النجعة في شرح اللمعة - ج1

- الشيخ محمد تقي التستري المزيد...
464 /
103

من حرام- إلخ» ثمّ استدلّ لعدم نجاسة عرق الحائض و الجنب بخبر عن أبي- أسامة، عن الصّادق (عليه السلام) «سألته عن الجنب يعرق في ثوبه أو يغتسل فيعانق امرأته و هي حائض أو جنب فيصيب جسده من عرقها؟ قال: هذا كلّه ليس بشي‌ء» إلى أن قال بعد خبره 85: «فأمّا ما يدلّ على أنّ الجنابة إذا كانت من حرام فإنّه يغسل الثّوب منه احتياطا».

و روى عن محمّد الحلبيّ «قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل أجنب في ثوبه و ليس معه ثوب غيره، قال: يصلّي فيه و إذا وجد الماء غسله» و قال بعده:

لا يجوز أن يكون المراد بهذا الخبر إلّا من عرق في الثّوب من جنابة إذا كانت من حرام- إلخ». و أين الخبر ممّا ذكر و إنّما المراد منه كما هو المتبادر منه من احتلم في ثوب و لم يكن له وقت الصّلاة ثوب غيره.

و لو كان استدلّ بخبر محمّد بن عليّ بن جعفر، عن الرّضا (عليه السلام) «من اغتسل من الماء الذي قد اغتسل فيه فأصابه الجذام فلا يلومنّ الّا نفسه- الى- يغتسل فيه الجنب من الحرام و الزّاني- الخبر». رواه الكافي في آخر حمّامه 45 من زيّه. و خبر عليّ بن الحكم عن رجل هاشميّ، عن أبي الحسن (عليه السلام)- في خبر- «لا تغتسل من غسالة ماء الحمّام فإنّه يغتسل فيه من الزّنا- الخبر» رواه الكافي في 10 من حمّامه 45 ممّا مرّ. كان له وجه.

و قوله في خبر إدريس «و أراد أن يسأله عن الثّوب الذي يعرق فيه الجنب» و خبر ابن مهزيار «أريد أن أسأله عن الجنب إذا عرق في الثّوب» كناية عن النّجاسة و حيث أنّ الجنابة و حيض النّساء كلّ منهما نجاسة معنويّة كثر السّؤال عن طهارة عرقهما، و مرّ في ذلك منها رواية الشّيخ، عن أبي أسامة في طهارة عرقهما لقول شيخه «لا بأس بعرق الحائض و الجنب» فتشكيك البعض في الخبر بأن عدم الصّلاة فيه أعمّ من النّجاسة كأجزاء غير مأكول اللّحم، في غير محلّه.

[و هذه يجب ازالة النجاسات عن الثوب و البدن]

(و هذه يجب إزالتها عن الثوب و البدن)

يعني للصّلاة، روى‌

104

الكافي (في 8 من 61 من صلاته) عن عبد اللّه بن سنان، عن الصّادق (عليه السلام) «سألته عن رجل أصاب ثوبه جنابة أو دم، قال: ان كان علم أنّه أصاب ثوبه جنابة قبل أن يصلّي ثمّ صلّى و لم يغسله، فعليه أي يعيد ما صلّى، و ان كان لم يعلم به فليس عليه اعادة- الخبر».

و في 9 منه عن ابن مسكان «بعثت بمسألة إلى الصّادق (عليه السلام) مع إبراهيم ابن ميمون «قلت: سله عن الرّجل يبول فيصيب فخذه قدر نكتة من بوله فيصلّي و يذكر بعد ذلك أنّه لم يغسلها؟ قال: يغسلها و يعيد صلاته».

و في حكم النّجاسات المائع المتنجّس يدلّ عليه ما رواه إسحاق بن عمّار، عن الصّادق (عليه السلام) رواه الإستبصار في 7 من أوّل أبواب حكم آباره، لكنّه و هم في إسناده فإنّه خبر عمّار بن موسى السّاباطيّ رواه الفقيه في 26 من بابه الأوّل، و التّهذيب في 41 من باب مياهه الثّاني- في خبر- «ان كان راها- أي الفأرة- في الإناء قبل أن يغتسل أو يتوضّأ أو يغسل ثيابه ثمّ فعل ذلك بعد ما رآها في الإناء فعليه أن يغسل ثيابه و يغسل كلّ ما أصابه ذلك الماء و يعيد الوضوء و الصّلاة».

و أمّا المتنجّس غير الماء و المائع فلا يعلم تنجيسه، روى الكافي (في 4 من 36 من طهارته) عن حكم بن حكيم الصّيرفيّ، عن الصّادق (عليه السلام) «قلت:

أبول فلا أصيب الماء و قد أصاب يدي شي‌ء من البول فأمسحه بالحائط أو التّراب ثمّ تعرق يدي فأمسح وجهي أو بعض جسدي أو يصيب ثوبي، قال: لا بأس به» و رواه الفقيه في 10 من 16 من طهارته و التّهذيب في 7 من 12 من طهارته.

و روى في 7 منه عنه أيضا عنه (عليه السلام) «قلت له: انّي أغدو إلى السّوق فأحتاج الى البول و ليس عندي ماء ثمّ أتمسّح و انتشف بيدي ثمّ أمسحها بالحائط و بالأرض، ثمّ أحكّ جسدي بعد ذلك؟ قال: لا بأس» (1).

____________

(1) أقول: الخبران يدلان على عدم التنجيس بعد ازالة العين بالتمسح بالحائط و الأرض، و ذلك لعدم انتقال العين و السراية. (الغفاري)

105

و لو كان الأمر كما اشتهر في الأعصار المتأخّرة من تنجيس كلّ متنجّس و لو لم يكن مائعا و ماء لحصل العسر و الحرج و التثقيل و قد نفاها جلّ و علا في كتابه فقال يُرِيدُ اللّٰهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَ لٰا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ- وَ مٰا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ و يُرِيدُ اللّٰهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَ خُلِقَ الْإِنْسٰانُ ضَعِيفاً.

و قد قال النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله): «بعثت على الشّريعة السمحة السهلة»، و قال الصّادق (عليه السلام): «و قد وسّع اللّه عليكم بأوسع ممّا بين السّماء و الأرض». و لو كان كلّ متنجّس منّجسا لحصل تضييق أضيق ممّا بين سمّ الخياط.

و أمّا ما قاله الجزائريّ في تحفته- على نقل البحرانيّ في درّته- بعد نقله عن بعض معاصريه من علماء العراق وجوب عزل السّور من النّاس لقوله:

إنّا قاطعون أنّ في الدّنيا نجاسات و قاطعون أيضا أنّ في النّاس من لا يتجنّبها، و البعض الآخر لا يتجنّب ذلك البعض فإذا باشرنا أحدا من النّاس فقد باشرنا مظنون النّجاسة أو مقطوعها، فقلنا لهم: «يا معشر الإخوان: الذي يظهر من أخبار الأئمّة (عليهم السلام) التّسامح في أمر الطّهارات و أنّ الطّاهر و النّجس هو ما حكم الشّارع بطهارته و نجاسته لا ما باشرته النّجاسة و الطّهارة، فالظّاهر ليس هو الواقع في نفس الأمر بل هو ما حكم الشّارع بطهارته و كذا النّجس، و ليس له واقع سواه، و قد حكم الشّارع بطهارة المسلمين فصاروا طاهرين» فهو كما ترى فإنّه إذا فرض أنّ الشّارع قال: البول نجس و ينجّس ما لاقاه و لو بألف واسطة كيف يمكنه القول بما ذكر، و هل هو إلّا تناقض، و أمّا تسامح قال في الأخبار فإنّما هو مع عدم العلم كقولهم (عليهم السلام) «ما أبالي أبول أصابني أم ماء». و إن كان التّهذيب و الاستبصار قالا مثل ذلك روى الإستبصار (في أوّل أبواب حكم الآبار و هو 17 من أبواب كتاب طهارته في خبره الأوّل) عن معاوية بن عمّار، عن الصّادق (عليه السلام) «لا يغسل الثّوب و لا تعاد الصّلاة ممّا وقع في البئر إلّا أن ينتن، فإن أنتن غسل الثّوب و‌

106

أعيدت الصّلاة و نزحت البئر». و في خبره الثّاني عنه أيضا عنه (عليه السلام) «في الفأرة تقع في البئر فيتوضّأ الرّجل منها و يصلّي و هو لا يعلم أ يعيد الصّلاة و يغسل ثوبه؟ فقال: لا يعبد الصّلاة و لا يغسل ثوبه». و في خبره الثّالث عن أبان بن عثمان، عنه (عليه السلام) «سئل عن الفأرة تقع في البئر لا يعلم بها إلّا بعد ما يتوضّأ منها أ تعاد الصّلاة؟ فقال: لا». و في خبره الرّابع عن أبي عيينة، عنه (عليه السلام).

«سئل عن الفأرة تقع في البئر، فقال: إذا خرجت فلا بأس و إن تفسّخت فسبع دلاء، قال: و سئل عن الفأرة تقع في البئر فلا يعلم بها أحد إلّا بعد ما يتوضّأ منها أ يعيد وضوءه و صلاته و يغسل ما أصابه؟ فقال: لا قد استعمل أهل الدّار بها و رشّوا». و في خبره الخامس عن أبي أسامة؟ و أبي يوسف يعقوب بن عثيم، عنه (عليه السلام) «إذا وقع في البئر الطّير و الدّجاجة و الفأرة فانزح منها سبع دلاء، قلنا: فما تقول في صلاتنا و وضوئنا و ما أصاب ثيابنا؟ فقال: لا بأس به».

و في خبره السّادس، عن أبي بصير، عنه (عليه السلام) «قلت: بئر يستقى منها و يتوضّأ به و غسل منه الثّياب و عجن به، ثمّ علم أنّه كان فيها ميّت؟ قال: لا بأس و لا يغسل الثّوب و لا تعاد منه الصّلاة».

و قال: «ما تضمّن هذه الأخبار من إسقاط الإعادة في الوضوء و الصّلاة عمّن استعمل هذه المياه لا يدلّ على أنّ النّزح غير واجب مع عدم التغيّر لأنّه لا يمتنع أن يكون مقدار النزح في كلّ شي‌ء يقع فيه واجبا و إن كان متى استعمله لم يلزمه إعادة الوضوء و الصّلاة لأنّ الإعادة فرض ثان فليس لأحد أن يجعل ذلك دليلا على أنّ المراد بمقادير النزح ضرب من الاستحباب».

ثمّ قال: «على أنّ الذي ينبغي أن يعمل عليه هو أنّه إذا استعمل هذه المياه قبل العلم بحصول النّجاسة فيها فإنّه لا يلزم إعادة الوضوء و الصّلاة و متى استعملها مع العلم بذلك لزمه إعادة الوضوء و الصّلاة» و استشهد له بخبر إسحاق ابن عمّار، عن الصّادق (عليه السلام) «في الرّجل الذي يجد في إنائه فأرة و قد توضّأ من ذلك الإناء مرارا و غسل منه ثيابه و اغتسل منه و قد كانت الفأرة متفسّخة،

107

فقال: إن كان رآها في الإناء قبل أن يغتسل أو يتوضّأ أو يغسل ثيابه ثمّ فعل ذلك بعد ما رآها في الإناء فعليه أن يغسل ثيابه و يغسل كلّ ما أصابه ذلك الماء، و يعيد الوضوء و الصّلاة، و إن كان إنّما رآها بعد ما فرغ من ذلك و فعله و لا يمسّ من الماء شيئا فليس عليه شي‌ء لأنّه لا يعلم متى سقط فيه، ثمّ قال: لعلّه يكون إنّما سقطت فيه تلك السّاعة الّتي راها».

قلت: لكن استشهاده بهذا الخبر كما ترى، فإنّه ليس فيه شي‌ء يحتاج إلى تأويل فإنّ جميعه موافق للأصول لأنّه تضمّن أن توضّأ من إناء رأى فيه فأرة فعليه أن يعيد وضوءه و صلاته، و إن توضّأ من إناء لم ير فيه شيئا ثمّ رأى بعد فيه فأرة فليس عليه شي‌ء لاحتمال وقوعها بعد، و قد وهم في إسناد الخبر الذي رواه و جعله خبر إسحاق بن عمّار فإنّه خبر عمّار بن موسى السّاباطيّ، رواه الفقيه في 26 من بابه الأوّل، و التّهذيب في 41 من باب مياهه الثّاني.

و كيف كان فروى التّهذيب أيضا في أوّل تطهير مياهه 11 من أبواب طهارته أخبار الخمسة المتقدّمة من الاستبصار بالتّرتيب، و في 8 منه خبر أبي- بصير، و قال أوّلا بعد قول شيخه بوجوب الإعادة: إن توضّأ من ماء البئر الّتي وقع فيها نجاسة قبل النزح: «عندي أنّ هذا إذا كان قد غيّر فأمّا إذا لم يغيّر لا يجب عليه إعادة شي‌ء و إن كان لا يجوز استعماله إلّا بعد تطهيره».

فقد عرفت أنّه كالتّناقض و لا بدّ أنّ نقول: إنّ تلك الأخبار إمّا تسقط لكونها خلاف الأخبار المشتهرة، و إمّا تحمل على أنّه و إن رأى النّجاسة بعد الاستعمال إلّا أنّ كونها قبل الاستعمال غير محقّق كما عرفته من خبر إسحاق.

ابن عمّار الذي قلنا: أصله عمّار، و أمّا كون العلم دخيلا في الموضوع فإنّما هو في موضوع لم يعلم تحقّقه واقعا كالضّرر من استعمال الماء في الوضوء و الغسل، و الضّرر من المرض في الصّوم فيبدّل الموضوع بخوفه.

هذا، و روى التّهذيب (في 6 من أخبار باب تطهير بدنه، 9 من زيادات‌

108

طهارته) عن العيص بن القاسم، عن الصّادق (عليه السلام) «سألته عن رجل بال في موضع ليس فيه ماء فمسح ذكره بحجر و قد عرق ذكره و فخذاه؟ قال: يغسل ذكره و فخذيه، و سألته عمّن مسح ذكره بيده ثمّ عرقت يده فأصاب ثوبه يغسل ثوبه؟

قال: لا».

ففرّق بين عرق الذّكر الذي كان محلّ البول و عرق اليد الماسحة للذّكر بمنجسيّة الأوّل دون الثّاني (1) و العمل بذاك الذي رواه الثّلاثة أولى من هذا الذي تفرّد به التّهذيب و يعضده خبر سماعة «قلت لأبي الحسن (عليه السلام): انّي أبول ثمّ أتمسّح بالأحجار فيجي‌ء منّي البلل ما يفسد سراويلي قال: ليس به بأس».

و أمّا ما رواه الكافي (في 2 من 34 من طهارته باب الجنب يعرق في الثّوب) عن أبي أسامة، عن الصّادق (عليه السلام) «قلت له: يصيبني الماء و عليّ ثوب فتبلّه و أنا جنب فيصيب بعض ما أصاب جسدي من المنيّ، أ فأصلّي فيه؟ قال: نعم».

و رواه في 5 منه بإسناد آخر عنه (عليه السلام) «سألته عن الثّوب تكون فيه الجنابة فتصيبني الماء حتّى يبتلّ عليّ، قال: لا بأس»، و رواه الفقيه في 5 من 16 من طهارته بتبديل الكنية بالاسم و اللّقب زيد الشّحام، و الأوّل تضمّن أنّ المنيّ في الجسد فيصيبه الثّوب الذي ابتلّه المطر، و الثّاني تضمّن أنّ الجنابة- أي المنيّ- تكون في الثّوب فتصيب البدن مع ابتلاله بالمطر فمحمولان على عدم القطع بإصابة المنيّ مع رطوبة مسرية و إلّا فلا ريب أنّ عين النجس ينجّس و إنّما الكلام في المتنجّس غير الماء.

