أنوار الفقاهة - كتاب التجارة

- الشيخ ناصر مكارم الشيرازي المزيد...
514 /
5

كلمة المؤلّف يحسن التنبيه على امور في هذه المقدّمة:

1- الفقه الإسلامي كافل لجميع الأحكام التي ترتبط بحياة الإنسان بنحو من الأنحاء، ارتباطه مع اللّه، ارتباطه مع الناس، ارتباطه مع عالم الخلقة و الطبيعة، ارتباطه مع نفسه، فعلى هذا لا يخلو شي‌ء من أعمال الإنسان صغيرها و كبيرها، حتّى نيّاته و أفكاره عن حكم فقهي.

و هذه الدائرة الوسيعة جدّا للفقه الإسلامي تكشف عن عظمته من جانب، و عن صعوبته و عمقه و المشاكل و المعضلات التي تواجه الفقهاء و المجتهدين من جانب آخر، و إليه يشير ما ذكره شيخنا الأعظم- (قدّس سرّه) الشريف)- في بعض كلماته: «الاجتهاد الذي هو أشدّ من طول الجهاد ...»!

فعلى من يقصد ورود هذا الميدان التهيّؤ للجهاد الواسع، و صرف وقته و جميع قواه الجسمانية و الروحانية في هذا السبيل، مع تحمّل مرارة العيش و المشاقّ في هذا السبيل، و من الواضح أنّ ثمرته أيضا عظيمة، و طافحة بالعنايات الإلهية و التأييدات الربّانية.

2- إنّما تدوم عظمة الفقه الإسلامي و يتقدّم و ينمو في ضوء فتح باب الاجتهاد على جميع العلماء الأعلام، و عدم حصره بجمع خاص من المتقدّمين، كما تدلّ عليه جميع الأدلّة الواردة في الكتاب و السنّة الناظرة إلى هذا المعنى، فليس فيها أي أثر من مقولة حصر الاجتهاد و استنباط الأحكام عن أدلّتها في طائفة خاصّة، أو فئة معيّنة.

و معه يقدر العلماء الكبار المتضلّعون في الفقه على الغور في مسائله، و كشف النقاب عن حقائقه، و الوصول إلى دقائق لم يصل إليها المتقدّمون منهم- جزاهم اللّه عن الإسلام خير الجزاء- و يتقدّم هذا العلم بمرور الزمان كتقدّم سائر العلوم الإسلامية و غيرها.

و لذا نرى الذين أغلقوا باب الاجتهاد في الفقه على أنفسهم، و حصروه في أئمّتهم الأربعة، و منعوا الباقين أن يحوموا حول هذا الحمى، إنّهم لم يقدروا على التقدّم في هذا العلم إن لم نقل أنّه مال عندهم إلى الغروب و الافول، بينما نرى الفقهاء الذين اقتدوا بضياء أنوار‌

6

أهل بيت النبي (عليهم السلام) ازدهر الفقه عندهم قرنا بعد قرن و عصرا بعد عصر، حتّى بلغ الكثير من غاياته و أثمرت أغصانه، و طلعت أنواره، و لكن بحمد اللّه و منّه، يرى في الطائفة الاولى أيضا في هذه الأعصار حركة نحو التجاوب مع فقهاء أهل البيت (عليهم السلام) لفتح باب الاجتهاد بمصراعيه، و لعلّ اللّه يحدث بعد ذلك أمرا!

و من الجدير بالذكر أنّ فقهاء أهل البيت (عليهم السلام) لم يقنعوا بفتح باب الاجتهاد فقط، بل اتّفقوا في ضوء إرشادات الأئمّة المعصومين (عليهم السلام) على عدم جواز تقليد العوام للفقهاء الماضين ابتداء، و فرضوا عليهم وجوب التقليد عن العلماء الأحياء فقط، فكان ذلك عاملا لحياة الفقه و حركته إلى الإمام عندهم، مع ظهور آفاق جديدة في جميع شئونه و مسائله.

3- لا شكّ في أنّا نواجه اليوم مسائل كثيرة مستحدثة في أبواب المعاملات و العبادات لا بدّ من الجواب عنها، لأنّ الإسلام دين خالد و أحكامه خالدة إلى الأبد، و قد أكمل اللّه لنا دينه و أتمّ علينا نعمته، إذن فلا شي‌ء من هذه الأسئلة يبقى بلا جواب، بل وردت أحكامها في الاصول الكليّة و القواعد العامّة في الكتاب و السنّة و الإجماع و دليل العقل، و في ضوء الاهتداء بهذه الأنوار الإلهيّة (لا سيّما الكتاب و السنّة) نكشف النقاب عنها، أ لم تسمع ما ورد في خطبة حجّة الوداع عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله) «أيّها الناس ما من شي‌ء يقربكم إلى الجنّة و يباعدكم عن النار إلّا و قد أمرتكم به و ما شي‌ء يقربكم إلى النار و يباعدكم عن الجنّة إلّا و قد نهيتكم عنه» بل قد وردت روايات كثيرة عن أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) أنّه: «ما من شي‌ء تحتاج إليه الامّة إلى يوم القيامة إلّا و قد ورد فيه نصّ حتّى ارش الخدش!»‌

و لذا فالمجتهدين و الفقهاء ليس لهم صلاحية تشريع حكم من الأحكام، و وضع قانون من القوانين، و إنّما وظيفتهم استنباط أحكام المسائل المستحدثة عن مداركها الدينية و استخراجها من منابعها الشرعية، فلا نرى موضوعا من الموضوعات ممّا لا نصّ فيه حتّى تصل النوبة إلى الاجتهاد بمعناه الخاصّ (أي تشريع حكم فيه بالقياس أو الاستحسان أو غيرهما) بل كلّها واردة في النصوص الخاصّة أو الأدلّة العامّة و القوانين الكليّة.

4- ممّا يعجب الناظر في الفقه في بدء الأمر أنّ الجوامع الإنسانية تتبدّل و تتحوّل كلّ يوم مع أنّ اصول الأحكام الإسلامية ثابتة لا تتغيّر، و حلال محمّد (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) حلال إلى يوم القيامة و حرامه حرام إلى يوم القيامة، و مع ذلك تنطبق هذه الاصول الثابتة الخالدة على تلك‌

7

الحاجات المتغيّرة دائما!

و ليس ذلك إلّا من جهة عموم تلك الاصول و شمولها و جامعيّتها، كيف و قد صدرت من ناحية الخالق الحكيم العالم بعواقب الامور، الخبير بحاجات نوع الإنسان على مرّ الأيّام و الدهور، كما أنّ القوانين الطبيعية الإلهيّة ثابتة طول آلاف، بل ملايين سنة و لكن الإنسان مع ذلك يستخرج ما يحتاج إليه في حياته المتغيّرة في كلّ عصر و زمان من تلك القوانين الثابتة.

5- إنّ فقهائنا الأعلام- (قدّس اللّه أسرارهم)- و إن ألّفوا مئات بل آلاف من الكتب في جميع أبواب الفقه، من الطهارة إلى الدّيات، و من العبادات إلى المعاملات، إلّا أنّ هذا لا يعني بلوغ الفقه إلى غايته و وصوله إلى نهايته و عدم الحاجة إلى تأليف جديد في هذا العلم، فكم ترك الأوّل للآخر، و كم بلغ المتأخّر إلى ما لم يصل إليه المتقدّم، و لكلّ إنسان حظّه من العلم، فإنّه ليس مقصورا على قوم خاص، فلا يغرنّك وسوسة بعض القاصرين في ترك الجدّ و الاجتهاد في كلّ مسألة من مسائله، حتّى ما يعدّ من الواضحات المشهورات، فقد تأتي بالغوص في هذه البحار من الجواهر الثمينة و الدرر القيّمة ما لم يأتي به الأوائل!

و بهذا القصد و الامنية بدأنا في هذا الكتاب- أعني كتاب المكاسب من أنوار الفقاهة- و إن كتبت في هذا الباب كتبا كثيرة جدّا، عسى اللّه أن يجري على قلمي ما ينفع به هذه الامّة و يفتح لها بعض الأبواب المغلقة، فإنّ ليس هذا على اللّه بعزيز و سوف ترى في هذا الكتاب بحمد اللّه أبحاثا جديدة في مسائل مهمّة من البيوع و غيرها.

اللهمّ اجعله لنا ذخرا و كرامة و مزيدا و الحمد للّه ربّ العالمين.

قم المشرّفة- الحوزة العلمية ناصر مكارم الشيرازي شعبان المعظم/ 1415‌

8

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

9

كتاب التجارة

المكاسب المحرّمة:

قبل الشروع في البحث نقدّم امورا، و منه سبحانه نستمدّ التوفيق و الهداية.

الأوّل: اعمال الانسان

تنقسم أعمال الإنسان إلى ثلاثة أقسام:

ما يتكفّل ما بينه و بين ربّه- و هي العبادات.

و ما يكون بينه و بين غيره- و هي المعاملات بالمعنى الأعم.

و ما يكون بينه و بين نفسه- و هي الراجعة إلى الأخلاق و تهذيب النفوس.

و قد يذكر هنا قسم رابع و هو ما يكون بينه و بين ما يحيط به من منابع الحياة.

و لكن تفكيك هذه الامور من ناحية لا ينافي وجود ارتباط بينها من ناحية اخرى.

فالعبادات و إن كانت علاقة بين العبد و ربّه، و لكنّها لا تنفكّ غالبا ممّا يرتبط بغيره من اخوانه في الدين، كالحجّ الذي هو عزّ للإسلام و المسلمين، و صلاة الجمعة و الجماعة التي هي مبدأ قوّتهم و شوكتهم، كما أنّ الأخلاق الحسنة لها ارتباط باللّه تعالى، و توجب القرب إليه، و في نفس الوقت لها جنبة اجتماعية يدور عليها حسن نظام المجتمع البشري و صياغة التفاعل الاجتماعي بين أفراده.

الثّاني: اقسام الفقه

و من ناحية اخرى يقسّمون الفقه إلى ثلاثة أقسام:

«العبادات»، و «المعاملات بالمعنى الأعمّ»، و «السياسات».

فالاولى: تعرّف بما تعتبر فيها قصد القربة، و الغرض منها العبودية و التقرّب إلى اللّه تعالى‌

10

شأنه.

و الثّانية: ما يتعلّق بحقوق الناس في المجتمع و الاسرة.

الثّالثة: ما يتعلّق بأمر الحكومة و وظائفها، و يدخل في هذا القسم الحدود و الدّيات و القضاء و الجهاد و أمثال ذلك.

و المعاملات بنفسها تنقسم إلى أقسام كثيرة لا حاصر لها عقلا، فالحقوق الفردية و الاجتماعية و ما يتعلّق بنظام الاسرة كثيرة لا تندرج تحت حاصر، بل قد يتجدّد بعض الحقوق و ما يرتبط بها بمرور الزمان و إختلاف الأعصار.

و ذكر المحقّق (رحمه اللّه) في «الشرائع» و كذا المحقّق العاملي (رحمه اللّه) في «مفتاح الكرامة» للفقه أقساما أربعة:

العبادات (في عشرة كتب) و العقود (في خمسة عشرة) و الإيقاعات (في إحدى عشرة) و الأحكام (في اثنتي عشرة) فالمجموع ثمانية و أربعين كتابا.

و من المعلوم أنّ المعاملات بالمعنى الأخصّ ليست ممّا أسّسها الشارع المقدّس، كما أنّ سائر المعاملات الداخلة في المعنى الأعمّ و ما فيها من الحقوق كذلك، و هكذا كثير من السياسات.

نعم، العبادات ممّا أسّسها الشارع المقدّس، و أمّا في غيرها فحكمه يرجع إلى التهذيب و الهداية و الإصلاح و نفي الضارّ و تأييد النافع، و بالجملة عمل الشارع فيها هو الحذف تارة، و التوسعة اخرى.

ففي مثال نظام الإرث قد ينفي الإسلام شيئا منه كنفي ارث العصبة، و قد يثبت شيئا.

كإرث الإمام (عليه السلام) (لو لم نقل بأنّ إرث من لا وارث له من ناحية الحكومة كان ساريا قبل الإسلام).

و كون موقف الشارع المقدّس في المعاملات موقفا إمضائيا، و موقف حذف و إصلاح، هو الحجر الأساس لهذا البحث، و المفتاح لحلّ كثير من مشاكله، فكلّما كان رائجا بين العقلاء و أهل العرف و لم ينه عنه الشارع أمضاه بسكوته و تقريره.

و إن شئت قلت: إنّ الشارع أمر في أبواب العبادات بالتوقف حتّى يأتي منه البيان؛ عموما و خصوصا.

11

و أمّا في المعاملات بالمعنى الأخصّ و الأعمّ، فكان الناس يستمرّون على ما هم عليه إلّا أن يمنعهم الشرع.

و الظاهر أنّ كثرة الأسئلة و الرّوايات في مباحث العبادات و قلّتها في أبواب المعاملات نشأت من هذا الموقف.

الثّالث: من أين نشأ البيع و الشراء بين الناس؟

لا يسعنا بيان تاريخ معيّن لهذا الأمر، و الثابت إنّه أمر يعود إلى أزمنة غابرة، ماضية جدّا، من بدء معرفة الإنسان بشخصه.

فإذا تملّك شخص أشياء من طريق الحيازة و غيرها، و كانت أكثر من حاجته، و تملّك آخر شيئا آخر كذلك، و احتاج كلّ إلى ما في يد الآخر، أعطاه ممّا في يده في مقابل أخذ ما في يد الآخر- و من هنا ظهر البيع و الشراء- و السعر في ذلك الزمان كان يدور مدار امور مختلفة أهمّها العرض و الحاجة.

و ممّا ساعد على استحكام هذا الأمر و استمراره، أنّ الإنسان فهم بسرعة أنّ إنتاج أمتعة مختلفة من طريق الحيازة أو الزراعة أو الصنعة (و لو كانت ساذجة جدّا) مشكل جدّا، أمّا النوع الواحد أو أنواع قليلة سهل يسير، لا سيّما فيما يحتاج إلى الخبروية و المهارة، فإنّ الإنسان لا يتيسّر له المهارة و الحذاقة في امور كثيرة، و لذا اشتغل كلّ فرد بإنتاج نوع واحد أو أنواع قليلة ممّا يزيد على حاجاته غالبا.

