مصباح المنهاج - كتاب الطهاره - ج2

- السيد محمد سعيد الطباطبائي الحكيم المزيد...
664 /
407

لكن لا يبعد كون مرادهم تحديد الممسوح، بل لعله ظاهر الأول.

و كيف كان فقد استدل لهم بأنه المتعارف الذي ينصرف إليه الإطلاق، و بنصوص الوضوءات البيانية بعد حملها عليه، إذ لو وردت بالنكس لوجب، لقوله (صلى اللَّه عليه و آله): «هذا وضوء لا يقبل اللّه الصلاة إلا به»، و بصحيح البزنطي المتقدم.

لكن التعارف لا ينهض بتقييد الإطلاق، و الوضوءات البيانية لا تنهض بإثبات الوجوب‏كما تقدم غير مرةو لا سيما مع ما تقدم من النصوص التي يجب رفع اليد بها عن ظاهر صحيح البزنطي، كما تقدم أيضا.

و من ذلك يظهر جواز المسح عرضا، فإنه و إن خرج عن مفاد النصوص السابقة، إلا أنه مقتضى الإطلاقات. بل لا يبعد إيماء النصوص السابقة إلى بقاء المسح على إطلاقه من دون خصوصية للنكس.

ثمَّ إنه قد صرح في جامع المقاصد بكراهة النكس. و لعله يرجع لما في المراسم من استحباب المسح من أطراف الأصابع إلى الكعبين.

و كأن وجهه التأسي و صحيح البزنطي بناء على حمله على الاستحباب، لا محض تحديد الماسح أو الممسوح. و لا ريب في أنه أولى‏كما عن الذكرى و الدروس و المختلف و محكي المهذب‏إذ لا أقل من الخروج به عن شبهة الخلاف.

بقي أمور.

الأول‏: صرّح في العروة الوثقى بوجوب إمرار الماسح على الممسوح بتحريكه فوقه، و لا يكفي جرّ الممسوح تحته و أمضاه غير واحد من محشيها. و كأنه لدعوى انحصار الفرق بين الماسح و الممسوح بذلك.

قال سيدنا المصنف (قدّس سرّه): «لكنه غير ظاهر، لصدق قولنا: مسحت يدي بالجدار، و مسحت رجلي بالأرض. و الفارق بين الماسح و الممسوح أن الممسوح هو الذي يقصد إزالة شي‏ء عنه، و الماسح ما يكون آلة لذلك، فان كان الوسخ باليد تقول: مسحت يدي بالجدار، و إن كان الوسخ بالجدار تقول: مسحت الجدار بيدي‏

408

و استعمال العكس مجاز».

و كأن مصحح نسبة المسح لليد هنا كونها مزيلة للخبث الخارجي أو الاعتباري.

و قد استشكل في ذلك شيخنا الأستاذ (قدّس سرّه) بأن باء الاستعانة لما كان مدخولها آلة الفعل فلا بد من حركته تحقيقا لمعنى الآلية المبني على اعمال الآلة. و أما الباء في قولنا مسحت يدي بالجدار فليست للاستعانة، بل للإلصاق أو التبعيض، مثلها في قوله تعالى‏ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ‏ (1)، بخلاف الباء الداخلة على اليد في الوضوء و التيمم، فإنها للاستعانة بلا إشكال.

و يندفع: بأن توقف الآليةالتي هي مفاد الباءعلى حركة مدخولها غير ظاهر، بل يكفي تأثير مدخول الباء للفعل العامل فيها في معموله، بنحو يصح إطلاق اسم الفاعل عليه، و لذا تدخل على ما لا حركة فيه، كقولنا: أحرقت الثوب بالنار، و طهرته بالماء، لوضوح أن الباء في الجميع للاستعانة، مثلها في قولنا: مسحت رأسي بيدي، فإذا فرض أن الملحوظ في المسح هو التأثير و الإزالةكما ذكره سيدنا المصنف (قدّس سرّه)فمدخول الباء هو المؤثر فيما يتعدى له المسح بنفسه و إن كان ساكنا لا حركة فيه، كالجدار في قولنا: مسحت يدي بالجدار.

و لا مجال لما ذكره من أن الباء في المثال المذكور ليست للاستعانة، بل للإلصاق أو التبعيض.

لوضوح أن باء الإلصاق أو التبعيض تدخل على المفعول في المعنى، و قد صرح بالمفعول في المثال، و هو اليد، فكانت هي الممسوح، و من الظاهر أن المسح لا يتعدى إلى مفعولين، فلا بد من كون الجدار آلة المسح، فيكون ماسحا بمعنى، كالماء المطهّر و النار المحرقة. و لا وجه لقياسه بقوله تعالى‏ وَ امْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ‏ لوضوح أن الرؤوس ممسوحة و آلة المسح الأيدي.

____________

(1) سورة المائدة: 6.

409

فلعل الأولى أن يقال: إن اعتبار الحركة في الماسح ليس لتوقف الآلية المستفادة من الباء عليه، بل لأخذها في مفهوم المسح، لتقومه بإمرار أحد الجسمين على الآخر بمماسة و بنحو من الاستيلاء، فالماسح هو المار و الممسوح هو المرور عليه.

و أما الإزالة و التنظيف أو التأثير فهي خارجة عن مفهومه، و لذا قد يخلو عنها فيما لو لم يقصد بالمسح إزالة شي‏ء عن شي‏ء و لا التأثير فيه، و منه مسح رأس اليتيم و عند البيعة، و لا مجال لدعوى عدم صدق المسح حينئذ.

نعم، لما كان الغالب كون المقصود بالمسح الإزالة أو التأثير فقد يضمن معناهما و يجرد عن معناه، و يكون الماسح هو المزيل. أو المؤثر و إن لم يكن مارا و لا متحركا، و الممسوح هو المزال أو عنه أو المؤثر فيه و إن كان متحركا، و منه: مسحت يدي بالجدار، و مسحت التراب عنها، و عليه جرى قوله (عليه السلام):

«و امسح ببلة يمناك ناصيتك».

لكن لا مجال للحمل عليه بلا قرينة و إن أمكن في المقام، بل يتعين الالتزام بالمعنى الأصلي، و قد يشهد لما ذكرنا تعدية المسح للممسوح ب «على» في غير واحد من النصوص، و منها صحيح محمد بن مسلم: «امسح على مقدم رأسك، و امسح على القدمين» (1)، فان ظهوره في لزوم إمرار اليد على الممسوح مما لا ينبغي أن ينكر.

و لو فرض إجمال المسح من هذه الجهة لزم الاقتصار على المتيقن منه، و هو صورة مرور الماسح، لقاعدة الاشتغال المعول عليها في مثل المقام.

هذا، و أما الاكتفاء بالمرور من كل منهما، لصدق مرور اليد على العضو، فيكون ممسوحا بها، و إن كان هو مارا عليها و ماسحا لها، و هما متماسحان.

فلا يخلو عن إشكال، لأن مقتضى ما تقدم اعتبار وقوع المسح من اليد على العضو، و الحاصل في الفرض المذكور مسح واحد مستند لكل منهما، لا

____________

(1) الوسائل باب: 25 من أبواب الوضوء حديث: 1.

410

مسحان، كل منهما واقع من أحدهما على الآخر، و ليس هو كالتعاطي بين الشخصين المنتزع من إعطائين كل منهما صادر من أحدهما للآخر. فتأمل جيدا.

الثاني‏: صرح في محكي التنقيح بأنه لا يشترط اتصال الخط من أطراف الأصابع إلى الكعب في المسح، فلو مسح ثمَّ قطع ثمَّ مسح من محاذيه كفى، و حكى في مفتاح الكرامة عن أستاذ السيد الطباطبائي اشتراط الاتصال.

أقول: إن كان المراد بالاتصال اتصال المسح‏و هو الذي فهمه في الجواهر من التنقيح‏بحيث يكون بمسحة واحدة، فلا وجه لاعتباره بعد إطلاق أدلة المسح، كيف و إيجاب ذلك يستلزم وجوب استمرار الحركة! فلا يجوز التوقف حتى مع إبقاء الماسح على الممسوح و عدم رفعه عنه، لتوقف وحدة المسح على ذلك، و من البعيد التزام أحد به، و خصوصية رفع الماسح لا أثر لها في ذلك.

و إن كان المراد اتصال الممسوح فالظاهر اعتباره‏كما هو ظاهر محكي المقاصد العليةلظهور أدلة تحديد الممسوح طولا في لزوم وحدته باتصال أجزائه، بحيث يكون الممسوح شيئا واحدا واقعا بين أطراف الأصابع و الكعب.

بل لا يبعد اعتبار كونه خطا مستقيما عرفا، فلا يكفي مسح خط متعرج و إن كان متصلا، لانصراف أدلة التحديد المذكورة عنه. فلاحظ.

ثمَّ إنه صرح في محكي المقاصد العلية بالاكتفاء بمسح أي إصبع شاء من الرجل، و ذكر سيدنا المصنف (قدّس سرّه) أنه صرح به جماعة.

و هو المطابق لإطلاق أدلة تحديد الممسوح طولا. بل يبعد حمل الإطلاقات المذكورة على إصبع معين بعد التصريح في بعضها بأن أحد الحدين هو أطراف الأصابع.

نعم، هو يناسب موثق عمار و رواية عبد الأعلى مولى آل سام الواردين في الإصبع الذي ينقطع ظفره‏ (1).

إلا أن عدم تعيين الإصبع فيهما موجب لظهورهما في وجوب الاستيعاب،

____________

(1) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 5، 6.

411

و تنزيلهما على إصبع خاص بعيد عن ظاهرهما، فليس الحمل عليه عرفيا. فتأمل جيدا.

الثالث‏: أشار في العروة الوثقى إلى الإشكال في وضوء الوسواسي.

و منشأ الاشكال فيه أحد أمرين.

الأول‏: أن عمل الوسواسي قد يستوجب الإخلال بشرط الوضوء، كما لو أخل بالموالاة فيما لو فرض الاستمرار بغسل أحد الأعضاء بتكثير الماء و الاستمرار في صبه بالنحو المستلزم لجفاف ماء الوضوء الأصلي، أو احتاط بتكرار غسل اليد اليسرى و صب الماء عليها لكون المسح بغير ماء الوضوء، أو زاد في مسحها على المتعارف، حيث يلزم مسح الرأس بماء اليسرى بناء على عدم جواز ذلك.

و هذا لا يختص بالوسواس، بل يجري في مطلق التكرار الخارج عن المتعارف، سواء كان لاحتياط مشروع أم لتخيل عدم الإتيان بالجزء.

الثاني‏: أن حرمة الوسواس تمنع من التقرب بالفعل، فيبطل، و هو لا يختص بالوضوء.

و الكلام في ذلك.

تارة: في الدليل على الحرمة.

و اخرى‏: في لازمها.

أما الأول: فقد تردد في ألسنة المتشرعة حرمة الوسواس. بل استظهر سيدنا المصنف (قدّس سرّه) عدم الإشكال في حرمته.

و قد يستدل عليه بالنصوص الرادعة عنه، ففي صحيح عبد اللّه بن سنان:

«ذكرت لأبي عبد اللّه (عليه السلام) رجلا مبتلى بالوضوء و الصلاة، و قلت: هو رجل عاقل.

فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): و أي عقل له و هو يطيع الشيطان؟ فقلت له: و كيف يطيع الشيطان؟ فقال: سله هذا الذي يأتيه من أي شي‏ء هو؟ فإنه يقول لك: من عمل‏

412

الشيطان» (1)، و في صحيح زرارة و أبي بصير: «قلنا له: الرجل يشك كثيرا في صلاته حتى لا يدري كم صلى و لا ما بقي عليه، قال: يعيد. قلنا: فإنه يكثر عليه ذلك كلما أعاد شك. قال: يمضي في شكه. ثمَّ قال: لا تعودوا الخبيث من أنفسكم نقض الصلاة فتطمعوه، فان الشيطان خبيث معتاد لما عوّد، فليمض أحدكم في الوهم، و لا يكثرن نقض الصلاة، فإنه إذا فعل ذلك مرات لم يعد إليه الشك. قال زرارة: ثمَّ قال: إنما يريد الخبيث أن يطاع، فإذا عصي لم يعد إلى أحدكم» (2)، و في صحيح محمد بن مسلم عن أبي جعفر (عليه السلام): «قال: إذا كثر عليك السهو فامض على صلاتك، فإنه يوشك أن يدعك، إنما هو من الشيطان» (3).

و يشكل: بعدم ظهورها في الحرمة التكليفية، فإن الردع في الأول لما كان بملاك قلة عقل الوسواسي كان ظاهرا في الإرشاد، و مجرد فرض إطاعة الشيطان لا يستلزم الحرمة التكليفية، لعدم حرمة إطاعته إلا إرشادا حيث يأمر بالمعصية، و لا يستلزم كون جميع ما يأمر به معصية، حيث أنه يأمر بترك المستحبات، كما قد يأمر ببعض الأمور بلحاظ آثارها الوضعية من ضيق صدر المؤمن و ضياع وقته و نحوهما مما يرغب فيه بمقتضى عداوته له و إن لم يكن معصية بنفسه.

و لذا قد يكون الوسواس في غير أمور الدين مما يهتم به الإنسان كصحته و كرامته و ماله، فيخرج عن المتعارف عند العقلاء في طرق حفظها، و لا يظن من أحد الالتزام بحرمته. و الردع في الأخيرين وارد مورد الإرشاد لرفع الوسواس من دون أن يتضمن حرمته.

و دعوى: أن الإرشاد إلى رفعه ظاهر في حرمته و مبغوضيته.

ممنوعة، إذ قد يكون بلحاظ الضيق الحاصل منه على المكلف، لا لمبغوضيته شرعا.