و أمّا (ما رواه التّهذيب في 5 من تطهير بدنه، 9 من زيادات طهارته) عن زرارة «سألته عن الرّجل يجنب في ثوبه أ يتجفّف فيه من غسله؟ فقال: نعم‌

____________

(1) يجوز أن يقال: الأول محمول على عدم زوال العين بصرف المسح بحجر، و الثاني على زوالها. و لعله لو قال «بالأحجار» كما في خبر سماعة الاتى لم يقل (عليه السلام) بوجوب غسلها. (الغفاري)

109

لا بأس به إلّا أن تكون النّطفة فيه رطبة فإن كانت جافّة فلا بأس». و رواه الإستبصار في آخر 110 من أبواب طهارته فمحمول على ما إذا لم يتنشّف بالموضع الذي فيه المنيّ كما صرّح به في الأخير.

[و عفى عن دم الجرح و القرح مع السّيلان]

(و عفى عن دم الجرح و القرح مع السّيلان)

روى الكافي (في أوّل 38 من أبواب طهارته، باب الثوب يصيبه الدّم) عن أبي بصير «قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) و هو يصلّي فقال لي قائدي: إنّ في ثوبه دما، فلمّا انصرف قلت له: إن قائدي أخبرني أنّ بثوبك دما، فقال لي: إنّ بي دماميل و لست أغسل ثوبي حتّى تبرأ».

و في 2 منه عن سماعة «سألته عن الرّجل به القرح أو الجرح، و لا يستطيع أن يربطه و لا يغسل دمه، قال: يصلّي و لا يغسل ثوبه كلّ يوم إلّا مرّة، فإنّه لا يستطيع أن يغسل ثوبه كلّ ساعة». و غسل المرّة في اليوم فيه محمول على النّدب لإطلاق ما مرّ و ما يأتي، و كذا ما عن كتاب عليّ بن جعفر، عن أخيه (عليه السلام) «سألته عن الدّمل يسيل منه القيح كيف يصنع؟ قال: إن كان غليظا أو فيه خلط من دم فاغسله كلّ يوم مرّتين غدوة و عشيّة».

و رواهما التّهذيب في 34 و 35 من تطهير ثيابه، 12 من أبواب أوّله عن الكافي مثله.

و روى التّهذيب (في 36 ممّا مرّ) عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) «سألته عن الرّجل تخرج به القروح فلا تزال تدمي كيف يصلّي؟ فقال: يصلّي و إن كانت الدّماء تسيل».

و في 37 ممّا مرّ عن ليث المراديّ «قلت للصّادق (عليه السلام): الرّجل تكون به الدّماميل و القروح فجلده و ثيابه مملوّة دما و قيحا؟ فقال: يصلّي في ثيابه و لا يغسلها و لا شي‌ء عليه». و رواه في 21 من أوّل زيادات طهارته بإسناد آخر.

110

و في 38 منه عن عبد الرّحمن البصريّ عنه (عليه السلام) «قلت له: الجرح يكون في مكان لا نقدر عليه ربطه فيسيل منه الدّم و القيح فيصيب ثوبي، فقال: دعه، فلا يضرّك أن لا تغسله».

و في 39 عن سماعة، عنه (عليه السلام) «إذا كان بالرّجل جرح سائل فأصاب ثوبه من دمه فلا يغسله حتّى يبرء و ينقطع الدّم».

و روى في 30 ممّا مرّ عن إسماعيل الجعفيّ «رأيت أبا جعفر (عليه السلام) يصلّي و الدّم يسيل من ساقه».

و روى في 20 من الأوّل من أبواب زيادات طهارته عن عمّار، عن الصّادق (عليه السلام) «سألته عن الدّمل يكون في الرّجل فينفجر و هو في الصّلاة، قال:

يمسحه و يمسح يده بالحائط أو بالأرض و لا يقطع الصّلاة».

(و عن دون الدّرهم البغليّ)

إنّ القدماء الفقيه و المقنعة و الانتصار و المبسوط و المراسم كلّهم عبّروا بالدّرهم الوافي و فسّروه بدرهم و ثلث، و أوّل من عبّر بالبغليّ الحليّ قال بعد تعبيره بالوافي: و بعضهم قال: البغليّ منسوب إلى مدينة قديمة يقال لها: «بغل» قريبة من بابل، درهمها يقرب من سعة أخمص الرّاحة، و قال بعضهم: منسوب إلى ابن أبي البغل رجل من كبار أهل الكوفة ضرب هذا الدّرهم الواسع. و هو غير صحيح لأنّ البغليّ كان قبل الكوفة، و في الاستيعاب في طلحة «كانت غلّته كلّ يوم ألفا وافيا و الوافي وزنه وزن الدّينار، و على ذلك دراهم فارس الّتي تعرف بالبغليّة». و في المصباح: الدّرهم نصف دينار و خمسه و كانت الدّراهم في الجاهليّة مختلفة كان بعضها خفافا و هي الطبريّة طبريّة الشام أربعة دوانيق، و بعضها ثقالا ثمانية دوانيق، و يقال: إنّ عمر لما أراد جباية الخراج طلب بالثّقيل فصعب على الرّعيّة فخلطوا الوزنين فجاء كلّ درهم ستّة، قال: و كانت الدّراهم الثّقال تسمّى العبديّة و قيل: البغليّة نسبته إلى ملك يقال له: رأس البغل.

ثمّ إنّ الإسكافي أفرط فقال بالعفو عن كلّ نجاسة بذاك المقدار سوى‌

111

دم الحيض و المنيّ ففي أوّل الثّاني من فصول نجاسات المختلف أنّه قال:

«كلّ نجاسة وقعت على ثوب و كانت عينها فيه مجتمعة أو منبسطة دون سعة الدّرهم الذي تكون سعته كعقد الإبهام الأعلى لم ينجس الثّوب بذلك إلّا أن يكون النّجاسة دم حيض أو منيّا فان قليلهما و كثيرهما سواء».

قلت: و قوله «لم ينجس» الظّاهر كونه مصحّفا.

و فرّط العمّانيّ ففي 3 من مسائل الفصل المتقدّم من المختلف أنّه قال:

«إذا أصاب ثوبه دم فلم يره حتّى صلّى فيه ثمّ رآه بعد الصّلاة و كان الدّم على قدر الدّينار غسل ثوبه و لم يعد الصّلاة و لو كان أكثر من ذلك أعاد الصّلاة، و لو رآه قبل صلاته أو علم أنّ في ثوبه دما و لم يغسله حتّى صلّى أعاد و غسل ثوبه قليلا كان الدّم أو كثيرا، و روي لا إعادة عليه إلّا أن يكون أكثر من الدّينار».

(من غير الثلاثة)

روى الكافي (في 3 من 61 من صلاته، باب الرّجل يصلّي في الثّوب و هو غير طاهر) عن أبي بصير، عن الصّادق أو الباقر (عليهما السلام) «لا تعاد الصّلاة من دم تبصره غير دم الحيض فإنّ قليله و كثيره في الثّوب إن رآه أو لم يره سواء».

و رواه التّهذيب في 32 من تطهير ثيابه، 12 من أبواب أوّله و فيه «عنهما (عليهما السلام) قالا» و فيه «من دم لم يبصره» و قال: و روي هذا الحديث عن محمّد بن عيسى، عن محمّد بن يحيى الأشعريّ، و قال: و زاد فيه «و سألته امرأة:

أنّ بثوبي دم الحيض و غسلته و لم يذهب أثره، فقال: اصبغيه بمشق».

قلت: و لم نقف في دم النّفاس و الاستحاضة على نص، و القياس عندنا غير جائز، و ما ورد في تغيّر القطنة و الخرقة في المستحاضة لأنّه بعد تلوّثهما لا بدّ من تبديلهما، و الصّدوق و المفيد لم يستثنيا غير دم الحيض.

و روى التّهذيب (في 28 ممّا مرّ) عن مثنّى بن عبد السّلام، عن الصّادق (عليه السلام) «قلت له: إنّي حككت جلدي فخرج منه دم، فقال: إن اجتمع قدر حمّصة فاغسله و إلّا فلا». و رواه الإستبصار (في 5 من 3 من تطهير‌

112

ثيابه) و حملاه على الاستحباب.

قلت: و يمكن أن يكون ركب الدّم بعضه فوق بعض حتّى صار مثل حمّصة، و لو بسط كان بقدر درهم، و كيف كان فالدّرهم في الأخبار لا فيها وافي و لا بغليّ و لا غيرهما، فلا بدّ أن القدماء كان عندهم قرينة على إرادة الوافي و لم نقف عليها.

قال الشّارح: «و الحق بها بعض الأصحاب «دم نجس العين» لتضاعف النّجاسة، و لا نصّ فيه، و قضيّة الأصل تقتضي دخوله في العموم».

قلت: بل لا عفو عن دم طاهر العين و لو إنسان غيره، و أيّ عموم للخبر المتقدّم و ظاهره رؤية دم نفسه لا سيّما مع زيادته، و قد روى الكافي (في 7 من 38 من أبواب طهارته، باب الثّوب يصيبه الدّم) عن محمّد بن خالد البرقيّ مرفوعا، عن الصّادق (عليه السلام) «دمك أنظف من دم غيرك، إذا كان في ثوبك شبه النضح من دمك فلا بأس، و إن كان دم غيرك قليلا أو كثيرا فاغسله».

و من المستثنيات ثوب المربيّة، روى التّهذيب (في 6 من 12 من أوّله) عن أبي حفص، عن الصّادق (عليه السلام) «سئل عن امرأة ليس لها إلّا قميص و لها مولود فيبول عليها كيف تصنع؟ قال: تغسل القميص في اليوم مرّة». و رواه الفقيه في 13 من 16 من أبواب أوّله مرفوعا عنه (عليه السلام).

و منها ما لا يتمّ الصّلاة فيه، روى التّهذيب (في 10 من 6 من زيادات صلاته) عن الحلبيّ، عن الصّادق (عليه السلام) «كلّ ما لا تجوز الصّلاة فيه وحده فلا بأس بالصّلاة فيه مثل التكّة الإبريسم و القلنسوة و الخفّ و الزّنّار يكون في السّراويل و يصلّى فيه».

و في 11 منه عن حمّاد بن عثمان، عمّن رواه، عنه (عليه السلام) «في الرّجل يصلّي في الخفّ الذي قد أصابه قذر؟ فقال: إذا كان ممّا لا يتمّ فيه الصّلاة فلا بأس». و رواه في 94 من 12 من طهارته.

113

و في 12 منه، عن زرارة «قلت للصّادق (عليه السلام): إنّ قلنسوتي وقعت في بول فأخذتها فوضعتها على رأسي ثمّ صلّيت؟ فقال: لا بأس».

و في 13 عن إبراهيم بن أبي البلاد، عمّن حدّثهم، عن الصّادق (عليه السلام) «لا بأس بالصّلاة في الشّي‌ء الذي لا تجوز الصّلاة فيه وحده يصيبه القذر مثل القلنسوة و التكّة و الجورب».

و في 14 منه عن زرارة، عن أحدهما (عليهما السلام) «كلّ ما كان لا تجوز فيه الصّلاة وحده فلا بأس بأن يكون عليه الشّي‌ء مثل القلنسوة و التكّة و الجورب».

و روى (في 95 من 12 من أبواب طهارته) عن حفص بن أبي عيسى، عن الصّادق (عليه السلام) قلت له: «انّي وطأت عذرة بخفيّ و مسحته حتّى لم أر فيه شيئا ما تقول في الصّلاة فيه؟ فقال: لا بأس».

و في 97 منه عن عبد اللّه بن سنان، عمّن أخبره عنه (عليه السلام) «كلّ ما كان على الإنسان أو معه ممّا لا يجوز الصّلاة فيه وحده فلا بأس أن يصلّي فيه و ان كان فيه قذر مثل القلنسوة و التّكّة و الكمرة و النّعل و الخفّين و ما أشبه ذلك».

و المذكور في هذه الأخبار السبعة ما لا تتمّ الصّلاة فيه قوّة لا فعلا كالعمامة و نقل المختلف (في 11 من مسائل 2 من فصول نجاساته) عن ابني بابويه أنّهما جوّزا الصّلاة فيهما مع النّجاسة لأنّ الصّلاة لا تتمّ فيها منفردة، مع أنّ العمامة لا تتمّ الصّلاة فيها لفّا و أمّا مع النّشر فيمكن أن تتمّ فيها فإن كان نصّ في كفاية الفعلي فلم نقف عليه، و قد نبّه المصنّف على هذا في الثّالث من فصول صلاته بقوله: «يجب كون السّاتر طاهرا».

و أما قول الشّارح «لم يذكره لأنّه لا يتعلّق ببدن المصلّي و لا ثوبه الذي هو شرط في الصّلاة» فكما ترى، فما عدّ في تلك الأخبار من لباس المصلّي و يشملها عموم وجوب تطهير لباس المصلّي و إنّما لا يشمل تلك الأخبار حمل النّجس و تلك لبس النّجس.

[و يغسل الثوب مرّتين بينهما عصر]

(و يغسل الثوب مرّتين بينهما عصر)

انّما ورد الغسل في الثّوب‌

114

كالبدن، مرّتين في البول لا في كلّ نجاسة، روى الكافي (في أوّل باب البول يصيب الثّوب و الجسد، 36 من أبواب طهارته) عن الحسين بن أبي العلاء «سألت الصّادق (عليه السلام) عن البول يصيب الجسد؟ قال: صبّ عليه الماء مرّتين فإنّما هو ماء، و سألته عن الثّوب يصيبه البول، قال: اغسله مرّتين- الخبر». و المراد الغسل بالماء القليل.

و روى (في 8 من استبرائه أيضا 13 من طهارته) صدره الى «صبّ عليه الماء مرّتين» و قال: «روي أنّه يجزي أن يغسل بمثله من الماء إذا كان على رأس الحشفة و غيره، و روي أنّه ماء ليس بوسخ فيحتاج أن يدلك» و حيث نسبه الى الرّواية فالظّاهر عدم عمله به.

و رواه التّهذيب في أوّل 12 من أبواب طهارته عن الكافي مثله في الأوّل.

و روى التّهذيب في 4 ممّا مرّ عن محمّد بن مسلم، عن الصّادق (عليه السلام) «سألته عن الثّوب يصيبه البول قال: اغسله في المركن مرّتين، فإن غسلته في ماء جار فمرّة واحدة».

و روى في 8 ممّا مرّ عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) «سألته عن البول يصيب الثّوب، فقال: اغسله مرّتين».

و في 9 ممّا مرّ عن ابن أبي يعفور «سألت الصّادق (عليه السلام) عن البول يصيب الثّوب، فقال: اغسله مرّتين».

و أمّا غير البول فأخبار غسله مطلقة ظاهرة في كفاية المرّة بعد زوال عين نجاسته لو كانت له حتّى المنيّ، روى الكافي (في أوّل 35 من طهارته باب المنيّ) عن ابن أبي يعفور، عن الصّادق (عليه السلام) «سألته عن المنيّ يصيب الثّوب، قال: ان عرفت مكانه فاغسله- الخبر» و رواه التّهذيب في 12 ممّا مرّ.

و روى التّهذيب في 16 ممّا مرّ عن عنبسة بن مصعب، عنه (عليه السلام) «سألته عن المنيّ يصيب الثّوب فلا يدري أين مكانه، قال: يغسله كلّه و ان علم مكانه فليغسله».

115

و في 46 منه عن البقباق، عنه (عليه السلام) «إذا أصاب ثوبك من الكلب رطوبة فاغسله- الخبر».

و في 47 منه عن عليّ بن جعفر، عن أخيه (عليه السلام) «سألته عن الرّجل يصيب ثوبه خنزير- إلى- فلينضح ما أصاب من ثوبه إلّا أن يكون فيه أثر فيغسله». و رواه الكافي في آخر باب كلبه 49 من طهارته.

و روى في أوّله عن حريز، عمّن أخبره، عن الصّادق (عليه السلام) «إذا مسّ ثوبك الكلب فإن كان يابسا فانضحه، و إن كان رطبا فاغسله» و رواه التّهذيب في 43 ممّا مرّ.

