مصباح المنهاج - كتاب الطهاره - ج2

- السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم المزيد...
664 /
307

وضوئك.» (1).

و أما ما ذكره شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) من إجمال الصحيح، لأنه وارد في بيان قصة خارجية.

فلا مجال له، لظهور الأمر في الوجوب.

و احتمال كون القيد ليس للأمر الوضوئي بعيد عرفا، كاحتمال خصوصيته (صلى اللَّه عليه و آله) في القضية الخاصة أو في مطلق وضوئه. و لا سيما مع اشتماله على بعض الخصوصيات، كتحديد الرجلين بالكعبين الظاهر في شرح الوضوء المشروع.

و حينئذ ينهض هذا الصحيح بشرح صحيح زرارة المتقدم الحاكي لوضوء النبي (صلى اللَّه عليه و آله) و حمل قوله (عليه السلام) فيه: «فقد يجزيك من الوضوء.» على اجزاء الغرفات الثلاث لخصوص الغسل الوضوئي في مقابل إمكان الزيادة عليها له، لا على ما يعم المسح. و لا يكون قوله (عليه السلام): «و تمسح ببلة.» متفرعا على قوله: «فقد يجزيك.» ليمنع من ظهوره في الوجوب كما تقدم احتماله، بل هو جملة مستأنفة، فتحمل على الوجوب كما هو ظاهرها بدوا، و تنفع في إثبات وجوب القيود المذكورة فيها، كما يأتي في بعض الفروع الآتية.

الثانية: ما تضمن وجوب المسح من بلل اللحية أو أشفار العينين، كحسن مالك بن أعين أو صحيحة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: من نسي مسح رأسه ثمَّ ذكر أنه لم يمسح رأسه، فإن كان في لحيته بلل فليأخذ منه و ليمسح رأسه، و إن لم يكن في لحيته بلل فلينصرف و ليعد الوضوء» (2) و نحوه مرسل الفقيه‏ (3).

فإن الأمر بالمسح من بلل اللحية ظاهر في وجوبه و عدم جواز المسح بماء جديد، و لا سيما مع ما في المسح من بلل اللحية من العناية، لقلته. مضافا إلى‏

____________

(1) الوسائل باب: 32 من أبواب الوضوء حديث: 3.

(2) الوسائل باب: 21 من أبواب الوضوء حديث: 72.

(3) الوسائل باب: 21 من أبواب الوضوء حديث: 8.

308

التصريح فيهما باستئناف الوضوء مع جفاف بلل اللحية.

و دعوى: أنه قد يكون ناشئا عن الخلل بالموالاة، لأن المعيار فيها على عدم الجفاف.

مدفوعة: بأن الجفاف المخل بالموالاة هو الجفاف الناشئ عن طول المدة، لا عن مثل التمندل الذي يشمله إطلاق الخبرين. بل عدم البلل في اللحية لا ينافي بقاء رطوبة بقية الأعضاء قليلا بنحو يحفظ الموالاة، و إن لم يمكن نقل البلة منها و المسح بها.

نعم، لا مجال للاستدلال بمرسل خلف بن حماد عنه (عليه السلام): «قلت له: الرجل ينسى مسح رأسه و هو في الصلاة. قال: ان كان في لحيته بلل فليمسح به. قلت: فان لم يكن له لحية؟ قال: يمسح من حاجبيه أو أشفار عينيه» (1). و قريب منه خبرا زرارة و أبي بصير (2).

للإشكال: فيها.

تارة: بظهورها في صحة الدخول في الصلاة مع نقض الوضوء نسيانا، و هو مما يصعب الالتزام به، و لا سيما مع مخالفته لبعض النصوص المعتبرة (3). و ربما يلزم لأجل ذلك حملها على صورة الشك، كما تضمنته بعض النصوص‏ (4)، و منها خبر أبي بصير الآتي.

و اخرى‏: بإمكان أن يكون الأمر بالمسح من ماء الوضوء فيها لغرض الدخول في الصلاة، لأنه الأقرب للمحافظة على هيئتها، و لا سيما مع ما في خبر أبي بصير عنه (عليه السلام): «في رجل نسي أن يمسح على رأسه فذكر و هو في الصلاة. فقال: إن كان استيقن ذلك انصرف فمسح على رأسه و على رجليه و استقبل الصلاة، و إن شك‏

____________

(1) الوسائل باب: 21 من أبواب الوضوء حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 21 من أبواب الوضوء حديث: 3، 9.

(3) راجع الوسائل باب: 3 من أبواب الوضوء.

(4) راجع الوسائل باب: 42 من أبواب الوضوء.

309

فلم يدر مسح أو لم يمسح فليتناول من لحيته إن كانت مبتلة و ليمسح على رأسه، و إن كان أمامه ماء فليتناوله منه فليمسح به على رأسه» (1). فإنه و إن كان خارجا عما نحن فيه، لوروده في الشك الذي هو مورد قاعدة الفراغ، إلا أنه يقوي الاحتمال الذي ذكرنا في النصوص المذكورة.

اللهم إلا أن يجمع بين هذه النصوص و ما تضمن وجوب استئناف الصلاة مع نقص شي‏ء من الوضوء بحملها على وجوب الاستئناف و رفع اليد عما ينسبق منها بدوا من صحة الدخول في الصلاة مع نقص الوضوء نسيانا، فإنه أقرب من حملها على صورة الشك. فيتجه الاستدلال بها. فتأمل.

فالعمدة ما تقدم، لوفائه بالمطلوب، و لا سيما بعد ظهور تسالم الأصحاب على الحكم و ظهوره عندهم حتى عدّ من متفرداتهم.

و خلاف ابن الجنيد لا يرجع إلى إنكاره، بل إلى تقييده بصورة عدم جفاف ما على اليد، و هو ظاهر في مفروغية عن أصل الحكم.

بل ربما حاول بعضهم حمل كلامه على أن المراد بالماء الجديد ماء غير اليد من ماء الوضوء، كبلل اللحية و الأشفار، فيوافق الأصحاب، أو على أن المراد بالجفاف ليس خصوص جفاف ما على اليد، بل جفاف ماء الوضوء بتمامه مع اختصاصه بالجفاف القهري لحرارة الهواء بنحو يتعذر إبقاء البلل، حيث ذهب بعضهم إلى جواز الاستئناف حينئذ، كما يأتي في المسألة السادسة و العشرين. إن شاء اللّه تعالى.

لكن الإنصاف أن الوجهين معا مخالفان لظاهر كلامه المتقدم، و إن كان الثاني منهما هو المناسب لما عن شرح الموجز حيث حكى عن ابن الجنيد أنه صرح في موضع آخر بأنه لو تعذر بقاء البلل للمسح جاز الاستئناف للضرورة و نفي الحرج.

و كيف كان، فليس هو مخالفا للأصحاب في أصل الحكم.

____________

(1) الوسائل باب: 42 من أبواب الوضوء حديث: 8.

310

و مثل هذا التسالم كاشف عن وضوح الحكم عندهم و اطلاعهم على دليل واف به، و لو كان هو احتفاف بعض النصوص البيانية أو غيرها لبيان الوجوب، لا أصل الجواز، فلا ينبغي التوقف في الحكم بعد جميع ما تقدم، و الخروج به عن الإطلاقات.

و منه يظهر حال ما ظاهره وجوب الاستئناف، و هو خبر أبي بصير: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن مسح الرأس، قلت: أمسح بما على يدي من الندا رأسي؟ قال:

لا، بل تضع يدك في الماء ثمَّ تمسح» (1) و في صحيح معمر بن خلاد: «سألت أبا الحسن (عليه السلام): أ يجزي الرجل أن يمسح قدميه بفضل رأسه؟ فقال برأسه: لا. فقلت:

أ بماء جديد؟ فقال برأسه: نعم» (2) و خبر جعفر بن عمارة: «سألت جعفر بن محمد (عليه السلام): أمسح رأسي ببلل يدي؟ قال: خذ لرأسك ماء جديدا» (3).

فإن مخالفتها للإجماع و للنصوص المتقدمة و غيرها من النصوص المستفيضة أو المتواترة الصريحة في جواز المسح ببقية البلل تلزم برفع اليد عنها أو حملها على التقية لموافقتها لمشهور العامة.

هذا، و أما ما عن ابن الجنيد فإن أراد به صورة تعذر إبقاء البلة فالكلام فيه موكول للمسألة السادسة و العشرين.

و إن أراد به مطلق الجفاف و لو اختيارا فهو مخالف لإطلاق خبر مالك بن أعين و مرسل الصدوق و ما ورد في قضية علي بن يقطين. دون صحيح ابن اذنية، لأنه وارد في قضية خاصة لا إطلاق لها.

و أما الاستدلال عليه بما في ذيل خبر أبي بصير المتقدم، بتقريب: أن مورده و إن كان صورة الشك بعد الفراغ التي لا يعتنى فيها بالشك، فالأمر فيها بالمسح لا بد أن يكون للاحتياط غير اللازم، إلا أن الاحتياط لا يتأتى بفعل غير المجزي واقعا، فيكشف جواز المسح بالماء الجديد فيه عن إجزائه واقعا.

ففيه: أن لازم ذلك صحة الدخول في الصلاة مع نقص الوضوء نسيانا، و هو

____________

(1) الوسائل باب: 21 من أبواب الوضوء حديث: 4.

(2) الوسائل باب: 21 من أبواب الوضوء حديث: 5.

(3) الوسائل باب: 21 من أبواب الوضوء حديث: 6.

311

مخالف لصدره و لكثير من النصوص الواردة في الوضوء و غسل الجنابة (1)، فلا بد من حمله و حمل غيره مما ورد في الشك في بعض أجزاء الوضوء أو الغسل حال الصلاة (2) على كونه مستحبا تعبديا حال الشك، و إن لم يحصل به الاحتياط للواقع، فالتسامح فيه بالاجتزاء باستئناف ماء للمسح لا يكشف عن إجزائه واقعا.

اللهم إلا أن يدعى أن الغرض منه الاحتياط لتصحيح الوضوء و الغسل واقعا، لا لتصحيح الصلاة، بل يجتزى بصحتها ظاهرا لقاعدة الفراغ، فيدل على صحة الوضوء مع الاستئناف.

لكنه بعيد، و لا سيما في الوضوء الذي يغلب تكراره مع كل صلاة، فلا يهتم بالاحتياط فيه إلا للاحتياط فيها، إذ لا أقل مع ذلك من إجمال جهة الأمر، بنحو يمنع من استفادة إجزاء المسح بالماء الجديد واقعا في مورد النص و هو الشك، فضلا عن صورة اليقين بنقص الوضوء، و خصوصا ما كان منه قبل الدخول في الصلاة و مع عدم تعذر المسح بالبلة، ليمكن الخروج به عما تقدم. فلاحظ.

الثاني‏: أن يكون ببلة اليد الباقية بعد الغسل، فلا يجوز الأخذ من بلل بقية الأعضاء مع وجود البلة في اليد. و هو المنسوب لظاهر عبارات الأصحاب.

و كأنه لترتيبهم بين الأخذ من اللحية أو الأشفار و جفاف اليد. كما أنه المصرح به في كشف اللثام و الظاهر من الوحيد في حاشية المدارك و محكي شرح المفاتيح.

لكن في المدارك أن التعليق في عبارات الأصحاب مخرج الأغلب، و عن السيد الطباطبائي أنه لبيان شرط وجوب الأخذ، لا جوازه. و لعل الأقرب حمل تعليقهم له على الجفاف على أنه ناشئ من كون الجفاف مورد الحاجة للأخذ، لا لاشتراطه فيه، كما يناسبه اقتصارهم على اشتراط كون المسح ببلة الوضوء و عدم استئناف الماء من دون تقييد ببلة اليد.

____________

(1) راجع الوسائل باب: 3 من أبواب الوضوء.

(2) راجع الوسائل باب: 41 من أبواب الجنابة من أبواب الجنابة حديث: 2.

312

بل هو ظاهر المنتهى، حيث استدل على جواز الأخذ من اللحية و الأشفار لو جف ما على اليد بأنه ماء الوضوء، فأشبه ما لو كان على اليد، إذ الاعتبار بالبقية، لا بمحلها، و هو الذي صرح به في المسالك و الروض و المدارك، و حكي عن المقاصد العلمية و السيد الطباطبائي و كاشف الغطاء و مال إليه في الجواهر.

و مما سبق يظهر أنه لا مجال للاستدلال على التقييد ببلة اليد بنصوص الوضوءات البيانية. كما لا مجال للاستدلال بما تضمن المسح باليد أو بالأصابع أو بالكف، لأنه أعم.

نعم، قد يستدل عليه‏كما يظهر من الوحيدبنصوص الأخذ من اللحية أو الأشفار، لظهور التقييد فيها بالجفاف في عدم مشروعيته بدونه.

لكن أكثر هذه النصوص لم تتضمن التقييد المذكور، كما يظهر بملاحظة ما تقدم منها.

بل لا مجال لدعوى اختصاص موردها به، لأنه و إن كان المنصرف من نسيان المسح هو مرور مدة يغلب فيها الجفاف، إلا أن شموله لما إذا بقي قليل من البلل في بعض المواضع التي لا يتعارف المسح بها من اليدين قريب.

و اقتصار النصوص حينئذ على الأخذ من اللحية و الأشفار لعله لغلبة كثرة الماء فيها بنحو يسهل نقله و لا يحتاج إلى عناية، بخلاف بقية المواضع، لا لفرض الجفاف فيها.

نعم، لو أريد جفاف خصوص باطن الكفين فاختصاص النصوص به قريب، لعدم الحاجة إلى الأخذ بدونه.

و أما مرسل الصدوق: «قال الصادق (عليه السلام): إن نسيت مسح رأسك فامسح عليه و على رجليك من بلة وضوئك، فان لم يكن بقي في يدك من نداوة وضوئك شي‏ء فخذ ما بقي منه في لحيتك. و إن لم يكن لك لحية فخذ من حاجبيك و أشفار عينيك.» (1).

____________

(1) الوسائل باب: 21 من أبواب الوضوء حديث: 8.

