مصباح المنهاج - كتاب الطهاره - ج2

- السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم المزيد...
664 /
357

الرضا (عليه السلام): «سألته عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفه على الأصابع فمسحها إلى الكعبين إلى ظاهر القدم» (1) بدعوى: أن الغاية الثانية مفسرة للأولى، و المراد بها تمام ظاهر القدم.

و يشكل: بأن وصف المفصل في صحيح الأخوين بأنه دون عظم الساق يأبى حمله على مفصل الساق و القدم، و يقرب حمله على العظم الواقع بينه و بين المشط، فإنه مفصل أيضا، و كذا قوله: «و الكعب أسفل من ذلك»- و من ثمَّ استدل به الشيخ (قدّس سرّه) و غيره على المعنى المعروف‏و تطبيقه على مفصل الساق و القدم بلحاظ كونه في منتهى عظم الساق بعيد، و لا أقل من عدم كونه ظاهرا من الكلام.

و صحيح زرارةمع وروده في حكاية حال لا تصلح لتفسير معنى الكعب- ظاهر بدوا في استيعاب الرأس و ظهر القدم طولا و عرضا، فلا بد من كون المراد به المسح على المواضع المذكورة في الجملة، نظير ما تضمنته جملة من النصوص من مسح الرأس و الرجلين.

و حمل صحيح البزنطي على إرادة تمام ظاهر القدم ليس بأولى من حمل ظاهر القدم على ما ارتفع منه و برزفيطابق المشهورأو حمله على بيان أن المسح في جهة الظاهر في مقابل الباطن.

و أضعف من ذلك الاستدلال له بصحيح يونس: «أخبرني من رأى أبا الحسن (عليه السلام) بمنى يمسح ظهر القدمين من أعلى القدم إلى الكعب، و من الكعب إلى أعلى القدم» (2).

بدعوى: ظهوره في أن أعلى القدم غير الكعب، فلا بد من كون الكعب هو المفصل.

لاندفاعه:- مضافا إلى كونه حكاية حال لا تصلح للتحديدبأن الظاهر منه بيان طرفي محل المسح، فليس المراد بأعلى القدم قبته، بل أطراف‏

____________

(1) الوسائل باب: 24 من أبواب الوضوء حديث: 4.

(2) الوسائل باب: 20 من أبواب الوضوء حديث: 3.

358

الأصابع، و لعله بلحاظ وضع الرجل حين المسح. و حمله على ارادة بيان مجرد اتجاه المسح بعيد جدا.

هذا، و قد يستدل للمشهور بجملة من النصوص.

منها: صحيح ميسر [1] عن أبي جعفر (عليه السلام): «قال: الوضوء واحد. و وصف الكعب في ظهر القدم» (2) إذ ليس في ظهر القدم إلا الذي اعتمده الأصحاب.

و ما ذكره البهائي من أن التعبير بالوصف يعطي أن الإمام (عليه السلام) ذكر للكعب أوصافا ليعرف بها، و لو كان الكعب هذا المحسوس المشاهد لم يحتج لذلك.

كما ترى، لعدم وضوح كون المراد بالوصف أمرا زائدا على الإشارة للشي‏ء و بيانه، مع أن نتوء الكعب في ظهر القدم ليس بحد يغني عن التوضيح الذي يصدق عليه الوصف، على أن ذلك لا يصلح للخروج عن صريح الحديث في كون الكعب في ظهر القدم.

و منها: موثقة أو صحيحه عنه (عليه السلام) و فيه: «ثمَّ وضع يده على ظهر القدم، ثمَّ قال: هذا هو الكعب. و قال: و أومى بيده إلى أسفل العرقوب، ثمَّ قال: إن هذا هو الظنبوب» (3). و لو كان المراد المفصل لكان المناسب وضع اليد عليه. و كذا لو كان‏

____________

[1] و هو ميسر بن عبد العزيز الذي هو من رجال كامل الزيارة، و روى الكشي عن علي بن الحسن بن فضال توثيقه، كما وردت فيه روايات تتضمن مدحه، بل جلالته. و قد روى عنه هذا الحديث علي بن أبي المغيرة الذي قال النجاشي في ترجمة ولده الحسن: «الحسن بن علي بن أبي المغيرة الزبيدي الكوفي ثقة هو و أبوه، روى عن أبي جعفر و أبي عبد اللّه (عليه السلام)، و هو يروي كتاب أبيه عنه، و له كتاب مفرد» و ظاهره توثيقه لهما معا.

و ما استظهره بعضهم من رجوع التوثيق للابن فقط، و ما بعده مستأنف لبيان من يروي عنه الأب.

مخالف للظاهر جدا، فإن التأكيد بضمير الفصل ظاهر في إرادة العطف. و مجرد التعرض بعد ذلك لرواية الابن كتاب أبيه لا يصلح شاهدا لمدعاهم.

نعم، لو ثبت عدم رواية الحسن عن الصادقين كان شاهدا لما ذكروه. لكنه‏مع عدم ثبوته‏لا ينهض بالخروج عن الظاهر. فتأمل. (منه عفى عنه).

____________

(2) الوسائل باب: 31 من أبواب الوضوء حديث: 11.

(3) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 9.

359

المراد العظم الذي فيه‏كما هو مختار البهائي‏بل كان المناسب أن يقول (عليه السلام) حينئذ: هاهنا الكعب، لعدم كونه محسوسا بنفسه ليعبر عنه باسم الإشارة.

و منها: ما تضمن عدم استبطان الشراكين، كما في صحيح الأخوين عنه (عليه السلام): «أنه قال في المسح: تمسح على النعلين، و لا تدخل يدك تحت الشراك» (1)، إذ لا ريب في عدم كون معقد الشراك بعد المفصل، بل الظاهر أنه في وسط القدم، كما ذكره الأصحاب.

و أما احتمال وروده لبيان بدلية المسح على الشراك عن المسح على البشرة.

فغريب، و لا سيما بعد النظر في نصوص المسح على الخفين الظاهرة في شدة النكير منهم (عليهم السلام) على المسح على غير البشرة، و منها ما تضمن قولهم (عليهم السلام):

«سبق الكتاب الخفين» (2).

على أن المناسب حينئذ عدم الاكتفاء ببيان عدم وجوب المسح تحت الشراك، بل ينبه إلى المسح على الشراك، كما نبه له في الجبائر، لعدم كون بدليته بحدّ لا يحتاج معه إلى التنبيه.

و منها: ما تضمن قطع رجل السارق من الكعب، كما في صحيح زرارة عنه (عليه السلام) «فإذا قطع الرجل قطعها من الكعب» (3) بضميمة ما تضمن قطعها من وسط القدم، و هو موثق سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «فان عاد قطعت رجله من وسط القدم» (4) المؤيد بالنصوص المتضمنة لترك العقب يمشي عليه. (5).

و دعوى: أن ترك العقب يمشي عليه يجتمع مع كون الكعب هو المفصل، بأن يكون مبدأ القطع محاذيا للمفصل من الأعلى ثمَّ ينزل في سمت الساق.

____________

(1) الوسائل باب: 23 من أبواب الوضوء حديث: 4. و بقية أحاديث عدم استبطان الشراكين في باب: 15 حديث: 3. و باب: 23 حديث: 3 و باب: 24 حديث: 6.

(2) راجع الوسائل باب: 38 من أبواب الوضوء.

(3) الوسائل باب: 4 من أبواب حد السرقة حديث: 8.

(4) الوسائل باب: 4 من أبواب حد السرقة حديث: 3.

(5) راجع الوسائل باب: 4، 5 من أبواب حد السرقة.

360

مخالفة لظاهر القطع من المفصل جدا. بل هو مخالف لظاهر حسنة عبد اللّه بن هلال، بل صحيحته [1] عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) و فيها: «قلت له: جعلت فداك و كيف يقوم و قد قطعت رجله؟ فقال: إن القطع ليس من حيث رأيت يقطع، إنما يقطع الرجل من الكعب و يترك من قدمه ما يقوم عليه و يصلي و يعبد اللّه» (2) لظهورها في أن القطع من الكعب بطبعه يقتضي بقاء شي‏ء من القدم، لأنه ليس من المفصل كما يفعله العامة فهو ظاهر في تباينهما.

و بالجملة: لا ينبغي التأمل بعد ملاحظة نصوص المقام و نصوص قطع رجل السارق في أن الكعب في وسط القدم، كما جرى عليه الأصحاب. و كفى بإطباقهم دليلا عليه بعد كثرة الابتلاء به و اهتمامهم بشأنه بسبب سبق الخلاف فيه بينهم و بين العامة و تيسر رجوعهم لأئمتهم (عليهم السلام) في معرفته، إذ لا أقل من كشفه عن المراد بهذه النصوص لو فرض طروء الاجمال عليها.

و ليس خلاف العلامة و من تأخر عنه إلا لشبهة حصلت لهم لا تخل بكشف الإجماع عن رأي المعصومين (عليهم السلام) أو عن المراد بهذه النصوص. و إن كان الأمر أظهر من أن يحتاج لذلك. و اللّه سبحانه و تعالى ولي العصمة و السداد.

و أما ما ذكره شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) من ظهورها في حصر المتروك بما يمكن أن يقوم عليه، فلا يناسب القطع من وسط القدم، بل يتعين حملها على القطع من مفصل القدم نازلا بالوجه الذي أشرنا إليه آنفا.

فلم يتضح مأخذه، لأنها في مقام بيان عدم وجوب استيعاب القطع للقدم، لا بيان مقدار ما يبقى منه.

نعم، في خبر معاوية بن عمار: «قال أبو عبد اللّه (عليه السلام):. و تقطع الرجل من المفصل و يترك العقب يطأ عليه» (3).

____________

[1] إذ ليس في طريقها من يتوقف فيه إلا محمد بن عبد اللّه بن هلال و أبوه، و هما من رجال كامل الزيارة.

مع تأيد وثاقتهما برواية بعض أجلاء الأصحاب عنهما. (منه عفى عنه).

____________

(2) الوسائل باب: 5 من أبواب حد السرقة حديث: 8.

(3) الوسائل باب: 4 من أبواب حد السرقة حديث: 7.

361

لكنه‏مع ضعف سنده، بل شذوذه، لعدم روايته إلا في نوادر أحمد بن محمد بن عيسى‏قابل للحمل على التقية. و لا ينافيه اشتماله على بقاء العقب، لإمكان كون التقية في نفس المحافظة على العنوان المذكور عند العامة، و لو مع الاستثناء منه على خلاف مذهبهم. على أنه ليس نصا في عدم إرادة وسط القدم، لإمكان حمله على مفصل الكعب الذي في ظهر القدم، نظير ما تقدم في صحيح الأخوين، فإنه و إن كان خلاف الظاهر منه بدوا، إلا أنه المتعين جمعا. و إلا فلا مجال لرفع اليد به عما ذكرنا بعد قوة النصوص المتقدمة سندا و دلالة.

و من الغريب ما ذكره شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) من أن الاستدلال بنصوص قطع السارق لمذهب العلامة أولى من هذا الخبر و ما تقدم منه في سابقة، خلافا لما حكاه عن الوحيد (قدّس سرّه) من الاستدلال بها لمذهب المشهور.

بقي في المقام شي‏ء، و هو أنه هل يجب إدخال الكعب في الممسوح أو لا؟

اختار الأول في المنتهى و جامع المقاصد و محكي التحرير.

إما لأن «إلى» في الآية بمعنى «مع» أو لأنها للغاية، و هي داخلة في حكم المغيى إذا لم تنفصل عنه حسا، أو لما حكاه في المنتهى عن المبرد من أن الحدّ إذا كان من جنس المحدود دخل فيه، و الكعبان من جنس الرجلين.

و لأنه في حالة الابتداء بهما يجب مسحهما، لرواية يونس المتقدمة المتضمنة لمسح أبي الحسن (عليه السلام) قدميه من أعلى القدم إلى الكعب، و من الكعب إلى أعلى القدم‏ (1)، و لا قائل بالفرق.

لكن حمل «إلى» على معنى «مع» مجاز مخالف للظاهر جدا، و جواز النكس لا يقتضيه، بل يقتضي بكونها لتحديد الممسوح. و دخول الغاية في حكم المغيى غير ثابت مع عدم القرينة. و رواية يونس‏مع ورودها في حكاية فعل لا تصلح للتحديدليست صريحة في دخول الكعب حال المسح منه، لاشتراك مبدأ الغاية و منتهاها في عدم ثبوت دخولهما في حكم المغيى.

____________

(1) الوسائل باب: 20 من أبواب الوضوء حديث: 3.

362

و الأحوط استحبابا المسح إلى مفصل الساق. و يجزي المسمى عرضا (1).

و اختار المحقق في المعتبر الثاني، و نفى عنه البأس في المدارك. بل قد يستظهر من كل من نص على الإدخال في المرفق دون الكعب.

و لعله لذا نسبه في محكي الذكرى لظاهر الأصحاب.

بل عن صاحب رياض المسائل نفي الخلاف فيه، و إن كان هو كما ترى بعد ثبوت الخلاف ممن تقدم.

و عمدة دليله في كلماتهم ما في صحيح الأخوين من قوله (عليه السلام): «فإذا مسح بشي‏ء من رأسه أو بشي‏ء من قدميه ما بين الكعبين إلى أطراف الأصابع فقد أجزأه» (1) و نحوه صحيحهما الآخر (2).

لوضوح أن ظاهر البينة خروج طرفها، و استعمالها فيما يقتضي دخوله في نحو قولنا: عندي ما بين عشرة إلى خمسة، مجاز، لأن المراد بالبينة هنا تردد الشك و الاحتمال، لا البينة الخارجية الحقيقية، كما في المقام.

و أما ما تضمن عدم استبطان الشراك، فالاستدلال به موقوف على كون الكعب تحت الشراك‏كما هو مقتضى تعبير بعضهم عنه بمعقد الشراك‏و هو غير ثابت، لإمكان محاذاته له‏كما يحتمله تعبير بعضهم عنه بأنه عند معقد الشراك- و لا سيما مع صغر الكعب و عدم دقة وضع الشراك بنحو لا يتعداه و يخرج عنه.

نعم، قد يصلح مؤيدا لما تضمنه الصحيحان.

و بذلك يخرج عن مقتضى قاعدة الاشتغال، التي عرفت غير مرة أنها المرجع في أمثال المقام.

