مصباح المنهاج - كتاب الطهاره - ج2

- السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم المزيد...
664 /
257

و اخرى‏: ببعض النصوص الآمرة به، ففي مرسل العياشي عن صفوان عن الرضا (عليه السلام): «قلت: فإنه قال‏ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ‏ فكيف الغسل؟ قال:

هكذا أن يأخذ الماء بيده اليمنى فيصبه في اليسرى ثمَّ يفيضه على المرفق ثمَّ يمسح إلى الكف. قلت: يرد الشعر؟ قال: إذا كان عنده آخر فعل، و إلا فلا» (1).

و بملاحظة صدره يظهر أنه لا مجال لما ذكره سيدنا المصنف (قدّس سرّه) من المناقشة في ذيله باحتماله رفع الوجوب الثابت حال التقية.

و في خبر الإرشاد في قضية علي بن يقطين بعد أمر الكاظم (عليه السلام) له بالغسل إلى المرفقين ثلاثا للتقية كان فيما كتب (عليه السلام) له بعد ذهاب الخوف عنه: «و اغسل يديك من المرفقين» (2) و فيما عن كشف الغمة عن النبي (صلى اللَّه عليه و آله): «فعلمه جبرئيل الوضوء على الوجه و اليدين من المرفق» (3).

و ثالثة: بخبر الهيثم بن عروة التميمي‏الذي هو معتبر سندا، بناء على ما تقدم في مطهرية المضاف من الحدث من اعتبار سهل بن زياد-: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن قوله تعالى‏ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ‏ فقلت:

هكذا؟ و مسحت من ظهر كفي إلى المرفق، فقال: ليس هكذا تنزيلها، إنما هي‏ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ‏ من [إلى. خ. ئل‏] الْمَرافِقِ‏، ثمَّ أمرّ يده من مرفقه إلى أصابعه» (4) و نحوه في بيان تنزيل الآية عن الباقر (عليه السلام) ما حكي عن كتاب الاستغاثة (5).

و يشكل الأول بعدم ظهور الوضوءات البيانية في الوجوب، على ما تقدم في غسل الوجه.

و الثاني بضعف النصوص المذكورة.

____________

(1) تفسير العياشي ج: 1 ص: 3 تفسير سورة المائدة حديث: 54.

(2) الوسائل باب: 32 من أبواب الوضوء حديث: 3.

(3) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 24.

(4) الوسائل باب: 19 من أبواب الوضوء حديث: 1.

(5) مستدرك الوسائل باب: 18 من أبواب الوضوء حديث: 1.

258

مضافا إلى ما في الأول من الأمر بأخذ الماء باليمنى و صبه في اليسرى الذي لا إشكال في عدم وجوبه، حيث قد يكشف عن كون المسؤول عنه الكيفية المستحبة لا الواجبة.

و مثله الثاني، لبعد خفاء كيفية الوضوء الواجبة على علي بن يقطين حتى يسأل عنها، و لا سيما مع اشتمال الجواب في بيان وضوئنا و وضوء العامة على بعض المستحبات عندنا و عندهم.

و ما في الثالث من احتمال كون: «من» لتحديد المغسول، لا لمبدإ الغسل.

اللهم إلا أن يقال: ظاهر الأول السؤال عن كيفية نفس الغسل، و أخذ الماء باليمنى ليس من الغسل، بل من مقدماته، فالتفضل ببيانه لا يكشف عن كون السؤال عن الكيفية المستحبة.

كما أن المقابلة في الثاني بين الفريضة و الإسباغ ظاهر في وجوب القيد، لقوله (عليه السلام): «توضأ كما أمرك اللّه تعالى اغسل وجهك مرة فريضة، و اخرى إسباغا، و اغسل يديك من المرفقين كذلك».

كما أن «من» في الثالث ظاهرة في بيان مبدأ الفعل، كما هو الحال في سائر موارد وقوعها بعد الافعال التدريجية.

بل العدول عما تضمنته الآية الكريمة من التعبير ب «إلى» إلى التعبير ب «من» موجب لقوة ظهورها في ذلك جدا.

و أما الثالث فقد يستشكل فيه بمخالفته للقراءة المتواترة.

و حمله على بيان المراد من التنزيل، لا حقيقته‏كما استظهره سيدنا المصنف (قدّس سرّه)خلاف ظاهره، و لذا فهم منه الشيخ (قدّس سرّه) اختلاف القراءة.

فالعمدة في الجواب عن ذلك: أن ما تضمنه الحديث من اختلاف التنزيل عما عليه الناس و إن كان غامضا ينبغي رده إلى قائله (عليه السلام) إلا أنه لا يمنع من العمل بظاهره من وجوب البدء بالمرفق و الردع عن النكس، لوضوح أن السؤال و الجواب منصب إليه، و التعرض للتنزيل كان تبعا له.

259

و لا سيما بعد تأيده باشتهار الحكم بين الطائفة، و بالنصوص السابقة، و بمفهوم النصوص المتضمنة أن مسح الرجلين يجوز فيه النكس و أنه من الأمر الموسع‏ (1)، فإنه مشعر بخصوصية المسح في ذلك في الجملة.

و الظاهر الاكتفاء بذلك في البناء على الوجوب، و الخروج عن إطلاق الآية الشريفة و بعض النصوص.

و توهم ظهور الآية في مشروعية النكس و الانتهاء بالمرفقين، لظهور «إلى» في ذلك، فعدم حملها على الوجوب، للإجماع منا و من جميع المسلمين‏كما قيل‏عدا الناصر و بعض نصوص الوضوءات البيانية و غيرها، لا يمنع من دلالتها على المشروعية، فلا مجال لتقييدها بوجوب البدء بالمرفقين.

مدفوع: بعدم ظهور «إلى» في ذلك، لأن الاكتفاء بتحديد الفعل بالغاية غير مألوف في الاستعمال، و إنما يكتفى بتحديده بالمبدإ، كما تقدم في خبر كشف الغمة.

مضافا إلى أنه لما كان ظاهر التقييد الوجوب فالظاهر بعد تعذر الحمل عليه‏لما تقدم‏ليس هو الحمل على الجواز، بل حمل «إلى» على تحديد المغسول، أو على ما قيل من كونها بمعنى «مع» فتكون مطلقة قابلة للتقييد بما عرفت.

ثمَّ إنه قد استدل سيدنا المصنف (قدّس سرّه) على عدم جواز النكس بما في صحيح زرارة المروي في الفقيه من قول أبي جعفر (عليه السلام): «و لا تردّ الشعر في غسل اليدين» (2).

و فيه: أن ظاهر الفقيه كون ذلك فتوى من الصدوق بعد انتهاء الصحيح ببيان حكم ما أحاط به الشعر، لا تتمة له. و لذا لم يشر إليه في الوسائل، و لا في كتب الاستدلال. فلاحظه.

____________

(1) راجع الوسائل باب: 30 من أبواب الوضوء.

(2) الفقيه باب: حد الوضوء و ترتيبه و ثوابه في ذيل الحديث الأول 1: 28 طبع النجف الأشرف.

260

ثمَّ الأسفل منهما فالأسفل عرفا إلى أطراف الأصابع (1)، و المقطوع بعض يده يغسل ما بقي (2).

(1) تقدم أن جماعة من الأصحاب عبروا بعدم استقبال الشعر، الذي هو بمعنى عدم النكس، كما عبر آخرون بالبدء بالمرفقين، و لا يبعد رجوعهما لما ذكر في المتن، لأنه الذي تساعد عليه الأدلة المتقدمة بعد تنزيل بعضها على بعض، بل خبر الهيثم الذي هو العمدة في المقام ظاهر فيه بنفسه.

هذا و قد تقدم في غسل الوجه ما له نفع في المقام. فراجع.

(2) إجماعا، كما في المدارك، و اتفاقا، كما في كشف اللثام، و هو قول أهل العلم، كما في المنتهى، و ظاهر غير واحد المفروغية عنه.

و يستدل عليه.

تارة: بالاستصحاب مطلقا، أو فيما لو كان القطع بعد الوقت.

و اخرى‏: بقاعدة الميسور.

و ثالثة: بغير واحد من النصوص، كصحيح رفاعة: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الأقطع، فقال: يغسل ما قطع منه» (1) و صحيحه الآخر عنه (عليه السلام) [2]: «سألته عن الأقطع اليد و الرجل كيف يتوضأ؟ قال: يغسل ذلك المكان الذي قطع منه» (3) و صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): «سألته عن الأقطع اليد و الرجل. قال:

يغسلهما» (4) و صحيح علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام): «سألته عن رجل قطعت يده من المرفق كيف يتوضأ؟ قال: يغسل ما بقي من عضده» (5).

لكن الاستصحاب المذكور لا يخلو عن إشكال، لأن غسل الأعضاء ليس‏

____________

[2] ربما يكون هذا الصحيح عين الأول و الاختلاف بينهما ناشئ عن النقل بالمعنى. منه عفى عنه.

____________

(1) الوسائل باب: 49 من أبواب الوضوء حديث: 1.

(3) الوسائل باب: 49 حديث: 47.

(4) الوسائل باب: 49 حديث: 3.

(5) الوسائل باب: 49 حديث: 2.

261

واجبا لنفسه، بل لسببيته للطهارة الواجبة، فإن أريد استصحاب وجوب الطهارة فالشك ليس فيه، بل في القدرة عليها، و إن أريد استصحاب القدرة عليها فهو لا يقتضي تحققها بفعل الناقص إلا بالملازمة.

و قاعدة الميسور غير ثابتة، لضعف نصوصها دلالة و سندا.

على أنها قاصرة عن المقام، لاختصاصها بالواجب المركب، و لا تركب هنا في نفس الواجب‏و هو الطهارةبل في سببه.

و أما ما ذكره شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) من أن شمول القاعدة لمثل ذلك كاشف عن تحقق الغرض بفعل الميسور.

فيندفع بأن المدعى قصورها عن المقام تخصصا.

اللهم إلا أن يدعى غفلة العرف في مثل ذلك عن كون الواجب هو الأمر البسيط المسبب عن المركب و تخيلهم وجوب نفس المركب، و حيث كان مقتضى الإطلاق المقامي للخطاب إيكال تطبيقه للعرف و عدم اعتماد الدقة فيه، كان مقتضى الإطلاق شموله. و لا يخلو عن إشكال.

و أما النصوص فلا تخلو عن إجمال، لأن التعبير في الأولين لا يناسب المدعى، بل المناسب التعبير بغسل ما بقي، فلا بد في توجيه دلالتهما على المدعى من أحد وجهين.

الأول‏: ما قد يظهر من سيدنا المصنف (قدّس سرّه) من حمل الأقطع على القطع من دون المرفق، و يراد بهما وجوب الغسل إلى المكان الذي قطع منه، إما لظهور الأقطع في ذلك، أو للإجماع على عدم وجوب غسل موضع القطع إذا كان فوق المرفق.

الثاني‏: ما يظهر من الفقيه الهمداني (قدّس سرّه) من حملهما على بيان وجوب غسل الموضع الذي ظهر بالقطع بدلا عما قطع، مع المفروغية عن عدم وجوب غسل غير ما وجب غسله قبل القطع و عدم سقوط غسل ما بقي مما كان يجب غسله قبل القطع، للإجماع على الأول و عدم تشكيك العرف في الثاني‏

262

بعد اطلاعهم على عدم سقوط الوضوء بسبب القطع، إذ كما يجب غسل بقية الأعضاء يجب غسل ما بقي من المقطوع، لعدم الفرق بينها في الارتباطية المفروضة.

لكن الأول مخالف للظاهر.

و ظهور الأقطع في خصوص من قطعت يده دون المرفق ممنوع. بل لا يبعد كون المنصرف منه في المقام من قطع منه تمام العضو الذي يجب غسله، كناية عن ارتفاع موضوع أحد أركان الوضوء، بل لا ينبغي الإشكال في كون ذلك هو الأظهر في الرجل، لعدم وضوح صدق الأقطع على من قطع منه ما دون الكعب، فيكونان ظاهرين في الأمر بغسل موضع القطع.

و الإجماع على عدم وجوبه مع القطع من فوق المرفق لا يصحح عرفا حملهما على خصوص القطع من دون المرفق، بل غاية الأمر عروض الاجمال لهما أو حملهما على الاستحباب، كما يأتي من بعضهم.

و الثاني‏مع ابتنائه على حمل الحديثين على خصوص القطع مما دون المرفق‏راجع إلى الاستدلال على وجوب غسل تمام الباقي بالإجماع لا بالنصوص، غايته أنه يتضمن تنزيل النصوص على ما لا ينافي الإجماع.

و منه يظهر الحال في الثالث، فإن استفادة المدعى منه موقوفة على حمله على القطع مما تحت المرفق و الكعب و حمل غسلهما على غسل ما بقي في الحد، لا غسل تمام العضو، فيجري فيه ما تقدم في الثاني.

مضافا إلى ما فيهما من غسل الرجل. إلا أن يحمل على بيان أن القطع لا يسقط الغسل، و يكون تعميمه للرجل تقية، أو يكون التعبير بالغسل للتغليب، و المراد ما يعم المسح.

بل ربما يدفع الإشكال من أصله في الثالث بحمله على غسل الرجلين في الغسل، لا في الوضوء.

263

و إن كان قد يبعده ظهوره في خصوصية العضوين في العمل.

كما أن استفادة المدعى من الرابع موقوفة على ما ذكره سيدنا المصنف (قدّس سرّه)- و سبقه إليه في الحدائق‏من حمله على بقاء المرفق و حمل غسل ما بقي من العضد على غسل ما بقي مما يجب غسله‏و هو المرفق‏الذي هو بعض العضد، بجعل «من» للتبعيض متعلقة بكون عام أو ب «يغسل» لا بيانا للموصول، و لا متعلقة ب «بقي».