313

فهو و إن اشتمل على الترتيب بين جفاف اليد و الأخذ من اللحية و الأشفار، إلا أنه‏مع ضعفه‏ظاهر في سوق ذلك للتنبيه على مجال بلل الوضوء الذي أوجب المسح به أولا، لبيان عمومه لمثل بلل اللحية، لا للترتيب بينهما شرعا تقييدا لإطلاق المسح بالبلل، فالترتيب بينهما خارجي عرفي بلحاظ عدم الحاجة للأخذ مع عدم الجفاف، كالترتيب بين اللحية و الأشفار بلحاظ كثرة بلل اللحية الموجب للتوجه إليه أولا، و إن لم يكن بينهما ترتيب شرعي، و لذا لم يعثركما في الجواهرعلى من أفتى به، و لا على من أفتى باشتراط الأخذ من الأشفار بعدم اللحية، كما تضمنه هذا المرسل و غيره.

فالأولى الاستدلال على التقييد ببلة اليد بصحيح ابن أذينة المتقدم المتضمن الأمر بالمسح بفضل ما بقي في اليد، المؤيد بصحيح زرارة المتقدم أيضا المتضمن المسح ببلة اليد اليمنى و اليسرى، فإنه و إن كان ظاهرا بقرينة صدره في الاجزاء لا الوجوب، إلا أن القرينة المذكورة إنما تقتضي ذلك بالإضافة إلى أصل البلة في مقابل الاستئناف لا إلى خصوصية اليدين، كما تقدم نظيره في وجوب مسح المقدم، فهو إن لم يكن ظاهرا في وجوب الخصوصية المذكورة فلا أقل من كونه مشعرا به، و يكون مؤيدا لصحيح ابن أذينة.

بل سبق عند الكلام في وجوب المسح ببلة الوضوء حمل صحيح زرارة على وجوب المسح بالبلة، فيكون عاضدا لصحيح ابن أذينة في المقام، لقوة ظهورهما في خصوصية الماء الباقي في اليد. و حملهما. على الماء الموجود عليها و لو بسبب أخذه من غيرها لبيان وجوب كون المسح باليد. مخالف لظاهرهما، جدا.

و به ترفع اليد عن إطلاقات المسح، و إطلاق ما ورد في قصة علي بن يقطين من الأمر بالمسح بنداوة الوضوء، فتنزل على مقتضى الغالب المطابق له.

نعم، قد يشكل ذلك بلحاظ السيرة على عدم التحرز من استمرار الغسل زائدا على المقدار الواجب‏كما أشار إليه السيد الطباطبائي في محكي كلامه‏بناء

314

على لزوم التقيد باليمين و اليسار، بل و عدم تحرزهم عن مطلق اختلاط ماء اليد بغيره بعد إكمال الغسل‏كما في الجواهرفلا يلتفت إلى اجتناب مثل حكّ ما يحتاج إلى الحك من الوجه و غيره.

اللهم إلا أن يقتصر على المتقين من السيرة و هو ما لا يصدق عليه عرفا المسح ببلل غير اليد، لعدم تميزه و الاعتداد به، بل يغفل عنه، دون غيره مما يصدق معه الأخذ من غير اليد و المسح بغير مائها، و إن كان الأمر لا يخلو عن إشكال. و اللّه سبحانه و تعالى العالم بحقائق الأحكام.

الثالث‏: أن يكون المسح باليد، ففي الحدائق: «قد ذكر جملة من أصحابنا أنه لا يجوز المسح بغير اليد اتفاقا»، و نفي شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) فيه الخلاف نصا و فتوى.

و من الظاهر تعذر مسح الرأس بغير اليد من أعضاء الوضوء، و هو الوجه، و إنما يمكن ذلك في مسح الرجلين.

و حينئذ إن أريد مسحهما ببلة الوجه، كان مدفوعا بصحيح ابن أذينة المتقدم، و إن أريد مسحهما ببلة اليد بعد نقلها للوجه فهو خلاف المنصرف من الصحيح المذكور، و المنصرف منه المسح بالبلة الباقية في اليد حال بقائها فيها، كما قد يشير إليه ما تضمنته بعض نصوص الوضوءات البيانية من مسحه (عليه السلام) ببلة اليد من دون أن يدخلها في الإناء. و إلا جاز المسح بغير أعضاء الوضوء من خشبة أو نحوها بعد انتقال بلة اليد إليها و لو بالتقاطر عليها، و لا يظن من أحد الالتزام بجوازه.

هذا، و لو لم يبلغ الانصراف المذكور مرتبة الظهور كان مقتضى الإطلاق الجواز.

و أما ما تضمّن المسح باليد أو بالأصابع مما تقدم بعضه، فهو ظاهر في الاجزاء لا الوجوب.

نعم، في صحيح البزنطي عن الرضا (عليه السلام): «سألته عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفه على الأصابع فمسحها إلى الكعبين إلى ظاهر القدم. فقلت:

315

جعلت فداك لو أن رجلا قال بإصبعين من أصابعه هكذا؟ فقال: لا إلا بكفه [بكفيه.

خ ل‏] كلها» (1).

لكن لزوم حمله على استحباب المسح بتمام الكف‏كما يأتي إن شاء اللّه تعالى‏مانع من الاستدلال به على وجوب كونه بالكف أو باليد، لأن استفادة المسح باليد منه بتبع دلالته على استيعاب الكف، لا في قباله، ليمكن التفكيك بينهما في الوجوب و الاستحباب.

الرابع‏: أن يكون بالكف، كما في الجواهر و منظومة السيد الطباطبائي (قدّس سرّه) و ظاهر محكي الذكرى، بل ذكر سيدنا المصنف (قدّس سرّه) أنه المحكي عن جماعة.

و في الجواهر أن المتبادر من إطلاق النص و الفتوى المسح باليد، و هو المتعارف في المسح، و الذي يرشد إليه ما تضمن من نصوص الوضوءات البيانية المسح بالكف.

لكن التبادر ناشئ من التعارف الذي تكرر عدم نهوضه بتقييد الإطلاق.

و لا سيما مع كون استفادة وجوب المسح باليد تبعا لدلالة الصحيح على وجوب المسح ببلتها، لا للأمر به بنفسه.

كما تقدم غير مرة عدم نهوض الوضوءات البيانية لإفادة الوجوب، فلا مخرج عن الإطلاق.

اللهم إلا أن يقال: المسح من سنخ الأعمال فالمنصرف من إطلاقه إرادة الإتيان به بالكف، خصوصا بناء على وجوب الإتيان به باليد، لأن الكف هي آلة العمل في اليد.

نعم، لا مجال لتخصيصه بالأصابع‏و إن نسبه في الحدائق إلى جملة من الأصحاب‏لعدم الدليل على ذلك عدا ما تضمنته النصوص المتقدمة في المسح تحت العمامة، مما لا ظهور له إلا في الإجزاء، كما تقدم. بل في الجواهر: «لم أقف‏

____________

(1) الوسائل باب: 24 من أبواب الوضوء حديث: 4.

316

على مصرح به، و لا دليل يقتضيه».

هذا، و لو تعذر المسح بالكف أو بالأصابع على القول بوجوبه، لم يبعد وجوب المسح بغيرها، لأن سقوط الوضوء مما يكاد يقطع بعدمه، إذا المستفاد مما تقدم في الأقطع و ما ورد في الجبائر و غيرها ابتناء الوضوء على الميسورو إن لم تثبت قاعدة الميسور كلية، كما تقدم غير مرةفيجب المسح بالميسور لقاعدة الاشتغال، التي تقدم غير مرة أنها المرجع في المقام.

و أما إطلاق الأمر بالمسح فلا مجال للاستدلال به بعد فرض تقييده و ظهوره في الارتباطية.

كما أنه لو جف ما على الكف أو الأصابع مع بقاء بلة الذراع فمقتضى الاحتياط الجمع بين المسح ببلة الذراع و المسح بالكف أو الأصابع بعد نقل البلة إليه، إما بأخذ البلة من ذراع اليد الأخرى‏بناء على عدم التقييد باليمين و اليسار، أو لجفاف بلة تلك اليد أيضاو إما بتكرار المسح مرة بالذراع و مرة بالكف أو الأصابع بعد نقل البلة إليها من بقية الأعضاء.

الخامس‏: أن يكون باليد اليمنى، كما عن ظاهر المفيد و محكي المهذب، و هو ظاهر عبارة ابن الجنيد المتقدمة في وجوب المسح ببلل الوضوء.

و قد يستدل عليه بما في صحيح زرارة في حكاية وضوء النبي (صلى اللَّه عليه و آله):

«و مسح مقدم رأسه و ظهر قدميه ببلة يساره و بقية بلة يمناه. قال: و قال أبو جعفر (عليه السلام): إن اللّه وتر يحب الوتر، فقد يجزيك من الوضوء ثلاث غرفات: واحدة للوجه، و اثنتان للذراعين و تمسح ببلة يمناك ناصيتك، و ما بقي من بلة يمينك ظهر قدمك اليمنى، و تمسح ببلة يسارك ظهر قدمك اليسرى» (1).

لظهور التعبير في حكاية الوضوء ببلة اليسرى و بقية بلة اليمنى في إرادة مسح الرجلين مع المفروغية عن مسح الرأس باليمنى، و ظهور قول أبي‏

____________

(1) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 2.

317

بل الأحوط وجوبا باطنها (1).

جعفر (عليه السلام) في الوجوب، و لو بضميمة صحيح ابن أذينة، على ما تقدم عند الكلام في وجوب المسح ببلة الوضوء. و لعل عدم تنبيه جماعة من الأصحاب له للمفروغية عنه و اتكالا على التعارف.

لكن استظهر شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) أن المشهور الاستحباب، بل في الحدائق ان ظاهرهم الاتفاق عليه، و هو المصرح به في محكي النفلية و شرحها للشهيدين و عن البيان و الفوائد الملية التصريح باستحباب مسح اليمنى باليمنى و اليسرى باليسرى مع أن ظاهر الصحيح وجوبه. و في مفتاح الكرامة أن المفهوم من نهاية الاحكام و التذكرة عدم وجوب مسح الرأس و اليمنى باليمنى و عن مجمع البرهان أنه لعله لم يقل أحد بوجوب ذلك.

لكنه في غاية الإشكال بعد ما تقدم. بل لو غض النظر عما تقدم في صحيح زرارة أشكل استفادة الاستحباب منه أيضا، و إن كان هو ظاهر المدارك.

نعم، قد يستدل له بما في صحيح ابن أذينة: «فتلقى رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) الماء بيده اليمنى، فمن أجل ذلك صار الوضوء باليمين» (1) و ما في بعض روايات العامة المتقدمة في الاستنجاء عن النبي (صلى اللَّه عليه و آله) من أن يده اليمنى كانت لطعامه و طهوره.

اللهم إلا أن يقال: ظاهر الصحيح استحباب تناول ماء الوضوء باليمين، لا استحباب كل عمل فيه بها. و لعله محمل رواية العامة. مع أن الاستدلال بها إنما يتم بضميمة قاعدة التسامح.

(1) كما ذكره في جامع المقاصد و المدارك و الجواهر. للتأسي، و لأنه المتبادر من المسح بالكف. لكن التأسي لا ينهض بتقييد الإطلاق، و مثل هذا التبادر الناشئ من التعارف لا ينهض بالخروج عنه الا أن يبتني على ما أشرنا إليه عند الكلام في وجوب المسح بالكف من أن المسح من سنخ الأعمال، فإن ذلك كما

____________

(1) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 5.

318

و يجزي فيه أن يكون منكوسا من الأسفل إلى الأعلى (1)، يقتضي تعين الكف يقتضي تعين باطنها، و لذا جروا على ذلك في التيمم، بل قد يظهر المفروغية عنه من صحيح الحلبي المتقدم عند الكلام في وجوب المسح باليد. و لعله لذا أهمل أكثر الأصحاب التعرض له، لا لخلافهم فيه، و إن كان ظاهر محكي الذكرى الاستحباب، لأنه جعله الأولى.

هذا، و في كيفية الاحتياط لو جف ما في الباطن ما تقدم في جفاف ما على الكف‏عند الكلام في وجوب المسح بها.

(1) كما هو مقتضى إطلاق جماعة و صريح آخرين، كالشيخ و ابن إدريس في محكي المبسوط و السرائر، و المحققين و العلامة في جملة من كتبهم، و الشهيدين في الروضة و الروض و ظاهر اللمعة و محكي الألفية و البيان، و عن جماعة غيرهم، بل في الحدائق: أنه المشهور، و عن شرح المفاتيح أنه المشهور بين المتأخرين. لإطلاق أدلة المسح، و لا سيما بملاحظة ما تضمن المسح بإدخال الإصبع تحت العمامة، فإنه و إن كان واردا لبيان إجزاء المسح مع عدم وضعها، و لا إطلاق له في بيان كيفية المسح، إلا أن حمله على خصوص المسح بإخراج الإصبع و سلّه مع التقيد بعدم المسح بإدخاله بعيد جدا.

مضافا إلى صحيح حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: لا بأس بمسح الوضوء مقبلا و مدبرا» (1).

و أما الاستدلال بما تضمن جواز النكس في الرجلين بضميمة عدم الفصل بينهما و بين الرأس.

فلا مجال له بعد ثبوت الفصل بينهما من جماعة من الأعيان، حيث منع من النكس في الرأس و أجازه فيهما الشيخ في النهاية و التهذيب و الاستبصار و ابن حمزة في ظاهر الوسيلة و الشهيد في محكي الدروس، و عكس الشهيد في محكي‏

____________

(1) الوسائل باب: 20 من أبواب الوضوء حديث: 1.

319

الألفية و البيان.

هذا، و ذهب الصدوق في الفقيه و المرتضى في ظاهر الانتصار و محكي الإصباح و الشيخ في النهاية و التهذيبين و الخلاف و ابن حمزة في الوسيلة و المفيد و الشهيد في محكي المقنعة و الدروس إلى عدم جواز النكس، و نسبه في الانتصار و محكي الذكرى و المقاصد العلية إلى الأكثر، و في محكي الدروس أنه المشهور، و ادعى في الخلاف الإجماع عليه.