(1) كما هو المصرح به في كلام غير واحد المدعى عليه الشهرة في‏

____________

(1) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 3.

(2) الوسائل باب: 23 من أبواب الوضوء حديث: 4.

363

كلامهم، بل يظهر من المعتبر و المنتهى و محكي التذكرة دعوى الإجماع عليه، لأنها و ان تضمنت الاجتزاء بالمسح و لو بإصبع، إلا أن الظاهر أن ذكر الإصبع لتعارف تحقيق المسمى به، لا لأنه أقل المجزي، كما يشهد به الاستدلال عليه في الأولين بما يدل على التبعيض من غير تحديد، بل لعله المراد من غير واحد ممن ذكر الاجتزاء به، و إن كان ظاهر بعضهم التحديد به.

و عن المقاصد العلية: «إن إجزاء المسمى هنا موضع وفاق، و إنما الخلاف في الرأس. و التعبير بأقل الاسم أجود من التعبير بإصبع، لإيهامه كون أقله مقدار إصبع، و ليس كذلك، بل التعبير بها لعدم إمكان جعل آلة المسح أقل من إصبع، و إن جاز الاقتصار في المسح بها عن أقل من عرضها، فالتمثيل بها من جهة كونها آلة للمسح، لا مقدرة له بقدرها».

و كيف كان، فتقتضيه الآية الكريمة بناء على قراءة الجر و النصب بالعطف على المحل أو بنزع الخافض، و وجوب الاستيعاب الطولي إنما استفيد من التحديد ب «إلى» كما تقدم.

نعم، بناء على النصب للعطف على الجار و المجرور معا يكون ظاهر الآية وجوب الاستيعاب العرضي حتى بالإضافة إلى الباطن.

لكن لا مجال للبناء عليه بالنظر لصحيح زرارة المتضمن إفادة الباء التبعيض‏ (1)، و صحيح الأخوين الأول‏ (2) المتقدم قريبا، و خبر غالب المعيّن لقراءة الجر (3)، و من ذلك يظهر وجه الاستدلال بالصحيحين المذكورين و صحيح الأخوين الآخر (4)، و كذا مثل ما ورد في قضية علي بن يقطين من قوله (عليه السلام):

«و امسح بمقدم رأسك و ظاهر قدميك من فضل نداوة وضوئك» (5) فإن إدخال الباء

____________

(1) الوسائل باب: 23 من أبواب الوضوء حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 3.

(3) الوسائل باب: 25 من أبواب الوضوء حديث: 10.

(4) الوسائل باب: 23 من أبواب الوضوء حديث: 4.

(5) الوسائل باب: 32 من أبواب الوضوء حديث: 3.

364

على مقدم الرأس و عطف ظاهر القدمين عليه ظاهر في الاجتزاء بالتبعيض فيهما بالبيان الوارد في صحيح زرارة المذكور. و قد تقدم في مسح الرأس و في وجوب الاستيعاب الطولي في الرجلين ما ينفع في المقام.

نعم، في صحيح البزنطي عن الرضا (عليه السلام): «سألته عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفه على الأصابع فمسحها إلى الكعبين إلى ظاهر القدم. فقلت:

جعلت فداك لو أن رجلا قال بإصبعين من أصابعه هكذا. فقال: لا، إلا بكفيه [بكفه خ ل‏] كلها» (1).

و في موثق عمار: «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل ينقطع ظفره هل يجوز له أن يجعل عليه علكا؟ قال: لا، و لا يجعل إلا ما يقدر على أخذه عنه عند الوضوء و لا يجعل عليه إلا ما [لا] يصل إليه الماء» (2)، فإنه لو لا وجوب الاستيعاب لأمكن الاكتفاء بمسح إصبع آخر.

و في خبر عبد الأعلى مولى آل سام الذي لا يبعد اعتباره [3]: «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): عثرت فانقطع ظفري فجعلت على إصبعي مرارة فكيف أصنع بالوضوء؟ قال: يعرف هذا و أشباهه من كتاب اللّه عز و جل، قال اللّه تعالى‏ ما جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ‏ امسح عليه» (4) فان الاحتياج للمسح على الجبيرة بمقتضى دليل الحرج يتوقف على وجوب استيعاب الأصابع بالمسح.

____________

[3] لقرب اتحاده مع عبد الأعلى بن أعين‏الذي وثقه المفيد في محكي رسالته في الرد على أصحاب العدد صريحاكما صرح به الكليني في رواية له في استحباب نكاح الابكار (الوسائل باب: 17 من أبواب مقدمات النكاح و آدابه حديث: 1)، و لا يعارضه عد الشيخ لهما معا في أصحاب الصادق (عليه السلام)، لأن نسبته إليه كنسبة الأصل للدليل، و لا سيما مع ما هو المعروف من أضبطية الكليني. و لو فرض تعددهما لم يبعد حسن عبد الأعلى مولى آل سام بلحاظ بعض النصوص المؤيدة برواية بعض أجلاء الأصحاب عنه. و تمام الكلام في محله. (منه عفى عنه).

____________

(1) الوسائل باب: 24 من أبواب الوضوء حديث: 4.

(2) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 6.

(4) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 5.

365

و لا مجال لحملهما على بدلية الجبيرة اختيارا و لو مع الاكتفاء بالمسح على الإصبع التي ليست عليها، فإنه لا يناسب النهي في الموثق و لا تطبيق دليل الحرج في الخبر.

و أضعف منه حملهما على استيعاب الجبيرة للأصابع. لأنهما كالصريحين في خلاف ذلك، فطرحهما أهون منه.

و من هنا فقد يدعى أن مقتضى الجمع العرفي هو تنزيل ما تقدم على هذه النصوص، لأن ما تقدم إنما يقتضي الاجتزاء بالمسمى بإطلاقه الصالح للتقييد بها. و يكفي في التبعيض المصرح به في الصحاح المتقدمة الاكتفاء بظاهر القدم و عدم وجوب مسح الباطن.

لكن الإنصاف أن ذلك لا يناسب التصريح في صحيح زرارة و صحيح الأخوين الأول باستفادة التبعيض من الآية، و ظهورهما في وفائها ببيان أعضاء الوضوء و تحديدها، و ظهور «شي‏ء» في صحيحي الأخوين في الإطلاق، لا إرادة شي‏ء معين، و هو تمام الظاهر، مع قوة ظهورهما في تحديد المجزي.

و من هنا قد يتعين حمل الصحيح و الموثق على الاستحباب و الخبر على التنبيه إلى عدم كون وجوب الوضوء و غيره بالنحو المستلزم للحرج، أو على حمل الموثق و الخبر على إرادة انقطاع ظفر اليد، أو حمل جميع هذه النصوص على التقية، و لو بلحاظ كون الاستيعاب أقرب إلى فتوى العامة.

و لا سيما مع تأيد عدم الاستيعاب بخبر جعفر بن سليمان‏ (1) المتضمن للاجتزاء بإدخال اليد تحت الخف المخرق، لما هو المعلوم من عدم تيسر الاستيعاب بذلك، و بخبر معمر الآتي المتضمن للاجتزاء بالمسح بثلاث أصابع، و بنصوص أخذ البلل من اللحية و الأشفار عند نسيان المسح‏ (2)، لعدم كثرة بللها

____________

(1) الوسائل باب: 23 من أبواب الوضوء حديث: 2.

(2) راجع الوسائل باب: 21 من أبواب الوضوء.

366

بالنحو القابل للاستيعاب، و بنصوص المسح على النعل‏ (1)، لوضوح ستر النعل لبعض ظهر القدم.

على أنه لا مجال للتعويل على هذه النصوص بعد إعراض الأصحاب عنها، لعدم نقل الفتوى بمضمونها من أحد منهم.

نعم، قال في الفقيه: «و حد مسح الرجلين أن تضع كفيك على أطراف أصابع رجليك و تمدهما إلى الكعبين».

لكنه لو كان للوجوب عملا منه بهذه النصوص لم يكف في حجيتها، بعد إهمال مشايخ القدماء لذلك، و تصريح جملة منهم‏كالمفيد و الشيخ و أتباعهما- بخلافه، بنحو يظهر منهم التسالم عليه، و لا سيما في مثل هذا الحكم الذي يكثر الابتلاء به و يمتنع عادة اختفاؤه.

فما عن مجمع الفائدة و البرهان من الميل لوجوب المسح بتمام الكف ضعيف.

هذا، و عن أحكام الراوندي أن أقله إصبع، و في إشارة السبق أنه إصبعان، و قد يستظهر من الغنية لقوله: «و يجزي بإصبعين منهما»، و عن التذكرة أنه حكى عن بعض علمائنا وجوب المسح بثلاث أصابع.

و لا يتضح وجه الأولين. و قد يستدل للثالث بخبر معمر بن عمر عن أبي جعفر (عليه السلام): «يجزي من المسح على الرأس موضع ثلاث أصابع، و كذا الرجل» (2).

و فيه‏مع ضعف سند الخبرأن إجزاء الثلاث لا ظهور له في عدم إجزاء ما دونها، غايته الاشعار الذي لا ينهض برفع اليد عما تقدم، و لا سيما مع لزوم حمله في الرأس على الاستحباب لصعوبة التفكيك بينهما عرفا.

و قد تقدم في مسح الرأس ما له نفع في ذلك. فراجع.

____________

(1) الوسائل باب: 15 من أبواب الوضوء حديث: 3. و باب: 23 منها حديث: 3، 4 و باب: 24 منها حديث: 6.

(2) الوسائل باب: 24 من أبواب الوضوء حديث: 5.

367

و الأحوط وجوبا مسح اليمنى باليمنى [1] أولا ثمَّ اليسرى [2] (1) تقدم في مسح الرأس الكلام.

تارة: في وجوب كون المسح ببلة الوضوء.

و اخرى‏: في تعين بلة اليد.

و ثالثة: في وجوب كونه باليد.

و رابعة: في تعين الكف، بل الباطن.

و خامسة: في تعين اليد اليمنى.

و الكلام المتقدم هناك جار هنا. بل بعض كلماتهم مختص بالمقام، و التعدي منه للرأس لفهم عدم الخصوصية. ففي إشارة السبق هنا وجوب الأخير من دون أن يتعرض له هناك.

(2) مرتبا بينهما، كما ذهب إليه في الفقيه و المراسم و اللمعة و جامع المقاصد و الروض و المسالك و المدارك و ظاهر الروضة، و حكاه في المختلف عن ابني أبي عقيل و الجنيد و الصدوق الأول، كما حكي عن شرح الإرشاد للفخر و البيان و حاشية الشرائع و الجعفرية و شرحها و المقاصد العلية و غيرها.

و يقتضيه ما في الخلاف و عن ابن سعيد من إطلاق وجوب تقديم اليمين على اليسار مستدلا عليه في الخلاف بإجماع الفرقة.

و ما في كشف اللثام من تنزيله على خصوص اليدين غير ظاهر الوجه، بل قد يأباه ما في الخلاف من تعقيب ذلك لوجوب الترتيب في أعضاء الوضوء كلها، فان التعميم في الأعضاء لا يناسب التخصيص المذكور جدا.

و يقتضيه صحيح محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث قال:

«و ذكر المسح فقال: امسح علي مقدم رأسك، و امسح على القدمين و ابدأ بالشق الأيمن» (1) المؤيد بما أسنده النجاشي في كتاب الرجال عن عبد الرحمن بن‏

____________

(1) الوسائل باب: 25 من أبواب الوضوء حديث: 1.

368

محمد بن عبيد اللّه بن أبي رافع، و كان كاتب أمير المؤمنين (عليه السلام): «أنه كان يقول: إذا توضأ أحدكم للصلاة فليبدأ باليمنى [باليمين خ ل‏] قبل الشمال من جسده» (1).

و أما ما في الجواهر من احتمال إرادة اليد اليمنى من الثاني بقرينة ذكر الشمال. فهو لا يناسب التعميم بقوله (عليه السلام): «من جسده» جدا.

نعم، جهالة بعض رجال سنده مانع من الاستدلال به، و إن كان تعدد طرق النجاشي للكتاب المتضمن له و ظهور حاله في وثوقه بصدوره مقربا لصدوره، إذ لا أقل مع ذلك من جعله مؤيدا.

نعم، لا ينهض بذلك مثل مرسل الفخر عن النبي (صلى اللَّه عليه و آله): «ان اللّه يحب التيامن في كل شي‏ء» (2). و نحوه مرسل المعتبر و المنتهى‏ (3). و في مرسل مكارم الأخلاق عنه (صلى اللَّه عليه و آله) أنه قال: «إذا لبستم و توضأتم فابدؤا بميامنكم» (4).

لعدم ظهور الحب‏في الأولين‏في الوجوب. كما أن اشتمال الثالث على اللبس مانع من حمله عليه.

و كذا ما عن مجالس ابن الشيخ الطوسي مسندا عن أبي هريرة: «أن النبي (صلى اللَّه عليه و آله) كان إذا توضأ بدأ بميامنه» (5). لأنه حكاية فعل لا يدل على الوجوب، كما تقدم عند الكلام في وجوب غسل الوجه من الأعلى و غيره.

و مما تقدم هناك يظهر ضعف ما ذكره في الذكرى و جامع المقاصد و روض الجنان من الاستدلال بالوضوء البياني بتقريب أنه لو كان على خلاف الترتيب المذكور لكان واجبا، لما ورد عنه (صلى اللَّه عليه و آله) من أن هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلا به، و حيث لا يجب إجماعا تعين كونه على الترتيب المذكور، و لزم وجوبه.

فالعمدة في المقام هو الصحيح المذكور مؤيدا بالخبر المزبور.

____________

(1) الوسائل باب: 34 من أبواب الوضوء حديث: 4.

(2) مستدرك الوسائل باب: 3 من أبواب الوضوء حديث: 3.

(3) المعتبر ص: 41، و المنتهى 1: 69.

(4) مستدرك الوسائل باب: 3 من أبواب الوضوء حديث: 4.

(5) الوسائل باب: 34 من أبواب الوضوء حديث: 3.

369

هذا، و مقتضى إطلاق غير واحد عدم وجوب الترتيب بين الرجلين، و لا سيما من نبه منهم على الترتيب بين اليدين كالشيخ في المبسوط و محكي الجمل و العقود و ابن زهرة في الغنية، بل هو المصرح به في الشرائع و المعتبر و القواعد و المنتهى و الإرشاد و عن التحرير و المختلف و التنقيح، بل عن غير واحد نسبته للمشهور، و عن آخرين نسبته للأكثر، بل عن السرائر: «لا أظن أحدا منا يخالف فيه».