قال (قدّس سرّه): «إذ الأول خلاف الظاهر، و لو كان هو المراد لقال: فليغسل عضده، و الثاني خلاف فرض القطع من المرفق، و إنما يصح لو كان القطع لبعض العضد، مع أن في الإجماع المتقدم كفاية في وجوب الحمل على ما عرفت».

لكن المعنى الذي ذكره بعيد جدا عن ظاهر التركيب اللفظي، و لو أريد لكان الأنسب التعبير بغسل المرفق.

و الظاهر هو الثاني بحمل القطع من المرفق على قطع المرفق مع الذراع‏كما لعله الظاهر في نفسه في المقام‏فيكون الباقي بعض العضد.

و مخالفته للإجماع المدعى لا يصحح الحمل على ما ذكره عرفا، بل يوجب إجمال الحديث أو حمله على الاستحباب.

و قد تحصل: أنه لا مجال لاستفادة المدعى من النصوص المذكورة، و أنها بين أن تكون ظاهرة في القطع مما فوق المرفق و محتملة له.

فالعمدة: الإجماع المشار إليه الكاشف عن ثبوت الحكم المذكور، لامتناع خفاء الحكم في مثل ذلك مما يكثر الابتلاء به. و لا سيما مع أن البناء على مقتضى الارتباطية كما يقتضي سقوط غسل العضو المقطوع منه يقتضي سقوط تمام الوضوء، بل تعذر الطهارة الترابية أيضا، لمشاركة التيمم للوضوء في الارتباطية، فتسقط الصلاة تبعا لذلك، و هو ضروري البطلان.

و التفكيك في الارتباطية بين بقية العضو المقطوع و سائر أعضاء الوضوء مما

264

و لو قطعت من فوق المرفق سقط وجوب غسلها (1)، تأباه المرتكزات العرفية جدا، كما تقدم من الفقيه الهمداني (قدّس سرّه)، فان ذلك ملزم عرفا بحمل وجوب غسل أو مسح كل شي‏ء على كونه معلقا على فرض وجوده، لا مطلقا، ليلزم سقوط غسل العضو أو تمام الوضوء بقطع البعض.

و ذلك ملزم بتنزيل صحيحي رفاعة على ما لا ينافيه، كالقطع فوق المرفق، أو ما ذكره الفقيه الهمداني (قدّس سرّه).

هذا، مضافا إلى أنه مقتضى قاعدة الاشتغال بالطهارة بعد فرض عدم سقوطها الموجب لسقوط دليل الارتباطية عن الحجية للعلم بعدم شموله للمقام.

و أما صحيح رفاعة الثاني الظاهر في وجوب غسل موضع القطع فمن القريب تنزيله على القطع مما فوق المرفق أو على ما ذكره الفقيه الهمداني (قدّس سرّه)، كما تقدم. و لا أقل من إجماله أو سقوطه عن الحجية بإعراض الأصحاب، فإن الإجماع المتقدم إن لم يكن دليلا بنفسه، فلا أقل من كشفه عن الاعراض المسقط للصحيح عن الحجية. فتأمل.

نعم، لو فرض التشكيك في وجوب الطهارة تعين الرجوع للبراءة منها بعد سقوط دليلها بالعلم الإجمالي، إما بسقوط تقييد الصلاة بها، أو بسقوط الارتباطية في أجزاء الوضوء.

لكن لا مجال لذلك بعد الإجماع و النصوص المتقدمة الظاهرة في المفروغية عن وجوب الطهارة في حق الأقطع. فلاحظ.

(1) و لا يجب غسل العضد بدلا عنها، كما صرح به جماعة، بل في المنتهى و كشف اللثام دعوى الإجماع عليه. و في مفتاح الكرامة: «و لا أجد فيه خلافا إلا ما نقله في البيان عن المفيد، و هو الظاهر من عبارة الكاتب على ما نقل».

لكن في محكي المختلف استظهر إرادة ابن الجنيد في الكاتب استحباب غسل العضد، و اختاره أيضا، كما اختاره في المنتهى و محكي نهاية الإحكام‏

265

و الذكرى و الدروس، و عن المبسوط استحباب مسح الباقي من العضد بالماء. و حمل عليه صحيح علي بن جعفر المتقدم، لمخالفة ظاهره للإجماع المذكور.

نعم، لم يستبعد في الجواهر إرادة ابن الجنيد الوجوب، عملا بظاهر الصحيح و غيره، و عن الوحيد في حاشية المدارك الميل إليه.

و كيف كان، فقد عرفت ظهور صحيح علي بن جعفر في وجوب غسل العضد، بل هو ظاهر صحيح محمد بن مسلم و محتمل صحيح رفاعة الأول، إلا أنه لا بد من رفع اليد عن ذلك بالإجماع المذكور، الظاهر تلقيهم له بالقبول، و المؤيد بسكوت كثير منهم عن التنبيه عليه مع كونه خلاف الأصل، و من البعيد خفاء الحكم في مثل ذلك مما يكثر الابتلاء به، فلا بد من حمل النصوص المذكورة على الاستحباب، و إن كان الوجوب موافقا لقاعدة الاشتغال التي عرفت غير مرة أنها المرجع في أمثال المقام لو فرض الشك. فتأمل.

هذا و في المعتبر و عن التذكرة استحباب مسح موضوع القطع من العضد بالماء. و كأن المراد المسح المحقق للغسل، ليكون الوجه فيه صحيحي رفاعة، خصوصا الثاني منهما، بعد الإجماع المتقدم على سقوط غسل العضو باستيعاب القطع له. و مقتضى الجمع بينهما و بين صحيح علي بن جعفر الحمل على اختلاف مراتب الفضل.

تنبيه‏:

لو فرض نقص بعض اليد أو تمامها في أصل الخلقة فالأمر أظهر، لخروجه عن النصوص المتقدمة، و مقتضى إطلاق الآية الاجتزاء بغسل الباقي، لشموله لليد الناقصة و اليد الواحدة. و خروجه عن المتعارف لا يخرجه عن الإطلاق المذكور، لما تكرر من عدم تقييد التعارف للإطلاق.

و دعوى: أن مقتضى الجمع بين الآية و النصوص الأخرى الشارحة للوضوء

266

و لو كان له ذراعان دون المرفق وجب غسلهما (1)، بالوجه المتعارف هو تقييد الآية بالمتعارف.

مدفوعة: بأن تنزيل النصوص على المتعارف أولى من تقييدها لإطلاق الآية، و لا سيما مع العلم بعدم خروج الشخص عن عموم وجوب الوضوء. فلاحظ.

(1) كما صرح به جماعة كثيرة، بل في مفتاح الكرامة و الجواهر عدم وجدان الخلاف فيه، و في الحدائق و طهارة شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) أن الظاهر عدم الخلاف فيه، و في المستند و عن شرح الدروس أن الظاهر الإجماع عليه، و في المدارك: «لا ريب في وجوب غسل ما دون المرفق كله».

و قد يتجه الاستدلال عليه بعموم وجوب غسل الأيدي لو كان كل منهما يدا أصلية عرفا، لعدم تميز إحداهما على الأخرى.

و كون المتعارف في الناس غسل يد واحدة في كل جانب لا يدين، و ورود النصوص على طبقه، لا يوجب قصور العموم عن مثل ذلك، كما سبق نظيره في آخر الفرع السابق.

على أنه لو فرض قصور العموم المذكور كفى في وجوب غسل الجميع قاعدة الاشتغال بعد العلم بعدم سقوط الوضوء بسبب ذلك.

نعم، قد يتجه عليه الاحتياط بالمسح بكل منهما و عدم الاكتفاء بالمسح بإحداهما لفرض عدم الإطلاق المقتضي لذلك.

أما لو كانت إحداهما زائدة عرفا، لضعفها و خروجها عن المتعارف أشكل شمول العموم لها، لقرب انصرافه للأيدي الأصلية المعهودة للإنسان، لأن الإضافة تقتضي نحوا من العهد.

نعم، قد يستدل على وجوب غسلها حينئذ.

تارة: بكونه جزءا من اليد الأصلية أو تابعة لها كالجزء عرفا.

و اخرى‏: بدخولها في الحد، و هو ما تحت المرفق.

267

و كذا اللحم الزائد و الإصبع الزائدة (1).

و ثالثة: بأنها بدل عن المحل النابتة فيه.

و رابعة: بأن ما عليها من الجلد جزء مما يجب غسله، و هو اليد الأصلية.

و الكل كما ترى! لاندفاع الأول بخروجها عرفا عن اليد الأصلية، بل هي من سنخ النابت فيها. و تبعيتها لها ممنوعة، و إنما تتم التبعية في مثل الثالول مما لا يعتد به عرفا، و لا وجود له استقلالا، بل قد يكون جزءا عرفا.

و الثاني بأن التحديد بالمرفق لبيان منتهى ما يغسل من اليد، لا لوجوب غسل كل ما تحته.

و الثالث بأن المحل المذكور باطن لا يجب غسله.

و أما الرابع فهو ممنوع جدا، بل ليس الجزء أو محتمل الجزئية إلا ما قارب المنبت.

فلعل الأولى أن يقال: انصراف العموم المذكور عن مثل هذه اليد ليس بالنحو الموجب لظهور الإطلاق في عدم وجوب غسلها، بل غايته الاجمال، فيلزم غسلها بمقتضى قاعدة الاشتغال، لعدم اليقين بحصول الطهارة بدونها. و لا سيما مع شبهة الإجماع المذكور. و إن كان الاعتماد على الإجماع في غاية الإشكال بعد عدم تعرض النصوص و لا أكثر القدماء للحكم المذكور، و أول من أشار إليه الشيخ (قدّس سرّه) في المبسوط، كما أن الحكم ليس مما يكثر الابتلاء به بالنحو الموجب لوضوح حكمه.

ثمَّ إنه بناء على الوجه المذكور يتعين المسح باليد الأصلية، لدخولها في المتيقن من الإطلاق، دون الزائدة.

هذا كله إذا صدق على الزائدة أنها يد، و أما إذا لم يصدق و إن كانت مشابهة لليد أو قسما منهاكالكف‏فلا إشكال في ظهور الإطلاق في عدم وجوب غسلها بالأصالة، بل يجري فيها ما يأتي في الإصبع و اللحم الزائدين.

(1) كما صرح به غير واحد، و هو داخل في معاقد الإجماعات و نفي‏

268

الخلاف في كلام من تقدم، بل بعضها يعم غير اللحم و الإصبع كالعظم و السلعة و نحوها مما كان تحت المرفق، كما هو ظاهر ما تقدم من المدارك و صريح المستند.

و العمدة فيه دخوله في اليد عرفا و لو تبعا.

لكنه مختص بمثل الإصبع و القليل من اللحم و نحوه مما لا يعتد به، و كذا ما كان من سنخ الورم في اليد، لأن ظاهره جلد اليدكما تقدم في الرابع من وجوه الاستدلال على غسل اليد الزائدةدون مثل السلعة الكبيرة المتحيزة عن اليد مما يعد عرفا من سنخ النابت فيها، كما تقدم نظيره في اليد الزائدة.

كما أنه يشترك معها في بقية الوجوه المتقدمة و اندفاعها. فالأمر في مثل ذلك لا يخلو عن إشكال بعد كون مقتضى الإطلاق عدم وجوب غسله.

ثمَّ إنه لو فرض وجوب غسل شي‏ء من ذلك لم يفرق بين خروجه بامتداده عن محاذاة الأصابع و عدمه، فيجب غسله بتمامه في الأول مطلقا.

و قد يظهر من تردد بعضهم في وجوب غسل الأظافر مع طولها و خروجها عن حد الأصابع التردد فيه، بل يظهر من بعضهم تقريب عدمه، نظير عدم غسل مسترسل اللحية.

و لا وجه له، لأن انتهاء اليد بالأصابع غالبا لا ينافي وجوب غسل ما طال عليها، تبعا لليد أو لكونه جزءا منها عرفا.

و إنما لم يجب غسل ما استرسل من اللحية لعدم وجوب غسل الشعر إلا بدلا عما تحته، و ليس كالمقام مما فرض وجوب غسله بنفسه و لو تبعا.

و أما ما ذكره سيدنا المصنف (قدّس سرّه) من إمكان الاستدلال على التحديد بأطراف الأصابع بقول أبي جعفر (عليه السلام) في الصحيح المروي في الفقيه: «و حد اليد من المرفق إلى أطراف الأصابع» (1).

فيندفع بأن الظاهر كون الفقرة المذكورة فتوى من الصدوق، لا تتمة للصحيح، كما تقدم نظيره في حكم النكس.

مع قرب تنزيل التحديد به على الغالب. بل ظاهره كونه بنفسه حدا لليد، لا

____________

(1) الفقيه باب: حد الوضوء و ترتيبه و ثوابه في ذيل الحديث الأول ص: 1: 28 طبع النجف الأشرف.

269

و لو كان له يد زائدة فوق المرفق فالأحوط وجوبا غسلها أيضا (1).

لبيان قدر امتداد ما يجب غسله، فلا ينافي وجوب غسل ما طال عليه تبعا. فلاحظ.

(1) فعن المختلف و التلخيص و الإرشاد و محتمل التذكرة وجوب غسل اليد الزائدة مطلقا فوق المرفق أو تحته و إن تميزت الأصلية، و هو مقتضى إطلاق ما في الشرائع من وجوب غسل اليد الزائدة.

