب، فإن إرادتهم لمثل هذا الأمر المخالف للقواعد بمثل هذا البيان بعيد جدا، و الالتزام بإجمال تعليلهم للاستحباب أو تأويله بما أشار إليه الفقيه الهمداني (قدّس سرّه) من أن الاستظهار حكمة لا علة أهون.

و عليه إن أمكن العمل بالذيل في مورده‏و هو الخاتم‏فهو المتعين، و إلا تعين التوقف عن الحديث المذكور، و العمل بما تقدم من القاعدة في الجميع.

و هو الأظهر، لصعوبة التفكيك عرفا بين الخاتم و غيره. و لا سيما مع ما أشار إليه شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) من استبعاد إيكال بيان مورد السؤال إلى المفهوم و إهماله في المنطوق، فان هذا مما يثير احتمال التصحيف في الذيل و أن النفي في الواقع مسلط على العلم لا على الدخول.

و من جميع ما تقدم يظهر الاشكال فيما عن الذكرى من الاستدلال على ما تقدم منه من وجوب الاحتياط في الخاتم و السوار و الدملج بقوله: «لصحيح علي بن جعفر عن أخيه الكاظم (قدّس سرّه) في الثلاثة، و حكم غيرها حكمها».

(1) عملا بالقاعدة المتقدمة.

لكن حكى شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) عن بعضهم دعوى الإجماع على عدم وجوب الفحص، و عن آخر دعوى استقرار السيرة عليه، و أنكر الأمرين. قال (قدّس سرّه):

و أما الإجماع فالحدس القطعي بتحققه غير حاصل، لعدم تعرض جل الأصحاب لهذا الفرع بالخصوص. و أشكل منه دعوى استقرار السيرة. إذا الغالب عدم التفات الناس إلى احتمال وجود الحاجب أو اطمئنانهم بعدمه على وجه لا يعبأون بمجرد إمكان وجوده.

مع أن دعوى الإجماع و السيرة في بعض أفراد هذا الشك‏مثل الشك في وجود قلنسوة على الرأس أو جورب في الرجل أو وجود لباس آخر على البدن أغلط من ذلك‏مجازفة. و الفرق بين كون الحاجب المشكوك في وجوده رقيقا أو غليظا اقتراح. و الحوالة على موارد السيرة فرار عن المطلب».

253

و ما ذكره (قدّس سرّه) متين جدا.

و ما ذكره الفقيه الهمداني (قدّس سرّه) من أن غفلتهم مسببة عن عدم اعتنائهم بالاحتمال، تحكم.

و كذا ما ذكره سيدنا المصنف (قدّس سرّه) من أن عدم السيرة في مثل الشك في وجود القلنسوة لعدم الشك أو ندرته، لا للاعتناء بالشك، كي يشكل الفرق بينه و بين غيره.

إذ فيه: أنه بعد فرض عدم الشك أو ندرته كيف تحرز السيرة الارتكازية من المتشرعة بما هم متشرعة على عدم الاعتناء بالاحتمال لو فرض تحققه. بل الاعتناء منهم هو الظاهر لو لم يكن مقطوعا به. و لا سيما مع وجود منشأ مهم معتد به للاحتمال.

و منه يظهر حال ما في الجواهر من الإصرار على السيرة بلحاظ ما تعارف من عدم اختبار البدن عند الوضوء و الغسل، مع قيام الاحتمال غالبا، لمكان قذى البراغيث و القمل و نحوهما.

لاندفاعه: بالغفلة عن ذلك، لقلة الابتلاء بلصوق مثل ذلك، بل هو ينفصل غالبا بحركة البدن و نزع الثياب و نحوهما، و لا سيما مع غلبة كون الغسل بإمرار الماء بالمسح باليد الموجب لزوال مثل هذه الموانع لو فرض لصوقها، و لا يتهيأ لنا الجزم بالسيرة من غير أهل التسامح على عدم الاختبار لو فرض الالتفات و احتمال لصوق مثل ذلك بنحو لا يكفي في زواله ما ذكرنا، مع كون الاحتمال عقلائيا، لا من سنخ الوسواس.

و أما الاستدلال بأصالة عدم المانع، إما لدعوى كونه أصلا عقلائيا ثبت إمضاؤه شرعا، كأصالة عدم القرينة، أو لكونه من صغريات الاستصحاب الشرعي لما ذكره شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) من خفاء الواسطة في بعض الموارد.

فهو غير ظاهر، لعدم وضوح بناء العقلاء على الأصل المذكور في مقام التعذير و التنجيز، و لا محرز للإمضاء إلا السيرة التي عرفت حالها. فتأمل. و لعدم تمامية خفاء الواسطة صغرويا و لا كبرويا.

مع أنه لو تمَّ اقتضى عدم وجوب الاحتياط مع الشك في حاجبية الموجود،

254

على الأحوط وجوبا، إلا مع الظن بعدمه (1).

(مسألة 7): الثقبة في الأنف موضع الحلقة أو الخزامة لا يجب غسل باطنها (2)، بل تمامية قاعدة المقتضى و المانع، و لم يلتزم بذلك.

على أنه لا ضابط للموارد التي قصدها، بل لا يتضح الوجه في الفرق بين الموارد.

و مثله الاستدلال بقاعدة المقتضي، لما أشرنا إليه غير مرة من عدم ثبوتها، فلا مجال للخروج عما عرفت من القاعدة.

(1) لما ذكره (قدّس سرّه) من أنه المتيقن من السيرة التي تقدم الإشكال في أصل ثبوتها.