و استدل لهم‏مضافا إلى دعوى الإجماع المؤيدة بدعوى الشهرة ممن عرفت‏بطريقة الاحتياط بدعوى: قصور إطلاق المسح، لانصرافه إلى المتعارف.

و يؤيد بما في صحيح يونس عمن أخبره عن أبي الحسن (عليه السلام): «الأمر في مسح الرجلين موسع، من شاء مسح مقبلا و من شاء مسح مدبرا» (1) فان التقييد بالرجلين مشعر باختصاص التوسعة، و إلا كان تركه أفيد.

مضافا إلى الوضوءات البيانية التي يتعين حملها على عدم النكس، و إن لم يصرح به فيها، للإجماع على الاجزاء معه، و لو كان وضوؤه (صلى اللَّه عليه و آله) بالنكس فلا إجزاء بدونه، لما ورد عنه من قوله (صلى اللَّه عليه و آله) بعد تعليم الوضوء: «هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلا به».

و أما صحيح حماد فقد رواه في موضع آخر من التهذيب بسند يشترك مع السند الأول في أكثر رجاله هكذا: «لا بأس بمسح القدمين مقبلا و مدبرا» (2).

و احتمال تعدد الرواية بعيد، فيكون مشتبه المتن، و يسقط عن الحجية. بل ذكر شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) أن التعبير بالإقبال و الادبار يرجع المتن الثاني، لأن الإقبال هو تحريك الماسح بيده مقبلا إلى نفسه و بدنه، و الادبار هو تحريكها مدبرة عنه إلى الخارج، و هما مختصان بالقدمين، و لا يناسبان الرأس، بل المناسب له الصعود و الهبوط.

____________

(1) الوسائل باب: 20 من أبواب الوضوء حديث: 3.

(2) الوسائل باب: 20 من أبواب الوضوء حديث: 2.

320

و بهذا يمكن تقييد المتن الأول‏لو تمَّ في نفسه‏بالرجلين.

لكن لا مجال للتعويل على دعوى الإجماع، و لا سيما بعد مخالفة حاكية له في مبسوطه و ظهور الخلاف ممن تقدم كما تكرر عدم صلوح التعارف لرفع اليد عن الإطلاق.

على أنه لم يتضح اختصاص التعارف بالمسح من الأعلى، و لا سيما في مثل المسح بإدخال الإصبع تحت العمامة الذي دلت عليه النصوص، بل لعل الغالب فيه خلاف ذلك، كما تقدم.

و أما التقييد في صحيح يونس فلعل النكتة فيه التنبيه على عدم سوق «إلى» في الآية الشريفة للغاية، بل لتحديد الممسوح، أو كون مورده مسح الرجلين.

و أما الوضوءات البيانية فقد تقدم في غسل الوجه عدم نهوضها بإثبات الوجوب حتى بضميمة النبوي المذكور. فراجع.

و أما صحيح حماد فالبناء على اشتباه متنه مخالف لأصالة عدم الخطأ، و الالتزام بتعدد الرواية هو الأنسب بها. و لا سيما مع إمكان كون المتن الثاني مبنيا على النقل بالمعنى. فتأمل. بل احتمال الخطأ في المتن الثاني هو الأقرب بعد اقتصاره في الاستبصار على المتن الأول، بنحو يظهر منه الالتفات إلى عمومه لغير الرجلين، لأنه استدل على تخصيصه بهما بحديث يونس المشار إليه، و لو كان مرويا بالمتنين لكان الأنسب منه التنبيه على ذلك.

و مع هذا لا مجال للتعويل على ما ذكره شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) لترجيح المتن الثاني، فإنه أشبه بالاجتهاد في مقابل النص.

و أما جعله قرينة على تقييد المتن الأول، فهو لا يناسب إضافة المسح للوضوء جدا، بل يتعين بلحاظه جعل الإقبال و الادبار كناية عن التوسع في المسح مطلقا، تغليبا لحال الرجلين.

هذا، و المصرح به في الشرائع و القواعد و محكي المبسوط و السرائر و غيرها كراهة النكس، و الظاهر انحصار الدليل عليه بالخروج عن شبهة الخلاف المتقدم،

321

كما يجوز فيه أن يكون منحرفا و عرضا (1).

(مسألة 20): يكفي المسح على الشعر المختص بالمقدم (2)، كما هو المصرح به في كلام غير واحد. و الأمر سهل.

(1) كما هو مقتضى إطلاق جماعة. بل لا يبعد كونه مراد من اقتصر على جواز النكس، بأن يكون المراد عدم تقييد المسح بنحو خاص، و أنه باق على الإطلاق.

و منه يظهر قرب استفادته من صحيح حماد. و لا أقل من كونه مقتضى الإطلاق، الذي يخرج به عن مقتضى الأصل.

(2) فيخير بينه و بين المسح على البشرة، بلا خلاف أجده بين الإمامية، بل في ظاهر المعتبر و صريح المدارك و الحدائق و غيرهماكما عن ظاهر التذكرة- دعوى الإجماع عليه. كذا في الجواهر.

و يظهر من المنتهى المفروغية عن جواز مسح الشعر، و أن الخلاف مع بعض العامة في وجوبه، و لذا قال في الجواهر بعد أن أطال في وجه ذلك: «الاجتزاء بالمسح على الشعر مجمع عليه بين العامة و الخاصة، بل يقرب إلى حد الضرورة من الدين».

و هو كذلك بعد النظر في السيرة القطعية، لغلبة الابتلاء به.

بل الغلبة المذكورة قرينة قطعية على كون المراد من إطلاق مسح الرأس و المقدم ما يعمه، بلحاظ صعوبة مس البشرة المقوم لصدق المسح عليها، بخلاف الغسل الذي يراد به مجرد استيلاء الماء على البشرة و لو بنفوذه في الشعر.

و منه يظهر جوازه اختيارا لا من جهة تعسر إزالته، ليكون بدلا اضطراريا، كالجبيرة.

هذا، و أما مرفوع محمد بن يحيى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في الذي يخضب رأسه بالحناء، ثمَّ يبدو له في الوضوء. قال: لا يجوز حتى يصيب بشرة رأسه‏

322

بالماء» (1).

فلا بد من حمل البشرة فيه على ما يعم الشعر، في مقابل المسح على الحناء، لما تقدم.

و منه يتضح أن الأمر أظهر من أن يستدل عليه بما تضمن المسح على الناصية كصحيح زرارة و خبر الحسين بن زيد المتقدمين في وجوب مسح المقدم، لأن الناصية هي شعر المقدم، كما في مجمع البيان.

على أن تفسير الناصية بذلك غير ثابت، فقد تقدم عند الكلام في وجوب مسح المقدم تفسيرها بالمقدم من غير واحد من اللغويين، بل عن الأزهري:

«الناصية، عند العرب منبت الشعر في مقدم الرأس، لا الشعر الذي تسميه العامة الناصية، و سمي الشعر ناصية، لنباته في ذلك الموضع». فتأمل.

كما ظهر أيضا أنه لا مجال لتوهم عدم إجزاء المسح على البشرة و انتقال الفرض إلى الشعر. لمنافاته للإطلاق المشار إليه.

كما لا مجال للاستدلال عليه بما في صحيح زرارة من قوله (عليه السلام): «كل ما أحاط به الشعر فليس للعباد أن يطلبوه و لا يبحثوا عنه، و لكن يجزي عليه الماء» (2).

لظهور ذيله في الغسل، لأنه الذي يشتمل على إجراء الماء.

و حمله على الاستخدام بإرجاع الضمير إلى بعض العام مخالف للظاهر. بل تقدم في المسألة التاسعة الإشكال في شموله لليدين.

على أن مسح البشرة مستلزم لمسح الشعر النابت فيها، فلا أثر للكلام في الاجتزاء بها عنه.

هذا، و قد يستشكل في اجزاء المسح على الشعر.

تارة: فيما لو مدّ على بشرة محلوقة، كما في الجواهر.

و اخرى‏: فيما لو كان بينه و بين ما تحته من الشعر أو البشرة حاجب أجنبي،

____________

(1) الوسائل باب: 37 من أبواب الوضوء حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 46 من أبواب الوضوء حديث: 3.

323

بشرط أن لا يخرج بمده عن حده (1)، كما ذكره شيخنا الأعظم (قدّس سرّه).

و ثالثة: فيما لو رفع عن المقدم بعقص أو باليد و نحوها، كما أشار إليه غير واحد، بل صرح في المعتبر و المنتهى و محكي الذكرى بعدم جواز المسح على الجمة، و ظاهر الأخير أن المراد بها ما لا يخرج بمده عن حده.

و كأن الوجه في الجميع خروجه عن المتيقن من السيرة و الإطلاق المشار إليهما، لعدم وضوح إلحاقه بالرأس و تبعيته له عرفا بنحو يفهم من الإطلاق المشار إليه. بل لا ينبغي الإشكال في عدم الاجزاء لو رفع باليد، لعدم صدق المسح على الرأس و المقدم حينئذ. نعم، قد يضعف الإشكال في المعقوص، لأن قلة امتداده، و تماسكه مع شعر الرأس موجب لإلحاقه به عرفا. فتأمل.

(1) أما ما خرج عن الحد فعلا باسترساله فلا ينبغي الإشكال في عدم جواز المسح على الموضع الخارج منه‏كما صرح به جماعة، و يظهر من غير واحد المفروغية عنه، و في الجواهر عدم وجدان الخلاف فيه‏لعدم صدق المسح على المقدم بمسحه.

و دعوى: أن جواز المسح عليه مقتضى إطلاق ما تضمن المسح على الناصية، بناء على تفسيرها بالشعر النابت في المقدم.

مدفوعة:- مضافا إلى ما تقدم من الإشكال في تفسيرها بذلك‏بعدم وضوح الإطلاق المذكور، لورود صحيح زرارة لبيان الاجتزاء ببلة الوضوء، و ورود خبر الحسين بن زيد لبيان عدم وجوب وضع الخمار، و ليسا في مقام البيان من تمام الجهات، ليكون لهما إطلاق بالإضافة إلى المحل الممسوح.

على أنه لو فرض تمامية الإطلاق وجب رفع اليد عنه بدليل مسح المقدم، لأنه أخص.

نعم، يجوز المسح على أصوله، لصدق المسح على المقدم معه، و دخوله‏

324

فلو كان كذلك فجمع و جعل على الناصية لم يجز المسح عليه (1).

في السيرة. و لعله مفروغ عنه بينهم، كما قد يظهر من بعضهم، و إن أوهمت بعض عباراتهم خلافه.

و أما ما لم يخرج عن المقدم فعلا، لجمعه عليه و إن كان يخرج عنه لو مدّ فقد يدعى قصور استثنائهم عنه و اختصاصه بالأول، لأن الظاهر من الخروج عن الحد هو الخروج الفعلي لا التقديري.

لكن صريح القواعد و ظاهر محكي الذكرى عدم جواز المسح عليه، و يقتضيه ما تقدم من المعتبر و المنتهى من عدم جواز المسح على الجمة، بل عن شرح الدروس: «إن المشهور بين القوم بحيث لم نعرف فيه خلافا عدم جواز المسح إلّا على أصول ذلك المجتمع. و إن في إثباته بالدليل اشكالا».

و العمدة في وجه المنع خروجه عن المتيقن من السيرة و الإطلاق المشار إليهما، فإن المتيقن ما يلحق بالمقدم عرفا و يكون من توابعه لقلة امتداده، دون ما طال، و إن جمع عليه، بل هو من سنخ الحائل عرفا، إذ لا أقل مع ذلك من الاجمال الملزم بالاحتياط.

نعم، يصعب الالتزام بذلك فيما لو لم يخرج الشعر عن المقدم بامتداده الطبيعي، و إنما يخرج بمده على خلاف طبعه كالنابت في أعلى المقدم المسترسل عليه من دون أن يخرج عنه، و إن خرج عنه لو ارجع إلى الخلف أو إلى أحد الجانبين.

فيقرب جواز المسح عليه، لتعارفه، فيدخل في الإطلاق و السيرة المتقدمين. و لعله خارج عن المستثنى في كلامهم، لاختصاص كلامهم بالمجموع على المقدم، غير الصادق عليه.

(1) و أولى بالمنع ما لو جمع الشعر النابت في غير المقدم على المقدم، فإنه من سنخ الحائل، كما صرح به جماعة، بنحو يظهر من غير واحد المفروغية

325

(مسألة 21): لا تضر كثرة بلل الماسح و إن حصل معه الغسل (1).

عنه، و في الجواهر نفي الخلاف فيه، و في كشف اللثام دعوى الاتفاق عليه.

لكن قال شيخنا الأعظم (قدّس سرّه): «و يشكل بالنابت فوق المقدم المتدلي عليه، بحيث يتعذر تخليله و مسح ما تحته من البشرة أو الشعر النابت عليها، فان ما ذكر من ظهور الإطلاق في الأعم جار هنا».

و هو كما ترى! فان المقدم ينتهي بأعلى الرأس، و الشعر النابت خلفه متجه إلى الخلف، و لو فرض اتجاهه إلى المقدم فندرته مانعة من استفادته من الإطلاق تبعا، و من دعوى السيرة على المسح عليه.

(1) بناء على ما اشتهر بين الأصحاب من تقوم الغسل بجريان الماء و لو بإمرار اليد، حيث يجتمع الغسل و المسح حينئذ بحركة واحدة، و يكون الغسل مسببا توليديا للمسح مع كونهما متباينين في أنفسهما لتقوم الغسل بالجريان و المسح بإمرار اليد، و هما متباينان.

و حينئذ فمقتضى إطلاق ما دل على وجوب المسح الاجتزاء بالمسح المذكور، و إن حصل معه الغسل.

و هو المصرح به من غير واحد، ففي محكي الذكرى: «لو مسح بماء جار على العضو و إن أفرط في الجريان لا يقدح، لصدق الامتثال، و لأن الغسل غير مقصود». و قريب منه في المدارك و محكي حاشية الشرائع للكركي و مجمع البرهان، و غيرها.