خلافا لما في القواعد و المنتهى من عدم وجوب غسل الزائدة إذا تميزت و كانت فوق المرفق، و عليه يحمل ما في المعتبر و جواهر القاضي و عن المبسوط و المهذب من عدم وجوب غسل الزائدة إذا كانت فوق المرفق.

و العمدة في وجوب غسلها عموم وجوب غسل الأيدي في الآية، الذي عرفت الإشكال في شموله لليد الزائدة، و أن الوجه في وجوب غسلها بعد فرض إجمال العموم منحصر بقاعدة الاشتغال، المقتضية لعدم الاجتزاء بالمسح بها، بل الأصلية، لأنه المتيقن من إطلاق المسح.

لكن في المدارك: «و لو لم يكن لليد الزائدة مرفق لم يجب غسلها قطعا».

و كأنه لأن جعل المرفق غاية للمغسول يوجب تقييد اليد التي يجب غسلها بما يكون لها مرفق.

ألا أنه لو تمَّ اقتضى عدم وجوب غسل الأصلية لو فرض عدم المرفق لها، و لا يظن منه و لا من غيره الالتزام به.

و الفرق بينهما بالإجماع غير ظاهر، بل التحديد بالمرفق غير ظاهر في التقييد به، فاحتمال شمول الإطلاق لليد المذكورة لا دافع له، فيتحقق موضوع قاعدة الاشتغال.

نعم، لو فرض عدم صدق اليد عليها و إن كانت مشابهة لليد أو قسما منها- كالكف‏فلا إشكال في خروجها عن الإطلاق و ظهوره في عدم وجوب غسلها، فيلحقها حكم اللحم الزائد فوق المرفق الذي لا إشكال في عدم وجوب غسله،

270

و لو أشبهت الزائدة بالأصلية (1) غسلهما جميعا (2)، و مسح بهما على الأحوط وجوبا (3).

كما في المدارك و صرح به غير واحد.

و حينئذ لا يفرق في عدم وجوب الغسل بين محاذاة الزائد بامتداده لما تحت المرفق و عدمه.

و احتمال وجوب غسل موضع المحاذاة في الأول‏كما عن الشافعي‏لا وجه له، كما نبه له غير واحد.

(1) المراد بالاشتباه.

تارة: خفاء جهة التمييز مع تحققه واقعا و هو الأنسب بعنوان الاشتباه.

و اخرى: انعدام جهة التمييز، و هو الأنسب بالمقام.

و الاحتياط بالوجه المذكور في كلامه (قدّس سرّه) في الأول هو مقتضى القاعدة في جميع موارد العلم الإجمالي، بناء على ما عرفت من أن الأدلة منصرفة إلى اليد الأصلية، دون الزائدةو لو لأنها المتيقن من الإطلاقات.

و أما في الثاني فلا مجال لفرض العلم الإجمالي، لأنه فرع الاشتباه المفروض عدمه.

بل مقتضى العموم غسلهما معا، و الاجتزاء بالمسح بإحداهما. و لو فرض قصور الإطلاقات لزم الجمع بينهما في الغسل و المسح معا بمقتضى قاعدة الاشتغال، كما تقدم فيما لو كانت اليديان تحت المرفق.

(2) للعلم الإجمالي على الوجه الأول، و للإطلاقات أو لقاعدة الاشتغال على الوجه الثاني.

(3) لما كان الاحتياط الوجوبي هو الاحتياط عن الفتوى، لغموض حال الأدلة عند المفتي، و لذا جاز الرجوع في مورده للغير، فلا مجال له في المقام لو أريد من الاشتباه الوجه الأول، لأن الاحتياط بالوجه المذكور هو مقتضى قاعدة العلم الإجمالي. و إنما يتجه على الوجه الثاني، لإمكان خفاء

271

(مسألة 8): المرفق مجمع عظمي الذراع و العضد (1). و يجب غسله مع اليد (2).

حال الإطلاقات عنده (قدّس سرّه).

اللهم إلا أن يحتمل عنده (قدّس سرّه) شمول الإطلاقات لليد الزائدة بنحو يقتضي الاجتزاء بالمسح بها، فيتجه الاجتزاء بالمسح بإحدى اليدين، حتى على الوجه الأول، كما يتجه منه الاحتياط الوجوبي عليه لغموض حال الإطلاقات عنده و احتمال الرجوع لقاعدة الاشتغال المقتضية للمسح بخصوص الأصلية الملزم بالاحتياط بالجمع.

و مما ذكرنا ظهر أن الاحتياط المذكور راجع للمسح.

و أما الجمع في الغسل بينهما فاللازم الفتوى به للزومه على كل حال، كما ذكرنا.

(1) ففي جمهرة اللغة و الصحاح و مجمع البحرين و عن المطرز أنه موصل الذراع في العضد، و عن المغرب أنه موصل الذراع بالعضد، و عن ابن سيدة أنه أعلى الذراع و أسفل العضد.

و يمكن أن يراد بهذه الكلمات الخط الموهوم بين العظمين، أو طرفاهما، أو مجموع محل الاتصال بينهما، كما هو ظاهر المتن و محكي التذكرة.

لكن في مجمع البيان و ظاهر التبيان: أنه المكان الذي يرتفق به أي يتكأ عليه من اليد، و ظاهره أنه طرف العضد، لأنه الذي يتكأ عليه.

كما أن ظاهر المنتهى أنه طرف الذراع، لأنه صرح بعدم وجوب غسل طرف العضد على من قطعت يده من المرفق، لأنه إنما وجب غسله توصلا إلى غسل المرفق، و مع سقوط الأصل ينتفي الوجوب.

و الأمر غير مهم، و إنما المهم تحديد ما يجب غسله الذي يأتي الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى.

(2) كما صرح به جماعة كثيرة، بل في جامع المقاصد أنه لا كلام فيه، و في‏

272

المدارك أن الأصحاب قطعوا به، و في الخلاف و المعتبر و كشف اللثام و عن التذكرة و عن غيرها دعوى الإجماع عليه ممن عدا زفر و داود و بعض المالكية ممن لا عبرة بخلافهم، و عن الطبرسي نسبته إلى مذهب أهل البيت (عليهم السلام).

و يقتضيه‏مضافا إلى ذلك‏الآية الكريمة بناء على أن «إلى» فيها بمعنى «مع» كما هو صريح التبيان و ظاهر التهذيب، بل في الخلاف أنه الذي ثبت عن الأئمة (عليهم السلام)، و عن الواحدي نسبته إلى كثير من النحويين، و قد استشهدوا لورودها بالمعنى المذكور بقوله تعالى‏ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ‏ (1) و قوله تعالى‏ وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ إِلى‏ أَمْوالِكُمْ‏ (2) و قولهم: فلان ولي الكوفة إلى البصرة و نحو ذلك من الاستعمالات الكثيرة.

لكن «إلى» في المقام و غيره بعيدة عن المعنى المذكور و إن نسب لجماعة من النحويين، و الظاهر تنزيلها في الاستعمالات المذكورة على الغاية بتضمين الفعل معنى الصيرورة أو الضم أو نحوهما مما يناسبها، فيراد بالآية الأولى: من أنصاري سائرين إلى اللّه تعالى و منسوبين إليه، كما يناسب صدر الآية و ذيلها، قال تعالى‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا أَنْصارَ اللَّهِ كَما قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ لِلْحَوارِيِّينَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ‏ و بالآية الثانية: وَ لا تَأْكُلُوا أَمْوالَهُمْ‏ بضمها لأموالكم، و نحوهما بقية الاستعمالات.

و نسبة المعنى المذكور في الخلاف للأئمة (عليهم السلام) غير ظاهرة المأخذ.

و كأن المراد بها ما ثبت عنهم (عليهم السلام) من عدم وجوب الانتهاء بالمرافق، بتخيل توقف ذلك على كونها بمعنى: «مع».

لكنه كما ترى! إذ يكفي فيه كونها لتحديد المغسول مع المحافظة فيها على معنى الغاية، بجعلها غاية اعتبارية للتحديد. كما هو الظاهر مما في صحيح زرارة و بكير عن أبي جعفر (عليه السلام): «و أمر بغسل اليدين إلى المرفقين، فليس له أن يدع من.

____________

(1) سورة الصف: 14.

(2) سورة النساء: 2.

273

يديه إلى المرفقين شيئا إلا غسله، لأن اللّه تعالى يقول‏ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ‏ (1)، و ما في صحيح زرارة عنه (عليه السلام): «ثمَّ قال‏ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ‏ فوصل اليدين إلى المرفقين بالوجه، فعرفنا أنه ينبغي لهما أن يغسلا إلى المرفقين» (2).

بل لو كانت بمعنى «مع» لم تكن الآية صريحة في كون المرفق منتهى المغسول، بل يكون نظير عطف البعض على الكل، كما نبه لذلك الزجاج.

ففي التبيان: «و طعن الزجاج على ذلك فقال: لو كان المراد ب «إلى» «مع» لوجب غسل اليد إلى الكتف، لتناول الاسم له، و إنما المراد ب «إلى» الغاية و الانتهاء، لكن المرافق يجب غسلها مع اليدين. و هذا الذي ذكره ليس بصحيح، لأنا لو خلينا و ذلك لقلنا بما قاله، لكن خرجنا بدليل، و دليلنا على صحة ما قلناه إجماع الأمة على أنه متى بدأ من المرافق كان وضوؤه صحيحا»، و قريب منه مجمع البيان.

و مما تقدم يظهر أن الإجماع المذكور إنما يمنع من كونها غاية للغسل، لا من كونها غاية للمغسول، ليلزم الخروج به عن مقتضى الظاهر بحملها على معنى «مع».

و من هنا ظهر أنه لا مجال للاستدلال بالآية و نحوها مما تضمن وجوب غسل اليد إلى المرفق على وجوب غسل المرفق، لعدم ظهورها فيه‏كما اعترف به الشيخ الطبرسي في محكي جامع الجوامع‏إذ لا يلزم دخول الغاية في حكم المغيى لو لم يكن الظاهر الخروج.

و من هنا يتعين النظر في النصوص. و ظاهر جملة منها وجوب غسل تمام الذراع المستلزم لغسل مجمع العظمين، و لا ظهور لها في وجوب الغسل إلى منتهى مجمع العظمين بنفسه مع قطع النظر عن ذلك، بحيث لو فرض قطع عظم الذراع من المفصل لوجب غسل طرف العضد.

____________

(1) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 3.

(2) الوسائل باب: 23 من أبواب الوضوء حديث: 1.

274

ففي صحيح ابن أذينة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث المعراج و وحي اللّه تعالى للنبي (صلى اللَّه عليه و آله) كيفية الوضوء: «ثمَّ اغسل ذراعيك اليمنى و اليسرى، فإنك تلقى بيدك كلامي» (1) و في صحيح الحسين بن أبي العلاء عنه (عليه السلام) في جواب النبي (صلى اللَّه عليه و آله) لمسائل نفر من اليهود: «و إذا غسل ساعديه حرم اللّه عليه أغلال النار» (2) و في صحيح محمد ابن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) في خطاب النبي (صلى اللَّه عليه و آله) للثقفي:

«فإذا غسلت ذراعيك تناثرت الذنوب عن يمينك و شمالك» (3)، و قريب منها روايات الرقاشي و عيسى بن المستفاد عن الكاظم (عليه السلام)(4). و يناسبه التعليل في خبر محمد بن سنان عن الرضا (عليه السلام) بقوله (عليه السلام): «و يغسل اليدين ليقلبهما و يرغب بهما و يرهب و يتبتل» (5).

و حيث كانت هذه النصوص تامة الدلالة على ما ذكرنا تعين العمل عليها، و حمل ما تضمن الغسل من المرفقين‏من النصوص المتقدمةأو إلى المرفقين- من الآية و النصوص الكثيرةعلى مفادها، إما بحمل المرفق على خصوص طرف الذراع‏كما تقدم من العلامةمع دخول الغاية في حكم المغي و إما بجعل الغاية لبيان المراد من اليد، فإنها و إن كانت ظاهرة في نفسها في تمام العضو المنتهي بالكتف، إلا أنه يراد بها أيضا ما ينتهي بالزند تارة، و ما ينتهي بالمرفق اخرى، فتكون الغاية قرينة لبيان المراد من اليد، لا لتقييدها مع استعمالها في تمام العضو، و من الظاهر أن ما ينتهي بالمرفق هو الذراع، و لا يدخل فيه طرف العضد، كما أن ما ينتهي بالكتف هو العضد و لا يدخل فيه شي‏ء من عظم الكتف. و إما بجعل التقييد بالمرفق لاشتماله على ما يجب غسله و هو الذراع، لعدم الحد الظاهر له سواه بسبب دخوله فيه.

فان ذلك أولى عرفا من حمل النصوص المتقدمة على كون ذكر الذراع لملازمته لما يجب غسله، و هو ما ينتهي بمجمع العظمين من دون أن يكون هو الموضوع بخصوصيته، و لا سيما بملاحظة ما اشتمل عليه صحيحا ابن أذينة

____________

(1) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 5.

(2) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 7.

(3) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 12.

(4) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 22، 25.

(5) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 26، 15.

275

و الحسين بن أبي العلاء و خبر محمد بن سنان من التعليل المناسب لخصوصية الذراع، و إجمال المرفق بنحو يسهل تنزيله على ما لا ينافي النصوص المتقدمة.

و كأن هذا هو المراد مما عن جماعة من المتأخرين من القول بوجوب غسل المرفق مقدمه، لا أصالة، بل هو صريح ما تقدم من العلامة (قدّس سرّه) فإنه و إن كان مبنى كلامه على كون المرفق طرف الذراع و وجوب غسله أصالة، و الواجب تبعا هو غسل طرف العضد، إلا أنه موافق لما ذكرنا عملا.