و من هنا اتّسع أمر المعاملات و الإجارات و ما شابهها، و يظهر بأدنى دقّة إنّه لا يدور رحى حياة البشر بدونها و لو يوما ما، و كلّما كثرت الروابط و العلاقات الاجتماعية و تطوّرت الأجيال و الامم ازدادت أنواع المعاملات و أقسامها، بين ما كانت في أوّل الأمر معاملات بسيطة و ساذجة كما لا يخفى.

الرّابع: الحثّ على التّجارة

ذكر في الحدائق (1) مقدّمات للبحث: منها الحثّ على التجارة، و روى روايات عديدة‌

____________

(1). الحدائق، ج 18، ص 3.

12

ذكرها الوسائل و غيرها في المجلّد الثاني عشر، في أبواب مقدّمات التجارة، في أوّل الكتاب ممّا يدلّ على الاستحباب المؤكّد في أمر التجارة و غيرها من الامور الإنتاجية و ذمّ تاركها.

و إليك هذه الرّوايات:

1- عن أبي خالد الكوفي رفعه إلى أبي جعفر (عليه السلام) قال قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «العبادة سبعون جزءا أفضلها طلب الحلال» (1).

2- و عن عمر بن يزيد قال قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): رجل قال لأقعدنّ في بيتي و لأصلّينّ و لأصومنّ و لأعبدنّ ربّي فأمّا رزقي فسيأتيني، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «هذا أحد الثلاثة الذين لا يستجاب لهم!» (2).

3- و عن عمر بن يزيد قال قال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «أ رأيت لو أنّ رجلا دخل بيته و أغلق بابه أ كان يسقط عليه شي‌ء من السماء؟!» (3).

4- و عن أيّوب أخي أديم بيّاع الهروي قال: كنّا جلوسا عند أبي عبد اللّه (عليه السلام) إذ أقبل علاء بن كامل فجلس قدّام أبي عبد اللّه (عليه السلام) فقال: ادع اللّه أن يرزقني في دعة، قال: «لا أدعو لك، اطلب كما أمرك اللّه عزّ و جلّ!» (4).

5- و عن سليمان بن معلّى بن خنيس عن أبيه قال: سأل أبو عبد اللّه (عليه السلام) عن رجل و أنا عنده، فقيل أصابته الحاجة. فقال: فما يصنع اليوم؟ قيل في البيت يعبد ربّه، قال (عليه السلام): فمن أين قوته؟ قيل: من عند بعض اخوانه، فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): «و اللّه للذي يقوته أشدّ عبادة منه» (5).

6- و عن أبي حمزة عن أبي جعفر: قال: «من طلب الدنيا استعفافا عن الناس و سعيا على أهله و تعطّفا على جاره لقى اللّه عزّ و جلّ يوم القيامة و وجهه مثل القمر ليلة البدر» (6).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 11 باب 4 من أبواب مقدّمات التجارة ح 6.

(2). المصدر السابق، ص 14، الباب 5، ح 2.

(3). المصدر السابق، ص 13، ح 1.

(4). المصدر السابق، ص 10، الباب 4، ح 3.

(5). المصدر السابق، ص 14، الباب 3، ح 3.

(6). وسائل الشيعة، ج 12، ص 11، الباب 4، ح 5.

13

7- و عن علي بن الغراب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «ملعون من ألقى كلّه على الناس» (1).

8- و عن الفضل بن أبي قرّة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: «أوحى اللّه تعالى إلى داود (عليه السلام): إنّك نعم العبد لو لا إنّك تأكل من بيت المال و لا تعمل بيدك شيئا، قال: فبكى داود (عليه السلام) أربعين صباحا فأوحى اللّه إلى الحديد: أن لن لعبدي داود فألان اللّه عزّ و جلّ له الحديد و كان يعمل في كلّ يوم درعا فيبيعها بألف درهم فعمل ثلاثمائة و ستّين درعا فباعها بثلاثمائة و ستّين ألفا و استغنى عن بيت المال» (2).

9- و عن المعلّى بن خنيس قال: رآني أبو عبد اللّه (عليه السلام) و قد تأخّرت عن السوق فقال:

«أغد إلى عزّك» (3).

10- و عن روح عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «تسعة أعشار الرزق في التجارة» (4).

11- و عن عبد المؤمن الأنصاري عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «البركة عشرة أجزاء تسعة أعشارها في التجارة و العشر الباقي في الجلود» (5) يعني (جلود الغنم).

12- و عن الحسين بن زيد عن أبيه زيد بن علي عن آبائه عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «تسعة أعشار الرزق في التجارة و الجزء الباقي في السابيا، يعني الغنم» (6).

13- و عن محمّد الزعفراني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «من طلب التجارة استغنى عن الناس» قلت: و إن كان معيلا؟ قال (عليه السلام): «و إن كان معيلا! إنّ تسعة أعشار الرزق في التجارة» (7).

14- و عن علي بن عقبة قال قال أبو عبد اللّه (عليه السلام) لمولى له: «يا عبد اللّه احفظ عزّك»، قال و ما عزّي جعلت فداك؟ قال: «غدوّك إلى سوقك و إكرامك نفسك». و قال لآخر مولى له:

____________

(1). المصدر السابق، ص 18، الباب 6، ح 10.

(2). وسائل الشيعة، ج 12، ص 22، الباب 9، من أبواب مقدّمات التجارة، حديث 3.

(3). المصدر السابق، ج 12، ص 3، أبواب مقدّمات التجارة، ح 2 (و في رواية اخرى فسّر العزّ بالسوق ص 4، ح 10).

(4). المصدر السابق، ج 12، ص 3، أبواب مقدّمات التجارة، ح 3.

(5). المصدر السابق، ح 4 و 5.

(6). المصدر السابق.

(7). وسائل الشيعة، ج 12، ص 4، أبواب مقدّمات التجارة، ح 8.

14

«ما لي أراك تركت غدوّك إلى عزّك؟» قال: جنازة أردت أن أحضرها. قال (عليه السلام): «فلا تدع الرواح إلى عزّك» (1).

15- عن سدير قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): أي شي‌ء على الرجل في طلب الرزق؟ فقال:

«إذا فتحت بابك و بسطت بساطك فقد قضيت ما عليك» (2).

16- و عن الطيّار قال: قال لي أبو جعفر (عليه السلام) «أي شي‌ء تعالج؟»- أي شي‌ء تصنع- قلت:

ما أنا في شي‌ء قال: «فخذ بيتا و اكنس فناه و رشّه و ابسط فيه بساطا فإذا فعلت ذلك فقد قضيت ما عليك» قال: فقدمت الكوفة ففعلت فرزقت (3).

17- و عن أبي حمزة الثمالي عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): في حجّة الوداع: «إلّا إنّ الروح الأمين نفث في روعي إنّه لا تموت نفس حتّى تستكمل رزقها، فاتّقوا اللّه و اجملوا في الطلب، و لا يحملنّكم استبطاء شي‌ء من الرزق أن تطلبوه بمعصية اللّه، فإنّ اللّه تبارك و تعالى قسّم الأرزاق بين خلقه حلالا، و لم يقسّمها حراما، فمن اتّقى اللّه و صبر آتاه اللّه برزقه من حلّه، و من هتك حجاب الستر و عجّل فأخذه من غير حلّه قصّ به من رزقه الحلال و حوسب عليه يوم القيامة» (4).

18- و عن السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «نعم العون على تقوى اللّه الغنى» (5).

19- و عن عمرو بن جميع قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «لا خير فيمن لا يحبّ جمع المال من حلال، يكفّ به وجهه، و يقضي به دينه، يصل به رحمه» (6).

20- و عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «نعم العون على الآخرة الدنيا» (7).

21- و عن علي الأحمسي عن رجل عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «نعم العون الدنيا على‌

____________

(1). المصدر السابق، ص 5، الباب 1، ح 13.

(2). المصدر السابق، ص 34، الباب 15، ح 1.

(3). المصدر السابق، ص 34، الباب 2، ح 2.

(4). المصدر السابق، ص 27، الباب 12، ح 1.

(5). المصدر السابق، ص 16، الباب 6، ح 1.

(6). وسائل الشيعة، ج 12، ص 19، الباب 7، ح 1.

(7). المصدر السابق، ص 16، الباب 6، ح 2.

15

طلب الآخرة» (1).

22- و روى في الفقيه مرسلا قال: قال الصادق (عليه السلام): «ليس منّا من ترك دنياه لآخرته و لا آخرته لدنياه» (2).

23- قال روي عن العالم (عليه السلام) أنّه قال «اعمل لدنياك كأنّك تعيش أبدا و اعمل لآخرتك كأنّك تموت غدا» (3).

و يستفاد من هذه الرّوايات أنّ الأصل في التجارات و سائر المكاسب و الإنتاجات كون أبوابها مفتوحة لجميع الناس، و دور الحكومة الإسلامية يتلخّص في مراقبة المعاملات الاقتصادية لضمان عدم إجحاف الناس و تعدّي بعضهم على بعض، فليس أصل التمركز الاقتصادي مقبولا في الإسلام، و لا يمكن سلب الحرية عن الناس في ذلك فانّه مخالف لما يظهر من جميع الأدلّة الشرعيّة قطعا.

الخامس: اخبار الحثّ تنافي ما دلّ على وجوب تحصيل العلم

ذكر في الحدائق (4) في مقدّمات مباحث البيع إشكالا حاصله: إنّ أخبار الحثّ على الكسب و طلب الرزق و ذمّ تاركه حتّى ورد «لعن من ألقى كلّه على الناس» تنافي ما دلّ على وجوب تحصيل العلم، و قد رأينا المشايخ العظام يعملون بالتأنّي و يشتغلون بالدراسة و التأليف و نشر أحكام الدين، فكيف طريق الجمع بينهما؟

ثمّ ذكر طريقين للجمع بينهما: أوّلهما استثناء الثاني من الأوّل (مع أنّ النسبة بينهما عموم من وجه) ثمّ استدلّ له أو أيّده بما رواه الشهيد الثاني في منية المريد عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «إنّ اللّه تعالى قد تكفّل لطالب العلم برزقه خاصّة عمّا ضمنه لغيره» (5) و ذكر عقيبه ما يحثّ على‌

____________

(1). المصدر السابق، ص 17، الباب 6، ح 5.

(2). المصدر السابق، ص 49، الباب 28، ح 1.

(3). المصدر السابق، ص 49، الباب 28، ح 2.

(4). الحدائق، ج 18، ص 9.

(5). منية المريد، ص 46- 47، طبعة النجف.

16

التوكّل على اللّه و تفويض الأمر إليه في مهمّات الامور (انتهى).

ثمّ استدلّ عليه أيضا بما يدلّ على أنّ «طلب العلم أوجب عليكم من طلب المال فانّ المال مقسوم مضمون قد قسمه عادل و ضمنه و سيفي به، و العلم مخزون عند اللّه و قد امرتم بطلبه من أهله فاطلبوه» (1).

و قال: إنّه صريح في المدّعى، ثمّ نقل بعض حالات الأكابر من علماء «البحرين» في بدء أمرهم، و شدّة الأمر عليهم حتّى كان بعض يمضي إلى الصحراء وقت الربيع، و يأكل من حشيش الأرض ما يسدّ به جوعه!

و أمّا الطريق الثاني: هو التفصيل، و حاصله القول بالتعارض بين الواجب العيني من طلب العلم، و بين الواجب من طلب الرزق، و الظاهر تقديم الثاني لأنّ في تركه القاء النفس في التهلكة، و اخرى بتعارض الواجب العيني من العلم مع المستحبّ من الرزق، فيقدّم الأوّل بلا إشكال، و قد يقال بتعارض الواجب العيني من طلب الرزق مع الواجب الكفائي من طلب العلم، و لا ريب في تقديم الأوّل هنا أيضا، هذا إذا لم يمكن الجمع بين الأمرين (انتهى كلامه (قدّس سرّه) (2).

و لكن في كلامه مواقع للنظر:

1- ما دلّ على التوكّل على اللّه إنّما هو من الأحكام الأخلاقية، فلا تنافي الأحكام الواجبة، مع إنّه أعمّ من المقصود.

2- كذلك ما دلّ على تكفّل اللّه برزق طالبي العلم، بل قد يناقض ذلك ما حكاه عن بعض أكابر عصره في أكله من حشيش الأرض! و الإنصاف أنّ ذلك للحثّ على تحصيل العلم إجمالا من غير النظر إلى موارد وجوب «تحصيل الرزق» وجوبا عينيا.

3- قد يجب طلب الرزق مع عدم وقوع النفس في التهلكة، كما إذا وقع عياله في عسر شديد، فلا يمكن تقديم الثاني على الأوّل بهذه الجهة دائما.

4- ليس الأمر من قبيل تعارض الخبرين حتّى تلاحظ نسبة الأعمّ و الأخصّ و شبهها، بل لا بدّ من ملاحظة مرجّحات باب التزاحم لأنّها من هذا القبيل.

____________

(1). اصول الكافي، ج 1، ص 30، ح 4.

(2). الحدائق الناضرة، ج 18، ص 9- 16.

17

و التحقيق أن يقال: إنّ تحصيل العلم إذا كان من الواجب العيني أو الكفائي الذي لا يتصدّى له من به الكفاية كان أهمّ في نظر الشارع المقدّس من تحصيل الرزق الواجب- و ذلك إذا كان قوام أمر المسلمين و حفظ الدين و سنّة خير المرسلين و الأئمّة الطاهرين منوطا به، أو يتوقّف أمر دين نفسه عليه، و بدونه يخطأ الصراط المستقيم- اللّهمّ إلّا إذا وقع هذا الشخص في التهلكة و لم يكن هناك بيت المال يدرّ عليه.

نعم لعلّ العلم ببعض المسائل الفقهية غير المهمّة ليس في هذا الحدّ، فحينئذ يمكن تقديم طلب الرزق عليه، و بالجملة لا بدّ من ملاحظة الأهمّ و المهمّ في كلّ باب لا الحكم العامّ، هذا أوّلا.