____________

(1) الوسائل باب: 10 من أبواب مقدمة العبادات حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 6 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة حديث: 2.

(3) الوسائل باب: 6 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة حديث: 1.

413

و من هنا كان إثبات حرمة الوسواس في غاية الإشكال. بل هو لا يناسب مرتكزات المتشرعة، لنظرهم إلى الوسواسي نظر العطف و الرحمة كنظرهم للمريض المبتلى، لا نظر المقت و الاستنكار كنظرهم للعصاة بجوارحهم أو جوانحهم.

نعم، لا إشكال في رجحان مقاومته إرغاما للشيطان الخبيث و حذرا مما قد يستلزمه من ضيق الصدر و ضياع الوقت الذي قد يستلزم التفريط ببعض المهمات الدينية و الدنيوية، بل قد يؤدي إلى ترك بعض الواجبات. بل لا ريب في كونه نقصا منافيا لكمال الإنسان و قوة نفسه. نسأله سبحانه أن يعيذنا و جميع المؤمنين منه بمنه و كرمه إنه أرحم الراحمين.

و أما الثاني: فالحرمة إنما تقتضي بطلان العمل العبادي مع الالتفات إليها كبرى و صغرى، بأن يعلم المكلف أن عمله ناشئ عن الوسواس و تتنجز حرمته عليه.

مع أنها إنما تقتضي بطلان الجزء الصادر عن الوسواس، لا تمام العمل إلا إذا أوجب خللا فيه، كزيادة مبطلة بأن زاد سجدة في الصلاة، أو ذكرا جازما بجزئيته، أو نقص الجزء فيما لو فرض الحاجة له واقعا لعدم الإتيان به، إلا أن المكلف أتى به للوسواس، فان بطلانه مستلزم لنقص العمل و بطلانه.

نعم، لا يتنجز ذلك على المكلف حين العمل، لامتناع فرض الوسواس مع ظهور الحاجة إلى الجزء، و إنما يمكن اطلاع المكلف عليه بعد ذلك.

ثمَّ إن هذا يأتي أيضا في تكرار العمل بتمامه، للوسواس، فان فرض حرمة الوسواس و بطلان العمل لأجله مستلزم لعدم إجزائه حتى لو فرض الحاجة إليه واقعا، و لو لخلل مغفول عنه في العمل المأتي به أولا. فلاحظ. و اللّه سبحانه و تعالى العالم العاصم. و منه نستمد العون و التسديد، و هو حسبنا و نعم الوكيل. و له الحمد وحده و الصلاة و السلام على من لا نبي بعده محمد و آله الطاهرين من أعلام الحق و سادات الخلق.

414

انتهى الكلام في فصل أفعال الوضوء بعد ظهر الاثنين غرة ذي القعدة الحرام، سنة ألف و ثلاثمائة و ست و تسعين للهجرة. بقلم العبد الفقير (محمد سعيد الطباطبائي الحكيم) عفى عنه.

و انتهى تبيضه بقلم مؤلفه بعد الفراغ من تدريسه، بعد ظهر الأربعاء الثالث من الشهر المذكور، من السنة المذكورة. و الحمد للّه رب العالمين.

415

الفصل الثاني‏ من كان على بعض أعضاء وضوئه جبيرة (1) ..

بسم اللّه الرحمن الرحيم‏ الحمد للّه ربّ العالمين و الصلاة و السلام على سيدنا محمد و آله الطيبين الطاهرين و لعنة اللّه على أعدائهم أجمعين إلى يوم الدين (1) في مجمع البحرين و لسان العرب و القاموس و ظاهر الجمهرة و عن شرح الدروس: انها العيدان التي تجبر بها العظام، و في المصباح: أنها العظام التي توضع على الموضع العليل من البدن. و قال الراغب: «و اشتق من لفظ جبر العظم الجبيرة، الخرقة التي تشد على المجبور، و الجبارة للخشبة التي تشد عليه، و جمعها جبائر» و في كشف اللثام: «و ذو الجبيرة، أي: الخرقة أو اللوح أو نحوهما الشدود على عضو من أعضاء الوضوء انكسر فجبر» و نحوه في الحدائق.

و ظاهر الكل بل صريح بعضهم اختصاصها بما يجبر به العظم المكسور، دون ما يشد على الجروح و القروح و نحوها، و إن ساواها في الحكم، كما هو ظاهر الخلاف و المبسوط و المنتهى و الروض أيضا.

لكن في الحدائق و عن شرح المفاتيح أن ظاهر الفقهاء إطلاقها على ما يعم ذلك. و قد يشهد به اقتصار بعضهم على حكم الجبائر و عدم تعرضهم لما يشد به الجرح و القرح، كما في الشرائع و القواعد، مع بعد إهمالهم لحكمه بعد ورود الأدلة

416

فإن تمكن من غسل ما تحتها بنزعها أو بغمسها في الماء وجب (1)، فيه. بل هو صريح محكي المشكاة، حيث قال: «لا جبيرة إلا في كسر أو جرح أو قرح. و يلحق بالأول الخلع و الرض، و بالثاني الكي و الخراق، و بالثالث البثور و القوابي، و في الأورام نظر». بل قد يستفاد في الجملة من صحيح عبد الرحمن بن الحجاج‏ (1) الآتي.

و كيف كان، فلا أهمية للتعميم في اصطلاح الفقهاء، كما لا يهم تحقيق مفهوم الجبيرة بعد عدم اختصاص الأدلة بها، و ورود بعضها في الجروح و القروح و الدواء. بل المستفاد العموم لجميع ما تقدم، من مجموع النصوص بعد ضم بعضها إلى بعض، و لو لفهم عدم الخصوصية بملاحظة المناسبات الارتكازية.

و لعله يأتي في بعض الفروع الآتية ما له نفع في ذلك.

(1) لا إشكال في عدم إجزاء المسح على الجبيرة و لا في ترك موضعها مع إمكان نزعها و غسل ما تحتها.

و يقتضيه‏مضافا إلى العمومات‏صحيح الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «أنه سئل عن الرجل تكون به القرحة في ذراعه أو نحو ذلك من موضع الوضوء فيعصبها بالخرقة و يتوضأ و يمسح عليها إذا توضأ. فقال: إن كان يؤذيه الماء فليمسح على الخرقة، و إن كان لا يؤذيه الماء فلينزع الخرقة ثمَّ ليغسلها» (2).

و إنما الاشكال و الخلاف بينهم في أنه هل يتخير حينئذ بين أمور ثلاثة، و هي الغسل بعد النزع، تكرار صب الماء حتى يصيب البشرة، و غمس العضو فيه كذلك. أو يتخير بين الأولين. أو يتعين عليه الأول؟ وجوه.

قرّب في كشف اللثام الأول، و اختاره شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) و هو المحكي عن شرح المفاتيح و الدروس و البيان و الكركي و ظاهر التحرير و نهاية الإحكام، بل عن اللوامع دعوى الإجماع عليه، و قال شيخنا الأعظم (قدّس سرّه): «و لا خلاف في التخيير بين‏

____________

(1) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 2.

417

الوجوه، و إن أوهم بعض العبائر خلاف ذلك.» و هو في محله لو حصل بالأخيرين الواجب الاختياري، لإطلاق الأدلة. بل لا يحتمل كون حكم ذي الجبيرة أشد من حكم غيره. و من هنا يتعين حمل الأمر بالنزع في صحيح الحلبي المتقدم على المقدمية الغالبية للغسل الاختياري، لا على تقييده. إلا أن الشأن في تحققه، فإنه و إن لم يعتبر في الغسل الجريان‏كما تقدم في أول الفصل السابق‏إلا أنه يعتبر الترتيب في نفس العضو في اليدين‏كما تقدم‏بل في الوجه على المشهور، و يشكل حصوله بالوجهين المذكورين، خصوصا الغمس.

و أما موثق عمار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «في الرجل ينكسر ساعده أو موضع من مواضع الوضوء فلا يقدر أن يحله، لحال الجبر إذا جبر كيف يصنع؟ قال: إذا أراد أن يتوضأ فليضع إناء فيه ماء و يضع موضع الجبر في الماء حتى يصل الماء إلى جلده، و قد أجزأه ذلك من غير أن يحله» (1).

فهو مختص بصورة تعذر الحل، و لا وجه للتعدي عنها إلا دعوى أن قوله (عليه السلام): «من غير أن يحله» مشعر بعدم وجوب الحل حتى مع إمكانه، و هي لو تمت لا تصلح للاستدلال.

نعم، لا بأس بالتخيير المذكور في الغسل بناء على ما سبق هناك من ظهور الأدلة في كفاية إمساس الماء فيه. فراجع.

و أما الثاني: فهو مقتضى الاقتصار في جملة من الكتب على التخيير بين النزع و تكرار الماء، كالشرائع و القواعد و الإرشاد و جامع المقاصد و الروض و عن غيرها، بل عن الذخيرة دعوى الإجماع على أن الغمس لا يجوز إلا مع تعذر كل من النزع و التكرار.

و إن كانت النسبة للأصحاب لا تخلو عن إشكال، لقرب أن يكون تخييرهم بين الأولين لإرادة بيان وجوب إيصال الماء مع الإمكان من دون خصوصية لهما،

____________

(1) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 7.

418

و هو يقتضي الاكتفاء بالثالث أيضا.

و كيف كان، فلا وجه له إلا دعوى صدق الجريان المقوم للغسل بتكرار الصب، خصوصا مع غمز الجبيرة و المسح عليها، بخلاف الغمس المجرد.

و هو غير مهم بعد ما تقدم من عدم اعتبار الجريان في الغسل الواجب في الوضوء إلا لأجل الترتيب الذي عرفت الإشكال في حصوله بالوجهين معا.

و من هنا كان الأقوى في الوضوء الثالث. و هو المحكي في المقام عن التذكرة، و يقتضيه الجمود على عبارة الفقيه و النهاية و التهذيب و الخلاف، للاقتصار فيها على ذكر النزع و حل الجبيرة مع الإمكان. بل قد يظهر من الشيخ و الفاضلين في المبسوط و المعتبر و المنتهى، لحكمهم بوجوب النزع مع الإمكان، و إلا مسح على الجبيرة، ثمَّ نبهوا على أنه لو أمكن الغمس وجب و لم يكف المسح عليها، حيث قد يظهر منهم الترتيب بين النزع و الغمس. و حاله يظهر مما سبق.

ثمَّ لو تعذر النزع فهل يتخير بين التكرار و الغمس، أو يرتب بينهما، أو لا يجب شي‏ء منهما بل يكتفي بالمسح على الجبيرة؟ وجوه.

ظاهر ما تقدم من المعتبر و المنتهى الأول، لأن مقتضى تعليلهما وجوب الغمس بتحقق الغسل الاكتفاء بكل ما يحققه من دون ترجيح. و هو مقتضى موثق عمار المتقدم، بل الجمود عليه يقتضي تعيّن الغمس، إلا أن خصوصيته ملغية عرفا و المهم إيصال الماء للجلد.

لكن عن الذخيرة الثاني، بل قال: «لا يجوز هذا الغمس إلا بعد العجز عن النزع و عن التكرير إجماعا». إلا أن الإجماع لم يتضح في المقام. و لا وجه له غيره إلا ما أشرنا إليه من صدق الجريان المقوم عندهم للغسل مع التكرار و غمز الجبيرة دون الغمس المجرد، و قد تقدم ضعفه، و لا سيما مع إطلاق الموثق.

و أشكل منه ما في التهذيب و الاستبصار من اختيار الثالث، و حمل الموثق على الاستحباب، فإنه خروج عن ظاهره بلا قرينة.

و دعوى: معارضته بنصوص المسح على الجبيرة.

419

مدفوعة:- مضافا إلى كونه أخص منها لانصرافه إلى ما إذا لم يضره إيصال الماء للبشرةبالتقييد في بعض نصوص الجبيرة بما إذا كان يؤذيه الماء أو يخاف على نفسه. و به يقيد إطلاق غيرهالو تمَّ. هذا كله إذا كانت الجبيرة في الأعضاء المغسولة.

و إن كانت في موضع المسح فإن أمكن نزعها وجب، و لم يكف إيصال الماء للبشرة بالتكرار أو الغمس، كما في جامع المقاصد، بل عن المنتهى و شرح الدروس الإجماع عليه، و إن لم أجده في الأول. و تقتضيه العمومات.

و إن لم يمكن، فان تعذر إيصال الماء للبشرة فلا إشكال ظاهرا في إجزاء المسح على الجبيرة، لإطلاق بعض نصوصها، كصحيح كليب الأسدي الآتي، بل هو صريح رواية عبد الأعلى المتضمنة للمسح على المرارة (1)، بل لا يحتمل اختصاص حكم الجبيرة بأعضاء الغسل، و لا سيما مع ورود المسح على الحائل للضرورة.

و إن أمكن إيصال الماء للبشرة فهل يتعين، أو يجب المسح على الجبيرة ببلة الوضوء؟ اختار الأول في جامع المقاصد، لقاعدة الميسور، لتضمن المسح مماسحة الماسح للممسوح و وصول الماء منه إليه، فتعذر الأول لا يسقط الثاني.

و إليه مال في الحدائق و حكاه عن صاحب رياض المسائل مستدلا بالقاعدة، و بما تقدم من تقديم غسل الرجلين على مسح الخف إذا تأدت التقية بكل منهما، لأنه أقرب للواجب الأولي. و لإطلاق موثق عمار المتقدم.

لكن تكرر الإشكال في الاستدلال بقاعدة الميسور. و الاستشهاد بتقديم الغسل على مسح الخفين أشبه بالقياس إلا أن يرجع إلى تقريب مفاد قاعدة الميسور.