و إلا فلو أريد بالمقدمية المقدمية الخارجية أو العلمية فمن الواضح أن المرفق لو كان خارجا عما يجب غسله لم يتوقف الغسل الواجب عليه، كما لا يتوقف العلم بغسل ما دونه على غسل تمامه، بل يكفي غسل بعضه.

بل لا ينبغي الريب في عدم إرادتهم من الوجوب المتقدمي أحد المعنيين المذكورين، لوضوح عدم اختصاصه بالمرفق، بل يجزي في جميع الأعضاء، و عدم إنكاره من زفر و نحوه ممن نسب له الخلاف في المقام.

فلا بد من إرادتهم ما ذكرنا من كون غسل ما يسامت مجمع العظمين لأجل استيعاب الذراع بالغسل المستلزم لغسل بعض العضد، لا لكونه بنفسه بعض المغسول، و لا تظهر الثمرة بينهما إلا في الأقطع، كما ذكره العلامة (قدّس سرّه).

و مما ذكرنا يظهر أنه لا مجال لما في الجواهر من دعوى كون معقد الإجماع المتقدم هو الوجوب الأصلي، لا المقدمي، لظهور كلمات الأصحاب في ذلك.

فإن كلمات الأصحاب و إن كانت ظاهرة في عدم إرادة الوجوب للمقدمية الخارجية أو العلمية، إلا أنها لا تنافي الوجوب التبعي بالمعنى الذي ذكرنا، و لا سيما مع عدم ظهور الثمرة له إلا في الأقطع، و إجمال المرفق بنحو يسهل تنزيل جعله غاية في الأدلة و كلماتهم على ما ذكرنا، كما تقدم، فدعوى أن المتيقن من‏

276

(مسألة 9): يجب غسل الشعر النابت في اليدين مع البشرة (1)، حتى الغليظ منه، على الأحوط وجوبا.

الإجماع ما ذكرناه، غير بعيدة.

و ربما يرجع إليها ما في المدارك من أن المتيقن هو الوجوب المقدمي.

و كيف كان، فلا مجال للخروج عن ظاهر النصوص المتقدمة بعد إمكان تنزيل غيرها عليها، و عدم وضوح قيام إجماع مخالف لها صالح لأن يرفع به اليد عنها. فلاحظ.

(1) قال في الحدائق: «ظاهر المشهور وجوب غسل الشعر هنا، لدخوله في محل الفرض‏كما علله البعض‏أو أنه من توابع اليدكما علله آخرو قد عرفت ما فيه».

و يظهر من التعليلين أن مرادهم الجمع بين الشعر و البشرة، و هو الذي استظهره شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) و غيره.

و كأن الوجه فيه ما تقدم في المسألة الثانية في توجيه وجوب غسل الشعر الذي لا يصدق فيه الإحاطة، أو ما تقدم في وجه وجوب غسل ما تحت المرفق من الزوائد، بناء على شموله للشعر، كما يظهر من بعضهم.

و يظهر ضعف ذلك مما تقدم من ظهور إطلاقات الأدلة في كفاية غسل اليد الظاهر في عدم شمول ذلك مما هو من سنخ النابت فيها.

نعم، قد يدعى كفاية غسله إذا تكاثف، كما في الوجه، و في مفتاح الكرامة أنه الذي يستفاد من مطاوي بعض الكلمات، بل هو المنقول عن محكي كاشف الغطاء، و مال إليه في المستند، خلافا لما عن المحقق الثاني و جماعة من لزوم غسل البشرة.

و قد يوجه الأول.

تارة: بما تضمن لزوم غسل الظهر. و يظهر ضعفه مما تقدم في غسل الوجه.

277

و اخرى‏: بصحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام): «قلت له: أ رأيت ما أحاط به الشعر؟ فقال: كل ما أحاط به الشعر فليس للعباد أن يطلبوه و لا يبحثوا عنه، و لكن يجري عليه الماء» (1). قال في المستند: «و تخصيصها بالوجه لا وجه له».

لكن ذكر غير واحد أن الوجه فيه روايتها في الفقيه ذيلا للصحيحة المتقدمة في تحديد الوجه بما بين الإبهام و الوسطى.

و أما ما استظهره في الحدائق من كونها رواية مستقلة كما ذكره الشيخ في التهذيب و أن ذكرها في الفقيه في ذيل الصحيحة المذكورة لأن عادته سبك الأخبار.

فلا مجال له، لظهور عبارة الفقيه في اتحاد الكلام، و لا سيما مع التعرض منه لحد اليد و الرجلين بعدها الظاهر في كون مضمونها من توابع حد الوجه. بل لا ينبغي التأمل في ذلك بعد ظهور السؤال فيها في كونه تابعا لكلام سابق، لا ابتداء كلام، و إلا لم يكن له معنى.

و منه يظهر أن أفرادها في التهذيب من سنخ المجمل المبين بما في الفقيه، فلا يعارضه.

و دعوى: أن المورد لا يخصص الوارد.

مدفوعة: بأن المورد في المقام مانع من ظهور الوارد في العموم.

اللهم إلا أن يقال: لا ريب في ظهور الحديث بعد النظر في رواية الفقيه له في كون موضوع السؤال هو ما أحاط به الشعر من الوجه، إلا أن عدم الاكتفاء في الجواب ببيان حكمه، بل التأكيد فيه على العموم قد يظهر في وروده لضرب القاعدة العامة لغير الوجه، لعدم ظهور النكتة فيه لو لا ذلك.

لكن في بلوغ ذلك حد الظهور الحجة إشكال. و من ثمَّ قد يتعين الاحتياط بالجمع بين غسل ظاهر الشعر و البشرة.

إلا أن يكون المرجع بعد فرض إجماله الإطلاقات المقتضية للاكتفاء

____________

(1) الوسائل باب: 46 من أبواب الوضوء حديث: 3.

278

(مسألة 10): إذا دخلت شوكة في اليد لا يجب إخراجها، إلا إذا كان ما تحتها محسوبا من الظاهر (1)، فيجب غسله حينئذ (2) و لو بإخراجها.

(مسألة 11): الوسخ الذي يكون على الأعضاء إذا كان معدودا جزء من البشرة لا تجب (3) إزالته، و إن كان معدودا أجنبيا عن‏ بغسل البشرة. فتأمل.

على أنه مختص بما إذا توقف غسل البشرة على البحث و الطلب، لكون الشعر محيطا بها، الذي هو مورد الصحيحة، و هو نادر في اليدين، و أما في غيره فمقتضى ما تقدم الاكتفاء بغسل البشرة، كما ذكرناه في الوجه أيضا. فراجع.

(1) بأن لا يكون له تماسك يوجب انطباقه مع رفع الشوكة، كما تقدم نظيره في المسألة السابعة.

(2) يعني: بإيصال الماء إليه و لو من تحت الشوكة و إن لم يتحقق الإجراء، أما بناء على ما تقدم من عدم توقف الغسل على الجريان فظاهر بعد عدم منافاته للترتيب العرفي.

و أما بناء على لزومه فيمكن رفع اليد عنه في خصوص المقام، لتعذره فيه حتى مع رفع الشوكة بسبب نزوله في العمق، بل للغفلة عنه عرفا الكاشف عن التسامح فيه شرعا. فلاحظ.

(3) لا ينبغي الإشكال في ذلك لو تحقق الفرض المذكور. إلا أنه غير ظاهر التحقق.

و يظهر منه (قدّس سرّه) في مستمسكه أن المراد بذلك ما يفرزه البدن الذي قد يكون من سنخ الجلد و يزول بالدلك.

و من ثمَّ استثنى منه ما إذا طالت المدة كثيرا، فتجب إزالته، لأنه لا يعد جزءا من البدن عرفا.

279

البشرة تجب إزالته (1).

(مسألة 12): إذا شك في حاجبية شي‏ء وجبت إزالته (2)، و إذا شك في وجود الحاجب بحث عنه على الأحوط وجوبا، إلا مع الظن بعدمه.

(مسألة 13): يجوز الوضوء برمس العضو في الماء (3)، و يشكل: بأنه ليس من الوسخ، بل هو جزء من البدن حقيقة و عرفا فلا تجب إزالته مطلقا إذ لا يزيد على القشر المنجمد على الجرح بعد برئه الذي يأتي في المسألة السابعة عشرة عدم وجوب إزالته. و ليس الوسخ إلا ما هو خارج عن البدن طارئ عليه، و فرض صيرورته جزءا منه عرفا غير ظاهر، كما ذكرنا.

نعم، قد يكون الوسخ من سنخ اللون غير المانع من وصول الماء للبشرة، فلا تجب إزالته، كما تقدم نظيره في المسألة الخامسة.

كما أنه لو فرض تعارفه بنحو يغفل عنه نوعا يتجه عدم وجوب إزالته، كما يأتي نظيره في المسألة الرابعة عشرة.

(1) كما هو ظاهر و تقدم نظيره في المسألة الخامسة، و يأتي في المسألة الرابعة عشرة الكلام في خصوص وسخ الأظفار.

(2) تقدم الكلام في نظير هذه المسألة في المسألة السادسة في فروع غسل الوجه. بل ما تقدم من النصوص مختص بالمقام لوروده في الخاتم و السوار و الدملج، و التعدي منه للوجه مبني على إلغاء خصوصية المورد.

(3) و هو مذهب الأصحاب، كما في المدارك، اتفاقا، كما عن البرهان و ظاهر الجواهر.

و كأنه مبني على ظهور حال الأصحاب من تعريفهم للغسل و عدم تنبيههم على المنع من الرمس، و إلا فلم أعثر على تصريح معتد به منهم.

و تعرضهم له في الجبائر لا يقتضي جوازه في غيرها.

280

مع مراعاة غسل الأعلى فالأعلى (1)، و كيف كان، فيقتضيه إطلاق أدلة الغسل، حتى بناء على اعتبار الجريان في مفهوم الغسل، لتحققه بتحريك العضو في الماء، إذ لا يراد به إلا انتقال الماء على أجزاء الأعضاء. و أما ما عن ظاهر ابن الجنيد من وجوب إمرار اليد لحكاية وضوء النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و لأنه المعهود في الغسل.

فيندفع بما تقدم غير مرة من عدم ظهور النصوص البيانية في الاستحباب، فضلا عن الوجوب، فلا مجال للخروج بها عن الإطلاقات، و لا سيما مع ما تضمن جواز الوضوء بإصابة المطر (1). فتأمل. كما أن الغلبة لا تصلح لتقييد الإطلاقات.

(1) لما تقدم من اعتبار ذلك في اليدين، و في الوجه على كلام.

و ربما يدعى سقوط الترتيب مع الارتماس، لموثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) «في الرجل ينكسر ساعده أو موضع من مواضع الوضوء فلا يقدر أن يحله لحال الجبر إذا جبر كيف يصنع؟ قال: إذا أراد أن يتوضأ فليضع إناء فيه ماء، و يضع موضع الجبر في الماء حتى يصل الماء إلى جلده، و قد أجزأه ذلك من غير أن يحله» (2).

بدعوى: ظهور ذيله في إجزاء ذلك و إن تمكن من حله، مع وضوح عدم حصول الترتيب به، و لذا صرحوا بكفاية وضع موضع الجبر في الماء حتى يصل إلى البشرة و لو مع إمكان النزع.

و يشكل: بأنه لا ظهور في الذيل في إجزاء الرمس و لو مع التمكن من الحل بعد كون المفروض في السؤال تعذر الحل.

و تصريحهم بكفاية ذلك لم يبلغ مرتبة الإجماع ليمكن الاحتجاج به. على‏

____________

(1) الوسائل باب: 36 من أبواب الوضوء حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 7.

281

فيحرك العضو المرموس حركة تدريجية حتى يحصل الغسل تدريجيا (1)، أنه مختص بالجبيرة، و التعدي منها للمقام في غير محله بعد مخالفة الحكم للقاعدة.

(1) يعني: ينوي الغسل لأجزاء العضو الواحد تدريجا باستمرار الحركة، فلا بد من كون الحركة بقدر العضو.

و لا يكفي نية الغسل التدريجي مع استقرار العضو في الماء، أما بناء على اعتبار الجريان فظاهر.

و أما بناء على عدمه فلأن المتيقن من الأدلة المتقدمة هو اعتبار إيصال الماء بما هو معنى مصدري، و هو موقوف على الحركة حتى يصل إلى كل جزء من العضو شي‏ء من الماء تدريجا، و لا تكفي نتيجة المصدر، و هي التماس بين الماء و البشرة الحاصل مع سكون العضو في الماء، لعدم تحقق الغسل به، بناء على ما تقدم من معناه، و عدم الدليل على الاكتفاء به.

بل لا يبعد ظهور دليل الترتيب‏خصوصا خبر الهيثم المتقدم في غسل اليدين‏في لزوم اتجاه الماء من الأعلى إلى الأسفل، لا مجرد تحقق الغسل بالترتيب من دون حركة في الماء لو فرض عدم توقف الغسل عليها.

نعم، لو فرض جريان الماء حال كون العضو فيه لم يبعد عدم الاحتياج للتحريك، بل يكفى مرور الماء الجاري من أول العضو إلى آخره، لاستناد وصول الماء و إمساسه بالمعنى المصدري للمكلف، نظير وقوفه تحت المطر الموجب لاصابة مائه له.

و أما ما ذكره سيدنا المصنف (قدّس سرّه) في وجه وجوب التحريك مع ركود الماء- بعد الاعتراف بصدق الغسل عليه، لأنه عبارة عن استيلاء الماء على البشرةمن أن الواجب في الوضوء حدوث الغسل، لا ما يعم البقاء، و لذا لا يكفي أن يغسل‏

282

و لا يكفي مجرد الحركة آنا ما، فإنه لا يحصل الغسل التدريجي بذلك.