مضافا إلى أنه لو اعتبر عدم الجريان لاحتاج إلى التنبيه و البيان للغفلة عنه مع غلبة كثرة البلة، و لم يرد ما يتضمّن ذلك من قول أو عمل، بل النظر في نصوص الوضوءات البيانية يوجب القطع بعدم اعتباره، لظهورها في قلة إمرار اليد حين الغسل المستلزم لكثرة البلل الباقي للمسح.

326

كما أن سيرة المتشرعة على عدم التقيد بذلك، بل الغالب منهم المسح مع كثرة الماء.

بل يلزم من ذلك العسر و الحرج، حيث قد يتعذر تحصيل القطع ببقاء البلل بالنحو الصالح للمسح دون أن يتحقق الاجراء و لو بأدنى مراتبه. كما ذكر بعض ذلك في الجواهر.

لكن في كشف اللثام بعد أن تعرض لذلك قال: «و هو متجه لو لا ظهور اتفاق الأصحاب و أكثر من عداهم على تباين حقيقتي الغسل و المسح» و عن الشهيد الثاني في المقاصد العلية أنه بعد أن تعرض لاحتمال العموم من وجه بين الغسل و المسح قال: «و الحق اشتراط عدم الجريان في المسح مطلقا، و أن بين المفهومين تباينا كليا، لدلالة الآية و الأخبار و الإجماع على اختصاص أعضاء الغسل به، و أعضاء المسح به، و التفصيل قاطع للشركة، و لو أمكن اجتماعهما في مادة أمكن غسل الممسوح، فيتحقق الاشتراك.

و الاحتجاج على الاجزاء بتحقق الامتثال بذلك و كون الغسل غير مقصود مع وجوده. ضعيف، لأن الامتثال يتحقق بالمسح، لا بالغسل، كيف و هو أول المسألة. و عدم كون الغسل مقصودا مع وجوده لا يخرجه عن كونه غسلا، لأن الاسم تابع للحقيقة لا للنية».

و يندفع: بأن التباين بين الغسل و المسح لتباين منشإ انتزاعهما لا ينافي اجتماعهما موردا. و الأدلة المتقدمة إنما تقتضي عدم إجزاء الغسل عن المسح، لا عدم إجزاء المسح الحاصل به الغسل، فلا مانع من إجزائه لو قصد الامتثال به، لا بالغسل الحاصل به، كما يجزي الغسل المصاحب للمسح في الأعضاء التي يجب غسلها لو قصد الامتثال به.

و كأنه هو الوجه في جعل المدار على النيةكما تقدم عن الذكرى‏لا عدم تحقق الغسل مع نية المسح.

و أما ما يظهر منه من أخذ عدم إجراء الماء في المسح. فإن أراد به أخذه في‏

327

(مسألة 22): لو تعذر المسح بباطن الكف مسح بغيره (1).

مفهوم المسح لغة أو عرفاكما هو ظاهر السيد في الانتصارفهو غريب، كيف و قد اشتملت النصوص على إطلاق المسح عند بيان غسل الوضوء! و إن أراد به أخذه في المسح الواجب في المقام، لأجل الأدلة التي ساقها المانعة من الشركة بينه و بين الغسل، فقد عرفت عدم نهوض الأدلة المذكورة بذلك، كما لا تنهض بتقييد الغسل بما لا يكون بالمسح.

و بالجملة: لا ينبغي التأمل في إجزاء مطلق المسح و ان استلزام إجراء الماء بمعنى نقله في أجزاء العضو بإمرار اليد.

نعم، تقدم في أوائل هذا الفصل عدم صدق الغسل بمجرد إجراء الماء بالنحو المذكور، و أن الاجتزاء به في الوجه و اليدين للدليل الخاص الكاشف عن أن الغرض من الغسل إيصال الماء للبشرة، كما ذكرنا الفرق بينه و بين المسح الواجب في المقام بما يجري فيه ما ذكرناه هنا من الاجزاء. فراجع.

(1) كما قطع به في المدارك و مال إليه في الجواهر، مع ذهابهما إلى تعين الباطن اختيارا، للقطع بعدم سقوط الوضوء، إذ المستفاد مما تقدم في الأقطع و ما ورد في الجبائر و غيرها ابتناء الوضوء على الميسورو إن لم تثبت قاعدة الميسور كلية، كما تقدم غير مرةفيجب المسح بالميسور لقاعدة الاشتغال، التي تقدم أنها المرجع في المقام.

و لا مجال لما في الجواهر من الاستدلال بإطلاق الأمر بالمسح حينئذ.

لفرض اختصاصه بباطن الكف مع ظهوره في الارتباطية. نعم، لو كان التخصيص بظاهر الكف لدليل خارج أمكن دعوى اختصاصه بصورة الاختيار.

اللهم إلا أن يقال: لا منشأ لاختصاص الإطلاق بباطن الكف إلا التعارف، و هو إنما يقتضي الاقتصار عليه مع إمكانه، لا مطلقا ليقتضي سقوطه بتعذره. و منه يظهر أنه يكفي الإطلاق في إثبات وجوب الوضوء في المقام، و لا

328

و الأحوط وجوبا المسح بظاهر الكف (1)، فان تعذر فالأحوط وجوبا أن يكون بباطن الذراع (2).

(مسألة 23): يعتبر أن لا يكون على الممسوح بلل ظاهر (3)، حاجة لما تقدم من القطع بابتناء الوضوء على الميسور.

هذا، و أما بناء على عدم تعين الباطن حتى عند الاختيار فالأمر أظهر.

(1) لأنه الأقرب عرفا، فيجب بمقتضى الإطلاق أو قاعدة الاشتغال. و لا يحتمل تقدم باطن الذراع عليه، إذ لا منشأ للتقييد إلا الغلبة و التعارف، و ظاهر الكف أقرب إليهما.

(2) فعن الذكرى: «و لو تعذر المسح بالكف فالأقوى جوازه بالذراع».

و الوجه فيه ما تقدم في ظاهر الكف، و هو الوجه في تعين باطنه، و إن كان احتماله ضعيفا، بل لا مجال لدعوى استفادته من الإطلاق، لعدم وضوح تعارف تعيينه عند تعذر المسح بالكف. فلاحظ.

و مما تقدم يظهر لزوم الانتقال لظاهر الذراع عند تعذر باطنه.

(3) كما اختاره الوحيد في حاشية المدارك، و حكي عن المقداد و العلامة في النهاية و المختلف، و حكاه في المنتهى عن والده. خلافا للمحققين في المعتبر و جامع المقاصد و السيد في المدارك، فأجازوا ذلك، و اختاره العلامة في المنتهى أيضا، و إن تنظر في دليله أخيرا، و هو المحكي عن السرائر و هداية السيد الطباطبائي.

قال في المعتبر: «لو كان في ماء و غسل وجهه و يديه و مسح برأسه و برجله جاز، لأن يديه لا ينفك من ماء الوضوء، و لم يضره ما كان على القدمين من ماء»، و قريب منه ما عن السرائر. و استشكل في محكي الذكرى في الاجزاء بدون التنشيف. و عن الذكرى و الدروس الاجزاء مع غلبة ماء الوضوء.

و عمدة الدليل على الأول: أن مسح العضو الذي عليه البلل موجب‏

329

لاختلاط بلله ببلة الوضوء، و ظاهر الأمر بالمسح ببلة الوضوء لزوم خلوصها و عدم امتزاجها بغيرها، و إلا جاز استئناف ماء للمسح، كما هو دأب العامة، إذ لا يراد به أخذه بعد تنشيف اليدين من ماء الوضوء، ليكون المسح بالماء الأجنبي خالصا، بل أخذه و لو بنحو يمتزج بماء الوضوء، مع أنه لا يحصل به الامتثال بلا تأمل، كما ذكره الوحيد في حاشية المدارك.

نعم، في المعتبر: «هل تبطل الطهارة لو غسل يديه ثلاثا؟ قيل: نعم، لأنه مسح لا بماء الوضوء. و الوجه الجواز، لأنه لا ينفك عن ماء الوضوء الأصلي».

و مقتضاه جواز المزج حتى بماء مستأنف غير بلل الممسوح. و هو غريب، و لا سيما في فرض كلامه، حيث يكون ماء الوضوء زائلا عرفا بالغسل الثالث.

و كيف كان، فلا ريب في ظهور دليل المسح ببلة الوضوء في لزوم خلوصها.

و أما ما في جامع المقاصد من أن المرجع في معنى الاستئناف إلى العرف، و هو غير صادق على هذا الفرد.

ففيه: أن النصوص لم تتضمن النهي عن الاستئناف، لينفع عدم صدقه، بل المسح ببلة الوضوء الظاهر في لزوم خلوصها، كما تقدم نظيره في الوضوء بالارتماس.

و مثله ما أشار إليه من أن ذلك لو كان مانعا لمنع بلل الأعضاء المغسولة قبل الوضوء، للقطع ببقاء شي‏ء منه بعد الغسل المستلزم للمسح به مع ماء الوضوء.

لاندفاعه: بأن الماء يكون بالغسل من ماء الوضوء، لما تقدم في الوضوء بالارتماس من أن المراد بالغسل الواجب هو إيصال أجزاء الماء لأجزاء البشرة تدريجا، و هو حاصل في الماء المذكور بسبب إمرار اليد على الأعضاء المغسولة.

على أن ثبوت عدم قادحية ذلك بالسيرة أو غيرها لا يقتضي التعدي لغيره من أنحاء المزج.

و أشكل من ذلك ما عن السيد الطباطبائي في هدايته من أن البلل الحاصل على الرأس إذا مسح عليه صار ماء وضوء، فيجوز المسح به على الرجل، كالماء

330

الكائن على الوجه قبل غسله.

لوضوح اندفاعه: بأن المراد بماء الوضوء هو ماء غسله لا ماء مسحه، و بهذا يفترق محل الكلام عن الماء الكائن على الوجه قبل غسله.

مع أن الاشكال لا يختص بما بعد العضو الذي عليه الماء، بل يجري في مسح نفس العضو المذكور، و من الظاهر أن اختلاط مائه بماء الوضوء قبل مسحه به، فلا يكون مسحه بماء الوضوء خالصا.

و كذا حال ما في جامع المقاصد من أن ذلك لو كان مانعا لامتنع الوضوء في المحل الذي لا ينفك عن العرق، كالحمام.

لاندفاعه: بأن العرق لو كان معتدا به يخرج الماء عن الإطلاق بالاختلاط به، و لذا منع منه السيد الطباطبائي (قدّس سرّه) في محكي هدايته إذا كان غالبا، مع ما تقدم منه من تجويزه في غيره، فلا بد من تقييده بما لا يوجب ذلك، و كما يمكن تقييده بغيره يمكن تقييده بما إذا كان مستهلكا في ماء الوضوء لقلته، لئلا يلزم امتزاج بلة الوضوء.

و بالجملة: لا ينبغي التأمل في ظهور دليل المسح ببلة الوضوء في لزوم خلوصها، و هو يقتضي اعتبار جفاف العضو الممسوح، و به يخرج عن إطلاق دليل المسح، الذي استدل به للاجزاء.

اللهم إلا أن يقال: لعل المراد بالمسح ببلة الوضوء نقل البلة بالمسح من اليد إلى العضو، و من الظاهر أن ذلك لا يتحقق بالإضافة إلى البلة الموجودة على العضو حين المسح عليه و إن امتزجت ببلة الوضوء، بل ليس المنتقل مع ذلك إلا بلة الوضوء، و هذا بخلاف امتزاج بلة الوضوء قبل المسح بها ببلة خارجية، حيث لا تنتقل معه بلة الوضوء خالصة، بل ممتزجة.

نعم، لو كان المراد بالمسح بالبلة مجرد وجودها حين مرور الماسح كان امتزاج بلة الوضوء ببلة العضو الممسوح مانعا من صدق المسح ببلة الوضوء وحدها.

331

بحيث يختلط ببلل الماسح بمجرد المماسة (1).

لكن لا طريق لإثبات إرادة ذلك من دليل المسح بالبلة، بل الظاهر الأول. و لا أقل من الشك الموجب لإجمال الدليل المذكور، و الرجوع لإطلاق دليل المسح المقتضي لعدم مانعية بلل الممسوح.

و ربما يؤيد ذلك بما ورد في الوضوء بالمطر (1). فتأمل. و بما في صحيح زرارة: «قال: ابدأ بالمسح على الرجلين، فان بدا لك غسل فغسلته فامسح بعده ليكون آخر ذلك المفروض» (2) لبعد أن يكون المراد المسح بعد التنشيف من الغسل.

نعم، لا بد من عدم كون بلل الممسوح غالبا على بلة الوضوء، بحيث لا يتعدى شي‏ء منها له عرفا.

أما على القول الأول فلا بد من خلوص بلة الوضوء عرفا و لو لاستهلاك بلل الممسوح. بل ربما منع من تحقق الاستهلاك مع اتحاد الجنس.

لكن تقدم في الماء المستعمل تقريب تحققه. و هو المناسب للسيرة في المقام، لما هو المعلوم من كثرة الابتلاء بنضح الماء على الرجلين عند الغسل، مع عموم الغفلة عنه و عدم التحرز منه.

و لعل هذا هو المراد مما تقدم عن الذكرى و الدروس من الاجزاء مع غلبة ماء الوضوء، و إلا فلو أريد به مجرد كونه أكثر لم يكن له وجه، إذ لو كان الخلوص معتبر لم ينفع فيه ذلك‏كما أشار إليه في جامع المقاصدو إلا لم يحتج له، كما هو ظاهر.

(1) فرض وجود البلل ملازم لذلك، إلا أن يراد به ما يقابل الرطوبة غير المسرية التي لا يصدق معها البلل، أو ما يقابل صورة الاستهلاك.

____________

(1) الوسائل باب: 36 من أبواب الوضوء حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 25 من أبواب الوضوء حديث: 12.

332

(مسألة 24): لو اختلط بلل اليد ببلل أعضاء الوضوء لم يجز المسح به على الأحوط وجوبا (1).

نعم، لا بأس باختلاط بلل اليد اليمنى ببلل اليد اليسرى الناشئ من الاستمرار في غسل اليسرى بعد الانتهاء من غسلها، إما احتياطا أو للعادة الجارية (2).