فالعمدة إطلاق الموثق، و حمله على خصوص موضع الغسل بلا قرينة،

____________

(1) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 5.

420

و إن لم يتمكن لخوف الضرر (1)، فيقيد به إطلاق صحيح كليب و يحمل على صورة تعذر وصول الماء للبشرة، كما قيّد هو و غيره من نصوص المقام به في الأعضاء المغسولة. و بهذا تسقط منجزية العلم الإجمالي بوجوب أحد الأمرين.

كما يظهر ضعف ما في الجواهر من وجوب المسح على الجبيرة. و إن كان الأولى الاحتياط بمسح الجبيرة أولا ببلة الوضوء، ثمَّ إيصال الماء للبشرة بالغمس أو تكرار الصب.

(1) كما هو المتيقن من النص و الفتوى، بل معقد الإجماع المدعى المستفاد من كلماتهم، حيث ادعى في الخلاف و عن التذكرة الإجماع بالمسح على الجبيرة، و في المعتبر أنه مذهب الأصحاب، و في المنتهى أنه مذهب علمائنا أجمع، و نفى عنه الخلاف بين الأصحاب في المدارك.

و قد سبق في صحيح الحلبي المسح على الخرقة التي على القرحة إذا كان يؤذيه الماء، و في حسن كليب الأسدي بل صحيحة: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل إذا كان كسيرا كيف يصنع بالصلاة؟ قال: إن كان يتخوف على نفسه فليمسح على جبائره و ليصل» (1) و قريب منه مرسل العياشي‏ (2) و في صحيح الوشاء: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام) عن الدواء إذا كان على يدي الرجل أ يجزيه أن يمسح على طلي الدواء؟ فقال: نعم يجزيه أن يمسح عليه» (3) و نحوه صحيحه الآخر (4)- إن لم يكن عينه‏فإن صورة الخوف من استعمال الماء متيقنة من هذه النصوص.

و هي بمجموعها صالحة لإثبات الحكم في الجبيرة بالمعنى الأعم الذي تقدم نسبته للفقهاء، بل في كل حاجب وضع لأجل التداوي، و خصوصية مواردها ملغية عرفا.

____________

(1) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 8.

(2) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 11.

(3) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 9.

(4) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 10.

421

أو لعدم إمكان إزالة النجاسة (1)، نعم، صحيح الحلبي قد تضمن اشتراط الضرر، و صحيح كليب قد تضمن اشتراط الخوف. و قد تقدم في آخر الكلام في أحكام التّقية أن مقتضى الجمع العرفي بين هذين اللسانين في مقام الاجزاء تقدم الثاني.

فراجع.

(1) كما في القواعد و جامع المقاصد و غيرهما، بل في المدارك أنه لا خلاف فيه، لكن في ثبوت الإجماع الحجة بذلك إشكال، بل منع، بعد إناطة جمع منهم الحكم بخوف الضرر أو تعذر النزع.

و أما النصوص فيشكل استفادة ذلك منها. أما ما تضمن عنوان الضرر أو خوفه فظاهر. و أما ما أطلق فيه الجبائر فلانصرافه أو اختصاصه بصورة لزوم الضرر أو الحرج بنزعها أو باستعمال الماء، لأنه المناسب لها دون ما يتعذر معه التطهير فقط، حيث لا دخل فيه لعنوان الجبائر و إن قارنها، كما يشير إليه صحيح عبد الرحمن بن الحجاج: «سألت أبا الحسن الرضا (عليه السلام): عن الكسير تكون عليه الجبائر أو تكون به الجراحة كيف يصنع بالوضوء و عند غسل الجنابة و غسل الجمعة؟

فقال: يغسل ما وصل إليه الغسل مما ظهر مما ليس عليه الجبائر و يدع ما سوى ذلك مما لا يستطيع غسله، و لا ينزع الجبائر و يعبث بجراحته» (1).

و كذا بعض نصوص الجبائر الخاصة لاختصاص مواردها بذلك، كرواية عبد الأعلى المتضمنة للمسح على المرارة و صحيحي الوشاء المتضمنين للمسح على الدواء.

و مثلها ما تضمن عدم غسل الجرح، كصحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «سألته عن الجرح كيف يصنع صاحبه؟ قال: يغسل ما حوله» (2)،

____________

(1) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 1.

(2) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 3.

422

أو لعدم إمكان إيصال الماء تحت الجبيرة (1)، و نحوه ذيل صحيح الحلبي المتقدم‏ (1) فإنه منصرف لصورة الضرر من الغسل، لأنه المناسب لخصوصية الجرح، دون تعذر التطهير، فارادتها منه تحتاج إلى عناية و تنبيه.

و أما قاعدة الميسور فقد تكرر عدم التعويل عليها، خصوصا في الوضوء الذي كان المطلوب فيه الطهارة التي هي بسيطة لا تركيب فيها، و إن كان قد يؤيد جريانها في المقام ابتناء الوضوء في كثير من الموارد عليها، إلا أن في بلوغ ذلك حدّ الاستدلال منعا ظاهرا، و لا سيما مع عدم بنائهم عليها ظاهرا في غير الجرح من موارد تعذر التطهير من الخبث، كما يأتي في المسألة الخامسة و الخمسين.

بل مقتضى الارتباطية هو البناء على تعذر الوضوء و الانتقال إلى التيمم. و به تسقط منجزية العلم الإجمالي بوجوب أحد الأمرين من الوضوء الجبيري و التيمم.

نعم، ذلك مختص بما إذا كان تعذر التطهير لأمر غير الإضرار بالجرح، كعدم الماء، أو ضيق الوقت، أما إذا كان من جهة الإضرار به، لاحتياجه إلى نحو من التعميق و إن لم يضره إجراء الماء بالقدر المعتبر في الوضوء فالظاهر دخوله في إطلاق نصوص الجرح و الجبائر، لأن المفهوم منها عرفا هو إضرار الغسل الذي يقتضيه الوضوء و لو مقدمة من جهة التطهير أو إزالة الحواجب المسببة عن الجرح أو التداوي، لا بخصوص الغسل الوضوئي.

(1) كما هو ظاهر تعذر النزع في الفتاوى و معاقد الإجماعات المدعاة في المقام.

و يقتضيه إطلاق غير واحد من نصوص المقام، خصوصا صحيح عبد الرحمن بن الحجاج المتقدم، لإشعاره بتحقق العبث بالجرح بمجرد نزع الجبائر، و كذا رواية عبد الأعلى المتضمنة للمسح على المرارة المعللة بالحرج، إذ لا حرج‏

____________

(1) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 2.

423

اجتزأ بالمسح عليها (1).

بالمسح على ما تحت المرارة غالبا إلا من جهة الحرج بنزعها.

و منه يظهر أن المراد بالتعذر ما يعم الحرج، بل هو مقتضى إطلاق النصوص المذكورة، و حملها على خصوص صورة التعذر لا وجه له.

نعم، لا بد من كون تعذر النزع لأمر يعود للتداوي، و لو لاحتياجه لإعادة الجبيرة على تقدير نزعها، بنحو يلزم منه الحرج، فلو تعذر رفعها مع الاستغناء عنها خرج عن منصرف أدلة الجبيرة، و دخل فيما يأتي في ذيل المسألة السادسة و الثلاثين.

(1) لما تقدم من الإجماع و النصوص التي يخرج بها عن مقتضى الارتباطية من تعذر المركب بتعذر جزئه، الموجب للانتقال للتيمم، لعموم مشروعيته عند تعذر الطهارة المائية.

لكن بعض النصوص تضمّن مشروعية التيمم للكسير و ذي الجروح و القروح، كمرسل ابن أبي عمير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «يتيمم المجدور و الكسير بالتراب إذا أصابته جنابة» (1) و صحيح محمد بن مسلم: «سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الرجل يكون به القرح و الجراحة يجنب. قال: لا بأس بأن لا يغتسل يتيمم» (2) و غيرهما.

و قد وقع الاشكال بينهم في الجمع بين هذه النصوص و نصوص الجبائر، كالإشكال في الجمع بين كلمات الأصحاب في المقامين.

قال في المدارك: «و اعلم أن في كلام الأصحاب في هذه المسألة إجمالا، فإنهم صرحوا هنا بإلحاق القرح و الجرح بالجبيرة، سواء كان عليها خرقة أم لا، و نص جماعة منهم على أنه لا فرق بين أن تكون الجبيرة مختصة بعضو أو شاملة للجميع، و في التيمم جعلوا من أسبابه الخوف من استعمال الماء بسبب الجرح‏

____________

(1) الوسائل باب: 5 من أبواب التيمم حديث: 4.

(2) الوسائل باب: 5 من أبواب التيمم حديث: 5.

424

و القرح و الشين، و لم يشترط أكثرهم في ذلك تعذر مسح شي‏ء عليها و المسح عليه.

و أما الأخبار ففي بعضها أن من هذا شأنه يغسل ما حول الجرح‏و قد تقدم‏و في كثير منها أنه يتيمم. و يمكن الجمع بينها إما بحمل أخبار التيمم على ما إذا تضرر بغسل ما حولها، أو بالتخيير بين الأمرين.».

و قد يجمع بينها أيضا بحمل نصوص الجبيرة على صورة وجودها و منعها من وصول الماء للبشرة و نصوص التيمم على صورة عدمها و كشف الموضع، أو بحمل نصوص الجبيرة على الوضوء و نصوص التيمم على الغسل لاختصاص نصوصها به، أو بحمل نصوص الجبيرة على الجرح الواحد و نصوص التيمم على الجروح المتعددة.

و الكل كما ترى إما بلا شاهد كالأول و الثالث، أو يمتنع تنزيل النصوص عليه كالباقي، لظهور بعض نصوص التيمم في وجوبه، فينافي الثاني، و صراحة صحيح عبد الرحمن بن الحجاج المتقدم و مرسل العياشي‏ (1) في عموم حكم الجبيرة للغسل، فينافي الرابع، و قوة ظهور بعض نصوص التيمم في وحدة الجرح، فينافي الخامس.

فالأولى أن يقال: لما كان اللازم حمل نصوص الجبيرة على صورة القدرة على الوضوء أو الغسل الجبيري دون محذور فيه تعين حمل نصوص التيمم على صورة تعذرهما، لنجاسة أو نحوها أو لزوم محذور منهما من حرج أو ضرر في غسل الصحيح الذي لا جبيرة عليه أو في المسح على الجبيرة أو نحو ذلك مما يكثر الابتلاء به.

و هذا هو المتعين في الجمع بين كلمات الأصحاب، و هو المستفاد مما في المعتبر و المنتهى من أن ذا الجبائر يمسح عليها، فان تضرر بالمسح عليها تيمم فلا إجمال في كلماتهم، كما نبه لذلك في محكي شرح المفاتيح، قال في جملة كلام له: «ففي التيمم إذا جعلوا من أسبابه الخوف من استعمال الماء بسبب القروح أو

____________

(1) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 11.

425

الجروح فلا شبهة في كون هذا التيمم بعد العجز عن تلك المائية. و كيف يمكن تجويز غير هذا عليهم.» و قريب منه في حاشية المدارك.

ثمَّ إنه روى عمار في الموثق قال: «سئل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل ينقطع ظفره هل يجوز له أن يجعل عليه علكا؟ قال: لا، و لا يجعل إلا ما يقدر على أخذه عنه عند الوضوء، و لا يجعل عليه إلا ما يصل إليه الماء» (1).

و لا بد من رفع اليد عنه بما تقدم، و بعمومات الضرر و الحرج القطعية، و لا سيما بعد ظهور إعراض الأصحاب عنه.

فليحمل على عدم الانحصار به و إمكان جعل غيره من غير حرج و لا ضرر، لدفع توهم مسوغية التداوي للوضوء الناقص مطلقا. فلا ينافي الأدلة السابقة، لانصرافها عن الصورة المذكورة و ظهورها في البدلية الاضطرارية. و لعل هذا هو مراد الشيخ (قدّس سرّه) في الاستبصار من حمله على الاختيار.

فما عن بعضهم من احتمال الرخصة مطلقا و لو مع عدم الاضطرار، عملا بإطلاق النصوص السابقة، و ما عن آخر من الاشكال بسبب الموثق المذكور، في غير محله، كما في الحدائق.

بقي شي‏ء، و هو أن المعروف من مذهب الأصحاب وجوب المسح على الجبائر بدلا عن البشرة، بل هو الظاهر من معاقد الإجماعات المتقدمة.

لكن في المدارك: «و لو لا الإجماع المدعى على وجوب المسح على الجبيرة لأمكن القول بالاستحباب و الاكتفاء بغسل ما حولها، لصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج. و رواية عبد اللّه بن سنان. و ينبغي القطع بالسقوط في غير الجبيرة، أما فيها فالمسح عليها أحوط» و سبقه إلى ذلك شيخه الأردبيلي‏فيما حكي عنه‏بل قد يظهر من الصدوق في الفقيه، حيث قال في حكم الجروح و القروح المشدودة: «فليمسح يده على الجبائر و القروح، و لا يحلها و لا يعبث بجراحته. و قد روي في الجبائر عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): أنه قال: يغسل ما حولها»

____________

(1) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 6.

426

و نحوه في الفقه الرضوي‏ (1)، بل ربما ينسب للكليني، لظهور ذكره للنص المتضمن غسل ما ظهر و ما حول الجرح في عمله به.

أقول: ما تضمنه صحيح عبد الرحمن من تعقيب الأمر بغسل ما ظهر بترك غسل ما تحت الجبيرة ظاهر في أن الحصر إضافي بلحاظ البشرة، فلا ينافي وجوب المسح على الجبيرة، غاية الأمر أن عدم التعرض له في بيان كيفية طهارة ذي الجبيرة ظاهر في عدم وجوبه.