و قد يستظهر دخوله في معقد الإجماع الذي ادعاه في الغنية على الترتيب بالوجه المتقدم.

و استدلوا عليه بإطلاق الكتاب و السنة. و زاد في الجواهر ظهوره من نصوص الوضوءات البيانية، فإنها على كثرتها و تعرضها للترتيب في غيرهما كادت تكون صريحة في عدم وجوبه، بل قد يظهر من خبر عبد الرحمن بن كثير الهاشمي عن الصادق (عليه السلام) الحاكي لوضوء أمير المؤمنين (عليه السلام) المتضمن للدعاء عند كل عضو، و فيه: «ثمَّ مسح رجليه فقال: اللهم ثبتني على الصراط.» بل هو كالصريح في أنه (عليه السلام) مسحهما معا. و أنه لو وجب لكان شائعا، لعموم البلوى به و تكرره في كل يوم.

و يندفع بتقييد الإطلاقات بصحيح محمد بن مسلم. و لا مجال لتوهينه بإعراض الأصحاب عنه بعد فتوى من عرفت من أعيان الأصحاب بمضمونه، و ظهور حال غير واحد ممن لم يفت بمضمونه في عدم اطلاعهم عليه، حيث لم يشر إليه في المعتبر و المنتهى حتى في دليل الاستحباب، و إنما اعتمدا فيه على المرسل المتقدم مفرقين بين الرجلين و اليدين بوجود الدليل في اليدين، بل صرح في المنتهى بعدم وجدان حديث يدل على الترتيب في الرجلين، و أن حملهما على اليدين قياس، بل يظهر ذلك من بعض من أفتى بالترتيب أيضا، حيث لم يشر في جامع المقاصد و روض الجنان له، بل ذكرا الوجه المتقدم، و كذا الشهيد في الذكرى.

370

و لو فرض اطلاع بعضهم عليه فلعل عدم فتواه بالوجوب لحمله على الاستحباب جمعا مع ما يستدل به لعدمه، كما جرى عليه في الجواهر.

و مع ذلك كيف يمكن إحراز الاعراض الموهن بعد صحة سند الخبر و ظهوره في الوجوب.

و أما عدم التعرض للترتيب في نصوص الوضوءات البيانية فلعله ناشئ من عدم تصدي الراوي للتفصيل، لعدم اهتمامه به، بخلاف اليدين لاحتياج كل منهما لغرفة مختصة بها، و إلا فمن البعيد جدا عدم الترتيب في جميع تلك الوضوءات بين الرجلين. على أن عدم ذكر الترتيب كعدم ذكر خلافه لا يكشف عن أحد الأمرين، بل هو موجب لإجمال حال الفعل المحكي.

و كذا حال خبر عبد الرحمن، إذ حيث كان المهم فيه أدعية الوضوء فلعل عدم التنبيه فيه الترتيب بين الرجلين لوحدة الدعاء لهما أو تكراره فيهما، دون أن يختص كل منهما بدعاء، كما في اليدين.

و أما عموم البلوى بالحكم فهو إنما يكشف عن عدم اعتبار الترتيب لو تعارف عدمه، و لا مجال لدعوى ذلك، بل الظاهر تعارف الترتيب في الجملة، فيستغنى معه عن التنبيه له أو التأكيد عليه، كما هو الحال في المسح بالكف أو بالباطن.

هذا، و مقتضى الاقتصار في المراسم و الذكرى و كشف اللثام و محكي المختلف و غيره في المسألة على حكاية القولين انحصار الخلاف بهما، بل هو ظاهر جامع المقاصد، حيث عبر عن القول بعدم وجوب الترتيب بأنه أحد القولين.

لكن في الحدائق و عن الذكرى و المقاصد العلية و شرح المفاتيح أن في المقام قولا بعدم جواز تقديم اليسرى على اليمنى و جواز تقارنهما.

و في الجواهر: «لم نعرف قائله».

لكنه ظاهر الحر العاملي في الوسائل و محكي البداية، و حكاه في الحدائق عن بعض فضلاء المتأخرين، و عن شرح المفاتيح أن تقديم اليسرى مشكل، و ربما

371

باليسرى [1]. و حكم العضو المقطوع من الممسوح حكم العضو المقطوع من المغسول [2]، ينزل عليه ما عن المقنعة من قوله: «ثمَّ يضع يديه جميعا على ظاهر قدميه، فيمسحهما جميعا معا» لوضوح عدم وجوب المعية بنحو يبعد إرادته له.

و كيف كان، فدليله ما في الاحتجاج عن الحميري عن صاحب الزمان (عليه السلام):

«و سأل عن المسح على الرجلين و بأيهما يبدأ باليمين أو يمسح عليهما جميعا معا؟ فأجاب (عليه السلام): يمسح عليهما معا، فان بدأ بإحداهما قبل الأخرى فلا يبتدئ إلا باليمين» (1).

و لو كان حجة في نفسه لزم لأجله حمل صحيح محمد بن مسلم على الاستحباب جمعا. إلا أنه يشكل البناء على حجيته بعد عدم اتضاح سند الطبرسي للحميري و عدم معروفية مضمون التوقيع الشريف بين الأصحاب. فالالتزام بالترتيب عملا بظاهر الصحيح هو الأحوط، بل الأوفق بالقواعد. و إن كان المظنون قويا إتقان الطبرسي لسند التوقيع. و اللّه سبحانه العالم.

(1) الكلام فيه هو الكلام في وجوب مسح اليمنى باليمنى.

(2) كما صرح به في المبسوط و الشرائع و المعتبر و القواعد و المنتهى، بل في الجواهر نفي وجدان الخلاف فيه، و يظهر من غير واحد المفروغية عنه، و الاكتفاء فيه بما ذكروه في قطع المغسول.

و هو في محله، لعدم خصوصية المغسول بالإضافة إلى ما تقدم من الأدلة، عدا بعض النصوص، و هو لا يهم بعد كون المعول هناك على غيرها، و عمدته الإجماع، و قاعدة الاشتغال.

و منه يظهر لزوم حمل ما تضمن من النصوص إطلاق الغسل في المغسول و الممسوح على التغليب أو غيره مما تقدم التعرض له هناك.

____________

(1) الوسائل باب: 34 من أبواب الوضوء حديث: 5. الاحتجاج ج: 2 ص: 315 طبع النجف الأشرف.

372

و كذا حكم الزائد من الرجل و الرأس (1). و حكم البلة (2) و حكم جفاف الممسوح (3) هذا، و قد تقدم من المعتبر استحباب مسح موضع القطع بالماء مع استيعابه للحد، و لم يذكره هنا.

و كأنه لعدم النص فيه، فعن الذكرى: «لم نقف على نص في مسح موضع القطع كما في اليدين. غير أن الصدوق لما روى عن الكاظم (عليه السلام) غسل الأقطع عضده قال: و كذلك روي في قطع الرجلين».

و لعل الصدوق أشار للنصوص المتقدمة هناك المتضمنة غسل الأقطع أو اقطع اليد أو الرجل موضع القطع بعد حملها في الرجل على المسح. و لعله لذا أفتى في محكي الدروس بالاستحباب. و الأمر سهل.

(1) كما في مفتاح الكرامة، و في الجواهر: «و لعلهم اكتفوا بذكر البحث في اليد الزائدة عن القدم الزائدة، فإن الظاهر كون الحكم فيهما واحدا». و يظهر وجهه مما تقدم هناك.

نعم، تقدم في الاستدلال على وجوب غسل اليد الزائدة إذا نبتت في الحد دون المرفق بعض الوجوه المبتنية على وجوب استيعاب اليد بالغسل، فلا تجري في القدم إذا أمكن الاستيعاب الطولي بدون المسح عليها، لعدم وجوب استيعاب العرض فيه.

و كذا الحال في غير القدم من الزوائد من لحم أو عظم أو غيرهما. لكن تقدم هناك تقريب وجوب غسل كل يد لقاعدة الاشتغال، فيجري ذلك هنا أيضا.

(2) فقد تقدمت قريبا الإشارة إلى الكلام في وجوب المسح ببلة الوضوء، بل خصوص بلة اليد اليمنى و اليسرى، بل الكف، و التحويل في ذلك على ما تقدم في مسح الرأس.

(3) حيث تقدم في المسألة الثالثة و العشرين الكلام في وجوب جفاف الممسوح قبل المسح. فراجع.

373

و الماسح (1) كما سبق.

(مسألة 28): يجب المسح على البشرة (2)، (1) حيث تقدم في المسألة الخامسة و العشرين جواز الأخذ من بلة اللحية و الأشفار عند جفاف بلة اليد، فان النصوص و إن وردت في نسيان مسح الرأس إلا أن وجوب الترتيب مستلزم لجواز مسح الرجل، فيتعدى منه لما إذا جفت البلة بعد مسح الرأس‏بحيث لا يحتاج للأخذ إلا في مسح الرجل‏بفهم عدم الخصوصية عرفا. و قد تقدم هناك تمام الكلام.

(2) فلا يجزي المسح على الشعر بدلها، كما لعله مقتضى التعبير بالبشرة في كلماتهم‏كما استظهره في مفتاح الكرامةو خصوصا ممن خيّر في الرأس بين البشرة و الشعر كالشرائع و القواعد و غيرهما، و لذا ذكر في الحدائق أن ظاهر الأصحاب الاتفاق على ذلك، و قد حكي التصريح بذلك عن الشهيد الثاني في شرح الرسالة.

و العمدة فيه ما تقدم في غسل الوجه و اليدين من خروج الشعر عنها عرفا، بل هو من سنخ النابت فيها.

و الفرق بين الرأس و الرجلين هو غلبة وجود الشعر في الرأس بالنحو الساتر للبشرة، بخلافهما، حيث يندر وجوده فيهما بالنحو المانع من الاستيعاب الطولي، و لا سيما مع غلبة تحرك الشعر الذي عليهما بالمسح بنحو يستلزم مماسة البشرة.

كما أن الفرق بينهما و بين الوجه هو النص الذي كان المتيقن منه المغسول بقرينة ذكر إجراء الماء، بل خصوص الوجه لوروده في ذيل تحديده، كما تقدم.

نعم، تقدم احتمال العموم فيه لكل الأعضاء بالنحو الذي لا يبعد وجوب الاحتياط لأجله بالجمع.

لكنه مختص بالشعر المحيط الذي تحتاج البشرة معه إلى بحث و طلب‏

374

و الأحوط وجوبا مسح الشعر النابت فيها معها (1).

و هومع ندرته أو انعدامه في الرجلين‏لا يمكن استيعاب البشرة معه بالمسح، ليتسنى الاحتياط المذكور، فلا بد أن يكون الكلام في غيره، و قد ظهر عدم الاجتزاء بالمسح عليه.

نعم، لا بد من المسح بالنحو المتعارف الذي يتخلل معه الشعر بالنحو المتعارف، و لا يجب التدقيق في إيصال الماء لما تحت الشعر، لعدم التنبيه في النصوص على ذلك مع غلبة الابتلاء بالشعر في جميع الأصابع أو أكثرها، مع العلم بالاكتفاء بالمسح المتعارف بمقتضى الوضوءات البيانية و غيرها.

و لعل ذلك هو المراد مما في الحدائق و الجواهر من الميل للاجتزاء بالمسح على الشعر، بل لعله ظاهر شيخنا الأعظم (قدّس سرّه).

(1) كما قد يستفاد مما ذكره بعضهم من وجوب غسل الشعر النابت في اليد، إما لدخوله في محل الفرض، أو لكونه من توابع اليد.

لكن تقدم المنع منه، و هو في المقام أولى لاحتياج استيعاب سطوح الشعر بالمسح لعناية لا مجال للبناء عليها بالنظر لنصوص الوضوءات البيانية و غيرها.

و من ثمَّ لا يبعد عدم إرادتهم لذلك في المقام، و إن ذكروه في الغسل.

اللهم إلا أن يراد مسح خصوص السطح الذي يمسح منه بإمرار اليد على البشرة بلا عناية، فلا محذور في البناء عليه إلا منافاته للإطلاقات المقتضية للاجتزاء بمسح البشرة، لخروج الشعر عن حقيقة العضو عرفا، كما تقدم في الوجه و اليدين.

على أن النزاع في ذلك ليس عمليا، إذ مع فرض تحقق مسمى المسح عرضا بدونه لا إشكال في عدم وجوب مسحه عند الكل، و مع توقفه عليه يجب مسحه و لو تبعا، فلا يبقى الفرق إلا بالنية.

375

(مسألة 29): لا يجوز المسح على الحائل (1) (1) و هو مذهب أهل البيت (عليهم السلام) كما في المنتهى، و ادعي الإجماع عليه في المعتبر و المدارك و كشف اللثام، و محكي التذكرة و الذكرى و غيرها.

و هو الظاهر من الإجماع المدعى في الخلاف و الغنية على عدم جواز المسح على الخف، لظهور كلامهما في عدم خصوصية من بين أفراد الحائل، و أظهر منه ما في الناصريات من الإجماع على عدم جواز المسح على الخف و الجورب و الجرموق. قال في الجواهر: «بل الإجماع عليه محصل. و لا ينافيه اشتمال عبارة القدماء على لفظ الخف و الجرموق و الجورب و الشمشك، لظهور إرادتهم من ذلك التمثيل، كما لا يخفى على من لاحظ كلامهم فيه، كالأخبار».

و يقتضيه‏مضافا إلى ذلك، و إلى ظاهر الآية الكريمة و النصوص الكثيرة المتضمنة للمسح على الرجلين‏النصوص الكثيرة المتواترةكما قيل‏الناهية عن المسح على الخفين‏ (1) بنحو يظهر من بعضها عدم الخصوصية لهما، كالنصوص الكثيرة المتضمنة أنه سبق الكتاب الخفين، و أنه مخالف للكتاب، و رواية الكلبي النسابة عن الصادق (عليه السلام) في حديث: «قلت له: ما تقول في المسح على الخفين؟

فتبسم ثمَّ قال: إذا كان يوم القيامة ورد اللّه كل شي‏ء إلى شيئه ورد الجلد إلى الغنم، فترى أصحاب المسح أين يذهب وضوؤهم» (2)، و غيرها.