و أمّا ثانيا- فانّ قياس فعل الأنبياء و الأئمّة (عليهم السلام) بل و بعض السلف الصالح على العلماء في أعصارنا و ما أشبهه قياس مع الفارق، لعدم حاجة المعصومين إلى تحصيل العلم بمثل ما نحتاج إليه، و عدم حاجة علماء السلف بمقدار ما نحتاج إليه اليوم كما لا يخفى، فانّ العلوم قد وسّعت نطاقها و قد قال شيخنا الأنصاري (قدّس سرّه): «الاجتهاد في عصرنا أشدّ من طول الجهاد»، و لا يختصّ ذلك بعلماء الدين، بل العلماء من سائر العلوم مثلهم من هذه الجهة، فلا يمكنهم الاشتغال بطلب الرزق عند اشتغالهم بطلب العلم غالبا، فلا تغترّ إذا بكلمات بعض الجهلة في عصرنا من إشكالهم على علماء الدين بأنّهم لما ذا لا يشتغلون بأمر الرزق؟

و ثالثا: ما قد يتوهّم من أنّ ذلك مصداق إلقاء كلّهم على الناس واضح البطلان، فإنّ أمر معاش الناس متوقّف على نظام المجتمع و الأمن و الأمان، و هما لا يحصلان إلّا بتهذيب النفوس و في ضوء الإيمان، و من المعلوم أنّ علماء الدين هم الذين يتصدّون لهذا الأمر، فعملهم لا ينحصر في إحياء أمر المعاد، بل يكون إحياء لمعاش الناس و نظم مجتمعهم أيضا.

السّادس: أقسام ما يكتسب به

ذكر في الحدائق و الشرائع تقسيم ما يكتسب به إلى: محرّم و مكروه و مباح، و لكن العلّامة (رحمه اللّه) في القواعد قسّم المتاجر بالأقسام الخمسة، فالتقسيم الأوّل باعتبار المحلّ، و الثاني باعتبار الفعل القائم به، و لكن حيث يوجد في أقسامه ما يكون من قبيل المحلّ‌

18

احتمل في مفتاح الكرامة كون المراد بالتجارة أعمّ من الاكتساب و محلّه (1).

و ذكر الشهيد الثاني (قدّس سرّه) في المسالك ما حاصله: إنّ التقسيم الخماسي يصحّ باعتبار الاكتساب، و الثلاثي باعتبار العين و المنفعة، فإنّ الوجوب و الندب لا يرد عليهما من حيث إنّهما عين خاصّة و منفعة، بل بسبب أمر عارضي و هو فعل المكلّف (2) و لكن ذكر في المفتاح بعد أن نقل هذا التوجيه عن الشهيد و صاحب الرياض أنّ فيه نظرا ظاهرا، لأنّ العين لا تتّصف بالحرمة و الكراهة و الإباحة أيضا بذاتها، بل باعتبار الفعل القائم بها، و أورد عليه ثانيا بأنّ الأذان في نفسه ليس حراما، و لكن الاكتساب به محرّم. انتهى (3).

و في الجواهر بعد الإشارة إلى ما عرفت قال: إنّ اقتصار المصنّف على الثلاثة هنا باعتبار تعلّقها بالأعيان بالذات و لو من حيث فعل المكلّف، ضرورة ثبوت الأعيان التي يحرم التكسّب بها ذاتا و كذلك الكراهة و الإباحة، بخلاف الوجوب و الندب فإنّا لا نعرف من الأعيان ما يجب التكسّب به كذلك، أو يستحبّ، و ثبوت وجوب التكسّب في نفسه أعمّ من أن يكون بالعين المخصوصة (4).

ثمّ أورد عليه أوّلا بعدم اقتصار المصنّف فيما سيأتي من بيان الأقسام على ذلك، بل ذكر ما يكون الحرمة بسبب قيام فعل المكلّف المحرّم، فإنّ بيع السلاح لأعداء الدين ليس ممّا يحرم التكسّب به ذاتا، (بل بالعرض).

و ثانيا: إنّ التكسّب مستحبّ في بعض الأعيان بالخصوص، كالغنم الذي جعل جزء من البركة فيها، اللهمّ إلّا أن يقال بأنّ البركة فيها لا في كسبها (انتهى) (5).

هذه كلمات القوم و الذي يحقّ أن يقال في المسألة: إنّ حرمة البيع على أقسام: فإنّها قد تنشأ من حرمة العين، و حرمتها باعتبار حرمة منافعها المعتدّ بها، كحرمة بيع الخمر و الصليب و الأوثان، و «أخرى» من حرمتها في ظرف خاصّ كحرمة بيع السلاح لأعداء‌

____________

(1). مفتاح الكرامة، ج 4، ص 4.

(2). المسالك، ج 1، ص 164، (كتاب التجارة).

(3). مفتاح الكرامة، ج 4، ص 4.

(4). الجواهر، ج 22، ص 7.

(5). الجواهر، ج 22، ص 7، (مع التلخيص).

19

الدين، فإنّ منافعها و إن لم تكن محرّمة دائما، إلّا إنّه بالنسبة إليهم- لا سيّما عند قيام الحرب بينهم و بين المسلمين- محرّمة.

و «ثالثة» أن يكون نفس الاكتساب محرّما، من دون أن تكون العين كذلك، كأخذ الاجرة على الأذان و القضاء و أمثالها.

و يأتي هذا التقسيم في «المكروه» و بيع الأكفان من قبيل الأخير أيضا، فشمول المقسم للجميع لا يمكن إلّا أن يكون التقسيم أعمّ من أن يكون بلحاظ العين و الاكتساب، و حينئذ لا مانع من ورود الواجب و المستحبّ فيها، كالمكاسب التي هي قوام نظام المجتمع أو سبب كماله، ففي الأوّل تكون واجبة، و في الثاني مستحبّة.

اللّهمّ إلّا أن يقال إنّه واجب بالعرض و بعنوان ثانوي، لا بالعنوان الأوّلي، و لكن نقول: بيع السلاح لأعداء الدين أيضا كذلك، و هكذا بيع العنب ممّن يعمله خمرا على القول به، و كذا معاونة الظلمة، و لذا استدلّوا لحرمتها بأنّها إعانة على الإثم التي هي من العناوين الثانوية.

و بالجملة ملاحظة جميع ما ذكروه في أبواب المكاسب أقوى شاهد على كون البحث عامّا.

هذا و العجب من شيخنا الأعظم الأنصاري (قدّس سرّه) إنّه مثّل في بحثه القصير في المسألة للمكاسب المستحبّة بالزراعة و الرعي (1) مع أنّ الظاهر أنّ نفس عملهما مستحبّ مع قطع النظر عن المعاملة بهما، و للواجب بالصناعات الواجبة كفاية و هي أيضا كذلك.

نعم قد يقال: إنّ الاكتساب و التعامل بها أيضا ممّا يقوم به نظام المجتمع. و هو غير بعيد.

السابع: معنى الحرمة في المكاسب المحرّمة

ما المراد بالحرمة في المكاسب المحرّمة؟ هل هي حرمة تكليفية، أو وضعيّة، أو كلاهما؟

و هذه المسألة من الامور التي لا بدّ بيانها قبل الورود في مباحث المكاسب المحرّمة.

فمن باع أو اشترى خمرا فمضافا إلى كون بيعه أو شرائه باطلا يحرم أكل ثمنه بلا‌

____________

(1). المكاسب المحرّمة ص 3.

20

إشكال، و هل يكون بيعه أيضا حراما تكليفيا نفسيا، أم لا؟

ظاهر كلمات القوم التسالم عليه، و لعلّه من جهة ظهور النواهي الواردة فيها في التحريم التكليفي، أو من جهة الإجماع، و سيأتي الكلام فيه إن شاء اللّه.

و الكلام بعد في موضوع الحرمة، و فيه احتمالات:

1- كونه نفس الإنشاء الجدّي (فهو حرام على القول بها) كما اختاره في المكاسب المحرّمة بعض أكابر العصر.

2- النقل و الانتقال بقصد الأثر المحرّم- كما ذكره شيخنا العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه)-.

3- إنشاء النقل بقصد ترتّب أثر المعاملة، أعني التسليم و التسلّم، فلو خلا عن هذا القصد فمجرّد الإنشاء لا يتّصف بالحرمة، كما عن المحقّق الايرواني (قدّس سرّه) في حاشيته (1).

4- إنشاؤه بقصد ترتّب إمضاء العرف و الشرع عليه.

5- إنشاؤه مع ترتيب آثاره عليه بالتسليم و التسلّم.

أمّا الأوّل فحرمته بعيد جدّا إذا خلا عن قصد ترتّب الأثر، لانصراف النصوص و الفتاوى منه، اللّهمّ إلّا أن يقال لا يكون الإنشاء جدّيا بدون قصد ترتيب الآثار، كما ورد في حقّ من استدان دينا فلم ينو قضاءه كان بمنزلة السارق، و لكنّه محل للكلام (2).

و أمّا الثاني: فقد أورد عليه في «مصباح الفقاهة» بأنّ التقييد بذلك خلاف إطلاق أدلّة التحريم، و دعوى انصرافها إليه ممنوع (3).

هذا و الإنصاف أنّ دعوى الإطلاق بدون أي قيد بعيد جدّا عن افهام العرف، لأنّهم لا يرون لمجرّد الإنشاء المجرّد عن كلّ أثر أو قصد للأثر، قيمة.

توضيح ذلك أنّه قد يتوهّم أنّ أسّ الأساس في البيع هو الإنشاء و الاعتبار، و إنّ النقل أو الانتقال الخارجيين من آثاره و فروعه، و على هذا الأساس جعلوا البيع بالصيغة من المسلّمات، و البيع المعاطاتي محلا للكلام و الإيراد، مع أنّ الناظر فيما تعارف بين العرف‌

____________

(1). حاشية الإيرواني على المكاسب، ص 3.

(2). وسائل الشيعة، ج 13، ص 86، الباب 5، من أبواب الدين و القرض، ح 2.

(3). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 29.

21

و العقلاء يرى أنّ الأمر بالعكس، و أنّ الأصل في البيع هو المعاطاة، و البيع بالصيغة نشأ بعدها، و لا سيّما مع ملاحظة كيفية بدء البيع و الشراء و تاريخ تشريعهما بين العقلاء، فحقيقة البيع و الشراء هو الإعطاء الخارجي بقصد النقل و الانتقال.

و أمّا الصورة الإنشائية منه فهي فرع له نشأت فيما بعد، كما سيأتي شرحه إن شاء اللّه في أبواب المعاطاة.

و يؤيّد ما ذكرنا انّ رحى المعاملات غير الخطيرة جدّا تدور على المعاطاة، فحينئذ يشكل فهم العموم من إطلاقات أدلّة الحرمة لمجرّد الإنشاء و ليس هذا ادّعاء جزافيا كما توهّم.

و قد يورد إشكال الإطلاق بعينه على الوجوه الاخرى، و إنّ إطلاق الأدلّة ينفي جميع هذه القيود، و لكن الجواب ما عرفت من الانصراف، و لكن يبقى الكلام في أنّ أي واحد من هذه القيود يعتبر في موضوع الحرام، بعد نفي حرمة مطلق الإنشاء.

و هذا يدور مدار مقدار انصراف الإطلاقات، فإنّ بعض هذه القيود أخصّ من بعض، فانّ التسليم و التسلّم لا ينفكّان عادة عن قصد ترتيب الأثر المحرّم، كما لا ينفكّان عن قصد ترتّب أثر المعاملة أيضا.

و الاحتمال الخامس أقوى من الجميع، و إن لم نر من صرّح به، لا سيّما بملاحظة ما ذكرنا في حقيقة البيع عند أهل العرف.

هذا كلّه إذا قلنا بأنّ الحرمة النفسية التكليفية في المعاملات المحرّمة معلومة مقطوعة، و أمّا لو شككنا فيه، و قلنا أنّ الحرمة هنا أمر مقدّمي، و لا ظهور للأدلّة في أزيد من ذلك، فتسقط جميع الوجوه، و يرجع الأمر إلى التحريم المقدّمي.

و توضيح ذلك: إنّ الرّوايات الدالّة على حرمة المكاسب المحرّمة على طوائف:

الاولى: إنّ المصرّح به في كثير من روايات التحريم في المكاسب المحرّمة هو «حرمة الثمن».

مثل ما رواه عمّار بن مروان قال: سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الغلول فقال (عليه السلام): «كلّ شي‌ء غلّ من الإمام فهو سحت، و أكل مال اليتيم و شبهه سحت، و السحت أنواع كثيرة منها‌

22

اجور الفواجر، و ثمن الخمر، و النبيذ، و المسكر، و الربا بعد البيّنة، فأمّا الرشا في الحكم فإنّ ذلك الكفر باللّه العظيم جلّ اسمه و برسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)» (1).

و ما رواه سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «السحت أنواع كثيرة منها كسب الحجّام إذا شارط، و أجر الزانية، و ثمن الخمر ...» (2).

و ما رواه السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «السحت ثمن الميتة و ثمن الكلب و ثمن الخمر و مهر البغي و الرشوة في الحكم و أجر الكاهن» (3).

و ما رواه سماعة عن الصادق (عليه السلام) قال: «السحت أنواع كثيرة: منها كسب الحجّام و أجر الزانية و ثمن الخمر» (4).

و ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «ثمن الخمر و مهر البغي و ثمن الكلب الذي لا يصطاد من السحت» (5).

و ممّا رواه محمّد بن علي بن الحسين قال: قال (عليه السلام): «أجر الزانية سحت و ثمن الكلب الذي ليس بكلب الصيد سحت، و ثمن الخمر سحت، و أجر الكاهن سحت، و ثمن الميتة سحت ...» (6).

و ما رواه أنس بن محمّد عن أبيه جميعا عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) عن آبائه في وصيّة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لعلي (عليه السلام) قال: «يا علي من السحت ثمن الميتة، و ثمن الكلب، و ثمن الخمر، و مهر الزانية، و الرشوة في الحكم، و أجر الكاهن» (7).

و ما رواه عمّار بن مروان عن الصادق (عليه السلام) قال: «كلّ شي‌ء غلّ من الإمام فهو سحت، و السحت أنواع كثيرة، منها ما اصيب من أعمال الولاة الظلمة، و منها اجور القضاة‌

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 61، الباب 5، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(2). المصدر السابق، ص 62، الباب 5، من أبواب ما يكتسب به، ح 2.

(3). المصدر السابق، ص 62، الباب 5، من أبواب ما يكتسب به، ح 5.

(4). المصدر السابق، ص 63، ح 6.

(5). المصدر السابق، ص 63، ح 7.

(6). المصدر السابق، ص 63، ح 8.

(7). وسائل الشيعة، ج 12، ص 63، ح 9.

23

و اجور الفواجر و ثمن الخمر و النبيذ المسكر و الربا بعد البيّنة ...» (1).

و ما رواه يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ثمن العذرة من السحت» (2).

و في حكمه روايات الربا، فانّها أيضا تدلّ على حرمة الثمن مثل ما رواه هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «درهم ربا «عند اللّه» أشدّ من سبعين زنية كلّها بذات محرم» (3).

و ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «درهم ربا أشدّ عند اللّه من ثلاثين زنية كلّها بذات محرم مثل العمّة و الخالة» (4).

و ما رواه سعيد بن يسار عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «درهم واحد ربا أعظم من عشرين زنية كلّها بذات محرم» (5).

إلى غير ذلك ممّا ورد في حكم بيع الكلاب المحرّمة و أنّ ثمنها سحت (6).

و من الواضح عدم دلالة هذه الطائفة على حرمة نفس البيع تكليفا، و غاية ما يستفاد منها حرمة الثمن و بطلان البيع و عدم جواز ترتيب الآثار الشرعية عليه.

الثّانية: ما دلّ على حرمة البيع المفضي إلى تسليم المثمن و الثمن، و هي أيضا كثيرة جدّا.

منها ما ورد في باب بيع السلاح لأعداء الدين فانّه أيضا كالصريح في ذلك، مثل ما رواه محمّد بن قيس عن الصادق (عليه السلام) قال: سألته عن الفئتين تلتقيان من أهل الباطل، أبيعهما السلاح؟ فقال: «بعهما ما يكنهما الدرع و الخفّين و نحو هذا» (7).

و ما رواه السرّاج عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: قلت له إنّي أبيع السلاح. قال: فقال: «لا تبعه في فتنة» (8).

و ما رواه أنس بن محمّد عن أبيه عن جعفر بن محمّد عن آبائه (عليهم السلام) (في وصيّة‌

____________

(1). المصدر السابق، ص 64، ح 12.

(2). المصدر السابق، ص 126، الباب 40، ح 1.

(3). المصدر السابق، ص 422، الباب 1، من أبواب الربا ح 1.

(4). المصدر السابق، ص 423، ح 5.

(5). المصدر السابق، ص 424، ح 6.

(6). المصدر السابق، ص 83، الباب 14، من أبواب ما يكتسب به.

(7). المصدر السابق، ص 70، الباب 8، ح 3.

(8). وسائل الشيعة، ج 12، ص 70، الباب 8، ح 4.

24

النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لعلي (عليه السلام) قال: «يا علي كفر باللّه العظيم من هذه الامّة عشرة: القتّات «إلى أن قال» و بائع السلاح من أهل الحرب» (1).

و ظاهر جميع ذلك حرمة البيع بما له من الآثار التي منها تسليم المثمّن و هو السلاح لأعداء الدين.

و منها ما دلّ على جواز بيع المشتبه بالميتة ممّن يستحلّ الميتة دون غيره، مثل ما رواه الحلبي قال سمعت أبا عبد اللّه يقول: «إذا اختلط الذكي و الميتة باعه ممّن يستحلّ الميتة و أكل ثمنه» (2).

و ما رواه الحلبي عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) إنّه سئل عن رجل كان له غنم و بقر و كان يدرك الذكي منها فيعزله و يعزل الميتة ثمّ أنّ الميتة و الذكي اختلطا كيف يصنع به؟ قال: «يبيعه ممّن يستحلّ الميتة و يأكل ثمنه فانّه لا بأس به» (3).

و ما رواه حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في العجين من الماء النجس كيف يصنع به؟ قال: «يباع ممّن يستحلّ الميتة» (4).

و ما رواه ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «يدفن و لا يباع» (5).

و من الواضح أنّ هذه الطائفة أيضا لا دلالة لها على الحرمة التكليفية بنفس البيع، بل الحرام البيع مع ترتيب آثاره، بل لعلّه داخل في عنوان الإعانة على الإثم الذي هو محرّم نفسي، فالبيع مقدّمة لتسليم المثمّن الذي يكون إعانة على الإثم.

الثّالثة: ما دلّ على المفاسد الحاصلة من المكاسب المحرّم التي هي ظاهرة فيما إذا وقع التسليم و التسلّم، كالرّوايات الواردة في الربا الدالّة على مفاسد جمّة فيها منها:

1- ترك التجارات.

2- المنع من اصطناع المعروف و ترك القرض.

____________

(1). المصدر السابق، ص 71، الباب 8، ح 7.

(2). المصدر السابق، ص 67، الباب 7، ح 1.

(3). المصدر السابق، ص 68، ح 2.

(4). المصدر السابق، ص 68، ح 3.

(5). المصدر السابق، ح 4.

25

3- فساد الأموال و الأكل بالباطل.

4- الظلم و غير ذلك (1).

فإنّ ذلك أيضا يدلّ على حرمة البيع بما له من الآثار لا مجرّد إنشائه.

و ما جاء في تحف العقول من ترتّب المفاسد على البيع الحرام (2).

و عدم دلالة هذه الطائفة على تحريم مجرّد الإنشاء أو مع القصد فقط واضح.

الرابعة: ما ليس فيها شي‌ء من ذلك و أشباهه، بل أمر مطلق دالّ على حرمة البيع الصادق على الإنشاء بقصد الجدّ أو مع بعض ما عرفت من القيود، و ذلك مثل ما ورد في بيع بعض الأعيان النجسة كقوله (عليه السلام): حرام بيعها و ثمنها (3).

و مثل النهي عن شراء المصحف في رواية عبد الرحمن بن سيّابة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال:

سمعته يقول: «إنّ المصاحف لن تشترى فإذا اشتريت فقل: إنّما أشتري منك الورق و ما فيه من الأديم ...» (4).

إلى غير ذلك من أشباهه و هو قليل بالنسبة إلى غيره، و كذلك مثل قوله تعالى وَ أَحَلَّ اللّٰهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبٰا (5) (أي بيع الربا بجميع أشكاله).

و هذه الطائفة هي التي يمكن الأخذ بإطلاقها و القول بحرمة مجرّد إنشاء البيع حرمة تكليفية، و لكن دعوى انصراف إطلاقها إلى ما ذكر في غيرها قريبة جدّا، فإذا لا يبقى دليل على حرمة البيع تكليفيا نفسيا، نعم هو حرام من باب المقدّمة بناء على حرمة مقدّمة الحرام مطلقا، أو إذا كانت موصلة «فتدبّر جيّدا».

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، أبواب الربا، الباب 1.

(2). وسائل الشيعة، ج 12، أبواب ما يكتسب به، الباب 2.

(3). المصدر السابق، ص 126، الباب 40، ح 2.

(4). المصدر السابق، ص 114، الباب 31، ح 1.

(5). سورة البقرة، الآية 275.

26

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

27

أقسام المكاسب المحرّمة

الأوّل- بيع الأعيان النجسة‌

الثّاني- بيع الأوثان و هياكل العبادة‌

الثالث و الرابع- بيع آلات القمار و اللهو‌

الخامس- بيع أواني الذهب و الفضّة‌

السادس- الدراهم المغشوشة‌

السّابع- بيع الشي‌ء لغاية محرّمة (كبيع العنب ليعمل خمرا)

الثّامن- بيع ما فيه تقوية للكفر و الضلال و الفساد‌

التاسع- بيع ما لا منفعة فيه‌

العاشر- الأعمال المحرّمة التي قد يكتسب بها‌

الحادي عشر- الأفعال الواجبة ممّا يحرم التكسّب به‌

28

{*empty#}صفحة فارغة (مطابق للمطبوع){#empty*}

29

الأوّل- بيع الأعيان النجسة

و قد فصّله الشيخ الأعظم العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه) في مسائل سبع: حرمة بيع الأبوال و العذرة و الدم و المني و الميتة و الكلب و الخمر (1).

ثمّ أنّه عقد مسألة للمتنجّسات أيضا، فصارت ثمان مسائل (2)، و الحال أنّها (الأعيان النجسة) ترجع إلى عنوان واحد، و دليله واحد غالبا، فلذا ذكرها في الشرائع و الحدائق و غيرهما تحت عنوان واحد (3).

و على كلّ حال، فالظاهر أنّ المسألة على إجمالها إجماعيّة بين الأصحاب و إن وقع الخلاف في بعض الجزئيات أو المستثنيات.

قال العلّامة (رحمه اللّه) في «التذكرة»: يشترط في المعقود عليه الطهارة الأصلية، فلو باع نجس العين كالخمر و الميتة و الخنزير لم يصحّ إجماعا (4).

و ادّعى الإجماع في بعض المواضع الاخر من التذكرة على حرمة بيع الكلب العقور و السرجين النجس (5).

و في الخلاف إجماع الفرقة على تحريم بيع الخمر و السرجين النجس و الخنزير و الكلاب ما عدى كلب الصيد (6).

____________

(1). المكاسب، المحرّمة، ص 3.

(2). المكاسب، المحرّمة، ص 6.

(3). الحدائق، ج 18، ص 71، و الشرائع: كتاب التجارة الفصل الأوّل.

(4). التذكرة، ج 1، ص 464.

(5). التذكرة، ج 1، ص 464.

(6). الخلاف، ج 2، ص 80- 81- 82.

30

و عن السيّد في الانتصار و ابن إدريس في السرائر و الشيخ في المبسوط دعوى الإجماع في بعض مصاديق النجاسات (من دون التصريح بغيرها) و الظاهر أنّ كلام الجميع واحد.

و على كلّ حال يدلّ على ذلك- مضافا إلى قاعدة التحريم (أنّ اللّه إذا حرّم منافع شي‌ء حرّم معاملته) المستفادة من العقل و النقل- النصوص الكثيرة الواردة في موارد خاصّة و عامّة:

أمّا القاعدة فالإنصاف إنّها موافقة للعقل، فإنّ البيع لا يصحّ إلّا فيما يكون مالا، و مالية الشي‌ء باعتبار منافعه المعتدة بها، فهل تكون الحشرات المؤذية و الجيف العفنة و ما أشبهها عندهم مالا؟! كلّا لعدم نفع عقلائي فيها، بل وجود النفع أيضا غير كاف إلّا إذا انضمّ إليه عزّة الوجود، فالهواء و الماء في ساحل البحر لا مالية لهما و لا يصحّ بيع شي‌ء منهما لعدم وجود قوام البيع فيهما، و هو المالية المتوقّفة على عزّة الوجود و ان توقّف عليهما حياة الإنسان و غيره، و من هنا يظهر أنّه يمكن أن يكون شي‌ء مالا في زمان دون زمان كالثلج في الشتاء و الصيف، و في مكان دون مكان، كالماء على الشاطئ و في المفازة، و بالنسبة إلى قوم دون قوم و هكذا، و في كلّ مورد له حكمه، و المنافع النادرة أو المعتدة بها الشخصية لا تعدّ ملاكا له.

ثمّ إنّه قد يكون شي‌ء مالا عند العقلاء لحليّة منافعه عندهم، و لا يكون مالا عند الشرع لحرمة منافعه، كالخمر، فحينئذ لا يترتّب عليه شي‌ء من أحكام المال في الشرع كالبيع و غيره، فلو أتلفه متلف لا يكون ضامنا، و لو اقترضه مقترض لا يكون مديونا، و لو أوصى به لا تكون وصيّته نافذة.

و يدلّ على هذه القاعدة و إمضائها من ناحية الشارع المقدّس ما ورد في روايات مختلفة صرّحت بهذه القاعدة العقلائية:

منها: ما ورد في رواية تحف العقول (التي مرّت الإشارة إليها قريبا).

و فيها فقرات أربعة (الولايات و التجارات و الإجارات و الصناعات) تدلّ كلّها على المقصود، و لكن الرواية مرسلة و كتاب «تحف العقول عن آل الرسول» كلّه كذلك، و الحسن بن علي بن شعبة و إن كان جليل القدر من قدماء الأصحاب، إلّا إنّه يستفاد من بعض القرائن‌

31

إنّه كان من علماء القرن الرابع (فإنّه روى عن محمّد بن همام الذي مات سنة 332) و بينه و بين الصادق (عليه السلام) أكثر من مائتي سنة، و لكن تلوح علائم الصدق من محتويات كتابه، و أمّا تفرّده بذكر هذا الحديث- مع إنّه أجمع أحاديث الباب و من البعيد اختصاص ذكره من ناحية الإمام (عليه السلام) بر أو خاص- فهو عجيب في الجملة، و الرواية و ان كانت ضعيفة السند، و لكن لها شأن من الشأن.

و منها: الرواية المعروفة عن ابن عبّاس عنه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «إذا حرّم اللّه شيئا حرّم ثمنه» (1).

و قد رواها الشيخ في الخلاف في المسألة 308 من البيوع في بيع المسوخ (2).

و أوردها العلّامة و ابن إدريس رحمهما اللّه و غيرهما في كتبهم كما حكى عنهم.

و قد حكى هذا الحديث عن مسند أحمد (3) و عن سنن البيهقي (4)، و لكنّه نقل هكذا قال:

قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «لعن اللّه اليهود حرّم عليهم الشحوم فباعوها و أكلوا أثمانها، إنّ اللّه إذا حرّم على قوم أكل شي‌ء حرّم عليهم ثمنه» (بزيادة الأكل)، و في غيرهما من مجامع أحاديثهم.

و لكن في موضع آخر من مسند أحمد نقل الرواية بدون ذكر الأكل (5). و قد عرفت كلام الشيخ (رحمه اللّه) في الخلاف بدون ذكره، و هكذا كثير من فقهاء العامّة و الخاصّة، نعم في المستدرك رواه عن العوالي مع ذكر الأكل (6)، و لكن هذه الزيادة على فرض وجودها غير مضرّة بالمقصود، لإمكان إلغاء الخصوصية عنها، و المسألة واضحة بعد ما عرفت أنّها موافقة للقاعدة.

و منها: ما في فقه الرضا (عليه السلام): «اعلم يرحمك اللّه إنّ كلّ مأمور به ممّا هو منّ على العباد، و قوام لهم في امورهم، من وجوه الصلاح الذي لا يقيمهم غيره، ممّا يأكلون و يشربون و يلبسون و ينكحون و يملكون و يستعملون، فهذا كلّه حلال بيعه و شرائه و هبته و عاريته.

____________

(1). بحار الأنوار، ج 100، ص 55.

(2). الخلاف، الطبعة ح ة، ج 2، ص 81.

(3). مسند أحمد، ج 1، ص 247 و 293.

(4). سنن البيهقي، ج 6، ص 13.

(5). مسند احمد، ج 11، ص 332.

(6). المستدرك، ج 2، ص 427.

32

و كلّ أمر يكون فيه الفساد ممّا قد نهى عنه، من جهة أكله و شربه و لبسه و نكاحه و إمساكه لوجه الفساد، و مثل الميتة و الدم و لحم الخنزير و الربا و جميع الفواحش و لحوم السباع و الخمر و ما أشبه ذلك، فحرام ضارّ للجسم و فساد للنفس» (1).