كما أنه لا يجوز أن ينوي الغسل لليسرى بإدخالها في الماء (1)، لأنه يلزم تعذر المسح بماء الوضوء (2)، وجهه للتبريد ثمَّ ينوي بإبقاء البلل و عدم تجفيفه الغسل الوضوئي.

ففيه: أن التحريك ليس إحداثا للغسل‏بمعنى استيلاء الماء على البشرة- بل إبقاء له، فلو لم يكف استمرار الغسل و إبقاؤه لم يكف التحريك أيضا، بل لم يكف تجديد الرمس إلا بعد تجفيف اليد.

و لعله لذا استشكل بعض مشايخنا في الاكتفاء بقصد الغسل بإخراج العضو من الماء، بل اقتصر على رمس العضو من الأعلى فالأعلى.

لكن الظاهر الاكتفاء بالإبقاء عملا بإطلاق الأدلة، كما في سائر الأمور الاستمرارية و لا سيما مع مناسبته لارتكاز مطهرية الماء، و لذا لا يظن من أحد الالتزام بعدم الاكتفاء بالصب أو إمرار اليد إذا أحدثهما لا بنية الوضوء و نواه باستمرارهما، بحيث يلزم التوقف ثمَّ إحداثهما حين نية الغسل بهما.

كيف! و لازمه عدم تحقق غسل عقدة الإصبع مثلا بوضع الكف على تمامها، ثمَّ جره و إمراره باتجاه آخرها، لعدم صحة غسل آخرها باحداث الجر عليها، لفرض وجوب الترتيب بينه و بين أولها، و لا باستمراره بعد غسل الأول، لأن الاستمرار لا يكفي في الامتثال. فلاحظ.

(1) يعني من المرفق، و إلا فنية الغسل بإدخالها من الكف لا يحصل معه الترتيب.

(2) و في المدارك أنه المنقول عن السيد جمال الدين بن طاوس في البشرى، و قواه في الذكرى لما يأتي من عدم جواز المسح بماء جديد غير ماء الوضوء.

لكن في جامع المقاصد: «و يشكل بأن الغمس لا يصدق معه الاستيناف عرفا» و قريب منه عن المشكاة، و نحوه في المدارك لكن بشرط عدم استقرار

283

بل ينوي غسلها بالإخراج (1). و يحافظ على عدم نزول الماء الذي على الذراع إلى الكف لئلا يختلط بماء الكف، فيشكل المسح به (2).

و كذا الحال في اليمنى إذا لم يغسل بها اليسرى (3).

العضو في الماء عرفا.

و فيه: أن الأدلة لم تتضمن النهي عن الاستئناف، بل الأمر بالمسح بالبلة الباقية في اليد من ماء الوضوء بعد غسلها، و هو غير حاصل في الفرض.

(1) قال سيدنا المصنف (قدّس سرّه): «و لو بأن يقصد الغسل الثاني المستحب حال الإخراج، و حال الإدخال من الأعلى يقصد الغسل الأول الواجب».

لكن يأتي منه في المسألة الثانية بعد المائة الاحتياط الاستحبابي بترك الغسلة الثانية فيما يمسح به.

(2) كأنه لاحتمال أن يكون المراد من بلة اليسرى التي ورد في بعض النصوص وجوب المسح بها بلة الكف التي يتحقق بها غسله، لا مطلق بلة اليد بنحو تشمل البلة النازلة من الذراع إلى الكف بعد تمام غسل الكف.

لكن ظهور النصوص في ذلك ممنوع، و لو فرض الاجمال كان المرجع إطلاق المسح.

على أن الظاهر كون المصحح للإضافة وجود البلة في اليد بعد إتمام الغسل، لا غسلها بها، و لذا صح إضافة البلة لليمنى أيضا مع عدم غسلها بها، بل ليس المغسول بها إلا اليسرى، بل كثيرا ما يكون ماء الوضوء في غير الارتماس كثيرا، بحيث يسيل من الذراع إلى الكف أو من ظاهر الكف إلى باطنها، فلو وجب التحرز من ذلك لزم التنبيه عليه في النصوص، للغفلة عنه.

(3) كلها أو بعضها، لوضوح أنه مع غسلها بها يكون ماء اليمنى ماء الوضوء.

284

(مسألة 14): الوسخ تحت الأظفار إذا لم يكن زائدا على المتعارف لا تجب إزالته إلا إذا كان ما تحته معدودا من الظاهر (1)، (1) لما كان وجوب الغسل مختصا بالظاهر فلا فائدة في ذكر المتعارف، لعدم وجوب إزالة الوسخ عن الباطن و إن زاد على المتعارف.

و كيف كان فقد جزم في المعتبر و القواعد و جامع المقاصد و محكي التذكرة و المقاصد العلية بوجوب إزالة الوسخ، و جعله في المنتهى الأقرب.

لكن قال: «و يمكن أن يقال: إنه ساتر عادة، فكان يجب على النبي (صلى اللَّه عليه و آله) بيانه، و لما لم يبين دل على عدم الوجوب. و لأنه يستر عادة، فأشبه ما يستره الشعر من الوجه»، و الثاني بظاهره قياس مع الفارق، لأن الشعر ساتر طبيعي، و الوسخ أجنبي.

و أما الأول فقد دفعه في جامع المقاصد بأنه يكفي في البيان الحكم بوجوب غسل جميع اليد.

و لا يخفى أن صلوح العموم المذكور للبيان موقوف على عدم كون العادة بالنحو الموجب للغفلة عن وجوب إزالته، بنحو تكون السيرة على عدمها، و إلا لم ينفع العموم و احتاج إلى البيان الخاص و كشف عدمه عن تخصيص العموم المذكور.

و منه يظهر حال ما عن الأسترابادي من تأييد عدم وجوب الإزالة بما دل على استحباب إطالة الأظفار للمرأة (1)، لأنها مظنة اجتماع الوسخ.

هذا، و قد استبعد سيدنا المصنف (قدّس سرّه) ثبوت العادة، لأن الجزء الذي يعد من الظاهر يبعد عن موضع التقليم و يكون طرف الإصبع، و ثبوت العادة على وجود الوسخ فيه ممنوع.

و يشكل: بأن تخصيص الظاهر بطرف الإصبع ممنوع، بل الظاهر شموله لما

____________

(1) الوسائل باب: 81 من أبواب آداب الحمام حديث: 1.

285

و إذا قص أظفاره فصار ما تحتها ظاهرا وجب غسله (1) بعد إزالة الوسخ.

يكون في موضع التقليم إذا لم يكن ما طال من الظفر لاصقا بطرف الإصبع، بحيث يصل الماء إلى ما تحت الظفر مع عدم الوسخ بلا كلفة، و من الظاهر تعارف وجود الوسخ فيه، و الظاهر أنه محل كلامهم.

و من هنا يقوى عدم وجوب إزالة ذلك.

ثمَّ إنه على القول بوجوب الإزالة فقد قيده في محكي التذكرة و المقاصد العلية و في ظاهر المعتبر بصورة عدم المشقة في الإزالة. و لعله إليه يرجع تقييده بالمكنة في القواعد.

و هو في محله، عملا بعموم رفع الحرج. و إن كان في شموله لما إذا لم يكن تجنب الابتلاء بالوسخ حرجيا إشكال. فتأمل.

هذا، و قد حكى في الحدائق عن الأصحاب الحكم باستحباب رفع الوسخ مع عدم منعه من وصول الماء، و جعله منافيا لما ذكروه من توقف الغسل على الجريان الذي لا يتحقق مع بقاء الوسخ.

لكن الظاهر أن الجريان لا يتأتى فيما تحت الظفر حتى مع عدم الوسخ، و ليس الإخلال به مستندا للوسخ، فهو غير واجب في مثل ذلك، نظير ما تقدم فيما تحت الشوكة.

(1) بلا إشكال ظاهر، إذ لا طريق لإحراز السيرة على إبقاء الوسخ حينئذ.

تنبيه‏:

إذا طالت الأظفار حتى خرجت عن أطراف الأصابع فقد ذكر في القواعد و كشف اللثام و محكي الذكرى و الدروس و البيان و الجعفرية و غيرها وجوب غسلها. و تردد في المنتهى و جامع المقاصد و محكي التذكرة و نهاية الإحكام، و عن‏

286

(مسألة 15): إذا انقطع لحم من اليدين غسل ما ظهر بعد القطع (1)، و يجب غسل ذلك اللحم أيضا ما دام لم ينفصل (2)، المشكاة: لا يجب غسلها على إشكال.

و مقتضى تخصيصهم الكلام بما إذا خرجت عن أطراف الأصابع مفروغيتهم عن إلحاق ما طال منها باليد حقيقة أو عرفاو هو الظاهرو أن الاشكال فيما إذا تجاوزت أطراف الأصابع لأجل كون حد اليد هو أطراف الأصابع، نظير مسترسل اللحية.

و إلا فلو كان منشؤه أيضا، احتمال خروج الأظافر عن اليد لزم الاشكال حتى مع عدم تجاوزها عن أطراف الأصابع.

و من هنا فرق في محكي الذكرى بينها و بين مسترسل اللحية باتصالها بمتصل دائما. و هو غير ظاهر، كما في جامع المقاصد.

فالعمدة ما أشار إليه في كشف اللثام من عدم تحديد اليد شرعا بأطراف الأصابع، كما تقدم نظيره في الزوائد النابتة فيما تحت المرفق.

(1) بلا إشكال ظاهر، لما دل على وجوب غسل الظاهر.

(2) بل لا يبعد كون مراده ما إذا كان موضع اتصال اللحم باليد تحت المرفق، فيلحقه ما تقدم في الزوائد النابتة تحت المرفق، سواء كان انكشاطها من تحت المرفق أم من فوقه.

و أما ما احتمله في كشف اللثام من الاقتصار على غسل ما كان أصله تحت المرفق منها، دون الزائد، إبقاء لكل منهما على حكمه.

فهو لا يناسب حكمهم هناك بغسل تمام ما نبت تحت المرفق، لعدم الفرق بينهما ارتكازا.

نعم، لو بقي المكشوط على سمت اليد و لم يتدلّ تحت المرفق بأن كان طرفه فوق المرفق و أصله تحته لم يبعد الاكتفاء بغسل ما حاذى المرفق منه، دون‏

287

و إن كان اتصاله بجلدة رقيقة. و لا يجب قطعه ليغسل ما تحت الجلدة (1)، و إن كان هو الأحوط وجوبا لو عد ذلك اللحم شيئا خارجيا و لم يحسب جزءا من اليد (2).

(مسألة 16): الشقوق التي تحدث على ظهر الكف من جهة البرد إن كانت وسيعة يرى جوفها (3) وجب إيصال الماء إليها، و إلا فلا، و مع الشك فالأحوط وجوبا الإيصال (4).

الزائد، لخروجه عن حد ما يجب غسله، كما احتمله في كشف اللثام، و إن احتمل أيضا وجوب غسل الكل نظير ما لو طال الظفر.

لكنه كما ترى! للفرق بينهما بثبوت التحديد شرعا من جانب المرفق دون طرف اليد.

و إما لو كان موضع اتصال اللحم فوق المرفق فالظاهر عدم وجوب غسله، كما في القواعد و غيرها، بل في المنتهى نفي الخلاف فيه، من دون فرق بين كون تمام المكشوط مما فوق المرفق و كون بعضه مما تحته.

و احتمال وجوب غسل ما حاذى المرفق في الأول، بعيد، لخروج المقطوع بتمامه عن المحدود عرفا.

(1) لأن ما تحت الجلدة من الباطن الذي لا يجب غسله.

(2) لكن الفرض المذكور غير ظاهر التحقق، لأن الجلد المذكور لا يزيد على ما ينجمد على الجرح عند البرء الذي يأتي في المسألة السابعة عشرة أنه لا يجب رفعه.

(3) يشكل كون ذلك معيارا في صدق الظاهر. و المعيار فيه وصول الماء بإجرائه من دون كلفة و تعميق، لصدق غسل تمام العضو به. فلاحظ المسألة الثالثة.

(4) لقاعدة الاشتغال، و أما استصحاب عدم كونه من الظاهر فهو لا يجري‏

288

(مسألة 17): ما ينجمد على الجرح عند البرء و يصير كالجلد لا يجب رفعه، و يجزي غسل ظاهره (1).

مع كون الشبهة مفهومية، لعدم جريان الاستصحاب في المفهوم المردد.

و أما مع كونها مصداقية فجريانه موقوف على كون الظاهر بعنوانه موضوعا للحكم بسببية غسله للطهارة.

و هو لا يخلو عن إشكال، لقرب أن يكون وجوب غسله لتوقف صدق غسل العضو عليه عرفا، فليس الواجب إلا ما يصدق معه غسل العضو. و تحديده بغسل الظاهر لبيان حده الخارجي لا لأخذ المفهوم المذكور في موضوع الحكم الشرعي نظير تحديد الوجه بأنه ما دارت عليه الإبهام و الوسطى، و إلا فالبناء على كونه قيدا شرعا في وجوب غسل العضو موقوف على كونه أخص منه، و هو بعيد جدا، بل الظاهر تطابقهما خارجا و هو مستلزم للغوية الجمع بينهما، فيتعين ما ذكرنا.

و أما ما يظهر من سيدنا المصنف (قدّس سرّه) من توجيه المنع من الاستصحاب بأن الواجب ليس هو الغسل و الوضوء، بل الطهارة المسببة عنه، و ليس عنوان الباطن موضوعا للحكم الشرعي، و لا قيدا له.