(1) بل الأظهر، بناء على ما تقدم من وجوب المسح ببلة اليد، و ما تقدم في المسألة السابقة من ظهور دليله في لزوم خلوص البلة و عدم امتزاجها بغيرها، إلا مع استهلاك غيرها فيها.

(2) لما سبق في وجوب المسح ببلة اليد من السيرة على عدم التقيد بذلك، بل في فرض كون التكرار للاحتياط يلزم الحرج الشديد الذي يقطع معه بعدم التقييد بالوجه المذكور، بل يستلزم سدّ باب الاحتياط، للدوران فيه بين المحذورين من نقص الغسل عن الواجب و امتزاج البلة، إذ من المعلوم تعسر العلم بحصول الغسل الواجب من دون زيادة تعسرا ملحقا بالتعذر، و لا سيما مع غلبة بلل الكفين قبل غسل اليدين.

و أما استصحاب عدم غسلها مع الشك فهو و إن كان ملزما بغسلها، إلا أنه لا يحرز عدم امتزاج البلة، إلا بناء على الأصل المثبت.

نعم، يمكن الفرار عن الحرج المذكور بعدم نية غسل جزء صغير من اليسرى إلا بعد الاحتياط في غسل ما عداه، حيث يسهل غسله بعد ذلك من دون زيادة عن المقدار الواجب، لكن من المقطوع به عدم لزوم التقييد بذلك، لعدم التنبيه عليه مع الغفلة عنه.

هذا، و الاحتياج إلى استثناء ما ذكره (قدّس سرّه) مبني على لزوم مسح الرأس و الرجل اليمنى ببلة اليد اليمنى و مسح الرجل اليسرى ببلة اليسرى و عدم الاجتزاء بمطلق بلة اليد، كما أشرنا إليه هناك.

333

(مسألة 25): لو جف ما على اليد من البلل لعذر أخذ من بلل حاجبيه و أشفار عينيه و من شعر لحيته (1) كما أنه تقدم أيضا أن مقتضى السيرة الارتكازية عدم التقيد و الامتناع عن وضع اليد قبل المسح على بعض الأعضاء لحك و نحوه. فراجع.

(1) كما صرح به غير واحد، و يظهر من بعضهم المفروغية عنه، و نسبه في جامع المقاصد إلى إطباق الأصحاب، و في كشف اللثام إلى قطعهم، و في مفتاح الكرامة أنه لا كلام فيه، و ادعى في المعتبر اتفاقهم عليه في ناسي المسح.

و به يخرج عن إطلاق بعضهم وجوب المسح ببلة اليد، فيحمل على إرادة عدم الاستئناف الذي تقدم جوازه عن ابن الجنيد.

لكن في الحدائق: «و المشهور أنه مع جفاف اليد يأخذ من شعر لحيته أو حاجبيه، و مع جفاف الجميع، فان كان لضرورة إفراط الحر أو قلة الماء جاز الاستئناف، و إلا أعاد الوضوء».

إلا أن من القريب كون الشهرة بلحاظ مجموع ما تضمنه كلامه، لا لوجود المخالف في الأخذ من شعر اللحية و الحاجبين مع الجفاف، و إلا فلم يعرف مخالف في ذلك. قال في الجواهر: «لم أجد أحدا من المتأخرين نقل خلافا فيه ممن عادته التعرض لمثله».

و يقتضيه صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: إذا ذكرت و أنت في صلاتك أنك قد تركت شيئا من وضوئك المفروض عليك فانصرف فأتم الذي نسيته من وضوئك و أعد صلاتك. و يكفيك من مسح رأسك أن تأخذ من لحيتك بللها إذا نسيت أن تمسح رأسك، فتمسح به مقدم رأسك» (1)، و كذا صحيح مالك‏

____________

(1) راجع صدر الحديث في الوسائل باب: 3 من أبواب الوضوء حديث: 6 و ذيله في باب: 21 منها حديث: 2.

334

ابن أعين‏ (1) المتقدم في عدم جواز استئناف ماء للمسح، و مرسل الصدوق‏ (2) المتقدم إليه الإشارة في وجوب المسح ببلة خصوص اليد. بل و كذا مرسل خلف ابن جماد المتقدم في عدم جواز الاستئناف و خبرا زرارة و أبي بصير (3)، الواردة فيمن ذكر أنه لم يمسح رأسه و هو في الصلاة، بناء على ما تقدم هناك من لزوم حملها على استئناف الصلاة، جمعا من النصوص الأخرى الملزمة بذلك، و أنه أقرب من الجمع بحملها على صورة الشك مع جواز الاستمرار في الصلاة، ليكون مستحبا تعبديا خارجا عما نحن فيه. فراجع.

و بذلك كله يلزم الخروج عن إطلاق صحيح ابن أذينة المتقدم المتضمن الأمر بالمسح ببقية بلة اليد، و حمله على صورة عدم الجفاف، لأن صورة الجفاف هي الفرد المتعارف في مورد هذه النصوص، و هو النسيان بل هي مورد مرسل الصدوق.

نعم، لا يبعد البناء على الاكتفاء بجفاف الكف الذي يتعارف المسح به لأنه هو الغالب في مورد هذه النصوص، دون جفاف الذراع، خصوصا مع قلة البلة فيه، حيث يشمل إطلاقها عدم الجفاف فيه، و إن كان مرسل الصدوق ظاهرا في جفاف تمام ما على اليد. فتأمل.

بقي في المقام أمور.

الأول‏: أن نصوص المقام مختصة بنسيان المسح، و هو معقد إجماع المعتبر المتقدم، بل في الجواهر أن بعضهم احتمل الاختصاص به، إلا أن ظاهر كلماتهم المفروغية عن عدم الاختصاص حتى أنه في المعتبر استدل بالإجماع الذي ادعاه على كفاية بقاء شي‏ء من البلل في الموالاة، بل في الحدائق أنه لا قائل بالفرق بين النسيان و غيره.

نعم، استشكل سيد المدارك في الاستدلال المتقدم من المعتبر باحتمال اختصاص ذلك بالناسي.

____________

(1) الوسائل باب: 21 من أبواب الوضوء حديث: 7.

(2) الوسائل باب: 21 من أبواب الوضوء حديث: 8.

(3) الوسائل باب: 21 من أبواب الوضوء حديث: 1، 3، 9.

335

لكن ذلك لا يناسب إطلاقه جواز أخذ البلل من دون تقييد بالنسيان مع اختصاص النصوص المذكورة به، فلو لا المفروغية عن العموم لم يكن وجه للإطلاق المذكور. إلا أن يكون وجهه عنده و عند غيره ممن صرح بجواز الأخذ و لو مع عدم الجفاف إطلاق أدلة المسح، لا عموم الإجماع لغير حال النسيان. فبعد البناء على تقييد الإطلاق المذكوربدليل المسح ببلة اليدكما تقدم منا تبعا لبعضهم‏يحتاج التعميم إلى دليل، و هو مفقود بعد اختصاص النصوص و المتيقن من الإجماع‏لو تمَ‏بالنسيان.

اللهم إلا أن يقال: لا إطلاق لدليل المسح ببلة اليد يشمل حال جفافها، لاختصاصه بصحيح ابن أذينة الوارد في قضية خارجية لا إطلاق لها.

بل مقتضى إطلاق الأمر بالمسح و ما ورد في قصة علي بن يقطين‏ (1) جواز المسح بالبلة المأخوذة من المواضع المذكورة.

مضافا إلى أنه يبعد الجمود على مورد النصوص جدا، لقرب فهم عدم الخصوصية له عرفا، و لا سيما بعد ما تقدم من ظهور تسالم الأصحاب على العموم مع ظهور حالهم في كون الدليل هو النصوص المذكورة.

نعم، المتيقن من ذلك صورة العذر العرفي، كقلة الماء أو حرارة الهواء، دون صورة تعمد التجفيف أو التسامح في تأخير المسح، كما ذكر في المتن و قواه في الجواهر.

و إن كان مقتضى ما أشرنا إليه من إطلاق الأمر بالمسح المؤيد بإطلاق ما ورد في قصة علي بن يقطين جواز الأخذ مع الجفاف مطلقا و لو بدون عذر، كما هو ظاهر جامع المقاصد، حيث ذكر أنه لو مسح بماء مستأنف، ثمَّ جفف ما على محل الاستئناف و أخذ من ماء الوضوء و مسح به صح وضوؤه.

____________

(1) الوسائل باب: 32 من أبواب الوضوء حديث: 3.

336

الداخل في حد الوجه (1) و مسح به.

الثاني‏: النصوص و إن اختصت بنسيان مسح الرأس، إلا أن الظاهر التعدي لمسح الرجلين. بل حيث كان اللازم تدارك الترتيب‏كما تظافرت به النصوص- كان لازم مفاد هذه النصوص مسح الرجلين بعد مسح الرأس، فيتعين التعدي لصورة مسح الرأس بماء اليد دون الرجلين. يفهم عدم الخصوصية.

على أنه مقتضى إطلاق الأمر بالمسح بعد قصور صحيح ابن أذينة عن صورة الجفاف، كما سبق. و الظاهر تسالم الأصحاب على ذلك.

الثالث‏: النصوص المتقدمة مختصة ببلل اللحية و الحاجبين الأشفار، بل المعتبر سندا منهاو هو صحيحا الحلبي و مالك‏مختص بالأول، إلا أن الخصوصية المذكورة بالأول ملغية عرفا، و المنساق منها التنبيه على محال البلل في ظرف النسيان من دون خصوصية لموضع دون آخر، كما يشير إليه ذيل مرسل الصدوق لقوله: «فان لم يبق من بلة وضوئك شي‏ء أعدت الوضوء».

و لذا لم يرتب الأصحاب بين بلل اللحية و غيره، كما لم يعتبروا في الأخذ من غير اللحية عدم اللحية، و إن تضمنه مرسل الصدوق و حماد، كما تقدم التنبيه على ذلك عند الكلام في وجوب المسح ببلة اليد. و لا أقل من كونه مقتضى إطلاق الأمر بالمسح بعد قصور صحيح ابن أذينة عن صورة الجفاف، كما تقدم.

(1) دون المسترسل طولا و عرضا، فعن نهاية الإحكام المنع من الأخذ منه، و مال إليه في الجواهر.

بدعوى: أن الظاهر من الأخبار إرادة نداوة الوضوء، و هو لا يدخل تحتها بناء على عدم استحباب غسله، لأنه و إن كان ماء غسل الوجه، إلا أن المراد من ماء الوضوء الباقي في محاله، لا مطلق مائه و إن انفصل عنها و اجتمع في إناء أو نحوه.

نعم، لو قيل باستحباب غسله اتجه جواز الأخذ منه، لأن المراد بماء الوضوء ما

337

يعم الغسل المستحب، كالغسلة الثانية. لكن تقدم الإشكال في استحباب غسله [1].

و يشكل بأنه مخالف لإطلاق النصوص المتقدمة، بل يصعب حمل إطلاقها على خصوص ما دخل في حدّ الوجه، و لا سيما مع غلبة وجود الماء في المسترسل الخارج، للغفلة عن التقييد المذكور جدا.

و منه يظهر أنه لا مجال لتقييد الإطلاق المذكور بما دل على عدم جواز استئناف الماء للمسح، فان حمل ذلك على صورة عدم الجفاف أو غير ما يكون في المسترسل أقرب عرفا من تقييد هذا الإطلاق و حمله على خصوص ما دخل في الحد.

على أنه تقدم أن عمدة الدليل على عدم جواز الاستئناف هو هذه النصوص، و صحيح ابن أذينة و ما ورد في قصة علي بن يقطين من الأمر بالمسح بنداوة الوضوء. و قد عرفت أن هذه النصوص لا تمنع من الأخذ من المسترسل، كما أن الصحيح لا إطلاق له يشمل صورة جفاف بلة الوضوء، لأنه وارد في قضية خاصة.

و أما ما ورد في قضية علي بن يقطين فهومع ضعف سنده‏يشكل ظهوره في المنع من الأخذ من المسترسل، لاحتمال صدق نداوة الوضوء عليه، لإلحاقه بأعضاء الوضوء عرفا.

مع أنه لو فرض تمامية الإطلاق لذلك فبينه و بين إطلاق هذه النصوص عموم من وجه، و المتجه بعد تساقطهما الرجوع لإطلاقات الأمر بالمسح الشامل للمسح ببلة المسترسل. فالبناء على إطلاق جواز الأخذ من اللحية هو الأقوى، كما هو مقتضى إطلاق أكثر الأصحاب، و صريح محكي شرح المفاتيح و الهداية للسيد الطباطبائي (قدّس سرّه).

نعم، لا بد من الاقتصار على البلل الحاصل من الغسل الوضوئي، دون ما

____________

[1] هذا ما ذكره في هذه المسألة لكن ذكر في مبحث الموالاة انه يكتفى ببقاء البلل المستحب، كالذي يكون على مسترسل اللحية.

338

(مسألة 26): لو لم يمكن حفظ الرطوبة في الماسح لحر أو غيره فالأحوط وجوبا الجمع بين المسح (1) بالماء الجديد و التيمم.

يكون مسببا عن غسله برجاء المطلوبية بعد إكمال غسل الوجه، لانصراف النصوص عنه بعد عدم ثبوت مشروعيته.

(1) الاجتزاء بالمسح بالماء الجديد هو المصرح به في المعتبر و جامع المقاصد، و المنتهى في إحدى نسختيه، و في المدارك بعد أن حكم بجواز استئناف ماء للمسح قال: «و يحتمل الانتقال للتيمم لتعذر الوضوء» و حكي جواز الاستئناف أيضا عن الذكرى و البيان و المقاصد العلية، كما تقدمت حكايته عن ابن الجنيد، بل تقدم من الحدائق نسبته للمشهور.

و في محكي التحرير المسح مع الجفاف من دون استئناف، و هو ظاهر نسخة المنتهى الأخرى [1].

و أما التيمم فقد ذكر في الجواهر أنه لم يعثر على مفت به، و إنما تقدم من المدارك احتماله، و استحسن في جامع المقاصد الاحتياط بضمه للوضوء. نعم، قرّب بعض مشايخنا الاجتزاء به، و نقل شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) عن بعض حواشي التحرير نسبته للعلامة.