و منها: ما رواه القاضي نعمان المصري في كتابه «دعائم الإسلام» عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه قال: «الحلال من البيوع كلّما هو حلال من المأكول و المشروب و غير ذلك ممّا هو قوام للناس و صلاح و مباح لهم الانتفاع به، و ما كان محرّما أصله منهي عنه لم يجز بيعه و لا شرائه» (2).

و هي ظاهرة الدلالة على العموم، و لكنّها أيضا رواية مرسلة لا يمكن الاعتماد عليها بخصوصها.

و القاضي «نعمان» مؤلّف «دعائم الإسلام» يعرف بأبي حنيفة الشيعي، و قد يقال أبو حنيفة المغربي، و لعلّه كان من أهل المغرب، كان مالكيا ثمّ استبصر و صار إماميّا، كان من أكابر علماء عصره عالما بفتاوي فقهاء الإسلام قاضيا بمصر، و مات هناك سنة 363.

و له كتب في الانتصار لمذهب أهل البيت، منها كتاب «دعائم الإسلام»، و عدم قبول روايته من حيث الإرسال لا ينافي جلالة مقامه.

هذا و لكن لا يبعد جواز الاعتماد على مجموع هذه الأحاديث لتعاضدها مع بعضها، و شهرتها بين العامّة و الخاصّة، و قد ذكرنا في الاصول أنّ المعيار في القبول هو وثاقة الرواية من أي طريق حصلت، لا وثاقة خصوص الراوي.

و قد يستدلّ على ذلك مضافا إلى ما ذكر- كما في الجواهر- (3) بالإطلاقات الناهية عن هذه الأعيان كقوله تعالى: إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ ...- إلى قوله- فَاجْتَنِبُوهُ (4) و قوله تعالى:

وَ الرُّجْزَ فَاهْجُرْ (5) فتشمل البيع أيضا، و لكن لا يبعد انصراف كلّ منها إلى الأثر المناسب‌

____________

(1). فقه الرضا، نقلا عن مستدرك الوسائل، ج 2، ص 425، الباب 2، ح 1، من أبواب ما يكتسب به، و الحدائق، ج 18، ص 71.

(2). دعائم الإسلام نقلا عن مستدرك الوسائل، ج 2، ص 426، الباب 2، ح 2، من أبواب ما يكتسب به.

(3). جواهر الكلام، ج 22، ص 11.

(4). سورة المائدة، الآية 90.

(5). سورة المدثر، الآية 5.

33

المعروف كما حقّق في الاصول، و كذلك الاستدلال بقوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ ... (1)

هذا و لكن الروايات الخاصّة كثيرة جدّا، و هي و إن وردت في بعض الأعيان النجسة، و لكن لحن بعضها يشعر بالعموم، و مع قطع النظر عنه يمكن اصطياد العموم منها، و إليك نماذج منها:

1- ما ورد في اهداء رجل من ثقيف راويتين من خمر إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) و أمره باهراقهما و قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) «إنّ الذي حرّم شربها حرّم ثمنها» (2).

2- ما ورد في تحريم ثمن الخمر و مهر البغي أو شبههما مثل ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال: «ثمن الخمر و مهر البغي و ثمن الكلب الذي لا يصطاد من السحت» (3).

3- ما ورد عمّار بن مروان قال سألت أبا جعفر (عليه السلام) عن الغلول، فقال: «كلّ شي‌ء غلّ من الإمام فهو سحت، و أكل مال اليتيم و شبهه سحت، و السحت أنواع كثيرة منها اجور الفواجر و ثمن الخمر و النبيذ و المسكر و الربا بعد البيّنة ...» (4).

4- ما رواه سماعة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «السحت أنواع كثيرة منها كسب الحجّام إذا شارط و أجر الزانية و ثمن الخمر ...» (5).

5- و ما رواه السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «السحت ثمن الميتة و ثمن الكلب و ثمن الخمر و مهر البغي ...» (6).

6- ما رواه سماعة قال قال (عليه السلام): «السحت أنواع كثيرة منها كسب الحجّام و أجر الزانية و ثمن الخمر» (7).

7- ما رواه محمّد بن علي بن الحسين (عليه السلام) قال: قال (عليه السلام): «أجر الزانية سحت، و ثمن‌

____________

(1). سورة المائدة، الآية 3.

(2). وسائل الشيعة، ج 12، ص 164، الباب 55، من أبواب ما يكتسب به، ح 10، و بهذا المضمون ح 6، ص 160، من هذا الباب.

(3). المصدر السابق، ص 63، الباب 5، ح 7.

(4). المصدر السابق، ص 61، ح 1.

(5). المصدر السابق، ص 62، ح 2.

(6). المصدر السابق، ص 62، ح 5.

(7). المصدر السابق، ص 63، ح 6.

34

الكلب الذي ليس بكلب الصيد سحت، و ثمن الخمر سحت و أجر الكاهن سحت و ثمن الميتة سحت ...» (1).

8- ما رواه أنس بن محمّد عن أبيه جميعا عن جعفر بن محمّد عن آبائه في وصيّة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لعلي (عليه السلام) قال: «يا علي من السحت ثمن الميتة و ثمن الكلب و ثمن الخمر و مهر الزانية ...» (2).

9- ما رواه عمّار بن مروان عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «كلّ شي‌ء غلّ من الإمام فهو سحت و السحت أنواع كثيرة منها ما اصيب من أعمال الولاة الظلمة و منها اجور القضاة و اجور الفواجر و ثمن الخمر و النبيذ المسكر و الربا بعد البيّنة ...» (3).

10- ما ورد عن طرق الجمهور: عن جابر بن عبد اللّه إنّه سمع رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) يقول عام الفتح و هو بمكّة: «إنّ اللّه و رسوله حرّم بيع الخمر و الميتة و الخنزير و الأصنام» فقيل:

يا رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) أ رأيت شحوم الميتة فإنّه يطلى بها السفن و يدهن بها الجلود و يستصبح بها الناس، فقال: لا، هو حرام، ثمّ قال (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) عند ذلك: قاتل اللّه اليهود إنّ اللّه عزّ و جلّ لمّا حرّم عليهم شحومها أجملوه، ثمّ باعوه فأكلوا ثمنه (4)» و روى ذيله عن بعض طرقنا (5).

11- ما ورد في باب الميتة و إنّها إذا اختلطت بالمذكّى فلا يجوز بيعها إلّا ممّن يستحلّ الميتة مثل: ما رواه الحلبي قال سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «إذا اختلط الذكي و الميتة باعه ممّن يستحلّ الميتة و أكل ثمنه» (6).

12- ما رواه أيضا عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) إنّه سئل عن رجل كان له غنم و بقر، و كان يدرك الذكي منها فيعزله، و يعزل الميتة، ثمّ إنّ الميتة و الذكي اختلطا كيف يصنع به؟ قال (عليه السلام): «يبيعه ممّن يستحلّ الميتة، و يأكل ثمنه، فإنّه لا بأس» (7).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 63، ح 8.

(2). المصدر السابق، ص 63، ح 9.

(3). المصدر السابق، ص 64، ح 12.

(4). صحيح البخاري، ج 3، ص 110، باب بيع الميتة و الأصنام و صحيح مسلم، ج 3، ص 1207، ح 71، من كتاب المساقاة.

(5). عوالي اللئالي، ج 1، ص 233، رقم ح 133.

(6). وسائل الشيعة، ج 12، ص 67، الباب 7، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(7). المصدر السابق، ص 68، ح 2.

35

13- ما دلّ على عدم جواز بيع العجين من الماء النجس أو الدهن الذي مات فيه فأرة إنّه لا يبيعه من مسلم مثل ما رواه حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في العجين من الماء النجس كيف يصنع به؟ قال: «يباع ممّن يستحلّ الميتة» (1).

14- ما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن حب دهن ماتت فيه فأرة قال: «لا تدهن به و لا تبعه من مسلم» (2).

و هي و إن وردت في باب المتنجّس إلّا إنّه يعلم منه حكم النجس العين أيضا بطريق أولى.

15- ما ورد في باب تحريم بيع الكلاب إلّا كلاب خاصّة، و هي كثيرة مثل ما رواه أبو عبد اللّه العامري قال سألت أبي عبد اللّه (عليه السلام) عن ثمن الكلب الذي لا يصيد فقال: «سحت، و أمّا الصيود فلا بأس» (3).

16- ما رواه الحسن بن علي القاساني عن الرضا (عليه السلام) في حديث قال: «و ثمن الكلب سحت» (4).

17- ما رواه عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ثمن الكلب الذي لا يصيد سحت ...» (5).

18- ما رواه جرّاح المدائني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) من أكل السحت ثمن الخمر، و نهى عن ثمن الكلب (6).

19- ما رواه أبو بصير قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ثمن كلب الصيد قال: «لا بأس بثمنه و الآخر لا يحلّ ثمنه» (7).

20- ما روى بهذا الإسناد عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) (في حديث) إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قال:

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 67، الباب 7، من أبواب ما يكتسب به، ح 3.

(2). المصدر السابق، ص 69، ح 5.

(3). المصدر السابق، ص 83، الباب 14، ح 1.

(4). المصدر السابق، ح 2.

(5). المصدر السابق، ح 3.

(6). المصدر السابق، ح 4.

(7). المصدر السابق، ح 5.

36

«ثمن الخمر و مهر البغي و ثمن الكلب الذي لا يصطاد من السحت» (1).

21- ما رواه الوليد العماري قال سألت أبا عبد اللّه (عليه السلام) عن ثمن الكلب الذي لا يصيد فقال: «سحت، و أمّا الصيود فلا بأس» (2).

22- ما رواه الحسن بن علي الوشاء عن الرضا (عليه السلام) قال: سمعته يقول: «ثمن الكلب سحت و السحت (الساحت) في النار» (3).

23- ما ورد في باب تحريم بيع العذرة بالخصوص مثل: ما رواه يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ثمن العذرة من السحت» (4).

و ما رواه سماعة بن مهران قال سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) و أنا حاضر فقال: «إنّي رجل أبيع العذرة فما تقول؟ قال: حرام بيعها و ثمنها ...» (5).

24- ما ورد في تحريم بيع الخمر أيضا ممّا ليس فيه ما يشعر بالتعليل مثل: ما رواه زيد بن علي عن آبائه (عليهم السلام) قال: «لعن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) الخمر، و عاصرها، و معتصرها، و بائعها، و مشتريها، و ساقيها، و آكل ثمنها، و شاربها، و حاملها، و المحوّلة إليه» (6).

25- ما رواه جابر عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: «لعن رسول اللّه 6 في الخمر عشرة: غارسها، و حارسها، و عاصرها، و شاربها، و ساقيها، و حاملها، و المحمولة إليه، و بايعها، و مشتريها، و آكل ثمنها» (7).

26- ما رواه الحسين بن زيد عن الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) (في حديث المناهي): «إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) نهى أن يشتري الخمر و أن يسقي الخمر و قال: «لعن اللّه الخمر، و غارسها، و عاصرها، و شاربها، و ساقيها، و بائعها، و مشتريها، و آكل ثمنها، و حاملها، و المحمولة إليه» (8).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 83، الباب 14، ح 6.

(2). المصدر السابق، ح 7.

(3). المصدر السابق، ص 84، ح 8.

(4). المصدر السابق، ص 126، الباب 40، ح 1.

(5). المصدر السابق، ح 2.

(6). المصدر السابق، ص 164، الباب 55، ح 3.

(7). المصدر السابق، ص 165، ح 4.

(8). المصدر السابق، ح 5.

37

و يستفاد من الروايات الأخيرة أنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) قد لعن فيها عشر طوائف، و إن اختلفت الروايات في ذكر هذه العشرة، ففي بعضها «العاصر» و «المعتصر» شخصان (و كأنّ أحدهما يعصر و الآخر يعاونه و يمسك الظرف و الإناء) و في بعضها «الخمر» بنفسها ملعونة، و في بعضها الآخر عدّ «الغارس» و «الحارس» شخصين، و الأمر سهل بعد كون جميعهم ملعونين.

27- ما ورد في باب تحريم بيع الفقاع مثل: ما رواه سليمان بن جعفر عن أبي الحسن الرضا (عليه السلام) قال: قلت له: ما تقول في شرب الفقاع؟ فقال: «خمر مجهول، يا سليمان! فلا تشربه أما يا سليمان لو كان الحكم لي و الدار لي لجلدت شاربه و لقتلت بائعه!» (1).

28- ما ورد في باب تحريم بيع الخنزير مثل: ما رواه ابن أبي نجران عن بعض أصحابنا عن الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن نصراني أسلم و عنده خمر و خنازير و عليه دين هل يبيع خمره و خنازيره و يقضي دينه؟ قال: «لا» (2).

29- ما رواه يونس في مجوسي باع خمرا أو خنازير إلى أجل مسمّى ثمّ أسلم قبل أن يحلّ المال قال: «له دراهمه ...» (3).

و لا يخفى إنّه لشدّة وضوح حرمة بيع الخنزير لم ينعقد في مضمار الأحاديث لذلك باب خاصّ مع أنّه أشدّ مفسدة من بيع الميتة، و لذا لم يجز بحال من الأحوال بخلافها.

فتلخّص من جميع ذلك حرمة بيع الأعيان النجسة بعنوان أصلي كلّي، و يدلّ عليه القاعدة العامّة التي عرفتها مع روايات متواترة إجمالا واردة في موارد مختلفة.

حكم المتنجّس:

بقى الكلام في حكم المتنجّس، و المشهور بين الأصحاب حرمة بيعه، ما عدى الدهن، كما سيأتي إن شاء اللّه، و لكن ظاهر السبزواري في الكفاية المناقشة في هذا الحكم، و استجوده في الحدائق (بعد نقل كلامه) (4).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 166، الباب 56، ح 1.

(2). المصدر السابق، ص 167، الباب 57، ح 1.

(3). المصدر السابق، ح 2.

(4). الحدائق، ج 18، ص 84.

38

و يظهر من كلام الشيخ الأعظم (قدّس سرّه) ذلك أيضا (1) و قد خالف فيه بعض المعاصرين إذا كانت له منفعة محلّلة مقصودة.

و عن العامّة أيضا الحرمة على المشهور بينهم: فعن المالكية لا يصحّ بيع المتنجّس الذي لا يمكن تطهيره، و ما يمكن تطهيره فيجوز مع الإعلان.