لكنه لا ينهض بمعارضة ظهور الأمر بالمسح عليها في النصوص الكثيرة في وجوبه، و لا سيما صحيحي الوشاء المتضمنين للتعبير باجزاء المسح لظهوره في بدليته عن غسل البشرة في الوجوب و دخله في الاجزاء مثله، بل هو كالمطلق الذي يجب رفع اليد عنه بالمقيد.

و منه يظهر الحال في صحيحي ابن سنان و الحلبي المتضمنين لغسل ما حول الحرج، فان دلالتهما على عدم وجوب مسح الجبيرة إنما هي للسكوت عنه في مورد الحاجة لبيانه.

على أنهما مختصان أو شاملان للجرح المكشوف فلا مجال لرفع اليد بهما عن ظهور نصوص المسح على الجبيرة في الوجوب، بل هما مباينان لها موردا أو مخصصان بها. و أما مرسل الصدوق المتقدم، فمن القريب كونه نقلا لمضمونهما.

و مما ذكرنا يظهر عموم وجوب المسح للجبيرة و ما الحق بها من عصابة الجرح و الدواء و نحوه، لورود الأدلة به في الكل.

و لعل ما تقدم من المدارك من القطع بعدم وجوب المسح في غير الجبيرة، في مقابل دعوى وجوب مسح الجرح المكشوف‏كما فهمه بعضهم‏لا لتخصيص الجبيرةبالمعنى اللغوي‏من بين الأمور المذكورة.

____________

(1) مستدرك الوسائل باب: 34 من أبواب الوضوء حديث: 3.

427

و لو أمكنه مسح البشرة مسح عليها (1).

(1) قد تعرضوا لذلك في الجرح المكشوف، ففي الحدائق: أنه ذكره الأصحاب، و هو المحكي عن التذكرة و نهاية الأحكام و الدروس، و مال إليه في المعتبر.

و قد استدل عليه بأنه أقرب إلى المأمور به، و أولى من مسح الجبيرة.

و الأول راجع لقاعدة الميسور، التي تكرر منا الإشكال في الرجوع إليها في أمثال المقام.

و الثاني إن رجع إلى الأولوية الظنية فليس بحجة، و إن رجع إلى الأولوية القطعية أو مفهوم الموافقة فهو ممنوع.

و من هنا استشكل في الحكم جماعة من متأخري المتأخرين‏كما في الجواهرمنهم صاحب الحدائق، و تردد في محكي الذكرى و شرحي الدروس و المفاتيح. كل ذلك لإطلاق ما تضمن غسل ما حول الجرح الظاهر في عدم وجوب ما زاد عليه من المسح على الجرح، أو على الجبيرة بعد وضعها عليه، كما يأتي في المسألة الخامسة و الثلاثين.

اللهم إلا أن يقال: الإشكال في الرجوع لقاعدة الميسور إنما هو في الخروج عن مقتضى الارتباطية بتشريع العمل الناقص، أما بعد ثبوت مشروعية العمل الناقص و احتمال وجوب المحافظة على ما هو الأقرب إلى التام فاللازم البناء عليه، لخروج الناقص حينئذ عن المتيقن من إطلاق دليل تشريعه بقرينة وروده مورد الاضطرار، و لا سيما مع ندرة الفرض في مورد النص، لغلبة نجاسة الجرح أو إضرار الماء به، و لو بمقدار المسح، فيكون مقتضى قاعدة الاشتغال المحافظة على الأقرب بالمسح على الجرح، خصوصا مع ثبوت نظيره في الجبيرة في موضع المسح، حيث تقدم وجوب إيصال الماء مع إمكانه و لو لم يتحقق المسح.

على أنه يصعب غض النظر عن أولويته من المسح على الجبيرة، لأنها قريبة

428

و الأحوط استحبابا الجمع بين المسح عليها و على الجبيرة (1). و لا يجزي غسل الجبيرة عن مسحها على الأقوى (2).

جدا. لكن في بلوغ ذلك حدّ الحجية إشكال، و المتعين الاحتياط.

و مثله الإشكال في البشرة المستورة بالجبيرة لو أمكن المسح عليها، فإن إطلاق نصوص الجبيرة يقتضي المسح عليها، و الوجه المتقدم يقتضي المسح على البشرة.

و دعوى: قصور الإطلاق عن صورة التمكن من المسح و اختصاصه بصورة تعذر نزع الجبيرةكما قد يظهر من صحيح عبد الرحمن بن الحجاج‏لقرب ظهوره في كون نزع الجبيرة عبثا بالجرح، بل هو الظاهر من رواية عبد الأعلى، كما تقدم، و منصرف صحيحي الوشاء، أو بصورة إضرار الماء و لو بنحو المسح‏كما قد يظهر من صحيح الحلبي. كما أن فرض التخوف في صحيح كليب محتمل للأمرين.

ممنوعة، لتمامية الإطلاق في صحيح الحلبي، لظهوره‏بقرينة ذكر الغسل في فرض عدم الإيذاءفي إرادة إيذاء الغسل لا غير. فتأمل.

و لو تمت الدعوى المذكورة فقد يدعى لزوم الاحتياط بالجمع بين المسح على الجبيرة و المسح على البشرة، للعلم الإجمالي بوجوب أحد الأمرين، خلافا لما ذكره سيدنا المصنف (قدّس سرّه).

اللهم إلا أن يقال: هذا إنما يتم بناء على وجوب وضع الجبيرة على الجرح المكشوف و المسح عليها، أما بناء على عدمه فبعد نزع الجبيرة في المقام للمسح على البشرة احتياطا يكون الجرح مكشوفا، فلا يجب المسح على الجبيرة. فتأمل جيدا.

(1) مما تقدم يظهر أن الاحتياط بالمسح على الجبيرة في الفرض يبتني على الاحتياط في الجرح المكشوف، و لعله لذا جعله استحبابيا.

(2) كما هو ظاهر كلام الأصحاب و معاقد إجماعاتهم، خصوصا ما تضمن‏

429

التنصيص على الأمر بالمسح حتى في موضع الغسل، لظهور المقابلة في خصوصية المسح المقابل للغسل، بل هو صريح غير واحد في المقام. و يقتضيه ظاهر الأمر بالمسح على الجبيرة في النصوص الكثيرة.

لكن عن العلامة في النهاية احتمال وجوب أقل مسمى الغسل. قال في كشف اللثام: «و هو جيد. و لا ينافيه الأخبار، لدخوله في المسح».

و فيه: أنه إن أراد ملازمته للمسح فهومع اقتضائه الاكتفاء بذكر المسح عنه- في غاية المنع، إذ لا إشكال في غلبة عدم تحقق الغسل بالمسح على الجبائر، التي هي غالبا من سنخ الخرق التي تمتص الماء الوارد عليها بالمسح، فلا يتحقق به مسمى الجريان الذي جعلوه المعيار في صدق الغسل، فضلا عن استيلاء الماء بالنحو الخاص الذي تقدم في أول الفصل السابق اعتباره في الغسل عرقا.

نعم، بناء على ما تقدم من عدم اعتبار ذلك في الوضوء و الغسل و الاكتفاء بمس الماء للجلد فالظاهر ملازمته للمسح على الجبيرة، لأن الظاهر لزوم كون المسح في المقام بالماء لا بالرطوبة القليلة التي لا يصدق معها عرفا انتقال الماء للجبيرةكما قربه في الجواهرلظهور سوقه في مساق غسل البشرة و كونه في محلها في إرادة ذلك.

على أن ظاهر كلام العلامة لزوم أقل مسمى الغسل و لو بدون مسح، فينافيه إطلاق أدلة وجوب المسح، لظهوره في وجوبه عينا، و إجزائه و إن أوجب الغسل بمرتبة أشد. فتأمل.

و إن أراد إمكان حصوله بالمسح، فيجب المسح المحصل له. فيدفعه عدم الدليل على وجوبه، بل إطلاق أدلة المسح يقتضي الاكتفاء به.

و مثله الاستدلال بأن المستفاد من الأمر بمسح الجبيرة بدليتها عن البشرة، لأنه المناسب لمقام الضرورة، فيجب غسلها مثلها، و التعبير بالمسح لأنه المقدمة المتعارفة لإيصال الماء للبشرة.

إذ فيه‏مع عدم مناسبته للتقييد بأقل مسمى الغسل في كلام العلامةأنه‏

430

خروج عن ظاهر النصوص الآمرة بالمسح بلا قرينة.

و ليست بدلية الجبيرة عن البشرة ارتكازية، ليصلح الارتكاز المذكور للقرينية على ذلك، بل هي تعبدية، و ظاهر أدلتها بدلية مسح الجبيرة عن غسل البشرة في الجزئية، لا بدلية الجبيرة عن البشرة في الغسل.

و منه يظهر ضعف الاستدلال بقاعدة الميسور لوجوب الغسل في المقام.

فان غسل الجبيرة ليس ميسورا عرفا من غسل البشرة، بل لو تمَّ كان بدلا تعبديّا محتاجا لدليل، و دليل المسح يدفعه.

و من الغريب ما في محكي شرح المفاتيح من تنزيل قوله (عليه السلام) في صحيح عبد الرحمن بن الحجاج: «يغسل ما وصل إليه الغسل مما ظهر مما ليس عليه الجبائر.» على ما يعم البشرة و الجبيرة. قال: «و هو أنسب بعموم كلمة: «ما». و لعل عدوله عن قوله (عليه السلام): «اغسل ما حولها» لهذه النكتة. و لو قلنا: ان الرواية ليست ظاهرة في ذلك لوجب حملها على هذا المعنى، لئلا تحصل المنافاة بينها و بين غيرها من الروايات، لظهورها بدون ذلك في الاكتفاء بغسل ما حول الجبيرة».

فإنه‏كما ترى‏لا يناسب التقييد بقوله (عليه السلام): «مما ليس عليه الجبائر.» الذي هو صريح في إرادة البشرة الظاهرة في مقابل البشرة المستورة بالجبيرة، بنحو لا مجال لرفع اليد عنه، فرارا عن المنافاة لنصوص المسح على الجبيرة، بل يتعين في رفعها ما تقدم التعرض له في الفرع السابق.

و مثله ما ذكره من أن الجمود على ما تضمنته من التعبير بالمسح يوجب منافاتها لما دل على وجوب الغسل من الكتاب و السنة.

لوضوح اندفاعه بأن الكتاب و السنة إنما دلا على وجوب غسل البشرة، فمع تعذره يكون المسح بمقتضى النصوص المذكورة بدلا عنه من دون أن تنافيه.

و كذا حمل نصوص المسح على صورة تعذر غسلها.

إذ لا معنى لحمل جميع نصوص المقام على الواجب الاضطراري من دون أن يشار للواجب الاختياري.

431

و كأن الذي دعاه لذلك تخيل أن وجوب المسح يمنع من جريان الماء بمرور اليد، و لذا حكي عن شرح الجعفرية المنع منه.

لكن تقدم جواز الاجراء في أعضاء المسح التي تضمنت النصوص مقابلة المسح فيها للغسل، فجوازه في المقام أولى.

هذا، و قد نسب شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) لظاهر الشهيدين القول بالتخيير بين المسح و الغسل، لما في الروض و المسالك و عن الذكرى من عدم وجوب إجراء الماء على الجبيرة، لأن الشارع لم يتعبد بغسلها. و هو كما ترى إنما يدل على عدم وجوب تحقيق الغسل بالمسح، لا إجزاء الغسل بدونه.

و كيف كان، فقد يستدل له بورود الأمر بالمسح لدفع توهم وجوب الغسل، فلا يكون ظاهرا في عدم اجزائه.

و فيه: أنه وارد لدفع توهم وجوب غسل البشرة، لا لدفع توهم وجوب غسل الجبيرة، فيحتاج إجزاء غسلها إلى دليل، و ظاهر الأمر بمسحها في مقام بيان الماهية تعينه في فرض عدم غسل البشرة، فلا يجزي غسلها عنه.

أما شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) فقد قرّب كون الأمر بالمسح كناية عن وجوب إيصال الماء للجبيرة، فيجزي و لو بغير الغسل و المسح، لأنه المنسبق للأذهان، و لا سيما مع اشتمال السؤال في صحاح الحلبي و الوشاء على فرض المسح على الجبيرة و الدواء. مع أنه لو أريد خصوصيته في مقابل الغسل فلا منشأ لتوهم إجزائه قبل الاطلاع على تعبد الشارع. و لاستبعاد التعبد بخصوصية الغسل أو المسح و لا سيما مع لزوم الحرج العظيم في التزام كل منهما بخصوصه.

و زاد الفقيه الهمداني في تقريب فهم ذلك من إطلاق المسح في المقام: أنه لولاه لكان اعتبار نداوة الماسح فضلا عن انتقال البلة للممسوح محتاجا للدليل، و كذا سائر الشرائط من الطهارة و الاستيعاب و الترتيب. فلو لا أن المفهوم من الأمر بمسح الجبيرة قيامها مقام البشرة في وجوب إيصال البلة، فتكون بحكمها، من دون خصوصية للمسح تعبدا لكان مقتضى إطلاق الأمر بالمسح عدم اعتبار ذلك.

432

و لا بد من استيعابها بالمسح (1)، و فيه: أن قيام الجبيرة مقام البشرة لما لم يكن عرفيا ارتكازيا، ليصلح الارتكاز لتحديده، بل هو تعبدي لزم الجمود على ظاهر أدلته.