و الذي ينبغي أن يقال: لما كان دليل عدم الاستئناف منحصرا بالإجماع، و صحيح ابن أذينة، و نصوص الأخذ من اللحية و نحوها عند الجفاف، و ما ورد في قصة علي بن يقطين.

____________

[1] ربما يحمل مراد العلامة (قدّس سرّه) في هذه من الكتابين على ان مثل هذا الجفاف لا يخل بالموالاة، و انما لا يسوغ استئناف الماء للمسح، لمفروغيته عن إمكان تحصيل المسح ببلة الوضوء بإكثار الماء أو الإسراع أو نحوهما نظير ما في محكي التذكرة حيث قال: «لو جف ماء الوضوء للحر أو الهواء المفرطين استأنف الوضوء و لو تعذر أبقى جزءا من يده اليسرى ثمَّ أخذ كفا غسله به و عجل المسح على الرأس و الرجلين» (منه عفى عنه).

339

فمن الظاهر عدم شمول الإجماع للمقام بعد ذهاب من عرفت لوجوب الاستئناف، كما تقدم عدم الإطلاق في صحيح ابن أذينة، و نصوص الأخذ من اللحية و نحوها تقصر عن المقام، لاختصاصها بصورة إمكان المسح ببلل الوضوء لعدم جفافه أو لإمكان استئنافه بالوجه المذكور.

فلم يبق إلا ما ورد في قصة علي بن يقطين، و إطلاقه و إن كان يقتضي عدم مشروعية الوضوء مع الاستئناف حتى في محل الكلام، لظهوره في الإرشاد إلى كيفية الوضوء، مع ظهوره في الارتباطية. إلا أن ضعف سنده مانع من الاعتماد عليه في الخروج عن إطلاق الأمر بالمسح، المقتضى لجواز الاستئناف.

و يؤيد ذلك ابتناء الوضوء في الجملة على الميسور، و هو في المقام أقرب عرفا منه في الجبائرو إن لم تثبت قاعدة الميسور كلية.

و منه يظهر أنه لا مجال للاكتفاء بالوضوء من دون مسح‏كما قد يظهر احتماله من بعض في المقام‏أو بالمسح من دون استئناف‏كما قواه في الجواهر- فضلا عن وجوبه‏كما لعله ظاهر ما تقدم من التحرير-، لأن دليل مشروعية الوضوء في المقام إن كان هو الإطلاق فالظاهر منه وجوب المسح بالماء.

و إن كان هو ابتناء الوضوء على الميسور فالمسح بالماء هو الأقرب للميسور عرفا، و لا أقل من كونه حينئذ مقتضى قاعدة الاشتغال، لاحتمال توقف الطهارة المفروض وجوبها عليه، و لا يحتمل مانعيته منها. فلاحظ.

هذا، و لو غض النظر عما تقدم و فرض إطلاق المنع عن الاستئناف بنحو يشمل المقام تعين الانتقال للتيمم لإطلاق دليل مشروعيته بتعذر الوضوء.

و مجرد عدم تعرض الأصحاب لذلك في مسوغات التيمم لا يكشف عن إجماعهم على عدم مشروعيته و مشروعية الوضوء الناقص، مع ما هو المعلوم منهم من مشروعية التيمم بمجرد تعذر الوضوء، فإذا كان مقتضى الارتباطية تعذره في المقام لزم مشروعية التيمم بلا حاجة إلى التنصيص عليه منهم بالخصوص.

و منه يظهر حال دعوى: أن احتمال الاكتفاء بالميسور ملزم بالاحتياط

340

بالجمع بينه و بين التيمم، للعلم الإجمالي بوجوب أحدهما.

لاندفاعها: بأن إطلاق مشروعية التيمم بتعذر الوضوء بضميمة ظهور دليل الوضوء في خصوص التام كاشف عن الاكتفاء بالتيمم و رافع للإجمال تعبدا.

كما ظهر مما تقدم أن الأقوى الاكتفاء بالوضوء مع الاستئناف، و الأحوط استحبابا ضم التيمم إليه، و لا حاجة للاحتياط بالوضوء بالمسح من دون استئناف.

فرع‏:

المحكي عن نهاية الإحكام وجوب تأثر الممسوح بالماسح مع الإمكان، و هو الذي استظهره في المستند، و به صرح في العروة الوثقى، و وافقه سيدنا المصنف (قدّس سرّه) ناسبا التصريح به لجماعة كثيرة، قال: «لأن المسح بالبلل كالمسح بالدهن ظاهر في ذلك، لا مجرد المسح بالعضو متلبسا بالبلل».

أقول: إن كان المراد بالتأثير مجرد انتقال البلة من الماسح للممسوح، فهو ملازم لفرض وجود البلة في الماسح حين المسح.

و إن كان المراد به حمل الممسوح لرطوبة يصدق عليها الماء و البلل فدعوى ظهور إطلاق المسح فيه ممنوعة.

و المسح بالدهن إنما يفهم منه ذلك إذا كان كناية عن تدهين الممسوح، و إلا فمسح الدهن بالمنديل لا يفهم منه ذلك. بل قد ينافي ذلك مقابلة المسح بالغسل الذي تقدم أنه يجزي فيه مثل الدهن.

و كذا رواية الأخذ من الأشفار و الحاجبين، لقلة الماء فيها بنحو يندر حمل الرأس و الرجلين للبلل بمسحها به. فتأمل.

و كذا الحال لو أريد بالتأثر حمل الممسوح لمسمى الرطوبة و لو لم تكن مسرية. فإنه مخالف للإطلاق أيضا، و انصرافه منه ممنوع، و إن كان ما سبقه أشد منعا.

341

(مسألة 27): لا يجوز المسح على العمامة و القناع أو غيرهما من الحائل (1)، هذا، و لو فرض وجوب تأثر الممسوح و تعذرت المحافظة على البلة بالمقدار المستلزم له، ففي وجوب المسح بالبلة من دون تأثيركما عن نهاية الإحكام‏أو وجوب الاستئناف وجهان.

مقتضى إطلاق الأمر بالمسح الثاني بعد فرض انصرافه لصورة التأثير و فرض قصور دليل المنع عن الاستئناف عن المقام، كما تقدم نظيره.

و إن فرض إطلاق دليل المنع عن الاستئناف و شموله للمقام و أن الدليل على مشروعية الوضوء فيه قاعدة الميسور كان مقتضى قاعدة الاشتغال الجمع بالمسح أولا ببلة الوضوء ثمَّ المسح بالماء الجديد.

و إن فرض المنع من جريان قاعدة الميسور كان اللازم التيمم، كما يظهر بملاحظة ما تقدم.

(1) إجماعا محصلا و منقولا على لسان جملة من الأساطين. كذا في الجواهر. و قال سيدنا المصنف (قدّس سرّه): «ينبغي عده من ضروريات المذهب». و قد تكرر في كلماتهم دعوى الإجماع على عدم المسح على العمامة و الشعر الخارج عن الحد و غيرهما.

و يقتضيه‏مضافا إلى ظاهر الإطلاقات المستفيضة بالمسح على الرأس و القدم‏صريح ما تضمن إدخال الإصبع تحت العمامة و الخمار (1)، و قد تقدم كثير منه عند الكلام في إجزاء مسمى المسح، و مرفوع محمد بن يحيى عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في الذي يخضب رأسه بالحناء ثمَّ يبدو له في الوضوء. قال: لا يجوز

____________

(1) الوسائل باب: 23 من أبواب الوضوء حديث: 5، و باب: 37 من أبواب الوضوء حديث: 5، و باب:

123 من أبواب مقدمات النكاح و آدابه حديث: 1. و راجع باب: 24 من أبواب الوضوء.

342

حتى يصيب بشرة رأسه بالماء» (1). و ما قد يستفاد من بعض نصوص المسح على الخف من عدم الخصوصية له.

لكن في صحيح عمر بن يزيد: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل يخضب رأسه بالحناء ثمَّ يبدو له في الوضوء. قال: يمسح فوق الحناء» (2) و في صحيح محمد بن مسلم عنه (عليه السلام): «في الرجل يحلق رأسه ثمَّ يطليه بالحناء ثمَّ يتوضأ للصلاة. فقال: لا بأس بأن يمسح رأسه و الحناء عليه» (3).

إلا أن ظاهر الأصحاب الإعراض عنهما، لعدم تنبيههم على استثناء الحناء، مع أنها أولى بالتنبيه من شعر المقدم. بل عن غير واحد التنبيه على المنع فيها، و ذلك مانع من الاعتماد عليهما في موردهما، فضلا عن التعدي لغيره من افراد الحائل مع ما عرفت من الإجماع و النص. فليحملا على بعض المحامل من تقية أو ضرر أو حرج أو نحوهما.

نعم، مقتضى ما عن الذكرى من نقل الإجماع على عدم إجزاء المسح على العمامة و الشهرة في الحناء وجود القول به. و لعله لما في الاستبصار حيث عقد للمسح على الحناء بابا ثمَّ ذكر الصحيحين.

لكنه بعد أن عارضهما بمرفوع محمد بن يحيى المتقدم، و رجحهما عليه بانقطاع سنده، قال: «و لو سلم لأمكن حمله على أنه إذا أمكن إيصال الماء إلى البشرة فلا بد من إيصاله، و إذا لم يمكن ذلك أو لحقه مشقة في إيصاله لم يجب عليه. و يؤكد ذلك ما رواه. الوشاء قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الدواء إذا كان على يدي الرجل، أ يجزيه أن يمسح على طلاء الدواء؟ فقال: نعم يجزيه أن يمسح عليه». أو هو ظاهر في عدم عمله بظاهر الصحيحين.

____________

(1) الوسائل باب: 37 من أبواب الوضوء حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 37 من أبواب الوضوء حديث: 3.

(3) الوسائل باب: 37 من أبواب الوضوء حديث: 4.

343

و إن كان شيئا رقيقا لا يمنع من وصول الرطوبة إلى البشرة (1).

الرابع‏: يجب مسح القدمين (2) (1) كما صرح به في المنتهى، و نسب الخلاف فيه لأبي حنيفة. و ظاهره الإجماع منا، و هو الظاهر من الأصحاب، لعدم استثنائهم ذلك من الحائل.

و يقتضيه ما تقدم، لظهور المسح في مماسة الماسح للممسوح. و لا قرينة على أن الغرض مجرد وصول الماء للممسوح، بل هو لا يناسب مقابلة المسح بالغسل الذي يراد منه ذلك، بل الأمر أظهر من أن يحتاج للاستدلال.

(2) قال في الجواهر: «إجماعا عند الإمامية محصلا و منقولا، بل هو من ضروريات مذهبهم، و أخبارهم به متواترة، بل في الانتصار أنها أكثر من عدد الرمل و الحصى، بل رواه مخالفوهم أيضا. بل هو المنقول عن جماعة من الصحابة و التابعين و الفقهاء، كابن عباس و عكرمة و أنس و أبي العالية و الشعبي.

و عن أبي الحسن البصري و ابن جرير الطبري و أبي علي الجبائي التخيير بينه و بين الغسل.

و عن داود يجب الغسل و المسح معا، و نحوه عن الناصر الزيدي. و باقي الفقهاء على إيجاب الغسل فقط».

و يكفينا دليلا الثقلان اللذان تركهما رسول اللّه (صلى اللَّه عليه و آله) في أمته كتاب اللّه و عترته. أما العترة (عليهم السلام) فقولهم به معلوم بإجماع شيعتهم و أصحابهم الآخذين منهم، و بالنصوص المروية عنهم الصريحة في مشروعية المسح، بل وجوبه، و أنه الذي نزل به الكتاب.

و أما الكتاب فيدل عليه بمقتضى عطف الأرجل على الرؤوس التي فرضها المسح، فتشاركها فيه. من دون فرق بين قراءة الجر التي قال الشيخ في التهذيب انها مجمع عليها، و في رواية غالب عن الباقر (عليه السلام)(1) تعيينهااتباعا للفظ الرؤوس،

____________

(1) الوسائل باب: 25 من أبواب الوضوء حديث: 10.

344

و قراءة النصب اتباعا لمحلها، أو بنزع الخافض أو عطفا على الجار و المجرور معا، لتجريد الرجلين عن معنى الباء الدالة على التبعيض أو الإلصاق المستتبع للاكتفاء بالمسمى‏كما سبق‏لعدم الاكتفاء فيهما بالمسمى طولا.

و حملها على العطف على الوجوه المغسولة مستلزم للفصل بين المتعاطفين بالأجنبي المستبشع جدا، و لا سيما على قراءة الجر التي يتعين في وجهها على ذلك الاتباع للمجاورة، الذي هو من شواذ الاستعمال، فلا يحمل عليه الكلام، خصوصا كلام اللّه تعالى الوارد مورد الاعجاز، و لا سيما ممن لم يؤت علم الكتاب و لم يطلع على تأويله، بل ليس له إلا التعبد بظواهره، حيث لا ينبغي الريب في مخالفة الحمل المذكور للظاهر، و ليس الظاهر إلا وجوب المسح.

و كذا دعوى: أن المراد بالمسح الغسل، لأن الغسل الخفيف يسمى مسحا، فإنه حمل للكلام على المجاز بلا قرينة، بل يأباه سياقه، لعطف الأرجل على الرؤوس.

و منه يظهر أنه لا بد من طرح النصوص‏ (1) التي قد يظهر منها وجوب الغسل، أو حملها على التقية، لأنها من الشاذ النادر المخالف للكتاب و الموافق للعامة.

و معه لا وجه لوجوب الجمع بين المسح و الغسل إلا الاحتياط بالجمع بين احتمالين، قد عينت الأدلة أولهما و أبطلت ثانيهما.

كما لا وجه للتخيير ظاهرا إلا دعوى: أولوية الغسل من المسح، لأنه أبلغ في التطهير. و هي ظنية لا يخرج بها عما سبق. أو دعوى: بدليته عن المسح جمعا بين ما تقدم و النصوص المتضمنة للغسل المروية من طرقهم و طرقنا، ففي صحيح أيوب بن نوح: «كتبت إلى أبي الحسن (عليه السلام): أسأله عن المسح على القدمين. فقال:

الوضوء بالمسح، و لا يجب فيه إلا ذاك، و من غسل فلا بأس» (2) و في موثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في الرجل يتوضأ الوضوء كله إلا رجليه، ثمَّ يخوض بهما

____________

(1) الوسائل باب: 35 من أبواب الوضوء حديث: 8.