هذا، و ظاهر الأدلة المتقدمة اعتبار مباشرة الماسح للمسوح، لا مجرد وصول رطوبته إليه، فلا يجوز المسح على الحائل و إن كان رقيقا غير مانع منها، كما تقدم في مسح الرأس.

ثمَّ إنه قد يظهر من العلامة في التذكرة استثناء النعل العربية من ذلك، فيجوز المسح عليها و إن كانت ساترة لشي‏ء من المفروض. و قد يستظهر من كل من خص‏

____________

(1) راجع الوسائل باب: 37 من أبواب الوضوء.

(2) الوسائل باب: 37 من أبواب الوضوء حديث: 4.

376

الحكم بالنعل العربي، للنصوص التي تضمنت المسح على النعل من دون استبطان الشراك، المتقدم بعضها في تحديد الكعب.

قال في التذكرة: «يجوز المسح على النعل العربية و إن لم يدخل يده تحت الشراك. و هل يجزي لو تخلف ما تحته أو بعضه؟ إشكال، أقربه ذلك. و هل ينسحب الحكم إلى ما يشبهه، كالسير في الخشب؟ إشكال. و كذا لو ربط رجله بسير، للحاجة، و في العبث إشكال».

لكن ظاهر المنتهى خصوصية النعل المذكورة من جهة الموضوع لا الحكم، لحكمه بوجوب مسح ما تحت الشراك، و إن لم يدخل يده تحته، كما تضمنته النصوص، و لتعليله جواز المسح عليها بأنها لا تمنع من مسح محل الفرض، و هو الظاهر من كل من علل بذلك، كالشيخ في التهذيب و المحقق في المعتبر.

بل هو صريح ما عن ابن الجنيد، حيث حكى عنه في الذكرى أنه قال في النعال: «و ما كان منها غير مانع لوصول الراحة أو بعضها إلى مماسة القدمين فلا بأس بالمسح عليهما» و ما عن ابن إدريس لقوله: «و أما النعال فما كان منها حائلا بين الماء و القدم لم يجز المسح عليه، و ما لم يمنع من ذلك جاز المسح عليه، سواء كان منسوبا إلى العرب أو العجم». و لا يبعد كون ذلك مراد الكل.

و هو المطابق لإطلاق الكتاب و السنة، و عموم معاقد الإجماع المدعى على عدم جواز المسح على حائل، و من القريب إباء ذلك عن التخصيص لوروده مورد المقابلة للعامة و التشنيع عليهم بمخالفة الكتاب، فان ذلك قرينة عرفا على حمل النصوص المتضمنة للمسح على النعل على ما ذكرنا، و إلا لم يكن وجه للتخصيص بالنعل العربية بعد عدم التقييد بها في شي‏ء من النصوص.

و أما التعبير بالمسح على النعل في بعض النصوص و الفتاوى فلعله كناية عن المسح حين لبسه أو بلحاظ زيادة المسح على المقدار الواجب المستلزم لمرور اليد حين المسح على الشراك.

كما أن ستر النعل لبعض ظهر القدم في جانب الإبهام لا ينافي تحقق‏

377

- كالخف‏إلا لضرورة (1)، المسمى في غير جهته.

و أما التنبيه على عدم استبطان الشراك فلعله لأجل بيان عدم استيعاب ظهر القدم عرضا و أن المسح لا يستمر للمفصل طولا، كما تقدم.

(1) كما صرح به غير واحد، بل ظاهر الناصريات و صريح المختلف و عن الخلاف [1] الإجماع عليه. بل لا يبعد دخوله في معقد الإجماع المدعى في محكي التذكرة و الذكرى على عدم جواز المسح على حائل إلا لضرورة أو تقية، و في الحدائق أن ظاهر كلمة الأصحاب الاتفاق على الجواز.

و يقتضيه الصحيح عن أبي الورد: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): ان أبا ظبيان حدثني أنه رأى عليا (عليه السلام) أراق الماء ثمَّ مسح على الخفين. فقال: كذب أبو ظبيان، أما بلغك قول علي (عليه السلام) فيكم: سبق الكتاب الخفين. فقلت: فهل فيهما رخصه؟

فقال: لا، إلا من عدو تتقيه أو ثلج تخافه على رجليك» (2). و رواية عبد الأعلى مولى آل سام المتقدمة في مسألة إجزاء مسمى المسح عرضا. فان التحويل فيها على عموم نفي الحرج قاض بالتعدي عن موردها، و البناء على عموم سقوط ارتباطية المسح على البشرة بالحرج.

و دعوى: أن دليل الحرج يقتضي سقوط المسح على البشرة، لا بدلية المسح على المرارة عنه، لأنه ناف لا مثبت.

مدفوعة: بأنه يكفي في وجوب المسح على الحائل قاعدة الاشتغال بعد فرض مشروعية الطهارة المائية.

على أنه لا يبعد عموم موردها لما إذا لم يكن وضع المرارة على الظفر للتداوي، بل لتجنب تأثره بالاحتكاك الحاصل بالمشي، فيخرج عن الجبائر و يكون‏

____________

[1] حكاه عنه في مفتاح الكرامة و لم أجده فيه بما تيسر لي من فحص. (منه عفى عنه).

____________

(2) الوسائل باب: 38 من أبواب الوضوء حديث: 5.

378

مما نحن فيه، و يتعدى عن مورده بفهم عدم الخصوصية له.

و أما الإشكال فيها بظهورها في لزوم استيعاب المسح عرضا، فهو لا يمنع من الاستدلال بما تضمنته من الكبرى، و إن أشكل تطبيقها في موردها.

لكن يأتي في المسألة السادسة و الثلاثين في الفصل الآتي الإشكال في استفادة عموم سقوط الارتباطية منها كما يأتي أن مثل التوقي بالمرارة عن الاحتكاك ملحق بالجبائر و التعدي لغيره محتاج إلى دليل. فراجع.

فالعمدة في المقام الصحيح. مضافا إلى تأيد الحكم بما ورد في الجبائر، لقرب فهم عدم الخصوصية لموردها من حيثية سقوط اعتبار المسح على البشرة، و إن لم يكن لذلك مجال في بدلية مسح الحائل، لأنه تعبدي محض، و هو غير مهم بعد كفاية قاعدة الاشتغال فيه.

و كذا يؤيد الحكم بما تقدم في الرأس من النص المتضمن جواز المسح على الحناء المحمول على الضرورة، كما تقدم.

فان ذلك كله يشرف بالفقيه على القطع بابتناء الوضوء على الميسور في المسح على البشرة، و إن لم تكن بدلية المسح على الحاجب ارتكازية، بل تعبدية محضة. مع أن في تسالم الأصحاب على الحكم في المقام و نحوه كفاية بعد كون الحكم موردا للابتلاء العام الذي يمتنع معه عادة خفاء الأحكام.

و أما صحيح إسحاق بن عمار أو موثقة: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن المريض هل له رخصة في المسح؟ فقال: لا» (1).

فلا بد من تنزيله على ما لا ينافي ما تقدم، بحمله على ترك المسح رأسا، أو على لزوم المشقة الخفيفة التي لا تبلغ مرتبة الحرج أو الضرورة العرفية المسوغة للمسح على الحائل.

و بذلك ظهر أنه لا مجال لما في المدارك من التردد في ذلك، و احتمال‏

____________

(1) الوسائل باب: 38 من أبواب الوضوء حديث: 2.

379

أو لتقية (1).

الانتقال للتيمم لتعذر الوضوء بتعذر جزئه بعد ضعف الخبر المتقدم، لجهالة أبي الورد.

فإن ذلك لا يقدح في مثل هذا الخبر المعتضد و المؤيد بما عرفت، و الذي يظهر من الأصحاب الاعتماد عليه و الفتوى بمضمونه. و لا سيما مع إشعار بعض الروايات بمدح أبي الورد، حتى عده المجلسي في وجيزته من الممدوحين.

فراجع و تأمل.

كما ظهر بذلك الوجه في عدم الاقتصار على مورد الخبر المذكورو هو الثلج‏و التعدي لجميع موارد الضرورة، كما هو ظاهر الأصحاب، بل صريح جملة منهم مما يظهر منه فهمهم عدم الخصوصية لمورده.

و ما يظهر من الجواهر من التوقف فيه و الاحتياط بضم التيمم في غير محله بعد ما عرفت.

بل يتجه بلحاظ ذلك التعدي لمسح الرأس أيضا، كما صرح به في المعتبر و المنتهى، و ظاهر الشيخ في الاستبصار و غيره المفروغية عنه، حيث حملوا نصوص المسح على الحناء المتقدمة في مسح الرأس على المشقة في المسح على البشرة. فلاحظ. و اللّه سبحانه و تعالى العالم العاصم.

(1) نسبه في المدارك إلى قطع الأصحاب، و قد حكي نفي الخلاف أو دعوى الإجماع عن غير واحد، منهم الشيخ في الخلاف و العلامة في التذكرة و المختلف و الشهيد في الذكرى، و إن كان ما عثرت عليه من كلام الخلاف ليس صريحا في دعوى الإجماع، بل هو ظاهر في ذلك.

و كيف كان، فيقتضيه خبر أبي الورد و عبد الأعلى المتقدمان. مضافا إلى عمومات التقية المتضمنة للحث عليها، و أنها من دين اللّه تعالى و دينهم (عليهم السلام) و ما عبد اللّه تعالى بشي‏ء أحب إليه منها، و هي أقر لعيونهم (عليهم السلام)، و أحب الأشياء إليهم،

380

و أنها جهاد المؤمن في دولة الباطن، و جنته و ترسه و حرزه، و حصنه، و السد الذي بينه و بين أعدائه، و أنها الحسنة التي تدرأ بها السيئة، و أنه لا دين لمن لا تقية له، و لا إيمان له، و لا خير فيه، و أن اللّه تعالى أبى للشيعة في دينه إلا التقية، و أن أكرم المؤمنين على اللّه تعالى أعملهم بها، و أنها مشروعة في كل ضرورة، و صاحبها أعلم بها، و نحو ذلك مما تضمنته النصوص الكثيرة التي ذكر قسما كبيرا منها في الوسائل. فراجع الباب الرابع و العشرين إلى الباب التاسع و العشرين من أبواب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

اللهم إلا أن يقال: العمومات المذكورة إنما تتضمن الحث على التقية و مشروعيتها تكليفا مداراة للعامة و دفعا لشرهم، و لا تقتضي أجزاء العمل المطابق لها و صحته، لعدم أخذ ذلك في مفهومها و لا يستفاد من مساق أدلتها.

و ما ذكره سيدنا المصنف (قدّس سرّه) من أن ظاهر كونها دينا الاجزاء.

ممنوع، فإنه لا يدل إلا على كون الاتقاء مشروعا في مقابل وجوب الجهر بالحق و الدعوة له، و هو أعم من الاجزاء.

و مثله ما ذكره و سبقه شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) إليه من الاستشهاد لذلك بالاستثناء في الصحيح عن أبي عمر الأعجمي: «قال لي أبو عبد اللّه (عليه السلام): يا أبا عمر: إن تسعة أعشار الدين في التقية، و لا دين لمن لا تقية له، و التقية في كل شي‏ء إلا في النبيذ، و المسح على الخفين» (1).

بدعوى [2]: أن المنصرف من نفي التقية في المسح على الخفين إنما هو بالإضافة إلى الحكم الوضعي، فيدل على عموم المستثنى منه للتكليف و الوضع.

لاندفاعه: بأن بناءهم على جريان التقية في المسح على الخفين ملزم‏

____________

[2] هذه الدعوى لم يصرح بها في كلامهما، و إنما ذكرناها لتوجيه ما ذكراه و تتميمه.

____________

(1) أورد صدره في الوسائل باب: 24 من أبواب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر حديث: 2. و ذيله في باب: 25 من الأبواب المذكورة حديث: 3.

381

بتأويل الخبرلو فرض حجيته في نفسه [1]- بما يناسب ذلك، و ربما يحمل على إرادة عدم الحاجة للتقية فيها، لاختلاف مذاهب المخالفين، فلا خوف من ترك المسح على الخفين الذي هو موضوع التقية، و مع ذلك لا طريق لدعوى الانصراف إلى الحكم الوضعي.

بل لا مجال لدعوى الانصراف للحكم الوضعي في مثل ذلك و عدم إرادة الحكم التكليفي، لمناسبة الحث المذكور لإرادة التكليف. غاية الأمر أن التكليف بالتقية فيما يتصف بالصحة و الفساد مع عدم التنبيه على الفساد يوجب استفادة الصحة فيه تبعا، و هذا لا يجري مع نفي التقية في ذلك و استثنائه من عمومها، كي يدل على عموم المستثنى للوضع. فلاحظ.

و مثله في ذلك ما في صحيح أبي الصباح عن الصادق (عليه السلام): «ما صنعتم من شي‏ء أو حلفتم عليه من يمين في تقية فأنتم منه في سعة» (2) لظهوره في السعة التكليفية.

و دعوى: أن عدم الاجزاء ضيق.

مدفوعة: بأن الضيق مع عدم الاجزاء في جعل التكليف الأولي، لا في نفس الفعل، بخلاف الضيق التكليفي، فإنه في نفس الفعل، و حيث تضمن الصحيح نسبة السعة لنفس الفعل لزم حمله على رفع التكليف، كما في اليمين، كما نبه له سيدنا المصنف (قدّس سرّه).

نعم، قد يستدل على ذلك بموثق سماعة: «سألته عن رجل كان يصلي، فخرج الامام و قد صلى الرجل ركعة من صلاة فريضة. قال: إن كان إماما عدلا فليصل اخرى و ينصرف و يجعلها تطوعا، و ليدخل مع الإمام في صلاته كما هو،

____________

[1] فقد رواه في أصول الكافي [ج: 2 ص: 217 طبعة حديثه‏] عن هشام بن سالم عن أبي عمر، و هو مجهول، و رواه في المحاسن [ص: 205 طبع النجف الأشرف‏] عن هشام بن سالم و عن أبي عمر، و على الثاني يكون صحيحا، إلا أن معارضته برواية الكافي تمنع من الاعتماد عليه، و لا سيما مع اشتهار ضبط الكافي. و أما احتمال تعدد السند فبعيد جدا. (منه عفى عنه).