و روى الكافي (في 2 ممّا مرّ) عن محمّد بن مسلم، عن الصّادق (عليه السلام) «سألته عن الكلب يصيب شيئا من جسد الرّجل؟ قال: يغسل المكان الذي أصابه».

و رواه، التّهذيب 45 ممّا مرّ.

و روى التّهذيب (في 44 ممّا مرّ) عن عليّ، عن الصّادق (عليه السلام) «سألته عن الكلب يصيب الثّوب، قال: انضحه و إن كان رطبا فاغسله».

و أما قوله: «بينهما عصر» فغسل الثّوب لا يكون إلّا بعصره، ففي الأخبار بجعل صبّ الماء و نضحه على الثّوب مقابل غسله، و منها خبر مرّ في أوّل العنوان في إصابة البول الجسد «صبّ عليه الماء مرّتين» و في الثّوب «اغسله مرّتين».

و منها ما مرّ في 47 من 12 من أوّل التّهذيب «فلينضح ما أصاب من ثوبه إلّا أن يكون فيه أثر فيغسله».

و منها ما مرّ عن الكافي (في أوّل 39 من أوّله) و التّهذيب (في 43 ممّا مرّ) «إذا مسّ ثوبك الكلب فان كان يابسا فانضحه و إن كان رطبا فاغسله».

و في 4 من باب منّي الكافي 35 من أوّله «و إن ظنّ أنّه أصابه شي‌ء و لم يستيقن و لم ير مكانه فلينضحه بالماء و إن استيقن أنّه قد أصابه و لم ير مكانه فليغسل ثوبه كلّه».

116

و روى (في 6 من 36 من أوّله، باب البول) عن الحلبيّ، عن الصّادق (عليه السلام) «في بول الصبيّ تصبّ عليه الماء و إن كان قد أكل فاغسله غسلا» و المراد أنّ غسل الثّوب لا يكون إلّا بالعصر لا أنّ كلّ غسل فيه عصر.

و في الناصريّات عن عليّ (عليه السلام)، عن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) «بول الغلام ينضح و بول الجارية يغسل» و الظّاهر كونه من طريق العامّة، و حينئذ فإذا كان بينهما عصر يكون الأوّل غسلا و الثّاني صبّا و نضحا لا غسلا.

قال الشّارح: «و يستثني من ذلك بول الرّضيع» قلت: ذهب إليه الشّيخ و قال الإسكافيّ بعدم نجاسته و هو المفهوم من المقنع حيث اقتصر على نقل رواية السكونيّ، و قد رواه التّهذيب (في 5 من تطهير ثيابه 12 من أوّله) و الاستبصار (في أوّل أبواب تطهير ثيابه) عن السكونيّ، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) «أنّ عليّا (عليه السلام) قال: لبن الجارية و بولها يغسل منه الثّوب قبل أن تطعم لأنّ لبنها يخرج من مثانة أمّها، و لبن الغلام لا يغسل منه الثّوب و لا من بوله قبل أن يطعم لأنّ لبن الغلام يخرج من العضدين و المنكبين» لكنّه خبر شاذّ مشتمل على تعليلين كلّ منهما عليل و الصّواب ما في توحيد المفضّل عن الصّادق (عليه السلام) في أوّله في اللّبن مطلقا قال: «نبدء بذكر خلق الإنسان فاعتبر به فأوّل ذلك ما يدبّر به الجنين في الرّحم و هو محجوب في ظلمات ثلاث: ظلمة البطن و ظلمة الرّحم و ظلمة المشيمة حيث لا حيلة عنده في طلب غذاء، و لا دفع أذى، و لا استجلاب منفعة، و لا دفع مضرّة فإنّه يجري إليه من دم الحيض ما يغذوه كما يغذو الماء النّبات، فلا يزال ذلك غذاؤه حتّى إذا كمل خلقه- إلى- فإذا ولد صرف ذلك الدّم الذي كان يغذوه من دم أمّه إلى ثديها و انقلب الطعم و اللّون إلى ضرب آخر من الغذاء و هو أشدّ موافقة للمولود من الدّم فيوافيه في وقت حاجته إليه- إلخ» فترى جعل دم الحيض غذاء مطلق الجنين كالماء للنّبات و كذا تبديله باللّبن لمطلق الرّضيع.

و لم يروه الكافي رأسا، و الفقيه نسبه إلى الرّواية في 9 من 16 من‌

117

أوّله، و أفتى هو و أبوه بكفاية الصبّ في الرّضيع و الرّضيعة، قاله قبل ما مرّ في خبر السكونيّ، و هو المفهوم من الكافي فروى (في 6 من 36 من طهارته باب البول يصيب الثّوب أو الجسد) حسنا عن الحلبيّ، عن الصّادق (عليه السلام) «سألته عن بول الصّبيّ، قال: تصبّ عليه الماء و إن كان قد أكل فاغسله غسلا، و الغلام و الجارية في ذلك شرع سواء». و رواه التّهذيب (في 2 من 12 من أوّله) و الاستبصار (في 2 من أوّل باب تطهيره) عن الكافي.

و ظاهر الخبر أنّ الرّضيع الذي لم يأكل يكفي فيه صبّ الماء في البدن و الثّوب في الغلام و الجارية، و إن كان أكل يكفي فيه الغسل مرّة، لا كالكبير الذي يجب فيه المرّتين سواء كان غلاما أو جارية، و قلنا في ما مرّ:

إنّ في البدن يحصل الغسل بالصبّ، و أمّا في الثّوب فيحتاج إلى عصر.

يشهد لما قلنا ما رواه الكافي (في أوّل ما مرّ) حسنا عن الحسين بن أبي العلاء، عنه (عليه السلام) «سألته عن البول يصيب الجسد، قال: صبّ عليه الماء مرّتين فإنّما هو ماء، و سألته عن الثّوب يصيبه البول، قال: اغسله مرّتين، و سألته عن الصّبي يبول على الثّوب، قال: يصبّ عليه الماء قليلا ثمّ يعصر».

و رواه التّهذيب في أوّل ما مرّ بجميعه عن الكافي، و روى الاستبصار آخره «و سألته عن الصّبي» في 3 ممّا مرّ عن كتاب أحمد الأشعريّ، و وهم الوسائل فجعل التّهذيب أيضا كذلك، و زاد الوافي في الوهم فجعل الأوّل و الوسط أيضا عن كتاب أحمد.

و يدلّ على كفاية المرّة في الصّبيّ أي الذي أكل غير ما مرّ ما رواه التّهذيب (في 10 ممّا مرّ) و الاستبصار (في آخر ما مرّ) عن سماعة «سألته عن بول الصّبيّ يصيب الثّوب، فقال: اغسله، فقلت: فإن لم أجد مكانه، قال: اغسل الثّوب كلّه».

(إلّا في الكثير و الجاري)

روى التّهذيب (في 4 من 12 من أوّله) عن محمّد بن مسلم، عن الصّادق (عليه السلام) «سألته عن الثّوب يصيبه البول، قال: اغسله‌

118

في المركن مرّتين، فإن غسلته في جار فمرّة واحدة».

(و يصبّ على البدن مرّتين في غيرهما)

أي غير الكثير و الجاري، و قد عرفت عند قوله: «و يغسل الثّوب مرّتين بينهما عصر» أنّ المرّتين في الثّوب و البدن إنّما من البول لا من كلّ نجاسة، و أنّه يختلف كيفية الغسل فيهما فالثّوب لا يكون غسله إلّا بعصره، و أمّا البدن فيكفي فيه مجرّد الصبّ، روى الكافي (في أوّل 36 من طهارته، باب البول يصيب الثّوب و الجسد) حسنا عن الحسين بن أبي العلاء، عن الصّادق (عليه السلام) «سألته عن البول يصيب الجسد، قال: صبّ عليه الماء مرّتين، فإنّما هو ماء، و سألته عن الثّوب يصيبه البول، قال: اغسله مرّتين».

و روى التّهذيب (في 3 من تطهير ثيابه، 12 من أوّله) عن أبي إسحاق النّحويّ، عنه (عليه السلام) «سألته عن البول يصيب الجسد، قال: صبّ عليه الماء مرّتين».

(و الإناء)

يعني يصبّ على الإناء أيضا مرّتين، و مراده من كلّ نجاسة لكن الذي ورد في النّصوص ثلاث من الخمر مع الدّلك لرفع أثره، روى الكافي (في 22 من أشربته باب الأواني يكون فيها الخمر أوّلا) عن عمّار، عن الصّادق (عليه السلام) «سألته عن الدّنّ يكون فيه الخمر هل يصلح أن يكون فيه خلّ أو ماء أو كامخ أو زيتون؟ قال: إذا غسل فلا بأس- إلى- و قال: في قدح أو إناء يشرب فيه الخمر، قال: يغسله ثلاث مرّات، سئل يجزيه أن يصبّ الماء فيه، قال: لا يجزيه حتّى يدلكه بيده و يغسله ثلاث مرّات».

و أخيرا عن حفص الأعور عنه (عليه السلام) قلت: الدّنّ يكون فيه الخمر ثمّ يجفّف يجعل فيه الخلّ، قال: نعم».

و روى التّهذيب الأوّل في 236 من باب ذبائحه عن كتاب محمّد بن أحمد ابن يحيى، و في 117 من 12 من أوّله عن الكافي، و الأخير عن الكافي في‌

119

238 من الذّبائح، و قال: «المراد به إذا جفّف بعد أن يغسل ثلاث مرّات وجوبا أو سبع مرّات استحبابا» و الأمر كما قال.

و أشار بقوله: أو سبع مرّات استحبابا إلى ما رواه في 237 منه عن كتاب الأوّل، عن عمّار أيضا عن الصّادق (عليه السلام) «في الإناء يشرب منه النّبيذ، فقال:

يغسله سبع مرّات و كذلك الكلب- الخبر» لكن عمل به المفيد فأفتى بوجوب السّبع في أواني المسكرات.

و روى التّهذيب (في 119 من 12 من أوّله) عن كتاب محمّد بن أحمد ابن يحيى، عن عمّار، عن الصّادق (عليه السلام) «عن الكوز أو الإناء يكون قذرا كيف يغسل و كم مرّة يغسل؟ قال: ثلاث مرّات يصبّ فيه الماء فيحرّك فيه ثمّ يفرغ منه ذلك الماء، ثمّ يصبّ فيه ماء آخر فيحرّك فيه ثمّ يفرغ منه ذلك الماء، ثمّ يصبّ فيه ماء آخر فيحرّك فيه ثمّ يفرغ منه و قد طهر- الخبر».

قلت: الظّاهر كون «أو الاناء» محرّف «أو نحوه» فإنّ تحريك الماء ثمّ إفراغه إنّما يناسب الكوز لا الإناء مع أن خبره الأوّل الذي رواه الكافي و رواه التّهذيب عنه و عن كتاب محمّد بن أحمد هذا تضمّن الإناء و القدح، و الثّاني قسم من الأوّل تضمّن صبّ الماء مع دلكه بيده لا صبّ الماء و تحريكه و إفراغه لئلّا يكون كلامه في خبرية تناقضا.

قال الشّارح بعد قول المصنّف: «و الإناء»: «و يزيد أنّه يكفي صب الماء فيه بحيث يصيب النّجس و إفراغه منه و لو بآلة لا تعود إليه ثانيا إلّا طاهرة سواء في ذلك المثبت و غيره، و ما يشقّ قلعه و غيره».

قلت: لا وجه لقوله «في غير المثبت» أصلا بل يؤخذ منحرفا و يصبّ عليه الماء كما يصبّ على البدن بلا شي‌ء زائد إذا كان من غير المسكر و منه يزاد عليه الدّلك باليد أيضا كما عرفته من خبر عمّار الأوّل الذي رواه الكافي، و أمّا في المثبت مطلقا فلا دليل على ما ذكره من إفراغه بآلة، و إنّما دلّ خبر عمّار الأخير على أنّ في مثل الكوز يصبّ فيه الماء و يحرّك فيه ثمّ يفرغ منه بنفسه.

120

(فان ولغ فيه كلب قدم عليهما مسحه بالتراب)

الأصل فيه ما رواه التّهذيب (في 29 من مياهه، 10 من أوّله) و الاستبصار (في 2 من 9 من أوّله، باب حكم الماء إذا ولغ فيه الكلب) عن الفضل أبي العبّاس، عن الصّادق (عليه السلام)- في خبر- «حتّى انتهيت إلى الكلب، فقال: رجس نجس لا تتوضّأ بفضله، و اصبب ذلك الماء و اغسله بالتّراب أوّل مرّة ثمّ بالماء».

و الغسل بالتّراب فيه كالغسل بالسّدر و الكافور لا يكون إلّا بماء صبّ فيه تراب كما هو حقيقته فلم فسّره بالمسح بالتّراب كالتيمّم، و الأصل فيه المختلف قاله في 3 من مسائل 3 من فصول طهارته. و إلّا فالمحقّق أيضا قال في آخر طهارته: «و يغسل الإناء من ولوغ الكلب ثلاثا أولاهنّ بالتّراب».

و بما ظاهره عبّر القدماء فقال الصّدوقان و الشّيخان و الدّيلميّ و جمع آخر: «يغسل مرّة بالتّراب و مرّتين بالماء».

و هو صريح الشّيخ في خلافه و مبسوطه، ففي 137 عن مسائل طهارة الأوّل «إذا أصاب من الماء الذي يغسل به الإناء من ولوغ الكلب ثوب الإنسان أو جسده لا يجب غسله سواء كان من الدّفعة الأولى أو الثّانية أو الثّالثة- إلخ».

و في الثّاني (في باب حكم الأواني، 8 من عناوين طهارته) «و إن أصاب من الماء الذي يغسل به الإناء من ولوغ الكلب خاصّة ثوب الإنسان أو جسده لا يجب غسله سواء كان من الغسلة الأوّلة أو الثّانية أو الثّالثة» و من الغريب أنّ الجواهر قال: «ظاهر الخلاف عدم وجوب المزج بالماء».

ثمّ الظّاهر سقوط لفظ المرّتين من التّهذيبين في آخر الخبر بعد الاتّفاق على الغسل مرّة بالتّراب و مرّتين بالماء.

و اقتصر الشّيخ على الولوغ و لكنّ الصدوقين و المفيد ألحقوا به مطلق مباشرته، و زادوا تجفيفه بعد الغسلات.

ففي الفقيه (بعد 10 من أخبار مياهه، بابه الأوّل) «و إن وقع فيه-

121

- أي في إناء- كلب أو شرب منه أهريق الماء و غسل الإناء ثلاث مرّات، مرّة بالتّراب و مرّتين بالماء، ثمّ يجفّف». و مثله في مقنعه (قاله في آخر باب ما يقع في البئر و الأواني، 4 من أبواب أوّله) قائلًا في أوّله «فإن وقع كلب في الإناء أو شرب منه- إلخ» و مثله نقل عن رسالة أبيه، لكنّ الغريب أنّ في هدايته (في مياهه) قال: «و الماء الآجن و الذي قد وقع فيه الكلب و السّنّور فإنّه لا بأس بأن يتوضّأ منه و يغتسل إلّا أن يوجد غيره فينزه عنه» و لعلّ مراده في الماء الكثير كالنّهر و نحوه.

و قال المفيد في أواخر باب تطهير مياه مقنعته: «و إذا شرب من الإناء كلب أو ماسّة ببعض أعضائه فإنّه يهراق ما فيه من ماء، ثمّ يغسل مرّة بالماء و مرّة ثانية بالتّراب و مرّة ثالثة بالماء و يجفّف و ليس حكم غير الكلب كذلك بل يهراق ما فيه و يغسل مرّة واحدة بالماء».

و جعل الغسل بالتّراب في الوسط شي‌ء تفرّد به، و لعلّه من تصحيف النّسخة، و لكنّ التّهذيب نقل كلامه قبل 25 ممّا مرّ: «و إذا ولغ الكلب في الإناء وجب أن يهراق ما فيه و يغسل ثلاث مرّات مرّتين منها بالماء و مرّة بالتّراب. يكون في أوسط الغسلات التّراب ثمّ يجفّف و يستعمل».