و فرضه في السؤال في الصحاح المذكورة لا بد أن يبتني على الالتفات لاحتمال التعبد المذكور، أو المفروغية عنه في الجملة، لشيوع أدلته و إن لم تعلم حدوده تفصيلا. و إلا فمقتضى الارتكازلو تمَ‏لزوم الغسل، الذي اعترف شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) بتعذر حمل الأدلة عليه.

و مجرد استبعاد الجمود على خصوصية المسح بنحو لا يجزي الارتماس- لو تمَ‏لا ينهض بالقرينية على تفسير الأدلة، و لا بالحجية على الخروج عن ظاهرها. و لزوم الحرج منه ممنوع.

و هو لا ينافي انصراف إطلاقه إلى نقل البلة للممسوح، و استيعابه و الترتيب، لما تقدم في الأول، و يأتي في الأخيرين.

و اعتبار الطهارة ليس لخصوصية في إطلاقه، بل يجري في سائر أسباب التطهير، لقرينة عامة أو إجماع أو غيرهما.

فالجمود على ظاهر النصوص في خصوصية المسح هو المتعين في المقام.

ثمَّ إن الظاهر عدم وجوب كون المسح بالكف، فضلا عن باطنها، لإطلاق أدلته. بل المقام أولى بذلك من الأعضاء الممسوحة التي تقدم عدم وجوب ذلك فيها أيضا، كما يظهر بمراجعة ما سبق هناك.

(1) كما في الخلاف و المعتبر و ظاهر المنتهى، و عن التذكرة و نهاية الإحكام و الدروس و غيرها، و في الحدائق أنه المشهور. و جعله في المبسوط أحوط، و استحسنه في محكي الذكرى، و استشكل في الوجوب، بل صرح بعدمه في المستند، لصدق ما تضمنته النصوص من المسح عليها بالمسح على بعضها، و ليس هو كمسحها في ظهوره في الاستيعاب.

433

إلا ما يتعسر استيعابه بالمسح عادة (1)، كالخلل التي تكون بين الخيوط و نحوها.

(مسألة 35): الجروح و القروح المعصّبة حكمها حكم الجبيرة المتقدم (2)، و ما في الجواهر من ظهورهما معا فيه و إن كان الثاني أظهر، و أن صدقه بدون الاستيعاب في مثل المسح على الظهر للقرينة. غير ظاهر.

نعم، المنصرف عرفا من الأمر بالمسح على الجبيرة هو بدلية المسح على كل جزء منها عن غسل ما تحته من البشرة على نحو الانحلال لا المجموعية، كما أشار إليه سيدنا المصنف (قدّس سرّه)، و لعله إليه يرجع ما في المعتبر من أن الاستيعاب مقتضى بدلية المسح عن الغسل. بل عن شرح المفاتيح حمل ما في المبسوط على ما يأتي من عدم وجوب المداقة في الاستيعاب.

و منه يظهر وجوب الترتيب في مسح أجزاء الجبيرة تبعا لوجوبه في غسل ما تحتها، كما نبه له في الجواهر و غيرها.

(1) لما هو المعلوم من ابتناء الجبيرة على وجود الخلل و الخيوط و ابتناء المسح على عدم المداقة، فلو كان التدقيق مرادا في المقام لاحتاج للتنبيه بالخصوص. فلاحظ.

(2) كما صرح به غير واحد، بل تقدم من بعضهم أن مراد الأصحاب من الجبائر ما يعمها. و هي داخلة صريحا في معقد الإجماع المدعى في الخلاف و المنتهى على حكم الجبائر، و ظاهرا في معقد الإجماع المدعى في المعتبر عليه، و تقدم من المدارك‏عند الكلام في نصوص التيمم‏دعوى تصريح الأصحاب بالإلحاق، و عن شرح المفاتيح و غيره دعوى الإجماع عليه.

و يقتضيه صحيح الحلبي‏ (1) في عصابة القرحة و رواية عبد الأعلى‏ (2) في‏

____________

(1) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 2.

(2) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 5.

434

و إن لم تكن معصّبة غسل ما حولها (1) و الأحوط وجوبا المسح عليها إن أمكن (2)، و لا يجب وضع خرقة عليها و مسحها (3)، المرارة التي يتوقى بها و لو مع عدم الجرح، و صحيح عبد الرحمن بن الحجاج‏ (1) في عصابة الجرح، حيث تضمن مشروعية الوضوء الناقص و إن لم يدل على وجوب مسح الجبيرة، و كذا ما تضمن غسل ما حول الجرح‏ (2).

و يتعدى منها لغيرها مما يتوقى به بفهم عدم الخصوصية، و لا سيما مع ورود المسح على الدواء في صحيحي الوشاء (3)، و المسح على الحناء في صحيحي عمر ابن يزيد و محمد بن مسلم‏ (4) المحمول على الضرورة، كما تقدم في آخر الكلام في مسح الرأس.

(1) بلا إشكال، لصحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام): «سألته عن الجرح، كيف يصنع صاحبه؟ قال: يغسل ما حوله» (5)، و نحوه ذيل صحيح الحلبي‏ (6)، و هما يشملان ما إذا كان الجرح مكشوفا أو يختصان به، كما يأتي. أما لو كان غسله مضرا فسيأتي الكلام فيه في المسألة الخامسة و الأربعين.

(2) تقدم منا الكلام في ذلك عند الكلام في وجوب مسح ما تحت الجبيرة إن أمكن. و ظاهره هناك الجزم بالوجوب، و لم يتضح وجه الفرق بين المقامين.

(3) كما هو ظاهر النهاية و المعتبر و محكي التذكرة، و في المدارك أنه ينبغي القطع به. بل ظاهر جامع المقاصد في آخر مبحث التيمم معروفية القول بذلك بين الأصحاب، بل قد يظهر منه إجماعهم عليه.

لكن نسب في الحدائق للأصحاب وجوب شد الجرح و المسح على الخرقة مع التمكن، و في الرياض: «بل قيل: لا خلاف فيه ما لم يستر شيئا من الصحيح».

____________

(1) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 1، 2.

(2) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 3.

(3) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 9، 10.

(4) الوسائل باب: 37 من أبواب الوضوء حديث: 3، 4.

(5) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 3.

(6) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 2.

435

و هو المصرح به في المنتهى و محكي نهاية الإحكام، بل ظاهرهما أنه مع التعذر يسقط الوضوء و ينتقل إلى التيمم، و لا يكتفى بغسل ما حول الجرح، بل هو مقتضى إطلاق جماعة من الأصحاب ممن صرح بعدم تبعيض الطهارة، و أنه لو تعذر غسل بعض الأعضاء لمرض أو جرح انتقل للتيمم، كالشيخ في الخلاف و المبسوط و المحقق في الشرائع و العلامة في القواعد و غيرهم، بل في الجواهر: لا أعرف فيه خلافا.

بل هذا منهم بظاهره ينافي حكمهم بمشروعية الوضوء الجبيري و غسله، لو لا ما تقدم من لزوم حمله على صورة تعذرهما، جمعا بين كلماتهم، فيبقى ظاهرا في عدم الاكتفاء بغسل ما حول الجرح، و وجوب الوضوء و الغسل المستوعبين، و لو بوضع الجبيرة.

لكن تحصيل الإجماع الحجة بذلك لا مجال له بعد ما تقدم من جامع المقاصد و غيره، بل بعد ظهور اضطرابهم في أحكام الجروح و نحوها، حيث يظهر منه مشروعية التيمم تارة، و لزوم الميسور من الطهارة المائية أخرى، فإنه و إن تقدم الجمع بين كلماتهم بإرادة مشروعية الأول عند تعذر الثاني، إلا أن كلماتهم لا تخلو عن اضطراب و قصور في كثير من الموارد، و منها هذا الموردكما نبه له غير واحد.

فلا بد من النظر في نصوص المقام، و من الظاهر أن مقتضى إطلاق صحيحي الحلبي و ابن سنان الاكتفاء بغسل ما حول الجرح، فان عدم التعرض لوضع شي‏ء على الجرح بعد السؤال عن الوظيفة ظاهر في عدم وجوبه و تمامية الوظيفة بدونه.

و مجرد وجوب المسح على الجبيرةكما تقدم‏لا يقتضي وجوب وضعها، لاختصاص نصوصه بصورة وجودها، و لا عموم لها لصورة عدمها بنحو يقتضي وضعها.

نعم، لو كان ذلك كاشفا عرفا عن عدم ورود الصحيحين لبيان تمام الوظيفة، بل لبيان المقدار الذي يغسل من البشرة، كان مانعا من الاستدلال بإطلاقهما في‏

436

المقام.

لكن قوة ظهور الصحيحين في بيان تمام الوظيفة ملزمة بالجمع بينهما و بين نصوص مسح الجبيرة بالحمل على خصوص الجرح المكشوف، أو بتقييدهما في خصوص صورة وجود الجبيرة و العمل بإطلاقهما في المقام.

و ما في الجواهر من ظهور قوله في صحيح الحلبي: «فيعصبها بالخرقة و يتوضأ و يمسح.» في كون التعصيب لأجل الوضوء.

ممنوع جدا، لأنه لا يناسب الجواب، للمقابلة فيه بين المسح على الخرقة و نزعها، لا بين غسل البشرة و وضع الخرقة، فهو ظاهر في المفروغية عن تحقق التعصيب حين الوضوء، لا عن تحقيقه لأجله.

و مثله احتمال كون المراد بالمسح على الجبائر في نصوصه المسح على خرقة الجبيرة، و إن لم تصر جبيرة بالفعل.

فإن مجرد الاحتمال لا يصلح لتقييد إطلاق الصحيحين، و لا سيما مع مخالفته للظاهر، كيف و لازمه الاكتفاء بمسح الخرقة قبل وضعها على المحل و صيرورتها جبيرة بالفعل! و كذا دعوى: ظهور الأمر بالمسح على الجبائر في صحيح كليب مع عدم فرضها في كلام السائل في إطلاق وجوب المسح عليها بالنحو المقتضي لوضعها، و عدم اشتراطه بوضعها.

لاندفاعها بظهوره في المفروغية عن وجودها، لظهور الإضافة في التعريف و العهد. و لا سيما مع كون الجبائرلغة و عرفا في حق الكسيرما يجبر به كسره، لا مطلق ما يجعل عليه و لو موقتا لأجل الوضوء.

و أما استبعاده الفرق بين أن تكون الجبيرة موضوعة لا يؤذي حلها و ما لم تكن كذلك.

فهولو تمَ‏لا يقتضي وجوب وضع الجبيرة عند عدمها، بل جواز ترك المسح على الجبيرة بعد إزالتها، كما تقدم عند الكلام في وجوب مسح البشرة مع‏

437

الإمكان، و يأتي توضيحه.

نعم، لا يجوز ترك مسحها حينئذ مع بقائها كالتي لا يسهل إزالتها، لإطلاق نصوص مسح الجبيرة.

و أما عدم الضابط لشد الجروح بالنسبة للأشخاص و الأوقات، و أنه هل المدار على أول الوقت أو حين الفعل. فليس مهما، لظهور الأدلة في أن المدار على وقت الفعل.

و دعوى: ظهور نصوص الجبائر في وجوب المسح عليها بمجرد وضعها على المحل، لصدق الجبيرة عليها حينئذ، فتدخل في إطلاق الخطاب.

مدفوعة: بأن الظاهر من الجبائر هي الموضوعة على المحل بالفعل، لا ما وضع عليه آنا ما، و لذا لا ريب في وجوب المسح عليها و هي عليه، و لا يجزي المسح عليها بعد رفعها عنه.

و لعله لما ذكرنا اعترف (قدّس سرّه) بأن في كل واحد من هذه الوجوه مجالا للنظر.

لكنه قال: «مجموعها يفيد الفقيه قوة الظن بذلك».

و هو كما ترى ممنوع صغرويا و كبرويا.

هذا، و أما ما في المستند من التخيير بين التيمم و الوضوء أو الغسل و لو مع عدم وضع شي‏ء على الجرح، لدعوى: سوق المطلقات الواردة في تيمم الجريح و الكسير لبيان مشروعيته من دون إلزام، و ظهور دليل غسل ما حول الجرح فيمن يريد الغسل، لا مطلقا ليقتضي وجوبه، لقوله في صحيح الحلبي: «كيف اصنع به في غسله» فيتعين التخيير بين الأمرين.

ففيه:- مع أن ظاهر صحيح الحلبي المفروغية عن وجوب الغسل، و إلا لم يحتج لتكلفه، و أن نصوص التيمم مختصة بالغسل‏أن صحيح عبد اللّه بن سنان ظاهر في الوجوب، فيتعين حمل مطلقات التيمم على صورة تعذر ذلك، نظير ما تقدم في أول الكلام في حكم الجبائر.

بقي في المقام أمور.

438

الأول‏: أن الصحيحين مختصان بالجرح الذي يكون في موضع الغسل، فالتعدي لما يكون في موضع المسح موقوف على إلغاء خصوصية موردهما عرفا، و هو لا يخلو عن قرب و إن كان لا يخلو أيضا عن الاشكال، بالنظر لخبر أبي الورد المتقدم في المسح على الخفين، حيث تضمن مشروعية المسح عليهما لخوف البرد، مع وضوح خروجهما عن الجبيرة و نحوها مما تقتضيه الآفة، بل لا ثبوت لهما كطرف الثوب الملقى، فالاحتياط هنا بالمسح على الحائل متعين.

و أما احتمال الانتقال إلى التيمم فهو بعيد، بالنظر لنصوص الجبائر و المسح على الخفين و نحوها، لبعد خصوصية وجود الجبيرة و الخف في مشروعية الوضوء، بل قد يستفاد التسامح في ترك المسح من الصحيحين بالأولوية، لأن الغسل أهم عرفا من المسح. فلاحظ.