____________

(2) الوسائل باب: 12 من كتاب الايمان حديث: 2.

382

و إن لم يكن إمام عدل فليبن على صلاته كما هو و يصلي ركعة أخرى، و يجلس قدر ما يقول: أشهد أن لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، و أشهد أن محمدا عبده و رسوله، ثمَّ ليتم صلاته معه على ما استطاع، فإن التقية واسعة، و ليس شي‏ء من التقية إلا و صاحبها مأجور عليها إن شاء اللّه» (1). فإنه كالصريح في صحة الصلاة مع موافقتها للتقية، فيكون ظاهر التعليل في الذيل كون المراد بعموم سعة التقية ما يقتضي السعة الوضعية، الراجعة للاجزاء.

على أنه يبعد حمل العمومات المتقدمة مع كثرتها على خصوص الحكم التكليفي مع ما هو المعلوم من كثرة موارد التقية في العبادات، لكثرة خلاف العامة لنا فيها، و شدة الاهتمام بصحة العمل و إجزائه حينئذ، حيث لا مجال مع ذلك للجمود على مفادها اللفظي و هو رفع التكليف الأولي و الحث على التقية تكليفا، بل يتعين التعميم للاجزاء، و لا سيما مع مناسبته للامتنان و الإرفاق بالشيعة، و لذا كان بناء الشيعة قولا و عملا على الاجزاء في موارد التقية، و عمدة دليلهم على ذلك العمومات المذكورة، و لو لم يرد منها ذلك لم يخف مع كثرة الابتلاء بالحكم المذكور و شدة الاهتمام به، و لكثر السؤال عن ذلك، و كفى بذلك قرينة في المقام.

و أما الاستدلال على العموم المذكور بما في خبر داود الرقي المتضمن للأمر بالتثليث في الوضوء، و فيه قول الصادق (عليه السلام): «هذا هو الكفر أو ضرب الأعناق» (2).

بدعوى: ظهوره في أن الخوف كما يجيز التقية تكليفا يقتضي إجزاء العمل معها، و لذا لم يؤمر بالإعادة بعد ارتفاع موجب التقية، و كذا صحيح داود بن زربي‏ (3) و ما ورد في قصة علي بن يقطين‏ (4)- و إن كانا خاصين بموردهما و لا ظهور لهما في العموم.

____________

(1) الوسائل باب: 56 من أبواب صلاة الجماعة حديث: 2.

(2) الوسائل باب: 32 من أبواب الوضوء حديث: 2.

(3) الوسائل باب: 32 من أبواب الوضوء حديث: 1.

(4) الوسائل باب: 32 من أبواب الوضوء حديث: 3.

383

فلا مجال له، لأن الظاهر خروجها عما نحن فيه، و ورودها في جواز الفتوى بغير الحق تقية على المستفتي، إذ لا ريب في عدم كون جميع الوقائع التي ابتلي فيها المستفتي بالوضوء المذكور من موارد التقية، لطول المدة، و إنما افتي بذلك ليلتزم به في خلواته، كي تظهر للمتجسس عليه في غفلته من أهل الباطل في واقعة واحدة براءته من تهمة الرفض، فالأمر المذكور غير صادر لبيان الحكم الواقعي، و إن كان حجة موجبة للحكم الظاهري في حق المستفتي بمقتضى أصالة الجهة.

فهذه النصوص دليل على الاجزاء مع موافقة الحكم الكلي الظاهري مع الخطأ، كما تقدم تقريبه في مباحث الاجتهاد و التقليد، لا على إجزاء العمل الاضطراري الصادر تقية، الذي هو محل الكلام في المقام. و إن كان ثبوته بالأولوية العرفية قريبا جدا. فتأمل. على أنه يكفي في إثبات عموم الاجزاء ما تقدم.

هذا و في الهداية: «و لا تقية في ثلاثة أشياء: في شرب المسكر و المسح على الخفين و متعة الحج»، و قريب منه في بعض نسخ المقنع، و في نسخة اخرى نسبته للرواية من دون تصريح بالفتوى بمضمونه، كما في المفاتيح، و كذا في الفقيه، لكن بعد الفتوى بجواز التقية في ذلك.

و كيف كان، فيقتضيه الاستثناء في خبر أبي عمر المتقدم، و في صحيح زرارة: «قلت له: في مسح الخفين تقية؟ فقال: ثلاثة لا أتقي فيهن أحدا: شرب المسكر و مسح الخفين و متعة الحج. قال زرارة: و لم يقل: الواجب عليكم أن لا تتقوا فيهن أحدا» (1)، و صحيحة الآخر عن غير واحد: «قلت لأبي جعفر (عليه السلام): في المسح على الخفين تقية؟ قال: لا يتقى في ثلاث. قلنا: و ما هن؟ قال: شرب الخمر، أو قال: شرب المسكر و المسح على الخفين و متعة الحج» (2)، و في حديث‏

____________

(1) الوسائل باب: 38 من أبواب الوضوء حديث: 1.

(2) فروع الكافي ج: 2 ص: 195 كتاب الأطعمة و الأشربة.

384

كما يجوز العمل عليهما في سائر (1) أفعال الوضوء.

الأربعمائة: «ليس في شرب المسكر و المسح على الخفين تقية» (1).

لكن ظهور تسالم الأصحاب على جواز التقية في المسح على الخفين الراجع إلى الإعراض عن النصوص المذكورة، و مخالفتها لما تقدم، بل لما هو المعلوم من مشروعية التقية في ذلك في الجملة و لو مع خوف القتل أو نحوه من الإضرار المهمة، موجب لإجمالها، أو ملزم بتأويلها بما لا ينافيه، كما يظهر من الأصحاب، فتحمل على عدم الحاجة للتقية، لعدم الخوف فيها بسبب اختلاف العامة في ذلك و تفصيلهم في مشروعيته، أو عدم رجحان التقية فيه أو عدم مشروعيتها لغير الضرورة، و نحو ذلك مما لعله يأتي التعرض له عند الكلام في اعتبار عدم المندوحة.

و أما حملها على اختصاص عدم التقية به (عليه السلام)، فهو إنما يناسب صحيح زرارة الأول، كما فهمه زرارة نفسه، دون غيره، كما لا يخفى.

(1) أما في التقية فللعمومات المتقدمة. مضافا إلى ما ورد في تثليث الوضوء مما تقدمت إليه الإشارة، و تقدم قرب استفادة الاجزاء منه، و إلى مرسل العياشي المتقدم في وجوب الابتداء بالمرفقين المتضمن جواز رد الشعر للمتوضئ إذا كان عنده غيره. و إلى ما في مفتاح الكرامة من استفاضة نقل الإجماع على اجزاء غسل الرجلين عن مسحهما التقية.

و أما في غيرها من أفراد الضرورة فلم يتضح الوجه فيه، لعدم عموم يقتضي إجزاء الناقص معها، فالمتعين الانتقال للتيمم إلا بدليل خاص يقتضي الاجتزاء بالناقص، و يأتي بعض الفروع المبنية على ذلك في أحكام الجبائر.

____________

(1) الوسائل باب: 38 من أبواب الوضوء حديث: 18.

385

(مسألة 30): لو دار الأمر بين المسح على الخف و الغسل للرجلين للتقية اختار الثاني (1).

(1) كما في الروض و كشف اللثام و ظاهر المدارك، و عن الذخيرة نسبته للأصحاب، و نسبه في الحدائق إلى تصريح جملة منهم، و نسبه شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) و غيره إلى المشهور. و علله في الروض بأنه أقرب إلى الواجب الأصلي.

خلافا لما يظهر من الحدائق من الميل إلى التخيير، و قواه السيد الطباطبائي في العروة الوثقى، و لعله إليه يرجع ما عن التذكرة و البيان من أن الغسل حينئذ أولى، و إن كان ظاهر الرياض التردد في الأولوية أيضا.

قال سيدنا المصنف (قدّس سرّه): «كأنه لإطلاق أدلة التقية، لكون كل منهما موافقا للتقية و مخالفا للواجب الأولى. و مجرد أقربية أحدهما لا توجب انصراف الإطلاق إليه».

اللهم إلا أن يدعى أن قوله (عليه السلام) في موثق سماعة المتقدم: «ثمَّ ليتم معه صلاته على ما استطاع»، و نحوه مما دل على اعتبار عدم المندوحة في أداء التقية ظاهر في أن الفعل الصادر تقية من سنخ البدل الاضطراري حين تحقق موضوع التقية، و ذلك قرينة عرفية على لزوم اختيار الأقرب للواجب الأصلي، و مع ذلك يشكل التمسك بالإطلاق، إذ لا أقل من إجماله من هذه الجهة، الملزم بالرجوع للأصل المقتضي للاحتياط في المقام. فتأمل.

هذا، و قد ذكر الفقيه الهمداني (قدّس سرّه) أن ذلك مقتضى الجمع بين خبر أبي الورد و النصوص الناهية عن التقية في مسح الخفين، لأن الخبر نص في مشروعيتها في الجملة، و النصوص ظاهرة في عدم مشروعيتها مطلقا، فيجمع بينهما بحمل الخبر على مشروعيتها مع انحصار التقية بالمسح تخصيصا للنصوص المذكورة.

و كأنه لدعوى: أن المستثنى منه في خبر أبي الورد لما كان هو نفي الرخصة مطلقا كان مقتضى الاستثناء هو ثبوتها في الجملة مع التقية، لأن نقيض السلب‏

386

(مسألة 31): يعتبر عدم المندوحة في مكان التقية على الأقوى (1)، الكلي هو الإيجاب الجزئي لا الكلي.

لكنه يندفع بأن مفاد الاستثناء ليس هو نقيض عموم المستثنى منه في حق المستثنى، كما في المفهوم و المنطوق، كيف و المستثنى بعض أفراد المستثنى منه، بل مفاده إخراج المستثنى عن عموم الحكم الثابت للمستثنى منه المستلزم لثبوت نقيضه له، و مقتضى الإطلاق في المستثنى عموم خروجه عن الحكم المذكور، و ثبوت نقيضه له مطلقا.

على أنه لو فرض الإهمال فيه بحسب مدلوله اللفظي فوروده في مقام البيان المستتبع للعمل قرينة على إرادة الإطلاق منه، لأن القضية المهملة و الجزئية لا يترتب عليها العمل.

و لذا لا يظن منه (قدّس سرّه) الالتزام بذلك في الخوف من الثلج الذي تضمنه الخبر أيضا، بل و لا في التقية لو لم ترد النصوص المانعة.

فالظاهر استحكام التعارض بين الخبر و النصوص المذكورة و ترجيحه عليها، لما تقدم.

(1) كما قواه في العروة الوثقى، و ظاهر الفقيه الهمداني (قدّس سرّه) المفروغية عنه، حيث ذكر في توجيه النصوص المتقدمة المانعة من التقية في مسح الخفين أن المتوضئ يتمكن من تلبيس الأمر عليهم بإيجاد مسح الرجلين عند اختيار الغسل.

و يكفي فيه قصور أدلة التقية عن ذلك، لظهور إناطة الحكم بها في كونه من سنخ البدل الاضطراري حين الابتلاء بها، فلا مجال له مع المندوحة. مضافا إلى موثق سماعة المتقدم الظاهر في لزوم تحصيل ما هو المستطاع من الواجب الأصلي، و يستفاد من غيره من نصوص الصلاة خلف المخالفين للأمر فيها بالقراءة سرا (1).

____________

(1) راجع الوسائل باب: 33، 34، 35 من أبواب صلاة الجماعة.

387

فلو أمكنه ترك التقية و إراءتهم المسح على الخفين مثلا لم تشرع التقية، و لا يعتبر عدم المندوحة في الحضور في مكان التقية (1) لكن في صحيح معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «سألته عن الرجل يؤم القوم و أنت لا ترضى به في صلاة تجهر فيها بالقراءة. فقال: إذا سمعت كتاب اللّه يتلى فأنصت. فقلت: فإنه يشهد علي بالشرك. فقال: إن عصى اللّه فأطع اللّه.

فرددت عليه فأبى أن يرخص لي. فقلت له: أصلي إذن في بيتي ثمَّ أخرج إليه.

فقال: أنت و ذاك.» (1) و نحوه غيره مما هو ظاهر أو صريح في عدم وجوب القراءة و الاجتزاء بقراءة الإمام.

إلا أنهامع مخالفتها للنصوص الكثيرة الظاهرة في وجوب القراءة حتى في الجهريةإنما تقتضي عدم القراءة في الجهرية لأجل وجوب الإنصات شرعا، الراجع إلى عدم المندوحة في ترك القراءة، فلا تنافي ما تقدم.

نعم، في خبر زرارة أو حسنه، عن أبي جعفر (عليه السلام): «قال: لا بأس بأن تصلي خلف الناصب، و لا تقرأ خلفه فيما يجهر فيه، فان قراءته يجزيك إذا سمعتها» (2)، و ظاهره إجزاء قراءة الإمام بنفسها، لا لوجوب الإنصات.

لكنه مخالف للنصوص الكثيرة الظاهرة أو الصريحة في عدم الاعتداد بقراءتهم، و أنهم كالجدر. فلا بد من تأويله أو حمله على التقية في الفتوى أو نحوهما، و لا يخرج به عما ذكرنا.

(1) كما في الروض و عن البيان و غيره و صرح به في جامع المقاصد في غسل الرجلين للتقية، خلافا للمدارك و عن غيره، بل هو ظاهر كل من اقتصر في دليل مشروعية التقية على الضرر و الحرج، لظهوره في كونها من سنخ الابدال الاضطرارية التي يعتبر فيها عدم المندوحة ارتكازا.

و عن المحقق الثاني في بعض فوائده التفصيل، فما كان الأمر فيه بالتقية

____________

(1) الوسائل باب: 34 من أبواب صلاة الجماعة حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 34 من أبواب صلاة الجماعة حديث: 5.

388

بطريق الخصوص يصح و لو مع المندوحة، مدعيا عدم العثور على الخلاف فيه، و ما كان الأمر فيه بها بطريق العموم لا يصح مع المندوحة، فيجب فيه الإعادة، و مع تعذرها يتوقف وجوب القضاء على دليل خاص، لأنه بأمر جديد.

و كأنه لدعوى: قصور عمومات التقية عن صورة وجود المندوحة، لورودها مورد الابدال الاضطرارية المعتبر فيها ارتكازا عدم المندوحة.