ثمّ الغريب أنّ الكافي لم يرو الخبر و التّهذيبان روياه ناقصا، و أمّا الفقيه فمثل أبيه كثيرا يقتصر في الإفتاء بمتون الرّوايات من دون ذكر أسانيد.

و أغرب الإسكافيّ فقال- كما في المختلف كما في 4 ممّا مرّ- وجوب الغسل من ولوغ الكلب سبع مرّات أولاهنّ بالتّراب أو ما يقوم مقامه، و قال الشّيخ كما في 6 ممّا مرّ من المختلف: «إذا لم يوجد التّراب لغسله جاز الاقتصار على الماء، و ان وجد غيره من الأشنان أو ما يجري مجراه كان ذلك جائزا». قلت: الصّواب عدم بدليّة الأشنان لأنّ للتّراب أثرا، و للأشنان أثرا.

122

و في 7 من مسائل المختلف ممّا مرّ عن المبسوطين «إذا ولغ الكلب في الإناء ثمّ وقع ذلك الإناء في الماء الكثير الذي بلغ كرّا فما زاد لا ينجس الماء و يحصل بذلك غسلة من جملة الغسلات و لا يطهر الإناء بذلك، بل إذا تمّم غسلاته بعد ذلك طهر».

و في 5 منها عن المبسوطين «حكم الخنزير حكم الكلب في الولوغ، فيغسل الإناء من ولوغه ثلاث مرّات أولاهنّ بالتّراب». و استدلّ بأنّ الخنزير يسمّى كلبا، قلت: و هو كما ترى.

(و يستحبّ السبع فيه و كذا في الفأرة و الخنزير، و الثلاث في الباقي)

أمّا ما قاله من استحباب السّبع فيه فلا وجه له لأنّ السّبع شي‌ء تفرّد به الإسكافيّ قائلًا بوجوبه فيه كما مرّ في العنوان السّابق، و ليس به خبر أصلا إلّا أن يقال بأنّه كما مرّ في آخر العنوان السّابق عن الشّيخ بأنّه أوجب في الخنزير الغسل ثلاثا أولاهنّ بالتّراب بأنّ الخنزير يسمّى كلبا فيلحقه حكمه، و ورد في الخنزير غسل السّبع في خبر كما يأتي في خبر كما يأتي فيلحقه حكمه، و إلّا فمن حيث الأخبار لو لا فتوى الصّدوقين و المفيد لقلنا إمّا بكفاية الغسل مرّة فيه بدون تراب لرواية التّهذيب (في 27 من مياهه، 10 من أوّله) عن محمّد بن مسلم، عن الصّادق (عليه السلام) «سألته عن الكلب يشرب من الإناء قال:

اغسل الإناء، و عن السّنّور- الخبر» و الغسل يحصل بالمرّة، و إمّا بكفاية مرّتين الأولى مع التّراب، و الثّانية بدونه كما في خبره 29 و مرّ في أوّل العنوان السّابق.

و أمّا ما قاله من استحباب السّبع في الفأرة فليس في الفأرة خبر بالسّبع، بل في الجرذ، و في المصباح:- على وزن عمر- قالوا: يكون في الفلوات و لا يألف البيوت.

روى التّهذيب (في 119 من أخبار 12 من أبواب أوّله، باب تطهير ثيابه‌

123

و هو آخر أخبار الباب) عن عمّار السّاباطيّ، عن الصّادق (عليه السلام) خبرا متضمّنا للسؤال عن أحد عشر شيئا، و في رابعها «و قال: اغسل الإناء الذي تصيب فيه الجرذ ميتا سبع مرّات» تفرّد بروايته، كما أنّ الأصل في التّعبير بالفأرة بدل الجرذ الشّيخ في مبسوطه و نهايته، فقال في المبسوط- على ما في المختلف في 8 من مسائل الأخير من فصول طهارته-: «و يغسل من الخمر و الأشربة المسكرة سبع مرّات، و روي مثل ذلك في الفأرة إذا ماتت في الإناء» و لم يعمل به إلّا في الثّاني فقال: «يغسل من سائر النّجاسات ثلاث مرّات وجوبا، و من الخمر و المسكر و الفأرة سبع مرّات وجوبا أيضا». و حيث إنّه خبر عمّار الفطحيّ و لم يروه غيره في ما مرّ و لم يعمل به غيره إلّا في ما مرّ، فلا عبرة به، و لو عمل به احتياطا لا استحبابا فليقل في الجرذ لا في كلّ فأرة.

و أما الخنزير فروى التّهذيب (في 47 من تطهير ثيابه، 12 من أوّله) عن الكافي روايته عن عليّ بن جعفر، عن أخيه (عليه السلام) «سألته عن الرّجل يصيب ثوبه خنزير فلم يغسله، فذكر و هو في صلاته كيف يصنع به؟ قال: إن كان دخل في صلاته فليمض، و إن لم يكن دخل في صلاته فلينضح ما أصاب ثوبه إلّا أن يكون فيه أثر فيغسله، و سألته عن خنزير شرب من إناء كيف يصنع به؟ قال:

يغسل سبع مرّات». لكنّ الكافي إنّما روى الخبر إلى «أن يكون فيه أثر فيغسله» دون «و سألته عن خنزير- إلخ» رواه في آخر باب الكلب يصيب الثّوب و الجسد، 39 من أبواب طهارته.

و وهم الوسائل هنا و في 2 من أوّل إسئاره فنسب إلى الكافي روايته و لم يتفطّن المعلّق عليه لوهمه، و تفطّن المعلّق على التّهذيب فقال: الكافي رواه بدون الذّيل، و لقد تفطّن الوافي لعدم وجود الذّيل في الكافي أيضا.

و أمّا نقل التّهذيب الخبر بلفظ «عن محمّد بن يعقوب» هل رواه عن كتاب آخر للكلينيّ لم نقف عليه أو حصل له خلط، كلّ محتمل و يبعد تصحيف جميع نسخنا.

124

و كيف كان فلم نقف على من عمل به من القدماء و إنّما في 5 من مسائل المختلف بعد نقله عن المبسوطين جعل ولوغه كولوغ الكلب في كفاية الثّلاث أولاهنّ بالتّراب، و الذي اخترناه نحن أنّه يغسل من ولوغه سبع مرّات لكون خبر عليّ بن جعفر، عن أخيه (عليه السلام) «و سألته عن خنزير شرب من إناء كيف يصنع به؟ قال: يغسل سبع مرّات» صحيحا. فيقال له: خبر لم يعمل به أحد ليس بحجّة و لو كان صحيح السّند مع أنّ صدره الذي تضمّن إن دخل في الصّلاة و تذكّر إصابة خنزير ثوبه، و قد رواه الكافي أيضا كما مرّ غير معمول به في المضيّ في صلاته مطلقا.

و أمّا قوله: «و الثّلاث في الباقي» أي مستحبّا في غير الولوغ ففي المسألة أقوال، فقال المفيد و الدّيلميّ: «يجب غسلها من الأشربة المسكرة سبع مرّات و مرّة في غيرها»، و قال الشّيخ في خلافه: «يجب غسل الإناء في غير الولوغ ثلاث مرّات» و في مبسوطه «يجب غسلها من الأشربة المسكرة سبع مرّات، و من سائر النّجاسات ثلاثا» و مثله في نهايته كلّ ذلك نقله المختلف في 8 ممّا مرّ لكنّ لم نقف على غسل الأواني سبعا بلا معارض إلّا في شرب الخنزير منها، و قلنا: تفرّد بروايته التّهذيب و إن نقله في ظاهره عن الكافي، و في إناء مات فيه الجرذ، و قلنا: تفرد بروايته التّهذيب، و ثلاثا إلّا في ولوغ الكلب منها برواية التّهذيبين عن البقباق أولاها بالتّراب مع استظهار سقوط مرّتين من آخر الخبر فيهما بشهادة الصّدوقين و غيرهما كما مرّ في عنوان «فان ولغ فيه كلب» و في شرب المسكرات فيها لرواية عمّار الّتي رواها الكافي (في أوّل 22 من أشربته) عن الصّادق (عليه السلام) «سألته عن الدّنّ يكون فيه الخمر هل يصلح أن يكون فيه خلّ أو ماء أو كامخ أو زيتون؟ قال: إذا غسل فلا بأس، و عن الإبريق و غيره يكون فيه خمر أ يصلح أن يكون فيه ماء قال: إذا غسل فلا بأس، و قال في قدح أو إناء يشرب فيه الخمر قال: يغسله ثلاث مرّات، سئل يجزيه أن يصبّ الماء فيه، قال: لا يجزيه حتّى يدلكه بيده‌

125

و يغسله ثلاث مرّات».

و الاقتصار في السؤالين الأوّلين على مجرّد الغسل يقيد الغسل فيهما بالمقيّدين في السّؤالين الأخيرين، و من الغريب أنّ المختلف قال بكفاية المرّة و استدلّ بالخبر مقتصرا على صدره في السؤالين الأوّلين.

و أمّا رواية التّهذيب في 237 من ذبائحه من كتاب محمّد بن أحمد بن يحيى، عن عمّار، عن الصّادق (عليه السلام) «في الإناء يشرب منه النّبيذ، فقال:

يغسله سبع مرّات، و كذلك الكلب- الخبر» فيعارضه خبر عمّار الذي مرّ هنا و خبر عمّار الذي مرّ في عنوان «و الإناء» عن الصّادق (عليه السلام) «سئل عن الكوز أو الإناء يكون قذرا كيف يغسل و كم مرّة يغسل، قال: ثلاث مرّات يصبّ فيه الماء فيحرّك فيه ثمّ يفرغ منه ذلك الماء، ثمّ يصبّ فيه ماء آخر فيحرّك فيه ثمّ يفرغ منه ذلك الماء، ثمّ يصبّ فيه ماء آخر فيحرّك فيه ثمّ يفرغ منه، و قد طهر» فلم لا نعمل بالمتعدّد و نأخذ بالواحد مع أنّ خبر الثّلاث رواه الكافي الذي يتحرّى نقل الأخبار الصحيحة دون ما تفرّد به محمّد بن أحمد بن يحيى الذي يروي كلّ غثّ و سمين و قد استثنى ابن الوليد كثيرا من رواياته.

ثمّ لا بدّ أن نقيّد خبر عمّار مرّ هنا في سؤال الثّاني «و عن الإبريق» بذاك الخبر في تحريك الماء في الإبريق و صبّه كما نقيّده بالثّلاث كما أنّ في الآنية لا يكفي مجرّد صبّ الماء كالبدن بل لا بدّ من دلك الإناء بيده لخبر عمّار المذكور هنا.

و لما قلنا حمل التّهذيب خبر عمّار السّبع على النّدب و جعل الواجب الغسل ثلاثا و أمّا كفاية المرّة في غير ما مرّ كما قال المفيد و الدّيلميّ فمرّ مستنده في أوّل العنوان.

[و الغسالة كالمحلّ قبلها]

(و الغسالة كالمحلّ قبلها)

لم نقف على من تعرّض من القدماء قبل المرتضى للمسألة و صرّح هو في 3 من مسائل طهارة النّاصريّات بطهارتها،

126

فقال بعد قول جدّه «لا فرق بين ورود الماء على النّجاسة و بين ورود النّجاسة على الماء»: هذه المسألة لا أعرف فيها نصّا لأصحابنا و لا قولا صريحا، و الشّافعيّ يفرّق بين ورود الماء على النّجاسة و بين ورودها عليه، و يقوى صحّة ما قال لأنّه لولاه لأدّى ذلك إلى أنّ الثّوب لا يطهّر إلّا بإيراد كرّ عليه، و تبعه المبسوط في فصل تطهير الثّوب في الصّلاة. و قال في أوانيه: «و إن أصاب من الماء الذي يغسل به من ولوغ الكلب خاصّة ثوب الإنسان أو جسده لا يجب غسله سواء كان من الأولى أو الثّانية أو الثّالثة.

و ذهب في خلافه إلى نجاسة الغسالة الأولى من الثّوب و طهارة الثّانية منه، و أمّا الأواني فقال بطهارة غسالتها مطلقا، فقال في 135 من مسائل طهارته:

«إذا أصاب الثّوب نجاسة فغسل بالماء فانفصل الماء عن المحلّ و أصاب الثّوب أو البدن فإنّه ان كانت الغسلة الأولى فإنّه نجس و ان كانت من الثّانية لا يجب غسله» و استدلّ بخبر العيص بن القاسم «سألته عن رجل أصابه قطرة من طشت فيه وضوء، فقال: ان كان الوضوء من بول أو قذر فليغسل ما أصابه، و ان كان وضوء الصّلاة فلا يضرّه» و استدلّ على طهارة الثّانية بأصالة البراءة و بأخبار طهارة ماء الاستنجاء و ماء غسل الجنابة، فقال في المسألة 137 بعد ذكره: إنّ ماء غسل الإناء من الولوغ لا ينجّس أحد من الثّلاث منه: «و لو حكمنا بنجاسته لما طهر الإناء أبدا لأنّه كلّما غسل فما يبقى من النّداوة يكون نجسا فاذا طرح في آخر نجس أيضا و ذلك يؤدّي الى أن لا يطهّر أبدا».

و كلّ من استدلاليه كما ترى، استدلاله بخبر العيص لنجاسة الغسالة الأولى من الثّوب و استدلاله بطهارة الثّانية بما ذكر فليس في خبر العيص اسم من الأولى أو الثّانية، و ماء الاستنجاء غير غسالة الثّوب، و ماء غسل الجنابة طاهر و كذلك تعليله لطهارة غسلات الولوغ تعليل عليل.

هذا، و خبر العيص الذي استدلّ به تفرّد به الخلاف و ليس في الكتب الأربعة و لم يتفطّن له الوسائل فاقتصر في نقله على نقل صدره من المعتبر‌

127

و الذّكرى بدون ذيله «و إن كان وضوء الصّلاة فلا يضرّه» و كذلك لم يتفطّن له المستدرك فيستدركه عليه.

ثمّ الخلاف في الثّوب لو لم يجعل في إناء لغسله و إلّا فلا خلاف في نجاسة الغسالة قال في تطهير ثياب المبسوط: «إذا ترك تحت الثّوب النّجس إجّانة و صبّ عليه الماء و جرى الماء في الإجّانة لا يجوز استعماله لأنّه نجس».

ثمّ الخلاف في طهارتها و عدمها و أمّا عدم مطهّريّتها فلا خلاف فيه روى التّهذيب (في 13 من مياهه 10 من أبواب أوّله) عن عبد اللّه بن سنان، عن الصّادق (عليه السلام) «قال: لا بأس أن يتوضّأ بالماء المستعمل، و قال: الماء الذي يغسل به الثّوب، أو يغتسل به الرّجل من الجنابة لا يجوز أن يتوضّأ منه و أشباهه، و أمّا الماء الذي يتوضّأ الرّجل به فيغسل به وجهه و يده في شي‌ء نظيف فلا بأس أن يأخذه غيره و يتوضّأ به».

و الظّاهر أن قوله في صدره «قال: لا بأس أن يتوضّأ بالماء المستعمل و قال» محرّف «سئل هل يتوضّأ بالماء المستعمل؟ فقال» بشهادة السّياق و الّا لكان مع ذيله «الماء الذي يغسل به الثّوب- الى و أشباهه-» متناقضا.

[الرابعة المطهرات عشرة:]

(الرابعة المطهرات عشرة:)

[الماء]

(الماء)

قال تعالى «وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً»، «وَ يُنَزِّلُ عَلَيْكُمْ مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً لِيُطَهِّرَكُمْ بِهِ وَ يُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطٰانِ».