و منه يظهر الإشكال في الاكتفاء بالاطمئنان، كما صرح به في العروة الوثقى و غيرها. إلا أن يرجع إلى حجية الاطمئنان بنفسه. و هو لا يخلو عن إشكال، كما أشرنا إليه في أواخر الكلام في طرق ثبوت العدالة.

هذا، و قد حكم السيد الأصفهاني (قدّس سرّه) في حاشيته على العروة الوثقى بعدم وجوب الفحص إذا لم يكن للاحتمال منشأ عقلائي.

فإن أراد ما إذا كان الاحتمال من سنخ الوسواس و الاقتراح الخارج عن المتعارف، و الذي يصح عرفا أن ينسب للشيطان، فهو في محله، لعدم الاعتداد بذلك في كل شي‏ء، و لا يتحقق معه موضوع قاعدة الاشتغال. و لعله هو الذي أشار إليه شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) في كلامه السابق عند ذكر الاطمئنان.

و إن أراد أمرا آخر فالدليل عليه غير ظاهر.

(2) لما تقدم من عدم وجوب غسل الباطن. و مثلها في ذلك ثقبة القرط في الأذنين.

لكن صدق الباطن في الموردين موقوف على كونها بحيث لو خليت‏

255

بل يكفي غسل ظاهرها، سواء أ كانت فيها الحلقة أم لا (1).

الثاني‏: يجب غسل اليدين (2) من المرفقين إلى أطراف‏ و نفسها لانضمت أطرافها و لم تظهر للناظر. بل لا يبعد توقفه مع ذلك على قوة تماسكها بحيث يحتاج انفراجها و إيصال الماء إليها إلى عناية، و إلا كانت كعنكة البطن محسوبة من الظاهر.

و لا أقل من الشك الملزم بالاحتياط، حيث أنه المرجع في جميع موارد الشك في كون الشي‏ء من الظاهر بنحو الشبهة المفهومية، بل المصداقية إذا لم يكن مسبوقا بكونه من الباطن. فتأمل جيدا.

(1) لأن انفراجها بالحلقة لا يدخلها في الظاهر، كانفراج اللحم بغرز إبرة أو نحوها فيه.

فرع‏:

الظاهر أنه لا يتعين غسل الوجه باليمنى، بل يجوز باليسرى وحدها أو معها كما في المستند و عن النفلية و الفوائد الملية، بل في مفتاح الكرامة أنه ظاهر الأصحاب لإطلاق الكتاب و كثير من النصوص.

و ما في بعض نصوص الوضوءات البيانية لا يصلح للاستحباب، فضلا عن الوجوب، لينهض بالتقييد، و لا سيما أنّ في صحيح بكير و زرارة أو موثقهما: «ثمَّ غمس كفه اليمنى في التور، فغسل وجهه بها، و استعان بيده اليسرى بكفه على غسل وجهه.» (1). و لذا يأتي في المسألة الثالثة عشرة جواز الوضوء بالارتماس.

و منه يظهر ضعف ما في المراسم من أن غسل الوجه بيد واحدة و هي اليمنى.

(2) بالإجماع، كما في المنتهى، و بإجماع المسلمين، كما في المعتبر، بل‏

____________

(1) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 11.

256

الأصابع (1). و يجب الابتداء بالمرفقين (2) لعله من ضروريات الدين. و يقتضيه الكتاب المجيد و السنة المتواترة.

(1) كما هو مقتضى التحديد بالمرفقين في الكتاب المجيد و بعض النصوص البيانية و غيرها. و يأتي منه (قدّس سرّه) دخول المرفق في المغسول.

(2) مما تقدم في الوجه يظهر أن وجوب الابتداء من المرفق هنا أشهر قائلا من وجوب الابتداء بالأعلى هناك، فقد صرح غير واحد بعدم رد الشعر هنا و لم يتعرض له هناك، بل حكي عن ابن سعيد و المرتضى في أحد قوليه وجوب البدء بالمرفقين مع تصريحهما بعدم وجوب البدء بالأعلى في الوجه، بل يظهر من التبيان دعوى الإجماع على وجوب الغسل من المرفقين، و هو المحكي عن بعض حواشي الألفية، و ان حكي عنهما دعواه هناك أيضا كما تقدم.

لكن تقدم أنه لا مجال لدعواه هناك. كما لا مجال لدعواه هنا أيضا بعد ظهور المخالف فيه، فقد قال في المبسوط: «و يكون الابتداء من المرافق إلى رؤوس الأصابع، و لا يستقبل الشعر، فان خالف و غسل إليها فالظاهر أنه لا يجزيه، و في أصحابنا من قال: يجزيه، لأنه غاسل»، و جعل في المعتبر المسألة ذات قولين، و هو صريح المرتضى في الناصريات و الانتصار و حكاه في الثاني عن كتاب مسائل الخلاف و الموصليات له، كما حكي عن المصباح له أيضا، و عن السرائر و هو ظاهر اشارة السبق، لأنه جعل ترك كسر الشعر في غسل الذراعين من السنن، و في الحدائق أنه مال إليه جمع من المتأخرين و متأخريهم.

و كيف كان، فقد يستدل عليه هنا.

تارة: بنصوص الوضوءات البيانية التي بعضها هنا أظهر، ففي صحيح زرارة و بكير: «فأفرغ على ذراعه اليمنى، فغسل بها ذراعه من المرفق إلى الكف لا يردها إلى المرفق» (1) و قد روي بطريق آخر (2) بألفاظ أخرى تقرب من ذلك.

____________

(1) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 3.

(2) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 11.