الثاني‏: لو فرض وجوب مسح شي‏ء على الجرح فمع تعذره هل يقتصر على غسل ما حوله‏كما في الجواهرأو ينتقل للتيمم‏كما تقدم أنه ظاهر المنتهى و محكي نهاية الإحكام، بل ظاهر إطلاق غيرهم-؟ لا يبعد الأول، لإطلاق صحيحي الحلبي و ابن سنان، المقتصر في الخروج عنهما على صورة إمكان وضع الجبيرة، إذ لا إشكال في قصور نصوصها عن صورة تعذره. و لأجلهما لا تسمع دعوى عدم تبعض الطهارة. فلاحظ.

الثالث‏: الظاهر أنه يلحق بالجرح المكشوف غيره مما يضر به الماء، كالدماميل و الكسور غير المجبورة و الأورام، لفهم عدم الخصوصية للجرح بعد النظر في مجموع نصوص المقام الواردة في صورتي وجود الجبيرة و عدمها.

و لا يبعد بناء الأصحاب على ذلك، فعن السيد بحر العلوم أنه قال: «اعلم أن الأصحاب ألحقوا الكسر المجرد عن الجبيرة أيضا بالجرح في الحكم. و كذا كل دواء (داء. ظ) في العضو لا يمكن إيصال الماء إليه، و الإثبات بالدليل مشكل. لكن الأولى متابعتهم». و يأتي في المسألة الأربعين تمام الكلام في ذلك.

439

و إن كان أحوط استحبابا (1).

(مسألة 36): اللطوخ المطلي بها العضو للتداوي يجري عليها حكم الجبيرة (2)، و كذا العصابة التي يعصّب بها العضو لألم أو ورم أو نحو ذلك. (3).

(1) يأتي في المسألة الرابعة و الأربعين أن جواز ذلك مشروط بعدم استلزامه ترك غسل شي‏ء من الصحيح.

(2) كما في كشف اللثام و عن التذكرة و الشهيد، و عن الذخيرة عن بعضهم دعوى الإجماع عليه، و عن شرح المفاتيح أن المشهور اتحاد حكم الطلاء الحائلة و اللصوق مع الجبيرة.

و يقتضيه صحيح الوشاء: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الدواء إذا كان على يدي الرجل أ يجزيه أن يمسح على طلي الدواء؟ فقال: نعم، يجزيه أن يمسح عليه» (1)، و نحوه صحيحه الثاني‏ (2) الذي لا يبعد اتحاده معه، و أن اختلافهما للنقل بالمعنى.

(3) لأن النصوص و إن اختصت بالجبائر و عصابة القرح و الجرح و الدواء، إلا أن المفهوم منها عرفا العموم لكل ما يجعل على البدن لأمر يعود إليه كالتداوي و نحوه، لإلغاء خصوصية مواردها عرفا.

و لا سيما بملاحظة رواية عبد الأعلى الواردة في المسح على المرارة (3)، لعمومهابمقتضى ترك الاستفصال فيهالما لو كان وضع المرارة لأجل التوقي على موضع الظفر و إن برئ الجرح.

فما عن المشكاة من التنظر في إلحاق الأورام بالجبيرة في غير محله. و يأتي في المسألة الأربعين ما له نفع في المقام.

____________

(1) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 9.

(2) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 10.

(3) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 5.

440

و أما الحاجب اللاصق اتفاقاكالقير و نحوه‏فلا يبعد فيه ذلك (1)، و لكن لا يترك الاحتياط الاستحبابي فيه بضم التيمم.

(1) فعن الذكرى التصريح بإلحاقه بالجبيرة، و قواه في الجواهر، لرواية عبد الأعلى، و فحوى حكم الجبائر بعد إلغاء خصوصية المرض، و للقطع بفساد القول بوجوب التيمم بدلا عن الغسل و الوضوء لمن كان في بدنه قطعة قير مثلا مدى عمره.

لكن الرواية مختصة بما يوضع لأمر يعود للبدن من التداوي و نحوه.

و دعوى: أن تطبيق دليل الحرج فيها ظاهر في عموم سقوط الارتباطية بين أجزاء الوضوء بالحرج، فيتعدى منه للتعذر بالأولوية العرفية.

مدفوعة: بأنها غير مسوقة لبيان سقوط الارتباطية، ليتمسك بإطلاقها في ذلك، بل لبيان مسقطية الحرج بعد الفراغ عن سقوط الارتباطية في الجملة، كما هو مقتضى الاستدلال بالآية، فلا مجال للتعدي عن موردها لجميع موارد تبعيض الوضوء. و كذا إطلاق أدلة الجبائر.

و إلغاء خصوصية المرض إن رجع إلى فهم عدم خصوصيته عرفا من الأدلة فهو ممنوع، و إن رجع إلى تنقيح المناط، لقرب أن يكون هو تعذر وصول الماء للبشرة فلا ينفع ما لم يكن قطعيا.

و ما ذكره شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) من تنقيحه في خصوص صورة لصوقه لعذر. إن أراد به مطلق العذر، فخصوصيته غير واضحة الدخل، إذ المدار على أقربية الوضوء الناقص لغرض الشارع من التيمم، و لا دخل للعذر في ذلك. و إن أراد خصوص ما يعود للبدن بالوجه الذي ذكرناكما قد يناسبه مقابلته بما ألصق اتفاقا أو اختيارافهو في محله، لكن لا لتنقيح المناط، بل لما سبق.

هذا، و لو كان مراد الجواهر من الفحوى الأولوية فهي ظاهرة المنع. و أما من تعذر عليه إزالة الحاجب طول عمره فاكتفاؤه بالمسح عليه‏لو تمَّ-

441

(مسألة 37): لا فرق في الحكم المتقدم بين الجبيرة المستوعبة للعضو و غيرها (1)، و إن كان الأحوط استحبابا في الأولى ضم التيمم، لعله لكون ما تحته ميؤوسا منه بحكم المقطوع، بخلاف ما لو كان الحاجب في معرض الزوال.

و من هنا كان اللازم التيمم لإطلاق دليل مشروعيته بتعذر الطهارة المائية.

و إن كان الاحتياط بضم الوضوء الجبيري لازما، لقرب تنقيح المناط جدا.

(1) كما في المسالك و عن الذكرى، و هو مقتضى إطلاق غير واحد من أعيان الأصحاب، بل هو كالصريح من بعضهم قال في المبسوط: «و متى أمكن غسل بعض الأعضاء و تعذر الباقي غسل ما يمكن غسله، و مسح على حائل ما لا يمكن غسله» و في محكي التذكرة: «إذا كانت الجبائر على جميع أعضاء الغسل و تعذر نزعها مسح عليها مستوعبا بالماء، و مسح رأسه و رجليه ببقية البلل».

و يقتضيه إطلاق غير واحد من نصوص المقام.

و دعوى: انصرافها عن الفرض، لندرته.

ممنوعة صغرويا و كبرويا، و لا سيما في أعضاء المسح، لصغر مساحتها.

و منه يظهر الاشكال فيما عن البيان من لزوم التيمم في الجرح المستوعب للعضو. نعم، لو كان الجرح مكشوفا أشكل دخوله في إطلاق صحيحي الحلبي و ابن سنان‏ (1)، لأن الأمر بغسل ما حول الجرح ظاهر في فرض عدم استيعابه‏كما نبه له في الجواهر.

و دعوى: أن لازم ذلك قصوره عن الجرح الذي يكون في طرف العضو، أو الدائر في الذراع بحيث ينقطع ما قبله عما بعده، و حيث لا إشكال في عموم حكمه لذلك، لفهم عدم خصوصية مورد النص، يتعين البناء على العموم‏

____________

(1) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 2، 3.

442

أما إذا كانت مستوعبة لتمام الأعضاء فجريان الحكم المتقدم فيها لا يخلو عن إشكال (1)، للمستوعب للعضو.

مدفوعة: بأن فهم عدم الخصوصية في الجملة لا يستلزم الظهور في الإطلاق بنحو يشمل المستوعب للعضو، و ما لو كان المقدار المتروك كثيرا، بحيث يكون هو المحيط بالمقدار الصحيح.

و تنقيح المناط فيه غير ظاهر، لكون الاجتزاء بالناقص تعبديا لا عرفيا، و دخل قلة المتعذر فيه غير بعيد في نفسه.

كما لا مجال لاستفادته من إطلاق نصوص المسح على الجبائر، بدعوى:

إلغاء خصوصية موردها عرفا بالإضافة إلى سقوط غسل تمام العضو المؤوف، و إن اختصت بوجوب المسح على الجبيرة في ظرف وجودها.

لاندفاعها: بإمكان خصوصية موردها بلحاظ فرض وجود البدل، و هو الجبيرة.

نعم، لو أمكن وضع جبيرة عليه دخل في إطلاقها. لكنه موقوف على كون طبيعة الجرح و نحوه مقتضية لوضع ذلك الشي‏ء بحيث يصدق عليه الجبيرة و عصابة القرحة و نحوها مما يستفاد من النصوص، أما مجرد وضع شي‏ء لأجل الوضوء فهو لا يكفي في الدخول تحت الإطلاق. بل مقتضى عموم مشروعية التيمم عند تعذر الطهارة المائية هو الانتقال إليه في ذلك، و فيما لو تعذر وضع شي‏ء على الجرح.

لكن لا بد من فرض تمامية التيمم، أما لو تعذر أيضا لتعذر المسح على بعض أعضائه بسبب الجرح كان المورد من موارد فقد الطهورين، و إن كان الاحتياط فيه لازما، لقرب ابتناء الوضوء على الميسور. بل لأجل ذلك لا يبعد لزوم الاحتياط بالجمع بين الوضوء و التيمم لو فرض إمكان التيمم التام أيضا.

(1) قال في محكي الذكرى: «لو عمت الجبائر أو الدواء الأعضاء مسح‏

443

فلا يترك الاحتياط الوجوبي فيها بالجمع بين وضوء الجبيرة و التيمم (1). و كذلك الجبيرة النجسة (2) التي لا تصلح أن يمسح عليها.

على الجميع، و لو تضرر بالمسح تيمم». و قد تقدم من التذكرة فرض استيعاب الجبيرة لجميع أعضاء الغسل، بل لعله مقتضى إطلاق غير واحد، و إن لم يبعد انصراف أو قصور إطلاق غير واحد عنه أيضا.

و أما النصوص فليس فيها ما يشمل إطلاقه ذلك عدا صحيح كليب: «سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن الرجل إذا كان كسيرا كيف يصنع بالصلاة؟ قال: إن كان يتخوف على نفسه فليمسح على جبائره، و ليصل» (1). و مرسل العياشي‏ (2).

فما ذكره غير واحد من قصور النصوص عنه غير ظاهر. و كأن منشأه استبعاد شمول الحكم للفرض. لكن لا مجال له في التعبديات.

بل ادعى شيخنا الأعظم (قدّس سرّه) تنقيح المناط في الفرض لو فرض قصور الإطلاق، و إن لم يكن بذلك الوضوح.

على أنه لا مجال للخروج بمحض الاستبعاد عن الإطلاق، كيف و الاستبعاد وارد فيما لو كان المؤوف أكثر من الصحيح أو مساويا له، بل لا يكون المسح على الجبيرة قريبا للذوق إلا إذا كان موضعها صغيرا لا يعتد به عرفا، مع وضوح عدم البناء على التقيد بذلك لإطلاق النصوص.

(1) هذا موقوف على إمكان تحصيل التيمم بمباشرة تمام الأعضاء أو بعضها، و إلا فالتيمم الجبيري المستوعب لا يحتمل أولويته من الوضوء الجبيري المستوعب. بل الاحتياط حينئذ بإجراء حكم فاقد الطهورين.

و مما تقدم يظهر أن الاحتياط المذكور استحبابي لا وجوبي.

(2) ظاهره إلحاقها بما سبق في وجوب الجمع بين المسح عليها و التيمم،

____________

(1) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 8.

(2) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 11.

444

و إن لم يناسب فرض عدم صلوح الجبيرة النجسة لأن يمسح عليها.

و كيف كان، فالكلام.

تارة: فيما لو أمكن المسح على الجبيرة الطاهرة بتبديلها أو تطهيرها أو وضع طاهر عليها، و المسح عليه.

و اخرى‏: فيما لو تعذر ذلك.

أما الأول: فسيأتي.

و أما الثاني: فالأمر فيه دائر بين المسح عليها، و الاكتفاء بغسل ما حولها، و الانتقال للتيمم.

و يستدل للأول بإطلاق أدلة المسح على الجبيرة، فإنه و إن لزم تقييده بما إذا كانت طاهرة، للإجماع، إلا أن المتيقن منه صورة القدرة على ذلك.

و يشكل: بأن الظاهر من حال المجمعين عدم الفرق بين القدرة و التعذر في اعتبار الطهارة الخبثية في صحة الطهارة الحدثية، و لذا لا إشكال عندهم في اعتبارها مع تعذر تطهير البشرة في غير مورد الجبيرة مع إطلاق وجوب غسل البشرة كوجوب مسح الجبيرة، فإن كان إجماعهم حجةكما هو الظاهرتعين تقييد إطلاق دليل مسح الجبيرة بنحو يقتضي تعذره في المقام، كما يتعذر غسل البشرة مع نجاستها في غير مورد الجبيرة، و إلا لزم جواز مسح الجبيرة النجسة اختيارا و جواز غسل البشرة النجسة في غير مورد الجبيرة، لإطلاق دليليهما.

و أما الثاني فقد يستدل له بإطلاق غسل ما حول الجرح في صحيحي الحلبي و ابن سنان‏ (1)، المقتصر في تقييده بالمسح على الجبيرة على ما إذا كانت طاهرة.