(مطلقا)

بخلاف باقي المطهّرات فان كلّا منها يطهّر شيئا مخصوصا و أمّا الماء فيطهّر كلّ شي‌ء حتّى الدّهن و نحوه بجعله كالمرق و ان لم ينتفع به في ما هو المقصود منه، يطهّر غيره و نفسه، و أمّا ما رواه الكافي (في أوّل طهارته) عن السّكونيّ، عن الصّادق (عليه السلام)، عن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله):

«الماء يطهّر و لا يطهّر» فالمراد يطهّر غيره و لا يطهّره غيره، و كذلك ما رواه البرقيّ (في 4 من أوّل كتاب مائه من محاسنه) عن مسعدة بن اليسع، عن الصّادق (عليه السلام)، «عن عليّ (عليه السلام) بلفظه، و أمّا قول المرتضى بأنّ الصيقل‌

128

كالسيف و المرآة و القارورة يكفي في طهارتها مسح النّجاسة عنها بدون ماء قبلا دليل.

و أمّا قول الإسكافيّ في كفاية إزالة عين الدّم عن الثّوب بالبصاق لخبر غياث، عن الصّادق، عن أبيه، عن عليّ (عليهم السلام) «لا بأس أن يغسل الدّم بالبصاق» و خبره عنه، عن أبيه «لا يغسل بالبزاق شي‌ء غير الدّم» و الأصل فيهما واحد روى الأوّل التّهذيب في 23 من 9 من زيادات طهارته، و الثّاني في 12 منه، فلا عبرة به لكون غياث عاميّا، و الآيتان المتقدّمتان جعلتا الماء مطهّرا، و البزاق ليس بماء، و لذا نسب مضمونه الكافي بعد 8 من 38 من طهارته، باب الثّوب يصيبه الدّم إلى الرّواية.

[و الأرض]

(و الأرض باطن النعل و أسفل القدم)

مع اشتراط كون نجاستهما من الأرض، روى الكافي (في باب الرّجل يطأ على العذرة و غيرها من القذر، 24 من أبواب أوّله أوّلا) عن الأحول، عن الصّادق (عليه السلام) في الرّجل يطأ على الموضع الذي ليس بنظيف ثمّ يطأ بعده مكانا نظيفا، قال:

لا بأس إذا كان خمسة عشر ذراعا أو نحو ذلك».

و في 3 منه عن محمّد الحلبيّ «قال: نزلنا في مكان بيننا و بين المسجد زقاق قذر، فدخلت على الصّادق (عليه السلام)، فقال: أين نزلتم؟ فقلت: نزلنا دار فلان، فقال: إنّ بينكم و بين المسجد زقاقا قذرا- أو قلنا له: إنّ بيننا و بين المسجد زقاقا قذرا- فقال: لا بأس الأرض يطهّر بعضها بعضا- الخبر».

و في 2 منه عن محمّد بن مسلم «قال: كنت مع أبي جعفر (عليه السلام) إذ مرّ على عذرة يابسة فوطأ عليها فأصابت ثوبه، فقلت: قد وطأت على عذرة فأصابت ثوبك، فقال: أ ليس هو يابسة؟ فقلت: بلى، فقال: لا بأس إنّ الأرض يطهّر بعضها بعضا».

و أخيرا عن معلّى بن خنيس «سألت الصّادق (عليه السلام) عن الخنزير يخرج‌

129

من الماء فيمرّ على الطّريق فيسيل منه الماء و أمرّ عليه حافيا؟ فقال: أ ليس وراءه شي‌ء جافّ؟ قلت: بلى، قال: فلا بأس إنّ الأرض يطهّر بعضها بعضا».

و في 4 منه عن الحلبيّ، عنه (عليه السلام) «في الرّجل يطأ في العذرة أو البول أ يعيد الوضوء؟ قال: لا و لكن يغسل ما أصابه» و في رواية أخرى «إذا كان جافّا فلا يغسله».

و روى التهذيب في (96 من 12 من أوّله) عن زرارة، عن الباقر (عليه السلام) «قلت له: رجل وطأ على عذرة فساخت رجله فيها أ ينقض ذلك وضوءه؟ و هل يجب عليه غسلها؟ فقال: لا يغسلها إلّا أن يقذرها و لكنّه يمسحها حتّى يذهب أثرها و يصلّي».

و روى (في 80 من 6 من زيادات صلاته) عن عمّار السّاباطيّ، عن الصّادق (عليه السلام)- في خبر- «و عن الرّجل يتوضّأ و يمشي حافيا و رجله رطبة، قال: إن كانت أرضكم مبلّطة أجزأكم المشي عليها، و قال: أمّا نحن فيجوز لنا ذلك لأنّ أرضنا مبلّطة- يعني مفروشة بالحصى- الخبر».

و نقل الوسائل (في 6 من 32 من أبواب نجاساته باب طهارة باطن القدم و النعل) رواية التّهذيب عن حفص بن أبي عيسى، عن الصّادق (عليه السلام) «قلت له:

إنّي وطأت عذرة بخفيّ و مسحته حتّى لم أر فيه شيئا ما تقول في الصّلاة فيه، فقال: لا بأس» و رواه التّهذيب في 95 من 12 من أوّله، لكنّه ليس مربوطا بعنوانه فإنّه من أخبار جواز الصّلاة في ما لا يتمّ الصّلاة فيه إذا كان نجسا يابسا، كما أنّ نقله أخيرا في ذاك الباب خبر زرارة عن الباقر (عليه السلام) و قد رواه التّهذيب (في 68 من 3 من أبواب أوّله) «جرت السّنة في أثر الغائط بثلاثة أحجار أن يمسح العجان و لا يغسله، و يجوز أن يمسح رجليه و لا يغسلهما» لا ربط له بعنوانه فصدره في حكم الاستنجاء من الغائط، و ذيله في مسح الرّجلين في الوضوء. و لكن ورد التحريف في صدره و ذيله بشهادة السّياق و باقي الأخبار، أمّا صدره فالأصل في قوله: «بثلاثة إلى- و لا يغسله» «أن يمسح‌

130

العجان بثلاثة أحجار ثمّ يغسله» فحصل فيه تقديم و تبديل يشهد لما قلنا السّياق و أنّ التّهذيب قال بعد ذاك الخبر (في خبره 69 من 3 من أوّله):

«و بهذا الإسناد عن بعض أصحابنا رفعه إلى أبي عبد اللّه (عليه السلام) «قال: جرت السّنة في الاستنجاء بثلاثة أحجار أبكار و يتبع بالماء».

و قوله: «و بهذا الاسناد- أي عن سعد بن عبد اللّه-، فخبره 67 مسند إلى سعد، عن أحمد، و قال في 68: «و بهذا الاسناد عن أحمد» أي الإسناد إلى سعد، و قال في 69 «و بهذا الاسناد عن بعض أصحابنا» و واضح أنّ المراد الإسناد إلى سعد، عن بعض أصحابنا. و وهم الوافي و الوسائل و فسّراه بالإسناد عن أحمد، عن بعض أصحابنا:

و أمّا ذيله فالأصل في قوله: «و يجوز- إلخ» «و لا يجوز أن يمسح رجليه و يغسلهما» حصل فيه تأخير «لا» عن محلّه، و المراد أنّه ليس في الوضوء إلّا مسح الرّجلين كما في الكتاب و السّنة و لا يجوز الجمع فيه بين مسحهما و غسلهما كما ابتدعه العامّة.

و حيث إنّ الوافي و الوسائل لم يتفطّنا لتحريف الخبر و أبقياه على ظاهره اضطرّا إلى حمله على ما يطهّر الأرض من باطن القدم و النّعل، نقل الوافي الخبر في أخبار باب استنجائه و قال: «لعلّ الاكتفاء بمسح الرّجلين بالتّراب دون الغسل في ما إذا وطأ بهما الأرض حافيا إلى الخلاء و نحوه» و الوسائل قد عرفت أنّه نقل الخبر في آخر ذاك الباب.

[و التراب]

(و التراب في الولوغ)

روى التّهذيب (في 29 من 10 من أوّله) عن الفضل البقباق، عن الصّادق (عليه السلام)- في خبر- «لا تتوضّأ بفضل الكلب و اصبب ذلك الماء و اغسله بالتّراب أوّل مرّة ثمّ بالماء».

[و الجسم الطاهر]

(و الجسم الطاهر)

(بالرّفع غير الصيقل)

(في غير المتعدّى من الغائط)

روى التّهذيب (في 17 من أوّله) عن زرارة «كان يستنجى من البول ثلاث مرّات و من الغائط بالمدر و الخرق».

131

و في 16 منه عن ليث المراديّ، عن الصّادق (عليه السلام) «سألته عن استنجاء الرّجل بالعظم أو البعر أو العود، قال: أمّا العظم و الروث فطعام الجنّ، و ذلك ممّا اشترطوا على النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)، فقال: لا يصلح بشي‌ء من ذلك».

و روى الخصال (في باب ثلاثة) عن الحسين بن مصعب، عن الصّادق (عليه السلام) «جرت في البراء بن معرور الأنصاريّ ثلاث من السّنن أمّا أولاهنّ فإنّ النّاس كانوا يستنجون بالأحجار فأكل البراء الدّبا فلان بطنه فاستنجى بالماء فأنزل تعالى فيه إِنَّ اللّٰهَ يُحِبُّ التَّوّٰابِينَ وَ يُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ فجرت السنّة في الاستنجاء بالماء- الخبر» قلت: أي في مثله من لان بطنه لا يجزي الأحجار.

و سنّته الثانية الدّفن إلى الكعبة، و الثّالثة حقّ الوصيّة بالثلث.

[و الشّمس ما جففته الحصر و البواري]

(و الشّمس ما جففته الحصر و البواري و ما لا ينقل)

روى الكافي (في 23 من 58 من صلاته باب الصّلاة في الكعبة) عن زرارة و حديد «قلنا للصّادق (عليه السلام): السّطح يصيبه البول أو يبال عليه أ يصلّى في ذلك المكان؟ فقال: إن كان يصيبه الشّمس و الرّيح و كان جافّا فلا بأس به إلّا أن يكون يتّخذ مبالا».

و روى الفقيه (في 9 من صلاته، باب المواضع الّتي يجوز الصّلاة فيها) عن زرارة، عن الباقر (عليه السلام) «سأله عن البول يكون على السّطح أو في المكان الذي يصلّى فيه، فقال: إذا جفّفته الشّمس فصلّ عليه فهو طاهر».

و روى التّهذيب (في 91 من تطهير ثيابه، 12 من أوّله) عن أبي بكر عن الباقر (عليه السلام) «ما أشرقت عليه الشّمس فقد طهر».

و في 90 منه عن عليّ بن جعفر، عن أخيه الكاظم (عليه السلام) «سألته عن البواري يصيبها البول هل تصلح الصّلاة عليها إذا جفّت من غير أن تغسل؟ قال: نعم، لا بأس» لكنّه كما ترى إنّما تضمّن كفاية جفاف البواري من البول بدون ذكر تجفيف الشّمس لها.

و في 89 منه عن عمّار، عن الصّادق (عليه السلام) «سئل عن الشّمس هل تطهّر‌

132

الأرض؟ قال: إذا كان الموضع قذرا من البول أو غير ذلك فأصابته الشّمس ثمّ يبس الموضع فالصّلاة على الموضع جائزة، و إن أصابته الشّمس و لم يبس الموضع القذر و كان رطبا فلا تجوز الصّلاة عليه حتّى ييبس، و إن كانت رجلك رطبة أو جبهتك رطبة أو غير ذلك منك ما يصيب ذلك الموضع القذر فلا تصلّ على ذلك الموضع القذر، و إن كان عين الشّمس أصابه حتّى يبس فإنّه لا يجوز ذلك».

و رواه (في 80 من 6 من زيادات صلاته، باب ما يجوز الصّلاة فيه من اللّباس و المكان) مع صدر له و ذيل، و ننقل آخر صدره المربوط به و هو «و عن الموضع القذر يكون في البيت أو غيره فلا تصيبه الشّمس و لكنّه يبس الموضع القذر، قال: لا يصلّى عليه و أعلم موضعه حتّى تغسله».

و المراد لا يسجد على موضع يبس قذرة من الهواء لكونه في محلّ لا يشرق عليه الشّمس، و لا ريب فيه، و في ذاك الخبر لم يذكر «و إن كان عين الشّمس أصابه» فهو هكذا «و إن كانت رجلك رطبة أو جبهتك أو غير ذلك منك ما يصيب ذلك الموضع القذر فلا تصلّ على ذلك الموضع حتّى يبس فإنّه لا يجوز ذلك» و الظّاهر صحّته، و زيادة تلك الجملة لئلّا يحصل التناقض في صدر خبر، و ذيله، و إن كان الإستبصار أيضا رواه مثل الأوّل في أوّل آخر أبواب تطهير ثيابه قبل جنائزه.

و أمّا ما رواه التّهذيب (في 92 من تطهيره 2) عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع «سألته عن الأرض و السّطح يصيبه البول أو ما أشبهه هل تطهّره الشّمس من غير ماء؟ قال: كيف تطهّر من غير ماء» فحمله على ما إذا لم تجفّفه الشّمس، و يمكن حمله على أنّ المراد إذا كان جفّ و لم يبق فيه رطوبة لا يطهّره الشّمس بعد إلّا أن يصبّ عليه ماء حتّى تكون الشّمس تجفّفه.

و يدلّ على ذلك أنّ قوله «هل تطهّره الشّمس» دليل على أنّ مطهّريّة الشّمس أصلها معلوم، و لكن الكلام كان في شروطها و قد صرّح في خبر الفقيه بطهارة الأرض بالشّمس، و كذا في خبر التّهذيب الأوّل.

133

و روى التّهذيب (في 104 من 6 من زيادات صلاته) عن أبي بكر الحضرميّ، عن الباقر (عليه السلام) «كلّ ما أشرقت عليه الشّمس فهو طاهر» و المراد من غير المنقول، و الظّاهر أنّ الأصل فيه و في ما مرّ في ما مرّ في 91 من تطهيره واحد.

و صرّح الخلاف بكون مطهّريّتها إجماعيّة و نقل المعتبر تردّد الإسكافيّ لخبر عمّار ذاك، و نقل المختلف (في 7 من مسائل 2 من فصول طهارته) عن القطب الرّاونديّ، و عن شيخه أبي القاسم بن سعيد بقائها على النّجاسة لكن يجوز السّجود عليها مع يبسها و يبس الجبهة لأنّ خبر عمّار، إنّما تضمّن جواز السّجود عليها، قلت: و غفل عن قول ابن حمزة أيضا بذلك و الكلّ كما ترى.

و أمّا التّعبير بجواز السّجود على أرض جفّفتها الشّمس لأنّه كناية عن تطهيرها كما أنّ الأمر بغسل الثّوب و البدن عن شي‌ء في الصّلاة كناية عن نجاسته و قد ورد كون الشّمس مطهّرا معنويّا أيضا و إنّ بيتا عصي اللّه فيه يجب عليه تعالى أن يخربه حتّى تطلع الشّمس على أرضه و يطهّره هذا، و نقل المختلف في 9 ممّا مرّ عن المبسوط «إذا وقع على الأرض الخمر لا تطهّر بتجفيف الشّمس لها لأنّ حمله على البول قياس لا يجوز استعماله، قلت و هو ظاهر المفيد أيضا، فنقل التّهذيب (قبل 89 من تطهيره) أنّه قال:

«و الأرض إذا وقع عليها البول ثمّ طلعت عليه الشّمس فجفّفتها طهرت بذلك، و كذلك البواري و الحصر» فخصّ تطهير تجفيف الشّمس بأرض وقع عليها البول، لكن إن كان مورد خبر الكافي و خبر الفقيه المذكورين في أوّل العنوان تجفيف الشّمس لأرض أصابها بول، و كذا خبر التّهذيب في البواري في كفاية جفافها من البول فخبر عمّار المتقدّم في موضعيه تضمّن إذا كان الموضع قذرا من البول أو غير ذلك فأصابته الشّمس- الخبر». و خبر أبي بكر عن الباقر (عليه السلام) «ما أشرقت عليه الشّمس فقد طهر» بإسناد تطهيره، و «كلّ ما أشرقت عليه الشّمس فهو طاهر» بإسناد زيادات صلاته عمومه يشمل كلّ‌

134

نجس البول و الخمر، لكن قلنا: إنّ عمومه منصرف الى كلّ ما لا ينقل، فإن قيل بعدم العمل بخبر عمّار لعدم رواية الكافي و الفقيه له و لفطحيّته فعموم خبر أبي بكر ينصرف في النّجس أيضا الى البول بشهادة خبري الكافي و الفقيه و لأنّ الغالب إصابة البول للمواضع دون الخمر.