(2) الوسائل باب: 35 من أبواب الوضوء حديث: 13.

345

الماء خوضا. قال: أجزأه ذلك» (1).

لكن نصوصهم ليست حجة علينا، و نصوصنا متعينة للحمل على التقية بعد ما سبقت الإشارة إليه من الإجماع و النصوص الصريحة في عدم الاجزاء، كصحيح زرارة (2) المتقدم في المسألة الثالثة و العشرين، و حسن محمد بن مروان أو صحيحه: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): يأتي على الرجل ستون و سبعون سنة ما قبل اللّه منه صلاة. قلت: كيف ذاك؟ قال: لأنه يغسل ما أمر اللّه بمسحه» (3) و ما ورد في قصة علي بن يقطين‏ (4).

ثمَّ إن ظاهر الأصحاب اختصاص ظاهر القدمين بالمسح‏فلا يجب مسح باطنهما فقط أو مع الظاهرلأنه موقع الكعبين، بناء على ما يأتي منهم من أنهما قبتا القدمين. و هو المصرح به في الغنية و إشارة السبق و المراسم و عن المقنعة و السرائر و غيرهما، و ظاهر الغنية الإجماع عليه، كما هو المصرح به في كشف اللثام و محكي غيره.

و أما ما في المقنعة من قوله: «و مسح القدمين ظاهرهما و باطنهما» فلا بد من تأويله بعد ما عرفت منه و من غيره. قال في التهذيب في شرحه: «يريد مقبلا و مدبرا من الأصابع إلى الكعبين، و من الكعبين إلى الأصابع». و هو أعرف بمراد شيخه.

و كيف كان، فيقتضيه‏مضافا إلى ما عرفت من الإجماع، و إلى ظاهر الآية و النصوص المتضمنة للمسح إلى الكعبين، بناء على أنهما قبتا القدمين بالوجه المتقدم‏ظاهر النصوص المتضمنة لتعدية المسح ب «على»، و النصوص المتضمنة للمسح على الظاهر، و منها ما تضمن المسح على النعلين‏ (5)، و إن لم يكن بعضها ظاهرا في الوجوب، بل في الاجزاء لا غير، لوروده في بيان العمل أو غير ذلك.

____________

(1) الوسائل باب: 25 من أبواب الوضوء حديث: 14.

(2) الوسائل باب: 25 من أبواب الوضوء حديث: 12.

(3) الوسائل باب: 25 من أبواب الوضوء حديث: 2.

(4) الوسائل باب: 32 من أبواب الوضوء حديث: 3.

(5) راجع في النصوص المذكورة باب: 15، 20، 23، 24، 25، 32 و غيرها من أبواب الوضوء.

346

من أطراف الأصابع إلى الكعبين (1) نعم، في خبر سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: إذا توضأت فامسح قدميك ظاهرهما و باطنهما، ثمَّ قال: هكذا، فوضع يده على الكعب و ضرب الأخرى على باطن قدميه، ثمَّ مسهما إلى الأصابع» (1) و في مرفوع أحمد بن محمد بن عيسى عن أبي بصير عنه (عليه السلام): «في مسح القدمين و مسح الرأس. فقال:

مسح الرأس واحدة من مقدم الرأس و مؤخره، و مسح القدمين ظاهرهما و باطنهما» (2).

لكن لا مجال للخروج بهما عما تقدم. و قد حملهما الشيخ (قدّس سرّه) في كتابيه على التقية، قال في الاستبصار: «لأن في الفقهاء من يقول بمسح الرجلين، و يقول مع ذلك باستيعاب العضو ظاهرا و باطنا.

و يحتمل أن يكون أراد ظاهرهما و باطنهما، أعني: مقبلا و مدبرا، على ما بينا القول فيه». و لو لا شذوذهما و ظهور إعراض الأصحاب عنهما لأمكن الجمع بينهما و بين ما تقدم بالحمل على الاستحباب. فلاحظ.

(1) يعني: فيجب الاستيعاب الطولي للحد المذكور.

أما أصل التحديد فهو من الواضحات، فتوى و دليلا، بعد اشتمال الكتاب و السنة المستفيضة أو المتواترة عليه.

و أما وجوب الاستيعاب و عدم الاكتفاء بالمسمى طولاعلى خلاف ما تقدم في الرأس‏فهو المصرح به في كلام جماعة و ادعي الإجماع عليه في ظاهر الخلاف و الغنية، و صريح المنتهى و محكي التنقيح، و لعله ظاهر التذكرة، لأنه و إن عبر بكفاية المسح من رؤوس إلى الكعبين و لو بإصبع واحدة في مقابل وجوب الاستيعاب حتى في العرض، إلا أن من القريب إرادته بيان المجزي عرضا مع الحفاظ على المقدار المذكور طولا، و عن الذكرى نسبته إلى عمل الأصحاب بعد

____________

(1) الوسائل باب: 13 من أبواب الوضوء حديث: 6.

(2) الوسائل باب: 13 من أبواب الوضوء حديث: 7.

347

أن تردد فيه، كما تردد فيه في المعتبر أولا، ثمَّ جزم بوجوبه، و ظاهر المدارك التردد فيه أيضا، و مال لعدم الوجوب في الحدائق‏لو لا الاحتياطو حكى عن صاحب رياض المسائل و حياض الدلائل نفي البعد عنه.

و ظاهرهم أو صريحهم أن منشأ التردد فيه هو احتمال كون «إلى» لتحديد الممسوح و بيان محل المسح، لا غاية للمسح، بل قد يدعى ظهورها في ذلك بمقتضى وقوعها في سياق التحديد بها في اليدين. بل لا ينبغي الإشكال في ذلك بناء على جواز النكس.

و ما في الجواهر من أن خروج ذلك بدليل لا ينافي كونها غاية للمسح.

كما ترى! إذ لا معنى لكونها غاية للمسح إذا جاز الابتداء بالكعبين، و ليس هو من سنخ التقييد له.

مضافا إلى ما قد يدعى من أن عدم وجوب الاستيعاب مقتضى العطف على الرؤوس التي أريد منها التبعيض في الطول و العرض معا، لمكان الباء، أو الإطلاق.

و فيه: أن كونها لتحديد الممسوح يقتضي استيعابه، كما اقتضاه في الأيدي، على ما نبه له في الجواهر.

و أما العطف فهو لا يقتضي التبعيض بناء على قراءة النصب و العطف على الجار و المجرور معاكما تقدم‏بل لا بد في الاكتفاء بالبعض عرضا من دليل خارج. و أما بناء على العطف على محل المجرور أو بنزع الخافض، أو على قراءة الجركما هو الظاهر لصحيح زرارة المتضمن إفادة الباء للتبعيض‏ (1) و صحيحي الأخوين الآتيين، و خبر غالب المعين لقراءة الجر (2)- فلأن ظاهر التحديد ب «إلى» لزوم الاستيعاب الطولي و اختصاص التبعيض بالعرض.

إذ ليس المراد بكون «إلى» لتحديد الممسوح أنها تفسير لمفهوم الأرجل‏

____________

(1) الوسائل باب: 23 من أبواب الوضوء حديث: 1. و قد تقدم في أول الكلام في مسح الرأس.

(2) الوسائل باب: 25 من أبواب الوضوء حديث: 10.

348

التي وقع عليها المسح، كما لو فسرت الرجل بالقدم، حيث يكون مقتضى العطف التبعيض فيه مطلقا طولا و عرضاكما في الرؤوس‏إذا لم يعهد إرادة ذلك من مثل هذا التركيب.

بل المراد أنها للمسح لا لبيان غايته، بل لبيان مقداره في اتجاه الطول، و مقتضاه الاستيعاب فيه، و إن لم يجب الاستيعاب عرضا للإطلاق.

نعم، يتجه التبعيض فيه لو كان الجار و المجرور صفة للبعض الذي يجب مسحه المستفاد من تسليط الباء، لبيان محله، فكأنه قيل: و امسحوا بأرجلكم بموضع واقع في الحد الخاص.

لكنه تكلف مخالف لظاهر الكلام جدا، بل لعله لا يصح إرادة ذلك من مثل هذا التركيب، لعدم اشتمال الكلام على البعض الموصوف، و لظهور «إلى» في التحديد و بيان السعة، لا محض الظرفية و بيان المحل.

و منه يظهر وجه الاستدلال لوجوب الاستيعاب بغير واحد من النصوص المتضمنة لوجوب المسح إلى الكعبين، كصحيح ابن أذينة الوارد في حديث المعراج، و فيه: «ثمَّ امسح رأسك بفضل ما بقي في يدك من الماء، و رجليك إلى كعبيك» (1).

و أما الاستدلال بصحيح البزنطي عن الرضا (عليه السلام): «سألته عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفه على الأصابع فمسحها إلى الكعبين إلى ظاهر القدم.

فقلت: جعلت فداك لو أن رجلا قال بإصبعين من أصابعه هكذا. فقال: لا إلا بكفه كلها» (2).

فقد يشكل: بأن اشتماله على المسح بتمام الكف ملزم بحمله على الاستحباب، فلا مجال لاستفادة وجوب الاستيعاب الطولي منه.

اللهم إلا أن يقال: إنما يمنع ذلك من استفادة وجوب الاستيعاب الطولي لو

____________

(1) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 5.

(2) الوسائل باب: 24 من أبواب الوضوء حديث: 4.

349

كان قرينة عرفية على صرف السؤال إلى إرادة بيان الكيفية الكاملة، لا خصوص الواجب، و هو مما يأباه ظاهر الجواب جدا بلحاظ ذيله، غاية الأمر أنه يجب رفع اليد عن ظهور جوابه (عليه السلام) في وجوب المسح بتمام الكف، و هو لا يستلزم رفع اليد عن ظهوره في وجوب الاستيعاب الطولي.

و الأمر سهل بعد وفاء ما تقدم بالمطلوب. و به يخرج عما يوهم الإطلاق، كصحيح ابن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال: «و ذكر المسح فقال: امسح على مقدم رأسك، و امسح على القدمين، و ابدأ بالشق الأيمن» (1). إذ لا يبعد شمول المسح على القدم لصورة عدم الاستيعاب، و ليس هو كمسح القدم.

هذا، و قد استدل في الحدائق لعدم وجوب الاستيعاب بما تضمن المسح على النعلين من دون استبطان الشراكين‏ (2). و خبر جعفر بن سليمان: «سألت أبا الحسن موسى (عليه السلام): قلت: جعلت فداك يكون خف الرجل مخرقا فيدخل يده فيمسح ظهر قدميه أ يجزيه ذلك؟ قال: نعم» (3).

لكن عدم استبطان الشراكين لا يستلزم عدم الاستيعاب بعد كون معقد الشراك هو الكعب‏كما في كلام غير واحدغاية ما يلزم عدم مسح الكعب، و هو أعم من المدعى، لإمكان عدم دخول الغاية في حكم المغيى، على ما يأتي الكلام فيه إن شاء اللّه تعالى.

بل التنبيه على عدم استبطان الشراك ظاهر في المفروغية عن عدم إجزاء المسمى طولا، و أن للطول حدا لا بد من استيعابه، بحيث قد يتوهم لأجله وجوب الاستبطان.

كما أن المسح من تحت الخف المخرق قد يحصل معه الاستيعاب، بل لو لا مفروغية السائل عن وجوبه لم يحتج إلى فرض تخرق الخف، لإمكان تحقق‏

____________

(1) الوسائل باب: 20 من أبواب الوضوء حديث: 1.

(2) راجع الوسائل باب: 20، 23، 24 من أبواب الوضوء.

(3) الوسائل باب: 23 من أبواب الوضوء حديث: 2.

350

مسمى المسح طولا تحت الخف غير المخرق.

و أما صحيحة الأخوين عن أبي جعفر (عليه السلام): «إن اللّه تعالى يقول‏ يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ‏ فليس له أن يدع شيئا من وجهه إلا غسله. ثمَّ قال‏ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَ أَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ‏ فإذا مسح بشي‏ء من رأسه أو بشي‏ء من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه» (1)، و صحيحتهما الأخرى عنه (عليه السلام)‏التي لا يبعد كونها قسما من الأولى، و الاختلاف من جهة النقل بالمعنى-: «أنه قال في المسح: تمسح على النعلين و لا تدخل يدك تحت الشراك، و إذا مسحت بشي‏ء من رأسك أو بشي‏ء من قدميك ما بين كعبيك إلى أطراف الأصابع فقد أجزأك» (2).

فقد يستدل بهما على عدم وجوب الاستيعاب، إما لكون «ما» بدلا من القدمين، أو بدلا من «شي‏ء» مع كون الباء الداخلة على «شي‏ء» للتبعيض أو الإلصاق المفيد فائدته.

لكن الابدال من القدمين دون «شي‏ء» بعيد جدا، بعد كون القدمين مذكورين تبعا في وصف «شي‏ء»، و كونه أحوج للتحديد منهما، لوجود الحد الخارجي العرفي لهما دونه، لصدقه على الكثير بعين صدقه على القليل.

هذا، بناء على ما يظهر منهم من تعين «ما» للاسمية، و أنها اسم موصول أو نكرة موصوفة، أما بناء على أنها حرف رابط ممهد لما بعدها تعين كون ما بعدها صفة ل «شي‏ء»، دون القدمين، لكونهما معرفة لا توصف بالظرف، بل لا معنى لوصفهما بأنهما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع.

و أما كون الباء لإفادة التبعيض فلا مجال له، لظهور أن ذكر «شي‏ء» لبيان‏

____________

(1) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 3.

(2) الوسائل باب: 23 من أبواب الوضوء حديث: 4.

351

و هما قبتا القدمين (1).