لكن هذا كما يجري في العمومات يجري في الأدلة الخاصة. نعم، قد يدعى قصور العمومات عن إفادة الاجزاء، بخلاف الأدلة الخاصة، لورودها في الموارد التي يكون الغرض المهم فيها الاجزاء. و هذا أمر آخر لو تمَّ اقتضى عدم الاجزاء في المورد الذي ينحصر فيه الدليل بعمومات التقية حتى مع عدم المندوحة، فيجب القضاء فيما يقضى، كما لو فرط في الإعادة.

و قد تقدم عدم تمامية ذلك و نهوض العمومات بإثبات الإجزاء.

بل الإنصاف أن ما ذكر من الوجه قد يتم في بعض الأدلة الخاصة، لعدم ورودها مورد الحث و الترغيب، بل في مقام تشريع التقية لا غير، فقد يتجه حملها على خصوص صورة عدم المندوحة للقرينة المذكورة.

و هذا بخلاف العمومات، لظهورها في كون الاضطرار و دفع شر المخالفين حكمة نوعية لاحظها الشارع في تشريع التقية، لا علة شخصية يدور الحكم مدارها بنحو لا بد من إحراز المكلف لها، كما يناسبه ورود العمومات مورد الحث على التقية و الترغيب فيها و إحداث الدواعي لها مما لا يناسب اختصاص حكمها بالاضطرار و عدم المندوحة جدا.

بل هو لا يناسب ما تقدم في موثق سماعة، لصعوبة حمله على صورة عدم المندوحة الطولية بالصلاة في وقت آخر، و العرضية بالصلاة فرادى في نفس الوقت. بل اشتمال صدره على حكم الامام العدل مانع من الحمل على خصوص الصورة المذكورة، كما نبه له سيدنا المصنف (قدّس سرّه).

و كذا ما ورد في الحث على الصلاة مع المخالفين و شدة الترغيب إليها. بل‏

389

صحيح معاوية بن وهب المتقدم كالصريح في أن الصلاة فرادى في البيت قبل الصلاة معهم تكلف من الراوي غير واجب عليه، و هو من أفراد المندوحة.

على أن إناطة الحكم بعدم المندوحة يخل بالغرض الذي شرعت لأجله التقية، لغلبة وجود المندوحة، فلو صار بناء أفراد الشيعة على تحريها لأدى ذلك إلى تركهم الحضور مع العامة و عدم مخالطتهم لهم، لأن الإنسان إنما يدرك غالبا ضروراته الشخصية التي تحفظه، و لا يتسنى له تحديد الضرورات النوعية التي تحفظ نوع الشيعة، ليحافظ عليها، فمع اعتقاده بعدم الضرر الشخصي يغفل عن الضرر النوعي و يترك محافظة العامة و يحترز بعمله، ليجزيه، و هذا يؤدى إلى ظهور حال الشيعة و وغر الصدور عليهم، فينتقض غرض الشارع الأقدس من تشريع التقية.

نعم، في صحيح البزنطي عن إبراهيم بن شيبة: «كتبت إلى أبي جعفر الثاني (عليه السلام) أسأله عن الصلاة خلف من يتولى أمير المؤمنين (عليه السلام) و هو يرى المسح على الخفين، أو خلف من يحرّم المسح و هو يمسح. فكتب (عليه السلام): إن جامعك و إياهم موضع فلم تجد بدا من الصلاة فأذن لنفسك و أقم، فإن سبقك إلى القراءة فسبح» (1)، و هو ظاهر في اعتبار عدم المندوحة العرضية.

لكن ظاهر صدره إرادة الشيعي بالمعنى الأعم إذا كان يرى المسح، و لم يتضح دخوله في عمومات التقية، ليكون منافيا لما تقدم، لأن المتيقن منها المخالفون الذين لهم الدولة و السلطان و الذين لا يتدينون بموالاته (عليه السلام) دون بقية الفرق ممن لا دولة لهم و لا سلطان.

نعم، من يحرّم المسح على الخفين لا يختص بالشيعة، فقد نقل القول بحرمته عن جماعة من الصحابة و التابعين.

لكن اشتهار جوازه عند العامة خصوصا في عصر صدور الحديث المذكور يوجب انصرافه عنهم إلى غيرهم ممن لا دولة له و لا سلطان. و لا أقل من‏

____________

(1) الوسائل باب: 33 من أبواب صلاة الجماعة حديث: 2.

390

اختصاصه بمن يكون عمله على خلاف مذهبه، حيث قد يدعى انصراف العمومات و قصورها عن مورده أيضا، أو تخصيصها به‏لو فرض حجيته في نفسه- و يكون تشريع التقية في مورده مختصا بعدم المندوحة العرضية، و إلا فلا مجال للخروج به عما تقدم من النصوص الكثيرة التي لا مجال لحملها على صورة عدم المندوحة، كما تقدم.

هذا، و لكن ينبغي التنبيه على أمر يحتاج توضيحه إلى تقديم مقدمة. و هي أن الظاهر أنه يكفي في مشروعية التقية التحبب للعامة الذي يقتضيه حسن المعاشرة معهم، فضلا عن دفع شرهم عن النفس أو الأهل أو الأخوان المؤمنين، بل يكفي تحبيب نوع الشيعة و تحبيب أئمتهم (عليهم السلام) لهم، و إن لم يكن لها دخل في تحبيب شخص العامل بها.

كما يشهد به جملة من النصوص كالصحيح عن هشام الكندي [1]: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: إياكم أن تعملوا عملا نعير به، فان ولد السوء يعير والده بعمله، كونوا لمن انقطعتم إليه زينا و لا تكونوا عليه شينا. صلّوا في عشائرهم، و عودوا مرضاهم. و اللّه ما عبد اللّه بشي‏ء أحب إليه من الخباء. قلت: و ما الخباء؟

قال: التقية» (2)، و صحيح عبد اللّه بن سنان: «سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: أوصيكم بتقوى اللّه، و لا تحملوا الناس على أكتافكم فتذلوا. إن اللّه عز و جل يقول في كتابه‏ وَ قُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً، ثمَّ قال: عودوا مرضاهم، و احضروا جنائزهم و اشهدوا لهم و عليهم، و صلوا معهم في مساجدهم، حتى يكون التمييز و تكون المباينة منكم و منهم» (3) و قريب منها أخبار زيد الشحام‏ (4) و حبيب‏

____________

[1] ليس فيمن يسمى بهشام من الرواة من ينسب لكندة غير هشام بن الحكم، و من هنا كان الظاهر إرادته في المقام و إن لم يتعارف التعبير عنه بذلك في الأسانيد، و هو الذي فهمه في جامع الرواة فتكون الرواية صحيحة، و لا سيما مع كون الراوي عنه هذا الحديث علي بن الحكم، و لم ينقل روايته عمن يسمى بهشام غير هشام بن الحكم و هشام بن سالم الجواليقي، و كلاهما صحيح. (منه عفى عنه).

____________

(2) الوسائل باب: 26 من أبواب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر حديث: 2.

(3) الوسائل باب: 1 من أبواب أحكام العشرة حديث: 6.

(4) الوسائل باب: 75 من أبواب صلاة الجماعة حديث: 1.

391

الخثعمي‏ (1) و كثير بن علقمة (2) و مرازم‏ (3).

نعم، لو لم يحصل من موافقتهم في العمل شي‏ء من ذلك، لظهور مذهب الشيعة عندهم و وضوح تشيع الشخص و عدم انتظارهم منه المتابعةكما هو الحال في كثير من البلاد في زماننالم تشرع التقية، لقصور الأدلة المتقدمة عن ذلك. بل قد تحمل المتابعة على محض التزلف و النفاق و ضعف العقيدة و نحوها مما يوهن الفرقة الحقة زادها اللّه عزا و شرفا و تأييدا و تسديدا.

هذا، و من الظاهر أن حسن المخالطة و المعاشرة لا يتوقف على حضور مكان التقية و العمل على طبقها في جميع الأفعال، بل يختص ببعضها مما يتعارف فيه الاجتماع و يكون تركه مثارا للاتهام، كالصلاة و النفر في الحج و تشييع الجنائز، دون مثل الوضوء و الغسل مما يتعارف إتيان الإنسان به في بيته، حيث لا يحتاج للتقية في بإظهاره للعامة، و إن كان قد يحتاج إليها في كيفية أدائه‏لو فرض اطلاعهم عليه.

إذا عرفت هذا فإن أريد من عدم المندوحة تعذر الإتيان بالواجب الأولي في وقت آخر و لو مع الإتيان بما يوافق التقية، فلا ينبغي الإشكال في عدم اعتباره، لما تقدم. و إن أريد منه توقف الغرض الموجب لتشريع التقيةو لو كان هو حسن المخالطة و المعاشرةعلى الفعل الموافق لها، بحيث لولاها لما تأتى الغرض المذكور، فاعتباره متعين، لأنه يرجع في الحقيقة إلى القدرة على رفع موضوع التقية نظير القدرة على هداية المخالف لترتفع التقية منه، أو حجزه عن الإيذاء، كي لا يخشى منه، و مقتضى ورود التقية مورد البدل الاضطراري قصورها عن الصورة المذكورة.

____________

(1) الوسائل باب: 1 من أبواب أحكام العشرة حديث: 4.

(2) الوسائل باب: 1 من أبواب أحكام العشرة حديث: 8.

(3) الوسائل باب: 1 من أبواب أحكام العشرة حديث: 5.

392

و أما نصوص الحث على التقية فهي لا تنافي ذلك، لأن الحث قد يكون لبيان الاكتفاء في تشريعها بالتحبب الذي هو مقتضى حسن المخالطة و جميل المعاشرة و عدم توقفها على الضرورة العرفية الشخصية فإن ذلك لا ينهض لداعوية المكلف للتقية المبنية على مجاملة العدو، المستلزمة لترك التكليف الأولي لو لا الحث من الشارع بالوجه المذكور. و كذا نصوص الحث على الصلاة معهم، لورودها مورد الحث على حسن معاشرتهم، فهي ظاهرة في توقف حسن المعاشرة على ذلك و عدم المندوحة عنه بالإضافة إلى الغرض المذكور.

و هذا لا يجري في مثل الوضوء مما لا دخل لإيقاعه أمامهم بحسن المعاشرة، فلا وجه للتقية فيه مع المندوحة عنه. إلا أن يتوقف حصول غرض التقية، على إيقاعه أمامهم، إما لدفع التهمة به، أو لضيق الوقت، أو لتوقف إيقاع الصلاة معهم عليه في ظرف لزوم إيقاعها معهم و لو لحسن المعاشرة أو نحو ذلك مما يرجع إلى لابدية وقوعه بوجه التقية.

و قد تحصل بما ذكرنا: أن المعتبر في المقام عدم المندوحة عن العمل المتقى به، بمعنى لزوم إيقاعه، لا بمعنى تعذر الإتيان بالواجب الأصلي و لو منضما إليه قبله أو بعده. كما أنه يكفي عدم المندوحة بلحاظ التحبب الذي هو مقتضى حسن المعاشرة، و لا يلزم خوف الضرر و نحوه مما يرجع إلى الاضطرار.

بقي في المقام أمور.

الأول‏: أن الظاهر أن موضوع التقية هو العدو ذو القوة و السلطنة الذي يضطر لمجاملته و مجاراته، كافرا كان أو مخالفا أو غيرهما، كما هو مقتضى ظاهر إطلاق التقية، و ما دل على أنها جنة المؤمن و ترسه و حرزه و حصنه و السد الذي بينه و بين أعدائه، و ما ورد في أهل الكهف و أبي طالب (عليه السلام) من أنهم أسرّوا الإيمان و أظهروا الشرك، و في قضية عمار (1).

____________

(1) تراجع النصوص المذكورة في الوسائل في باب: 34 إلى 29 من أبواب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر.

393

مضافا إلى موثق مسعدة بن صدقة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث في التقية: «و تفسير ما يتقى مثل أن يكون قوم سوء، ظاهر حكمهم و فعلهم على غير حكم الحق و فعله، فكل شي‏ء يعمل المؤمن بينهم لمكان التقية مما لا يؤدي إلى الفساد في الدين فإنه جائز» (1).

و الظاهر أن المراد بالفساد في الدين الفساد العام، كضياع معالمه، لا ترك المكلف للواجب الأصلي، لابتناء التقية على ذلك، فتشريعها يخرج ذلك عن كونه فسادا في دين الشخص.

نعم، المتيقن من الاجزاء مع مخالفة الحكم الأولي صورة الإتيان بالواجب على وجه المتابعة لهم بالنحو الذي يرونه عليه، فلو ترك الواجب رأسا تقية منهم، فلا إجزاء، و كذا لو أتى به على غير ما يرونه و لو لأنهم لا يعترفون بالواجب، كما لو أمكن الصلاة إيماء تقية من منكر وجوبها، أو لأنهم لا يصدقونه في دعوى فقد الشرط، أو يخشى من بيان ذلك لهم، مع اعترافهم باعتبار الشرط، كما لو تخيلوا أن اعتذاره بالحدث تهرب من الصلاة معهم، أو كانوا يمنعون من تأخير الطهارة لذلك الوقت.

نعم، لو فرض قيام الدليل على كفاية ذلك من جهة الاضطرارلا من جهة التقيةأجزأت، بشرط عدم المندوحة الطولية و العرضية، كما هو الحال في سائر الابدال الاضطرارية.

و منه يظهر عدم الاجتزاء بما يخالف مذهب المتقى منه و إن تأدت به التقية لعدم كونه في مقام الإنكار على فاعله، كما عليه سيرتهم في مذاهبهم المعترف بها.

و لا مجال للتمسك فيه بإطلاق التقية، لأن الإطلاق الشامل لذلك هو إطلاق حكمها التكليفي، و هو كما يشمله الإتيان بصورة العمل، و غيره مما تقدم، لأن المعيار فيها محض المجاملة و تجنب المنافرة و لا إشكال في عدم كونه معيارا

____________

(1) الوسائل باب: 25 من أبواب الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر حديث: 6.

394

في الاجزاء، بل المتيقن من دليله ما ذكرنا.

نعم، لو كان مخالفته في المذهب فيما هو الحق عندنا أيضا، كترك التكفير، لزم لرجوعه إلى وجود المندوحة في نفس الأداء الذي تقدم اعتباره في إجزاء التقية. فلاحظ.