[و النار ما أحالته رمادا أو دخانا]

(و النار ما أحالته رمادا أو دخانا)

ليس فيه نصّ خاصّ و لا ريب في طهارة الرّماد و أمّا الدّخان فقال بعضهم بجواز الاستصباح بالدّهن المتنجّس تحت السّماء لنجاسة دخانه، و الوسائل (في 81 من أبواب نجاساته قال: باب طهارة ما أحالته النّار رمادا أو دخانا) اقتصر على نقل خبر الحسن ابن محبوب «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن الجصّ يوقد عليه بالعذرة و عظام الموتى، ثمّ يجصّص به المسجد أ يسجد عليه؟ قال: فكتب (عليه السلام) اليّ بخطّه:

انّ الماء و النّار قد طهّراه» و هو كما ترى مدّعى و دليلا.

و كيف كان فالخبر رواه الكافي في 3 من باب ما يسجد عليه، 27 من صلاته و الفقيه في 6 من باب ما يسجد عليه، 13 من صلاته و التّهذيب في 136 من 11 من صلاته و هو خبر صحيح السّند و هو دالّ على جواز السّجود على الجصّ المطبوخ حيث جعل جواز أصله مفروغا عنه، و انّما سأل عن الإيقاد عليه بالعذرة و عظام الموتى، و اقتصر المصنّف في مطهّريّة النّار على ما مرّ و أفتى الصّدوق و الشّيخان و الدّيلميّ بتطهير النّار للدّم الواقع في القدر أيضا و هو ظاهر الكافي. روى في 18 من أنبذته باب المسكر يقطر منه في الطّعام) عن زكريّا بن آدم «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيها لحم كثير و مرق كثير، فقال (عليه السلام): يهراق المرق أو يطعمه لأهل الذّمّة أو الكلاب، و اللّحم فاغسله و كله، قلت: فان قطر فيها الدّم، فقال:

الدّم تأكله النّار ان شاء اللّه، قلت: فخمر أو نبيذ قطر في عجين أو دم، فقال:

فسد- الخبر».

و روى في 11 من أبواب ذبائحه، باب الدّم يقع في القدر صحيحا)

135

عن سعيد الأعرج، عن الصّادق (عليه السلام) «سألته عن قدر فيها جزور وقع فيها مقدار أوقية من دم أ يؤكل؟ فقال (عليه السلام): نعم لأنّ النّار تأكل الدّم» و رواه الفقيه.

و عن كتاب عليّ بن جعفر، عن أخيه (عليه السلام) «سألته عن قدر فيها ألف رطل ماء يطبخ فيها لحم وقع فيها أوقية دم هل يصلح أكله؟ فقال: إذا طبخ فكل، فلا بأس».

هذه أخباره ثلاثة، و أمّا إفتاء من قلنا: ففي مقنع الصّدوق «و ان وقع في القدر قطرة دم فلا بأس فإنّ الدّم تأكله النّار».

و في مقنعه المفيد «و إذا وقع دم في قدر يغلي على النّار جاز أكل ما فيها بعد زوال عين الدّم و تفريقها بالنّار و ان لم تزل عين الدّم منها حرم ما خالطه الدّم و حلّ منها ما أمكن غسله بالماء».

و في نهاية الشّيخ «و إذا كانت القدر تغلي على النّار فوقع فيها شي‌ء من الخمر أهريق ما فيها من المرق و غسل اللّحم و أكل بعد ذلك فإن حصل فيها شي‌ء من الدّم و كان قليلا، ثمّ غلا جاز أكل ما فيها لأنّ النّار تحيل الدّم و ان كان كثيرا لم يجز أكل ما وقع فيه».

و في مراسم الدّيلميّ الطّعام على ضربين: نجس و غير نجس، فالنّجس حرام و هو على ضربين نجس بمباشرة الكفّار و نجس بوقوع نجاسة فيه فالأوّل يحرم على كلّ حال، و الثّاني على ضربين أحدهما تزيل النّار حكم نجاسته و الآخر لا تزيل فالأوّل ما وقع فيه دم من المرق فأغلى فإنّه يزول حكم نجاسته و يحلّ أكله».

و أغرب سرائر الحليّ فلم يراجع الّا نهاية الشّيخ، و قال بعد نقل ما فيه:

«هو رواية شاذّة و ما عهدنا و لا ذهب أحد من أصحابنا الى أنّ المائع النّجس يطهر بالغليان الّا العصير إذا ذهب ثلثاه». و قوله ذاك صار سببا لكونه عند المتأخّرين نسيا منسيّا حتّى لم يشيروا الى وجود قول به أو خبر به، و الوسائل‌

136

في 44 من أبواب أطعمته نقل خبر سعيد الأعرج و خبر كتاب عليّ بن جعفر (عليه السلام) و قال: محمولان على التّقيّة أو على الدّم الذي يتخلّف في الذّبيحة بين اللّحم، و هو كما ترى فلا معنى للحمل على التّقيّة بعد إفتاء أولئك المشايخ، و الحمل على اللّحم المتخلّف لا يتأتّى في خبر زكريّا.

و هل النّار يطهّر العجين الذي عجن بماء متنجّس؟ للشّيخ في النّهاية قولان: أحدهما العدم، و يدلّ عليه ما رواه الكافي (في 18 من أنبذته) عن زكريّا بن آدم، عن أبي الحسن (عليه السلام)- في خبر- «قلت فخمر أو نبيذ قطر في عجين أو دم، فقال فسد- الخبر».

و ما رواه التّهذيب (في 24 من مياهه، 8 من زيادات طهارته) عن ابن أبي عمير، عن بعض أصحابنا- و ما أحسبه إلّا حفص بن البختريّ «قيل للصّادق (عليه السلام) في العجين يعجن من الماء النّجس كيف يصنع به؟ قال: يباع ممّن يستحلّ أكل الميتة».

و في 25 عنه عن بعض أصحابه، عنه (عليه السلام) «قال: يدفن و لا يباع».

قلت: و لا بدّ أنّ المراد ما في الأوّل من كون الموضوع عجين عجن بماء نجس.

و يدلّ على التطهير ما رواه في 22 منه، عن أحمد بن محمّد بن عبد اللّه بن الزّبير، عن جدّه، عنه (عليه السلام) «سألته عن البئر تقع فيها الفأرة أو غيرها من الدّوابّ فتموت فيعجن من مائها أ يؤكل ذلك الخبز؟ قال: إذا أصابه النّار فلا بأس بأكله».

و في 23 عن محمّد بن أبي عمير، عمن رواه، عنه (عليه السلام) «في عجين عجن و خبز، ثمّ علم أنّ الماء كانت فيه ميتة، قال: لا بأس أكلت النّار ما فيه».

و في التّهذيب عمل بخبر العدم و لكن مورد أخبار التّطهير كون الماء النّجس من البئر و أخبار العدم من غيره، و الاستبصار روى في 15 من أبواب طهارته أوّلا خبري «أكل النّار ما فيه» ثمّ خبري عدم التّهذيب و مال الى‌

137

العمل بالأوّلين و قال: و يحتمل أن يكون المراد بالأخيرين ماء تغيّر أحد أوصافه، و الأوّلان متناولان لماء البئر الذي ليس ذلك حكمه، و يمكن تطهيره بالنّزح لأنّ ذلك أخفّ نجاسة من الماء المتغيّر بالنّجاسة.

و كيف كان فحيث إنّ خبري التطهير لم يروهما الكافي و الفقيه و لم يفت بهما غير الشّيخ على تردّد مرّ فلا عبرة بهما.

[و نقص البئر]

(و نقص البئر)

و المراد بنزح ما عيّن كسبعين لموت الإنسان و لو كان عبّر بنزح المقدّر كان أحسن، و لعلّه لأنّ في بعضها لم يعيّن العدد.

روى الكافي (في أوّل 4 من طهارته) عن محمّد بن إسماعيل بن بزيع «كتبت الى رجل أسأله أن يسأل الرّضا (عليه السلام) عن البئر يكون في المنزل للوضوء فيقطر فيها قطرات من بول أو دم أو يسقط فيها شي‌ء من عذرة كالبعرة و نحوها ما الذي يطهّرها حتّى يحلّ الوضوء منها للصّلاة، فوقّع (عليه السلام) بخطّه في كتابه ينزح دلاء منها» لكن ينزّل في مثله على عشرة.

[و ذهاب ثلثي العصير]

(و ذهاب ثلثي العصير)

روى الكافي (في 16 من أنبذته أوّلا) عن عبد اللّه بن سنان، عن الصّادق (عليه السلام) كلّ عصير أصابته النّار فهو حرام حتّى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه».

و أخيرا عن محمّد بن الهيثم، عن رجل، عنه (عليه السلام) «سألته عن العصير يطبخ بالنّار حتّى يغلي من ساعته فيشربه صاحبه، قال: إذا تغيّر عن حاله و غلى فلا خير فيه حتّى يذهب ثلثاه و يبقى ثلثه».

قال الشّارح: «على القول بنجاسته» قلت: لم يقل أحد بنجاسته ما لم يغل، روى الكافي (في أوّل 15 من أنبذته) عن حمّاد بن عثمان، عن الصّادق (عليه السلام) «لا يحرّم العصير حتّى يغلي».

[و الاستحالة]

(و الاستحالة)

لم يذكرها في ضمن (و النّار ما أحالته رمادا أو دخانا) لأنّ المراد هنا ما يصير استحالة بنفسه لا بنار و غيرها كالميتة تصير ترابا و كذا ميّت الكافر و كالعذرة تصير دودا.

138

و مثّل الشارح للاستحالة بماء نجس يصير بولا لحيوان مأكول، لكنّه غير معلوم روى الكافي (في 5 من 6 من أطعمته) عن موسى بن أكيل، عن بعض أصحابنا، عن الباقر (عليه السلام): «في شاة شربت بولا ثمّ ذبحت، فقال: يغسل ما في جوفها ثمّ لا بأس به، و كذلك إذا اعتلفت العذرة ما لم تكن جلّالة- و الجلّالة الّتي تكون ذلك غذائها-».

و أشدّ من البول الخمر فلو شربت بولا دلّ الخبر المتقدّم على غسل ما في جوفها و أكلها، و أمّا لو شربت خمرا فلا يؤكل ما في جوفها روى الكافي (في 4 ممّا مرّ) عن زيد الشّحّام، عن الصّادق (عليه السلام) «في شاة تشرب خمرا حتّى سكرت ثمّ ذبحت على تلك الحال، قال: لا يؤكل ما في بطنها».

[و انقلاب الخمر خلًّا]

(و انقلاب الخمر خلًّا)

روى الكافي (في أوّل 23 من أنبذته) عن أبي بصير، عن الصّادق (عليه السلام) «سألته عن الخمر يصنع فيه الشي‌ء حتّى تحمض؟

قال: إذا كان الذي صنع فيها هو الغالب على ما صنع فيه فلا بأس» و رواه التّهذيب في 246 من ذبايحه عن كتاب الحسين بن سعيد.

و في ثانيه عن زرارة، عن الصّادق (عليه السلام) «سألته عن الخمر العتيقة تجعل خلًّا؟ قال: لا بأس» و رواه التّهذيب في 239 من ذبايحه عن الكافي.

و في ثالثة عن عبيد بن زرارة، عنه (عليه السلام) «سألته عن الرّجل يأخذ الخمر فيجعلها خلًّا؟ قال: لا بأس» و رواه التّهذيب في 240 ممّا مرّ عن كتاب الحسين بن سعيد.

و أخيرا عن أبي بصير، عنه (عليه السلام) «سألته عن الخمر تجعل خلا؟ قال:

لا بأس إذا لم يجعل فيها ما يغلبها» و رواه التهذيب في 241 ممّا مرّ) عن كتاب الحسين و فيه «ما يقلّبها».

و روى التّهذيب (في 242 ممّا مرّ) عن عبيد بن زرارة، عنه (عليه السلام) «في الرّجل إذا باع عصيرا فحبسه السّلطان حتّى صار خمرا فجعله صاحبه خلًّا،

139

فقال: إذا تحوّل عن اسم الخمر فلا بأس به».

و في 243 ممّا مرّ عن محمّد بن أبي عمير، و عليّ بن حديد، عن جميل، عنه (عليه السلام) «قلت له: يكون لي على الرّجل الدّراهم فيعطيني بها خمرا، فقال:

خذها ثمّ أفسدها- قال عليّ: و اجعلها خلًّا-».

و في 244 منه عن عبد العزيز بن المهتدي «كتبت إلى الرّضا (عليه السلام):

العصير يصير خمرا فيصبّ عليه الخلّ و شي‌ء يغيّره حتّى يصير خلا؟ قال:

لا بأس به».

و روى في 245 منه عن محمّد بن مسلم، و أبي بصير، عن الصّادق (عليه السلام) «سئل عن الخمر يجعل فيه الخلّ، فقال: لا إلّا ما جاء من قبل نفسه». و حمله على أنّ الأولى أن يترك الخمر حتّى يصير خلًّا بنفسه لا بملح و غيره.

و روى المستطرفات عن جامع البزنطيّ، عن أبي بصير، عن الصّادق (عليه السلام) «سئل عن الخمر تعالج بالملح و غيره لتحوّل خلًّا؟ قال: لا بأس بمعالجتها، قلت: فإنّي عالجتها و طيّنت رأسها ثمّ كشفت عنها فنظرت إليها قبل الوقت أو بعده فوجدتها خمرا أ يحلّ لي إمساكها؟ قال: لا بأس بذلك إنّما إرادتك أن يتحوّل الخمر خلًّا و ليس إرادتك الفساد».

و روى الحميريّ في أخبار قرب إسناده إلى الكاظم (عليه السلام) (في عنوان باب ما يحلّ) عن عليّ بن جعفر، عنه (عليه السلام) «عن الخمر يكون أوّله خمرا ثمّ يصير خلًّا؟ قال: إذا ذهب سكره فلا بأس».

[و الإسلام]

(و الإسلام)

أي مطهّر لنجاسة الكفر غير الكتابي بالإجماع على نجاسته و الكتابيّ على الأصحّ كما مرّ.

[و تطهير العين و الأنف و الفم باطنها]

(و تطهير العين و الأنف و الفم باطنها و كل باطن بزوال العين)

روى الكافي (في 5 من باب ما يقطع الصّلاة 45 من صلاته) عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) في الرّجل يمسّ أنفه في الصلاة فيرى دما كيف يصنع أ ينصرف؟ قال: ان كان يابسا فليرم به و لا بأس».

140

و (في 5 من باب الثوب، 38 من طهارته) عن عمّار، عن الصّادق (عليه السلام) «سئل عن رجل يسيل من أنفه الدّم هل عليه أن يغسل باطنه؟- يعني جوف الأنف- فقال: إنّما عليه أن يغسل ما ظهر منه».

[ثمّ الطهارة اسم للوضوء و الغسل و التيمّم]

(ثمّ الطهارة اسم للوضوء و الغسل و التيمّم)

بل الطّهارة على قسمين: الطّهارة من الخبث و الطّهارة من الحدث، و إنّما الثاني اسم للوضوء و الغسل و التّيمّم، و أمّا استدلال الشارح لقول المصنّف على ما علم من تعريفها- و أشار إلى تعريف المصنّف له «باستعمال طهور مشروط بالنّية» فشي‌ء هو قاله و لا سند له و لو كان الأمر كما قال لكان عليه أن لا يذكر في كتاب الطّهارة، إلّا تلك الثلاثة و إنّما «الطّهور» اسم للثلاثة لا «الطّهارة» قال في الفقيه في أوّل صلاته باب أقسام الصلاة: «قال الصّادق (عليه السلام): الصلاة ثلاثة أثلاث: ثلث طهور و ثلث ركوع و ثلث سجود» و قال بعده (في باب وقت وجوب الطهور): «قال الباقر (عليه السلام): إذا دخل الوقت وجب الطهور.