و يشكل: بأن تقييد المسح على الجبيرة بما إذا كانت طاهرة راجع إلى كون الطهارة شرطا في صحة المسح، لا في وجوبه و جزئيته من الوضوء، و لذا لا إشكال ظاهرا في وجوب تطهير الجبيرة مع القدرة، فمع تعذر المسح على الجبيرة الطاهرة في المقام يتعذر الجزء، و لا يخرج عن كونه جزءا، ليصح الوضوء بدونه.

____________

(1) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 2، 3.

445

نعم، لو يضع عليها جبيرة (1) و يمسح عليها أجزأ (2).

فالظاهر أن دليل القول المذكور منحصر بقاعدة الميسور بعد فرض مانعية النجاسة من المسح على الجبيرة في المقام.

و حيث تقدم غير مرة عدم تمامية القاعدة، خصوصا في أمثال المقام، مما كان التعذر في جزء سبب الواجب، لا في جزء الواجب نفسه كان المتعين هو الثالث، عملا بعموم مشروعية التيمم عند تعذر الطهارة المائية الذي يكفي فيه تعذر بعض أجزائها. و مثله ما لو كان المانع من المسح على الجبيرة أمرا آخر غير النجاسة، كالضرر.

(1) يعني: طاهرة، و مثله ما لو طهرها أو أبدلها بجبيرة طاهرة.

(2) لإطلاق دليل المسح على الجبيرة. نعم، لو لم يعد الأمر المجعول على الجبيرة جزءا منها عرفا لم يجز المسح عليه، و كان من صغريات تعذر المسح على الجبيرة الطاهرة.

كما أنه لو فرض نزع الجبيرة بحيث يصير المورد من صغريات الجرح المكشوف اجتزأ بمسح ما حوله، لإطلاق صحيحي الحلبي و ابن سنان، نظير ما تقدم في المسألة الخامسة و الثلاثين.

و مما ذكرنا يظهر أنه لو تعذر الوضوء مع نزع الجبيرة وجب مع الإمكان تحصيل المسح على الجبيرة الطاهرة بتطهير الجبيرة في الفرض، أو تبديلها، أو إضافة طاهر إليها يعد جزءا منها، لكونه جزءا من الوضوء الواجب في فرض وجود الجبيرة.

و لعله إليه يرجع ما في جامع المقاصد و الروض و المدارك، و عن التذكرة و الشهيد من وجوب وضع طاهر عليها و المسح عليه، بل في المدارك أنه لا خلاف فيه.

و إن أرادوا الاكتفاء بمسح الطاهر الموضوع عليها و إن لم يعد جزءا منها عرفا

446

(مسألة 38): لا فرق في ثبوت حكم الجبيرة بين الوضوء و الغسل (1).

كان خاليا عن الدليل، بل مع الانحصار به يكون المقام من صغريات تعذر المسح على الجبيرة الطاهرة، الذي تقدم فيه الوجوه الثلاثة، من وجوب المسح على الجبيرة النجسة، و الاكتفاء بغسل ما حولها، و الانتقال للتيمم.

و لعله لذا حكي عن بعضهم الأول، و عن الذكرى احتمال الثاني، و قرّبه شيخنا الأعظم (قدّس سرّه). و عن شرح المفاتيح احتمال الثالث، و هو الأظهر.

(1) كما هو ظاهر المعتبر و غيره، بل صريح بعضهم، و في المنتهى: «و هو قول عامة العلماء».

و يقتضيه إطلاق صحيح كليب‏ (1)، المتضمن المسح على الجبائر، و صحيحي الحلبي و ابن سنان‏ (2) المتضمنين مسح ما حول الجرح، و صريح صحيح عبد الرحمن بن الحجاج‏ (3) المتضمن غسل ما ظهر مما ليس عليه الجبائر، و مرسل العياشي‏ (4) المتضمن المسح على الجبائر.

و قد تقدم في أول الكلام في الجبائر أنه لا مجال للجمع بين نصوصها و نصوص تيمم الكسير و الجريح و نحوهما بحمل الأولى على الوضوء، و الثانية على الغسل.

هذا، و قد ذكر غير واحد جريان حكم الجبيرة في التيمم، و في الجواهر: «بلا خلاف أعرفه فيه»، و عن غيرها دعوى الاتفاق عليه. لكن كلام جماعة كثيرة خال‏

____________

(1) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 8. و قد تقدم في المسألة السابعة و الثلاثين.

(2) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 2، 3. و قد تقدم الثاني في أوائل الفصل عند الكلام في تعذر غسل ما تحت الجبيرة لنجاسته.

(3) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 1. و قد تقدم في أوائل هذا الفصل.

(4) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 11.

447

عن التعرض له، و لا يبعد ابتناء دعوى الاتفاق على فهم عدم الخصوصية للوضوء و الغسل في كلماتهم.

كما قد يدعى ذلك في النصوص أيضا، فعن الحدائق أن المستفاد من عموم الأخبار بدلية الجبيرة عن البشرة من دون فرق بين الطهارات الثلاث. إلا أنه‏و إن كان قريبا في نفسه‏ليس بحد يوجب ظهور النصوص في العموم بنحو ينهض بالاستدلال.

و مثله الاستدلال بقاعدة الميسور، و عموم التعليل بدليل الحرج في رواية عبد الأعلى المتضمنة للمسح على المرارة (1)، و استصحاب دليل التيمم.

لما تكرر منا من عدم تمامية القاعدة، خصوصا في أمثال المقام حيث يكون الواجب‏و هو الطهارةبسيطا و التركيب في سببه.

كما أنه تقدم في المسألة السادسة و الثلاثين أن رواية عبد الأعلى واردة لبيان مسقطية الحرج بعد الفراغ عن قابلية الارتباطية للإسقاط في الجملة، لا لبيان سقوط الارتباطية بالحرج، ليمكن التعدي عن موردها.

و أما الإشكال فيها و في القاعدة: بأنهما إنما يقتضيان سقوط مسح البشرة لا بدلية مسح الجبيرة عنه، لأنه ليس ميسورا له عرفا، و لأن دليل الحرج رافع لا مثبت.

فهو غير مهم، لأنه يكفي في وجوب مسح الجبيرة قاعدة الاشتغال بالطهارة بعد فرض التكليف بها و القدرة عليها بمقتضى الرواية و القاعدة.

و أما الاستصحاب فهو مبني على جريان الاستصحاب عند تعذر بعض أجزاء الواجب الارتباطي، و هو ممنوع، كما حرر في الأصول.

على أنه يشكل في المقام بعدم التركيب في نفس الواجب‏و هو الطهارة- بل في سببه، فالشك في حصول الواجب لا في بقاء وجوبه بلحاظ تيسر من أجزائه، و بأن وجود الجبيرة قد يكون قبل وجوب الطهارة و تعذر الطهارة المائية، فلا يقين بوجوب التيمم سابقا، إلا بنحو القضية التعليقية.

____________

(1) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 5.

448

هذا، و قد أشار سيدنا المصنف (قدّس سرّه) إلى الاستدلال بصحيح الوشاء: «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الدواء إذا كان على يدي الرجل أ يجزيه أن يمسح على طلي الدواء؟ فقال: نعم، يجزيه أن يمسح عليه» (1) فان إطلاقه شامل للتيمم.

و استشكل فيه بقرب اتحاده مع صحيحه الآخر المتضمن لقوله: «أ يجزيه أن يمسح في الوضوء على الدواء المطلي عليه» (2).

و هو في محله لتقارب مضمونهما، و اتحادهما في الإمام المروي عنه و الراوي و بعض رجال السند، فيقرب جدا كون منشأ الاختلاف بينهما النقل بالمعنى، فلا وثوق بإطلاق الأول.

فالعمدة في المقام إطلاق صحيح كليب، فإنه كما يشمل الغسل يشمل التيمم، حيث أطلق فيه السؤال عن وظيفة الكسير في الصلاة من دون تقييد بالوضوء. و هو كاف في البناء على مشروعية التيمم الجبيري، و لا سيما مع تأيده بما عرفت.

و منه يظهر أنه لا مجال لتوهم عدم مشروعية الطهارة المائية الجبيرية و مشروعية التيمم الجبيري لو كان الحائل في أعضاء التيمم لا غير.

لأن دليل مشروعية التيمم الجبيري لما كان هو الإطلاق الذي هو دليل على مشروعية الطهارة المائية الجبيرية أيضا كان موضوع كل منهما مساويا لموضوع الآخر، مع تأخر التيمم الجبيري رتبة عنها تبعا لتأخر مبدله عن مبدلها، فكل مورد يحتمل فيه مشروعية الطهارة الجبيرية لا يكون التيمم الجبيري فيه مشروعا مع القدرة على الطهارة المائية الجبيرية، فاذا احتمل عدم مشروعيتها يكون مقتضى الاحتياط إجراء حكم فاقد الطهورين، لا التيمم الجبيري.

و الاحتياط بالجمع بين التيمم و الطهارة المائية الجبيرية مختص بما إذا تيسر التيمم التام، أو كانت الطهارة المائية الجبيرية مقارنة لنقص زائد على نقص التيمم الجبيري. هذا، و يأتي في المسألة الواحدة و الثلاثين في فصل شروط التيمم ما ينفع في المقام.

____________

(1) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 9.

(2) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 10.

449

(مسألة 39): لو كانت الجبيرة على العضو الماسح مسح ببلتها (1).

(1) كما هو مقتضى ما تقدم في المسألة السابعة و الثلاثين عن التذكرة من فرض استيعاب الجبيرة لجميع أعضاء الغسل، و يظهر من سكوتهم عن التنبيه عليه عند التعرض للجرح المستوعب للعضو المفروغية عنه.

و يقتضيه إطلاق ما تضمن وجوب المسح ببلة الوضوء، لوضوح أن بلة الجبيرة التي على الماسح من بلة الوضوء.

نعم، قد يشكل بأن الواجب هو المسح بما بقي في اليد من بلة الوضوء، و بلل الجبيرة ليس باقيا في اليد.

بل يشكل في خصوص المسح باليمنى بأن المعتبر هو المسح بما يبقى فيها من ماء غسلها أو غسل اليسرى، لا ما يبقى في آلة غسل اليسرى و لو كانت الآلة خرقة أجنبية، فجواز المسح ببلة الجبيرة موقوف على ثبوت تنزيل الجبيرة منزلة نفس اليد في ذلك، و لا دليل عليه، لاختصاص أدلة الجبائر ببدلية المسح عليها عن غسل ما تحتها.

و لعله لذا أمر بالتأمل في الجواهر بعد استظهار جواز المسح ببلة الجبيرة.

اللهم إلا أن يقال: لا دليل على التقييد ببلة اليد إلا صحيح ابن أذينة الوارد في قضية المعراج، المتضمن لقوله: «ثمَّ امسح رأسك بفضل ما بقي في يدك من الماء.» و حيث كان واردا في قضية خاصة فلا إطلاق له يشمل صورة وجود الجبيرة و حملها لماء الوضوء.

على أنه لا يبعد استفادة ذلك من نصوص المقام تبعا، للغفلة عن ذلك بعد الاطلاع على الاجتزاء بمسح الجبيرة عن غسل ما تحتها، لأن الاهتمام بمباشرة المغسول أشد من الاهتمام بمباشرة الماسح ارتكازا، فالتسامح في الأول مع كثرة

450

(مسألة 40): الأرمد إن كان يضره استعمال الماء تيمم (1)، و إن أمكن غسل ما حول العين فالأحوط وجوبا له الجمع بين الوضوء و التيمم. (2) استلزامه للثاني موجب لاستفادته منه تبعا، بنحو يحتاج خلافه للتنبيه. و لعل إغفال الأصحاب ذلك و مفروغيتهم عنه ناشئان من ذلك.

نعم، لو فرض عدم استيعاب الجبيرة للكف و إمكان المسح بالبشرة فلا ينبغي ترك الاحتياط به، لخروجه عن المتيقن مما سبق. فلاحظ.

(1) لعموم ما دل على وجوب التيمم بتعذر الطهارة المائية و ما دل على مشروعيته للمريض.

(2) صرح في مفتاح الكرامة بوجوب التيمم في المرض غير الكسر و الجرح و القرح، و عدم الاكتفاء بغسل ما حوله.

قال: «لفقد ما يدل على كونه مثل الجبيرة من النص و الإجماع، بل ظاهر الأصحاب التيمم، كما في شرح المفاتيح.».

و كأن منشأ فهم ذلك من الأصحاب حكمهم بعدم تبعض الطهارة، و هو لا يخلو عن إشكال، إذ قد يكون ذلك منهم لبيان وجوب المسح على حائل في الموضع الذي يضره الماء، و أن التيمم إنما يشرع مع تعذر ذلك، لا لاختصاص حكم الجبيرة بالكسر و القرح و الجرح.

بل قد يظهر من بعض كلماتهم أن المدار على مطلق التعذر، بل تقدم في الجرح المكشوف عن الوحيد أن الأصحاب ألحقوا بالجرح الكسر المجرد عن الجبيرة و كلّ داء في العضو لا يمكن إيصال الماء إليه.

و كيف كان فمقتضى الارتباطية هو تعذر الطهارة المائية بتعذر بعض أجزائها، فيجب التيمم. و لا مخرج عن ذلك إلا قاعدة الميسور، و نصوص المقام.

451

و قد تكرر منا الإشكال في تمامية القاعدة و لا سيما في أمثال المقام مما كان الواجب بسيطا و التركب في سببه.

و نصوص المقام مختصة بالكسر و الجرح و القرح، و لا عموم فيها لكل آفة.