الثاني‏: حيث عرفت أنه يعتبر عدم المندوحة بالوجه المتقدم، فيقع الكلام فيما لو رفع المكلف المندوحة، كما لو لم يتوقف غرض التقية على الحضور مع المخالفين عند الوضوء، و بسبب حضور المكلف عندهم توقف غرضها على الوضوء أمامهم.

و لا الإشكال في حسن التقية أو لزومها في الجملةحسب نوع الغرض المصحح لهالإطلاق أدلة الحث عليها. و إنما الإشكال في الاجزاء، لأن الدليل عليه ينحصر بظهور الإجماع، و العمومات، و موثق سماعة، و نصوص الحث على الصلاة مع المخالفين.

لكن هذه الصورة غير داخلة في المتيقن من الإجماع‏لو تمَّ. و العمومات قد عرفت عدم استفادة الاجزاء منها إلا بضميمة كثرة موارد الاهتمام به فيما هو موضوع التقية، بنحو يبعد عدم إرادته، و لا سيما مع معروفية الاجزاء عند المتشرعة و عمدة الدليل لهم عليه العمومات المذكورة، و هذا لا يقتضي استفادة عموم الاجزاء منها، بل ثبوته في الجملة من جهة الموارد و الأحوال.

إلا أن عدم الخصوصية عرفا للموارد، و لا سيما بقرينة ورود الحكم مورد الإرفاق و الامتنان الذي لا يختص ببعضها، و ثبوت الاجزاء في مثل الصلاة و الطهارة من الأمور المهمة موجب لاستفادة العموم من حيثية الموارد، دون الأحوال، فالتعميم لكل خصوصية حالية محتاج لدليل و إن كان هو القطع بعدم دخلها، و لا طريق لاستفادة الاجزاء منها في محل الكلام، و لا سيما مع قصور قرينة الامتنان عن شموله. فتأمل جيدا.

و أمّا موثق سماعة و نصوص الحث على الصلاة معهم فهي واردة في مورد

395

عدم المندوحة بلحاظ غرض التحبب بلا توسط اختيار المكلف، لما عرفت من ابتناء الصلاة على الاجتماع و استنكار الاعتزال فيها عن العامة. فالبناء على عدم الاجزاء هو الأوفق بإطلاق الاحكام الأولية.

نعم، مقتضى إطلاق خبر أبي الورد عموم الاجزاء مع عدم المندوحة و لو كانت بفعل المكلف. إلا أنه لو تمَّ و لم ينصرف عن هذه الصورة مختص بالمسح على الخف و بالتقية الناشئة من الخوف، دون ما يكون للتحبب، لظهور قوله (عليه السلام):

«تتقيه» في ذلك.

و تعميم التقية التي حث عليها الشارع الأقدس للتحبب بقرينة النصوص السابقة لا يقتضي التعميم فيه، لعدم ثبوت نقل المادة شرعا عن معناها بذلك بنحو تدل عليه في سائر الهيآت. فتأمل جيدا.

هذا، و لو كان رفع المكلف للمندوحة ناشئا عن غفلته أو جهله بالحال فلا ينبغي التأمل في الاجزاء، لمناسبته للإرفاق و الامتنان، و لابتناء كثير من موارد التقية على ذلك، بنحو لا مجال لإخراج هذه الصورة عنها.

ثمَّ إنه في مورد عدم الاجزاء إن أمكن التدارك في الوقت فلا مزاحم لحسن التقية أو لزومها تكليفا الذي عرفت أنه مقتضى إطلاق أدلتها.

و إن تعذر كان وجوب الواجب مزاحما للتكليف بالتقية، فيقدم الأهم، كما هو القاعدة في باب التزاحم. و إن كان الظاهر استحقاق العقاب على التقصير و تفويت المهم بسبب اختيار مورد التزاحم الملزم بتفويته عقلا.

و دعوى: أن عمومات التقية مخصصة لعمومات التكاليف الأولية فلا تنهض بمزاحمتها.

مدفوعة: بأن تخصيصها لها مشروط بعدم المندوحة كما سبق، فلا يجوز رفع المندوحة و تفويت الواجب الأولي بعد فرض قصور دليل البدلية، فلو فوته كان مسؤولا به، و هو مستلزم للتزاحم بينه و بينها.

بل يمكن دعوى ذلك فيما لو لزم من التقية مخالفة تكليف إلزامي، و لو كان‏

396

هو فوت الواجب الاختياري و الاكتفاء بما يطابق التقية في مورد الاجزاء، لظهور أدلتها في عدم ارتفاع ملاك الحكم الواقعي، و أن تشريعها لوجود المزاحم، فمع فرض استناد المزاحم لاختيار المكلف و إن سقط التكليف به خطابا، إلا أن المكلف محاسب عليه و يستحق العقاب عليه عقلا. فتأمل جيدا.

الثالث‏: ما تقدم إنما يقتضي إجزاء العمل الموافق للتقية في مورد الخطاب الإلزامي أو الاقتضائي الذي هو موضوع للامتثال، دون الصحة في التسبيبات المحضة التي لا تكون موردا للتكليف كالتذكية و العقود و الإيقاعات، لقصور جميع الأدلة المتقدمة عنها، إذ لا موهم لا فائدة الصحة فيها مما سبق من أدلة الاجزاء الا العمومات التي تقدم عدم دلالتها على الاجزاء بدوا إلا في الجملة، و أن استفادة عمومه من حيثية الموارد لفهم عدم الخصوصية عرفا، و لا مجال لدعوى ذلك في المقام مما لا يرجع إلى السعة لا في مقام العمل، و لا في جعل التكليف الأولي، لفرض عدم التكليف رأسا و انحصار الأمر في السببية.

و بذلك ظهر عدم الاجزاء في مثل التطهير من الخبث.

و دعوى: أنه موضوع للتكليف الغيري، حيث يتوقف عليه مثل الصلاة مما يعتبر فيه الطهارة.

مدفوعة: بأن ما هو القيد في مثل الصلاة ليس هو السبب بنفسه، بل هو المسبب، و هو الطهارة الخبثية، و ليس الخلاف بيننا و بينهم في اعتبارها ليكون مقتضى أدلة التقية السعة في مقام الجعل بالإضافة إليها و سقوط قيديتها، بل في سببها، و قد عرفت قصور أدلة التقية عن إثبات الصحة في الأسباب.

و من هنا يشكل الاستدلال بالعمومات و نحوها على إجزاء التقية في الوضوء و الغسل و التيمم حيث يكون موضوع التكليف فيه هو المسبب، و هو الطهارة، لا السبب، كما أشرنا إليه غير مرة.

اللهم إلا أن يقال: نصوص المسح على الخفين و لا سيما خبر أبي عمر الأعجمي ظاهرة في المفروغية عن جريان التقية في غيره من أفعال‏

397

و زمانها كما لا يجب بذل مال لرفع التقية (1)، الوضوء، و حيث كان من المعلوم أن الغرض المهم للآتي بها الاجزاء و تحصل الطهارة، لا محض الإتيان بصورة الوضوء، لعدم الداعي له غالبا بعد عدم توقف حصول غرض التقية على الوضوء أمامهم، كما سبق، كشف عن الاجزاء فيه.

و هذا لا ينافي ما سبق منا عند الكلام في عمومات التقية من عدم كون الاستثناء في خبر أبي عمر قرينة على حملها على الاجزاء، لأن عدم كونه قرينة على سوق العموم للاجزاء لا ينافي دلالته على الاجزاء في أفعال الوضوء بالقرينة المذكورة.

هذا، مضافا إلى ظهور تسالم الأصحاب على عموم إجزاء الوضوء تقية، إذ يمتنع عادة خفاء ذلك عليهم مع ظهور كثرة الابتلاء به في العصور السابقة، كما تشهد به النصوص. و لا سيما مع تأيده بورود الترخيص في المسح على الخفين، الذي هو أبعد ارتكازا عن الواجب الأصلي من غيره من موارد مخالفتهم لنا. بل يؤيده أيضا ما ثبت في كثير من الموارد من ابتناء الوضوء على الميسور، فإن ذلك كله كاشف عن وضوح شمول العمومات للوضوء، و لو لإلحاقه بالصلاة لشدة ارتباطه بها و كثرة مخالفتهم لنا فيهما. فتأمل.

(1) هذا ظاهر بناء على جواز وضوء التقية مع المندوحة. أما بناء على ما عرفت من عدم جوازه إلا مع عدم المندوحة عنه فاللازم وجوب بذل المال للتخلص منه.

و مجرد عدم وجوب الإعادة لا يوجب كونه في عرض الواقع، بل غاية ما يكشف عنه كون أثره تاما، و هو لا ينافي كونه مترتبا تشريعا على تعذر الوضوء التام و لو بلحاظ توقف حصول غرض التقية عليه.

398

و أما في سائر موارد الاضطرار فيعتبر ذلك كله (1).

(مسألة 32): إذا زال السبب المسوغ للمسح على الحائل في أثناء الوضوء أو بعده لم تجب الإعادة في التقية (2)، نعم، لو كان بذل المال ضرريا أو حرجيا تعين سقوطه في التقية و غيرها من الضرورات.

و دعوى: أن بذل المال المعتد به ضرر مطلقا و لو لم يكن مجحفا.

غير ظاهرة، لانصراف الضرر في أدلة نفيه إلى خصوص ما يكون تحمله ضيقا على المكلف و حرجا عليه.

و لذا كان بناء المتشرعة على بذل المال لو توقف القيام بالتكاليف عليه.

و تدل عليه النصوص في خصوص شراء الماء للوضوء (1). فتأمل.

(1) لأن الجمع عرفا بين أدلة الابدال الاضطرارية و الأحكام الأولية ليس بتخصيص الثانية بالأولى بنحو يقتضي خروجها عنها موضوعا و ملاكا، بل الاكتفاء بالإبدال الاضطرارية في مقام العمل مع بقاء ملاكات الأحكام الأولية، المقتضي لوجوب تحصيلها مهما أمكن، و اختصاص الاكتفاء بالإبدال الاضطرارية بصورة عدم المندوحة مطلقا و تعذر الواجب الأصلي رأسا.

نعم، لو كان رفع موضوع الاضطرار ببذل عدم المال أو غيره حرجيا أو ضرريا تعين سقوطه و الاكتفاء بالواجب الاضطراري.

(2) أما بعد الإتمام و فوات الموالاة المعتبرة في جواز المسح على البشرة إتماما للوضوء السابق‏الذي هو منصرف بعض كلماتهم و صريح آخرفهو الذي صرح به في جامع المقاصد و المدارك و ظاهر الروض، و عن الجامع و المختلف و الذكرى و الدروس و البيان. إذ بعد حصول الطهارة لا ترتفع‏

____________

(1) راجع الوسائل باب: 26 من أبواب التيمم.

399

إلا بحدث، و ليس منه زوال السبب.

خلافا لما في المعتبر و المنتهى و كشف اللثام و عن المبسوط و التذكرة و الإيضاح و غيرها من وجوب الاستئناف، لأن الضرورة تقدر بقدرها.

و يندفع بما أشار إليه غير واحد من أن المنوط بالضرورة هو إيقاع الوضوء المذكورفلا يشرع بعد ارتفاعهالا أثره، بل هو لا يرتفع إلا بالحدث.

نعم، قد يقال: مجرد بقاء أثر الوضوء المذكور لعدم الحدث، لا يستلزم الاجتزاء به، بل إن كان أثره تاما كأثر الوضوء التام تعين الاكتفاء به في الدخول في الغايات.

و إن كان ناقصا و اكتفي به لمكان الضرورة لزم عدم الاكتفاء به بعد ارتفاعها و التمكن من فعل التام، لإطلاق دليل التام المقتصر في الخروج عنه على حال الضرورة بمقتضى كون البدلية اضطرارية. فاللازم النظر في مقتضى دليل البدلية.

و حيث تقدم مشروعية التقية مع المندوحة الطولية و لو بالجمع بين العمل الأولي و العمل للتقية لزم البناء على تمامية الطهارة و الاجتزاء بها في الغايات اللاحقة.

و مجرد اعتبار عدم المندوحة بالمعنى المتقدم منا الراجع إلى توقف حصول غرض التقية على العمل المطابق لها لا ينافي ذلك، لرجوعه إلى قصور المشروعية، و ترتب الأثر عن شمول صورة وجود المندوحة، فلا ينافي تمامية الأثر المذكور بعد فرض المشروعية، لعدم المندوحة بالمعنى المذكور.

نعم، بناء على اعتبار عدم المندوحة مطلقا بقرينة كون البدلية اضطرارية تكون الطهارة الحاصلة من الوضوء المذكور ناقصة، فلا تجزي بعد ارتفاع الضرورة.

إلا أن يدل على الاجتزاء بها دليل خاص.

كما لا يبعد ظهور خبر أبي الوردو لو بإطلاقه المقامي‏في ذلك، فان عدم التنبيه فيه على لزوم التدارك بعد ارتفاع العذر مع الغفلة عنه و غلبة سرعة زوال العذر ظاهر في الاجتزاء به حينئذ.

400

و وجبت في سائر الضرورات (1).

بل لا يبعد ظهور جميع أدلة الوضوء العذري في ذلك، على ما يأتي الكلام فيه في الجبائر في المسألة الواحدة و الأربعين ان شاء اللّه تعالى. و لا سيما مع ما في جامع المقاصد في حكم التقية بالغسل، من قوله: «و لا يجب الإعادة بزوالها قولا واحدا فيما أظنه».

و أما قبل فوات الموالاة فهل يجب التدارك بمثل رفع الحائل و المسح بالبلة، أو لا؟ قولان، ظاهر كشف اللثام ابتناؤهما على القولين السابقين.

لكن صاحب المدارك مع ذهابه لعدم الإعادة هناك حكي عنه القول هنا- وفاقا لشيخه‏بوجوب التدارك، و وافقهما في ذلك السيد الطباطبائي في العروة الوثقى و سيدنا المصنف (قدّس سرّه) في شرحها.

و هو في محله، لقصور أدلة التقية عن الاجتزاء بالناقص مع التمكن من الإتمام، نظير ما تقدم من اعتبار عدم المندوحة في كيفية العمل. و يستفاد من موثق سماعة المتقدم، لقوله (عليه السلام): «ثمَّ ليتم معه صلاته على ما استطاع» (1).