و عن الحنابلة لا يصحّ بيع الدهن المتنجّس، أمّا المتنجّس الذي يمكن تطهيره فانّه يصحّ بيعه، و لكن جوّز أبو حنيفة بيع المتنجّس و الانتفاع به في غير الأكل (2).

و الذي يمكن الاستدلال به لمختار المشهور قبل كلّ شي‌ء هو قاعدة التحريم المستفادة من قوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «إذا حرّم اللّه شيئا حرّم ثمنه ...» (3) كما عرفت شرحها، و الإجماع المدّعى في كلام بعضهم، مضافا إلى رواية تحف العقول حيث عدّ في التجارات المحرّمة «أو شي‌ء من وجوه النجس فذلك كلّه حرام محرّم» بناء على كون هذا العنوان في الأخبار عاما يشمل الأعيان النجسة و المتنجّسات.

و لكن أورد عليه بأنّه ظاهر في العناوين النجسة ذاتا، فالدهن المتنجّس ليس من وجوه النجس، و ليس ببعيد بملاحظة كلمة «الوجوه».

و يمكن الاستدلال أيضا بما ورد في بيع العجين النجس ممّن يستحلّ الميتة مثل: ما رواه حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في العجين من الماء النجس كيف يصنع به؟ قال:

«يباع ممّن يستحلّ الميتة» (4).

و ما رواه ابن أبي عمير عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «يدفن و لا يباع» (5).

و لا يبعد اختصاص النهي عن البيع في هذه الرواية بما إذا لم يكن هناك من يستحلّ الميتة، فحينئذ لا تنافي ما مرّ من جواز بيعه ممّن يستحلّها.

و ما دلّ على حرمة بيع الدهن المتنجّس من مسلم مثل: ما رواه علي بن جعفر عن أخيه‌

____________

(1). المكاسب المحرّمة، ص 8.

(2). الفقه على المذاهب الأربعة، ج 2، ص 231، و ص 232.

(3). بحار الأنوار، ج 100، ص 55.

(4). وسائل الشيعة، ج 12، ص 68، الباب 7، من أبواب ما يكتسب به، ح 3.

(5). المصدر السابق، ح 4.

39

موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن حب دهن ماتت فيه فأرة، قال: «لا تدهن به و لا تبع من مسلم» (1).

و لكن يعارضه ما دلّ على جوازه مثل: ما دلّ على جواز بيعه مع الإعلان ليستصبح به (2).

و العمدة ما عرفت من قاعدة التحريم، لعدم دليل يدلّ على العدول عنها، فإذا لم تكن له منفعة محلّلة مقصودة لم يجز بيعه و ان كان له منفعة كذلك، جاز لما عرفت، و به يجمع بين أخبار الباب، فتأمّل.

أقسام المتنجّس:

1- منها ما لا يقبل التطهير لا ظاهرا و لا باطنا كالمائعات المتنجّسة غير الماء و القول بتطهيرها بالاستهلاك اعتراف بعدم قبولها للتطهير مع بقاء عينها، و كذا الصابون و الصبغ و الدهن على الأقوى.

2- ما يقبل ظاهره التطهير كالقير النجس و الفلزات النجسة عند ذوبها.

3- ما يقبل التطهير ظاهرا و باطنا كالألبسة و غيرها.

و لا شكّ في جواز بيع القسم الثالث مع الإعلام، و القول بشمول إطلاقات عدم الجواز في الفتاوى و النصوص له كما ترى.

و أمّا القسم الثاني: فإن كان له منفعة معتد بها ممّا لا تشترط فيها الطهارة كالأمثلة المذكورة فهو أيضا جائز، لعدم شمول الأدلّة السابقة له قطعا، نعم قد يكون إطلاق الفتاوى ظاهرا في عدم الجواز، و لكن ليس حجّة على فرض قبوله.

و أمّا القسم الأوّل فهو أيضا على أقسام:

منها ما تكون منفعته الغالبة غير مشروطة بالطهارة كالصابون و الصبغ.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 69، الباب 7، من أبواب ما يكتسب به، ح 5.

(2). المصدر السابق، الباب 6، ح 3 و 4 و 5.

40

و منها ما تكون منفعته الغالبة مشروطة بها كالمائعات المضافة المشروبة كعصير الفواكه.

و منها ما تكون منافعه المشتركة بين المشروطة و غيرها كبعض الأدهان التي تستعمل في التدهين و غيره، و يستفاد منه في الأكل أيضا.

و الإنصاف، جواز بيع الأوّل و الأخير لما عرفت من الأدلّة السابقة، و لعدم حجيّة الشهرة، مع إنّها مشكوكة بالنسبة إليها، و لا تشملها إطلاقات الأدلّة السابقة كما هو ظاهر.

تحريم بيع الأعيان النجسة:

و هي أمور:

الأوّل: هل يحرم بيع العذرة

الأعيان النجسة إذا كانت لها منافع معتدّ بها هل يجوز بيعها؟ كالعذرة للتسميد، و الدم للمرضى و المجروحين، و دهن الميتة لبعض الانتفاعات؟ لا تخلو كلمات الفقهاء هنا من تشويش، فنقول و منه سبحانه التوفيق: أمّا بالنسبة إلى العذرة ففيها أقوال، المشهور عدم الجواز مطلقا، قال الشيخ في الخلاف: سرجين ما يؤكل لحمه يجوز بيعه، و قال أبو حنيفة:

يجوز بيع السراجين، و قال الشافعي: لا يجوز بيعها. و لم يفصّلا، دليلنا على جواز ذلك إنّه طاهر عندنا، و من منع منه فإنّما منع لنجاسته- ثمّ استدلّ بالسيرة الجارية في جميع الأمصار و الأعصار- ثمّ قال: أمّا النجس منه فلدلالة إجماع الفرقة، و روي عن النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إنّه قال:

«إنّ اللّه إذا حرّم شيئا حرّم ثمنه». و هذا محرّم بالإجماع، فيجب أن يكون بيعه محرّما (1).

و ظاهره مخالفة بعض الأصحاب في المأكول لحمه لنجاسته عنده.

هذا و المحكي عن المفيد و سلّار عدم جواز بيع الأبوال و الأرواث كلّها (و لو من مأكول اللحم الطاهر) إلّا بول الإبل (2).

و القول الثالث ما يظهر من الأردبيلي و المحقّق الخراساني (قدّس سرّهما) من الميل إلى الجواز إذا‌

____________

(1). الخلاف، ج 2، ص 82، المسألة 310.

(2). كما جاء في جواهر الكلام، ج 22، ص 19.

41

كان لها نفع حتّى في النجس منه، و حكى عن الفيض (قدّس سرّه) أيضا (1).

و لا ينبغي الشكّ في أنّ مقتضى الأصل هو الجواز، لما عرفت من القاعدة فيما له نفع محلّل، و الانتفاع بالعذرة في التسميد معمول و معروف في كثير من البلاد، إلّا أن يمنع منه مانع، و هو أمّا الإجماع المدّعى في كلام الشيخ (رحمه اللّه) في الخلاف، و في كلام غيره كالعلّامة (رحمه اللّه) في التذكرة، و هو كما ترى في مثل هذه المباحث، أو يمنع عنه الرّوايات الخاصّة، و هي ثلاث روايات:

1- ما رواه يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «ثمن العذرة من السحت» (2) و هو دليل على الحرمة، و لكن سندها ضعيف لعلي بن مسكين، اللهمّ إلّا أن يقال بانجباره بعمل الأصحاب، فتأمّل.

2- ما رواه محمّد بن مضارب عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال (عليه السلام): «لا بأس ببيع العذرة» (3).

و هو أيضا ضعيف بمحمّد بن مضارب.

3- ما رواه سماعة بن مهران قال سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) و أنا حاضر فقال: إنّي رجل أبيع العذرة فما تقول؟ قال: «حرام بيعها و ثمنها». و قال (عليه السلام): «لا بأس ببيع العذرة» (4).

و فيه نظر من حيث دلالته و من حيث سنده، فإن كان السند كما ذكره في الوسائل عن صفوان عن مسمع عن أبي مسمع فلا يخلو عن شي‌ء، و لكن الوسائل نقله عن التهذيب، و في نسخة التهذيب عن مسمع بن أبي مسمع، و قد وثّقوه.

و أمّا رواية صفوان و هو من أصحاب الإجماع فلا أثر لها، لما ذكرنا مرارا من أنّ كون الرجل من أصحاب الإجماع دليل على وثاقة نفسه بالإجماع، و لا أثر له لمن بعده.

و أمّا الدلالة فصدرها دليل على الحرمة و ذيلها دليل على الجواز، و قد ذكر للجمع بينهما عدّة أقوال:

منها: حمل المنع على التقيّة لكونه مذهب أكثر العامّة- لكن قد عرفت أنّ كلماتهم في‌

____________

(1). كما جاء في جواهر الكلام، ج 22، ص 19.

(2). وسائل الشيعة، المجلّد 12، الصفحة 126، الباب 40، من أبواب ما يكتسب به، الحديث 1.

(3). المصدر السابق، ح 3.

(4). المصدر السابق، ح 2.

42

ذلك مختلفة- و ذهب أبو حنيفة إلى الجواز.

منها: حمل خبر الحرمة على عذرة الإنسان، و الثاني على البهائم (و الظاهر أنّ مراده الفرق بين الطاهر و النجس و لكنّه جمع تبرّعي) كما هو الظاهر.

و منها: الفرق بين البلاد التي تعارف الانتفاع بها و ما لم يتعارف (نقل عن العلّامة المجلسي (قدّس سرّه) و هو أيضا كذلك، أي جمع تبرّعي.

و منها: الحمل على الكراهة- كما عن السبزواري- و هو الموافق لما جرت عليه سيرتهم في أبواب الفقه فيما إذا ورد النهي، ثمّ ورد الجواز، و إن ضعفه في الجواهر هنا، و كذلك صاحب الحدائق (1).

و لكن التعبير بالسحت يبعده. و استعمال السحت في بعض موارد الكراهة لا يمنع ظهوره القوي عند الخلو عن القرينة في الحرمة.

و منها: حمل النهي على الحرمة الوضعية، و الجواز على عدم الحرمة التكليفية، كما عليه بعض أعاظم العصر (2)، و هو عجيب جدّا، فإن الذي يقع الابتلاء به عادة هو الحرمة الوضعيّة، أعني صحّة البيع و فساده، و كيف يمكن أن يكون جوابه (عليه السلام) عن شي‌ء قلّما يقع في ذهن أحد في أمثال المقام، و هو الحرمة التكليفية المجرّدة عن الوضعية؟ و العجب أنّه جعله أحسن جمع مع أنّه لو سلم كان تبرّعيا أيضا.

و إذا لم يصحّ الجمع الدلالي تصل النوبة إلى المرجّحات، و حيث أنّ الحكمين مذكوران في موثّقة سماعة يقع الكلام في أنّها روايتان جمعهما في النقل هو، أو من تأخّر عنه، أو رواية واحدة؟ فإن كانت رواية واحدة لا يمكن إجراء المرجّحات بالنسبة إلى فقراتها، و احتمال جواز إجراء المرجّحات في أجزاء خبر واحد واضح الفساد، لانصراف قوله: يأتي عنكم خبران متعارضان، أو شبه ذلك في الخبرين المستقلّين، لا في جملات خبر واحد كما هو ظاهر، و حينئذ يسقط ما رواه سماعة بتعارض الصدر و الذيل، و يبقى ما رواه يعقوب و محمّد بن مضارب، و هما و إن كانا ضعيفين إلّا أنّ رواية الحرمة منجبرة بالشهرة، دون رواية‌

____________

(1). الحدائق، ج 18، ص 74، و جواهر الكلام، ج 22، ص 19.

(2). المكاسب المحرّمة، للإمام الخميني (قدّس سرّه)، ج 1، ص 8.

43

الجواز، فتبقى الاولى سليمة عن المعارض.

و أمّا إن قلنا أنّهما روايتان جمعا في نقل واحد فتصل النوبة إلى أعمال المرجّحات، و من المعلوم أنّ الشهرة و توافق الحرمة، و لكن في مقابلها مخالفة العامّة، التي توافق رواية الجواز و توجب ترجيحها، اللّهمّ إلّا أن يقال: موافقة أبي حنيفة للجواز الذي اشتهرت فتاواه في إجراء صدور الرواية، يمنع عن الأخذ بهذا المرجّح، و ليس ببعيد.

و الإنصاف إنّ تعدّد الرواية أقوى في النظر، فانّه من البعيد صدور الرواية من المعصوم بهذه العبارة المشتملة على التناقض الظاهر الذي لا يفهم المستمع منه شيئا يركن إليه.

و يؤيّده تكرار قوله: «و قال»، و كذا ذكر اسم الظاهر (العذرة) في الفقرة الثانية بدل الضمير.

و يتحصّل من جميع ذلك أنّ القول بالحرمة هنا بالخصوص بملاحظة الأدلّة الخاصّة إن لم يكن أقوى فلا أقل من إنّه أحوط، و إن كان مقتضى العمومات الجواز.

ثمّ إنّ العذرة ظاهرة في عذرة الإنسان كما صرّح به أهل اللغة.

قال في لسان العرب: العذرة و العاذر: الغائط الذي هو السلح، و في حديث ابن عمر، أنّه كره السلت الذي يزرع بالعذرة، يريد الغائط الذي يلقيه الإنسان، ثمّ قال: العذرة فناء الدار، و في حديث علي (عليه السلام) إنّه عاتب قوما فقال: ما لكم لا تنظّفون عذراتكم، أي أفنيتكم، و قيل:

العذرة أصلها فناء الدار، و إنّما سمّيت عذرات الناس بهذا لأنّها كانت تلقى بالأفنية، فكنّى عنها باسم الفناء، كما كنّى بالغائط، «و هي الأرض المطمئنة» عنها (1) انتهى محلّ الحاجة منه.

و من هنا يعلم أنّ حمل بعض الروايات على عذرة غير الإنسان بعيد جدّا.

و ممّا ذكرنا لا يبقى وجه لما حكي عن المفيد و سلّار من عدم جواز بيع الأرواث و الأبوال كلّها (2) بل ما يترتّب عليها نفع معتدّ به يجوز بيعه إن كان طاهرا، و إن كان نجسا أيضا، ما عدا عذرة الإنسان المنصوص عليها بالخصوص.

____________

(1). لسان العرب، ج 4، ص 544، مادّة «عذر»، ط- ح ة- بيروت- ج 9، ص 108.