و الصلاة، و لا صلاة إلّا بطهور».

و أمّا قوله تعالى «وَ أَنْزَلْنٰا مِنَ السَّمٰاءِ مٰاءً طَهُوراً» فلا ينافي ما قلنا.

في الطّهور المجرّد. و أمّا «ماء طهور» فكالطهارة أعمّ من الحدث و الخبث.

و ممّا يشهد لكون الطّهور اسما للثلاثة ما رواه العلل (في 230 من أبواب أوّله) عن أبي بصير، عن الصادق، عن آبائه، عن أمير المؤمنين (عليهم السلام) «لا ينام المسلم و هو جنب، و لا ينام إلّا على طهور، فإن لم يجد الماء فليتمّم بالصعيد- الخبر».

و يمكن أن يكون «التطهير» مثل «الطّهور» روى الكافي (في 5 من باب صلاة فاطمة (عليها السلام) و غيرها، 92 من صلاته) عن محمّد بن كردوس، عن الصّادق (عليه السلام): «من تطهّر ثمّ أوى إلى فراشه بات و فراشه كمسجده- الخبر».

[فهنا فصول ثلاثة:]

(فهنا فصول ثلاثة:)

[الفصل الأول في الوضوء]

(الأول في الوضوء)

قال الشّارح: «بالضّم- اسم للمصدر و المصدر التّوضّأ، و- بالفتح- الماء الذي يتوضّأ به». قلت:

141

نقل الجوهريّ تفصيله عن الأخفش، و نقل نهاية الجزريّ عن سيبويه مجي‌ء الوضوء- بالفتح- للمصدر. و نقل مصباح الفيّوميّ الضمّ عن أبي عبيد، و قال: قال: المفتوح اسم يقوم مقام المصدر كالقبول يكون اسما و مصدرا، و قال:

قال الأصمعيّ: قلت لأبي عمرو بن العلاء: ما الوضوء؟- يعني بالفتح- فقال:

الماء الذي يتوضّأ به، قلت: فما الوضوء؟- يعني بالضمّ- قال: لا أعرفه- إلخ».

[و موجبه البول و الغائط و الريح و النوم و مزيل العقل]

(و موجبه البول و الغائط و الريح)

روى الكافي (في أوّل باب ما ينقض الوضوء، 23 من طهارته) عن سالم أبي الفضل، عن الصّادق (عليه السلام) «ليس ينقض الوضوء إلّا ما خرج من طرفيك الأسفلين اللّذين أنعم اللّه عليك بهما».

و في 13 منه عن أبي بصير، عنه (عليه السلام) «سألته عن الرّعاف و الحجامة و كلّ دم سائل، فقال: ليس في هذا وضوء إنّما الوضوء من طرفيك اللّذين أنعم اللّه بهما عليك».

و في 2 منه عن زكريّا بن آدم «سألت الرّضا (عليه السلام) عن الناسور أ ينقض الوضوء؟ قال: إنّما ينقض الوضوء ثلاث البول و الغائط و الرّيح».

و في 3 منه عن معاوية بن عمّار، عنه (عليه السلام) «إنّ الشّيطان ينفخ في دبر الإنسان حتّى يخيّل إليه أنّه خرج ريح، فلا ينقض الوضوء الّا ريح تسمعها أو تجد ريحها».

و روى العيون (في 33 من أبوابه) عن الفضل بن شاذان، عن الرّضا (عليه السلام)- في خبر طويل- «فإن قال: فلم وجب الوضوء ممّا خرج من الطرفين؟

قيل: لأنّ الطّرفين هما طريق النجاسة و ليس للإنسان طريق تصيبه النّجاسة من نفسه الّا منهما فأمروا بالطّهارة عند ما تصيبهم تلك النّجاسة من أنفسهم».

و روى (في 29 من أبوابه في أخباره المنثورة) عن إسماعيل بن بزيع، عن الرّضا (عليه السلام) «قال أبو جعفر (عليه السلام): لا ينقض الوضوء الّا ما خرج من طرفيك اللّذين جعلهما اللّه لك- أو قال: اللّذين أنعم اللّه بهما عليك-».

142

و روى في 32 منها (في ما كتب الرّضا (عليه السلام) إلى محمّد بن سنان في جواب مسائله في العلل) و علّة التخفيف في البول و الغائط لأنّه أكثر و أدوم من الجنابة فرضي فيه بالوضوء لكثرته و مشقّته و مجيئه بغير إرادة منهم و لا شهوة- الخبر».

و روى (في 34 من أبوابه في ما كتبه (عليه السلام) للمأمون)- في خبر- «و لا ينقض الوضوء إلّا غائط أو ريح أو نوم أو جنابة».

و روى التّهذيب (في 2 من أوّله) عن زرارة، عن أحدهما (عليهما السلام) «لا ينقض الوضوء إلّا ما خرج من طرفيك أو النوم».

و في (36 من أخبار أوّله) عن أديم بن الحرّ، عن الصّادق (عليه السلام) «ليس ينقض الوضوء إلّا ما خرج من طرفيك الأسفلين».

و روى التّهذيب في 20 عن عمّار، عنه (عليه السلام) «سئل عن الرّجل يكون في صلاته فيخرج منه حبّ القرع كيف يصنع؟ قال: إذا خرج نظيفا من العذرة فليس عليه شي‌ء و لم ينقض وضوءه و إن خرج متلطّخا بها فعليه أن يعيد الوضوء».

و أفتى الفقيه بمعناه بعد 2 من 15 من أوّله، و نسبه الكافي (في باب ما ينقض الوضوء) إلى الرّواية.

و أمّا قول الفقيه (في آخر 15 من أوّله) «و إذا مسّ الرّجل باطن دبره أو باطن إحليله فعليه أن يعيد الوضوء و إن كان في الصّلاة قطعها و توضّأ و أعادها و إن فتح إحليله أعادهما» فاستند فيه إلى خبر عمّار، عنه (عليه السلام) و قد رواه التّهذيب (في 15 من أحداث زيادات طهارته) فما تفرّد به عمّار لا يعمل به و مسّ باطن الإحليل شي‌ء غير ممكن.

و في المختلف: قال الإسكافيّ «من مسّ ما انضمّ عليه الثقبان نقض وضوءه، و مسّ ظهر الفرج من الغير إذا كان بشهوة فيه الطّهارة واجبة في المحلّل و المحرّم احتياطا، و مسّ باطن الفرجين من الغير ناقض للطّهارة من المحلّل و المحرّم» و استدلّ له بخبر عمّار المتقدّم و بما رواه التّهذيب (في 56 من‌

143

أوّله) عن أبي بصير، عنه (عليه السلام) «إذا قبّل الرّجل المرأة من شهوة أو مسّ فرجها أعاد الوضوء».

قلت: هو محمول على التّقيّة و قد روى التّهذيب في 54 و 57 و 58 و 59 ممّا مرّ عدم أثر للقبلة و مسّ الفرج.

(و النوم الغالب على السّمع و البصر)

النّوم الغالب على السّمع يستلزم الغلبة على جميع الحواسّ فكان عليه الاقتصار على الأوّل، أو يؤخّر السّمع.

روى الكافي في 16 من (باب ما ينقض الوضوء) عن سعد، عن الصّادق (عليه السلام) «أذنان و عينان، تنام العينان و لا تنام الأذنان و ذلك لا ينقض الوضوء فإذا نامت العينان و الأذنان انتقض الوضوء».

و روى التّهذيب (في 11 من أوّله) عن زرارة «قلت له: الرّجل ينام و هو على وضوء- إلى أن قال- فقال: قد تنام العين و لا ينام القلب و الأذن فإذا نامت العين و الأذن و القلب فقد وجب الوضوء».

و روى الكافي (في 14 ممّا مرّ) عن معمّر بن خلّاد «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل به علّة لا يقدر على الاضطجاع- إلى أن قال- إذا خفي عليه الصوت فقد وجب الوضوء».

و مثل السّمع، القلب لكونهما متلازمين روى الخصال في خبر أربعمائته عن أمير المؤمنين (عليه السلام) «إذا خالط النّوم القلب وجب الوضوء».

و يعبّر عن الغلبة على السّمع بذهابه بالعقل، روى التّهذيب في 4 ممّا مرّ عن محمّد بن عبيد اللّه، و عبد اللّه بن المغيرة «سألنا الرّضا (عليه السلام) عن الرّجل ينام على دابّته، فقال: إذا ذهب النّوم بالعقل فليعد الوضوء».

و روى الكافي (في 6 من 23 من أوّله، باب ما ينقض الوضوء) عن زرارة، عن الباقر، و الصّادق (عليهما السلام)- في خبر- «و النّوم حتّى يذهب العقل» و رواه التّهذيب عن الكافي في 12 ممّا مرّ.

144

و يعبّر عنه أيضا بوجدان طعم النّوم، روى التّهذيب (في 10 ممّا مرّ) عن زيد الشّحّام «سألت الصّادق (عليه السلام) عن الخفقة و الخفقتين، فقال: ما أدري ما الخفقة و الخفقتين إنّ اللّه تعالى يقول «بَلِ الْإِنْسٰانُ عَلىٰ نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ» إنّ عليّا (عليه السلام) كان يقول: من وجد طعم النّوم فإنّما أوجب عليه الوضوء».

و رواه الكافي (في 15 من باب ما ينقض الوضوء، 23 من أوّله) عن عبد الرّحمن بن الحجّاج مثله إلّا أنّه زاد بعد «طعم النّوم» «قائماً أو قاعدا» و هو غريب فلعلّ الأصل واحد و الآخر تحريف.

و أمّا ما رواه الفقيه (في 7 من 15 من أوّله) عن سماعة «سأله عن الرّجل يخفق رأسه و هو في الصلاة قائماً أو راكعا، قال: ليس عليه وضوء».

و في 8 منه مرفوعا عن الكاظم (عليه السلام) «و سئل عن الرّجل يرقد و هو قاعد هل عليه وضوء؟ فقال: لا وضوء عليه ما دام قاعدا إن لم ينفرج» فمحمولان على عدم معلوميّة سقوط سمعه.

و كذا ما رواه التّهذيب (في 6 من أوّله) عن عمران بن حمران، عن عبد صالح «من نام و هو جالس لا يتعمّد النّوم فلا وضوء عليه».

و في 7 منه عن بكر بن أبي بكر الحضرميّ «سألت الصّادق (عليه السلام) «هل ينام الرّجل و هو جالس؟ فقال: كان أبي يقول: إذا نام الرّجل و هو جالس مجتمع فليس عليه وضوء، و إذا نام مضطجعا فعليه الوضوء» فمحمولان أيضا على عدم التحقّق.

فروى في 8 منه عن أبي الصّباح الكنانيّ، عنه (عليه السلام) «سألته عن الرّجل تخفق و هو في الصّلاة فقال: إن كان لا يحفظ حدثا منه إن كان فعليه الوضوء و إعادة الصّلاة، و إن كان يستيقن أنّه لم يحدث، فليس عليه وضوء و لا إعادة».

و روى الفقيه (في 3 ممّا مرّ) عن عبد الرّحمن البصريّ «قال له (عليه السلام)

145

«أجد الرّيح في بطني حتّى أظنّ أنّها قد خرجت، قال: ليس عليك وضوء حتّى تسمع الصّوت أو تجد الرّيح- ثمّ قال: إنّ إبليس يجلس بين أليتي الرّجل فيحدث ليشكّكه».

(و مزيل العقل)

الأصل فيه في ما أعلم المفيد نقل أوّل التّهذيب عنه أنّه عدّ في ما يوجب الطّهارة من الأحداث المرض المانع من الذّكر كالمرّة الّتي ينغمر بها العقل و كالإغماء، و استدلّ له في 14 من أخباره بما رواه الكافي في 14 من باب ما ينقض الوضوء عن معمّر بن خلّاد «سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن رجل به علّة لا يقدر على الاضطجاع، و الوضوء يشتدّ عليه و هو قاعد مستند بالوسائل فربّما أغفى و هو قاعد على تلك الحال؟ قال: يتوضّأ، قلت له: انّ الوضوء يشتدّ عليه، فقال: إذا خفي عنه الصّوت فقد وجب الوضوء عليه» يدلّ على ما ذكره من اعادة الوضوء من الإغماء و المرّة و كلّ ما يمنع من الذكر، و هو كما ترى فليس المراد منه الّا النّوم و النّوم يشترط فيه.

سقوط السّامعة و خفاء الصّوت عنه.

(و الاستحاضة)

بأقسامها الثلاثة فإنّها مشترك في إيجاب الوضوء و انّما تختلف في إيجاب الغسل و عدمه، و وحدته و تعدّده كما يأتي.

هذا، و المصنّف اقتصر في موجبات الوضوء على هذه التّسعة، و المفيد عدّها عشرة و جعلها موجبات للطّهارات الثلاث: الوضوء و الغسل و التّيمّم، ففي أوّل التّهذيب «ذكر الشّيخ أيّده اللّه تعالى: أنّ جميع ما يوجب الطّهارة من الأحداث عشرة أشياء و هي النّوم الغالب على العقل، و المرض المانع من الذّكر كالمرّة الّتي ينغمر بها العقل، و الإغماء، و البول، و الرّيح، و الغائط و الجنابة، و الحيض للنّساء، و الاستحاضة منهنّ، و النّفاس، و مسّ الأموات من النّاس بعد برد أجسامهم بالموت و ارتفاع الحيوة منها، و ليس يوجب الطّهارة شي‌ء من الأحداث سوى ما ذكره على حال من الأحوال».

و ما ذكره صحيح لا يرد عليه شي‌ء لكن في ثانيها قد عرفت عدم نصّ فيه.

146

قال الشّارح بعد قول المصنّف: «و موجبه البول و الغائط و الرّيح»:

«إطلاق الموجب على هذه الأسباب باعتبار إيجابها الوضوء عند التكليف بما هو شرط فيه كما يطلق عليها الناقض باعتبار عروضها للمتطهّر، و السّبب أعمّ منهما مطلقا كما أن بينهما عموما من وجه فكان التعبير بالسّبب أولى».

قلت: و حيث إنّ القدماء عبّروا إمّا بما يوجب كما عرفت من المقنعة و إمّا بما ينقض كالكافي و الفقيه فعقدا بابا لما ينقض الوضوء و ما لا ينقضه، و المناسب التعبير بما عبّروا دون شي‌ء غير مأنوس كالوافي الذي اخترع لكتب الفقه و أبوابها شيئا لنفسه و ما قاله من النسب بين الثلاثة يعرف من خصوصيّات أحكامها.

ثمّ ذكر هذا هنا فهل هذه الثّلاثة فقط من موجبات الوضوء و النّوم و باقي ما عدّ ليسا من موجباته.

[و واجبه]

(و واجبه)

[النّية مقارنة لغسل الوجه]

(النّية مقارنة لغسل الوجه مشتملة على الوجوب و التقرّب و الاستباحة)

بعد كون الموضوع الوضوء النيّة جزؤه فمن يغسل وجهه لو قيل له: أيّ شي‌ء تفعل؟ فيقول: أتوضّأ فلا بدّ أنّه نوى حسب كلّ عمل يأتي به الإنسان و لو غسل وجهه لا للوضوء لا يكفي عن غسل وجه واجب في الوضوء.

و أمّا الاشتمال على الوجوب فغير معلوم أيضا حيث إنّ الوضوء يصح في كلّ ساعة من ساعات اللّيل و النّهار و ما دام لم يبطله يجوز الصلاة معه فلو توضّأ و لم ينو الوجوب كان وضوؤه صحيحا، و لو كان الوقت داخلا بخلاف الصّلوات اليوميّة الّتي لها وقت و لا يجوز الإتيان بها إلّا بعد تيقّن دخول وقتها يلزم الوجوب فيها قهرا، نعم في الوضوء لو ابتدع و قال بعد دخول وقت الصّلاة: إنا أتوضّأ لا واجبا لا يبعد بطلانه فلا صلاة إلّا بطهور.