اللهم إلا أن يقال: لا مجال للجمود على العناوين الموجودة في النصوص، فان مقتضى إطلاق صحيحي الوشاء (1) جواز المسح على الدواء سواء وضع على كسر أم قرح أم جرح أم ألم أم غيرها حتى العين المؤوفة، كما أن مقتضى رواية عبد الأعلى‏ (2) جواز المسح على المرارة و إن كانت على الإصبع بعد برء الجرح، لأجل التوقي عليه من الاحتكاك.

و التفكيك في تشريع الوضوء الناقص بين صورتي وجود الحاجب الذي يمسح عليه و عدمه صعب جدا، بالنظر لصحيحي الحلبي و ابن سنان‏ (3) المتضمنين لغسل ما حول الجرح، الشامل لصورتي كشفه و تعصيبه، لصعوبة الاقتصار في صورة الانكشاف على الجرح و لا يتعدى حتى للقرح، لإلغاء خصوصيته بعد النظر في نصوص الجبائر و القرحة و الدواء و المرارة.

بل المفهوم من مجموع النصوص عرفا أن تعذر غسل بعض المواضع لآفة فيه لا يسقط الميسور، غايته انه مع وجود الحاجب يمسح عليه بدلا عما تحته، و في صورة عدمه يكتفى بغسل ما حوله، و الخصوصيات المذكورة في النصوص ملغية عرفا، كخصوصية المرارة و سقوط الظفر، و الدواء، و اليد و نحوها. و قد تقدم في الجرح المكشوف بعض الكلام في ذلك.

و من هنا فالاكتفاء بالوضوء الناقص في كل آفة لا يخلو عن قوة، و إن كان الاحتياط بضم التيمم حسنا، و لا سيما مع انكشاف موضع الآفة غير الجرح، بل‏

____________

(1) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 9، 10. و قد تقدم أحدهما في المسألة السادسة و الثلاثين.

(2) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 5.

(3) الوسائل باب: 39 من أبواب الوضوء حديث: 2، 3.

452

(مسألة 41): إذا برئ ذو الجبيرة في ضيق الوقت (1) أجزأ وضوؤه (2)، سواء برئ في أثناء الوضوء أم بعده قبل الصلاة أم في أثنائها أم بعدها (3). نعم، عليه إعادته لغير ذات الوقت. (4) ربما يدعى لزومه حينئذ.

نعم، قد يستشكل في خصوص بعض أمراض العين مما كان محله نفس العين التي لا تغسل لا الجفن الذي يغسل، إذ حيث كانا متباينين عرفالا كموضع الكسر من البشرةفالتعدي له محتاج إلى توسع في مفاد الأدلة لا ينهض به ما سبق، بل هو نظير ما لو أضر الماء بأطراف الجرح أكثر من المتعارف، الذي يأتي الكلام فيه في المسألة الخامسة و الأربعين إن شاء اللّه تعالى.

(1) يعني: بنحو لا يسع إعادة الوضوء و الصلاة.

(2) كما هو المتيقن من الإطلاق المقامي لدليل مشروعيته‏على ما يأتي توضيحه. و قرينة الاضطرار لا تصلح لإخراجه عن إطلاق دليل المشروعية بعد فرض تحققه في المقام بسبب ضيق الوقت.

و كأن ما يأتي من بعضهم من إطلاق وجوب إعادة الوضوء بعد زوال الحائل قاصر عن هذه الصورة، و إلا كان مدفوعا بما ذكرنا.

و منه يظهر أنه يجب إيقاع الوضوء الجبيري مع العلم بتحقق البرء في ضيق الوقت بنحو لا يسع الوضوء و الصلاة، و لا يجوز انتظار البرء.

(3) هذا هو المتيقن من معقد الإجماع المدعى في المنتهى و المستند و عن شرح المفاتيح على عدم إعادة الصلاة التي صلاها بالوضوء المذكور.

(4) فقد أوجب في المبسوط و محكي الإيضاح و شرح المفاتيح إعادة الوضوء بعد زوال العذر، و جعله في المعتبر أشبه، و في كشف اللثام أقوى. و في جامع المقاصد و المدارك و عن المختلف و الذكرى و الدروس و البيان أنه لا يستأنف. و تردد في الشرائع و المنتهى و القواعد و محكي التذكرة.

453

مع الإجماع من الكل على عدم إعادة الصلاة التي صلاها بالوضوء المذكور، كما تقدم من المنتهى و عن غيره.

و العمدة في توجيه وجوب التدارك في الوضوء و الصلاة: أن الجمود على مدلول النصوص و إن كان يقتضي مشروعية الوضوء الجبيري بمجرد تعذر الوضوء التام حين العمل، إلا أنه لما كان المنساق من دليل تشريع الوضوء المذكور كونه اضطراريا لتعذر الصلاة بالوضوء التام أشكل شمول إطلاقه لصورة وجود المندوحة و القدرة على الوضوء التام و لو في آخر الوقت، بل يتعين الاقتصار على المتيقن منه، و هو صورة عدم المندوحة، و الجهة المذكورة ارتكازية يمكن اعتماد المتكلم عليها في مقام البيان.

نعم، لو فرض كثرة الابتلاء بالبرء بعد العمل في الوقت و الغفلة عن تداركه مع الإمكان كان عدم التنبيه عليه في النصوص ظاهرا في صحة العمل.

لكنه ليس كذلك، لغلبة توقع البرء. و عدم المبادرة للوضوء الناقص معه بسبب ارتكاز كونه اضطراريا لا يكتفى به مع التمكن من التام.

و لو فرض الخطأ في ذلك و المبادرة للعمل الناقص فلم يعلم من حال المكلفين الغفلة عن التدارك مع الالتفات للحال، و كذا لو حصل البرء بعد خروج الوقت بالإضافة للصلوات اللاحقة، بل لعل مبناهم على الاستئناف لأجل الارتكاز المذكور. و لا أقل من كون القرينة المذكورة مانعة من انعقاد الإطلاق و موجبة لإجمال الأدلة من هذه الجهة، فيلزم الاقتصار في دليل المشروعية على المتيقن، و هو صورة عدم المندوحة.

و مقتضى ذلك انكشاف عدم صحة الصلاة لو حصل البرء في سعة الوقت، لعدم مشروعية الوضوء، فيجب إعادتها لعدم صحتها، لا لعدم أجزائها في ظرف صحتها و مشروعيتها.

و منه يظهر أنه لا مجال لدعوى: أن عدم الاجزاء في الفرض مخالف للإطلاق المقامي لأدلة تشريع الوضوء الجبيري و سائر الأفعال الاضطرارية، فإنه‏

454

و إن أمكن عقلا عدم إجزاء العمل الاضطراري عن الاختياري، لعدم وفائه بملاكه، مع إمكان استيفائه بالتدارك بعد ارتفاع العذر، إلا أن عدم التنبيه على التدارك مع الغفلة عنه موجب لظهور دليل المشروعية تبعا في عدم وجوبه، و لا سيما مع ظهور حال السائلين في الاهتمام بتحصيل ما يبرئ الذمة.

لاندفاعها: بأن الإطلاق المقامي إنما يتم في فرض عموم دليل مشروعية العمل الاضطراري للمأتي به، لا مع فرض قصوره عنه، لاختصاصه بقرينة الاضطرار بصورة عدم المندوحة، و المفروض انكشاف وجودها بسبب البرء في سعة الوقت.

إن قلت: هذا إنما يتم إذا أوقع المكلف الوضوء في وقت تلك الصلاة، أما إذا أوقعه في وقت صلاة سابقة لم يحصل البرء في تمام وقتهاكما هو المفروض في المتن‏فقد صح الوضوء، فتصح الصلاة اللاحقة به.

قلت: مقتضى الجمع بن دليلي الوضوء الاختياري و الاضطراري هو كون الوضوء الاضطراري محصلا لبعض مراتب الطهارة و الاختياري محصلا لتمامها، فلا وجه للاكتفاء بالصلاة بالطهارة الناقصة مع إمكان تحصيل الصلاة بالطهارة التامة، لإطلاق دليل وجوبها المقتصر في الخروج عنه على حال الضرورة و تعذر تحصيلها بمقتضى كون البدلية اضطراريةكما تقدم نظيره عند الكلام في إجزاء العمل الواقع تقية في المسألة الثانية و الثلاثين من الفصل السابق‏فلا تكون الصلاة بالوضوء المذكور مشروعة حين إيقاعها كي يكون مقتضى الإطلاق المقامي إجزاءها.

و أما ظهور تسالم الأصحاب على صحة الصلاة، لعدم تحريرهم النزاع إلا في وجوب إعادة الوضوء مع تصريح غير واحد منهم بصحة الصلاة، كالشيخ و الفاضلين و غيرهم، بل تقدم من المنتهى و غيره دعوى الإجماع عليه.

فهولو فرض عمومه لصورة البرء في سعة الوقت، كما صرح به في المستند، و عدم إرادتهم الاجزاء في الجملة في قبال قول بعض العامة بوجوب‏

455

الإعادة مطلقاغير ظاهر الحجية، لعدم وضوح كونه إجماعا تعبديا، بل من القريب استناده لما تقدم من ظهور دليل تشريع الفعل الاضطراري في إجزائه، كما يناسبه تعليله في المعتبر بأنها صلاة مأمور بها، فتكون مجزية، فلا يعول عليه مع ما تقدم من خروج الفرض عن المتيقن من دليل المشروعية.

هذا، و لكن لازم ذلك عدم مشروعية إيقاع الغايات الموسعة بالوضوء أو الغسل الجبيري، كمس الكتاب المجيد و دخول المسجد و قراءة العزائم و قضاء الصوم و نحوها، لعدم الاضطرار.

بل يشكل إيقاع الغايات المضيقة إذا كانت المرتبة الفائتة من الطهارة الاختيارية أهم من الوقت، إذ كما تشرع الطهارة الجبيرية بالاضطرار، كذلك يشرع ترك الأداء و انتظار القضاء مع الاضطرار، فيلزم تقديم الأهم جعلا و امتثالا.

بل يكفي في ذلك احتمال الأهمية، لعدم اليقين معه بمشروعية الناقص، ليجزي بمقتضى الإطلاق المقامي المفروض.

و منه يظهر اندفاع توهم أن استحباب الكون في المسجد و قراءة جميع القرآن حتى العزائم موجب لتحقق الاضطرار المشرع للغسل الجبيري، كما يشرعه استحباب قراءة القرآن عن طهارة في كل وقت، و استحباب الصلاة على كل حال.

وجه الاندفاع: أن الاستحباب لا يصلح لمزاحمة حرمة دخول الجنب للمساجد و قراءته للعزائم، لعدم نهوض الحكم غير الإلزامي بمزاحمة التكليف الإلزامي، و لذا تقدم عدم مشروعية الوضوء الجبيري المتعقب للبرء في سعة الوقت مع استحباب المبادرة للصلاة.

إذا عرفت هذا، فمن الظاهر عدم إمكان البناء على ذلك، لظهور تسالم الأصحاب على مشروعية جميع الغايات، كما يستفاد من سكوتهم عن ذلك، مع شدة الحاجة للتنبيه عليه، بل هو المستفاد من الإطلاق المقامي لأدلة تشريع الوضوء و الغسل الجبيري، لظهور حال السائل و المجيب في إرادة الطهارة التي تترتب عليها الأحكام المعهودة، و لا مجال لحملها على خصوص الاضطرار لإيقاع‏

456

الغايات بالطهارة الناقصة و تعذر الانتظار بها إلى تيسر الطهارة التامة، لاحتياج ذلك للتنبيه. و التفكيك بين الغايات في ذلك لا وجه له.

على أن المرتكز أن الوضوء أو الغسل الجبيري لا ينتقض إلا بالنواقض المعهودة، فلو كان التدارك واجبا بارتفاع العذر لاحتاج للتنبيه، كما نبه لانتقاض التيمم بوجدان الماء، مع أنه أبعد عن الغفلة، لأن مطهريته أبعد ارتكازا، و اختصاصه بالاضطرار أظهر من الاختصاص في المقام.

بل لو فرض عدم الغفلة عن وجوب التدارك بالإضافة إلى الوضوء، لغلبة سرعة انتقاضه بالحدث و قلة بقائه بعد تحقق البرء، فلا مجال لدعوى ذلك بالإضافة إلى غسل الجنابة، فعدم التنبيه فيه للتدارك ظاهر في عدم وجوبه فيه و لا في الوضوء، لكشف ذلك عن كون الاضطرار المصحح لإيقاع الطهارة الجبيرية عبارة عن عدم تيسر الطهارة حينه، الحاصل في جميع الفروض، لا الاضطرار لإيقاع ذي الغاية بها.

و منه يظهر أن الطهارة التي هي قيد في الغايات ليست خصوص الطهارة الحاصلة بالعمل التام، بل ما يعم الطهارة الحاصلة مع الجبيرة، إما لعدم اختلاف الطهارة في المرتبة، أو لأن الواجب هو المرتبة الأقل منهما، كما هو المناسب، لارتكاز كون العمل الجبيري من سنخ الميسور، و إنما اكتفى بالأقل تخفيفا و تسهيلا على المكلفين.

و الحاصل: أن البناء على عدم انتقاض الطهارة الجبيرية و جواز إيقاع الغايات الآخر بها قريب جدا، و هو الحال في سائر الابدال الاضطرارية التي استفيدت من الأدلة اللفظية التي لها إطلاق خطابي أو مقامي يقتضي الاجزاء و الصحة.

نعم، لو كان الدليل منحصرا بالإجماع و نحوه من الأدلة اللبية كان الاقتصار على المتيقن منها في محله.

إن قلت: في فرض إمكان تحصيل الواجب التام في الوقت و تعذره عند