(2). وسائل الشيعة، ج 17، ص 87، الباب 59، من أبواب الأطعمة المباحة.

44

بقى هنا شي‌ء، و هو أنّ الأرواث و الأبوال الطاهرة لا مانع من بيعها إذا كانت لها منفعة محلّلة معتدّ بها، و هي في الأرواث ظاهرة، أمّا في الأبوال خفية، و الاستشفاء ببعض الأبوال في بعض الأزمنة كما يظهر من عدّة روايات غير كاف بالنسبة إلى زماننا هذا الذي لا يعدّ ذلك من منافعها.

الثّاني: الدم

المشهور حرمة بيع الدم النجس، بل ادّعى الإجماع عليها، و القول بحرمتها مشهورة بين العامّة أيضا. بالعمومات السابقة الدالّة على حرمة بيع مطلق النجس التي قد عرفت الكلام فيها.

و غاية ما يمكن أن يستدلّ عليه بعد الآية الشريفة بعض الروايات الخاصّة الواردة من طرقنا و طرق العامّة:

أمّا الأوّل: فهو قوله تعالى: حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَ الدَّمُ وَ لَحْمُ الْخِنْزِيرِ (1) و لكن من الواضح أنّ النهي إنّما هو عن أكلها لا غير، و أمّا البيع و شبهه فهو خارج عن مفاد الآية.

أمّا الثاني: فهو ما رواه أبو يحيى الواسطي رفعه قال: مرّ أمير المؤمنين (عليه السلام) بالقصّابين، فنهاهم عن بيع سبعة أشياء من الشاة، نهاهم عن بيع الدم و الغدد و آذان الفؤاد و الطحال و النخاع و الخصي و القضيب (الحديث) (2).

و سند الحديث ضعيف بالرفع، و بجهالة أبي يحيى، و الظاهر أنّه «سهيل بن زياد» كان ممّن لقي أبا محمّد العسكري (عليه السلام) و أنّه كان من شيوخ الأصحاب المتكلّمين، و لكن لم يصرّح بوثاقته أحد فيما نعلم، بل صرّح بعض أرباب الرجال بأنّ حديثه قد يعرف و قد ينكر.

و لكن يمكن انجبار ضعفه بعمل المشهور، و ما قد يقال إنّه لا ينجبر بذلك لفساده فممنوع صغرى و كبرى، أمّا الكبرى فلما ذكرنا في محلّه من أنّ المعيار في حجيّة خبر الواحد هو الوثوق بالرواية، سواء حصل من ناحية الراوي، أو من نواحي اخر، و القول بأنّ المعيار‌

____________

(1). المائدة، الآية 3؛ و البقرة، الآية 173.

(2). وسائل الشيعة، ج 16، ص 359، الباب 31، من أبواب ما يحرم من الذبيحة ح 2.

45

خصوص وثوق الراوي نظرا إلى ما أرجع فيه إلى الثقات، مدفوع ببناء العقلاء الذي هو الأصل في المسألة كما لا يخفى على من راجعهم، و تفصيل الكلام في محلّه.

أمّا الصغرى فهي مفاد مرفوعة الواسطي و ليس ممّا لم يفت به المشهور، فإنّ تحريم السبعة معروف و مشهور بينهم.

و أمّا الإشكال على دلالة الرواية بما أفاده العلّامة الأنصاري (قدّس سرّه) (1) و تبعه غيره، بأنّ الظاهر حرمة البيع للأكل، و لا شكّ في تحريمه، من حيث أنّ قصد المنفعة المحرّمة موجب لحرمة البيع بل بطلانه، فيمكن الجواب عنه أوّلا: بأنّ القصد المذكور كما عرفت لا يوجب فساد البيع، و ثانيا: قد لا يكون هذا القصد موجودا، بل يشتريه لمنافع اخر.

و من طريق العامّة ما رواه البيهقي في سننه، عن عون بن جحيفة قال: إنّ رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) نهى عن ثمن الدم (2)، و لكن الكلام في سند الحديث.

و المهمّ في المقام أمر آخر، و هو أنّ الدم في سابق الأزمنة لم تكن له منفعة محلّلة معتدّ بها، و كانت عمدة منافعه الأكل المحرّم، إمّا الصبغ أو التسميد الذي اشير إليه في كلمات غير واحد، فالظاهر أنّهما كانا من المنافع النادرة، فالحكم بتحريم بيعه يوافق القواعد و الروايات ناظرة إليه.

أمّا في زماننا هذا فقد تغيّر هذا الموضوع، حيث يوجد في دم الإنسان منفعة عظيمة لإنقاذ الجرحى و المرضى الذين يحتاجون إلى الدم النقي، و هذه منفعة معتدّ بها، فهل يمكن الحكم بتحريم بيعه بحسب الأدلّة التي مرّت عليك؟ الظاهر عدمه، لأنّ رواية الواسطي و شبهها ناظرة إلى الدماء التي لم تكن لها منفعة غير الأكل المحرّم، و أمّا القواعد فقد عرفت دلالتها على الجواز في مثل هذا، و حال الإجماع أيضا معلوم، و النجاسة لا موضوعية لها.

ثمّ أنّه يبقى الكلام في الدم الطاهر المتخلّف في الذبيحة الذي يحرم أكله، و الظاهر حرمة بيعه أيضا لما عرفت من عدم المنفعة المحلّلة، و لكن المقدار القليل منه المتعارف وجوده في اللحم لا يضرّ شيئا، بل لو استهلك في الطعام جاز أكله أيضا.

____________

(1). المكاسب المحرّمة، ص 4.

(2). سنن البيهقي، ج 6، ص 6.

46

الثالث: الميتة

و قد تكون لها منافع كثيرة غير الأكل، فإن كانت محرّمة أيضا لم يبق للكلام في حرمة بيعها مجال، لأنّ اللّه إذا حرّم شيئا حرّم ثمنه، و أمّا إن كانت لها منافع محلّلة أمكن القول بحليّة بيعها، و لنا مجال للبحث منها:

فاللازم أوّلا البحث عن حكم منافعها غير الأكل.

فنقول و من اللّه نستمدّ التوفيق و الهداية:

قد تكون للميتة منافع معتدّ بها كفوائد جلدها لصنع الألبسة و الخيام و الأمتعة المختلفة، و منافع أدهانها، بل و لطعام الحيوانات و غير ذلك ممّا هو كثير، فهل يجوز الانتفاع بهذه منها، أم لا؟

المشهور بين الأصحاب بل المحكي عن علماء العامّة حرمة ذلك، و لكن خالف فيه شاذّ منها، و قال بجواز التصرّف فيها مطلقا، أو خصوص بعض موارده كالاستصباح بدهن الميتة.

قال ابن إدريس في السرائر: «الإجماع منعقد على تحريم الميتة و التصرّف فيها بكلّ حال إلّا أكلها للمضطرّ» (1).

و من الواضح أنّ الأصل في ذلك كلّه هو الجواز، و لكن هناك طائفة من الروايات تدلّ على الحرمة، و هي:

1- ما رواه علي بن أبي مغيرة قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): الميتة ينتفع منها بشي‌ء؟ فقال:

لا. قلت: بلغنا أنّ رسول اللّه مرّ بشاة ميتة فقال: «ما كان على أهل هذا الشاة إذا لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا باهابها»، فقال: تلك شاة كانت لسودة بنت زمعة زوج النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و كانت شاة مهزولة لا ينتفع بلحمها، فتركوها حتّى ماتت، فقال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم): «ما كان على أهلها إذا لم ينتفعوا بلحمها أن ينتفعوا باهابها أي تذكى» (2)، و هذه الرواية كالصريح في عدم جواز الانتفاع بجلد الميتة و غيرها.

2- ما رواه الفتح بن يزيد عن ن أبي الحسن (عليه السلام): «لا ينتفع في الميتة بإهاب و لا عصب» (3).

____________

(1). الحدائق، ج 18، ص 79.

(2). وسائل الشيعة، ج 16، ص 368، الباب 34، من أبواب الأطعمة و الأشربة، ح 1.

(3). المصدر السابق، ح 2.

47

3- و ما رواه أبو مريم: قال: قلت لأبي عبد اللّه (عليه السلام): السخلة التي مرّ بها رسول اللّه و هي ميتة، فقال: ما ضرّ أهلها لو انتفعوا باهابها، قال فقال أبو عبد اللّه (عليه السلام): لم تكن ميتة يا أبا مريم، و لكنّها كانت مهزولة فذبحها أهلها فرموا بها، فقال رسول اللّه: «ما كان على أهلها لو انتفعوا بإهابها» (1).

4- ما رواه سماعة قال: سألته عن جلود السباع أ ينتفع بها؟ فقال: «إذا رميت و سمّيت فانتفع بجلده و أمّا الميتة فلا» (2).

5- و عنه أيضا قال سألته عن أكل الجبن و تقليد السيف و فيه الكيمخت و الغرا. فقال: «لا بأس ما لم تعلم أنّه ميتة» (3).

6- ما رواه علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الماشية تكون لرجل فيموت بعضها أ يصلح له بيع جلودها و دباغها و يلبسها؟ قال: «لا، و إن لبسها فلا يصلّي فيها» (4).

7- و ما رواه قاسم الصيقل قال: كتبت إلى الرضا (عليه السلام) أنّي أعمل أغماد السيوف من جلود الحمر الميتة فتصيب ثيابي فاصلّي فيها؟ فكتب إليّ: «اتّخذ ثوبا لصلاتك ...» (5).

8- ما رواه الكاهلي قال: سأل رجل أبا عبد اللّه (عليه السلام) و أنا عنده عن قطع أليات الغنم فقال:

«لا بأس بقطعها إذا كنت تصلح بها مالك، ثمّ قال: إنّ في كتاب علي 7 أنّ ما قطع منها ميّت لا ينتفع به» (6).

الطائفة الثانية و هي التي تدلّ على الجواز مطلقا أو في الجملة:

1- ما رواه الحسن بن علي قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك إنّ أهل الجبل تثقل عندهم أليات الغنم فيقطعونها. قال (عليه السلام): «هي حرام» قلت: فنصطبح بها؟ قال: «أما تعلم أنّه يصيب اليد و الثوب، و هو حرام» (7).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 16، ص 368، الباب 34، من أبواب الأطعمة و الأشربة، ح 3.

(2). المصدر السابق، ح 4.

(3). المصدر السابق، ح 5.

(4). المصدر السابق، ص 369، ح 6.

(5). المصدر السابق، ج 2، ص 1050، الباب 34، من أبواب النجاسات، ح 4.

(6). المصدر السابق، ج 16، ص 295، الباب 30، من أبواب الذبائح، ح 1.

(7). المصدر السابق، ح 2.

48

(و لا يخفى أنّ ذيل الحديث حكم إرشادي إلى أنّ استعمالها في الاستصباح قد يوجب سراية نجاستها إلى الأشياء الاخر فيقع الإنسان في حرج، و إلّا فلا مانع من الاستصباح بها).

2- ما رواه ابن إدريس في آخر السرائر نقلا من كتاب جامع البزنطي صاحب الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يكون له الغنم يقطع من ألياتها و هي أحياء أ يصلح أن ينتفع بما قطع؟

قال: «نعم يذيبها و يسرج بها و لا يأكلها و لا يبيعها» (1).

3- ما رواه الحسين بن زرارة عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في جلد شاة ميتة يدبغ فيصبّ فيه اللبن أو الماء فأشرب منه و أتوضّأ. قال: نعم. و قال: «يدبغ فينتفع به و لا يصلّى فيه» (2).

(و لا يخفى أنّ هذه الرواية لا دلالة لها على الجواز إلّا على مذهب العامّة حيث انّهم يقولون بطهارة جلد الميتة بالدباغة، و هذا مخالف لما أجمع عليه علمائنا).

4- ما رواه سماعة قال سألته عن جلد الميتة المملوح و هو الكيمخت فرخّص فيه و قال:

«إن لم تمسّه فهو أفضل» (3).

5- ما رواه أبو بصير عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في حديث أنّ علي بن الحسين (عليه السلام) كان يبعث إلى العراق فيؤتى ممّا قبلكم بالفرو فيلبسه فإذا حضرت الصلاة ألقاه و ألقى القميص الذي يليه فكان يسأل عن ذلك فقال: «إنّ أهل العراق يستحلّون لباس الجلود الميتة و يزعمون أنّ دباغه ذكاته» (4).

6- ما رواه أبو القاسم الصيقل و ولده قال: كتبوا إلى الرجل: جعلنا اللّه فداك إنّا قوم نعمل السيوف ليست لنا معيشة و لا تجارة غيرها، و نحن مضطرّون إليها، و إنّما علاجنا جلود الميتة و البغال و الحمير الأهلية لا يجوز في أعمالنا غيرها، فيحلّ لنا عملها و شرائطها و بيعها و مسّها بأيدينا و ثيابنا و نحن نصلّي في ثيابنا؟ و نحن محتاجون إلى جوابك في هذه المسألة يا سيّدنا لضرورتنا.

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 16، ص 296، الباب 30، ح 4.

(2). المصدر السابق، ص 369، الباب 34، ح 7.

(3). المصدر السابق، ص 369، ح 8.

(4). المصدر السابق، ج 2، ص 1080، الباب 61، من أبواب النجاسات، ح 3.

49

فكتب (عليه السلام): «اجعل ثوبا للصلاة ...» (1).

هذا و لكن يمكن الإشكال في دلالة الأخيرة مضافا إلى ضعف سندها بأنّها ناظرة إلى حال الاضطرار و ليس ببعيد.

و في التي قبلها بأنّها مخصوصة بما يؤخذ من سوق المسلمين الذي يحلّ لبسه حتّى في الصلاة، و لكنّه (عليه السلام) احتاط احتياطا مستحبّا في حال الصلاة فقط، أمّا في غيرها فقد تركه لعدم لزومه، و الفرق بين الحالتين حسن حتّى بالنسبة إلى الإمام (عليه السلام).

نعم ما قد يتراءى من بعض الجهلة من التجنّب عن المحرّمات في صلاتهم أو حجّهم لا في غيرهما لا يناسب شأن المتديّن بالدين، فكيف بالأئمّة الهداة المهديين؟ و أين هذا من الاحتياطات المستحبّة.

و كون الإمام (عليه السلام) عالما بالواقع لا ينافي ذلك أيضا، لأنّهم مأمورون بالعمل على طبق الظواهر، و ما يعلمونه بالأسباب العادية في أعمالهم كما قرّر في محلّه، و به أجبنا عن كثير ممّا يورد على مسألة علم الإمام (عليه السلام) و آثاره في أحوالهم و أعمالهم (فتدبّر جيّدا).