ففيه: أن كون الواجب هو الطهارة لا يمنع من التمسك باستصحاب كون المحل من الباطن لو كان عنوانه مأخوذا في سببها شرعا، كما يتمسك باستصحاب طهارة الماء أو الأعضاء لذلك.

و كيف كان، فالظاهر أن المقام من موارد لزوم الاحتياط، لا من موارد الاحتياط في الفتوى، كما يظهر من المتن.

(1) لأنه عرفا هو الجزء الذي يناط صدق غسل العضو بغسله.

نعم، لو انخرق الجلد الموصل له بالبدن من تمام أطرافه أو من أكثرها، بحيث يعد عرفا لاصقا بالبدن لا متصلا به خرج عن كونه جزءا و وجب غسل ما تحته مع التمكن.

289

و إن كان رفعه سهلا (1).

(مسألة 18): يجوز الوضوء بماء المطر (2)، (1) لعدم دخل سهولة الرفع في جزئيته. نعم، لو كان الوجه في الاجتزاء به بدليته عما تحته بملاك رفع الحرج كالجبيرة اتجه وجوب رفعه مع سهولته.

(2) ظاهر الجواهر المفروغية عنه بينهم، و إن لم أعثر في كلماتهم على تصريح معتد به منهم.

و يقتضيه صحيح علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام): «سألته عن الرجل لا يكون على وضوء، فيصيبه المطر حتى يبتل رأسه و لحيته و جسده و يداه و رجلاه هل يجزيه ذلك من الوضوء؟ قال: إن غسله فان ذلك يجزيه» (1).

لكنه بظاهره مخالف لما دل على وجوب الترتيب في نفس الأعضاء، و بينها، و عدم إجزاء الغسل عن المسح في الرأس و الرجلين.

بل لما هو المعلوم من كون الوضوء تعبديا لا توصليا يجزي فيه إصابة الماء، لظهوره في كون المسؤول عنه هو الاجزاء بعد إصابة المطر، لا إجزاء فعل ما يوجبها، كالقيام تحته و التعرض له.

و من الظاهر امتناع الخروج به عن جميع ذلك، بعد كون عموم اعتبارها من الواضحات، المتسالم عليها بين الأصحاب، حتى في مورده، لعدم استثنائهم له من عمومها، بل صرح الشيخ (قدّس سرّه) في التهذيب و الاستبصار بتنزيله على الترتيب بين الأعضاء.

و من هنا لا بد من تنزيله على ما لا ينافي جميع ذلك، بحمله على بيان أن إصابة المطر تحقق الغسل الواجب، لا إطلاق الاكتفاء بها، و لو مع مخالفة شروط الغسل. مع تقييده أيضا بغير مواضع المسح.

لكن الإنصاف أن حمله على ذلك بعيد عن ظاهره جدا، فيتعين رفع اليد

____________

(1) الوسائل باب: 36 من أبواب الوضوء حديث: 1.

290

كما إذا قام تحت السماء حين نزوله (1)، فقصد بجريانه على وجهه غسل الوجه، مع مراعاة الأعلى فالأعلى، و كذلك بالنسبة إلى يديه.

و كذلك إذا قام تحت الميزاب أو نحوه (2). و لو لم ينو من الأول لكن بعد جريانه على جميع محال الوضوء مسح بيده على وجهه بقصد غسله، و كذا على يديه إذا حصل الجريان أيضا (3).

(مسألة 19): إذا شك في شي‏ء أنه من الظاهر حتى يجب غسله، أو الباطن، فالأحوط وجوبا غسله (4).

عنه، لظهور إعراض الأصحاب عن مضمونه المسقط له عن الحجية، و الموجب لكونه من المشكل الذي يردّ إليهم (عليهم السلام).

و يكون الدليل في المقام هو إطلاقات أدلة الغسل‏بعد ما سبق من أن المراد به إيصال الماء للبشرةالمعتضدة بما دل على إجزاء إصابة المطر في الغسل‏ (1)- الخالي عن أكثر الإشكالات المتقدمةلإلغاء خصوصية مورده و التعدي منه للوضوء.

(1) بحيث يكون وصول الماء للبشرة مستندا للمكلف و باختياره، لفعله ما يوجبه، كتعريض نفسه له، فلو فرض سلب اختياره في ذلك لم تكفه النية بالجريان، لما يأتي من اعتبار المباشرة في الوضوء.

(2) للإطلاقات المشار إليها، أو لنصوص المطر بعد إلغاء خصوصية موردها عرفا.

(3) مما تقدم في الارتماس يظهر أنه لا بد من كون المسح موجبا لوصول ماء لكل جزء من البشرة غير ما وصل إليه سابقا بنزول المطر، و لو لكونه سببا لتنقل الأجزاء المائية في أجزاء العضو.

(4) أما مع سبق كونه من الظاهر مع تعاقب الحالتين فظاهر، إذ لا أقل من‏

____________

(1) الوسائل باب: 26 من أبواب الجنابة حديث: 10، 11، 14.

291

الثالث‏: يجب مسح مقدم الرأس (1)، كونه مقتضى قاعدة الاشتغال، التي تقدم أنها المرجع في المقام، لكون الشك في المحصل.

و أما مع سبق كونه من الباطن فلما تقدم في المسألة السادسة عشرة من الإشكال في استصحاب عدم كون الموضع من الظاهر، سواء كانت الشبهة مفهومية أم مصداقية.

و عليه يكون المورد من موارد لزوم الاحتياط لا من موارد الاحتياط في الفتوى، كما تقدم نظيره.

و منه يظهر الحال فيما لو جهلت حالته السابقة، لتوقف عدم وجوب غسله على استصحاب عدم كونه من الظاهر، فإنه و إن كان يجري في نفسه بلحاظ العدم الأزلي، و غير معارض باستصحاب عدم كونه من الباطن‏لعدم الأثر له، لاختصاص الأثر بالمغسول، دون غيره‏إلا أن الاشكال المتقدم في الاستصحاب جار فيه.

(1) أما وجوب مسح الرأس فهو الذي نطق به الكتاب المجيد و السنة المستفيضة أو المتواترة و ادعي عليه إجماع المسلمين، و ان حكي عن الشافعي و أحمد في أحد قوليه إجزاء الغسل عنه.

و أما عدم وجوب استيعاب الرأس بالمسح فهومع كونه مجمعا عليه بين الأصحاب، كما يظهر مما يأتي‏مقتضى النصوص الكثيرة الآتي بعضها. بل هو مقتضى الآية الكريمة بناء على أن الباء للتبعيض، أو مقتضى إطلاقها، بناء على أنها للإلصاق أو الاستعانة، فإن كون الرأس ممسوحا به لا يقتضي استيعابه، كما أن كون المنديل ممسوحا به لا يقتضيه، بخلاف ما لو كان ممسوحا.

و الثاني هو المتيقن مما في صحيح زرارة و بكير عن أبي جعفر (عليه السلام): «ثمَّ قال:

وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ‏ فإذا مسح بشي‏ء من رأسه أو

292

بشي‏ء من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه» (1).

و أما الأول فهو الظاهر من صحيح زرارة: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ألا تخبرني من أين علمت و قلت ان المسح ببعض الرأس و بعض الرجلين؟ فضحك فقال: يا زرارة قاله رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) و نزل به الكتاب من اللّه عز و جل، لأن اللّه عز و جل قال:

فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ‏. ثمَّ فصل بين الكلام فقال‏ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ‏ فعرفنا حين قال‏ بِرُؤُسِكُمْ‏ أن المسح ببعض الرأس لمكان الباء.» (2).

لكن المعنى المذكور غير متبادر من الباء بنفسها. و من هنا قد ينزل الصحيح على أن الباء لما كانت للإلصاق أو الاستعانة يكون مقتضى الإطلاق الاجتزاء بالبعض، و هو مستلزم لعدم مشروعية المسح بالكل، لتعذره دفعة واحدة، و مع التدريج يحصل الامتثال بالبعض، و يكون الكل زائدا على الواجب، لأن التخيير بين الأقل و الأكثر التدريجي مخالف للإطلاق. فيكون التبعيض مستفادا من الباء بضميمة حكم العقل بامتثال الطبيعة بصرف الوجود، و تعذر المسح بالكل دفعة.

و أما كون المسح على مقدم الرأس فهو المدعى عليه الإجماع في الناصريات و الخلاف و المعتبر و كشف اللثام و المدارك و عن التذكرة و الذكرى، و هو ظاهر المنتهى و عن التنقيح، و في الانتصار أنه من متفردات الإمامية الذي لا شبهة في أنه الفرض عندهم.

و يقتضيه غير واحد من النصوص، ففي صحيح محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: مسح الرأس على مقدمه» (3)، و في صحيحة الآخر عنه (عليه السلام) في حديث: «و ذكر المسح فقال: امسح على مقدم رأسك» (4)، و ما عن العلل في بيان حال آدم (عليه السلام): «و أمره بمسح الرأس لما وضع يده على أم رأسه» (5)، و ما ورد في‏

____________

(1) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 3.

(2) الوسائل باب: 23 من أبواب الوضوء حديث: 1.

(3) الوسائل باب: 22 من أبواب الوضوء حديث: 1، 2.

(4) الوسائل باب: 25 من أبواب الوضوء حديث: 1.

(5) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 16.

293

قصة علي بن يقطين من أمره أولا بمسح تمام الرأس، و بعد ارتفاع موجب التقية عنه كان في جملة ما كتب (عليه السلام) إليه به: «و امسح بمقدم رأسك» (1).

و أما ما في صحيح زرارة: «قال أبو جعفر (عليه السلام): ان اللّه وتر يحب الوتر، فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات، واحدة للوجه، و اثنتان للذراعين، و تمسح ببلة يمناك ناصيتك» (2).

فقد يستشكل في دلالته باحتمال كون قوله (عليه السلام): «و تمسح.» لبيان الإجزاء تتمة لإجزاء الغرفات الثلاث، لا الوجوب، بل الاحتمال المذكور هو المتعين بالإضافة إلى البلة الممسوح بها. فتأمل.

كما لا مجال للاستدلال ببعض نصوص الوضوءات البيانية الظاهرة في مسح المقدم، لما تكرر من عدم دلالتها على الاستحباب، فضلا عن الوجوب.

و كذا مرسل حماد عن أحدهما (عليهما السلام): «في الرجل يتوضأ و عليه العمامة.

قال: يرفع العمامة بقدر ما يدخل إصبعه فيمسح مقدم رأسه» (3). لوروده لبيان عدم وجوب وضع العمامة عن الرأس. و لعل مسح المقدم لأنه أحد أفراد التخيير أو أسهلها في فرض عدم وضع العمامة.

و مثله خبر الحسين بن زيد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «لا تمسح المرأة بالرأس كما يمسح الرجال، إنما المرأة إذا أصبحت مسحت رأسها تضع الخمار عنها، و إذا كان الظهر و العصر و المغرب و العشاء تمسح بناصيتها» (4).

لقرب وروده لبيان الاجتزاء بمسح الناصية في الأوقات الأربعة، في مقابل وضع الخمار عند الصبح الذي لا يبعد كونه كناية عن مسح ما هو أكثر من ذلك.

____________

(1) الوسائل باب: 32 من أبواب الوضوء حديث: 3.

(2) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 2.

(3) الوسائل باب: 22 من أبواب الوضوء حديث: 3.

(4) الوسائل باب: 23 من أبواب الوضوء حديث: 5.

294

فالعمدة ما تقدم الذي عمدته صحيحا محمد بن مسلم، و قد عرفت تسالم الأصحاب على ذلك.

و لأجله يلزم رفع اليد عن غير واحد من النصوص التي قد يظهر منها خلاف ذلك، كصحيح الحسين بن أبي العلاء: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): امسح على الرأس مقدمه و مؤخره» (1) و صحيحة الآخر عنه (عليه السلام): «و سألته عن الوضوء بمسح الرأس مقدمه و مؤخره. فقال: كأني أنظر إلى عكنة في رقبة أبي يمسح عليها» (2) و خبر الحسين بن عبد اللّه: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يمسح رأسه من خلفه و عليه عمامة بإصبعه أ يجزيه ذلك؟ قال: نعم» (3).

فان الجمع بين هذه النصوص و النصوص السابقة لو أمكن عرفا بحمل تلك على الاستحباب، إلا أنه لا مجال له بعد ما عرفت من تسالم الأصحاب على وجوب المسح على المقدم و إهمال هذه النصوص المسقط لها عن الحجية، و المقرّب لاحتمال التقية فيها.

مع أن من القريب ظهور الأول في وجوب الجمع بين المقدم و المؤخرلا التخيير بينهماكما تضمنه المرفوع إلى بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في مسح القدمين و مسح الرأس. فقال: مسح الرأس واحدة من مقدم الرأس و مؤخره، و مسح القدمين ظاهرهما و باطنهما» (4)، فينافي صريح النصوص المتقدمة و غيرها مما يدل على الاجتزاء بمسح المقدم، و يلزم بحمله على التقية.

كما أن ظاهر الثاني جواز الجمع بينهما فلا ينافي وجوب مسح المقدم.

و أما الثالث فحمل النصوص المتقدمة لأجله على الاستحباب ليس بأولى من حمله لأجلها على مسح المقدم من جهة الخلف. على أنه ضعيف السند، لإهمال الحسين بن عبد اللّه أو جهالته.

____________

(1) الوسائل باب: 22 من أبواب الوضوء حديث: 6.

(2) الوسائل باب: 22 من أبواب الوضوء حديث: 5.

(3) الوسائل باب: 22 من أبواب الوضوء حديث: 4.