و أما ما ذكره سيدنا المصنف (قدّس سرّه) من أنه إذا كان زمان ارتفاع التقية معتدا به، لبعده، لم يبعد شمول أدلة التقية له. فهو غير ظاهر مع ذلك.

و منه يظهر وجوب التدارك إذا كان ارتفاع السبب في الأثناء، لملازمته لبقاء الموالاة.

(1) الظاهر أن الخلاف في ذلك هو الخلاف المتقدم في التقية، بل هو الخلاف المذكور في الجبائر، بل ينبغي أن يجزي في سائر أفراد الوضوء الاضطراري.

و كيف كان، فمقتضى ما تقدم من القاعدة وجوب الإعادة في المقام، و سائر الوضوءات الاضطرارية لظهور أدلتهابقرينة ورودها مورد الاضطرارفي اعتبار

____________

(1) الوسائل باب: 56 من أبواب صلاة الجماعة حديث: 2.

401

(مسألة 33): لو توضأ على خلاف التقية (1) فالأحوط وجوبا الإعادة (2).

عدم المندوحة مطلقا، و ليست كالتقية في مشروعيتها مع المندوحة في الجملة، لو لا ما أشرنا إليه آنفا من قرب ظهور دليل تشريعهاو لو بإطلاقه المقامي‏في عدم وجوب الإعادة. فلاحظ.

(1) الظاهر أن مراده (قدّس سرّه) صورة وجوبها. أما في مورد استحبابها فلا منشأ لعدم إجزاء الواجب الأصلي إلا تخيل أن إطلاق دليل مشروعيته لما كان ظاهرا في لزومه، فالبناء على استحباب التقية كاشف عن كذب الظهور المذكور في موردها، فلا طريق لإثبات مشروعية فيه، لسقوط الدلالة الالتزامية تبعا للدلالة المطابقية.

و يندفع‏مع الغمض عما يأتي في صورة وجوب التقيةبأن استفادة المشروعية ليس لحجية الدلالة الالتزامية بعد سقوط الدلالة المطابقية، بل لأنه مقتضى الجمع العرفي بين إطلاق الوجوب و دليل استحباب التقية.

(2) فقد استظهر في الجواهر عدم إجزاء الوضوء المذكور، قال: «و لذا صرح بالبطلان في مقام يجب الغسل للتقية، فخالف و مسح، جماعة من الأصحاب، و هما من واد واحد.» و قد يستدل عليه.

تارة: بأن الواجب فعلا هو العمل المطابق لها، فلا يجزي غيره.

و اخرى‏: بأن وجوب التقية يستلزم حرمة الفعل المخالف لها، لا لأن الأمر بالشي‏ء يقتضي النهي عن ضده، بل لأن مرجع وجوبها إلى وجود الملزم في مجاراتهم و ترك مجاهرتهم بالمخالفة، و هو كما يقتضي وجوب الفعل الذي به المجاراة يقتضي حرمة الفعل الذي تكون به المجاهرة بالمخالفة، فيمتنع التقرب به.

و يندفع الأول: بأن الجمع عرفا بين دليل وجوب التقية الراجع إلى التكليف‏

402

بها و إطلاق دليل الواجب الأولي الوارد لبيان ماهية المأمور به ليس بالتخصيص، ليقصر الواجب الأولي في ظرف وجود موجب التقية ملاكا، و تكون التقية عدلا له في عرضه، كالقصر و التمام، بل بحمل دليل التقية على وجود المانع الخارجي عن التكليف بالواقع مع بقاء ملاكه، و لذا يكون المتقى منه مسؤولا و آثما بملاك منعه من امتثال التكليف الشرعي زائدا على كونه مانعا للمتقي من إعمال سلطنته، لا أنه مانع من تمامية التكليف في حقه، كما لو سلب ماله، فرفع استطاعته للحج.

فالوضوء الأولي في مورد التقية الواجبة يكون نظير مورد اجتماع الأمر و النهي، الذي هو مجزي عن الأمر مع تأتي قصد القربة، على التحقيق.

و مجرد إجزاء العمل الموافق للتقية لا ينافي ما ذكرنا، بل غاية ما يقتضي بدلية التقية عن الواقع و لو في طوله، مع تمامية ملاكه، نظير إجزاء الناقص عن التام مع الجهل بالحكم الذي لا ينافي إجزاء التام أيضا، لتمامية ملاكه و موضوعه، بل فعلية التكليف به واقعا.

و أما الثاني فهو لا ينافي الاجزاء مع غفلة المكلف عن مخالفته للتقية، أو عن وجوبها.

و كذا لو قصد التقية حين الإتيان بالواجب الأصلي، ثمَّ تعمد تركها بعد إكماله، كما لو توضأ عازما على التقية بالمسح على الخفين بعد المسح على البشرة خفية من المخالفين، و بعد إكمال وضوئه عدل عن ذلك فلم يمسح على الخفين.

نعم، لو تعمد فعل ما له دخل في مخالفة التقية من أجزاء الوضوء ملتفتا لذلك بطل للوجه المذكور، سواء كان الفعل بنفسه مخالفا لهم، كما لو جاهر بمسح البشرة، أم لا، كما لو شرع بغسل الوجه عازما على المجاهرة بمسحها، فان الشروع في الوضوء محقق لموضوع التقية، فمع البناء على تركها يكون فعله مقدمة للحرام، فيمتنع التقرب به، و يبطل حتى لو عدل عن مخالفتها بعد ذلك، فمسح على الخفين أو غسل رجليه، غايته أن امتناع التقرب به حينئذ للتجري لا للمعصية به.

و كذا لو فرض تخيل المكلف وجوب التقية خطأ فخالفها بالوجه المذكور.

403

تتمة لو وافق المكلف التقية لاعتقاد وجوبها خطأ، فإن كانت مستحبة في الواقع فلا ينبغي الإشكال في صحة عمله.

و إلا فإن كان الخطأ في اعتقاد كون المتقى منه عدوا مخالفا فالظاهر بطلان العمل، لعدم الموضوع للتقية واقعا، و ظهور أدلتها في فرض وجود عدو يتقى منه.

و إن كان الخطأ في تخيل ترتب الضرر منه، فالظاهر الاجزاء، لابتناء التقية على الحذر الصادق مع الخوف و إن لم يكن ضرر واقعي.

فالخوف محقق لموضوعها و ليس طريقا محضا مع كون الموضوع هو الضرر الواقعي، ليتعين البطلان مع عدمه.

و أما بقية الضرورات فما كان منها من قبيل العجز و التعذر لا مجال للبناء على الاجزاء مع ظهور الخطأ فيه لقصور الأدلة عن ذلك.

و ما كان قبيل الضرر، كما في الجبائر و المسح على الحائل عند خوف الثلج فقد قرب سيدنا المصنف (قدّس سرّه) عدم الاجزاء فيه، لدعوى: أن مقتضى الجمع بين الأدلة المتضمنة لعنوان خوف الضرر أو اعتقاده‏كخبر أبي الورد المتقدم- و الأدلة المتضمنة لعنوان الضرر كون الموضوع الحقيقي هو الضرر الواقعي، و أن الخوف و الاعتقاد طريق إليه، فيصح العمل عليها ظاهرا، و إن لم يجزئ واقعا لو فرض عدم الضرر، بناء على ما هو الظاهر من عدم الإجزاء بموافقة الأمر الظاهري.

و دعوى: أن خوف الضرر لما كان طريقا شرعا له كان منجزا لحكمه و مانعا عقلا من الإتيان بالوضوء التام، فيكون كما لو تعذر خارجا.

مدفوعةمضافا إلى قصوره عن خوف الضرر الذي لا يجب دفعه‏بقصور أدلة تشريع الوضوء الاضطراري عن المانع العقلي بالنحو المذكور، بل هي مختصة بالأعذار الشرعية كالضرر و الحرج و الموانع الخارجية في‏

404

موارد التعذر.

نعم، إذا كان تحصيل الواقع في فرض خوف الضرر حرجا عرفا تعين الاجزاء واقعا و إن لم يكن هناك ضرر، لو فرض الاكتفاء بالحرج في تشريع الوضوء الاضطراري.

هذا، و لكن الخوف ليس أمارة عرفا على تحقق الضرر، ليتجه بمقتضى الجمع العرفي حمل ما تضمنه من الأدلة على كونه طريقا ظاهريا للضرر مع تبعية الحكم الواقعي بدفعه و مشروعية البدل الاضطراري معه للضرر الواقعي. بل الاكتفاء به عرفا لمحض الاحتياط في دفع الضرر للاهتمام به.

و ذلك إنما يقتضي منجزيته للتكليف بحرمة الضرر ظاهرا، المستلزم لكونه عذرا في مخالفة الواقع الاولي الذي يحتمل التكليف به تبعا لاحتمال عدم الضرر، و لا يقتضي الاجتزاء بالبدل الاضطراري ظاهرا، بل مقتضى الاحتياط لو كان الاجزاء منوطا بالضرر الواقعي هو الجمع بين الأداء به و الإعادة أو القضاء بالواجب التام بعد الأمن من الضرر.

و حيث لا إشكال في عدم وجوبه فالأنسب الجمع بين دليلي الاجزاء بحمل ما تضمن عنوان الضرر على كونه الموضوع الواقعي للتكليف الثانوي و الرافع الواقعي للحكم الاولي، و حمل ما تضمن عنوان الخوف على الاكتفاء به في مقام العمل، فيكون العمل الاضطراري معه مجزيا، و إن لم يكن مشروعا لعدم الضرر الواقعي.

فالخوف بنفسه موضوع للاجزاء واقعا، و إن كان منجزا ظاهريا للتكليف بدفع الضرر و معذرا ظاهريا عن التكليف الأولي المزاحم له، مع تبعية التكليف بدفع الضرر للضرر الواقعي. و لا ملزم بكونهما على نهج واحد، و لا سيما مع مناسبة التكليف ارتكازا للضرر الواقعي، و مناسبة الاجزاء لمقام العمل التابع للمؤمّن و المنجّز في مقام الظاهر، لأنه الأنسب بمقام الامتنان بعد فرض عدم سقوط التكليف الأولي ملاكا، و لا دخل للضرر الواقعي فيه أصلا. فالاجزاء في المقام نظير الاجزاء في موارد لا تعاد لا ينافي إناطة التكليف بالواقع.

405

(مسألة 34): لا يجب في مسح الرجلين أن يضع يده على الأصابع و يمسح إلى الكعبين بالتدريج، بل يجوز أن يضع تمام كفه على تمام ظهر القدم من طرف الطول إلى المفصل و يجرها قليلا بمقدار صدق المسح. (1) و منه يظهر الوجه في إجزاء الواجب الأولي لو أتى به المكلف بسبب القطع خطأ بعدم الضرر، كما تقدم في التقية. فلاحظ. و اللّه سبحانه و تعالى العالم.

(1) كما صرح به في العروة الوثقى. لإطلاق أدلة المسح، حتى الآية الكريمة، بناء على ظهور الغاية فيها في كونها لتحديد الممسوح، لما أشرنا إليه عند الكلام في غسل اليدين من عدم تعارف تحديد الفعل بالاقتصار على بيان الغاية.

و لا سيما مع ورودها في سياق التحديد في اليدين الذي إشكال في عدم إرادة غاية الفعل فيه.

بل حتى بناء على ظهورها في بيان غاية المسح لا تدل إلا على وجوب الانتهاء بالكعبين و لو بجر اليد إليهما قليلا، و لا تقتضي البدء بالأصابع.

نعم، في صحيح البزنطي عن الرضا (عليه السلام): «سألته عن المسح على القدمين كيف هو؟ فوضع كفه على الأصابع فمسحها إلى الكعبين إلى ظاهر القدم. فقلت:

جعلت فداك، لو أن رجلا قال بإصبعين من أصابعه هكذا. فقال: لا إلا بكفيه [بكفه.

خ ل‏]» (1) و هو ظاهر في وجوب الكيفية المذكورة.

لكن ما دل على جواز النكس ملزم بحمله على الاستحباب، أو على بيان كمية الماسح أو الممسوح، كما هو الأنسب بالذيل و أن المراد من الكيفية ما يعم ذلك.

و أما حمله على وجوب الكيفية من حيثية الاستمرار لا من حيثية المبدأ

____________

(1) الوسائل باب: 24 من أبواب الوضوء حديث: 4.

406

كما أنه يجوز النكس (1)، بأن يبتدئ من الكعبين و ينتهي بأطراف الأصابع.

و المنتهى، فليس هو عرفيا في مقام الجمع بين الأدلة، بل التفكيك المذكور مما يغفل العرف عنه جدا.

(1) كما في المبسوط و النهاية و التهذيب و الاستبصار و إشارة السبق و المراسم و الشرائع و المعتبر و المنتهى و القواعد و الإرشاد و جامع المقاصد، و عن محكي المهذب و الجامع و الإصباح و غيرها، و في الحدائق و عن الذكرى أنه المشهور، بل في المفاتيح نسبة الشذوذ للمخالف هنا.

و يشهد له‏مضافا إلى إطلاقات المسح حتى الآية بناء على ظهورها في تحديد المسح، كما تقدم‏صحيح حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «قال: لا بأس بمسح الوضوء مقبلا و مدبرا» (1) و روي في سند آخر هكذا: «لا بأس بمسح القدمين مقبلا و مدبرا» (2) و صحيح يونس: «أخبرني من رأى أبا الحسن (عليه السلام) بمنى يمسح ظهر القدمين من أعلى القدم إلى الكعب، و من الكعب إلى أعلى القدم و يقول: الأمر في مسح الرجلين موسع من شاء مسح مقبلا و من شاء مسح مدبرا، فإنه من الأمر الموسع إن شاء اللّه» (3).

و احتمال ارادة الجمع من الأولين لا التخيير مخالف للظاهر، كالإشكال في سند الأخير بالإرسال، لاندفاعه بما تقدم في تحديد الكر بالوزن من الاعتماد على مراسيل يونس.

هذا، و في الفقيه و عن السرائر و البيان و الألفية عدم جواز النكس، و نسب لظاهر الانتصار و الغنية و الوسيلة، بل لو تمَّ كان ظاهر الأولين دعوى الإجماع عليه.

____________

(1) الوسائل باب: 2 من أبواب الوضوء حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 20 من أبواب الوضوء حديث: 2.

(3) الوسائل باب: 20 من أبواب الوضوء حديث: 3.