و امّا الاستباحة أو قصد رفع الحدث «عن المبسوط يشترط أحدهما تخييرا فلغو أيضا حيث إنّهما يحصلان قهرا للمتوضّئ كما أنّ من أكل أو شرب‌

147

يحصل الشّبع و الرّي له قهرا كما أنّه قال: لو نوى قراءة القرآن أو دخول المسجد لم يرفع حدثه» و تبعه الحليّ مع أنّ رفع الحدث طبيعته و لو كان للنّوم على الطّهارة ليلا و لجماع الحامل، و إنّما لم يرفع الحدث في وضوء الحائض لذكر اللّه مقدار صلاتها، و للعود الى الجماع.

و امّا القربة فهي شرط كلّ عبادة قال تعالى «وَ مٰا أُمِرُوا إِلّٰا لِيَعْبُدُوا اللّٰهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ» و في باب نيّة هداية الصّدوق «كلّ عمل من الطّاعات إذا عمله العبد يريد به التقرّب إلى اللّه عزّ و جلّ فهو على نيّة، و كلّ عمل عمل العبد من الطّاعات يريد به غير اللّه فهو عمل بغير نيّة و هو غير مقبول» جعل هذا معنى «إنّما الأعمال بالنّيّات».

و عن أبي حنيفة عدم وجوب القربة و جواز نيّة غير الوضوء بغسل وجهه و يديه و بمسحه ففي مسائل صاغانيّة شيخنا المفيد: زعم أبو حنيفة أنّ من كان محدثا بما يوجب الطّهارة بالغسل أو الوضوء فاغتسل على طريق التبرّد أو اللّعب و لم يقصد بذلك الطّهارة و لا نوى به القربة أو غسل وجهه على طريق الحكاية أو اللّعب و غسل يديه كذلك و مسح رأسه و غسل رجليه كذلك أو جعل ذلك علامة بينه و بين امرأة في الاجتماع بالفجور أو أمارة على قتل مؤمن أو استهزاء به فان ذلك على جميع ما ذكرناه مجز عن الطّهارة الّتي جعلها اللّه قربة. قال المفيد: فخالف القرآن في آية الإخلاص و ردّ على النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) قوله «إنّما الأعمال بالنّيّات» و «لكلّ امرئ ما نوى» و خالف العلماء.

و أمّا ما قاله المرتضى في 9 من مسائل طهارة انتصاره على أنّ الصلاة رياء لا ثواب لها و لكنّها مسقطة للإعادة فكقوله بعدم وجوب الابتداء في غسل اليد بالمرفق. خلاف الإجماع.

و بالجملة النيّة في العبادات كالنيّة في سائر الأعمال ليست إلّا العزم على الإتيان بعمل و هو أمر بسيط لا تعدّد فيه و ما ذكروه من أنّها عبارة من الحديث النفسي و التصوير الفكري هو عنها بمراحل.

148

و قلنا: انّ قصد الوجوب و الاستحباب في الوضوء غير لازم لكن لا يجوز أن يقصد بالمستحبّ الواجب، و بالواجب المستحبّ لكونه تشريعا، أمّا لو- اعتقد دخول الوقت و لم يكن بداخل أو اعتقد عدم الدّخول و نوى الاستحباب لم يكن مضرّا، نظير صوم شهر رمضان لو نوى فيه غيره لم يفع هو و لا غيره لكونه تشريعا، أمّا لو لم يكن الشّهر ثابتا فنوى به صوم شعبان أو قضاء الماضي ثمّ ثبت الشّهر يجزي عنه، ففي خبر الزّهريّ عن السّجّاد (عليه السلام) «لو أنّ رجلا صام يوما من شهر رمضان تطوّعا و هو لا يعلم أنّه من شهر رمضان ثمّ علم بعد ذلك أجزأ عنه لأنّ الفرض انّما وقع على اليوم بعينه».

و العجب أنّ ابن العلّامة الفخر صنّف رسالة في تعليم النّاس النيّة في العبادات مع أنّ الشّرع لم ينقل النيّة عن معناها العرفيّ الذي هو مرتكز في ذهن كلّ إنسان عند الإتيان بمراداته بل في كلّ حيوان في حركاته و سكناته فعرّفوا الحيوان بأنّه متحرّك بالإرادة، و الذي أراد الشّرع في الوضوء إتيانه تقرّبا لكونه عبادة و الوضوء بعنوانه لا يمكن فيه عدم القصد أو قصد آخر، و انّما غسل الوجه و اليدين و مسح الرّأس و الرّجلين يمكن فيهما قصد آخر، و لو كان، لم يقع الوضوء.

[و جرى الماء على ما دارت عليه الإبهام و الوسطى]

(و جرى الماء على ما دارت عليه الإبهام و الوسطى عرضا و ما بين القصاص الى آخر الذقن طولا)

أمّا كفاية جري الماء فروى التّهذيب (في 72 من حكم جنابته 6 من أبواب أوّله) عن زرارة، عن الباقر (عليه السلام) في الوضوء قال: «إذا مسّ جلدك الماء فحسبك» و رواه الكافي في 7 ممّا يأتي.

و في 76 عن إسحاق بن عمّار، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) «أنّ عليّا (عليه السلام) كان يقول: الغسل من الجنابة و الوضوء يجزي منه ما أجزأ من الدّهن الذي يبلّ الجسد».

و روى الكافي (في 2 من 14 من أوّله، باب مقدار الماء) عن زرارة،

149

و محمّد بن مسلم، عن أبي جعفر (عليه السلام) «إنّما الوضوء حدّ من حدود اللّه ليعلم اللّه من يطيعه و من يعصيه، و إنّ المؤمن لا ينجّسه شي‌ء إنّما يكفيه مثل الدّهن».

و رواه التّهذيب في 78 ممّا مرّ، و نسبه الفقيه في 8 من أبوابه إلى الرّواية.

و روى في 4 ممّا مرّ عن زرارة، عنه (عليه السلام) «الجنب ما جرى عليه الماء من جسده قليله و كثيره فقد أجزأه» و رواه التّهذيب في 71 ممّا مرّ.

و روى التّهذيب (في 79 ممّا مرّ) عن محمّد بن عليّ الحلبيّ، عن الصّادق (عليه السلام) «أسبغ الوضوء إن وجدت ماء، و إلّا فإنّه يكفيك اليسير».

و أمّا ما قاله في حدّ طول الوجه و عرضه فروى الكافي (في أوّل حدّ وجهه، 18 من أوّله) عن زرارة «قلت له: أخبرني عن حدّ الوجه الذي ينبغي له أن يتوضّأ الذي قال اللّه عزّ و جلّ، فقال: الوجه الذي أمر اللّه بغسله الذي لا ينبغي لأحد أن يزيد عليه و لا ينقص منه إن زاد عليه لم يوجر، و إن نقص منه أثم، ما دارت عليه السّبّابة و الوسطى و الإبهام من قصاص الرّأس إلى الذّقن و ما جرى عليه الإصبعان من الوجه مستديرا فهو من الوجه و ما سوى ذلك فليس من الوجه، قلت: الصّدغ ليس من الوجه؟ قال: لا» و رواه التّهذيب في 3 من 4 من أوّله عن الكافي مثله، لكن فيه «من قصاص شعر الرّأس».

و رواه الفقيه في أوّل حدّ وضوئه 10 من أوّله عنه، عن الباقر (عليه السلام).

و فيه «ما دارت عليه الوسطى و الإبهام من قصاص شعر الرّأس» و زاد في آخره «قلت له: أ رأيت ما أحاط به الشّعر؟ فقال: كلّ ما أحاط به من الشّعر فليس على العباد أن يطلبوه و لا يبحثوا عنه و لكن يجرى عليه الماء».

و الظّاهر زيادة‌

(السبّابة و)

في الكافي بشهادة السّياق و رواية الفقيه، بل و بقول الكافي بعد في خبره «و ما جرى عليه الإصبعان» و لا يصحّ إلّا أن يكون الأوّل «الوسطى و الإبهام».

و روى الكافي (في 4 ممّا مرّ) عن إسماعيل بن مهران «كتبت إلى الرّضا (عليه السلام) أسأله عن حدّ الوجه، فكتب من أوّل الشّعر إلى آخر الوجه‌

150

و كذلك الجبينان».

و رواه التّهذيب (في 4 من 4 من أوّله) عن الكافي، و لكن فيه «و كذلك الجبينين حينئذ». و روى الكافي (في آخر ما مرّ) عن زرارة، عن الباقر (عليه السلام) «إنّ أناسا يقولون: إنّ بطن الأذنين من الوجه و ظهرهما من الرّأس، فقال:

ليس عليهما غسل و لا مسح». و رواه التّهذيب في 5 ممّا مرّ عن الكافي مثله.

و روى الكافي (في 2 من 19 من أوّله) عن محمّد بن مسلم، عن الصّادق (عليه السلام) «الأذنان ليسا من الوجه و لا من الرّأس» و المراد لا يغسلان مع غسل الوجه و لا يمسحان مع مسح الرّأس في الوضوء و إنّما في الغسل هما من الرّأس يغسلان معه.

و أمّا قوله: «إلى آخر الذّقن طولا» فإنّما هو لو لم ينبت عليه شعر و إلّا فإلى آخر محادر الشّعر لأنّ الشّعر يكون حينئذ بمنزلة الذّقن.

[و تخليل خفيف الشّعر]

(و تخليل خفيف الشّعر)

و أمّا ما رواه الكافي (في 2 من حدّ وجهه، 18 من أوّله) عن محمّد بن مسلم، عن أحدهما (عليهما السلام) «سألته عن الرّجل يتوضّأ أ يبطن لحيته؟ قال: لا» فمحمول على ما لم يكن خفيفا. و رواه التّهذيب في 14 من 3 من زيادات طهارته.

يدلّ عليه ما رواه الفقيه (في أوّل 10 من أوّله) عن زرارة، عن أبي جعفر (عليه السلام) و التّهذيب (في 36 ممّا مرّ) عن زرارة «قلت له: أ رأيت ما كان تحت الشّعر؟ قال: كلّ ما أحاط به الشّعر فليس للعباد أن يغسلوه و لا يبحثوا عنه و لكن يجرى عليه الماء». و لفظ الفقيه «فليس على العباد» على ما في مطبوعه الآخوندي و خطّيته المصحّحة، و إن نقل الوافي و الوسائل كونه مثل التّهذيب، فترى أنّه صرّح بأنّ كلّ ما أحاط به الشّعر فليس له أو عليه أن يغسله و لا البحث عنه، و معنى البحث السّعي في الكشف قال تعالى «فَبَعَثَ اللّٰهُ غُرٰاباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ». و من ذلك يظهر لك ما في قول الشّارح: «و الأقوى عدم وجوب تخليل الشّعر مطلقا، وفاقا للمصنّف في الذّكرى و الدّروس‌

151

و للمعظم، مع أنّه، أين معظم، و لم ينقل عدم الوجوب إلّا عن المبسوط، و قال بالوجوب الإسكافيّ و المرتضى في ناصريّاته ممّن تعرّض من القدماء للعنوان.

[ثمّ اليمنى ثمّ اليسرى]

(ثمّ اليمنى من المرفق إلى أطراف الأصابع ثمّ اليسرى كذلك)

و يمكن أن يقال: بدل «من المرفق» «من السّاعد إلى آخره المتّصل بالذّراع» فيكون عبارة أخرى من المرفق الذي جمعه لفظ القرآن، روى الكافي (في 4 من صفة وضوئه 17 من طهارته) عن زرارة، عن الباقر (عليه السلام) «قال: أ لا أحكي لكم وضوء النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله)- إلى- ثمّ غمس يده اليسرى فغرف بها ملئها ثمّ وضعه على مرفقه اليمنى فأمرّ كفّه على ساعده حتّى جرى الماء على أطراف أصابعه، ثمّ غرف بيمينه ملئها فوضعه على مرفقه اليسرى فأمرّ كفّه على ساعده حتّى جرى الماء على أطراف أصابعه- إلى- قال: سأل رجل أمير المؤمنين (عليه السلام) عن وضوء النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فحكى له مثل ذلك».

و يدلّ أيضا على وجوب الابتداء من المرفق ما رواه (في 5 ممّا مرّ) عن زرارة، و بكير، عنه (عليه السلام) «سألاه عن وضوء النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) فدعا بطست أو تور فيه ماء- إلى- ثمّ غمس كفّه اليسرى تغرف بها غرفة فأفرغ على ذراعه اليمنى فغسل بها ذراعه من المرفق إلى الكفّ لا يردّها إلى المرفق، ثمّ غمس كفّه اليمنى فأفرغ بها على ذراعه اليسرى من المرفق فصنع بها مثل ما صنع باليمنى- الخبر».

و روى الكافي (في 5 من حدّ الوجه الذي يغسل و الذّراعين، 18 من أوّله) عن الهيثم بن عروة التّميميّ «سألت الصّادق (عليه السلام) عن قوله عزّ و جلّ «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ» فقلت: هكذا- و مسحت من ظهر كفّي إلى المرفق- فقال: ليس هكذا تنزيلها إنّما هي «فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ من الْمَرٰافِقِ» ثمّ أمرّ يده من مرفقه إلى أصابعه». و رواه التّهذيب‌

152

في 8 من 4 من أوّله عن الكافي و قال بعده: «و على هذه القراءة يسقط السؤال من أصله» و أشار إلى قوله أوّلا كيف تبدؤون بالمرفق و الآية «إِلَى الْمَرٰافِقِ» و أجاب بأن «إلى» في الآية بمعنى «مع». و أغرب الوافي فنقل الخبر عن الكافي و التّهذيب في باب صفة وضوئه بلفظ «إنّما هي فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَ أَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرٰافِقِ» و قال بعد الخبر «بيان» يعني أنّ تنزيلها بيان المغسول دون الغسل.

و لم نقف على خبر آخر بمضمونه و باقي أخبارنا قرّرت كون الآية بلفظ «إِلَى الْمَرٰافِقِ» فالخبر ساقط لكن تحقيق المقام أنّ اليد إذا أطلقت يراد بها الكفّ ففي المائدة «فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ مِنْهُ» و في النساء «فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَ أَيْدِيكُمْ» و لا يمسح في التيمّم إلّا ظهر الكفّ، و قال عزّ و جلّ «وَ السّٰارِقُ وَ السّٰارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمٰا» و لا يقطع منهما إلّا الكفّ مع إبقاء الإبهام، فقيّده في الوضوء بقوله «إِلَى الْمَرٰافِقِ» دلالة على أنّ يد الوضوء غير يد التيمّم يجب غسلها الى حدّ المرفق، لكن أجمله و فوّض تفصيله إلى السنّة حسب كثير من الأحكام فأوجب في قوله عزّ و جلّ «أَقِمِ الصَّلٰاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إِلىٰ غَسَقِ اللَّيْلِ» الظهرين و العشائين و في قوله جلّ و علا «وَ قُرْآنَ الْفَجْرِ» صلاة الصبح و لم يعيّن عدد الصلوات و لا عدد ركعاتها فكما بيّن النّبيّ (صلّى اللّه عليه و آله) عددها و عدد ركعاتها و فرائضها و سننها كذلك بيّن (صلّى اللّه عليه و آله) كيفيّة الوضوء عملا، و قد نقل أهل بيته الّذين هم أدرى بأقواله و أعماله كيفيّة عمله و أنّه (صلّى اللّه عليه و آله) شرع في الابتداء بالمرفق.

و خبط الحليّ فقال في باب كيفيّة وضوئه: «و غسل اليدين من المرفق و عند بعض هو واجب و الصّحيح أنّ خلافه شديد الكراهة حتّى جاء بلفظ الحظر، قال: بل القرآن يعضد مذهب من قال: انّ ذلك على الاستحباب و خلافه مكروه» فان القرآن لو رأى فيه لفظ «الى» يعضد ما قال، فكان عليه أن يقول كالناصر جدّ المرتضى «لا يجوز الابتداء من المرفق لا أنّه لا يجب بل‌