(4) الوسائل باب: 23 من أبواب الوضوء حديث: 7.

295

و هو ما يقارب ربعه مما يلي الجبهة (1)، (1) حيث ينقسم الرأس بطبعه أربعة أقسام، المقدم و المؤخر و الجانبين، فالمقدم ما يسامت الجبهة إلى قنة الرأس و وسطه، و قد لا تبلغ مساحته ربع الرأس.

و حمله على الناصية لما عن القاموس من جعلها من معانيه لا مجال له لتبادر ما ذكرناه منه، كما يقتضيه مقابلته بالمؤخر عند العرف و في كلمات الفقهاء، و لا ينهض كلام القاموس حجة على خلافه، و لا سيما مع ظهوره‏كصريح لسان العرب‏في كون الناصية من معاني مقدمة الرأس لا مقدمه، و لا سيما مع تفسيره الناصيةكما عن ابن سيدةبقصاص الشعر الذي هو أول الرأس مع القطع بعدم اختصاص المقدم به و عدم إرادته في المقام.

و مثله تنزيله عليها بقرينة صحيح زرارة و خبر الحسين المتقدمين، إما بجعلهما مفسرين له أو مقيدين لإطلاقه.

لضعف دلالتهما على وجوب مسح الناصيةلما تقدم‏و ضعف سند الثاني منهما. بل لو فرض ظهورهما في الوجوب فهو لا يقاوم ظهور صحيح محمد بن مسلم في التحديد، فحملهما لأجله على الاستحباب أقرب من تقييده بهما.

على أن الناصية لا تخلو عن إجمال بعد اختلافهم في معناها فقد فسرت بالمقدم‏كما عن الأزهري و المصباح المنير و تفسير البيضاوي‏أو بشعر المقدم- كما في مجمع البيان‏و بما بين النزعتين‏كما عن التذكرة و غيرهاو بالقصاص- كما في القاموس و مجمع البحرين و عن ابن سيدةو لعل الأول أقرب للمعنى العرفي.

بل لا إشكال في عدم إرادة الثالث في المقام، كما تقدم، و الثاني و إن أمكن إرادته إلا أن صغر مساحته و قربه من الوجه المغسول المستلزم لتعرضه للبلل، يستلزم احتياج مسحه إلى عناية، فلو وجب لظهر و لم يخف على الأصحاب، و هو لا يناسب إهمالهم التنبيه عليه و إطلاقهم المسح على المقدم، لاحتياج مثله إلى التنبيه.

296

و يكفي فيه المسمى طولا و عرضا (1)، و مما تقدم يظهر أنه لا طريق لإثبات استحباب المسح على الناصية، بمعنى ما بين النزعتين، و إن حسن برجاء المطلوبية.

(1) كما صرح به جماعة كثيرة، و نسب إلى المشهور في كلام غير واحد، بل نسبه في التبيان إلى مذهبنا، و في مجمع البيان إلى أصحابنا، في مقابل العامة، و عن أحكام القرآن للراوندي و ظاهر آيات الأحكام للأردبيلي دعوى الإجماع عليه.

و ربما يرجع إليه ما صرح به جماعة من الاجتزاء بالإصبع، بل في الخلاف و الغنية أن عليه الإجماع، و إن كان صريح بعضهم عدم تأدي الواجب إلا به.

و كيف كان، فهو مقتضى إطلاق الآية الكريمة بالتقريب المتقدم. و كذا النصوص المتضمنة للاجتزاء بالبعض، كصحيح زرارة و صحيح زرارة و بكير المتقدمين، و صحيحهما الآخر عن أبي جعفر (عليه السلام): «أنه قال في المسح: تمسح على النعلين، و لا تدخل يدك تحت الشراك، و إذا مسحت بشي‏ء من رأسك أو بشي‏ء من قدميك ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك» (1) و ما تضمن الأمر بالمسح على الرأس أو به، فإنه يصدق مع مسح بعضه، و ليس هو كالتعبير بمسح الرأس في ظهوره في الاستيعاب.

و من الغريب ما يظهر من الحدائق من الميل إلى إجمال هذه الأدلة و عدم ظهورها في الإطلاق بدعوى القطع بعدم إرادة بعض ما من الأبعاض و لا شي‏ء ما من الأشياء، بل بعض معين، فلا بد من تعيينه بأدلة أخرى، كما تعين موضع المسح بنصوص المقدم.

لوضوح اندفاعه بأن ظاهر هذه الأدلة عدم تعين مقدار الممسوح و لا محله،

____________

(1) الوسائل باب: 23 من أبواب الوضوء حديث: 4.

297

و تقييد نصوص المقدّم لها بالإضافة إلى المحل لا يستلزم إجمالها بالإضافة إلى المقدار.

هذا، و في الفقيه و عن مسائل الخلاف للمرتضى و كتاب عمل يوم و ليلة للشيخ وجوب المسح بثلاث أصابع. و كأن الوجه فيه خبر معمر بن عمر عن أبي جعفر (عليه السلام): «قال: يجزي من المسح على الرأس موضع ثلاث أصابع. و كذلك الرجل» (1) و صحيح زرارة: «قال أبو جعفر (عليه السلام): المرأة يجزيها من مسح الرأس أن تمسح مقدمه قدر ثلاث أصابع، و لا تلقي عنها خمارها» (2) بناء على عدم الفصل بين الرجل و المرأة.

لكن لا ظهور للخبرين في أن الثلاث أقل المجزي، غايته إشعارهما بذلك، و هو لا ينهض بتقييد الإطلاق، خصوصا في صحيحي زرارة و بكير اللذين هما كالنص فيه.

مع أن الأول ضعيف السند، و لم يتضح انجباره بالعمل، لأن حكم جماعة باستحباب المسح بثلاث أصابع لعله مبني على قاعدة التسامح، لا لاعتبار الخبر عندهم.

كما أن ذهاب من عرفت للوجوب‏مع قلتهم‏إنما هو بمقتضى ظاهر كلامهم الذي يمكن تنزيله على الاستحباب، لكثرة تسامحهم في التعبير بذلك، و لا سيما مع تصريح بعضهم بالاستحباب في بعض كتبهم، و ظهور ما عرفت من كلماتهم في كون الاجتزاء بالمسمى هو مذهب الإمامية، و لا مجال مع ذلك لإثبات حجية الخبر.

و أما الثاني فهو مشعر بخصوصية المرأة كاشعاره بالمدعى، فلعله وارد لبيان استحباب زيادتها على الرجل في المسح، كما تضمنه خبر الحسين بن زيد المتقدم، فهو لبيان إجزاء عدم وضع الخمار مع زيادة المسح، لدفع توهم‏

____________

(1) الوسائل باب: 24 من أبواب الوضوء حديث: 5.

(2) الوسائل باب: 24 من أبواب الوضوء حديث: 3.

298

خصوصية وضع الخمار في ذلك الذي قد يستفاد من خبر الحسين.

مضافا إلى معارضتهما بخبر الحسين بن عبد اللّه و مرسل حماد المتقدمين، و نحوهما حسن حماد عن الحسين: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل توضأ و هو معتم، فثقل عليه نزع العمامة لمكان البرد. فقال: ليدخل إصبعه» (1).

و لا يخفى أن ثقل نزع العمامة عليه لا يستلزم الحرج، فضلا عن خوف الضرر. على أن عدم نزع العمامة للضرورة لا يستلزم الاقتصار على إصبع واحدة، كي لا يكشف عن إجزائه اختيارا.

و منه يظهر الاشكال فيما في النهاية من عدم جواز الاقتصار على ما دون ثلاث أصابع مع الاختيار، فلو خاف البرد من نزع العمامة أجزأه مقدار إصبع واحدة.

إذ لا وجه له إلا حمل الخبر على الضرورة.

و كذا ما عن ابن الجنيد من أنه يجزي الرجل في المقدم إصبع و المرأة ثلاث أصابع‏لو أراد أنه أقل المجزي.

فإنه لا وجه له إلا جعل صحيح زرارة شاهد جمع بين خبر معمر و نصوص الإصبع. و قد عرفت عدم ظهور الجميع في بيان أقل المجزي.

مضافا إلى أن الفرق المذكور لو كان ثابتا بنحو الوجوب لم يخف مع كثرة الابتلاء بالحكم، فلا يمكن خفاؤه على الأصحاب و إهمالهم التنبيه عليه.

و أما ما ذكره بعض الأصحاب و حكي عن جماعة من وجوب المسح بإصبع واحدة، إما لعدم تأدي المسمى إلا به‏كما عن الدروس‏أو لتقييد إطلاق الأدلة بنصوص الإصبع المتقدمة، بحملها على بيان أقل المجزي‏كما يظهر من الشيخ (قدّس سرّه) في التهذيب.

فلا مجال له، لمنع الأول. و الثاني لا قرينة عليه في النصوص المتقدمة، بل غاية ما تضمنته جواز إدخال الإصبع تحت العمامة في مقابل وجوب نزعها، فإنه‏

____________

(1) الوسائل باب: 24 من أبواب الوضوء حديث: 2.

299

و الأحوط استحبابا أن يكون العرض قدر ثلاث أصابع و الطول قدر إصبع (1).

الذي يسهل إدخاله حين لبسها، و لا إشعار فيها بالتقدير به، بنحو لا يجوز المسح ببعضه، أو مع جفاف الماء عن بعضه.

فيتعين الاكتفاء بالمسمى من دون تحديد، عملا بالإطلاق الذي عرفت قوة ظهور صحيحي زرارة و بكير فيه، حتى كادا يكونان صريحين فيه.

(1) عرفت من بعض الأصحاب وجوب كون الممسوح بقدر ثلاث أصابع، و قد أفتى جماعة منهم باستحباب ذلك. و كأنه للعمل بخبر معمر، و يتجه لو تمت قاعدة التسامح.

هذا و قد أطلق جمع منهم من دون تقييد بالطول و العرض، كما قيده بعضهم بالعرض.

و قد وقع الكلام منهم في تعيين المراد من النصوص و كلمات الأصحاب.

و اختلفوا في ذلك على أقوال.

الأول‏: أن المراد التحديد بذلك في جانب عرض الرأس، مع الإطلاق و الاكتفاء بمسمى المسح في جانب طوله، كما في جامع المقاصد و عن محكي شرح الدروس و اللوامع، بل ظاهر الأول و صريح الأخيرين كون ذلك مراد جميع الأصحاب.

الثاني‏: مرور الماسح على الرأس بهذا المقدار، كما هو صريح المسالك و ظاهر الجواهر. نعم، أطلق في المسالك اتجاه المسح في الطول و العرض، و في طول الممسوح و عرضه. و احتمل في الجواهر كون اتجاه المسح في طول الرأس.

الثالث‏: أن يكون الممسوح من عرض الرأس بقدر طول إصبع، بقدر عرض ثلاث أصابع مضمومة، و هو الذي استظهره في الحدائق من الأخبار، تبعا للاسترابادي.

300

الرابع‏: عكس الوجه المذكور. و لا يبعد إرادة سيدنا المصنف (قدّس سرّه) من المتن، لأنه فهم هذا الوجه من عبارة العروة الوثقى المقاربة لعبارته هنا، و إن لم يرتضه و قرّب الوجه الأول.

الخامس‏: التخيير بين الوجهين المذكورين، و هو الذي صرح به في المستند، و يحتمله ما في العروة الوثقى.

و الذي ينبغي أن يقال: لا بد في تحديد كل شي‏ء من ذكر حدوده المقومة له، فيحدد الخط ببعد واحد، و السطح ببعدين، و الجسم بأبعاد ثلاثة. و حيث لا يصدق المسح بالخط عرفا، بل يتوقف على كون الممسوح سطحا ذا بعدين، تعين الاتكال في الحديثين المتقدمين المتضمنين للتحديد بثلاث أصابع في بيان البعد الثاني على البعد المذكور فيهما، فيكون المراد مسح مساحة من الرأس بقدر ثلاث أصابع مربعة، نظير ما تقدم في تحديد الكر من الاتكال في بيان البعد الثالث على البعدين المذكورين في النصوص لمشابهته لهما.

و بهذا يفترق التحديد في الرأس عن التحديد في الرجلين الذي تضمنه أيضا خبر معمر، لأن وضوح وجوب الاستيعاب فيهما في جانب الطول يوجب انصراف التحديد إلى خصوص العرض، بخلاف الرأس.

و لا مجال للاتكال فيه في بيان أحد البعدين على الإطلاق‏كما هو مبنى الوجه الأول و الثاني‏لأن مبنى التحديد في كلا البعدين على مخالفته و تقييده، فهو مما يغفل عنه في مقام التحديد و لا يلتفت إليه كي يتكل عليه. بل صدق قدر ثلاث أصابع على خصوص قدرها في أحد البعدين و أدنى المسمى في الثاني بعيد عن العرف جدا.

نعم، لو لم يكن تحديد أحد البعدين منافيا للإطلاق، أو أشير في التحديد إلى تحديد أحدهما المعين أو المردد اتجه الرجوع للإطلاق في الثاني.

كما لا مجال للحمل على تحديد البعد الثاني بطول الإصبع، لأن منصرف التحديد بالأصابع الثلاثة إلى قدر عرضها الحاصل من ضم بعضها لبعض، و لذا كان‏

301

هو المفهوم في تحديد ما له بعد واحد بها، و لا ينصرف إلى الطول الحاصل لكل منها و لو مع عدم الانضمام.

و منه يظهر ضعف جميع الوجوه المتقدمة. مضافا إلى الإشكال في الوجه الأول و الثالث و الرابع بأن صرف التحديد بعرض ثلاث أصابع إلى خصوص طول الرأس، أو عرضه، بلا مرجح.