و أمّا رواية الحسين بن زرارة فهي خارجة عمّا نحن بصدده، لأنّها ناظرة إلى طهارة جلد الميتة بالدباغة التي كانت فتوى كثير من العامّة و لا ربط لها بما نحن فيه.

و أمّا رواية الوشاء (الحسن بن علي) فيمكن حمل تلويث اليد و الثوب على الحكمة لحكم تحريم الاستصباح، و لا أقل من احتماله، فتسقط عن الظهور.

فلم تبق إلّا روايتا البزنطي و سماعة.

أمّا الاولى ففيها عند جواب السؤال عن أليات الغنم المقطوعة قوله: نعم يذيبها و يسرج بها و لا يأكلها و لا يبيعها، و أمّا الثانية ففيها الترخيص باستعمال جلد الميتة المملوح، و هو الكيمخت.

و لعلّ إطلاق الترخيص الظاهر في عدم وجوب الاجتناب عنه مع الرطوبة دليل على أنّها كالجلد المدبوغ الذي كانوا يقولون بطهارته، فالمملوح كالمدبوغ.

قال في منتهى الارب: «كيمخت نوع من الجلود تدبغ باسلوب خاصّ».

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 125، الباب 38، من أبواب ما يكتسب به، ح 4.

50

فلم يبق إلّا رواية البزنطي الدالّة على جواز الاستصباح بما يقطع من أليات الغنم، و من المعلوم أنّها لا تقاوم ما دلّ على الحرمة من جهات شتّى:

أوّلا: فلأنّها معرض عنها، فليست بحجّة في نفسها.

و ثانيا: إنّ أدلّة الحرمة أشهر رواية و فتوى، و إن أبيت إلّا عن حجيّتها و إمكان الأخذ بها، فلا أقل من أنّها أخصّ منها، فتخصّص بها، فلا يبقى مجال لنا في غير موردها، و لنعم ما قاله ابن إدريس بعد إيراد خبر البزنطي: «إنّه لا يلتفت إلى هذا الحديث فانّه من نوادر الأخبار، و الإجماع منعقد على تحريم الميتة و التصرّف فيها بكلّ حال إلّا أكلها للمضطرّ» (1).

و قد يتوهّم إمكان الجمع بينهما بطرق اخرى:

1- الجمع بالحمل على الكراهة كما يظهر من بعض أعاظم العصر (2). و فيه إنّ هذا الجمع و إن كان معمولا بينهم في الفقه بين دليل المنع و دليل الترخيص، إلّا أنّ لسان دليل المنع هنا يأبى عنه، للاستنكار الشديد الوارد في قضية سودة بنت زمعة، و لو كان ذلك جائزا لما أنكره عليهم كذلك، و يؤيّده إعراض الأصحاب عن هذا الجمع هنا مع قولهم به في غير المقام.

2- حمل الروايات على صورة التلويث، و أنت خبير بأنّ التلويث في جميع موارده قهري، مضافا إلى أنّه ليس أمرا محرّما، و قد صرّح في رواية أبي القاسم الصيقل بالتلويث.

3- حمل روايات المجوّزة على التقيّة.

و فيه أنّك عرفت ذهاب مشهور علماء العامّة إلى الحرمة.

4- حمل الأخبار المجوّزة على ما لا تحلّه الحياة كالأصواف و الإنفحة و غيرها.

و فيه إنّه مخالف لصريح بعض الأخبار المجوّزة كما عرفت، للتصريح فيها بالجلود و الأليات.

إذا عرفت ذلك فلنرجع إلى حكم بيعها، و من الواضح أنّ الانتفاع بها إذا كان حراما (كما‌

____________

(1). الحدائق الناضرة، ج 18، ص 79.

(2). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 69.

51

هو الأقوى) لم يبق وجه لجواز بيعها، فإنّ اللّه إذا حرّم شيئا حرّم ثمنه، بل لو قلنا بجواز الانتفاع بها كانت حرمة بيعها قويّة أيضا، للروايات المصرّحة بحرمة بيعها مثل ما يلي:

1- ما رواه السكوني عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) قال: «السحت ثمن الميتة، و ثمن الكلب، و ثمن الخمر، و مهر البغي، و الرشوة في الحكم، و أجر الكاهن» (1).

2- ما رواه حمّاد بن عمرو و أنس بن محمّد عن أبيه جميعا عن جعفر بن محمّد عن آبائه في وصيّة النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) لعلي (عليه السلام) قال: «يا علي من السحت ثمن الميتة، و ثمن الكلب، و ثمن الخمر، و مهر الزانية، و الرشوة في الحكم، و أجر الكاهن» (2).

3- ما رواه علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن الماشية تكون للرجل فيموت بعضها، يصلح له بيع جلودها و دباغها و لبسها؟ قال: «لا، و لو لبسها فلا يصلّ فيها» (3).

4- ما رواه البزنطي صاحب الرضا (عليه السلام) قال: سألته عن الرجل يكون له الغنم يقطع من ألياتها و هي أحياء أ يصلح أن ينتفع بما قطع؟ قال: «نعم يذيبها و يسرج بها و لا يأكلها و لا يبيعها» (4).

و قد صرّح فيها بحرمة البيع حتّى مع جواز بعض الانتفاعات إلى غير ذلك.

بقي هنا امور:

الأوّل: مقتضى القاعدة عدم جواز بيع المشتبهين بالميتة بعد قبول حرمة التصرّف في كلّ منهما، نظرا إلى تنجّز العلم الإجمالي.

و ما يظهر من بعضهم جواز التصرّف و أكل واحد منهما تخييرا عدول عمّا حقّق في محلّه من تأثير العلم الإجمالي (5).

____________

(1). وسائل الشيعة، ج 12، ص 62، الباب 5، من أبواب ما يكتسب به، ح 5.

(2). المصدر السابق، ص 63، الباب 5، من أبواب ما يكتسب به، ح 9.

(3). المصدر السابق، 65، ح 17.

(4). المصدر السابق، ج 16، ص 296، الباب 30، من أبواب الذبائح، ح 4.

(5). المكاسب للشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)، ص 5، (حكاه عن بعض).

52

و كذلك ما قد يقال من جواز قصد المذكّى منهما فإنّه حلال واقعا و له مالية (1). ممنوع بأنّ حرمته العرضية بمقتضى الحكم الظاهري تسقطه عن المالية قطعا، فلا يبذل بإزائه المال، و إذا حرّم اللّه شيئا حرّم ثمنه، و هكذا ما أفاده بعض محقّقي العصر من أنّ أدلّة الحرمة لو كانت النصوص و الإجماعات فلا شبهة في أنّهما لا يستحلّان صورة الاختلاط، لأنّه لا يصدق بيع الميتة على ذلك مع قصد المذكّى (2)، لجريان ما ذكره في جميع موارد العلم الإجمالي، و لا يلتزم به، بل الظاهر إنّها تشمل الميتة الواقعية، و بضميمة حكم العقل و الشرع بوجوب الاحتياط يسري الحكم إلى المذكّى أيضا، و لا سيّما أنّ المقام من المقامات التي تجري بعض الاصول النافية، أي أصالة عدم التذكية في كلا الطرفين.

و كذلك ما قيل من أنّ بيعهما من شخصين خال عن المحذور، فإنّه بالنسبة إلى كلّ منهما من قبيل الخروج عن محلّ الابتلاء (3).

و ذلك لأنّ كلّا منهما محلّ ابتلاء المشتري في كثير من الأوقات، سلّمنا، و لكن حرمة انتفاع البائع عنهما كاف في المنع عن البيع، فتأمّل.

و بالجملة لا يمكن تصحيح المسألة بشي‌ء من هذه، بل العمدة هنا ورود غير واحدة من الروايات المعتبرة الدالّة على جواز بيع المشتبهين من خصوص من يستحلّ الميتة، و حكى عن المشهور الفتوى به:

منها: ما رواه الحلبي قال: سمعت أبا عبد اللّه (عليه السلام) يقول: «إذا اختلط الذكي و الميتة باعه ممّن يستحلّ الميتة و أكل ثمنه» (4).

و منها: ما رواه هو عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) أنّه سئل عن رجل كان له غنم و بقر و كان يدرك الذكي منها فيعزله، و يعزل الميتة، ثمّ أنّ الميتة و الذكي اختلطا كيف يصنع به؟ قال: «يبيعه ممّن يستحلّ الميتة، و يأكل ثمنه، فإنّه لا بأس» (5).

و مثله ما رواه علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) (6).

____________

(1). المكاسب للشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)، ص 5، (حكاه عن بعض).

(2). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 72.

(3). مصباح الفقاهة، ج 1، ص 72.

(4). وسائل الشيعة، ج 12، ص 67، الباب 7، من أبواب ما يكتسب به، ح 1.

(5). المصدر السابق، ص 68، ح 2.

(6). المصدر السابق، ذيل ح 2.

53

و هذه الروايات الثلاث كما ترى ظاهرة الدلالة على جواز البيع ممّن يستحلّه من غير تفصيل.

و ذكر في «مفتاح الكرامة» بعد نقل هذا القول من النهاية و الوسيلة و الجامع و عن جمع آخر و بعد نقل الخبرين الأوّلين ما نصّه:

«فالخبران لمكان اعتبارهما و عمل جماعة بهما لا بدّ من تأويلهما، و ليس هو إلّا ما ذكره المحقّق و المصنّف (قدّس سرّهما) من الوجهين (و مراده من الوجهين ما ذكره المحقّق (رحمه اللّه) من قصد المذكّى، و العلّامة (رحمه اللّه) في المختلف من أنّه ليس بيعا بل استنقاذا لمال الكافر).

ثمّ قال: و بالغ المحقّق الأردبيلي و الفاضل الخراساني (قدّس سرّهما) فمالا إلى الإباحة، و لم يوجبا الاجتناب (انتهى موضع الحاجة) (1).

أقول: إن كان الخبران (بل الأخبار الثلاثة) معتبرة و عمل بها جمع من الأصحاب، فلما ذا لا نعمل بهما، و لما ذا نحملهما على خلاف ظاهرهما من قصد المذكّى أو الاستنقاذ؟

بل يؤيّدها ما رواه الحفص بن البختري عن أبي عبد اللّه (عليه السلام) في العجين من الماء النجس كيف يصنع به؟ قال: «يباع ممّن يستحلّ الميتة» (2).

و ما رواه عبد اللّه بن الحسن عن علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر (عليه السلام) قال: سألته عن حبّ دهن ماتت فيه فأرة؟ قال: «لا تدهن به و لا تبعه من مسلم» (3).

و ما رواه زكريا بن آدم قال سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قطرة خمر أو نبيذ مسكر قطرت في قدر فيه لحم كثير و مرق كثير؟ قال: «يهراق المرق أو يطعمه أهل الذمّة ...» (4).

نعم هو مخالف للقواعد، و لكن لا نأبى عن مخالفتها لها بعد ورود الدليل الخاص.

مضافا إلى أنّ كون الكفّار مكلّفين بالفروع بمجرّده، لا ينفع في المقام، ما لم ينضمّ إليه مسألة الإعانة على الإثم، و لكن كون المقام من قبيل الإعانة، أوّل الكلام، و إن كانت الكبرى أعني حرمة الإعانة مسلّمة، بعد كون جميع ما يأكلونه و يشربونه حراما بناء على نجاستهم،

____________

(1). مفتاح الكرامة، ج 4، ص 20.

(2). وسائل الشيعة، ج 12، ص 68، الباب 7، من أبواب ما يكتسب به، ح 3.

(3). المصدر السابق، ص 69، ح 5.

(4). المصدر السابق، ج 2، ص 1056، الباب 38، من أبواب النجاسات، ح 8.

54

و كون جميع ذبائحهم كذلك، و من الواضح انّهم ينتفعون دائما بما يكون ميتة عندنا، و من المعلوم جواز إعطائهم الماء و غيره من الغذاء و بيعها لهم، بل و بيع الحيوان الحي منهم ... مع العلم بوصول النجاسة إليه من قبلهم قبل تناوله، أو عند ذبحه، و إن كان بين ما نحن فيه و بينه فرقا، من أنّ الحرمة في هذا المثال تنشأ من ناحية أنفسهم و بعد إعطائهم.

و لكن في مسألة اللحم غير المذكّى تنشأ الحرمة من ناحية البائع، و لكنّه مقرّب للمقصود.

و على كلّ حال، لا يمكننا رفع اليد عن الروايات الكثيرة الدالّة على المقصود المعمول بها بين الأصحاب، مع عدم مانع صريح عنها.

نعم ورد في حديث عن علي (عليه السلام): «أنّه يرمى بهما جميعا إلى الكلاب» (1) و لكنّه لا يقاوم ما ذكر، و يمكن حمله على مورد لا يوجد أهل الذمّة أو حمله على الكراهة.

ثمّ إنّ المبيع هنا هو المذكّى أو هما؟ ظاهر ضمير المفرد المذكّر هو الأوّل، و لكن لحن الحديث ناظر إلى جنس الحيوان، الأعمّ من المذكّى و غيره.

و من هنا يمكن التعدّي عنه إلى بيع سائر المحرّمات كالسمك الذي لا فلس فيه، و ما يسمّى عندنا ب‍ «خاويار» بناء على حرمته كما هو المشهور، و غير ذلك من الأعيان النجسة، ما عدى الخمر و شبهها ممّا يعلم عدم جوازه على كلّ حال.

فإنّ ظاهر الروايات عدم اختصاص الحكم بمورده، و إنّه ناشئ من استحلالهم لذلك، و لكن لا يخلو عن إشكال.

نعم يمكن دعوى أولوية ما عدا الميتة ممّا ذكرنا بالنسبة إليه، و لكن هذا مبنى على ما عرفت من كون المبيع كليهما لا المذكّى فقط، و المسألة محتاجة إلى مزيد تأمّل.

بقى هنا شي‌ء و هو أنّ الحكم هل يجري في المعلوم من الميتة فيحلّ بيعها ممّن يستحلّها؟

يمكن القول به، بناء على رجوع الضمير إليهما، و لكنّه مشكل لعدم إمكان التعدّي بعد ظهور روايات الحرمة في عدم جوازه.

و لو قيل أنّ مرجع الضمير هو المذكّى فالأمر واضح.

____________

(1). مستدرك الوسائل، ج 13، ص 73، ح 1.