التبعيض الذي هو مقتضى الباء في الآية، كما يظهر من مقابلة الغسل بالمسح في الصحيح الأول، بل هو صريح صحيح زرارة (1) المتضمن أن استفادة التبعيض لمكان الباء، فلا معنى معه لذكر الباء و إرادة ما يقتضي التبعيض منهاكما نبه له سيدنا المصنف (قدّس سرّه)بل لا بد أن تكون لمحض الإلصاق بالنحو الذي لا يقتضي التبعيض في مدخولها، كما يناسبه ورود الصحيح الأول مورد التفسير للآية.

نعم، لو كان قوله (عليه السلام): «ما بين.» لبيان محل الشي‏ء الممسوح لا حدّه و مقداره، كان مقتضى الإطلاق عدم وجوب الاستيعاب.

لكن تقدم أن ظاهر «إلى» التحديد لا محض الظرفية و بيان المحل.

و من جميع ذلك ظهر أن الحديثين ظاهران في وجوب الاستيعاب الطولي، و أن الممسوح تمام ما بين الحدين، و لا مجال معه لاطالة الكلام فيما ذكره صاحب الحدائق عن صاحب رياض المسائل في تقريب دلالتهما على عدم وجوب الاستيعاب. فراجع.

(1) كما في الشرائع و النافع و الروضة و عن التنقيح.

و يقتضيه كلام جل الأصحاب من القدماء و المتأخرين على اختلاف عباراتهم، ففي محكي المقنعة: «و الكعبان هما قبتا القدمين أمام الساقين ما بين المفصل و المشط، و ليسا الأعظم عن اليمين و الشمال من الساقين الخارجة عنها، كما يظن ذلك العامة، و يسمونها الكعبين، بل هذه عظام الساقين، و العرب تسمي كل واحد منهما ظنبوبا. و الكعب في كل قدم، و هو ما علا منه في وسطه، كما ذكرنا» و في الانتصار و مجمع البيان: «هما العظمان النابتان في ظهر القدم عند معقد الشراك» و قريب منه في الخلاف و الغنية و المعتبر و المنتهى و الذكرى و عن الجمل و العقود و السرائر و المهذب، و في المبسوط: «و هما النباتان في وسط القدم»، و في‏

____________

(1) الوسائل باب: 23 من أبواب الوضوء حديث: 1. و قد تقدم في أول الكلام في مسح الرأس.

352

التحرير: «و هما النابتان في وسط القدم»، و في إشارة السبق و المراسم و محكي الكافي: أنهما معقد الشراك، و في محكي الكاتب لابن الجنيد: «الكعب في ظهر القدم دون عظم الساق، و هو المفصل الذي قدام العرقوب» [1]، و عن ابن أبي عقيل أنهما ظهر القدم [2].

و قد نسب للإمامية في الانتصار و مجمع البيان، و لفقهاء أهل البيت في المعتبر، و لعلمائنا في المنتهى، و لأصحابنا في محكي التنقيح، و لإجماعنا في الذكرى، و لإجماع القائلين بوجوب المسح في الانتصار و التهذيب و الخلاف و الغنية و الذكرى، و في نهاية ابن الأثير و لسان العرب و عن محكي لباب التأويل. أنه مذهب الشيعة، و في كشف اللثام أنه استفاض نقل الإجماع عليه.

و ذهب العلامة (قدّس سرّه) إلى أنه المفصل بين الساق و القدم، و تبعه الكاشاني، كما حكي موافقته عن غير واحد، كالشهيد في الألفية، و المقداد في كنز العرفان، و أبي العباس في الموجز، و الحر العاملي.

____________

[1] لما كان العرقوب هو العصب الغليظ الذي فوق العقب، كما ذكره غير واحد من اللغويين كان مقتضاه أن الكعب هو مفصل الساق و القدم. لكنه لا يناسب تصريحه بأنه دون عظم الساق.

و من هنا يحتمل.

تارة: أن مرجع الضمير عظم السابق لا الكعب.

و اخرى: أن المراد بالعرقوب ما يعم العصب الذي أمام الساق، كما قد يناسبه ما في لسان العرب عن الأصمعي: «و العرقوبان: من الفرس ما ضم ملتقى الوظيفين و الساقين من مئاخرهما من العصب، و هو من الإنسان ما ضم أسفل الساق و القدم».

و ثالثة: أن لا يكون قوله: «و هو الفصل الذي قدام العرقوب» من كلام ابن الجنيد، بل من كلام العلامة (قدّس سرّه) عقب به كلام ابن الجنيد عند نقله في المختلف، كما أشار إليه في مفتاح الكرامة و يؤيده نقل العلامة له في جملة العبارات الموهمة لتفسير الكعب بغير المفصل، و عدم نقل الشهيد في الذكرى الفقرة المذكورة في جملة كلام ابن الجنيد.

و لعل هذا أظهر الاحتمالات في المقام. (منه عفى عنه).

[2] ظاهره إرادة ما برز منه و ارتفع نظير ظهر الجبل، لا ما يقابل بطن القدم، لأنه محل المسح لا غاية الممسوح. (منه عفى عنه).

353

بل يظهر منه (قدّس سرّه) حمل كلام الأصحاب على ذلك، ففي التحرير فسره بما ذكره الأصحاب أولا، و في آخر كلامه فسره بالمفصل، و في المنتهى بعد أن فسره بما تقدم ناسبا له إلى علمائنا و تعرض لقول العامة ورده قال: «و قد يشتبه عبارة علمائنا على بعض من لا مزيد تحصيل له في معنى الكعب. و الضابط فيه ما رواه زرارة.» و ذكر صحيح الأخوين الآتي الذي هو دليله المختارة، و في المختلف: أن في عبارات الأصحاب اشتباها على غير المحصّل، و في التذكرة: «و هما العظمان النابتان في وسط القدم، و هما معقد الشراك، أعني: مجمع الساق و القدم. ذهب إليه علماؤنا أجمع. و به قال محمد بن الحسن الشيباني، لأنه مأخوذ من كعب ثدي المرأة أي ارتفع».

و هو كما ترى خروج عن ظاهر كلماتهم أو صريحها، فان التعبير بأنه العظم الواقع في وسط القدم أو ظهره و أنه معقد الشراك لا يناسب كونه المفصل الواقع في آخر القدم، و كذا وصفه بالنتوء و العلو و النبات، و تعليل تسميته بأنه مأخوذ من كعب ثدي المرأة، كما تقدم منه و ذكره غيره. بل كيف يمكن ذلك مع تصريح الشيخ في المبسوط بعدم مشروعية امتداد المسح لعظم الساق.

و مثله ما حمل البهائي و الفاضل الهندي (قدّس سرّهما) عليه كلام العلامة و نسباه إلى علماء التشريح من أنه عظم مائل إلى الاستدارة واقع في ملتقى الساق و القدم له زائدتان في أعلاه يدخلان في حفرتي قصبة الساق و زائدتان في أسفله يدخلان في حفرتي العقب، و هو نأت في وسط ظهر القدم‏يعني: وسطه العرضي‏و لكن نتوءه غير ظاهر لحس البصر، لارتكاز أعلاه في حفرتي الساق. و ذكر البهائي (قدّس سرّه) أنه قد يعبر عنه بالمفصل‏كما صنعه العلامةلمجاورته له، أو من قبيل تسمية الحال باسم المحل. و نسبه في تفسير الرازي و النيشابوري إلى الإمامية و كل من قال بوجوب المسح.

و ذكر أيضا أنه يمكن تنزيل كلمات الأصحاب (رضي اللّه عنهم) عليه، بأن يريدوا بوسط القدم وسطه العرضي، لا الطولي، و بنتوء الكعب نتوءه غير

354

المحسوس. و إن كان لا مجال لذلك في كلام المفيد، لصراحته في إرادته المعنى الأول. و كأنه لجعله الكعب أمام الساقين بين المفصل و المشط، لا تحت الساقين عند المفصل.

لاندفاعه‏مع عدم مناسبته لما تقدم من المبسوطبأن الظاهر من وسط القدم هو الوسط الطولي، و لا سيما مع مشاركتهم المفيد في أخذ ذلك في تعريفه بل هو كالصريح ممن جعله في ظهر القدم، و ممن صرح بأنه عند معقد الشراك.

كما أن حمل النتوء و العلو في كلماتهم على العلو غير المحسوس لا يناسب ذكرهم له علامة للكعب، ليرجع إليه في معرفته.

قال في الحدائق: «و لو كان المراد بالكعب هذا المعنى الذي لا يفهمه إلا علماء التشريح، دون سائر العلماء، فضلا عن المتعلمين، لأوضحوه بعبارات جلية و بينوه بكلمات واضحة غير خفية، و لما اقتصروا في وصفه على مجرد النتوء و الارتفاع، الذي هو من قبيل تعريف المجهول بما هو أخفى».

و بالجملة: النظر في كلام من عرفت يوجب القطع بموافقتهم للمفيد (قدّس سرّه) الذي اعترف البهائي بصراحة كلامه في إرادة المعنى الأول و لا سيما بعد كون بعضهم من تلامذته أو شارحا.

بل من البعيد تنزيل عبارات العلامة (قدّس سرّه) على هذا المعنى بعد عدم إشارته إليه بوجه، و اقتصاره على ذكر المفصل. و لا سيما مع ما في المنتهى، حيث ذكر في جملة كلام المخالفين‏الذي رده‏ما عن أبي عبيدة من أن الكعب هو الذي في أصل القدم ينتهي الساق إليه بمنزلة كعاب القناة.

و منه يظهر أنه لا مأخذ لنسبته للإمامية في تفسير الرازي و عن تفسير النيشابوري.

هذا، و قد تحصل من جميع ما تقدم: أن للمسلمين في الكعب أقوالا أربعة.

الأول‏: قبة القدم، و هو ظاهر الأصحاب.

الثاني‏: المفصل، و هو الظاهر من العلامة.

355

الثالث‏: العظم الذي أثبته علماء التشريح، كما تقدم من البهائي (قدّس سرّه).

الرابع‏: العظمان المكتنفان للساق، ففي كل رجلي كعبان. و هو الذي عليه جمهور فقهاء العامة عدا محمد بن الحسن الشيباني، فقد تكرر النقل عنه بموافقته لنا في معنى الكعب على الخلاف فيه.

و هو المذكور في غير واحد من كتب اللغة في جملة معانيه، بل عن بعضهم تعينه، و هو الذي نقله في لسان العرب عن أبي عمرو بن العلاء و الأصمعي في رواية ثعلب، و إن كان ظاهر بعضهم إنكاره، كما هو ظاهر الصحاح و مفردات الراغب و عن ظاهر العين و المجمل، و المفضل و ابن الأعرابي و حكاه الرازي عن الأصمعي في رواية القفال، مدعيا أن العظمين المذكورين يسميان المنجمين، نظير ما تقدم من المفيد (قدّس سرّه).

و حيث يظهر من اللغويين سبق الخلاف في معنى الكعب، فلا مجال لاحتمال هذا المعنى في المقام بعد إطباق الطائفة على خلافه حتى صار شعارا لهم يعرفه مخالفوهم عنهم، لامتناع خفاء ذلك عليهم عادة مع كثرة الابتلاء به و تيسر رجوعهم لأئمتهم (عليهم السلام) في معرفته. مضافا إلى ما يأتي من ظهور النصوص في خلافه.

و الثالث هو ظاهر ما في الصحاح و مفردات الراغب من أن الكعب العظم عند ملتقى الساق و القدم، و هو المحكي عن ظاهر العين و المجمل، و قد يقتضيه ما تقدم عن أبي عبيدة.

و أما الثاني فهو الذي نقله في لسان العرب عن المفضل و ابن الأعرابي في رواية ثعلب، و قد يناسبه ما فيه و في القاموس في بيان أحد معاني الكعب أنه كل مفصل للعظام.

و أما الأول فقد ذكر في غير واحد من كتب اللغة من معاني الكعب، و استشهدوا له بقول يحيى بن الحارث: رأيت القتلى يوم زيد بن علي فرأيت الكعاب في وسط القدم، بل ظاهر ما في الصحاح و لسان العرب أنه المعروف بين‏

356

الناس، حيث قالا: «و أنكر الأصمعي قول الناس أنه في ظهر القدم». و نقل في الذكرى عن فائت الجمهرة لأبي عمرو الزاهد عن الفراء أنه في مشط الرجل، و حكي عنه أيضا أنه قال: «و أخبرني سلمة عن الفراء عن الكسائي، قال: قعد محمد بن علي بن الحسين (عليهم السلام) في مجلس كان له، و قال: هاهنا الكعبان. فقالوا:

هكذا، فقال: ليس هو هكذا، و لكنه هكذا، و أشار إلى مشط رجله، فقالوا له: إن الناس يقولون: هكذا. فقال: لا هذا قول الخاصة و ذلك قول العامة».

كما نقل عن عميد الرؤساء من لغوية الخاصة أنه صنف كتابا في تحقيق معنى الكعب أكثر فيه من الشواهد على أنه في ظهر القدم أمام الساق حيث يقع معقد الشراك من النعل.

و منه يظهر حال ما ذكره العلامة (قدّس سرّه) في تقريب مدعاه من أنه أقرب إلى ما حدده أهل اللغة، حيث ظهر شدة الخلاف بين اللغويين و عدم اتفاقهم على معنى واحد يكون ما ذكره أقرب إليه مما ذكره الأصحاب، بل لعل ما ذكروه أظهر بملاحظة مجموع كلمات اللغويين، و لا سيما الخاصة منهم، بل ذكر الشهيد في الذكرى: أنه إن أراد لغوية العامة فهم مختلفون، و إن أراد لغوية الخاصة فهم متفقون على خلافه.

هذا كله في كلام الأصحاب و اللغويين.

و أما النصوص فقد استدل العلامة على مختاره و استدل له بغير واحد منها، ففي صحيح الأخوين عن أبي جعفر (عليه السلام): «فقلنا: أين الكعبان؟ قال: هاهنا. يعني:

المفصل دون عظم الساق. فقلنا: هذا ما هو؟ فقال: هذا من عظم الساق [و الكعب أسفل من ذلك. خ ل‏]» (1) و في صحيح زرارة عنه (عليه السلام): «و مسح رأسه و ظهر قدميه» (2).

بدعوى: أنه يعطي استيعاب المسح لظهر القدم. و في صحيح البزنطي عن‏

____________

(1) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 3.

(2) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 2.