و في الثاني بأن ظاهر الخبرين تحديد مساحة الممسوح لا حركة الماسح.

و من ثمَّ كان الوجه الخامس أقوى تلك الوجوه، و إن كان ما ذكرنا أظهر منه.

و أما الاستدلال على الثالث‏كما عن الأسترابادي‏بصحيح زرارة المتقدم المتضمن مسح الناصية، بدعوى ظهوره في مسح تمامها.

فكأنه مبني على تفسير الناصية بما بين النزعتين، و تخيل كونها حينئذ ذات شكل مربع على الوجه المذكور.

و قد عرفت الإشكال في الأول آنفا، كما يشكل الثاني بأن الناصية بهذا المعنى مثلثة لا مربعة و ضلعها الأعلى أطول من إصبع، و قطر مثلثها دون ثلاث أصابع.

و أشكل من ذلك الاستدلال له بأنه مقتضى الجمع بين نصوص الإصبع و نصوص الثلاث.

لوضوح أن نصوص الإصبع لم تتضمن التقدير به، بل المسح به بإدخاله تحت العمامة، و من الظاهر أن المسح به حينئذ يكون طولا لا عرضا، فيكون عرض الممسوح بقدر إصبع أو دونه، لا بقدر ثلاث أصابع.

هذا، و المذكور في الفقيه و إشارة السبق هو المسح بثلاث أصابع.

و لا شاهد له، لأن الخبرين المتقدمين قد تضمنا تقدير الممسوح بقدر ثلاث أصابع‏و إن لم يسمح بهاو هو المعروف في كلمات الأصحاب، و ربما ينزل ما في الكتابين المذكورين عليه.

بقي في المقام أمور.

302

الأول‏: صرح باستحباب مسح قدر ثلاث أصابع مضمومة في المقنعة و الخلاف و الغنية و الوسيلة و المعتبر و الشرائع و القواعد و المنتهى و غيرها، و هو المحكي عن مصباح السيد و جمله و المبسوط و المهذب و الإصباح و السرائر و غيرها.

و ربما يرجع إليه ما في المراسم من أن أقل المسح مقدار إصبع واحدة و أكثره مقدار ثلاث أصابع. و الوجه فيه خبر معمر المتقدم، لأن العدول في ذكر المجزي عن الإصبع إلى الثلاث ظاهر في الاهتمام بها و رجحانها.

نعم، ضعف الخبر و عدم وضوح انجباره بعملهم به في المستحبات‏كما أشرنا إليه آنفايمنع من الفتوى به إلا بناء على قاعدة التسامح في أدلة السنن.

الثاني‏: أطلق جماعة استحباب مسح مقدار ثلاث أصابع من دون إشارة للفرق بين الرجل و المرأة.

لكن في المقنع و الهداية أنها تلقي عنها قناعها في صلاة الغداة و المغرب، و يجزيها في بقية الصلوات أن تدخل إصبعها تحته من دون أن تلقيه، و نحوه في المقنعة و زاد أنها تمسح بثلاث أصابع بعد إلقاء قناعها في الوقتين المذكورين، و في المعتبر و المنتهى أنه يستحب لها أن تلقي خمارها و يتأكد في الصبح و المغرب.

و قد تقدم عن ابن الجنيد التفريق بينهما بإجزاء الإصبع للرجل و الثلاث للمرأة.

و قد تقدم في رواية الحسين بن زيد أنها تضع الخمار في خصوص الصبح، و في رواية جابر الجعفي عن الباقر (عليه السلام): «و لا تمسح كما يمسح الرجال، بل عليها أن تلقي الخمار من موضع مسح رأسها في صلاة الغداة و المغرب و تمسح عليه، و في سائر الصلوات تدخل إصبعها فتمسح على رأسها من غير أن تلقي عنها خمارها» (1) و يتعين الجمع بينهما بتأكد الفضل في الصبح.

كما تقدم قرب أن يكون إلقاء الخمار كناية عن زيادة المسح بمسح. مقدار

____________

(1) الوسائل كتاب النكاح باب: 123 من أبواب مقدماته و آدابه حديث: 1. كتاب الخصال ص: 553 طبع النجف الأشرف.

303

ثلاث أصابع بقرينة صحيح زرارة المتقدم.

و لا بد من حمل الجميع على الاستحباب، و إن كان ظاهر المقنع و الهداية و المقنعة الوجوب، لبعد خفاء مثل هذا الحكم، أو إهمال الأصحاب له لو كان إلزاميا، لكثرة الابتلاء به. و لا سيما مع ضعف خبري الحسين و جابر سندا، و عدم ظهور صحيح زرارة في بيان أقل المجزي، كما سبق.

و يكون المحصل من جميع ما تقدم: استحباب المسح بثلاث أصابع مطلقا، و يتأكد في المرأة في صلاتي الصبح و المغرب، و هو في صلاة الصبح لها آكد.

هذا مع الغض عن ضعف أخبار معمر و الحسين و جابر، أو بناء على قاعدة التسامح، و إلا فالمتعين البناء على استحباب مسح مقدار الثلاث للمرأة مطلقا، عملا بصحيح زرارة.

الثالث‏: تقدم في أول المسألة عدم مشروعية مسح تمام الرأس، إما لاختصاص التشريع بالبعض، أو لأن مقتضى الاكتفاء بالمسمى عدم مشروعية ما زاد عليه بعد فرض كون المسح تدريجيا.

كما أن مقتضى نصوص المقدم و لا سيما صحيح محمد بن مسلم الأول عدم مشروعية مسح غير المقدم حتى معه. فيكون الإتيان به بقصد مشروعيته بدعة و حراما.

و يبطل الوضوء إن كان التشريع فيه قيدا في امتثال أمر الوضوء، أو راجعا إلى التشريع في نفس أمر الوضوء، بأن يشرّع أمرا وضوئيا آخر مشتملا على الزيادة المذكورة. و إن كان التشريع في نفس الزيادة، بأن يشرّع في كيفية الأمر الوضوئي المشروع المعهود، مع قصد امتثاله على إطلاقه، لم يبطل الوضوء، إلا أن يتحقق مسحه مع المسح الواجب بحركة واحدة دفعية، فإن حرمة الحركة المذكورة و امتناع التقريب بها لاشتمالها على التشريع يبطل المسح بالمقدار الواجب الحاصل بها.

و ربما يأتي في مباحث النية ما له دخل في المقام.

304

و الأحوط وجوبا أن يكون بنداوة الكف اليمنى (1)، و إن لم يكن مسح الزائد بقصد مشروعيته فلا مجال لحرمته، فضلا عن إبطاله.

و في الروضة و عن الدروس و الذكرى و المقاصد العلية كراهة الاستيعاب حينئذ.

و لم يتضح وجهه، و في الجواهر: «و لعله من جهة التشبه بالعامة. و الأمر سهل».

و أما المقدم فقد عرفت إجزاء مسمى المسح منه، و استحباب كونه بقدر ثلاث أصابع‏و لو بناء على قاعدة التسامح‏فان وقع دفعة كان أفضل فردي الواجب، و إن وقع تدريجا تحقق الواجب بالمسمى، و كان الزائد مستحبا محضا، على ما هو مقتضى قاعدة إجزاء المسمى و سقوط الأمر به. و التخيير بين الأقل و الأكثر التدريجين مخالف للإطلاق، كما يذكر في محله.

و أما ما زاد على ذلك من المقدم، فان وقع بعد مسح مقدار الثلاث لكون المسح تدريجيا فلا دليل على مشروعيته، و يلحقه ما تقدم في مسح غير المقدم تدريجا، و إن وقع معها لكون المسح دفعيا تعين وقوع الامتثال به بتمامه حتى لو فرض استيعاب تمام المقدم، لدخوله في إطلاق المسح و عدم منافاته للتبعيض في الرأس.

و لا وجه لما تقدم من المراسم من أن أكثر المسح قدر ثلاث أصابع إن أراد به تحديد المشروع لا المستحب، و كذا ما عن الكركي من عدم مشروعية ما زاد على الثلاث.

فإن دليل الثلاث إنما يقتضي مشروعيتها، بل استحبابها، لا عدم مشروعية ما زاد عليها، ليصلح لتقييد الإطلاق. فلاحظ.

(1) هذا يرجع إلى اعتبار أمور.

305

الأول‏: أن يكون المسح ببقية ماء الغسل الوضوئي، لا بماء آخر بعد إكماله.

و هو المنسوب لأكثر أصحابنا في الخلاف، و إن ادعى عليه إجماع الفرقة بعد ذلك، كما ادعى عليه الإجماع في الانتصار و الغنية و محكي التذكرة و نهاية الإحكام و ظاهر التنقيح، و جعله من متفردات الإمامية، و ظاهر جامع المقاصد و الروض و المدارك و محكي الذكرى أنه مذهب الأصحاب عدا ابن الجنيد، حيث صرح في محكي كلامه بجواز استئناف ماء جديد مع جفاف الأعضاء [1].

و كيف كان، فقد استدل عليه في كلام غير واحد بنصوص الوضوءات البيانية فقد اشتمل جملة منها على التصريح بذلك و بأنه مسح بفضل الندا، و أنه لم يعد يده في الإناء، و نحو ذلك مما يظهر منه تنبه الراوي لذلك.

نعم، في المعتبر: «و ذكر البزنطي في جامعه عن جميل عن زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: حكى لنا وضوء رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) و قال: ثمَّ مسح بما بقي في يده رأسه و رجليه، ثمَّ قال أحمد البزنطي: و حدثني المثنى عن زرارة و أبي حمزة عن أبي جعفر (عليه السلام) مثل حديث جميل في الوضوء، إلا أنه في حديث المثنى: ثمَّ وضع يده في الإناء فمسح رأسه و رجليه» (2). و احتمال تعدد الواقعة مانع من التعارض بين روايتي جميل و المثنى، و حيث كانت رواية المثنى حسنة أو صحيحة كانت دليلا للجواز.

اللهم أن يستشكل فيها بأن إطباق نصوص الوضوءات البيانية على حكاية وضوء النبي (صلى اللَّه عليه و آله)‏الظاهر في إرادة الوضوء الشائع منه‏على خلاف ما تضمنته و التأكيد فيها على عدم أخذ الماء الجديد مانع من الوثوق بها و مقرب لاحتمال الخطأ فيها و مسقط لها عن الحجية، و لا سيما بعد إهمال الأصحاب لها فلم يرووها

____________

[1] قال فيما حكاه عنه في محكي المختلف: «إذا كان بيد المتطهر نداوة يستبقيها من غسل يديه مسح بيمينه رأسه و رجله اليمنى و بنداوة اليسرى رجله اليسرى، و ان لم يستبق ذلك أخذ ماء جديدا لرأسه و رجليه» و منه يظهر أنه لا ينبغي نسبة الخلاف له في أصل الحكم و أنه يرى جواز الاستئناف مطلقا و لو مع عدم جفاف بلة الوضوء، كما يظهر من بعضهم. منه عفى عنه.

____________

(2) تراجع النصوص المذكورة في الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء، و غيرها من الأبواب المتفرقة.

306

في كتبهم المشهورة، و لم يهتموا بمناقشتها، فكأنها عندهم شاذة لا يعول عليها.

فالعمدة: ما تكرر غير مرة من عدم دلالة الوضوءات البيانية على الوجوب، و لا سيما في المقام، حيث كان مذهب جمهور العامة وجوب الاستئناف، و القول بجواز المسح ببلة الوضوء غير شائع بينهم.

و مثله الاستدلال بما في صحيح زرارة بعد حكاية وضوء النبي (صلى اللَّه عليه و آله) من قوله: «قال أبو جعفر (عليه السلام): إن اللّه وتر يحب الوتر، فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات: واحدة للوجه، و اثنتان للذراعين، و تمسح ببلة يمناك ناصيتك، و ما بقي من بلة يمينك ظهر قدمك اليمنى، و تمسح ببلة يسارك ظهر قدمك اليسرى» (1).

لقرب أن يكون قوله: «و تمسح.» جملة خبرية مسوقة مساق الأمر الوارد في مقام دفع توهم الحظر، لبيان إجزاء المسح بالبلة، و عدم وجوب الاستئناف، جريا على ما تضمنه الصدر من إجزاء الغرفات الثلاث، فان احتفاف الأمر بذلك صالح لصرفه عن ظاهره، بلا حاجة إلى دعوى: كونه معطوفا على فاعل: «يجزيك».

ليستشكل فيه بتوقفه على تقديره بالمصدر، أو على إضمار «أن»، و كلاهما خلاف الأصل. بل قد يدعى المنع من الثاني، لتوقفه‏كما عن ابن الأنباري‏على كون المعطوف عليه مصدرا. فتأمل جيدا.

فالأولى الاستدلال على ذلك بطائفتين من النصوص.

الأولى‏: ما تضمن الأمر به ابتداء، مثل ما في صحيح ابن أذينة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث المعراج و وحي اللّه تعالى لنبيه (صلى اللَّه عليه و آله) في الوضوء من قوله:

«ثمَّ أوحى اللّه إليه أن اغسل وجهك فإنك تنظر إلى عظمتي، ثمَّ اغسل ذراعيك اليمنى و اليسرى، فإنك تلقى بيدك كلامي، ثمَّ امسح رأسك بفضل ما بقي في يدك من الماء و رجليك إلى كعبيك فإني أبارك عليك.» (2) المؤيد بما ورد في قصة علي بن يقطين من قوله (عليه السلام): «و امسح بمقدم رأسك و ظاهر قدميك من فضل نداوة

____________

(1) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 2.

(2) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 5.